← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع" (١). ومما ينبغي التنبيه عليه أن تقسيم الدعاء الشرعي إلى نوعين لا يعني أنهما متضادان أو متباينان بحيث لا يقصد به إلا معنى واحدًا من أنواع الدعاء في كل موطن ورد فيه مع عدم أخذ المعنى الآخر في الاعتبار، هذا لا يحصل؛ لعدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وإنما غاية الأمر أن تكون دلالة السياق أو ما يقترن به على أحد النوعين أظهر من النوع الآخر، وهو في نفس الوقت دال على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي هو فيه أظهر بدلالة المطابقة؛ فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب، فإنَّه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنَّه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام والتضمن من جهة كما سبق تفصيله. ومن أهل العلم من قسَّم دعاء المسألة إلى قسمين: دعاء عبادة ودعاء عادة. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض، مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد" (٢).

стр. 877

* المسألة الثانية * معنى القاعدة المتأمل في آيات القرآن الكريم ونصوص الشرع عمومًا يظهر له صحة هذه القاعدة؛ لأن ذكر أهل العلم لها إنما كان عن استقراء لنصوص الشرع وآيات القرآن المجيد التي جاء فيها ذكر الدعاء، والقاعدة أفادت بأن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة. وعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه، وعليه فإذا جاء الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره لا يمكن حمله على نوع دون الآخر؛ لأن كلا النوعين مما أحبه ورضيه ، وأمر بأن يصرف له وحده، وكلاهما مما نهى عن صرفه لغيره سبحانه، ولذا فالواجب صرف الدعاء كله لله تعالى، وعدم صرف شيء منه لأحد دونه؛ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة (١). يقول الإمام ابن تيمية: "وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم، وهما جميعًا مختصان بالله، حقَّان له لا يصلحان لغيره، بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾

стр. 878

[الفرقان: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١]، فغير الله لا يجوز أن يكون مستعانًا به، متوكلًا عليه؛ لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلًا" (١). ومن أعظم أنواع دعاء العبادة التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هو توحيده سبحانه والإيمان به ، وتعظيمه وإجلاله ﵎. يقول الإمام ابن رجب: "اعلم أن أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله والابتهال إليه؛ كقول الداعي: اللَّهُمَّ اغفر لي، اللَّهُمَّ ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب؛ وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره، وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان ... فما اسْتَجْلَبَ العبد من الله ما يحب، واسْتَدْفَعَ منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله، وعبادته، وذكره، وهو حقيقة الإيمان، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا" (٢). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة لا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى إلا بشيء من الجهد، خاصة بعد التأمل في آيات القرآن المجيد، وأحاديث المصطفى الكريم، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أدلة مما ذكره أهل العلم، أو ظهر لي استقامة الاستدلال به: أولًا: من المعلوم أن دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يخرجان عن مفهوم العبادة العام، كما سبق بيانه؛ فدعاء العبادة هو العبادة نفسها،

стр. 879

ودعاء المسألة دلت النصوص الشرعية على أنه عبادة، كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، إلى قوله: ﴿دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] (١). فإذا ثبت كون الدعاء بنوعيه عبادة صح أن يتوجه الأمر أو النهي إليهما جميعًا؛ لأن الله لا يأمر إلَّا بما هو عبادة يحبها ويرضاها، وحمل الأمر أو النهي على أحدهما دون الآخر تحكم بلا دليل، إذ كلاهما محبوب لله تعالى فتوجه إليها الأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. لكن قد يكون أحد المعنيين أظهر من الآخر، فهذا لا يعني أن حمله على الآخر يعد باطلًا، بل معناه حق وصواب وإن كان ظهوره ليس كالأول، وذلك إنما يصار إليه إذا كان في النص قرينة تقوي حمله على أحد المعنيين، فإذا لم يكن في الدليل النصي قرينة تحدد أحد المعنيين، تعين حمله على المعنيين جميعًا على السواء؛ لأن حمل النص على أحد المعنيين بدون دليل ولا برهان تحكُم في النص وذلك لا يجوز. ثانيًا: الأدلة التي جاء فيها الأمر بدعاء الله وحده، والنهي عن دعاء غيره، أو فيها الثناء على الداعين فسَّرها أهل العلم بدعاء العبادة ودعاء المسألة، وفي بعضها نصوا على أن أحد المعنيين أظهر من المعنى

стр. 880

الآخر، مع اعتبار المعنى الآخر، وفيما يأتي بعض هذه النصوص وكلام أهل العلم في بيانها: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. يقول الإمام الطبري: "وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس ادعوني لكم استجب؛ يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دون الأوثان والأصنام وغير ذلك أستجب لكم؛ يقول أجب دعاءكم، فأعفو عنكم وأرحمكم" (١). وبعض أهل العلم فسر الدعاء بدعاء العبادة، وممن ذكر هذا البغوي حيث قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإصابة استجابة" (٢). وذكر الثعلبي معنى القولين ونسبهما إلى أكثر المفسرين حيث قال: " ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم، وآجركم، وأثيبكم، وأغفر لكم. هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه سياق الآية" (٣). ويقول الإمام ابن تيمية: "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة

стр. 881

أظهر؛ ولهذا أعقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا" (١). ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها" (٢). ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: "قال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: اعبدوني أثبكم من عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾، وقال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اسألوني أعطكم، ولا منافاة بين القولين لأن دعاء الله من أنواع عبادته" (٣). ثالثًا: ومما يدل على صحة القاعدة مسألة التلازم الحاصل بين دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ إذ كل دعاء عبادة يستلزم دعاء المسألة ويتضمنه من جهة، وكل دعاء مسألة يتضمن دعاء العبادة، فلا يمكن تصور صدور دعاء العبادة من العبد بدون نية الطلب ولو بدون صيغة السؤال القولية، إذ كل عابد إنما يريد ويطلب بعبادته رضا الله وجنته، والبعد عن سخطه وناره، كما أن دعاء المسألة داخل في دعاء العبادة (٤)، إذ هو فرد من أفراده، فثبت بذلك عدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وعليه يكون الأمر بأحدهما أمرًا بالآخر، والنهي عن أحدهما نهي عن الآخر. يقول الإمام ابن تيمية: "اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول

стр. 882

معنيين؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع" (١). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك، إما بالتضمن أو باللزوم، ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السُّنَّة" (٢). رابعًا: سبق البيان بالأدلة أن الدعاء في الشرع على نوعين؛ دعاء عبادة ودعاء مسألة، وجاء في النصوص الشرعية الأمر أو النهي عن الدعاء بإطلاق، بدون تقييد له بنوع معين فالقاعدة أنه يحمل على المعنيين لدلالة النصوص على العموم، ومن تلك الأدلة: قوله تعالى ناهيًا عن دعاء غيره: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: ١٠٦]، فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ عام يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، ولا دليل على التخصيص أو التقييد. يقول الشيخ صالح آل الشيخ: "فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾: هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك فإنه يعمُّ أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة ومنه دعاء عبادة، والقاعدة: أن النكرة في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق

стр. 883

الشرط، فإنها تعمُّ، و (تدعُ) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر، والمصدر حدثٌ نكرة، فهو يعمّ نوعي الدعاء" (١). خامسًا: ومما يدل على صحة توجه الأمر أو الثناء أو النهي عن دعاء غير الله، واشتمال ذلك على نوعي الدعاء أن دعاء المسألة لا يصح توجهه -وحتى دعاء العبادة- إلا لمن يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، الغني الكريم، العالم بأحوال الخلق جميعهم فلا تخفى عليه خافية، وليس ذلك إلا الرب الخالق ﵎، فإذا جاء النهي عن دعاء غيره تعالى، أو الأمر بإفراده وإخلاصه والثناء على أهله تضمن كلا النوعين. يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع، فإنَّه هو المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًّا ولا نفعًا، وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم، وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة،

стр. 884

ويدعو خوفًا ورجاءً دعاء العبادة" (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة وفيما يأتي أذكر جملًا مما وقفت عليه من أقوالهم في تقرير معنى القاعدة: يقول الإمام ابن تيمية: "لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة ... ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو العبادة والمسألة" (٢). وقال أيضًا: "فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان" (٣). ويقول ﵀: "إذا عرف هذا فقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، يتناول نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن دعاء العبادة؛ ولهذا أمر بإخفائه وإسراره" (٤). ويقول أيضًا بعد أن ذكر جملة من النصوص التي فيها الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره: "فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربًا وإلهًا بحيث يسأل ويعبد، وقد فصل معنى الدعاء بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، ونحو ذلك من الآي؛ فهو يعبد من حيث هو إله، ويسأل من حيث هو رب، وإن كان كل عابد سائلًا وطالبًا، وكل سائل

стр. 885

عابدًا وقاصدًا من جهة الالتزام" (١). ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، فهذا يتناول نوعي الدعاء" (٢). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها فيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من فوائد لهذه القاعدة: الأولى: شمول الاستدلال بالأدلة التي ورد فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى وبطلانه لحرمة وبطلان التوجه بجميع العبادات لغير الله تعالى؛ لأن النهي عن دعاء غير الله -هو في حكم الشرع وبحسب ما نصت القاعدة- نهي عن السجود والذبح والنذر والرجاء والمحبة والخضوع لغير الله تعالى، وغيرها من كل ما هو داخل تحت مسمى العبادة الشرعية. ولذلك يستدل أهل العلم بالآيات التي فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى على بطلان وحرمة التوجه بجميع العبادات لغيره ، وكذلك الأمر بإفراد وإخلاص الدعاء لله تعالى وحده هو أمر بإخلاص جميع ما هو عبادة شرعًا، وذلك استنادًا على هذه القاعدة. الثانية: تناول لفظ الدعاء الشرعي في نصوص القرآن الكريم لدعاء العبادة ودعاء المسألة ليس هو من باب استعمال اللفظ المشترك (٣) في

стр. 886

معنييه، وإنما هو من باب استعمال اللفظ في حقيقته المشتملة على المعنيين جميعًا، فهو من باب الألفاظ المتواطئة (١)، التي وضعت لمعنى واحد صادق على أفراد، وليست موضوعة لمعانٍ متعددة (٢)، فالأسماء المتواطئة إنما تقتضى أن يكون بين المسميين قدر مشترك وإن كان المسميان مختلفين أو متضادين (٣). يقول الإمام ابن تيمية: "وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل ما يُفْطَن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا فهي من هذا القبيل" (٤).

