عباده بذلك: أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها.
ويقولون لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة، ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته، وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة، مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالها، ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار، الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله، والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها" (١).
стр. 842
المبحث السادس
قاعدة الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى * معنى الشفاعة لغة وشرعًا
الشَّفاعة على وزن (فَعَالَة) مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (شَفَعَ)، والشَّفْعُ ضد الوتر، يقال: كان وترًا فشفعه من باب قَطَعَ، فالشَّفْعُ: ما شَفَعَ غيره وجعله زوجًا جمع أَشْفاعٍ وشُفَّاع، وكذلك شَفَعَ الشيء شَفْعًا: ضم مثله إليه، وجعله زوجًا، وتَشَفَّع إليه في فلان فَشَفَّعَهُ فيه تَشْفِيعًا: قبل شفاعته فيه، ويقال: هو مُشَفِّعٌ: يقبل الشفاعة وهو مُشَفَّعٌ: مقبول الشفاعة. واسْتَشْفَعَ: طلب الناصر، والشَّفِيع والشَّافِع: صاحب الشفاعة، والشَّفَاعَة: كلام الشفيع والجَمعُ شُفَعاء وهو الطالبُ لغَيرِه يَتَشَفَّعُ به إلى المَطلوب (١).
стр. 843
هذا هو أصل مادة (شَفَعَ)، وعليه فمعنى الشَّفَاعَة في اللغة من الشَّفْعِ؛ كأن المَشْفُوع له كان فردًا فجعله الشَّفِيعُ شفْعًا، ولذا عرَّفها الراغب بقوله: "والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة" (١).
وهذا المعنى هو حقيقة الشفاعة الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وبهذا عرَّفها أهل العلم، وأذكر فيما يلي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
يقول الزبيدي: هي كلامُ الشَّفيع للمَلِكِ في حاجةٍ يسألُها لغيرِه، وَشفَع إليه في معنى طَلَبَ إليه.
وقيل: الشَّفاعة: التَّجاوُزُ عن الذُّنُوبِ والجرائم.
وقيل: الشّفاعَةُ المُطالَبةُ بوَسيلةٍ أو ذِمامٍ (٢).
وفسَّر بعض أهل اللغة الشفاعة الواردة في قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ذعِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أن الشفاعة ها هنا هي الدعاء (٣).
وقال أبو جعفر الطبري: "والشفاعة: مصدر من قول الرجل شَفَعَ لي فلان إلى فلان شفاعة: وهو طلبه إليه في قضاء حاجته، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع؛ لأنَّه ثَنَّى المستشفع به فصار له شفعًا، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردًا فصار صاحبه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة؛ ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعًا لمصير البائع به شفعًا" (٤).
стр. 844
وقال أبو السعود في تفسيره: "الشفاعة: هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه من مضرة ما كذلك، من الشفع كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا" (١).
ويقول الإمام القرطبي: "فالشفاعة إذًا ضَمُّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشَفِّع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له" (٢).
وعرَّفها الإمام ابن تيمية بقوله: "والشَّفاعة هي الدعاء" (٣).
وعرَّفها الشيخ مبارك الميلي (٤) بقوله: "فالشَّفاعة تحمل معنى الضم والإعانة للمشفوع له، ومعنى الجاه والحرمة للشفيع عند المشفوع إليه، فسعيك لآخر في حاجة له عند عظيم شفاعة، وأنت شفيع، وذلك الآخر مشفوع له، وذلك العظيم مشفوع إليه، وقضاء تلك الحاجة تشْفِيع" (٥).
هذا بعض ما وقفت عليه من كلام العلماء في تحرير معنى الشفاعة (٦) والحاصل أن الشفاعة في حقيقتها أنها دعاء الشافع لربه تبارك
стр. 845
وتعالى للمشفوع له لينال الخير والأجر والنعيم، ويوقى الشر والعذاب، ولكنها أخص من الدعاء من حيث إن الدعاء يتصور أن يصدر من شخص واحد يطلب أمرًا له أو لغيره من غير طلب المدعو له لهذا الأمر، بل قد لا يعلم به أصلًا ولا يتصوره في نفسه، وهذا بخلاف الشفاعة إذ لا تكون إلا إذا كان هناك شخصان يطلبان أمرًا، فيشفع أحدهما الآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره (١).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
دلت القاعدة في الجملة على أمرين عظيمين:
الأول: أن مالك الشفاعة هو الله تعالى، فلا يملكها مخلوق على الإطلاق لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا صالح ولا جن ولا إنس، بل هي حق الله الخالص الذي لا يشركه فيه مخلوق بحال.
الثاني: أن الأصل في الاستشفاع وهو طلب الشفاعة أن يكون من مالكها وهو الرب تعالى، أو ممن أذن الله تعالى أن يستشفع به فمن طلبها من غير الله أو من غير من أذن له وقع في الشرك الأكبر.