стр. 887

وقال الشيخ عبد الله أبا بطين بعد نقله لكلام الإمام ابن القيم -وهو بمعنى كلام شيخ الإسلام-: "فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة" (١). ثالثًا: قد يقترن بسياق النصوص الوارد فيها الدعاء ما يرجح أحد النوعين على الآخر مع اعتبار الآخر، وكونه داخلًا في معنى النص، فقد يقترن ببعض النصوص من القرائن ما يجعل دعاء العبادة أظهر من دعاء المسألة أو العكس، ولا يقتضي هذا الظهور عدم اعتبار المعنى الآخر. وهذا يعتبر بمثابة الضابط للتفريق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة في النصوص الشرعية، وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى بعض ذلك فقال: "وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة، فهو من دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم. الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿يلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]، وقوله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ٢]، فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم. الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم،

стр. 888

ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة" (١). رابعًا: فيها الرد على من أجاز الطلب والسؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ بحجة أن الأدلة الناهية عن دعاء غيره سبحانه إنما أُريد بها دعاء العبادة؛ كالصلاة والسجود والركوع، ولا يدخل فيها طلب وسؤال الشفاعة، أو نداء (٢) الأموات والغائبين. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله؛ والنهي عن دعاء غيره على المنع من مسألة المخلوق ودعائه بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك" (٣). ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وإذا كان هذا الدعاء وأمثاله هو دعاء العبادة المشتمل على الاستعانة من رب العالمين بالنص عند كل علماء المسلمين، فلو صرف لغير الله من سائر الخلق لكان معبودًا به، والداعي عابد المدعو ومستعين به ومتوكل عليه، ولا يقال ليس هو عابدًا ولا مستعينًا؛ لأنَّه إنما يناديه فقط، فيصرف العبادة والاستعانة وجود النداء كما فهمه صاحب المقدمة معللًا لزوم العبادة كل منادي، وعدم تكفير كل من نادى غيره، لأنا نقول علة التكفير وجود دعاء العبادة الشاملة لدعاء المسألة التي هي حق الله، وصرفه إلى غيره سواء وجد النداء أو لم يوجد، وليس العلة وجود النداء نفسه خاليًا من العبادة، وبهذا يعلم ما ذكره المفسرون تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ

стр. 889

دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤]؛ أي: تعبدون، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأعراف: ١٩٧]؛ أي: تعبدون وأمثاله؛ وذلك لأن العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في كل الأفعال المأمورات، وفي ترك المحرمات، وفي الصبر على المقدورات ... فالعبد محتاج في مصالح دينه ودنياه، وكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله منهما لا يجوز أن يسأل من غيره فلا يعبد إلَّا الله، ولا يتوكل إلَّا عليه، ولا يستعان إلَّا به، لأن ما سواه مفتقر إليه، مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون معبودًا" (١). وكون الدعاء في الأصل بمعنى النداء والطلب مما لا مرية فيه، كما قال الراغب: "الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد"، فلا يدخل في دعاء العبادة المستلزم لدعاء المسألة، كما أنه لا يدخل في دعاء المسألة المتضمن للعبادة، فليس كل مطلق دعاء يكون عبادة، فإدخال مطلق النداء في معنى العبادة من الترويج والتلبيس، بل نداء العبادة هو الطلب من غير الله جلب منفعة، أو دفع مضرة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والمنادي في هذه الحال يكودن داعيًا وطالبًا وسائلًا (٢). ويدحض الشيخ عبد الله أبا بطين شبهة التفريق بين الدعاء والنداء، وأن الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، فيقول: "فيقال لهذا: تفريقك بين الدعاء والنداء تفريق باطل مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة مع مخالفته اللغة، فقد سمى الله سبحانه سؤال عباده له دعاء ونداء، قال تعالى عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠]، وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦]، فسماه في موضع دعاء

стр. 890

وفي موضع نداء، وقال عن زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، وقال في موضع: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقال عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال ﷺ : "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْع بِهَا رَجُل مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ" (١). وقال بعض الصحابة للنبي ﷺ : (يَا رَسُولَ اللهِ: أَقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) ... " (٣).

стр. 891

الفصل الثاني القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: الشرك هضم لعظمة الربوبية وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب العالمين. المبحث الثاني: قاعدة: قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك. المبحث الثالث: قاعدة: الشرك الأصغر هو كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة.