فالقاعدة قررت ملك الله تعالى الكامل للشفاعة واستقلاله بها، فالمخلوقات دونه سبحانه لا تملك شيئًا من هذه الشفاعة على الإطلاق، وعليه فلا تطلب إلا من مالكها أو ممن أذن له سبحانه أن يشفع.
стр. 846
يقول الإمام ابن تيمية: "إذ المخلوق لا يملك شيئًا يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]: أن هذا عام مطلق؛ فإن أحدًا ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوك لهم" (١).
ولزيادة التوضيح والبيان لمعنى القاعدة فإن الاستشفاع وهو طلب الشفاعة يكون على ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: طلب الشفاعة في الدنيا ممن هو حي حاضر وقادر على أداء الشفاعة، وتكون الشفاعة فيما أباحه الله ورضيه لا فيما حرمه ومنعه، والشافع سائلٍ وداعٍ قد تقبل شفاعته بما له عند المُشَفِّع من المكانة والمنزلة والجاه وقد ترد، وهذه الشفاعة شاملة لأمور الدنيا والآخرة، وقد يكون المشفوع إليه هو الله تعالى وقد يكون غيره، فهذا مما أمر الله به أو أباحه (٢).
الحالة الثانية: طلب الشفاعة في الدنيا من الميت، أو من الحي الغائب، سواء كان موضوع الشفاعة يتعلق بأمر دنيوي، أو بأمر أخروي: فهذه هي الشفاعة الشركية، وهي شفاعة المشركين وقد أبطلها القرآن ونفاها في غير ما موضع، ولذا لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ ولا
стр. 847
عن تابعيهم، ولا عن أحد من سلف الأمة أنه دعا ميتًا أو غائبًا أو طلب منه الشفاعة.
ومن المعلوم بداهة أن طلب الشفاعة من أحد يلزم منه علم الشافع بهذه الشفاعة، ثم أداؤها، والميت أو الغائب إذا اسْتُشْفِعَ به فإنه لا يعلم بهذه الشفاعة، ولا يستطيع أداءها بحكم موته أو غيبته، وعليه فإن الشفاعة باطلة من أساسها (١).
الحالة الثالثة: طلب الشفاعة يوم القيامة، وهذه على ضربين:
أحدهما: شفاعة مثبتة وهي شفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وهي جائزة ونافعة إذا تحققت فيها شروط قبول الشفاعة وهي: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع وللمشفوع له أن يشفع فيه (٢)، ثم رضاه عن الشافع والمشفوع له (٣).
стр. 848
الثاني: الشفاعة المنفية وهي التي يتخلف عنها أحد شرطي الشفاعة المثبتة، هذا النوع من الشفاعة غير واقع أصلًا، وإنما شيء تخيله المشركون في أذهانهم المنكوسة، وإلا فمن الذي يتجرأ في ذلك اليوم العصيب أن يتقدم ويتكلم ويخاطب رب العزة بدون إذنه سبحانه، بل قال سبحانه في شأن الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨].
وجملة القول أن الشفاعة إما أن تكون دنيوية يطلبها المستشفع في الدنيا، وإما أن تكون أخروية تطلب في الآخرة، والقاعدة دلت على أن الشفاعة ملك لله تعالى مطلقًا في الدنيا والآخرة، وأما كون طلبها ورجائها من غير الله أو من غير من أذن له شرك فهذا خاص بالحالة الثانية وهي طلب الشفاعة من الميت، أو من الحي الغائمب، الذي ليس
стр. 849
في مقدوره أداء الشفاعة، والله تعالى لم يأذن لنا في دعاء الأموات ولا غيرهم إلا هو سبحانه، فقال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، ومن المعلوم أن طلب الشفاعة من الله تعالى دعاء وهو عبادة فلا يجوز صرفها لغيره .
ولذلك قسَّم -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشفاعة إلى قسمين، فقال ﵀: "والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية؛ وشفاعة مثبتة: فالشفاعة المنفية، هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله (١)؛ والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والمثبتة: هي التي تطلب من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ والشافع: مكرم بالشفاعة؛ والمشفوع له: من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن" (٢).
وأما طلبها في الآخرة ممن أذن له، أو في الدنيا من الأنبياء والصالحين حال حياتهم وحضورهم فهذا جائز لا منع فيه.
стр. 850
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة، أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك، ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله ﷺ إياها يوم القيامة، فهذا لا ينكر، وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ ، وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعته أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام" (١).
ويقول الشيخ محمد بشير السهسواني: "وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابتة بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد" (٢).
ويقول الشيخ حسين بن غنام (٣) في بيان أن طلب الشفاعة من الميت كفر مخرج عن الدين: "وأما كون الطلب لها والسؤال كفرًا مبيحًا للدم والمال، فهذا كلام فيه غاية الإجمال، بل هو من المغالطة في
стр. 851
المناظرة والجدال، والذي نجزم به وندين هو ما أفصح به النور المبين، وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال، في صدور السؤال والمقال:
فما كان في حياته ﵊ فليس إلى منعه من سبيل، لورود النص فيه والدليل، ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور، وحاشا أن يُقِرَّ أحدًا على محظور، فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (١)، ولو كان سؤالها في حياته شركًا لسدَّ بابه، بل لم تسأل ذلك الصحابة، فلا ريب في جواز ذلك ولا إشكال، وليس للمقال فيه مجال.
وأما بعد موته ﷺ فهو مما لا سبيل إليه، والطرق دونه مسدودة، وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة، لا تقاوم قواطع النصوص، ولا تعارض براهين المنع المنصوص على استواء العموم في ذلك والخصوص.
وحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول:
اعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى، لا خلاف فيه بين أهل الحق في ذلك، ولا نزاع، ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع،
стр. 852
الذين يحرفون الكلم على خلاف مراد واضعه، ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه، بل يبتدعون الأقوال، ويخترعون شبه الضلال.
فإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين، وأنها داخلة في جملة أنواع الدين، الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين: امتنع صرفها لغيره، فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبيّ، ولا ملك مقرب ولا وليّ؛ لأن ذلك من الشرك الجلي، إلا أن الدليل القاطع خصَّ عموم النهي بالأموات لقيام المانع، ودلَّ على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه وكذلك الاستشفاع، كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع، وأنهما خارجان من عموم الامتناع" (١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
علمنا مما سبق دلالة القاعدة على أمرين:
الأول: استقلاله سبحانه وتفرده بملكيته للشفاعة دون غيره من الخلق.
الثاني: طلب الشفاعة من غير الله تعالى مباشرة، أو من غير من أَذن له تعالى يوقع في الشرك بالله العظيم.
وفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من أدلة تدل على كلا الأمرين الذين اشتملت عليهما القاعدة:
أولًا: أدلة عامة دلت على ملكية الله تعالى لجميع ما في الكون، بل هو مالك الدنيا والآخرة والشفاعة داخلة في هذا العموم، ومن تلك الآيات:
стр. 853
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله : ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عز من قائل: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٥، ١٦].
يقول الإمام السمعاني في قوله تعالى: ﴿مالك الملك﴾: "ومعناه مالك العباد وما ملكوه" (١).
ويقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: "بل الكلك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي كلهم مملوكون لله ليس لأحد من الملك شيء" (٢).
ثانيًا: تصريحه بملكه التام للشفاعة وأنه لا يشركه فيها أحد من الخلق مهما كانت مكانته ومنزلته، ومن تلك الآيات:
قوله سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
بيَّن ضعف هؤلاء الشفعاء وأنهم لا يملكون مثقال ذرة، لا
стр. 854
شفاعة ولا غيرها، وأن الشفاعة جميعها خالصة لله تعالى ملكًا وتصرفًا، وعليه فيجب ألا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى أو ممن أذن له تعالى أن يشفع.
يقول البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: "والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل بها، ثم قرر ذلك فقال: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ يوم القيامة، فيكون الملك له أيضًا حينئذٍ" (١).
ويقول الإمام ابن القيم في بيان معنى الآية: "فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه.
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه ... فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه" (٢).
ويقول الشيخ السندي: "وثبوت الشفاعة لا يوجب أنه يملك شيئًا، سيما إذا كان محتاجًا فيها إلى الإذن من الله تعالى فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ " (٣).
стр. 855
ثالثًا: أدلة دلت على أن الله هو المالك الحق للشفاعة دون غيره من الآلهة، ومع ملكه التام لها فقد أذن لمن شاء من عباده أن يشفع فيمن شاء منهم، ومن تلك الأدلة:
قوله : ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧].
نفى الله سبحانه في الآيتين الشفاعة عمن دعي وعبد من دونه ثم استثنى بعد ذلك، وهذا الاستثناء فيه قولان لأهل العلم: الأول: أنه استثناء متصل، فقيل: المستثنى هو الشافع، وقيل بل هو المشفوع له، والثاني: أن الاستثناء في الآية منقطع وهذا هو الراجح (١).
يقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للقولين: "قلت: كِلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، وكل من دعي من دون الله لا يملك الشفاعة البتة، والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله" (٢).
وقال ﵀ أيضًا: "والمقصود هنا أن قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ فهذا استثناء منقطع، والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين
стр. 856
المذكورين، فلما نفى ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا مالك لها، كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد فقال: نعم" (١).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: ليست الشفاعة ملكهم ولا لهم منها شيء، وإنما هي لله تعالى قل لله الشفاعة جميعًا" (٢).