стр. 892

المبحث الاول قاعدة الشرك هضم لعظمة الربوبية وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب العالمين وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة معنى الهضم والتنقص: الهضم: مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (هضم)، وهو مصدر، يقال: هضمه يهضمه هضمًا، وهو يدل على كسر وضغط وتداخل، والهضم: الظلم، والهضم المطمئن من الأرض، وقيل أصله من النقصان ثم صار كل ظُلم هَضْمًا، وهضم الشيء: كسره، وهضم فلانًا: ظلمه وغصبه، وهضم حقه: نقصه، وهضم نفسه: وضع من قدرها تواضعًا (١). وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله والهضم النقص والمنع من بعض الحق فكل هضم ظلم ولا ينعكس، فالهضم نقصان بعض الحق، ولا يقال لمن أُخِذَ جميعُ حقه: قد

стр. 893

هُضِم، وأما الظلم فيكون في البعض وفي الكل، وفي القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]؛ أي: لا يمنع حقه ولا بعض حقه (١). أما التنقص فهو مشتق من الفعل (نقص)، يقال: نقص الشيء نقصًا ونقصانًا، إذا خس وقل، ونَقَّص الشيء: صيَّره ناقصًا، ونقص فلانًا حقه: غمطه إياه، و (نَقَّص) الشيء مبالغة في نقصه، و (انْتُقِصَ) الشيء: نقص، و (تناقص) الشيء نقص شيئًا فشيئًا، وتنقص الشيء أخذ منه قليلًا قليلًا، وتنقص فلانًا: عابه، واستنقص الشيء: عده ناقصًا أو نسب إليه النقصان (٢). معنى سوء الظن: الظن مشتق من الأصل اللغو (ظنن)، يقال: ظَنَّ يَظُنُّ ظنًّا، وجمعه: ظنون وأظانين، ويتعدى إلى مفعولين؛ يقال: ظننت زيدًا صادقًا، وقيل: معنى الظَّنُّ: التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقادِ الغيرِ الجازِمِ، وقيل: هو إدراك الذهن الشيء مع ترجيحه، وقد يكون مع اليقين، فهو شَكٌّ ويَقِينٌ إلَّا أنه ليسَ بيَقِينِ عِيانٍ إنَّما هو يَقِينُ تَدَبُّرٍ فَأَمَّا يَقِينُ العِيانِ فلا يُقالُ فيه إلَّا عَلِمَ؛ فإذا قيل: ظن فلان الشيء ظنًا: علمه بغير يقين وقد تأتي بمعنى اليقين، والظنة التهمة، والظنون السيء الظن من الرجال، والظنين: كل ما لا يوثق به، والمتهم والقليل الخير، ومظنة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع مظان وهي المراجع التي ينشد فيها الباحث طلبته (٣).

стр. 894

وقال الراغب: "الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جدًا لم يتجاوز حد التوهم" (١). فظن السوء بالله تعالى مع اختلاف درجاته، وكون بعضه أعظم من بعض؛ فإنه لا يجوز مطلقًا، بل هو من أعظم الذنوب التي عصي الله ﵎ بها، ولذا جاء في القرآن بيان شناعته وقبحه، وأنه من أعظم الذنوب. يقول الإمام ابن القيم ﵀: "ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظَنَّ به ظَنَّ السوء قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٥، ٦]، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]. فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات، فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا تكلم ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها، وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين" (٢). أما إساءة الظن بالمسلمين عمومًا ففيها تفصيل؛ فإن كان ظنًا مقرونًا بدليل شرعي، وقرينة ظاهرة، فلا لوم على صاحبه، وإلا كان محرمًا منهيًا عنه، وتزيد الحرمة إن كان ظنًا بأهل الخير والصلاح والعلم والفضل.

стр. 895

يقول الإمام السمعاني: "واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء بأهل الخير، فأما بأهل الشر فجائز" (١). وأما إساءة الظن بالأنبياء والمرسلين فقد صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، ونقل إجماع أهل العلم على ذلك. يقول الإمام النووي ﵀: "فإن ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع" (٢). ثم إن سوء الظن بالمسلمين بدون مسوغ شرعي، أو قرينة ظاهرة هو إثم في نفسه، وإذا استمر في قلب العبد أنتج آثامًا عظيمة، وأورث أقوالًا وفعالًا محرمة، فهو لا خير فيه أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. يقول الشيخ السعدي ﵀: "نهى الله عن كثير من الظن السيء بالمؤمنين، حيث قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة؛ فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلافها منه" (٣). * المسألة الثانية * معنى القاعدة أشارت القاعدة إلى بعض صفات الشرك الشنيعة، وسماته القبيحة التي اشتمل عليها، ولا يخلو منها شرك ألبتة، بل جميع أهل الإشراك في