وقد يقال: إن من أَذن الله له في الشفاعة فقد مَلَّكَه ما أُذن له فيه، ولا يقال: إنه مالك للشفاعة بإطلاق، ولكن يقال: إن الله ملكه ذلك بإذن خاص، فهو مالك لما أذن له فيه فقط، أما ما لم يؤذن له فيه فلا يملك منه شيئًا.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وقد بين تعالى في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك" (٣).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين في رده على ابن جرجيس على قوله: إن الله ملَّك المؤمنين الشفاعة. فقال: "فإطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة خطأ، بل الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي ﷺ أن الأنبياء يشفعون والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال: إنه مَلَكَ ما أُذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلَّق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال" (٤).
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ
стр. 857
مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
وهذه الآية قطعت أصول الشفاعة الشركية، إذ نفت ملك الآلهة المعبودة لشيء من ذرات الكون لا استقلالًا ولا مشاركة ولا معاونة، ولم تبق إلا الشفاعة فبيّن الله أنها لا تنفع إلا من بعد إذنه سبحانه ورضاه (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن غير الله لا يستقل بفعل شيء البتة، ... فغير الله لا مالك لشيء، ولا شريك في شيء، ولا هو معاون للرب في شيء، بل قد يكون له شفاعة إن كان من الملائكة والأنبياء والصالحين، ولكن لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، فلا بد أن يأذن للشافع أن يشفع، وأن يأذن للمشفوع له أن يُشْفَع له، ومن دونه لا يملكون الشفاعة البتة" (٢).
وقال ﵀ أيضًا: "وأما في الملك فلا يمكن أن يكون غيره مالكًا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكًا لها، بل هذا ممتنع كما يمتنع أن يكون خالقًا وربًّا، وهذا كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ فنفى الملك مطلقًا، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقًا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك ... ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيًا مطلقًا بغير استثناء، وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه ... فلما قال: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾
стр. 858
[الأنعام: ٥١] نفى الشفاعة مطلقًا، وإذا ذكر ﴿بِإِذْنِهِ﴾ لم يقل: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] " (١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
أدرك أهل العلم ﵏ خطورة مسألة الشفاعة وسؤالها من غير مالكها، ولذا كثر اهتمامهم ببحثها وتقريرها وضبطها، كيف لا وهي سبب الضلال والانحراف لكثير من الأمم والشعوب في حاضر تاريخها وغابره، فوقعوا بسببها في الشرك بالله العظيم، وصرفت العبادة لغير الله المولى (٢)، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من كلام أهل العلم في تقرير وتأييد معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن تيمية في شأن المشركين: "لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه، فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة، وهذا نوع من الشرك، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله" (٣).
ويقول - الإمام المجدد - الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة لله كلها فاطلبها منه فأقول: اللَّهُمَّ لا تحرمني شفاعته، اللَّهُمَّ شفعه في وأمثال هذا" (٤).
стр. 859
ويقول ﵀: "فالشّفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى" (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: "أي: هومالكها، فليس لمن تطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون كل من سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلا لله" (٢).
ويقول الشيخ السعدي: "فإذا أراد رحمة عبده أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع رحمة بالاثنين، ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]؛ أي: جميع ما فيها من الذوات والأفعال والصفات فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها وتخلص له العبادة" (٣).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "والمقصود أن الشفاعة ملك لله ولا تُسأل إلا منه، كما لا يكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة" (٤).
ويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "فإذا تبيَّن حَدُّ الشفاعة وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله وإكرام أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة ورجائها، فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلّون، ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذن لهم بالشفاعة" (٥).
стр. 860
هذا ما وقفت عليه من ألفاظ العلماء في تأييد معنى القاعدة وتقريرها.
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في أمور عديدة، ومن تلك الفوائد ما يلي:
أولًا: دلت القاعدة على ثبوت الشفاعة الشرعية في الآخرة، وهذا هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أخذًا بالنصوص الصريحة الدالة على ثبوتها، وذلك خلافًا لمن أنكرها من أهل البدع وتأول فيها النصوص على غير وجهها، والحق أنها ثابتة لمن أذن الله له في الآخرة أن يشفع من الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وغيرهم، فهي نائلة كل من مات على التوحيد والإيمان وكان مقترفًا لكبائر الذنوب بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا ﷺ وغيره في أهل الكبائر، وأما أهل السُّنَّة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له، ويحد له حدًّا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة" (١).
ثانيًا: دلت القاعدة على أن طلب الشفاعة في الدنيا من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو أو من غير إذنه شرك بالله تعالى؛ لأنها متضمنة
стр. 861
لسؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والإقبال عليه، رغبة ورهبة، وفي هذا إعراض عن الله وقصده وإرادة وجهه، فلا يشرع دعاء الملائكة ولا من مات من الأنبياء والصالحين لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقوع في الشرك بالله تعالى.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فإن قلت: إنما حكم بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط فهو لم يعبدهم فلا يكون ذلك شركًا.
قيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك لازم له، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب ، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى.
وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم، فإدن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم للشفاعة فقد عبدهم، وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى" (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات يتضمن أنواعًا من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دودن الله، ورجائه والرغبة إليه والإقبال عليه بالقلب والوجه واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله" (٢).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإدن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا
стр. 862
والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله، وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك، وإذا سألهم معتقدًا تأثيرهم من دون الله فهو أكبر وأطم" (١).
ويقول الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى: "قد أخبر تعالى أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا ممن هي له، وإذنه فيها وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم، ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علمًا يقينيًا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به الرسول ﷺ من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص" (٢).
ولذا يقول الشيخ الشنقيطي مبينًا ومقررًا أن طلب الشفاعة من غير الله، واتخاذ الشفعاء بقصد القربة إلى الله تعالى هو أصل شرك المشركين، فقال: "ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار" (٣).
ثالثًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة لا تطلب إلا من مالكها، فلا تطلب ممن لا يملكها، ولم يؤذن له فيها، وكون الملائكة والأنبياء يشفعون في الآخرة فإن هذا لا يجيز دعاءهم وطلب الشفاعة منهم بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لما يترتب على طلب الشفاعة منهم من مفسدة التوجه إلى غير الرب تعالى.
стр. 863
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة، وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين:
أحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم، فلا فائدة في الطلب منهم.
الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم، ففيه هذه المفسدة، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه، فإنهم ينهون عن الشرك بهم، بل فيه منفعة: وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذٍ من نفع الخلق كلهم؛ فإنهم في دار العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة" (١).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإن قال: النبي ﷺ أُعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله! فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، فإذا كنت تدعو الله أن يُشَفِّعَ نبيه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾.
وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إنه الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم، فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله" (٢).
стр. 864
رابعًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة ملك لله تعالى ليس لأحد من الخلق حق فيها، بحيث يشفع لمن شاء كيف شاء في الوقت الذي يشاء، وهذا ما أوقع أهل الشرك والتنديد في الشرك بالله العظيم، حيث ادعوا لآلهتهم وأوليائهم هذا الحق، والشبهة التي أوقعتهم في هذا الجرم العظيم أنهم قاسوا الله تعالى على ملوك الدنيا حيث لا تستطيع الرعية سؤال الملك والطلب منه مباشرة، وإنما يرفعون أمرهم إلى المقربين من حاشية الملك وخاصته، وهم يرفعونها إلى الملك، فحقيقة أمرهم تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا من أقبح الشرك والتنديد.
وممن فنَّد هذه الشبهة وأطال في إبطالها الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في معرض رده على زعم مشركي العرب بأن للملائكة حق الاختيار في الشفاعة بدون إذن الله تعالى، فقال ﵀: "شبهة هذا الفريق هي القياس على ملوك الدنيا كأنهم يقولون إننا نرى الملك من ملوك الدنيا لا يخلو أن يكون لديه أشخاص مقربون تعرض الناس عليهم حوائجهم فيعرضها المقربون على الملك، ويسألونه قضاءها فيقضيها إكرامًا لهؤلاء المقربين وَيُعَدُّ هذا من تمام عظمة الملك؛ لأن من الحوائج ما لا يَحْسُن عرضها على الملك بدون واسطة، ومن أصحاب الحوائج من لا يليق لمخاطبة الملك؛ إما لدناءته، وإما لإساءة تقدمت منه، ومنهم من لا يستحق أن تقضى حاجته، ولكن إذا شفع فيها أحد المقربين قضاها الملك؛ لأن ذلك المقرب يستحق الإكرام.
الجواب: قد أبطل الله هذه الشبهة بإخباره أن الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فهم بغاية التعظيم لربهم والمحبة له، والاجتهاد في مرضاته. إن أحبوا أن يشفعوا لأحد فإنما ذلك لعلمهم بأن ربهم ﵎ يحب الشفاعة له ويرضاها، وقد أخبر الله تعالى عن بعض شفاعتهم بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
стр. 865
وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ [الشورى: ٥ - ٦] وبيَّن استغفارهم لمن هو بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فأنت تراهم إنما شفعوا لمن تاب واتبع سبيل الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وإذا كان الأمر كذلك فطريق التوصل إلى شفاعة الملائكة إنما هي بطاعة الله تعالى، واتباع سبيله، والتوبة من الذنوب، ونحو ذلك، فأما تعظيمهم فإنه لا يحملهم على الشفاعة، بل إذا علموا أن تعظيمهم معصية لله تعالى، وكفر به كان أبغض الأشياء إليهم، فهم إلى أن يسألوا الله تعالى تعذيب فاعله أقرب من أن يشفعوا له، وكذا يقال في سؤال الشفاعة منهم" (١).
ويبين الإمام ابن القيم خطأ هذا القياس فيقول: "وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده؛ لا خلقًا، ولا أمرًا، ولا إذنًا، بل هو
стр. 866
سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه" (١).
ويقول الإمام الصنعاني: "وأما قياس رب العالمين على الكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصه وأوليائه من يشفع عنده في الحوائج، فهذا قياس فاسد، والفرق بينهما هو الفرق بين الخلق والخالق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة له إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فأي قياس أبطل في الوجود من هذا القياس، مع مخالفته النصوص القرآنية، والسُّنَّة الإلهية، والطريقة الإيمانية" (٢).
خامسًا: أفادت القاعدة جواز طلب الشفاعة ممن أذن له الرب ﵎ حال حياته وفي حضوره بعد رضاه عن المشفوع له، والله تعالى لا يرضى إلا بالتوحيد وإخلاص الدين له، وعليه فمن كان واقعًا في الشرك بالله العظيم فإن الله لا يأذن في الشفاعة فيه مطلقًا ولو بلغ الشفيع من المكانة والمنزلة ما بلغ.
يقول الله تعالى في شأن الكافرين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨]، وقال تعالى حاكيًا لقولهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وقال : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ [الروم: ١٣]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣].
стр. 867
وقال سبحانه عن الملائكة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]، مع قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما الشفاعة والدعاء: فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا -فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] " (٢).
سادسًا: الأصل الذي دلت عليه الأدلة المتعاضدة من الكتاب والسُّنَّة، أن الكفار الذين ماتوا على الشرك لا تنالهم الشفاعة أبدًا، ولا
стр. 868
يجوز للمسلم أن يشفع فيهم ما داموا على كفرهم وعنادهم، ويستثنى من ذلك أمران:
الأول: شفاعته ﷺ لأهل الموقف (الشفاعة العظمى).
الثاني: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار.
وأيضًا ففي "الصحيح" عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ... فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا" (٢).
والحاصل أن هذه الشفاعة في تخفيف العذاب لا في رفعه بالكلية، وهي خاصة بالنبي ﷺ وبأهل الموقف وبعم النبي ﷺ أبي طالب.
يقول ابن العربي: "وهذه شفاعة في تخفيف العذاب" (٣).
ويقول القرطبي ﵀: "لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير، لكن مع انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب، فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] " (٤).
стр. 869
ويقول الإمام ابن تيمية: "فإذا كان في الكفار من خفَّ كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه، لا في إسقاط العذاب بالكلية" (١).
ويقول الإمام ابن كثير في شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب: "وقد يكون هذا خاصًا بأبي طالب من دون الكفار" (٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "تنبيه: هذا الذي قررناه من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعًا مطلقًا يستثنى منه شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه ﷺ في "الصحيح"، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسُّنَّة" (٣).
стр. 870
المبحث السابع
قاعدة كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة
بيان معنى الدعاء وأقسامه:
الدُّعاءُ مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (دَعَوَ)، تقول: دعوت الشيء أدعوه دعاء، وهو مصدر ممدود الآخر، على وزن (فُعَالٌ)، تقول: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوَى وأَلِفُها للتَّأْنِيثِ، وبعضُ العَرَبِ يُؤَنِّثُ الدَّعْوَةَ بالأَلِفِ فيقولُ الدَّعْوَى.
والهمزة في (دعاء) منقلبة عن واو، والأصل (دعاو)، فهي واوية الأصل، تقول: دعوتُ أدعو دُعاءً فأنا داعٍ والمفعول مدعوِّ، فهذا يدل على أن أصل الهمزة في دعاء الواو، وإنما أبدلت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة (١).
стр. 871
وقد أرجع ابن فارس معاني مادة (دعو) وتصاريفها إلى أصل واحد فقال: " (دعو) الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك" (١).
يقال: دعا بالشيء دعوًا ودعوة ودعاء ودعوى: طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء يدعو دعاء: رغب فيه وقرب إليه، ودعا فلانًا: سأله واستعان به ورغب إليه وابتهل، ويقال: دعا الله رجا منه الخير، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان طلب له الشر، ودعا إلى الشيء حثه على قصده، ويقال ما دعاه إلى أن يفعل كذا: ما اضطره ودفعه، واستدعاه: صاح به وطلبه واستلزمه، وطلب أن يدعو له، أو فعل ما يستحق أن يدعو عليه، وتداعت عليهم القبائل من كل جانب: اجتمعت عليهم، وتألبت بالعداوة (٢).
وألصق المعاني بالمعنى الشرعي معنيان:
الأول: السؤال والطلب.
الثاني: الرغبة والرجاء والابتهال.
قال ابن سيده في معنى الدعاء: "طلب الطالب للفعل من غيره" (٣).
وقال أيضًا: "الدعاء: الرغبة إلى الله " (٤).