стр. 896

الأرض لا تكاد قلوبهم تخلوا من هذه الصفات القبيحة، التي حقيقتها أشنع الظلم، وأعظم الإجحاف، ومنتهى الإجرام، وعظيم التجني، وغاية الاعتداء على حق الملك الديان، مالك الملك، وخالق الكون، وموجد البرية من العدم، فأشرك مع الرب غيره في العبادة، وأدخل الوسائط بينه وبين معبوده الحق، فصار يدعوهم ويتوجه إليهم بأخص خصائص الإلهية، ومعاني الربوبية فخضع قلبه، وتعلق فؤاده، خوفًا ورجاء ومحبة وخضوعًا، وذلًا وإخباتًا في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، إلى أمثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجريد التوحيد وتحقيقه، وقطع ملاحظة الأغيار في العبادة، والاستغاثة، والدعاء، والمسألة، والتوكل، والرجاء، والخشية، والتقوى، والإنابة، ونحو ذلك مما هو من خصائص حق الربوبية التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل" (١). وقد يدعي بلسان حاله وربما مقاله عدم أهليته للطلب من الله مباشرة، وأن الله لا يقبل دعاءه إلا بوساطة هؤلاء الأولياء وشفاعتهم فيه، أو أن الله لا يفعل حتى يجعل الولي يفعل، ولا يرحم حتى تجعله الوسائط يرحم، وربما اعتقد بعضهم أن الأولياء يشاركون الله تعالى تدبير الكون، ورعاية أحوال الخلق فيخبرونه جل في علاه بأهل الحاجات، وما أصاب بعضهم من المحن والبلايا فيجيب الله دعاءهم بسبب دعائهم لهذه الوسائط، ولا شك أن هذا من أعظم الهضم والتنقيص لعظمة الإلهية وقهر الربوبية مع ما تضمنه من إساءة الظن البالغة بمن اجتمع فيه غاية الكمال، ومنتهى الجلال، وعظيم الإحسان.

стр. 897

يبين الإمام ابن القيم ﵀ وجه دلالة القاعدة في كون الشرك سوء ظن بالله ﷻ فيقول: "فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي عبده وحده، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقًّا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه ... فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى" (١). ونقل كلامه مقررًا له الشيخ سليمان آل الشيخ فقال: بقوله: "وإنما كان ذلك هضمًا لحق الربوبية، وتنقصًا لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب

стр. 898

العالمين؛ لأن المتخذ للشفعاء والأنداد إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه ... إلى أن قال: وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها ذكر معناه ابن القيم؛ فلهذه الأمور وغيرها أخبر أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] " (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة قد دل على تقرير هذه القاعدة عدة أدلة منها: أولًا: إكثاره من ذكر معاني ربوبيته الحقة، وقيوميته الشاملة، وملكه التام لجميع ما في الكون، وذلك في معرض إبطال حجج المشركين، العادلين به غيره في العبادة؛ يأتي هذا مع ثبوت إقرار المشركين بمعاني ربوبيته في الجملة، وهذا يشير إلى أن ثمة تقصيرًا وتفريطًا، وهضمًا وتنقيصًا من قبل المشركين في هذا الجانب العظيم، وهو ما سبق تقريره في قاعدة التلازم بين أنواع الشرك. من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ [يونس: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ

стр. 899

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢]. ثانيًا: ما دلَّ من النصوص على أن المشركين بسبب إشراكهم وعبادتهم لغيره سبحانه قد هضموا حق الربوبية، وتنقصوا عظمة الإلهية، فوصفوا الله تعالى بلسان حالهم أو مقالهم بما لا يليق بربوبيته جلَّ في علاه، فمن ذلك وصفهم لله بعدم العلم والجهل العظيم البالغ بعظمة الربوبية وجلال الإلهية؛ ومن تلك النصوص: قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، فاتخاذهم للشفعاء من أعظم التنقص لعظمة الربوبية، واتهام لله تعالى -بلسان حالهم- بالجهل وعدم العلم، ولذا استنكر الله عليهم ذلك. يقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك، ولا إله معه، أفأنتم يا معشر المشركين تزعمون أنه يوجد لها فيها شركاء، أفتخبرونه بأمر خفي عليه وعلمتموه، أأنتم أعلم أم الله، فهل يوجد قول أبطل من هذا القول المتضمن: أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين، فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه" (١). ثالثًا: ومما يدل على أن الشرك يتضمن التنقيص والهضم لحق الإلهية وجلال الربوبية اشتماله على الظلم العظيم، والمنكر الفاحش بتشبيه الرب العظيم القادر، والخالق العليم القاهر بالمخلوق الضعيف الحقير الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره،

стр. 900

فتوجه إليه بالعبادة، وصرف له خالص الذل والإنابة، فدعاه عند حاجته، واستنجده عند كربته. يقول الإمام ابن القيم: "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى، وأكرهها، وأشدها مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم، ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه، ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا؛ وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين ... فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده" (١). رابعًا: الأدلة الدالة على أن سوء الظن، أو الظن السيء يتضمن الشرك الأكبر بالله العظيم، بل هو أعظم إساءة ظن وجدت من بني البشر، فما من مشرك على ظهر البسيطة إلَّا وسوء الظن بالله تعالى هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من التشريك في عبادة الرب ﵎، ولو أحسن ظنه بالله، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وملكه وغناه عن كل أحد بذاته، وكل أحد سواه فقير إليه بذاته، وقَدَرَ الله حق قدره لما حام حول الشرك ولا شم رائحته. قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فجعل استحقاقهم للوصف بالشرك

стр. 901

بسبب سوء ظنهم بالله ﵎، فاتخاذهم للشريك مع الله تعالى كان علامة على ظنهم السيء بالله تعالى. قال ابن الجوزي: "قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: فيه خمسة أقوال: أحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكًا" (١). وقوله سبحانه في قصة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]؛ أي: فما ظنكم أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره (٢). قال أبو السعود في معنى الآية: "أي: بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربًّا للعالمين حتى تركتم عبادته خاصة وأشركتم به أخس مخلوقاته، أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أندادًا، أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم، وكيف يعاقبكم بعد ما فعلتم ما فعلتم من الإشراك به" (٣). ويقول الشيخ السعدي: "فما ظنكم برب العالمين، أي: وما الذي ظننتم برب العالمين من النقص حتى جعلتم له أندادًا وشركاء" (٤). يقول الإمام ابن القيم: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾، وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندًّا فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم

стр. 902

معه غيره فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفي عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كا هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقًا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه لكفى في شفاعته. فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية فلا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السُّنَّة وأولى بالصواب أو يزعم أنها هي السُّنَّة إن

стр. 903

كان جاهلًا مقلدًا وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به كما قال إمام الحنفاءء وأهل التوحيد لقومه أئفكًا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين؛ أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا" (٢). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة فيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة: يقول الإمام القرافي: "أصل الكفر اهتضام جانب الربوبية" (٣). ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين ... فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده" (٤). ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية وسوء ظن برب

стр. 904

العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا أو شفيعًا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت باطلًا وضلالًا" (١). والسبب في عدم قدرهم لله تعالى هو سوء ظنهم بربهم، وحسن ظنهم بغيره، وأنهم يشفعون عنده، ويقربون من عَبَدهم إلى الله، وأنهم ينفعون ويضرون. * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها بعض ما يستفاد من القاعدة: أولًا: دلَّ مفهوم القاعدة على أن توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون ما سواه مبني على حسن الظن بالله تعالى، إذ التوحيد ضد الشرك الذي هو إساءة ظن بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته. فهو يحسن الظن بربه معتقدًا اتصافه سبحانه وتقدس بنعوت الربوبية، واختصاصه بصفات الإلهية لا شريك له في ذاته ولا معين له في أفعاله، ولا ظهير ولا شفيع، وليس له نديد في استحقاق العبادة، ولا مثيل له في سائر أسمائه وصفاته.

стр. 905

وعليه فحسن الظن به من أعظم العبادات، وأجلّ القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه وخالقه ، والتي تقوم في الأصل على العلم الشرعي الصحيح، والفقه السليم لأسماء الله وصفاته، ومعرفته تعالى المعرفة الحقة في ربوبيته وألوهيته، وسائر صفاته. كما أن سوء الظن بالله من نتاج وآثار الجهل بالله، وبأسمائه وصفاته، وما له من العظمة، والكبرياء، والقوة، والقدرة، ومنتهى الكمال في كل شيء. ولذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " (١). قال الجصاص: "فحسن الظن بالله فرض، وسوء الظن به محظور منهي عنه، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه، وهو من الظن المحظور المنهي عنه" (٢). وهذا يدل على أن حسن الظن من العبادة التي يحبها الله ﵎، وقد روي في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن حسن الظن بالله من حسن عبادة الله" (٣).

стр. 906

فحسن الظنّ بالله من أوجب الواجبات، وأفرض الفروض، التي يحبها الرب ﵎، وسوء الظن على العكس من ذلك؛ فهو من أقبح المنكرات، وأعظم الكبائر. ومما لا يخفى ارتباط سائر العبادات بحسن الظن بالله تعالى وتقدس، وقد بين هذا الارتباط فأكثر العبادات أو كلها قائمة على حسن ظن العبد بربه سبحانه وتقدس، وقد بين هذا الارتباط العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: "فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه؛ ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله، والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم" (١). ثانيًا: دلت القاعدة على أن صرف العبادة لغيره سبحانه، وتأليه المخلوق من أعظم الانتقاص والإهانة للجناب الرباني الكريم، مع ما فيه من رفعة المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله إياها، كما أن ذلك من أبشع

стр. 907

الظلم في حق الملك الديان إذ جرده سبحانه عن صفات الربوبية الحقة، وألبس المخلوق ما لا يستحقه من خصائص الإلهية. ومما لا شك فيه أن جميع الخلق مفطورون على الضعف والضعة والافتقار إلى ربهم وخالقهم ومالكهم ورازقهم، فهذه هي صفتهم التي هي مقتضى خلقتهم وتكوينهم، وإنما جعل كمالهم ورفعتهم في عبادة الله وتوحيده ؛ ولذا أثنى الله على رسوله الكريم في غير موضع أنه عبد الله ﵎. فالواجب معرفة الفرق بين الخالق والمخلوق في كل ما يختص به، وينزل كل واحد منزلته، وليس في سلب خصائص الربوبية والإلهية عن المخلوق إهانة، أو سب، أو تنقيصًا له مكانته، وإنما ذلك هو مختص التكريم والتقدير الذي يحبه الله ﵎. يقول الإمام ابن القيم: "فإذا هَضَم المخلوقَ خصائصَ الربوبيةِ، وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له، ولا حطًّا من مرتبته ولو رغم المشركون" (١). ثالثًا: أن سؤال المخلوق والطلب منه ما لا يستطيعه ويقدر عليه فيه نوع من صرف حق الرب تعالى، وهضم لربوبيته ومقتضاها من التأله والتعبد، وإعطاء نصيب منها لغيره ؛ وذلك لملازمة المسألة في الغالب للذل والافتقار والمحبة لغير الرب جل وعلا، ولذا جاءت النصوص الشرعية بتحريم السؤال والمسألة إلا في حال الضرورة الملجئة فتقدر بقدرها، وترك مسألة الناس ولو فيما يستطيعونه من كمال تحقيق التوحيد. يقول الإمام ابن القيم: "والمسألة في الأصل حرام، وإنما أبيحت

стр. 908

للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما الأول: فلأنه بَذَل سؤاله وفَقْرَه وَذُلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيدَه وإخلاصَه وفقرَه إلى الله، وتوكلَه عليه، ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كله يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره، ويضعف قوته" (١). رابعًا: دلت القاعدة على أن الشرك واتخاذ الشفعاء هضم وتنقص من جناب الربوبية، فالمشرك بالله تعالى واقع في هذا التنقص شاء أم أبى، ولا ينفعه أنه إنما كان قصده تعظيم الباري جل وعلا، وأنه بسبب إجلاله وإعظامه لا يستطيع أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء، فإن تعظيمه هذا الذي اعتقده هو محض التنقص، وخالص الظلم. يقول ابن القيم: "فإن قلت إذا كان من اتخذ شفيعًا عند الله إنما قصده تعظيم الرب تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء؛ فلم كان هذا القدر شركًا؟ قيل: قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى، فكم مَنْ يقصد التعظيم لشخص ينقصه بتعظيمه؛ ولهذا قيل من في المثل المشهور: يضر الصديق الجاهل ما لا يضر العدو العاقل؛ فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية، وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا، أو شفيعًا يحبه، ويخافه،

стр. 909

ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر ... فالشرك ملزوم لتنقص الرب ، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى" (١). خامسًا: دلت القاعدة على أن الشرك سوء ظن بالله تعالى، والحاصل أن سوء الظن تتفاوت مراتبه ودرجاته؛ فمنه ما هو شرك أكبر مخرج عن دين الإسلام بالكلية، ومنه ما يؤثر في تمام التوحيد الواجب، فهو دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. وهذا التفاوت كما سبق هو بحسب أسبابه ودوافعه، فالظن أصله في القلب، وهو بحسب العلم والمعرفة، فالظن الحسن بالله تعالى ينبني على علم العبد بمعبوده الحق، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا؛ من الملك والخلق والغنى والرحمة؛ فإذا ساء ظن العبد بربه بسبب خلل فيما يتعلق بربوبية الله تعالى؛ كأن يظن عدم قدرة الله، أو عدم علمه ومعرفته لأمر من الأمور، أو عدم غناه وكرمه، أو اعتقد أن غيره قادر على ما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه بحسب الطبيعة والعرف، محسنًا ظنه بذلك الغير، أو اعتقد أن لغيره حقًّا في العبادة والتعظيم كان فاقدًا لأصل من أصول التوحيد وقاده حينئذٍ حسن ظنه بغيره سبحانه، وسوء ظنه بالله تعالى إلى الكفر والخروج عن ملة الإسلام، فسوء الظن درجات منه ما ينافي أصل التوحيد وأساس الإيمان، ومنه ما ينافي كماله الواجب (٢). يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شرحه لتبويب الإمام محمد بن

стр. 910

عبد الوهاب في أحد أبواب كتاب التوحيد، والتي افتتحها بقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]: "أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله؛ لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به؛ لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله، وعزته، وإحسانه، وقدرته، وعلمه، وحسن اختياره، وقوة المتوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله، وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة؛ لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص" (١). وعليه فيختلف حسن الظن وتتفاوت درجاته بحسب ما يقوم بقلب العبد من العلم والمعرفة، ويقبح سوء الظن ويزداد شناعة وسوءًا بحسب ما يقوم بقلب العبد من قلة العلم والمعرفة بالله تعالى وبأسمائه وصفاته؛ فمنه ما يصل إلى الحد المخرج عن ملة الإسلام، ومنه ما يعتبر نقصًا في إيمان العبد، وخدشًا في توحيده فيكون من الشرك الأصغر. ويبين الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ صلة حسن الظن بالعلم بالله، ومعرفة أسمائه وصفاته، واعتقاد كماله وعظمته، فيقول: "وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان، وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله، وتكذيب لخبره، وشك في وعده" (٢).

стр. 911

ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- ضمن فوائد بعض الآيات التي استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب في إحدى أبواب كتاب التوحيد: "أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله واجبٌ من واجبات التّوحيد: ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا، أو شيئًا خفيفًا، أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إن تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد" (١). ويقول ابن القيم ﵀ مبينًا حقيقة الظن المخرج عن ملة الإسلام: "ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم، ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه" (٢). ويقول ﵀ أيضًا مبينًا أنواعًا مختلفة من سوء الظن بالله تعالى، وعموم البلوى بذلك: "فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تَعَتُّبًا على القدر، وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان

стр. 912

ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيًا فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء (١) من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى" (٢). ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب مختصرًا وملخصًا لما سبق من كلام الإمام ابن القيم، ومبينًا درجات سوء الظن بالله ﵎: "فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، أو عطّل ما وصف به نفسه فقد ظن به ظن السوء؛ كمن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو شفيعًا بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة أنه يخيبه، أو ظن أنه يسلط على رسوله محمد ﷺ أعداءه تسليطًا مستقرًا في حياته ومماته" (٣).

стр. 913

والمتأمل لما سبق يجد أن سوء الظن بالله تعالى منه ما يصل إلى درجة الشرك والكفر بالله العظيم، ويخرج المسلم عن دائرة الإسلام، ومنه ما يعتبر شركًا أصغر ومعصية عظيمة، وكل ذلك بحسب العلم والاعتقاد الدافع والمولد لسوء الظن بالله جل وعلا، وبحسب قوة سوء الظن وكثرته واستمراره، أو كونه ضعيفًا قليلًا مترددًا كالخطرات التي تختلج القلوب فيدفعها القلب، ويصدها بحسب قوة إيمانه ويقينه ومعرفته بالله تعالى وبأسمائه وصفاته. يقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا بعض أنواع سوء الظن: "فالذي يخالف ما أمر الله -جل وعلا- به شرعًا فيما يتصل بنصرة الدين، فإنه يقع في سوء ظن بالله ﷻ وهذا مما ينافي كمال التوحيد الواجب. ولهذا يجب على المؤمن أن يتحرز كثيرًا، وأن يحترس من سوء الظن بالله -جل وعلا-، فإن بعض الناس قد ينال الشيء فيرى أنه يستحق أكثر منه، وقد يحصل له الشيء بقضاء الله وبقدره فيظن أنه لا يستحق ذلك الشيء (١)، أو أن الذي ينبغي أن يصاب به هو غيره، فينظر إلى فعل الله -جل وعلا- وقضائه وقدره على وجه الاتهام، وقلَّ من يَسْلَم باطنًا وظاهرًا من ذلك، فكثيرون قد يَسْلَمون ظاهرًا، ولكن في الباطن يقوم بقلوبهم ظن الجاهلية، ... والظن محله القلب، فلهذا يجب على المؤمن أن يخلّص قلبه من كل ظن بالله غير الحق، وأن يتعلم

стр. 914

أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، وأن يتعلم آثار ذلك في ملكوت الله، حتى لا يقوم بقلبه إلا أن الله ﷻ هو الحق، وأن فعله حق" (١). سادسًا: تضمنت القاعدة بعض الفروق بين الشرك بنوعيه وبين سائر المعاصي؛ من حيث آثارهما ما يستلزمه كل منهما، مع اتصافهما بكونهما من الذنوب التي يتنجس بها ابن آدم. يقرر هذا المعنى الإمام ابن القيم ﵀ فيقول: "وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله ؛ ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك. وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفي عن النجاسة المخففة؛ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخف والحذاء، أو بول الصبي الرضيع، وغير ذلك ما لا يعفى عن المغلظة، وكذلك يعفي عن الصغائر ما لا يعفي عن الكبائر، ويعفي لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك" (٢).

стр. 915

المبحث الثاني قاعدة قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك وفيه مسائل: * المسألة الأولى * معنى القاعدة دلت القاعدة على أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده. فالفطر السليمة والعقول الصحيحة بطبيعتها التي خلقت عليها تستبشع وتستعظم اتخاذ معبود دون الله تعالى، تصرف له العبادة مع الله، ويشرك معه غيره في الحب، والخضوع، والذلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وسائر ما يتقرب به إلى الله . يقول الشيخ السعدي ﵀: "فَإِن ذَكَرَ التوحيدَ والشركَ، وأَمَرَ بالأولِ، ونهى عن الثاني أقام من البراهين القاطعة على صحة التوحيد،
следующие страницы →