وقال ابن العربي: "وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّلَبُ" (٥).
وقال الشوكاني: "لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعًا هو الطلب" (٦).
стр. 872
والدعاء في عرف الشرع ينقسم إلى قسمين:
١ - دعاء العبادة.
٢ - ودعاء المسألة.
فدعاء العبادة هو العبادة نفسها، والتي يتقرب بها العبد إلى ربه ﵎، طالبًا رضوانه والجنة، وأن يبعده من النار وما يقرب إليها، ويدخل في ذلك جميع ما يتعبد به الله تعالى، ومن أعظم العبادات هي سؤاله والطلب منه ، وهو النوع الثاني من أنواع الدعاء وهو:
دعاء المسألة، وهو أن يسأل الله ويطلب منه تحقيق أمر من أمور الدنيا أو الآخرة.
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال؛ إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة" (١).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان المقصود بدعاء المسألة: "دعاء المسألة: وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة، بقطع النظر عن الامتثال، ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معناه، وهو الدعاء الشامل للعبادة والمسألة" (٢).
ويقول الشيخ محمود شكري الألوسي معرفًا له: "وهو طلب العبد من ربه بالصيغة القولية" (٣).
وعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: "وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال" (٤).
стр. 873
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى دعاء العبادة: "أما دعاء العبادة فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات؛ من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج، وغيرها، خوفًا وطمعًا، يرجو رحمته، ويخاف عذابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يريد الجنة ويهرب من النار وهو سائل راغب راهب، يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته، وهو سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في فعل العبادة، وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، بهذا وهذا، قيل اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم، وقيل سلوني أعطكم" (١).
ويظهر مما سبق أن دعاء العبادة أعم من دعاء المسألة، فالأول يراد به التقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه بجميع أنواع العبادة، ويكون الطلب والسؤال من الله داخلًا تحت عموم العبادة، إذ يعد والحالة هذه فردًا من أفراد العبادة، وهو في نفس الوقت قسيمًا لدعاء العبادة تحت لفظ الدعاء الشرعي العام (٢).
ومما يدل على كون الدعاء أعم من السؤال تفريق النبي ﷺ بين الداعي والسائل كما جاء في حديث (النزول) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأستَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغْفِرَ لَهُ" (٣).
стр. 874
يقول ابن أبي العز الحنفي: "والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل، ولهذا قال النبي ﷺ ... فذكر حديث أبي هريرة ﵁ السابق ثم قال عقبه: ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص" (١).
والتوجه بالدعاء لا بد فيه من إرادة وقصد، فإذا أردت بدعائك المعبود نفسه كان ذلك دعاء عبادة، وإذا كان قصدك بدعائك تحصيل أمر، ونيل مطلوب من المعبود كان الدعاء دعاء مسألة.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة، فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد، ودعاء المسألة يكون الله هو المراد منه، كما في قول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فالعبادة إرادته والاستعانة وسيلة إلى العبادة، فالعبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود" (٢).
ويقول أيضًا: "والدعاء: قصد المدعو والتوجه إليه إما على وجه المسألة، وإما على وجه العبادة المحضة؛ لأن دعاء الشيء هو طلبه وإرادته، سواء طلب لذاته أو للأمر منه" (٣).
والعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة (٤): أن دعاء العبادة مُسْتَلْزِم لدعاء المسألة ومتضمن له من جهة، فإن من رضي بالله ربًّا
стр. 875
ومعبودًا، وكان خاضعًا ذليلًا، راجيًا محبًا، قائمًا وساجدًا لزمه أن يسأل ربه في كل ما يحتاجه من أمور دينه ودنياه، كأن يسأله القبول والثواب لما يقوم به من العبادة، وهو متضمن لدعاء المسألة بلسان الحال؛ إذ العابد المعظم لمعبوده هو في الحقيقة سائل وطالب منه الرضا والمثوبة.
كما أن دعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة؛ بمعنى: أن بعض أفراد دعاء العبادة داخلة في دعاء المسألة؛ وذلك لكون الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة، ومخها، وروحها، وحقيقتها (١).
أو يقال: العلاقة بينهما السببية والمسببية، فإن العبادة سبب للدعاء؛ فإن من عبد شيئًا، فإنَّه يدعوه عند احتياجه إليه، وهذا هو الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجئ إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة، أو دفع مضرة (٢).
ويمكن القول بأن دعاء العبادة ودعاء المسألة يشبه الألفاظ التي إذا اجتمعت في الذكر افترقت في المعنى، وإذا افترقت في الذكر اجتمعت في المعنى؛ ولذا لا يتصور الانفكاك بينهما.
يقول الإمام ابن تيمية: "اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب،
стр. 876
ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع" (١).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن تقسيم الدعاء الشرعي إلى نوعين لا يعني أنهما متضادان أو متباينان بحيث لا يقصد به إلا معنى واحدًا من أنواع الدعاء في كل موطن ورد فيه مع عدم أخذ المعنى الآخر في الاعتبار، هذا لا يحصل؛ لعدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وإنما غاية الأمر أن تكون دلالة السياق أو ما يقترن به على أحد النوعين أظهر من النوع الآخر، وهو في نفس الوقت دال على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي هو فيه أظهر بدلالة المطابقة؛ فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب، فإنَّه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنَّه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام والتضمن من جهة كما سبق تفصيله.
ومن أهل العلم من قسَّم دعاء المسألة إلى قسمين: دعاء عبادة ودعاء عادة.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض، مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد" (٢).
стр. 877
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
المتأمل في آيات القرآن الكريم ونصوص الشرع عمومًا يظهر له صحة هذه القاعدة؛ لأن ذكر أهل العلم لها إنما كان عن استقراء لنصوص الشرع وآيات القرآن المجيد التي جاء فيها ذكر الدعاء، والقاعدة أفادت بأن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة.
وعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه، وعليه فإذا جاء الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره لا يمكن حمله على نوع دون الآخر؛ لأن كلا النوعين مما أحبه ورضيه ، وأمر بأن يصرف له وحده، وكلاهما مما نهى عن صرفه لغيره سبحانه، ولذا فالواجب صرف الدعاء كله لله تعالى، وعدم صرف شيء منه لأحد دونه؛ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم، وهما جميعًا مختصان بالله، حقَّان له لا يصلحان لغيره، بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾
стр. 878
[الفرقان: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١]، فغير الله لا يجوز أن يكون مستعانًا به، متوكلًا عليه؛ لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلًا" (١).
ومن أعظم أنواع دعاء العبادة التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هو توحيده سبحانه والإيمان به ، وتعظيمه وإجلاله ﵎.
يقول الإمام ابن رجب: "اعلم أن أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله والابتهال إليه؛ كقول الداعي: اللَّهُمَّ اغفر لي، اللَّهُمَّ ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب؛ وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره، وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان ... فما اسْتَجْلَبَ العبد من الله ما يحب، واسْتَدْفَعَ منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله، وعبادته، وذكره، وهو حقيقة الإيمان، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا" (٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى إلا بشيء من الجهد، خاصة بعد التأمل في آيات القرآن المجيد، وأحاديث المصطفى الكريم، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أدلة مما ذكره أهل العلم، أو ظهر لي استقامة الاستدلال به:
أولًا: من المعلوم أن دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يخرجان عن مفهوم العبادة العام، كما سبق بيانه؛ فدعاء العبادة هو العبادة نفسها،
стр. 879
ودعاء المسألة دلت النصوص الشرعية على أنه عبادة، كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، إلى قوله: ﴿دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] (١).
فإذا ثبت كون الدعاء بنوعيه عبادة صح أن يتوجه الأمر أو النهي إليهما جميعًا؛ لأن الله لا يأمر إلَّا بما هو عبادة يحبها ويرضاها، وحمل الأمر أو النهي على أحدهما دون الآخر تحكم بلا دليل، إذ كلاهما محبوب لله تعالى فتوجه إليها الأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب.
لكن قد يكون أحد المعنيين أظهر من الآخر، فهذا لا يعني أن حمله على الآخر يعد باطلًا، بل معناه حق وصواب وإن كان ظهوره ليس كالأول، وذلك إنما يصار إليه إذا كان في النص قرينة تقوي حمله على أحد المعنيين، فإذا لم يكن في الدليل النصي قرينة تحدد أحد المعنيين، تعين حمله على المعنيين جميعًا على السواء؛ لأن حمل النص على أحد المعنيين بدون دليل ولا برهان تحكُم في النص وذلك لا يجوز.
ثانيًا: الأدلة التي جاء فيها الأمر بدعاء الله وحده، والنهي عن دعاء غيره، أو فيها الثناء على الداعين فسَّرها أهل العلم بدعاء العبادة ودعاء المسألة، وفي بعضها نصوا على أن أحد المعنيين أظهر من المعنى
стр. 880
الآخر، مع اعتبار المعنى الآخر، وفيما يأتي بعض هذه النصوص وكلام أهل العلم في بيانها:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
يقول الإمام الطبري: "وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس ادعوني لكم استجب؛ يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دون الأوثان والأصنام وغير ذلك أستجب لكم؛ يقول أجب دعاءكم، فأعفو عنكم وأرحمكم" (١).
وبعض أهل العلم فسر الدعاء بدعاء العبادة، وممن ذكر هذا البغوي حيث قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإصابة استجابة" (٢).
وذكر الثعلبي معنى القولين ونسبهما إلى أكثر المفسرين حيث قال: " ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم، وآجركم، وأثيبكم، وأغفر لكم. هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه سياق الآية" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة