← Тафсир

Тафсир · id 606

التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني

سامي القدومي

Полный текст (135 стр.). Показаны 106–135 · переход к 111.

стр. 106

(إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (٩٩) المفردات: - سلطان: تسلط. المعنى الإجمالي: بعد أن أمر الله رسوله - ابتداء - بالاستعاذة، وأمر كذلك المؤمنين أجمعين، جاءت هذه الآية لتعلل الأمر بالاستعاذة. فالذي آمن وتوكل على الله فإن الشيطان ليس له عليه تسلط. المعنى التفصيلي: - (إنه ليس له سلطان) (إنه) أي: الشيطان؛ لذكره في ختام الآية السابقة ( ... الشيطان الرجيم). - (سلطان) أصل مادة "سلط" هي: القوة والقهر، ومن ذلك التسلط، وسمي السلطان سلطانا؛ لأن أساسه القوة والقهر. وتسلط الشيطان ليس بالجبر والقهر، وإنما بالدعوة إلى المعصية وطاعتهم له بذلك، قال تعالى (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) (إبراهيم: ٢٢) - ولكن لا يسلم أحد من الوسوسة حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (الحج: ٥٢)، فما الفرق بين الوسوسة والسلطان؟ لا تصبح وسوسة الشيطان سلطانا إلا إذا أطيع فيما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: ١٠٠). وإنما قلت: فيما يوسوس به من الكفر؛ لأن من المؤمنين من يتأثر بوسوسة الشيطان فيقع في المعاصي، فالمؤمنون غير معصومين عن المعاصي، وإنما ليس له سلطان عليهم في أمرهم بالكفر. - (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) التوكل جزء من الإيمان، فلماذا ذكر بعده؟ هذا من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، وأهمية التوكل في هذا السياق تبرز في أن الاستعاذة إنما هي الاتجاء إلى الله واعتماد عليه، وهذا هو عين التوكل. وأيضا ففي ذلك إشارة إلى استحضار النية عند الاستعاذة حتى يجني المؤمن ثمرها؛ لأن الاستعاذة ليست لفظا وانتهى الأمر، وإنما تكون باستحضار النية والتوكل على الله ، وكم من مستعيذ يستعيذ بلسانه وقلبه لاه؟ - (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع، فلماذا؟ جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي؛ لأن الإيمان استقر في القلب وقضي أمره، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع؛ لأن أمر التوكل مستمر متجدد، فعبر عنه بالفعل المضارع. - (وعلى ربهم يتوكلون) قدم الجار والمجرور (وعلى ربهم) للحصر، أي: لا يتوكلون على أحد إلا الله . - جاء التعبير بـ (ربهم) ولم يأت أي اسم آخر من أسماء الله ؛ لما في معنى الربوبية من الرعاية والعناية، فهو تأنيس للمؤمنين بأن الله سيعيذهم، وإضافة "رب" إلى الضمير "هم" إنما هو للولاية والقرب والتأنيس. - استدل بعض من ينكر أذى الجن على الإنس بهذه الآية، واعتراضهم: كيف ينفي الله سلطان الشيطان على المؤمن ويصيبه بالمس وغير ذلك؟ وللجواب عن ذلك لا بد من العلم أن وسوسة الشيطان لا تصبح سلطانا إلا أطيع الشيطان في ما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: ١٠٠) وأما نفي الواضح الثابت من ضرر الجن على الإنس بما هو محتمل فهو غير صحيح؛ لأن هذا يتعارض مع النصوص الصريحة والصحيحة التي تثبت أن ضررا للجن قد يقع على الإنس، ولقد كتبت رسالة في بيان ضرر الجن على الإنس، وكل ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، واسمها (تعرف إلى ضوابط الرقية الشرعية وأحكامها) وهي منشورة. - الإيمان والتوكل على الله حرز حريز وحصن حصين من الشيطان، وأما سلطان الشيطان بالإضلال، فإنما يكون بالابتعاد عن ذكر الله ؛ قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (٣٦) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (٣٧)) (الزخرف)

стр. 107

(إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (١٠٠) المفردات: - سلطانه: تسلطه. - يتولونه: يتخذونه وليا. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أنه ليس للشيطان تسلط على المؤمنين، تبين هذه الآية أن سلطان الشيطان إنما هو على من يتخذونه وليا ويطيعونه، والذين يشركون بالله بسبب هذا الشيطان. المعنى التفصيلي: - هذه الآية تأكيد لمضمون الآية السابقة، وهو: ليس للشيطان سلطان على المؤمنين الذين يتوكلون على ربهم، وفيها معنى جديد أيضا. - قصرت هذه الآية سلطان الشيطان على الذين يتولونه وعلى المشركين. - (سلطانه) أي: سلطان الشيطان، وسبق الكلام في الآية السابقة على معنى "السلطان" بما يوضح المعنى. - (الذين يتولونه) أي: يتخذونه وليا، أي: مطاعا عندهم. والذين يتخذون الشيطان وليا ليسوا من المسلمين كما ظن بعض المفسرين؛ لأن الذي يتولى الكافر فهو مثله، فكيف بمن يتولى الشيطان رأس الكفر (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (المائدة: ٥١)، وأولياء الشيطان هم الكفار الذين أمر الله بقتالهم؛ قال تعالى (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (النساء: ٧٦). - (يتولونه) جاء التعبير بالفعل المضارع للدلالة على أن تولي الشيطان متجدد بتجدد الأيام واللحظات، وذلك كلما تولى الكافر الشيطان كلما ازداد تعلقه به وتوليه، فإنما هو تول يزداد ويتجدد. والله المعيذ! - (والذين هم به مشركون) الضمير في (به) يعود على الشيطان، والباء سببية، أي: والذين هم مشركون بسبب إطاعتهم الشيطان. وهذا هو الاحتمال الأول. والاحتمال الثاني: إن الضمير يعود على الله ، ويكون المعنى: والذين هم بالله مشركون. ولكن الاحتمال الأول أظهر؛ وذلك لدلالة السياق عليه؛ فالضمائر السابقة عائدة إلى الشيطان، وليس من مانع يمنع حمل هذا الضمير على الشيطان، فكان أظهر للتناسق، واقرأ وتأمل - بارك الله فيك - (إنما سلطانه) أي: الشيطان (على الذين يتولونه) أي: الشيطان (والذين هم به)؟؟؟؟؟ (مشركون). - (والذين هم به مشركون) جاء تقديم الجار والمجرور (به) على (مشركون)؛ للدلالة على الحصر، أي: ما أشركوا إلا بسبب غواية الشيطان. - (مشركون) جاء التعبير بالاسم وليس بالفعل؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والدوام، والنكتة في هذا أن الشيطان لم يضل الكفار ليمارسوا الشرك أحيانا، بل اجتهد عليهم حتى احترفوا الشرك، فصار المعنى: وما احترف الكفار الشرك احترافا إلا بسبب الشيطان، وهذا أقوى من: وما يشرك الكفار إلا بسبب الشيطان. فتأمل رعاك الله! - قيل: إن (الذين يتولونه) هم من المسلمين العصاة، وسبق بيان بطلان هذا القول، ولكن لماذا أعيد ذكر الاسم الموصول (الذين) في قوله تعالى ( .. الذين يتولونه والذين هم به مشركون) ولم يعد في الآية السابقة ( ... إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (النحل: ٩٩)؟ والجواب عن هذا: إن عطف (والذين هم به مشركون) على (الذين يتولونه) من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الفئات التي تتولى الشيطان كثيرة، منهم الملحد المنكر لوجود الله، ومنهم المشرك، ومنهم الكفار من أهل الكتاب، ومنهم .... ، وجاء التنصيص على المشركين لأنهم هم المخاطبون ابتداء في هذه السورة المكية. ولكن لماذا أعيد الاسم الموصول في هذه الآية ولم يعد في الآية السابقة؟ أعيد الاسم الموصول في هذه الآية؛ لأن كل فئة تتولى الشيطان إنما هي فئة مستقلة عن الفئة الأخرى بأسلوب ضلالها، ولذا فكل فئة لها فلسفتها وعقيدتها وسلوكها وشعائرها، وكل هذا خاص بها دون الآخرين، فكان التعبير بالاسم الموصول للدلالة على هذه الاستقلالية، فالمشركون هم نوع مستقل من مجموع من يتولى الشيطان، بينما لم يعد الاسم الموصول في قوله تعالى ( ... الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)؛ لأن التوكل هو عين الإيمان، ولا إيمان دون توكل، وليست فئة المتوكلين مستقلة عن فئة المؤمنين استقلال فئات الضلال. - إنما يأخذ الشيطان قوته من إقبال الضالين عليه (إنما سلطانه على الذين يتولونه ... ) فهم من يقبل عليه ويتولاه ويخضع لأمره، وما كان الشيطان يوما صاحب سلطان على من يلتجئ إلى الله ويستعيذ به، إنما سلطانه على من يعطيه الدنية ويخضع له. أعاذنا الله منه. آمين!

стр. 108

(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) (١٠١) المفردات: - بدلنا: من التبديل، وهو: جعل شيء مكان شيء. - مفتر: الذي يكذب عن عمد. المعنى الإجمالي: ما زال الكلام في شأن القرآن، فبعد الأمر بالاستعاذة وبيان فائدتها، جاءت الآية ببيان طعن الكفار بالقرآن، وسبب هذا الطعن هو النسخ الواقع في آيات الله . فإذا ما وقع النسخ في آية من آيات الله، قال الكفار للنبي ﷺ : إنما أنت تفتري على الله كذبا، وهذا القرآن ليس من عند الله؛ وذلك لوقوع النسخ في آياته. ولكن لا بد من العلم أن الله ينزل من الآيات في كل زمن ما يعلم أنه نافع لنا، ولكن الكفار لا يعلمون ما في النسخ من الحكم والمنافع، ومنهم من يعلم ولكن ينكر عنادا واستكبارا. المعنى التفصيلي: - هذه الآية تدل على أن الله ينسخ آياته كما يريد، وليس هذا من باب التناقض، وإنما هذا لحكم يعلمها الله . - (وإذا) جاء التعبير بـ (إذا) وليس "إن"؛ لتحقق وقوع النسخ في آيات القرآن الكريم، وما أثير حول النسخ من شبه قد رد عليه العلماء قديما وحديثا، فمن أراد الاستزادة فعليه مراجعة كتب علوم القرآن الكريم. - (بدلنا آية مكان آية) أي: بدلنا حكم آية مكان حكم آية، أو: بدلنا آية موضع آية أخرى، بأن وضع لفظ آية مكان لفظ آية. ولا بد من شرح مختصر مسهل حول أنواع النسخ حتى يتضح تفسير الآية. فأنواع النسخ ثلاثة: الأول: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. الثاني: نسخ التلاوة وبقاء الحكم. الثالث: نسخ الحكم والتلاوة. أما الأول (نسخ الحكم وبقاء التلاوة) فمثاله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) (المجادلة: ١٢) منسوخ بقوله تعالى (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) (المجادلة: ١٣) أما الثاني (نسخ التلاوة وبقاء الحكم) فمثاله: قال أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. قال أبي: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت (ألهاكم التكاثر). (صحيح البخاري ج٥/ص٢٣٦٥) وأخرج (مسلم ج٢/ص٧٢٦) من حديث أبي موسى الأشعري نحو هذا المعنى (بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فأتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب) أما الثالث (نسخ الحكم والتلاوة) فمثاله: عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. (مسلم ج٢/ص١٠٧٥) ومعنى (فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) أي عند من لم يبلغه النسخ لغاية ذلك الوقت، وكما تعلم يا أخي فإن طرق الاتصال في عصرهم كانت صعبة. فإن قلنا معنى الآية: بدلنا حكم آية مكان حكم آية. فهو النوع الأول من النسخ (نسخ الحكم وبقاء التلاوة) وإذا قلنا: معنى الآية: بدلنا لفظ آية مكان لفظ آية. فهو من النوع الثاني (نسخ التلاوة وبقاء الحكم) أو من النوع الثالث (نسخ الحكم والتلاوة). قد يسأل سائل: كيف تنسخ تلاوة القرآن، وهل ينسخ كلام الله ويصبح ليس كلاما لله؟!! وللجواب عن هذا لا بد من العلم أن كلام الله موجود في القرآن وغيره، ونسخ تلاوته في القرآن لا يخرجه عن كونه كلاما لله، بل ينسخ حكم ضمه إلى القرآن. - (والله أعلم بما ينزل) هذا احتراس لبيان أن التبديل الحاصل إنما هو لحكمة يعلمها الله ، وليس كما يشغب به الكفار من أن النسخ دليل على التناقض. - جاء إسناد الفعل (بدلنا) إلى الضمير "نا"، وجاء الالتفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المتكلم؛ تعظيما لأمر النسخ. - (والله أعلم بما ينزل) الالتفات من أسلوب المتكلم (بدلنا) إلى أسلوب الغيبة (الله)؛ لما في ذكر اسم الجلالة (الله) من تنبيه على مصدر النسخ، ولأن التعبير بأسلوب الغيبة في هذا السياق (والله أعلم بما ينزل) مقرر للخبر بأسلوب القاعدة والأصل، ولو قلنا في غير التنزيل "ونحن أعلم بما ننزل" لما ظهر الكلام على نسق تقرير القاعدة والأصل. - (قالوا إنما أنت مفتر) أي قال الكفار لمحمد ﷺ : إنما أنت يا محمد تفتري على الله الكذب، فهذا القرآن ليس كلام الله؛ لأن هذا التناقض لا يكون في كلام الله. - (إنما أنت مفتر) وهذا قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافي. وقد سبق بيان المقصود من هذا الاصطلاح. وقولهم (أنت مفتر) ليس بقوة القصر (إنما أنت مفتر)، فهم يقولون للنبي ﷺ : ما أنت إلا مفتر. فكأنهم ألغوا كل صفاته التي يتصف بها وجعلوا له صفة واحدة ألا وهي: الافتراء. - (مفتر) أي: مفتري. فهم لا ينسبون إلى النبي ﷺ الكذب فقط، بل ينسبون له الاحتراف في الكذب، لأن الافتراء هو: ادعاء الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فمن يفتري الكذب فإنما يتعمد الكذب ويقطع به. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر في قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا) (النساء: ٥٠) ( ... ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ... ) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. - (بل أكثرهم لا يعلمون) أن في النسخ حكما بالغة، و (بل) للإضراب، وهذا إضراب انتقالي، والإضراب الانتقالي هو: الانتقال من أمر إلى أمر أفظع منه مع بقاء الحكم الأول، والحكم الأول هو ادعاؤهم أن النبي ﷺ مفتر. - ولكن لماذا (أكثرهم لا يعلمون) لا كلهم؟ وذلك؛ لأن فيهم السادة والزعماء وأصحاب المصالح الذين يعلمون الحق ولكنهم ردوه عن علم لأجل مصالحهم، وفيهم العامة الذين قد يغيب عنهم كثير من الأمور. - ولكن قد يسأل سائل: إن كان الكفار لا يعلمون فلماذا يحاسبهم الله ، مع أن الجهل عذر من الأعذار التي ترفع العذاب، قال تعالى ( ... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: ١٥)؟ وللجواب عن هذا لا بد من العلم أن جهلهم هنا لا يعذرون به؛ لأنه ليس جهلا ناتجا عن عدم وصول الخبر إليهم، بل هو جهل ناتج عن جحودهم وإغلاقهم قلوبهم عن الإيمان، وعقولهم عن التفكير، ولذا فهذا الجهل من كسب أيديهم!

стр. 109

(قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين) (١٠٢) المفردات: - روح القدس: جبريل ﵇. المعنى الإجمالي: بعد أن طعن الكفار بالقرآن بأنه مفترى من عند محمد ﷺ أمر الله نبيه أن يقول للكفار: إن هذا القرآن ليس كلامي، بل هو كلام الله ؛ أنزله ليثبت المؤمنين على الإيمان، وليكون هدى وبشرى للمسلمين. المعنى التفصيلي: - (قل) الخطاب فيه بداية للنبي ﷺ وللمؤمنين تبعا. وفي فعل الأمر (قل) دلالة على أننا مكلفون بتبليغ دين الله ، ومكلفون - أيضا - بالذب عنه، وهذا تكليف جازم يستمد هذه الصفة من جزم فعل الأمر (قل). - (نزله) أي القرآن. قيل: جاء التعبير بـ (نزله) وليس "أنزله"؛ للدلالة على التدرج بإنزال القرآن، بينما تدل صيغة "أنزله" على نزول القرآن مرة واحدة دون تدرج. وقيل: إن تضعيف الفعل يدل على التعظيم. وقد سبق الكلام على مثل هذا بالنفي؛ لقوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) (الفرقان: ٣٢) فالكفار طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة بفعل مضعف (نزل)، وهذا يرد أن التضعيف لتقوية المعنى تعظيما للقرآن، ويرد على أن التضعيف يعني نزول القرآن منجما؛ لأنهم طلبوا نزوله جملة واحدة (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) وقال تعالى (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: ٣١) فـ (نزل) ليس لتقوية المعنى تعظيما للقرآن. ولو كانت التعدية بالتضعيف أقوى من التعدية بالهمزة، لكان الإنزال في قوله تعالى (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) (الشعراء: ١٩٨) أقوى منه في قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) (الدخان: ٣) (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر: ١)، وهذا غير صحيح؛ لأن السياق في سورتي (الدخان) و (القدر) لتعظيم القرآن. - (روح) أي جبريل ﵇، وقيل في بيان معنى الروح في هذه الآية من جهة اللغة: الروح: المطهر من نقائص البشر؛ لأن الأرواح تترفع عن نقائص الأجساد. وهذا ضعيف؛ لأن من الأرواح ما هو خبيث. والروح تأتي بعدة معان، منها ما تكون الحياة به: (ويسألونك عن الروح) (الإسراء: ٨٥)، ومنها جبريل: (نزل به الروح الأمين) (الشعراء: ١٩٣)، ومنها الوحي: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) (الشورى: ٥٢)، والجامع فيما ذكر أن الروح تكون بها حياة الأبدان، والوحي يكون به حياة القلوب؛ ولذا سمي روحا، وسمي جبريل روحا؛ لأنه كان ينزل بالوحي، فهو بهذا الاعتبار سبب لحياة القلوب. - (القدس) وهو: الطهر، ومعنى (روح القدس) أي: جبريل المطهر من النقائص. - (من ربك) وهذا بيان لمصدر القرآن الكريم، وجاء النص (من ربك) وليس "من ربي"؛ لأن في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ، وحتى يخرج الكلام عن أسلوب التلقين المحض إلى أسلوب التكريم والتشريف جاء التعبير بـ (ربك). - (بالحق) أي أن القرآن متلبس بالحق في كل ما يتعلق به، سواء إنزالا أو أحكاما أو قصصا أو نسخا، وفي هذا رد على تكذيب الكفار للقرآن بدعوى وقوع النسخ فيه، كما جاء بيان هذا في الآية السابقة (وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون). - (ليثبت الذين ءامنوا) من مقاصد إنزال القرآن تثبيت المؤمنين على الهداية التي هم فيها، ولكن لقوله تعالى معنى أخص في هذا السياق الذي يثبت بأن النسخ من الله ، وهذا المعنى هو (ليثبت الذين ءامنوا) عندما يتفكرون في الحكمة من النسخ وبما يحققه لهم من الخير. - (وهدى وبشرى للمسلمين) وهذا مقصد آخر من مقاصد تنزيل القرآن، ألا وهو هداية المسلمين إلى الطريق المستقيم وتبشيرهم بأنهم على الطريق المستقيم. وقدم ذكر الهداية على البشرى؛ لأن الهداية أولا ثم تأتي البشرى ثمرة للاستقامة على الهداية، والمسلمون هم الذين أسلموا وانقادوا لله وفق ما أراد. - لماذا جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؟ جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؛ لأن المؤمنين أعلى رتبة من المسلمين؛ فعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن. فقال النبي ﷺ : أو مسلم. أقولها ثلاثا ويرددها علي ثلاثا: أو مسلم. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار. (صحيح مسلم ج١/ص١٣٢). - ولكن لماذا جاء ذكر التثبيت للمؤمنين، بينما جاء ذكر الهداية والبشرى للمسلمين، ألا يحتاج المؤمنون الهداية والبشرى كما يحتاجها المسلمون؟ جاء ذكر التثبيت للمؤمنين لأن المؤمنين وصلوا إلى درجة عالية في الإيمان، ولذا فلا بد لهم أن يثبتوا عليها، وثباتهم على هذه الدرجة العالية فوز عظيم، وأما المسلمون فهم أحوج للهداية والبشرى؛ لأنهم ما زالوا سائرين في الطريق ليصلوا إلى درجة المؤمنين، فاحتاجوا إلى الهداية ليسيروا على نور، واحتاجوا إلى البشرى لتكون حافزا لهم.

стр. 110

(ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) (١٠٣) المفردات: - يلحدون: يميلون عن الحق وينحرفون. - لسان: المقصود به هنا: اللغة. المعنى الإجمالي: وما زال الكلام حول نقض مزاعم الكفار في الطعن في القرآن، فهم يدعون أن رجلا أعجميا يعلم النبي ﷺ القرآن، ولكن هذه الدعوة دعوة غبية، لأن القرآن كتاب عربي غاية في البيان والفصاحة والبلاغة، ومن يدعون أنه يعلم النبي ﷺ إنما هو رجل أعجمي لا يتقن أبجديات البلاغة والفصاحة علاوة على عجزه عن إتقان النطق. المعنى التفصيلي: - (ولقد نعلم) توكيد الفعل المضارع بـ "قد" يدل على أن علم الله مستمر؛ لأن علم الله حق دائم، و"قد" مع الفعل الماضي تدل على التحقيق "لقد علمنا" ولكن لا يدل اللفظ بذاته على استمرار العلم، وإنما يفهم ذلك من أدلة أخرى، بينما توكيد الفعل المضارع بـ "قد" يدل على أن تحقق العلم مستمر، ولن يغيب عن الله شيء مما يحدثه هؤلاء من طعن في القرآن، وكذلك ليكون التعبير مناسبا لما بعده، ألا ترى أن ما يعلمه الله من قول الكفار في حق القرآن جاء معبرا عنه بقوله تعالى (يقولون)، فالمناسب أن يكون "نعلم ما يقولون" وليس "علمنا ما يقولون"، لأن التعبير بالمضارع هنا جاء لتهديد الكفار، كأن الآية تقول لهم إن الله يتابع أقوالكم أولا بأول، وستجزون بما كنتم تعملون. ومما يستخدمه الناس في تهديدهم لغيرهم أنهم على اطلاع مستمر بكل ما يعمله الآخر، والله يخاطب هذه النفس الإنسانية بما يخيفها من أمر المراقبة والمتابعة من الله القادر العظيم. ومن الأمثلة الدالة على أن التأكيد من دلالات دخول "قد" على الفعل المضارع: - ( ... قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ... ) (النور: ٦٣) - ( ... قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم) (النور:٦٤) - (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا) (الأحزاب: ١٨) - التعبير بالجمع (نعلم) للتعظيم. والعلم من صفات الله ، ومن أسمائه الحسنى "العليم"، ولكن علمه لا كعلمنا؛ لأنه ( ... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: ١١)، فأثبت الله له السمع والبصر بأنه سميع بصير ولكن من غير تشبيه ولا تمثيل، وعلى هذا يجري فهم بقية صفات الله ، وهذا مزلق عظيم ضل فيه أناس كثير. والله الحافظ والهادي إلى سواء السبيل. - (أنهم يقولون) أي يعلم الله قول المشركين، و"أن" للتوكيد، وجاء الفعل (يقولون) مضارعا لا ماضيا "قالوا"؛ لأن الكفار لم يقولوا هذا مرة واحدة وسكتوا، بل كانوا يكررون ويعيدون. - (يقولون إنما يعلمه بشر) أي: ما يعلم محمدا القرآن إلا بشر، وهو رجل أعجمي، وكل المقصود بهذه الدعوى القدح في قدسية القرآن. واختلف العلماء في تعيين هذا الرجل الأعجمي الذي ادعى المشركون بأنه يعلم محمدا ﷺ ، فقيل: بلعام، وقيل: يعيش، وقيل: جبر، وقيل غير ذلك، وتعيين اسمه ليس ذا فائدة، بل الفائدة في معرفة أنه أعجمي. - (لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) يرد الله هذه الدعوى الغبية على أصحابها بخير بيان، إذ كيف ينسبون القرآن الذي لم يستطع كل العرب أن يأتوا بمثله كيف ينسبونه إلى غير عربي لا يتقن الفصاحة والبلاغة علاوة على النطق؟؟! أين عقولهم؟! إنه الكفر والعناد ينزل بصاحبه إلى حمأة الغباء والسفاهة. - (لسان) أي: لغة وكلام، وعبر عن اللغة والكلام باللسان لأنه آلة النطق. - (يلحدون إليه) أي: يميلون إليه، ولذا سمي الملحد ملحدا لأنه مال عن الحق. - (أعجمى) والأعجم من لا يقدر على النطق بالعربية كما ينبغي، أي من لا يفصح لوجود العجمة في كلامه. والعجم هم غير العرب. والياء في (أعجمى) للنسب، وجاء النسب لتقوية وصفه بالعجز عن الإفصاح. - (وهذا لسان عربى مبين) اسم الإشارة (هذا) في هذا المكان يدل على التعظيم، وأعيد ذكر (لسان) مع دلالة السياق عليه لتعظيم أمر القرآن. ووصف القرآن بوصفين الأول: عربي، والثاني: مبين. و (مبين) اسم فاعل من أبان، فالقرآن عربي وذاك أعجمي، والقرآن مبين وذاك غير مبين. - ولم يأت الرد على الكفار بأن محتوى القرآن لا يكون إلا من عند الله ؛ لأنه لا يرد بما يحتمل النقاش مع وجود ما لا يحتمل النقاش، ولذا فإن إبرهيم ﵇ لما أقام الحجة على الطاغية بأن الله يحيي ويميت، وقام بعدها هذا الطاغية بالمراوغة أمام الحجة، لم يجادله إبراهيم ﵇ بأن الذي فعلته ليس هو الإحياء والإماتة، وإنما أسرع إلى إقامة الحجة عليه بما لا يقبل النقاش، بأن الله يأتي بالشمس من جهة المشرق فأت بها من جهة المغرب، فبهت هذا الطاغية وألجم فوه فلم يرد. وهذه نصيحة لمن يجادلون أهل الأهواء بأن يحرصوا على الحجة الساطعة معرضين عن الحجج الأخرى حتى لا يخبو ضوء الحقيقة خلال النقاش.

стр. 111

(إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم) (١٠٤) المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة الدعوى الغبية للكفار بأن أعجميا يعلم النبي ﷺ القرآن، جاءت هذه الآية لترد على تساؤل مفاده: هؤلاء الكفار ليسوا أغبياء كل هذا الغباء، فلماذا يحتجون بحجة وهم يعلمون أنها سخيفة؟ فجاء الجواب بأن ذلك بسبب الجحود. المعنى التفصيلي: - (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله) ولكن السؤال: أليس كل كافر اهتدى كان لا يؤمن بآيات الله؟! الجواب عن هذا أن هؤلاء صنف لا يؤمن بآيات الله جحودا وعنادا بعدما تبين لهم الحق، قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (الأنعام: ١١٠) وقال تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ... ) (مريم: ٧٥)، وقال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (الصف: ٥) وقد سبق الكلام على مثل هذا في غير موضع في هذه السورة، وعلى سبيل المثال عند قوله تعالى (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين) (٣٧) - إضلال الله لمن اختار الضلال أكيد، وهذا ما جاء مؤكدا بحرف التوكيد "إن" (إن الذين). - التعبير بالاسم الموصول (الذين) للتشهير بهم بما يدل عليه الاسم الموصول في هذا السياق. - (ولهم عذاب أليم) أي في الآخرة. وقدم الجار والمجرور (لهم)، علما بأن المبتدأ نكرة موصوفة يجوز الابتداء بها، ولكن قدم الجار والمجرور زيادة في تهديد هؤلاء الجاحدين، أي أن العذاب الأليم لهم هم، فليعلموا. - يستفاد من هذه الآية أن من يعتدي على دين الله بعد أن يتبين له الحق فإنه اختار بذات نفسه طريقا لا رجعة فيه؛ لأن الله لا يهدي من أراد الضلالة عن علم ومعرفة، ولكن كم ممن عادى الإسلام وهداه الله ؛ ليتبين من هدايته أن معادته للإسلام كانت بسبب عدم اكتمال صورة الحقيقة عنده، فلما اكتملت عنده توجه بنفسه وقلبه إلى الله جل في علاه.

стр. 112

(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) (١٠٥) المفردات: - يفتري: يدعي الكذب. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية سبب ما فيه الكفار من الغباء، تبين هذه الآية أنه لا يدعي الكذب على رسول الله ودين الله إلا الذين يجحدون بآيات الله، فسبب الغباء والافتراء واحد، وهو الجحود. وهذا رد على ما ادعاه الكفار من افتراء النبي ﷺ للقرآن ( ... قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) (النحل: ١٠١) المعنى التفصيلي: - (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي: ما يفتري الكذب إلا الذين لا يؤمنون. - (يفتري) جاء التعبير بالفعل المضارع ليدل على أن تجدد الافتراء على دين الله لا يصدر إلا عن الكفار الجاحدين. - (يفتري) أي يدعي الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فهم يفترون على الله الكذب، أي يقطعون به، وليس مجرد تكذيب في سياق التفكير والبحث عن الحق. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر إلى قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب) (النساء:٥٠) (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. (الكذب) أي يفترون هذا الكذب الذي تعرفونه، فـ "ال" هنا للعهد والتعريف؛ لأن ذكر كذبهم مر ذكره قبل آيات ( ... قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) (النحل: ١٠١) - (الذين لا يؤمنون بآيات الله) جاء التعبير بالاسم الموصول (الذين) للتشهير بهم بما يدل عليه الاسم الموصول من أنهم كفار جاحدون. (وأولئك هم الكاذبون) جاء التعبير في هذه الجملة بضمير الفصل "هم" لإفادة التخصيص، فهؤلاء الجاحدون هم فقط الكاذبون على دين الله.

стр. 113

(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) (١٠٦) المعنى الإجمالي: بعد بيان الآيات لما قاله الكفار طعنا في القرآن الكريم، وبعد الرد عليهم، جاءت هذه الآية لتهدد وتتوعد من يكفر بعد إيمانه متبعا ما يروجه الكفار، وذلك تقديما لمنافع الدنيا ومصالحها على أمر الآخرة. ولكن الذي ينطق بالكفر بسبب الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان فلا شيء عليه، إنما العذاب على من يكفر بدون إكراه؛ لأنه ما كفر امرئ دون إكراه إلا وقد طاب صدره وانشرح بالكفر، وهؤلاء عليهم غضب من الله العظيم، ولهم في الآخرة - أيضا - عذاب عظيم. المعنى التفصيلي: - (من) اسم شرط وجوابه (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) - (كفر) جاء الفعل ماضيا؛ لأن معنى الفعل الماضي في الشرط يصبح مضارعا، قال تعالى (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ... ) (البقرة: ٢٤٩) - (كفر بالله) لو جاء النص من غير (بالله) لفهم المقصود، ولكن ذكر لفظ الجلالة تعظيما لأمر هذا الردة لأنه ليس كفرا بأي أحد، إنه كفر بالله، ولذا فليحذر من يفكر في مثل هذا الأمر. - (من بعد إيمانه) ولكن كيف يكفر من آمن؟ هذا ما بينه النبي ﷺ بقوله: (قال بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) (صحيح مسلم ج١/ص١١٠)، وهذا ما سيأتي بيانه في الآية التالية (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) (١٠٧) - (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وهذا استثناء منقطع ممن توعدهم الله ، فإن من أكره على الكفر وتلفظ به إنما هو معذور. قيل: إن هذه الآية نزلت بسبب نطق عمار بن ياسر ﵁ بالكفر مكرها. علما بأن هذه القصة لم تثبت وإنما جاءت من طرق ضعيفة. - (أكره) بني الفعل للمجهول؛ لأن المهم في الأمر إبراز أمر الإكراه لا إبراز من قام به، فإن القائمين على إكراه الناس على الكفر من زمن نزول هذه الآية إلى هذا الزمن من الكثرة بمكان حيث لا يستطيع أحدنا أحصاءهم. - (وقلبه مطمئن بالإيمان) الواو حالية، أي: حال هذا الذي نطق بالكفر أنه مؤمن بالله، لأن من الناس من يكره على الكفر فيكفر راضيا متجها بنفسه وقلبه إلى الكفر لتحصيل منفعة دنيوية خسيسة. - الإكراه الذي يبيح الكفر هو الذي يخاف به المرء على نفسه أو أهله أو على عضو من أعضائه أو أعضاء أهله أو عذاب شديد لا يحتمله أكثر الناس، ويقاس على هذا أنواع الإكراه المختلفة. ولا يجوز الكفر بسبب إكراه يسير يحتمله أكثر الناس، ودرجة الإكراه المبيحة لأي فعل تقدر بدرجة الحرام الذي يستباح، فقد يكره شخص على دفع دينارين للصوص فيعطيهم، علما بأنه لو أكره هذا الإكراه لأجل دفع ألف دينار فإنه لن يرصخ له. وبناء على هذا يفهم ما ينقل عن بعض العلماء من أن الإكراه يقع بسوط أو سوطين، فإننا لو بحثنا عن هذه الأقوال لوجدنا أنها قيلت في وقائع تناسب هذا الإكراه وليس في مسألة الكفر. - وكما أن الكفر يباح عند الإكراه فإباحة فعل المعاصي كشرب الخمر وأكل الميتة أولى بالجواز. - لكن هناك أفعال لا يبيحها الإكراه كالقتل والاغتصاب وغيرهما من المعاصي التي فيها الاعتداء على الآخرين. - وقد اختلف العلماء في جواز فعل عمل الكفر - كالسجود للصنم - بعد اتفاقهم على جواز النطق بالكفر، والظاهر الجواز، لأن النطق باللسان كفر والعمل بالجوارح كفر، وكما أبيح النطق باللسان - وهو من الجوارح - فإباحة العمل مثله، فهما في معنى واحد. - ولكن لا بد أن يعلم أن الصبر على الإكراه لأجل الله أعظم من الرضوخ للإكراه. - (ولكن من شرح بالكفر صدرا) وهذا استدراك بأن الذين يشملهم الوعيد هم من طابت قلوبهم بالكفر. - (شرح بالكفر صدرا) وانشراح الصدر هو الراحة والقبول الذي يداخل النفس لأمر ما. - ولكن لماذا لم يأت النص "ولكن من قلبه مطمئن بالكفر" مثل قوله تعالى (وقلبه مطمئن بالإيمان)؟ لم يأت النص هكذا لأن الكفر ليس فيه طمأنينة. - (شرح بالكفر صدرا) لم يأت النص "وصدره منشرح بالكفر" كما في قوله تعالى (وقلبه مطمئن بالإيمان)، لأن (وقلبه مطمئن بالإيمان) جملة اسمية تدل على الثبوت والدوام، فهذا القلب دائم الاطمئنان بالإيمان، لأن من لا يكون قلبه مطمئنا بالإيمان وقت السعة والراحة فلن يطمئن بالإيمان وقت الإكراه، فهو قلب مطمئن بالإيمان قبل الإكراه وعنده وبعده. بينما جملة (شرح بالكفر صدرا) هي جملة فعلية لا تدل على الثبات والدوام؛ لأن القلب الكافر ليس قلبا منشرحا، بل انشرح وقتيا لأمر عارض وسرعان ما يضيق هذا الصدر، وتأمل معي قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (الأنعام: ١٢٥) - لماذا قدم الجار والمجرور (بالكفر)؟ قدم الجار والمجرور (بالكفر)؛ لإبراز بشاعة الأمر بإظهار سبب الانشرح أولا قبل ذكر الصدر؛ لأن المنكر في الأمر ليس مجرد انشراح الصدر بل المنكر هو انشراحه بالكفر، ولذا قدم لإبراز وجه الإنكار والبشاعة. - (صدرا) لم يأت الصدر معرفا "صدره" بل نكر استحقارا لهذا الصدر الذي انشرح بالكفر. - (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) في الجمع بين الغضب والعذاب مع وصف العذاب بالعظيم دلالة على عظيم عقاب المرتدين عند الله . - (فعليهم غضب من الله) الوعيد بهذه الجملة الاسمية يدل على دوام غضب الله عليهم وثبوته، فهو ليس غضبا مؤقتا، والنص على أن هذا الغضب من الله ليس من أحد غيره تعظيم له وزيادة في الوعيد. - (ولهم عذاب عظيم) أي في الآخرة. وقدم الجار والمجرور (لهم)، علما بأن المبتدأ نكرة موصوفة يجوز الابتداء بها، ولكن قدم الجار والمجرور زيادة في تهديد هؤلاء المرتدين، أي أن العذاب الأليم لهم هم، فليعلموا. - وللمرتدين عقاب يقام عليهم في الدنيا بينه رسول الله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) (صحيح البخاري ج٦/ص٢٥٣٧)

стр. 114

(ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) (١٠٧) المعنى الإجمالي: بعد أن توعد الله المرتدين بالغضب والعذاب، جاءت هذه الآية معللة لاستحقاق المرتدين لهذا الغضب والعذاب. واستحقاق المرتدين لغضب الله وعذابه يعود إلى أمرين، الأول: تفضيلهم الحياة الدنيا على الآخرة، والثاني: أن الله لا يهدي من اختار الكفر، ولذا تركهم في ضلالتهم فاستحقوا ما استحقوا من الغضب والعذاب. المعنى التفصيلي: - (ذلك) "ذا" اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب، واختلف في تعيين ما تعود عليه الإشارة، هل هو الارتداد عن الإسلام أم غضب الله وعذابه؟ فإن قلنا: إن المقصود هو الارتداد عن الإسلام، كان المعنى: من ارتد عن الإسلام فإنما ارتد لإيثاره الدنيا على الآخرة، ولأن الله لا يهدي من يريد الضلالة فأبقاه ضالا. ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) (صحيح مسلم ج١/ص١١٠) والشاهد في الحديث (يبيع دينه بعرض من الدنيا). وإن قلنا: إن المقصود هو غضب الله وعذابه، كان المعنى: غضب الله على من ارتد عن الإسلام وأعد له العذاب؛ لأنه آثر الدنيا على الآخرة، ولأن الله لا يهدي من اختار الضلالة فأبقاه ضالا. والمعنى الثاني يتضمن المعنى الأول؛ فغضب الله على المرتد كان بسبب إيثاره الدنيا على الآخرة، ويفهم من هذا الكلام أن سبب الارتداد هو إيثار الدنيا على الآخرة، ويفهم منه أن سبب الغضب والعذاب وسبب الارتداد هو ترك الله لمن أراد الضلالة في الضلالة، ولذا ارتد ولذا استحق العذاب. وكما تلاحظ فإن القول الثاني متضمن للقول الأول؛ فعود اسم الإشارة إلى ما استحقه المرتد من غضب الله ومن العذاب هو أبلغ وأولى. - (بأنهم) الباء للسبب، والضمير "هم" يعود على المرتدين. - (استحبوا) صيغة الاستفعال الدالة على الطلب تفيد التأكيد على قصد الفعل، فهم لم يحبوا فقط بل طلبوا الحب طلبا؛ زيادة في المبالغة في الإقبال على الدنيا. وضمن (استحبوا) معنى "فضلوا"؛ ولذا عدي الفعل بـ "على"، فالإنسان قد يفضل شيئا لا لحبه بل للمصلحة، ولكن هؤلاء لم يقدموا الدنيا لمجرد المصلحة فقط، بل قدموها من فرط حبهم لها، وحبهم هذا ناشئ من بغضهم للآخرة وما يترتب على ذلك من إيمان؛ ولذلك ارتدوا. - (الحياة الدنيا على الآخرة) وسميت "الدنيا" بهذا الاسم؛ لقربها؛ نقول: دانيت بين الأمرين إذ قربت بينهما، وسميت "الآخرة" بهذا الاسم؛ لأنها آخر المطاف إذ لا حياة بعدها. - (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) وهذا سبب ثان لاستحقاق المرتدين لغضب الله وعذابه، وهو أن الله تركهم في الضلالة فاستحقوا ما استحقوا؛ لأن الله لا يهدي من يريد الضلالة، قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (الأنعام: ١١٠) وقال تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ... ) (مريم: ٧٥)، وقال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (الصف: ٥). وقد سبق الكلام على مثل هذا في غير موضع في هذه السورة، وعلى سبيل المثال عند قوله تعالى (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين) (٣٧) - (القوم الكافرين) جاء التعبير بـ "القوم" للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح الكفر صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم. وأحب أخي القارئ أن أستطرد عند هذه النقطة، وهي أن الذين يستحقون الإضلال هم من تمكنوا في الضلالة لا من زل جهالة وعاد إلى رشده، وتأمل معي قوله تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (٧٥) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (٧٦)) (سورة مريم). فإن الله لا يمد الضال في الضلالة إلا إذا أصبح فيها، محيطة به في كل نواحي حياته، قد تمكن منها وتمكنت منه (قل من كان في الضلالة)، فهو لم يضل فقط، بل هو في الضلالة، بينما يزيد الله من لامس الهداية ملامسة حتى وإن لم يتمكن منها (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) وهذا من لطفه وكرمه ، وهذا معنى "القوم" في قوله تعالى (القوم الكافرين)، فهم ما استحقوا الإضلال إلا بعد أن تمكنوا من الكفر وأصبح صفتهم التي عليها يجتمعون.

стр. 115

(أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون) (١٠٨) المعنى الإجمالي: وهذا بيان لخاتمة الآية السابقة (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين)، فهم لن يهتدوا لأنهم اختاروا الضلالة فطبع الله سبحانه على قلوبهم فلا يصل إليها الإيمان، وعلى سمعهم وأبصارهم فلا يهتدون بهما. وهؤلاء الذين فضلوا الدنيا الزائلة على الآخرة الباقية هم الغافلون الحقيقيون. المعنى التفصيلي: - (أولئك) استفتاح الآية باسم الإشارة زيادة في تحقير المشار إليهم وهم المرتدون؛ لأن الإشارة إلى الشيء في سياق التكريم تكريم وفي سياق التحقير تحقير. - (الذين) ذكر الاسم الموصول مع أن الكلام يقع بدونه "أؤلئك طبع الله على .. "؛ لأن الاسم الموصول في هذا السياق إنما هو للتشهير بهؤلاء المرتدين، أي: أؤلئك هم بعينهم الذين طبع الله على قلوبهم، فاعرفوهم. - (طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) المقصود من الطبع هو حجب قلوب المرتدين وسمعهم وأبصارهم عن وصول الإيمان إليها. والطبع هو: التغطية على الشيء والاستيثاق من أن يدخله شيء، وهذا ما يكون مع هذه القلوب إذ تحجب عن الإيمان والهدى. وكذلك من معاني الطبع جعل الشيء سجية وطبيعة، ومن هنا قيل: طبع الإنسان: عادته. والطبع على قلوب المرتدين يكون بجعل الإعراض عن الإيمان والهدى طبيعة لهذه القلوب، فلا تتعظ ولا تلين أبدا. - لم يأت التعبير بـ "طبع على قلوبهم" وإنما أسند الطبع إلى الله (طبع الله) تعظيما لهذا الطبع، لأن من طبع الله على قلبه فليس هنالك أحد في الوجود يستطيع إزالة هذا الطبع. - (على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) جاء الترتيب من الأعلى إلى الأدنى بالنسبة للأهمية في موضوع الإيمان، لأن القلب هو الأهم في موضوع الإيمان، والسمع أهم من البصر، ثم تأتي منزلة الأبصار في الاعتبار وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالهداية. وإنما جاء هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى - وليس العكس - تعظيما لقوة هذا الطبع، فعند اهتمامنا بمصير القائد نقول: قضي على القائد والجنود، وهذا أعظم من قولنا: قضي على الجنود والقائد. وفي هذا السياق يحتل موضوع القلب المنزلة الأهم ( ... فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (الحج: ٤٦) - (وسمعهم وأبصارهم) لماذا أفرد "السمع" وجمع "الأبصار"؟ قيل: أفرد السمع لأنه مصدر، والأصل فيه الإفراد، أما الأبصار فإنما هي اسم ومفردها بصر. وهذا غير صحيح؛ لأنه قد ورد في المعاجم اللغوية كـ "الفائق" للزمخشري، و" القاموس المحيط" للفيروزأبادي وغيرهما أن البصر مصدر، يقال: بصر - أو بصر - بصرا. ويجوز في المصدر الجمع والإفراد، ولذا لا مانع من جمع "السمع". ويبقى السؤال قائما: لماذا أفرد "السمع" وجمع "الأبصار"؟ وقد قرأت معلومات عن دماغ الإنسان، فسر بها بعض المفسرين المعاصرين سبب إفراد "السمع" وجمع "الأبصار"، ولكن هذه المعلومات لا يؤمن عليها من التغيير؛ لأنها لم ترتق لتكون قواعد علمية بدهية مسلمة، حتى نفسر بها القرآن، أما أن نفسره اليوم بمعلومة علمية ثم نغير التفسير مع تغيير المعلومة، فهذا أمر بعيد عن الصواب. ولكن قد نقول: إن مما يدركه الواحد فينا أننا لا نستطيع أن نسمع لشخصين يقصان قصتين مختلفتين في نفس الوقت؛ لأن صوت كل واحد منهما يشوش على صوت الآخر، ولذا فهو "سمع" بالإفراد. بينما نستطيع أن نرى عدة أشياء في وقت واحد، فإننا ننظر إلى سيارة زرقاء اللون، وإلى زجاجها الأسود، دون أن يشوش النظر إلى لون السيارة على النظر إلى لون الزجاج، ولذا فهو "أبصار" بالجمع. والله أعلم وعلمه أحكم. - (وأولئك هم الغافلون) عن حقيقة الدنيا الخسيسة الزائلة، ولغفلتهم قدموها على الآخرة الباقية، وضمير الفصل "هم" للتخصيص، فمن غفل عن حقيقة الدنيا والآخرة إنما هو الغافل الحقيقي؛ لأنه بغفلته هذه لا يخسر تجارة أو مالا، وإنما يخسر كل حياته.

стр. 116

(لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) (١٠٩) المفردات: - لا جرم: حقا. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أن هؤلاء المرتدين محرومون من الهداية بسبب اختيارهم الضلالة وتفضيلها على الهدى، جاءت هذه الآية لتبين مصير من كان هذا أمره في الدنيا بأنه لا شك وأنه هو الخاسر الحقيقي في الآخرة، ومن خسر آخرته فماذا ربح!! المعنى التفصيلي: - (لا جرم) ... الجرم هو الذنب، والذنب هو الباطل، ونفي الجرم نفي للباطل، ونفي الباطل هو إثبات الحق؛ لأن الأمر إما أن يكون حقا أو باطلا، فإذا نفي الباطل وقع الحق، ولذا فإن معنى لا جرم هو حقا. - (أنهم) الضمير "هم" يعود على المرتدين. وخسران المرتدين مؤكد في هذه الآية بتأكيدين، الأول: (لا جرم)، والثاني: حرف التوكيد "أن"، وإنما جاء هذا التأكيد لبيان حقيقة سوء حال المرتدين في الآخرة. - (في الآخرة هم الخاسرون) قدم الجار والمجرور (في الآخرة) تنبيها على عظيم أمر الآخرة الذي تناساه المرتدون. وضمير الفصل (هم) يدل على أن هؤلاء المرتدين هم ذاتهم لا غيرهم الخاسرون، ولعظم خسرانهم جاء التعبير بأسلوب التخصيص، كأنه لا خاسر سواهم.

стр. 117

(ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (١١٠) المفردات: - فتنوا: امتحنوا. المعنى الإجمالي: بعد ذكر وعيد المرتدين وبيان خسرانهم، جاء التنويه بمكانة المؤمنين المهاجرين في سبيل الله ، المفضلين الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الزائلة، رغم أن هؤلاء المؤمنين قد وافقوا قومهم على الكفر خوفا منهم فإن الله غفور لهم رحيم بهم بعد هجرتهم وجهادهم وصبرهم. المعنى التفصيلي: - (ثم) جاء العطف بـ (ثم) لعلو رتبة المؤمنين على وضاعة رتبة المرتدين، فالفرق بينهما عظيم؛ فالعطف بـ (ثم) يكون للتراخي الزمني بين الأحداث أو للتراخي الرتبي كما هو الحال في هذه الآية. - (إن) حرف تأكيد يؤكد مضمون الآية. - (ربك) جاء التعبير بـ "الرب" لما فيه من معاني الرعاية والعناية، وهذا يناسب سياق المغفرة والرحمة في هذه الآية، وأضيف " الرب" إلى كاف المخاطب، والمقصود به محمد ﷺ ، فالمعنى (ربك) أي: يا محمد، وإنما وقعت هذه الإضافة تشريفا للنبي ﷺ . - (للذين هاجروا) والهجرة الانتقال من بلد إلى بلد فرارا بدين الله. وفي تعيين هذه الهجرة قيل: هي الهجرة إلى الحبشة، وقيل: بل الآية مدنية وليست مكية، فالهجرة هي إلى المدينة. أما القول بأن الهجرة إنما هي إلى الحبشة فغير صحيح؛ لما ستعرفه من سبب النزول المروي عن ابن عباس بسند صحيح بأن الهجرة المقصودة في هذه الآية هي الهجرة إلى المدينة، وأحب أن أنبه إلى أن قول الصحابي في سبب النزول: "حدث كذا فنزل قوله تعالى ... ". له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ؛ لأن هذا الأمر مما لا مجال للاجتهاد فيه، وإنما هو نقل لما حصل في زمن النبي ﷺ . فالآية على هذا مدنية، وبهذا تنضم هذه الآية إلى الآيات المدنية الموجود في هذه السورة المكية. - (من بعد ما فتنوا) أي هاجروا من بعد أن امتحنوا، ولا بد من العلم أن هؤلاء قوم من المستضعفين في مكة وافقوا قومهم على الكفر خوفا منهم، ومما يستأنس به خاتمة الآية (لغفور رحيم)، أقول: يستأنس به وليس دليلا؛ لأنه لا يشترط في من امتحن أن يكفر حتى تذكر الرحمة والمغفرة في شأنه، ألا ترى قوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم) (البقرة: ٢١٨) فإن رحمة الله ومغفرته هي مطلب كل المؤمنين. وهم أناس في مكة لم يهاجروا في بداية الأمر فكفروا خوفا من كفار مكة؛ لما روى الطبري في تفسيره (ج٢٠/ص١٣٣) بسند صحيح "حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال ثنا أبو أحمد الزبيري قال ثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ... ) (النساء: ٩٧) إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية: أن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ... ) (العنكبوت: ١٠) إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. - (فتنوا) امتحنوا واختبروا، يقال: فتن الذهب، أي: أدخله الفتان - وهو الصائغ - إلى النار ليختبر جودة الذهب، هل هو صاف أم مخلوط؟ وكم هي نسبة الخلط؟ ولكن لا يشترط من وقوع الإنسان في الفتنة أن يكون قد أخفق، قال تعالى في شأن موسى ﵇ ( ... وفتناك فتونا ... ) (طه: ٤٠) أي: اختبرناك اختبارا. وقد تستعمل "الفتنة" في الخير كما في الشر ( ... ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (الأنبياء: ٣٥) وإن كان استعمالها في الشر أكثر. - (فتنوا) قرأ الجمهور بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر بفتح الفاء والتاء (فتنوا). وقيل في توجيه القراءتين: أما قراءة (فتنوا) فالضمير يعود للذين هاجروا، فهم من فتنهم الأعداء، وفي قراءة (فتنوا) فإن الضمير يعود إلى (الخاسرون) في الآية السابقة، أي: إن الذين فتنوا غيرهم ثم تابوا إن ربك من بعد فتنتهم الناس لغفور رحيم. وهذا غير صحيح؛ لأن هؤلاء المهاجرين هم من وقع تحت الفتنة، لا أنهم فتنوا الناس، كما عرفت من سبب النزول. وقيل: (فتنوا) لغة في افتتن، وفتن الرجل وافتتن بمعنى واحد. ولكن يمكن أن نقول: (فتنوا) أي: فتنوا أنفسهم؛ بأن أوقعوها في الفتنة بتركهم الهجرة ابتداء، أو بموافقتهم الكفار على كفرهم. وهذا ليس بعيدا بل جاء مثله في القرآن؛ واقرأ قوله تعالى ( ... فتنتم أنفسكم ... ) (الحديد: ١٤) أي: أوقعتم أنفسكم في الفتنة وسقطتم فيها. - (هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا) ذكرت الهجرة أولا ثم الجهاد ثم الصبر، وهذا ترتيب لزمن استمرار الأفعال، فالهجرة وقعت أولا وانقضى فعل الانتقال، ثم وقع الجهاد منهم، ولكن ذكر الصبر في النهاية مع أنه كان موجودا منذ البداية - إذ لا هجرة من غير صبر وكذا الجهاد - وإنما وقع في النهاية لأنه هو الممتد في الزمن بعد انقضاء الهجرة والجهاد إلى آخر لحظة تخرج فيها الروح. - (ثم جاهدوا) جاء العطف بـ (ثم)؛ لأن بين الهجرة والجهاد زمن متراخ. - (إن ربك من بعدها) أي بعد هذه الأفعال الصالحة من الهجرة والجهاد والصبر لغفور لكم رحيم بكم. ولا يخصص عود الضمير على أمر من الأمور الثلاثة "الهجرة والجهاد والصبر"، بل يرجع إلى كل هذه الأمور؛ إذ لا يوجد دليل مخصص، وهذا أولا، وثانيا: الأصل أن يحمل الأمر على الجميع لكونها كلها أعمال صالحة يغفر الله لصاحبها ويرحمه. - أعيد ذكر (إن ربك) رغم ذكره في أول الآية لأمرين، الأول: طول الفصل، والثاني: للتأكيد على مغفرة الله ورحمته لهؤلاء المؤمنين. - (لغفور رحيم) اللام في (لغفور) للتأكيد، وكل ما ذكر من تأكيد في الآية إنما هو لتطمين هؤلاء المؤمنين - ومن في حكمهم - أن الله غفور رحيم؛ فلا تيأسوا من رحمة الله ومغفرته. الغفور: اسم من أسماء الله ، بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده، وأصله في اللغة من الستر؛ والتجاوز عن الذنوب ستر لها فلا يحاسب عليها صاحبها. والرحيم: اسم من أسماء الله مشتق من الرحمة. - ولكن لماذا قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم" وليس العكس؟ قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم"؛ لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة أولا ثم الغنيمة. - الأصل في ترتيب الجملة هو التالي: " إن ربك لغفور رحيم للذين هاجروا ... ) فلماذا هذا التغيير في ترتيب الجملة بذكر الجار والمجرور (للذين) قبل (لغفور رحيم)،؟ قدم الجار والمجرور (للذين) إبرازا للاسم الموصول، حتى يكون هذا الإبراز إعلانا لإعلاء أمر هؤلاء المؤمنين، وتنويها بعظيم قدرهم.

стр. 118

(يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون) (١١١) المفردات: - تجادل: تدافع. - توفى: تعطى جزاءها كاملا. المعنى الإجمالي: بعد أن توعدت الآيات السابقة المرتدين وبشرت المؤمنين، جاء التذكير بيوم الوفاء لما سبق من وعد أو وعيد. ففي يوم القيامة يدافع المكلفون عن تقصيرهم لينجوا بأنفسهم، ولكن تعطى كل نفس حقها كاملا، ولا يظلم أحد عند الله . المعنى التفصيلي: - نصب (يوم) بفعل مقدر تقديره: اذكر، وقيل: بل هذه الآية متصلة مع ما قبلها، فيكون المعنى: إن الله لغفور رحيم يوم القيامة .... . والأظهر في الآية أنها استئناف وابتداء؛ لأن الآية أساس في بيان للعدل الإلهي يوم القيامة، وهذا هو المعنى الرئيسي، وكون الآية متصلة بما قبلها يجعل من بيان عدل الله معنى جانبيا، الغرض منه التعريف بيوم القيامة بحدث يحدث فيه، وهذا لا يتناسب وعظيم جزالة البيان الإلهي للعدل يوم القيامة، فالآية مستقلة ببيانها، ومتناسبة مع ما قبلها بأن هذا يوم القيامة يوم الوفاء بالوعد والوعيد، وهذا أولا. وثانيا: عند القول بأن الآية متصلة بما قبلها، فإن معاني مغفرة الله ورحمته بالمؤمنين لا تكون بعموم وشمول كونها مستأنفة، لأن اللفظ يقيد الرحمة والمغفرة بيوم القيامة، ولا يفهم عندئذ شمول الرحمة إلا من نص آخر، ولكن عندما تكون الآية مستأنفة، فإن نص الآية يدل على شمول الرحمة والمغفرة للدنيا والآخرة، ولا تحتاج دلالة الشمول الرحمة للدنيا والآخرة على نص آخر. وعندما يؤدي النص معنى أعظم وأوسع مع تناسبه مع السياق وقواعد التفسير، فهو الأولى؛ لأنه يحمل المعنى الواسع والأوسع، فهو يحمل معنيين، وليس من الصواب حذف معنى من المعاني من غير دليل ظاهر يدل عليه. وموضوع الآيتين التفصيلي مختلف، فالآية السابقة تبين أن الله غفور رحيم، وهذه الآية تبين أن الله عادل لا يظلم، والمغفرة والرحمة أمران فوق العدل؛ لأن من العدل أن يعاقب كل مسيء، ولكن من رحمة الله ومغفرته أنه يرحم بعض المسيئين ويغفر لهم، فموضوع الآيتين التفصيلي مختلف؛ ولذا فليس بينهما اتصال تفصيلي، بل بينهما مناسبة إجمالية تتناسب وتوافق السياق القرآني. - (تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) والمجادلة معروفة لا يجهلها أحد، ومقصد المجادل دفع الخطأ عنه وإثبات أنه على صواب. ومن أمثلة مجادلة الكفار (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) (الأنعام: ٢٣) ولكن هل هما نفسان - مجادلة ومجادل عنها - أم هي نفس واحدة؟ إنما هي نفس واحدة، ولكن المقصود بالنفس الثانية: الذات. والمعنى على هذا: يوم يجادل كل مكلف عن ذاته، ولا يعنيه غيره (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (عبس: ٣٧). وهذه المجادلة تكون عند مخاطبة الله للعباد، وهذه الجرأة من الخلق في المجادلة إنما هي بإذن الله ، ولو شاء الله لألقى الرعب في قلوب العباد فألجم أفواههم، ويكون الختم على أفواه الكفار في موقف آخر في المحشر (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) (يس: ٦٥) - (وتوفى) التوفية هي: إعطاء الشيء وافيا، أي: كاملا. وحذف ذكر الفاعل (لفظ الجلالة) من باب حذف ذكر الفاعل لإبراز معنى الفعل وهو التوفية وعدم الظلم. - (كل نفس) أعيد ذكر الكلام - رغم دلالة السياق عليه - من باب التأكيد. - (وتوفى كل نفس ما عملت) أي: جزاء عملها، والجزاء يوم الجزاء يكون بدخول الجنة أو بدخول النار، أعاذنا الله منها وأدخلنا فسيح جنانه. - مجادلة الخلق عن أنفسهم لا تغير شيئا من حكم الله ؛ لأن كل نفس توفى جزاء عملها توفية كاملة، ولكن المجادلة في الدنيا قد تؤثر في القضاء؛ فقد قال رسول الله ﷺ : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها (صحيح البخاري ج٢/ص٩٥٢) - (وهم لا يظلمون) الواو واو الحال، فحال العباد حين يوفون حسابهم أنهم غير مظلومين، وإن كان ما سبق من الآية يغني في بيان معنى العدل (وتوفى كل نفس ما عملت) فتوفية العباد أعمالهم توفية كاملة تدل على أن أحدا من الخلق لم يظلم، ولكن جاء التصريح بنفي الظلم؛ زيادة في التأكيد على عدل الله . - والتأكيد على عدل الله في الجزاء يدل على شدة الوعيد للمرتدين، وعظيم البشارة للمؤمنين.

стр. 119

(وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (١١٢) المفردات: - ضرب: جعل. - مثلا: وأصل المثل: الصفة، ومعناه هنا: وصف يقاس عليه. - رغدا: واسعا طيبا. المعنى الإجمالي: بعد توعد الآية السابقة المشركين بعذاب الله يوم القيامة، تتوعد هذه الآية المشركين بعذاب الله في الدنيا؛ ليعلم المشركون أن عذاب الله محيط بهم في الدنيا والآخرة. يضرب الله مثلا حقيقيا لقرية كانت تعيش حياة آمنة هادئة منعمة، ورزقها هانئ كثير، ولكنها كفرت بأنعم الله فأبدلها الله بدل أمنها وطمأنينتها خوفا وبدل الرزق الوافر جوعا جزاء كفرها. المعنى التفصيلي: - (وضرب الله مثلا) وصف وصفا ليقيس عليه الكفار ما يفعلونه، فيعلموا أنهم مخطئون. - (وضرب) جاء التعبير بـ "الضرب" لا "الجعل"؛ لما للضرب من وقع يلفت النظر، وهذا يتناسب والمثل، لأن المثل يلفت الأنظار، ويدق الأذهان فيوقظ النائم، وينبه الغافل. وقيل: إن ضرب المثل من ضرب الدراهم، لأن المثل هو ذكر شيء يظهر أثره في غيره. ولكن لا بد من العلم أن فقه معنى الكلمة يكون بالرد إلى أصل المادة، وأصل المادة "ضرب" وهو إيقاع شيء على شيء، وهذه المادة تستعمل عدة استعمالات، وفي كل استعمال يشترك معنى الضرب مع معنى آخر لينتج معنى له دلالته، فليس من الصواب ربط الكلمة بالاستعمالات؛ لأننا قد نربط الكلمة بأحد الاستعمالات ولكن يكون الربط في القدر غير المشترك بين الكلمة وأصل المادة، فيخرج الباحث عن معنى الأصل إلى معنى آخر جديد، ظانأ أنه رد الكلمة إلى أصلها، فتأمل بارك الله فيك. - ذكر الاسم الظاهر (الله) رغم دلالة السياق عليه، ولو جاء الآية بالضمير المقدر لعلم المقصود، أي: "وضرب مثلا قرية"، ولكن إقامة الاسم الظاهر مقام المضمر إنما جاء تفخيما للمثل المضروب بذكر ضارب المثل . - أبهم المثل في قوله تعالى (وضرب الله مثلا)، ثم فسر بقوله تعالى (قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ... )، وهذا الإبهام للمثل ثم تفسيره فيه ما فيه من تفخيم المثل وتعظيمه. - (قرية) بدل من (مثلا)، وهي مكان اجتماع الناس، ولا يلتفت إلى التقسيم المحدث في عصرنا حول المدينة والعاصمة والقرية، فهو مصطلح حادث ولا يفسر القرآن بناء عليه. وتطلق القرية على الناس المجتمعين، (واسأل القرية التي ... ) (يوسف:٨٢)، بغض النظر أقدرنا المحذوف: أهل القرية، أو قلنا: إن هذا مجاز مرسل، بل قد ذكر بعض أهل اللغة كالمبرد في كتابه (ما اتفق لفظه، ص:٧٧) أن القرية تطلق على القوم أنفسهم. وقصده: تطلق دون تقدير لمحذوف أو القول بالمجاز. وعلى كل فالسياق يبين المقصود من "القرية" أهو المكان أم الناس، ففي هذه الآية (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ... ) المقصود بالقرية الناس، أما في قوله تعالى (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ... ) (البقرة: ٥٨) فالمقصود المكان. وأصل "القرية" مادة "قري" التي تدل على الجمع والاجتماع، يقال: قريت الماء في الحوض: جمعته. ومن هنا سميت القرية لاجتماع الناس فيها. - قيل: إن هذه القرية هي مكة، وقد روى الطبري في (تفسيره١٤/ص١٨٦) عند تفسير هذه الآية أن ابن عباس قال عن القرية "يعني مكة" ولكنه سند لا يصح؛ لأنه من طريق عطية العوفي، وأما ما روي عن التابعين ومن بعدهم فهي آراء بحاجة إلى دليل، وإنما درست السند عن ابن عباس دون التابعين؛ لأن لقوله اعتبارا وإن لم يكن في هذا المقام بدرجة الحجية، ولكنه ترجمان القرآن واسمع لقوله ﵁ قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علمه الكتاب" (البخاري: ٧٣) والصحيح أن هذه القرية المضروبة مثلا هي قرية غير مكة، وضربت مثلا لتخويف كفار مكة ابتداء، وذلك لأن هذه القرية وصفت بأنها كافرة إذ كفرت بأنعم الله، ومكة أحب أرض الله إلى الله لم يصفها بصفة مشينة، ألا ترى - بارك الله فيك - كيف نزه مكة عن وصفها بالظلم في قوله تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ... ) (النساء: ٧٥) فلم يأت النص "ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمة" علما أن ذلك جائز لغة، ولو قيل "القرية الظالمة" لقصد أهلها، ولكن لتكريم مكة صرحت الآية بأن الظالم هو أهل مكة لا مكة. ولو كانت مكة المقصودة بالقرية لقيل بناء على ما سبق "فكفر أهلها بأنعم الله". وسيأتي من الأدلة ما يثبت أن القرية هي غير مكة. - (قرية كانت آمنة) لم يأت النص " قرية آمنة" أي: دون الفعل (كانت)، فما دلالة الفعل (كانت)؟ مما يدل عليه الفعل (كانت) أن هذه القرية قرية حقيقية (كانت) أي كان لها وجود وأصابها العذاب، وسبق الكلام على مثل هذا - على سبيل المثال لا الحصر - عند تفسير الآية (٨٧) من هذه السورة، عند قوله تعالى (ما كانوا يفترون)، حيث إن التعبير بالفعل "كان" (ما كانوا يفترون) أقوى في الدلالة من " ما يفترون " دون الفعل "كان"؛ لما يعنيه الفعل "كان" من الوجود، للتنبيه على أنه قد وقع حقا. وهذا مما يدل - أيضا - على أن القرية ليست مكة، بل مثل ضرب لكفار مكة تهديدا لهم، والقول بأن هذه الآية إخبار عن مكة لما سيحصل لها من العذاب يتعارض والفعل (كانت). وبهذا تعلم بعد قول القائلين " فهذه القرية يحتمل أن تكون موجودة ويحتمل أن تكون غير موجودة " - (آمنة مطمئنة) والأمن نقيض الخوف، والطمأنينة هي: السكون والهدوء، وقد يكون الإنسان آمنا ولا يكون مطمئنا، ولكن لماذا قدم ذكر الأمن على الطمأنينة؟ قدم ذكر الأمن على الطمأنينة؛ لأنه لا طمأنينة دون الأمن، فالأمن أولا ثم الطمأنينة ولكن لو ذكرت الطمأنينة وحدها لتضمنت معنى الأمن، فلماذا ذكر الأمن أيضا؟ ذكر الأمن أيضا؛ لأن المقام مقام تفصيل لنعم الله على هذه القرية وليس مقام اختصار، فناسب التفصيل في ذكر النعم ما يقتضيه المقام من التفصيل في ذكر النعم. - (يأتيها رزقها رغدا) ولو تأملنا قليلا لوجدنا فرقا بين "بسط الله لهم في رزقهم " أو "كان رزقهم رغدا" وبين (يأتيها رزقها رغدا)، فلقد بسط الله سبحانه لهم في الرزق وكان رزقهم رغدا، ولكن للفعل المضارع (يأتيها) دلالة على سهولة الحصول على هذا الرزق، وأن الرزق يأتيها دون أن تمشي إليه، وحال هذه القرية مثل حال مكة، قال تعالى ( ... أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ... ) (القصص: ٥٧) وتأمل كلمة (يجبى). - جاء التعبير في وصف حالة الأمن والطمأنينة بالاسم (آمنة مطمئنة) ولم يأت النص بالفعل "أمنت واطمأنت"؛ لأن الاسم يدل على ثبوت الأمن والطمأنينة ودوامهما لهذه القرية، فهو ليس أمن يوم أو يومين بل على الدوام. ولكن جاء التعبير عن الرزق بالفعل المضارع (يأتيها) لدلالة الفعل المضارع على التجدد؛ لأن إتيان الحصول على الرزق متجدد في كل يوم وكل ساعة. - (رزقها) أي القرية، ولكن لماذا لم يأت النص "يأتيها رزق الله"؟ وللجواب عن هذا لا بد أن نعرف أن الإضافة قد تقع للفاعل والمفعول، فالإضافة للفاعل كما نقول: هذا رزق الله. من جهة أن الله هو الرزاق، والإضافة للمفعول كما في (رزقها) من جهة أن الرزق أعطي لها. ولكن يبقى السؤال: لماذا لم يضف الرزق إلى الله ؟ لم يضف الرزق إلى الله ؛ لأن المقام مقام وصف للامتيازات التي وقعت لهذه القرية، ولذا أضيف الرزق إليها من باب النص على امتلاك القرية لهذه الامتيازات، بينما أضيف الرزق إلى الله في سياق آخر ( ... كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (البقرة:٦٠) ( ... كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) (سبأ: ١٥) وهذا سياق امتنان ناسبه إضافة الرزق إلى الله ، بينما هذه الآية وصفت ما أعطيت هذه القرية من الخير فناسبت الإضافة سياق التنعم والتملك. - (رغدا) يقال: رغد - بفتح الغين وضمها - رغدا. والرغد الرزق: واسعه وطيبه. فهو ليس رزقا كثيرا وحسب، بل رزق طيب ليس خبيثا وليس فيه ذل في تحصيله. - (كل مكان) عموم مخصوص؛ لأنه لا يتصور أن يأتيهم الرزق من كل مكان في هذا الكون أو حتى الأرض، وإنما معناه: (من كل مكان) يمكن أن يأتيهم منه. وهذا العموم كالعموم الذي في قوله تعالى (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) (النمل: ٢٣) فلا يتصور أنها أوتيت من كل شيء في هذا الوجود، وإنما المعنى: وأوتيت من كل شيء يعطاه الملوك. - (فكفرت بأنعم الله) وكفرها بأن جعلت مع الله شريكا، وهذا مستفاد من أن المثل إنما ضرب للمشركين في مكة تهديدا لهم. - (بأنعم الله) و (أنعم) جمع نعمة، وقيل: جمع نعمى، وقيل: جمع نعم، وقيل غير ذلك. - (أنعم) جمع قلة، ولكن لماذا جاء التعبير بجمع القلة، أليس التعبير بجنس النعم أعظم في بيان جرم هذه القرية؟ قيل: جاء التعبير عن النعم التي كفرت بها هذه القرية بجمع القلة؛ للتنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان كفران النعم القليلة موجبا للعذاب، فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب. ويضاف على هذا بأن هذه القرية على ما أوتيت من نعم فإنها لم تؤت إلا جزءا يسيرا من نعم الله ، لأن الأمن والطمأنينة ورغد العيش ليست كل نعم الله، فتأمل. - (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) جازى الله هذه القرية على كفرها بأنعمه بأن عذبها في هذه الدنيا بالجوع بعد رغد العيش، وبالخوف بعد الأمن والطمأنينة. - (فأذاقها) الذوق وجود الطعم بالفم، واستعمل في العذاب بكثرة، وعلى سبيل المثال قوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (الدخان: ٤٩)، واستعمل في الرحمة أيضا (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ... ) (هود: ١٠). وجاء التعبير بالذوق عن الإحساس بالعذاب من باب التعبير عن شدة ما يجدون من الألم؛ لأن التذوق هو بحث عن الطعم حتى يجده المرء، ولذا فمن يبلع الطعام بلعا لا يجد طعمه كمن يتذوقه تذوقا، فإن كان التذوق للنعمة زيادة في التنعم، والتذوق للعذاب زيادة في الألم؛ فأهل هذه القرية لم يتعذبوا فحسب، بل ذاقوا طعم العذاب ووجدوا ألمه. - (لباس الجوع والخوف) ما أصاب القرية من جوع وخوف كان ملازما لها في كل أوقاتها، فليس الجوع والخوف في أوقات معينة ثم يذهبان ثم يعودان، بل هو جوع وخوف ملازمان لزوم اللباس للابسه. وهذا من جهة، ومن جهة أخرى بدأ الجوع والخوف من شدتهما يظهران على الوجوه والأجسام، وكلنا يعرف علامات الجوع من الشحوب والنحول، وعلامات الخوف من الذهول وضعف البدن وغير ذلك من العلامات التي تظهر على الخائف والجائع، وجاء التعبير عن ظهور هذه العلامات باللباس لأن هذه العلامات أصبحت ظاهرة عليهم ظهور اللباس. وأيضا فإن هذا الخوف والجوع محيط بهم متمكن من أجسادهم إحاطة اللباس باللابس. - قد يسأل سائل هل يذاق اللباس، ولماذا لم يأت النص "فأذاقها الله طعم الجوع والخوف" أو "فكساها الله لباس الجوع والخوف "؟ كلمة اللباس في الآية لا تعني لباس القماش ـ وإنما تعني الجوع والخوف الشديدين كما سبق بيانه آنفا، ولذا يكون معنى الآية: فأذاقها الله الجوع والخوف الشديدين. أما لماذا لم يأت النص "فأذاقها الله طعم الجوع والخوف" أو "فكساها الله لباس الجوع والخوف "؟ فالجواب عن هذا أن قولنا: أذاقه طعم كذا. لا يعطي إلا معنى الإذاقة، ومثله: كساه لباس كذا. لا يعطي إلا معنى الكسوة، بينما قوله تعالى (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) يعطي معنيين، الأول: الإذاقة. والثاني: الكسوة. وسبق بيان دلالة كل معنى من المعنيين. - روي أن ابن الراوندي الملحد أراد الطعن بالقرآن فقال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟ فقال ابن الأعرابي: هب أنك تشك أن محمدا ﷺ كان نبيا أوما كان عربيا؟ - (الجوع والخوف) قدم ذكر الجوع على الخوف؛ لأن الجوع أعظم عذابا، ألا ترى أن الإنسان يعيش في خوف الحروب سنين ولكنه لا يستطيع أن يعيش دون طعام أكثر من بضعة أيام، ولذا من الله على أهل مكة بالإطعام أولا ثم بالأمان ثانيا، قال تعالى (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (قريش: ٤) - (بما كانوا يصنعون) الباء في (بما) باء السببية، أي: عذبهم الله بسبب ما صنعوا. - جاء التعبير بـ (بما كانوا يصنعون) وليس "بما صنعوا"؛ لأن للتعبير بـ "كان" دلالته على الوجود والتحقق بما لا يدل عليه الفعل الماضي وحده. - جاء التعبير بـ (يصنعون) وليس "يعملون"؛ لأن الصنع هو عمل وزيادة، والزيادة هي الإجادة في العمل، فهم من شدة كفرهم لم يعملوا الشرك عملا، بل صنعوا الشرك صناعة، فهم أصحاب حذاقة وخبرة في الشرك، يتفننون في ألوان الشرك تفننا، ويخترعون صورا للشرك لا تخطر على بال، وفي هذا وصف لسوء حالهم. ألا ساء ما كانوا يصنعون.

стр. 120

(ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) (١١٣) المعنى الإجمالي: بعد بيان كفر أهل القرية بالله ، تتابع هذه الآية بيان أبشع جرم ارتكبوه، وهو تكذيب رسول الله الذي جاءهم من قومهم وجنسهم، ويعرفون أنه نبي مرسل، ولكنهم كذبوه في ما جاء به من التوحيد، وجزاء لهذا التكذيب أخذهم العذاب، وهم ظالمون بما هم فيه من الشرك، ومستحقون لهذا العذاب الذي وقع عليهم. المعنى التفصيلي: - (ولقد) الواو للعطف على ما سبق من جرائم هذه القرية، واللام لام القسم لقسم مقدر، و (قد) حرف التحقيق لتأكيد الخبر الوارد في الآية؛ تنبيها للغافلين وإعلاما للسامعين. - (جاءهم) أي أهل القرية المضروبة مثلا، وجاء في تفسير الآية السابقة أن هذه القرية ليست مكة، بل هي قرية تتشابه مع حال مكة قبل فتحها على يد النبي ﷺ ، وجاء بيان ذلك في تفسير الآية السابقة. وفي هذه تهديد لكفار قريش على ما يفعلونه مع النبي ﷺ ؛ لأن حال كفار قريش كحال كفار القرية المضروبة مثلا؛ لأن الكفر يعود دوما بنفس الحقيقة مع تغير الأزياء والألوان: رسول يأتي قوما أنعم الله عليهم، يدعوهم إلى الخير فيقابلونه بالتكذيب، فيأخذهم الله بالعذاب. - (رسول منهم) أي من جنسهم، يفهمهم ويفهمونه، قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ... ) (إبراهيم: ٤) فهو مبعوث إلى قومه بلسانهم وهو منهم، فهم يعرفون صدقه وأصله وأخلاقه، ويعلمون كل الدلائل الدالة على صدقه وسمو مكانته، ورغم أن النبي ﷺ أرسل إلى الناس كافة، فإنما أرسل إلى قومه ابتداء (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ... ) (البقرة: ١٥١) ثم إلى الناس كافة (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سبأ: ٢٨) - (فكذبوه) أي كذب أهل القرية الرسول، وجاء العطف بالفاء لأنهم كذبوا الرسول بسرعة دون نظر أو بحث عن حقيقة؛ لأنهم لا يريدون الحقيقة بل يريدون أهواءهم، فهم لا يقبلون التفكير ولو قليلا في أي أمر يعارض شهواتهم وأهواءهم حتى ولو كان من عند الله . - (فأخذهم العذاب) جاء العطف بالفاء دلالة على سرعة العذاب في مقابل سرعة الكفر. وجاء التعبير عن الإهلاك بالأخذ؛ ليدل على أن هذا الإهلاك شامل لهم، ومتمكن منهم، فلن يفلت منهم أحد. نقول - ولله المثل الأعلى -: أخذت الشيء إذ حزته ولم يفلت منه شيء، وأخذ الكفار بالعذاب معناه: إحاطة العذاب بهم وتمكنه منهم، وعدم إفلاتهم منه. وانظر في قوله تعالى كيف كيف جاء التعبير عن الإهلاك بالأخذ: (فأخذهم أخذة رابية) (الحاقة: ١٠) (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (الأنعام: ٤٤). وانظر في قوله ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:١٠٢) (صحيح البخاري ج٤/ص١٧٢٦) فانظر كيف فسر النبي ﷺ الأخذ بشدة العذاب وتمكنه من الكفار، وعدم إفلاتهم منه. - (فأخذهم العذاب) جاء إسناد الفعل إلى العذاب، من باب التصوير الذهني في عقول السامعين، كأن العذاب ذو إرادة وانقضاض، يهجم على هذه القرية فيهلكهم ولا يفلت منهم أحد. - (وهم ظالمون) جملة حالية لهؤلاء المعذبين، وهذه الجملة جاءت تأكيدا على ما هم فيه من الشرك والظلم والضلال، وتنبيها إلى أن تكذيبهم للرسول لم يكن من باب عدم قيام الحجة عليهم، بل كان كفرهم ظلم لمعرفتهم الحق، وهم رغم كل هذه المعرفة رموا بما جاء به الرسول عرض الحائط.

стр. 121

(فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون) (١١٤) المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة ما وقع فيه أهل القرية من كفران نعمة الله ، تحث هذه الآية المؤمنين على شكر نعمة الله حتى لا يكونوا مثل أهل القرية الظالمين. وهذا كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة: ١٧٢) المعنى التفصيلي: - (فكلوا) الفاء للتفريع، أي بناء على ما سبق من كفران أهل القرية للنعم فاشكروا أيها المؤمنون نعمة الله ولا تكونوا مثلهم. - (فكلوا) ليس الأكل مقصودا وحده، إنما يندرج ما في معناه من النعم من اللباس والمركب والمسكن، ولكن جاء التعبير بالأكل لأنه أعظم ما يبحث عنه الإنسان أولا، وكذلك فإن تحصيله - وما في معناه من الشراب - متكرر، أما تحصيل اللباس فليس متكررا تكرر الطعام، ألا ترى أن الواحد فينا قد يشتري لباسا ما فيستعمله سنين عددا. وقد ذكرت آنفا في تفسير الآية (النحل:١١٢) سبب تقديم ذكر الجوع على الخوف في قوله تعالى ( ... فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ... ) وقدم ذكر الجوع على الخوف؛ لأن الجوع أعظم عذابا، ألا ترى أن الإنسان يعيش في خوف الحروب سنين ولكنه لا يستطيع أن يعيش دون طعام أكثر من بضعة أيام، ولذا من الله على أهل مكة بالإطعام أولا ثم بالأمان ثانيا، قال تعالى (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (قريش: ٤)، إذن توفير الطعام أولا. وتأمل قوله تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (النساء:١٠) والشاهد هو: التعبير بالأكل عن أخذ أموال اليتامى، علما أن الأكل أحد الأشياء المستفادة من المال وليس كل شيء. - (مما رزقكم الله) أي: من الذي رزقكم الله، وجاء التصريح بذكر لفظ الجلالة "الله" رغم دلالة السياق عليه للتنبيه على مصدر النعم. - (حلالا طيبا) الطيب ما هو حسن ومستلذ، وكل طيب حلال ولكن ليس كل حلال طيب، ألا ترى أن كسب الحجام حلال؛ لأن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره (صحيح البخاري ج٥/ص٢١٥٤) ولكن عن كسب الحجام خبيث؛ لقول الرسول ﷺ (كسب الحجام خبيث) (صحيح مسلم ج٣/ص١١٩٩) - وقد يأتي " الطيب" في القرآن بمعنى الحلال؛ قال الله تعالى: ( ... ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ... ) (النساء: ٢)، أي: لا تتبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بالحلال من أموالكم. وقد يأتي بمعنى الطاهر؛ قال ﵎ ( ... فتيمموا صعيدا طيبا ... ) (النساء:٤٣)، وقد يأتي بمعان أخرى. - (حلالا طيبا) قدم ذكر "الحلال" على "الطيب" لأن ذكر "الطيب" أولا يغني عن ذكر "الحلال"؛ لأن كل طيب حلال وليس العكس، ولكن لأن السياق سياق حث على شكر النعم جاء التفصيل في وصف النعم. - (واشكروا نعمت الله) ولا تكونوا مثل أهل القرية كفروا بنعم الله ( ... فكفرت بأنعم الله ... ) (النحل: ١١٢) وجاء التصريح بذكر لفظ الجلالة للتنبيه على مصدر النعم، وذكرت "النعمة" لأن السياق سياق حث على شكر النعم فجاء التركيز على ذكر النعم، وتأمل بارك الله فيك قوله تعالى في سورة (البقرة: ١٧٢) ( ... واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة: ١٧٢) وقوله تعالى في هذه الآية (واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون) - (نعمت الله) أي جنس النعم، ولكن جاء التعبير عن النعم في هذه الآية بالمفرد "نعمة" بينما جاء التعبير بالجمع في وصف إبراهيم ﵇ في قوله تعالى (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) (النحل: ١٢١)؛ لأن السياق سياق مدح لإبراهيم ﵇ فجاء وصفه بأنه شاكر لأنعم الله ، وأما هنا فإن الأمر لعموم المؤمنين، ولن يكون عموم المؤمنين بمنزلة إبراهيم ﵇، ولذا جاء الطلب من المؤمنين بالشكر بصيغة المفرد الدالة على الجنس وليس بصيغة الجمع؛ لأنهم لن يقدروا أن يكونوا بمنزلة إبراهيم ﵇. ولا بد من الإشارة إلى أن "الأنعم" جمع نعمة، ولكنه جمع قلة، لأن إبراهيم ﵇ مهما شكر فلن يسعه أن يشكر كل نعم الله ، ألا ترى أن البشر لن يستطيعوا أن يحصوا نعم الله إحصاء، فكيف يمكنهم أن يشكروها كلها؟؟! (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) (النحل: ١٨) فنحن لا نستطيع أن نحيط بنعم الله بالعد والذكر، فكيف نستطيع أن نؤدي شكر ما لا نستطيع عده؟! ومن المسلم به أننا لا نستطيع، ولذا جاء ختم الآية بقوله تعالى (إن الله لغفور رحيم) لكن لماذا لا يستطيع الإنسان أن يحيط بنعم الله؟ لا يستطيع لأنها كثيرة، فأهل الفلك يمضون العمر في استكشاف نعم الله علينا، وكذا أهل الجيولوجيا وأهل الطب وأهل التربية، وغيرهم كثير، وما يفهمه كل في تخصصه لا يحيط به الآخرون، وإنما يعرف الناس طرفا منه، وهذا فيما نعلم، فكيف بما لا نعلم، وما لا نعلمه أعظم، لأن علمنا في علم الله لا شيء، ! - (إن كنتم إياه تعبدون) وجواب الشرط مقدر بما سبق، وتقديره (إن كنتم إياه تعبدون) فاشكروا نعمته. - (إن كنتم إياه تعبدون) وفي هذا دليل على أن الخطاب للمؤمنين؛ لأن تقديم المفعول به (إياه) على الفعل والفاعل (تعبدون) للحصر، أي إن كنتم تعبدون الله وحده، وعبادة الله وحده مختصة بالمؤمنين، فالآية ليست خطابا لكفار قريش لأنهم يشركون مع الله ، وبهذا يتبين ضعف قول من قال في تفسير (إن كنتم إياه تعبدون): "إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته تعالى ". وضعف هذا القول يظهر من تقديم المفعول، وهذا التقديم يدل على توحيد الله بالعبادة، ومن المعلوم أن كفار قريش لم يزعموا أنهم يوحدون الله بالعبادة حتى يقال لهم ذلك.

стр. 122

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم) (١١٥) المفردات: - باغ: من البغي، وهو: الظلم على وجه القوة والاستطالة. - عاد: من العدوان، وهو: مجاوزة الحق إلى الباطل. المعنى الإجمالي: بعد أن أمرت الآية السابقة المؤمنين بأن يأكلوا الحلال الطيب ويؤدوا شكره، جاءت هذه الآية لبيان المحرم الذي ينحصر ليتبين الطيب الذي لا ينحصر، واستثني المضطر من حرمة الأكل إنقاذا لحياته، إلا أن يكون باغيا أو عاديا فإنه سوف يعاقب على الأكل بسبب عصيانه. المعنى التفصيلي: - (إنما) للقصر، أي: ما حرم عليكم إلا ... ، وجاء ما يؤكد هذا القصر في آيات أخرى، أذكر منها (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (الأنعام:١٤٥) والشاهد (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ... ) ولكن كيف يفهم هذا القصر مع وجود نصوص صحيحة عن النبي ﷺ تحرم غير ذلك، فعلى سبيل المثال: فقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع (صحيح البخاري ج٥/ص٢١٠٣)؟ قد يقول قائل: إن هاتين الآيتين مكيتين، ولم يكتمل التشريع في العهد المكي. فيقال للقائل: هذه آية سورة البقرة المدنية (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (البقرة: ١٧٣) لم تزد شيئا على آية سورة النحل، وقد جاءت بـ (إنما). وللجواب عن هذا لا بد من بيان أن القصر في اللغة يأتي بمعنى التخصيص، وينقسم إلى قصر حقيقي، وقصر إضافي. ومثال القصر الحقيقي "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه حقيقة مطلقة سواء ذكرت مفردة، أو كانت في أي سياق أو أي موضوع. والقصر الإضافي ليس قصرا حقيقيا عاما من جميع الوجوه، بل جاء قصرا بالإضافة إلى السياق والموضوع، ووجه كون القصر إضافيا أن الكفار الذين نزل القرآن بينهم كانوا يستحلون هذه المحرمات، فجاء الآية للرد عليهم بصيغة جازمة، فهي لم تحرم فقط بل كأنها حصرت هذه المحرمات في ما كان الكفار يستحلونه، كردنا على من يستحل صورة معينة من الإثم فنقول له: إنما الإثم ما تفعل. وليس القصد قصر الإثم على فعله ولكنه زيادة في الإنكار. وهناك توجيه آخر لمعنى القصر في الآية، ومضمون هذا التوجيه أن الميتة هي: كل حيوان فارق الحياة ولم يذكى ذكاة شرعية، فيندرج تحت مسمى الميتة المنخنقة والموقوذة لأنها فارقت الحياة من غير ذكاة، ويندرج تحتها الخنزير والكلاب والسباع وغيرها من الحيوانات المحرمة في السنة؛ لأنها وإن ذبحت فذبحها ليس ذكاة شرعية. - (الميتة) ويستثنى من تحريم الميتة أمور، منها صيد البحر؛ قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ... ) (المائدة: ٩٦)، وأيضا ما جاء عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :: " أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. (أحمد: رقم ٥٧٢٣) والحديث صحيح، وإن كان اختلف في رفعه ووقفه، ورجح بعض الحفاظ كالدارقطني وقفه، إلا أن الموقوف له حكم المرفوع، فالنتيجة واحدة. - (والدم) مقيد بالمسفوح كما في قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) (الأنعام: ١٤٥) أما ما كان مخالطا للحم فغير محرم. - (ولحم الخنزير) وشحمه وجلده، وعلى حرمة أكله كله انعقد الإجماع، ولكن لماذا خص اللحم بالذكر؟ قيل: لأنه الأنفع فيه. وقيل: من باب التفنن في التعبير. وهذا ضعيف؛ لأن المغايرة في التعبير في باب الأحكام لا بد لها من فائدة. وقيل: لئلا يظن أنه نجس العين، بل هو طاهر الذات كما هو مذهب مالك. وهذا فيه بعد؛ لأن تحريم أكله دون تخصيص اللحم بالذكر لا يدل على نجاسة ذاته، فالهر - مثلا - لا يجوز أكله ولكنه طاهر العين. - (وما أهل لغير الله به) الإهلال رفع الصوت، والمقصود به النية، ولكن يفهم من التعبير برفع الصوت أن المشركين كانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح لأصنامهم. - (فمن اضطر) شارف على الهلاك، ولا يسمى من وجد بعض الطعام الذي يبقيه على قيد الحياة ويدفع عنه المرض المهلك مضطرا. وهناك حديث ضعيف استدل به من يجوز الحرام لمن صعب الأمر عليه قبل أن يقع في الاضطرار، وهذا الحديث الضعيف هو ما روي عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: ما طعامكم؟ قلنا: نغتبق ونصطبح. - قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة وقدح عشية - قال: ذاك وأبي الجوع. فأحل لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود: الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار (سنن أبي داود ج٣/ص٣٥٨). فمن وجد الغبوق والصبوح فليس مضطرا، ويقاس عليه كل من وجد ما يقوم به أمره ولو على شدة. - هل يجوز للمضطر أن يأكل فوق الضرورة حتى الشبع؟ في ذلك خلاف عند العلماء، والظاهر أن الأصل في هذه الأشياء التحريم، ولكن أبيحت للضرورة، فإذا اندفعت الضرورة رجعت الحرمة، ولذا لا يجوز بعد دفع الضرورة الاستمرار بالأكل حتى الشبع، وأما من قال بجواز الشبع استدل بما روي عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت امرأته: انحرها. فأبى فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتاه فسأله، فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها. قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها. قال: استحييت منك (سنن أبي داود ج٣/ص٣٥٨) والشاهد أن النبي ﷺ أجاز لهم أكل الناقة الميتة دون بيان حد الأكل هل هو الشبع أو دونه، وعدم التفصيل في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال. ولكن في تصحيح الحديث خلاف لأجل سماك بن حرب، والظاهر أن الحديث ضعيف لتفرد سماك بهذا الحديث، وهو وإن كان ثقة لكن حفظه ساء، ومثل معنى هذا الحديث لا يقبل من طريق تفرد بها من في حال سماك؛ لأن الحديث يتعارض مع الآية، فالآية لا تبيح لغير المضطر بالأكل، والحديث يبيح لمن لا يجد غنى يغنيه بالأكل من الميتة، رغم أنه يجد شيئا يدفع به الهلاك عن نفسه، فهو إذن غير مضطر. فالحديث ضعيف لتفرد سماك بمثل هذا الحديث، ومن هنا تعلم ضعف قول القائل: ليس في إسناده مطعن. - (غير باغ ولا عاد) قيل: إن حال البغي والعدوان خاص بالمضطر، أي: من اضطر إلى أكل الميتة غير باغ ولا عاد فأكل فلا إثم عليه. وعلى هذا القول فإن الباغي هو من بغى على المسلمين بالخروج عليهم أو نحوه، والعادي من اعتدى على حقوق العباد بقطع طريق أو نحوه. وقيل: إن حال البغي والعدوان خاص بأكل المضطر، أي من اضطر فأكل غير باغ أو عاد في أكله فلا إثم عليه. وعلى هذا القول فالباغي هو من يطلب المحرم والعادي من يتعدى حد الشبع. وبناء على هذا الخلاف في بيان معنى البغي والعدوان في الآية وقع الخلاف في حكم أكل العاصي في سفره إذا اضطر إلى الطعام. فعلى القول الأول - وهو قول الشافعي - فإنه لا يجوز للعاصي أن يأكل حتى يتوب؛ لأن الرخصة إعانة على السفر، فإذا كان السفر معصية، كانت الرخصة إعانة على المعصية. وعلى القول الثاني - وهو قول أبي حنيفة - فإنه يجوز للعاصي أن يأكل وإن لم يتب؛ لأن إنقاذ النفس من الهلاك واجب؛ قال تعالى ( ... ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء: ٢٩) فإذا كان إنقاذ العاصي نفسه من الهلاك واجب، والميتة في حقه حرام فكيف يؤمر بفعل الحرام؟!! والأصل في حمل اللفظ أن يحمل على عمومه ولا يخصص إلا بمخصص، فالبغي يشمل كل معانيه، وكذا العدوان، وعلى هذا فالعاصي بالبغي أو بالعدوان أو بالأكل لا يرفع عنه الإثم، فإن قال قائل: فإذا كان إنقاذ العاصي نفسه من الهلاك واجب، والميتة في حقه حرام فكيف يؤمر بفعل الحرام؟!! الجواب عن هذا أن الله لم يأمر العاصي أن ينقذ نفسه بالحرام، بل أمره أن ينقذ نفسه بما أحل له من الميتة بأن يكون طائعا، فإذا أنقذ العاصي نفسه بأكل الميتة وكان ما يزال على عصيانه، كان معاقبا على عصيانه لا على إنقاذ نفسه. فتأمل بارك الله فيك. - من صور البغي التي ذكرها المفسرون: ١ - الخارج على جماعة المسلمين. ٢ - من يأكل المحرمات وهو يجد غيرها من الحلال. - من صور الاعتداء التي ذكرها المفسرون: ١ - قطع الطريق. ٢ - الأكل من المحرم فوق ما يدفع الضرورة. - (فإن الله غفور رحيم) الجملة في محل جزم جواب الشرط (فمن اضطر غير باغ ولا عاد). قيل: إن الفاء (فإن) تعليلية لجواب الشرط المقدر "فلا إثم عليه". وفي نهاية الأمر فإن المعنى واحد، وهو: رفع الإثم عن المضطر غير الباغي ولا العادي، ولكن الخلاف في كيفية تأدية الكلام لهذا المعنى. - الغفور: اسم من أسماء الله ، بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده، وأصله في اللغة من الستر؛ والتجاوز عن الذنوب ستر لها فلا يحاسب عليها صاحبها. - والرحيم: اسم من أسماء الله مشتق من الرحمة. - ولكن لماذا قدم ذكر "الغفور" على "الرحيم" وليس العكس؟ قدم ذكر "الغفور" على "الرحيم"؛ لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة أولا ثم الغنيمة.

стр. 123

(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (١١٦) المفردات: - تفتروا: تدعوا الكذب. المعنى الإجمالي: بعد أن أمر الله المؤمنين أن يأكلوا الحلال الطيب وبين ما عليهم اجتنابه من المحرمات، تنهى هذه الآية المؤمنين أن يتبعوا سبيل المشركين في التحليل والتحريم على مبدأ الهوى دون شريعة من الله . وتبين هذه الآية - أيضا - أن الذي يحرم ويحلل من تلقاء نفسه إنما يفتري على الله الكذب، وسوف يكون من الخاسرين الذين يلقون سوء العذاب بسبب افترائهم. وهذا كقوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) (يونس: ٥٩) وكقوله تعالى (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) (الأنعام: ١٣٩) المعنى التفصيلي: - قيل: عاد الخطاب إلى المشركين، ولذا فإن الآية معطوفة على (وضرب الله مثلا قرية ... ) (سورة النحل: ١١٢). ولكن الأظهر حمل الآية على أنها خطاب للمؤمنين؛ ليحذروا من سبيل المشركين في التشريع وفق أهوائهم دون وحي من الله . والأظهر حملها على أنها خطاب للمؤمنين؛ لأن استقامة الكلام على نسق واحد أبلغ، ولأن استقامة الكلام على نسق واحد أبلغ؛ فقد حدا هذا ببعض المفسرين أن يقولوا بأن الخطاب كان موجها للكافرين في قوله تعالى (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون) (النحل: ١١٤)؛ مستدلين بأن استقامة الكلام على نسق واحد أبلغ؛ لأنهم ظنوا أن أن الأمر بالأكل والشكر كان للمشركين، ولا داعي للرد على هذا من جديد فقد سبق بيان الدليل على أن الأمر بالأكل والشكر كان للمؤمنين وليس للمشركين. وفي حمل الآية على أنها خطاب للمؤمنين ليحذروا من سبيل المشركين في التشريع وفق أهوائهم دون وحي من الله ، توجيه حسن مع بقاء الكلام على نسق واحد. - (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) واختلف في معنى هذه الآية، وأهم ما قيل في بيانها هو: أولا: أن يكون "الكذب" مفعولا به لـ "لا تقولوا"، وهذا هو الإعراب الأول، ويترتب على ذلك تقديران: التقدير الأول: ولا تقولوا الكذب هذا حلال وهذا حرام في شأن ما تصفه ألسنتكم من رزق الله بالحل والحرمة. واللام هنا بمعنى "عن"، وهي من قبيل اللام في قوله تعالى (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ... ) (البقرة:١٥٤) أي: ولا تقولوا عن من يقتل في سبيل الله أموات. التقدير الثاني: ولا تقولوا الكذب هذا حرام وهذا حلال لأجل وصف ألسنتكم من غير حجة ولا برهان. والإعراب الثاني: أن يكون "الكذب" مفعولا به للمصدر المؤول من "ما" المصدرية والفعل "تصف". وعلى هذا يكون التقدير: ولا تقولوا هذا حرام وهذا حلال لأجل وصف ألسنتكم الكذب. وكون "اللام" للتعليل أرجح؛ لأن النص على بطلان مصدر التشريع (لما تصف ألسنتكم الكذب) أقوى من النص على كذب القول الناشئ عن المصدر؛ لأن الطعن في الأساس أبلغ من الطعن في الفرع، والأساس هو: ما تصفه الألسن من كون هذه سائبة أو بحيرة أو وصيلة، والفرع هو: القول بأن هذا حلال وهذ حرام بناء على ما سبق من وصف. - وجاء التعبير بإسناد الكذب إلى ألسنتهم (تصف ألسنتكم) وليس "يصفون"، زيادة في بيان بشاعة فعلهم، فهؤلاء يفترون الكذب على الله بألسنتهم التي خلقها الله كي تذكره (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: ٥٦). فكل عضو في أجسادنا ما خلقه الله إلا ليكون في طاعته، ومن أعلى هذه الأعضاء - إن لم يكن أعلاها - اللسان، فبه يذكر الله، وبه يقال الحق، ومن هنا تظهر بشاعة استعمال الألسن في الافتراء على الله . - (تصف ألسنتكم الكذب) فألسنتهم تصف الكذب ذاته، لا شيئا قريبا منه، ولا شيئا مخلوطا بالحق، بل ما تصفه ألسنتهم هو عين الكذب، وذات الكذب. فمن الناس من لا يتجرأ على قول الكذب خالصا، فيخلطه ببعض الصدق، ولكن كفار قريش ومن سار على نهجهم، بلغوا من القحة مبلغا عظيما، حيث يقولون الكذب خالصا، بلا حياء ولا خجل، ولا قلق ولا وجل. - (هذا حلال وهذا حرام) وقدم ذكر التحليل على التحريم؛ لأن أهواء البشر تميل للتحليل لما فيه من الانفلات والاسترسال والسهولة. - (لتفتروا على الله الكذب) و"اللام" لام العاقبة، أي: تحللوا وتحرموا بناء على أهوائكم فتكون النتيجة أنكم تفترون على الله الكذب؛ لأنكم تحلون وتحرمون وتزعمون أن هذه هي الشريعة الحقة، ومن قال لكم إن هذه هي الشريعة الحقة؟! ولا يحكم على أن الشريعة حق أو باطل إلا الله وحده، فأنتم تفترون على الله حينما تقولون: إن هذا هو الحق الذي يجب اتباعه!!! قيل: إن "اللام" في (لتفتروا) للتعليل. وهذا ضعيف؛ لأن من يتعمد التحليل والتحريم من غير شرع الله فإنه يفتري على الله الكذب ولا ينظر إلى نيته: هل يريد الافتراء على الله أم لا؟ ومثل هذا ما جاء عن النبي ﷺ بسند حسن - أنه قال: " أيما أمرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية" (مسند أحمد بن حنبل ج٤/ص٤١٣) فنهي المرأة عن الاستعطار ليس مشروط بنيتها؛ لأن "اللام" في (ليجدوا) هي لام العاقبة، أي من استعطرت فمرت بقوم فإن النتيجة هي أنهم سيجدون ريحها. ولذا جاء الحديث بلفظ آخر دون "اللام"؛ قال النبي ﷺ : "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا. يعني: زانية " قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح (سنن الترمذي ج٥/ص١٠٦) وهذا سند حسن. - (لتفتروا) أي: لتدعوا الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فهم يفترون على الله الكذب، أي يقطعون به، وليس مجرد تكذيب في سياق التفكير والبحث عن الحق. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر إلى قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب) (النساء:٥٠) (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. ووجه الشاهد أن الافتراء استعمل في الكذب، ولكنه ليس الكذب؛ لأنهم يفترون الكذب، والافتراء في أصله هو القطع. - (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (إن) للتأكيد، والتعبير بالاسم الموصول (الذين) وليس "المفترين"؛ للتشهير بالمشركين، (لا يفلحون)؛ لأن مأواهم عذاب النار، وبئس العذاب، وبئس المآل. - الأصل في ترتيب الجملة: "ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لما تصف ألسنتكم الكذب"، ولكن جاء ترتيبها في الآية (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام)؛ لأن نقض أصل التشريع - وهو: الهوى - هو الأهم، فنبه عليه باعتراض سياق الكلام بـ (لما تصف ألسنتكم الكذب). - جاء الالتفات من أسلوب الخطاب (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) إلى أسلوب الغيبة (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)؛ لأن المخاطب هم المؤمنون، فناسب أسلوب الخطاب تحذيرهم، وجاء أسلوب الغيبة في قوله تعالى (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)؛ لأنه إخبار للمؤمنين عن عقاب من يفتري، ولا يستقيم التعبير بأسلوب الخطاب "إنكم افتريتم على الله الكذب فلن تفلحوا"؛ لأن المؤمنين لم يفتروا على الله الكذب، إنما وعظوا بمصير من افترى. فتأمل رعاك الله.

стр. 124

(متاع قليل ولهم عذاب أليم) (١١٧) المعنى الإجمالي: لما بينت الآية السابقة أن الذين يفترون على الله الكذب بقولهم: هذا حلال وهذا حرام لا يفحلون، تبين هذه الآية لماذا لا يفلحون. وهم لا يفلحون لأن لهم في هذه الدنيا متاع قليل وبعد ذلك لهم العذاب الأليم خالدين فيه. فأين فلاحهم إذا كانوا سيقضون حياتهم الأبدية في العذاب؟!! المعنى التفصيلي: - (متاع قليل) أي: حياتهم ومعيشتهم متاع قليل؛ لأن حياتهم الدنيا بما فيها من متاع إنما هي شيء قليل؛ فما يعيش أحدنا إلا سنين قليلة، نقضي فترة منها في مكابدة أحوال الطفولة، ثم نكابد شدائد مرحلة الشباب، وبعدها يمتد العمر بمن يمتد حتى يكابد مرارة الكبر، وما في هذا العمر من السعادة إلا قليل. - (ولهم عذاب أليم) وقدم (لهم) زيادة في التهديد والوعيد. - جاء التعبير عن العذاب بـ (لهم) (ولهم عذاب أليم)، بينما لم يأت التعبير عن المتاع بـ (لهم)، فما دلالة ذلك؟ إنهم مستحقون للعذاب بسبب افترائهم؛ ولذا جاء التعبير بما يدل على استحقاقهم العذاب (لهم)، بينما هم ليسوا مستحقين للمتاع القليل في الدنيا؛ ولذا لم ينص على ما يدل على استحقاقهم لهذا المتاع، وإنما قدرت الكلام بـ "معيشتهم" أو "حياتهم" تمشيا مع هذه الدلالة.

стр. 125

(وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (١١٨) المفردات: - الذين هادوا: اليهود. المعنى الإجمالي: بعد أن أمر الله المؤمنين أن يأكلوا الطيبات، أخبرهم بما حرم عليهم، ثم نبههم إلى أن لا يتورعوا عن أكل ما حرم على يهود؛ لأنه حلال طيب في ذاته، وإنما حرم لأمر عارض، ولذا فهو من ضمن الطيبات. فالله حرم على يهود طيبات أحلت لهم، وذلك بسبب ذنوبهم، وسبب ظلمهم. المعنى التفصيلي: - (الذين هادوا) هم اليهود. وجاء التعبير بالاسم الموصول (الذين) تشهيرا بهم. وقيل في معنى (هادوا) عدة أقوال، منها: تابوا، وذلك من قوله تعالى ( ... إنا هدنا إليك ... ) (الأعراف: ١٥٦). وهذا غير صحيح؛ لأن المقام في آية سورة النحل مقام ذم فكيف يوصفون بصفة المدح في مثل هذا المقام. وقيل: هادوا، أي: كانوا يهودا، ويهود معربة من يهوذا، وهو أحد الأسباط. ومما قيل - وأرى له وجها -: إن "يهوه" في العبرية معناها "الله"، وأطلق على الأتباع "يهوديم" نسبة إلى "يهوه"، وعند تعريبها صارت "يهود". - (حرمنا) جاء التعبير بأسلوب المتكلم، و"نا" للتعظيم، بينما جاء التعبير بأسلوب الغيبة في قوله تعالى (إنما حرم عليكم الميتة ... ) (النحل: ١١٥)؛ لأن التحريم الذي وقع على بني إسرائيل كان عقابا؛ فناسبه التعظيم، وهذا بخلاف آية تحريم الميتة. - (قصصنا عليك من قبل) والذي قصه الله على نبيه ﷺ من قبل هو: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) (الأنعام: ١٤٦). - (عليك) أي: يا محمد. ورغم أن الكلام مفهوم دون (عليك)، ولكنها جاءت تأنيسا للنبي ﷺ وتكريما. - (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) وما وقع عليهم من التحريم إنما هو بسبب ذنوبهم، والله لم يظلمهم، بل كانوا يظلمون أنفسهم؛ قال تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) (النساء:١٦٠). - ودلالة (كانوا) هي التأكيد على وقوع الظلم منهم على أنفسهم؛ لما تعنيه "كان" من الوجود. - (أنفسهم يظلمون) الأصل في الترتيب "يظلمون أنفسهم"، ولكن قدم المفعول به لبيان بشاعة أن يظلم الإنسان نفسه، ويا له من ظلم عظيم! - والأصل في ترتيب الآية "وحرمنا على الذين هادوا ما قصصنا ... "، ولكن قدم ذكر "الذين هادوا" تنبيها على أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم هم دون غيرهم من العالمين، وهذا تشهير بهم وبما اقترفوه من الظلم.

стр. 126

(ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (١١٩) المفردات: - بجهالة: بسفه وطيش. المعنى الإجمالي: بعد بيان الآيات السابقة الأحكام التكليفية، تبين هذه الآية أن بعض المسلمين قد لا يطيعون الله بكل ما جاء من الأحكام، وسبب هذه المعصية هي الجهالة، وهي: السفه والطيش، وليس الكفر والإنكار، ولذا فإن هؤلاء العاصين إن تابوا والتزموا بأوامر الله فإنه سيغفر ذنوبهم ويرحمهم. المعنى التفصيلي: - (ثم) ليست للتراخي الزمني بل للدلالة على تعظيم غفران الله للذنوب. - (إن ربك) (إن) للتأكيد، و"الكاف" في (ربك) عائد على النبي محمد ﷺ . والإضافة إنما هي لتكريم النبي ﷺ . ودلالة التعبير بـ"الرب" هي العناية والرعاية؛ لما لاسم "الرب" من معاني الرعاية والعناية والتي تتناسب وسياق المغفرة. - (للذين عملوا السوء) أي: المعاصي. والفرق بين السوء والسوء، أن السوء "بفتح السين" هو: مصدر، والسوء "بضم السين" هو: اسم، والفرق بينهما أن السوء بالفتح يضاف إليه المنعوت، نقول: رجل السوء، ظن السوء. والسوء بالضم المكروه، نقول: ساءني سوءا، إذا لقيت منه المكروه. فهما من ناحية الأصل مشتركان، ولكن الاختلاف في طريقة الاستعمال. - (بجهالة) أي بسفه وطيش. وللجهالة عدة معان: الأول: خلو النفس من العلم. الثاني: اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه. الثالث: السفه والطيش. وإنما قلت: إن المعنى - هنا - السفه والطيش؛ لأنه المعنى المناسب لتوبة المسلم للمعاصي، أما المعصية التي يجهل المسلم حرمتها - غير مقصر بجهله - فلا إثم عليه لفعلها، فعدم العلم مانع من موانع العذاب بسبب الكفر زيادة على المعاصي؛ قال تعالى ( ... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: ١٥) - (ثم تابوا) (ثم) ليست للتراخي الزمني بل للتراخي الرتبي، لعلو رتبة الغفران؛ لأن بين غفران الذنوب وارتكابها بون شاسع وفرق عظيم. - (تابوا) أي توبة خالصة لله ، صادقة في حقيقتها، نصوحا غير مشوبة بمصلحة دنيوية. - (من بعد ذلك) أي من بعد وقوع السوء، والكلام مفهوم دون (من بعد ذلك)؛ لأن التوبة لا تكون إلا بعد الإثم، ولكن في ذلك إشارة إلى ما وقع من الإثم للتأكيد بأن الله غفور رحيم رغم ما وقع وكان. - (ذلك) "ذا" اسم إشارة و"اللام" للبعد، وإنما أشير للمعاصي بما يشار به للبعيد احتقارا لها. - (وأصلحوا) أي: أصلحوا أعمالهم. - أعيد ذكر (إن ربك) رغم ذكره في أول الآية لأمرين، الأول: طول الفصل، والثاني: للتأكيد على مغفرة الله ورحمته لهؤلاء المؤمنين. - (لغفور رحيم) اللام في (لغفور) للتأكيد، وكل ما ذكر من تأكيد في الآية إنما هو لتطمين هؤلاء المؤمنين - ومن في حكمهم - أن الله غفور رحيم؛ فلا تيأسوا من رحمة الله ومغفرته. الغفور: اسم من أسماء الله ، بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده، وأصله في اللغة من الستر؛ والتجاوز عن الذنوب ستر لها فلا يحاسب عليها صاحبها. والرحيم: اسم من أسماء الله مشتق من الرحمة. - ولكن لماذا قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم" وليس العكس؟ قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم"؛ لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة أولا ثم الغنيمة. - الأصل في ترتيب الجملة هو التالي: " إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا السوء بجهالة ... ) فلماذا هذا التغيير في ترتيب الجملة بذكر الجار والمجرور (للذين) قبل (لغفور رحيم)؟ قدم الجار والمجرور (للذين) إبرازا للاسم الموصول، حتى يكون هذا الإبراز إعلانا لإعلاء أمر هؤلاء المؤمنين التائبين، وتنويها بعظيم قدرهم، كيف لا؟! والله شديد الفرح بتوبة عبده؛ قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها" (صحيح مسلم ج٤/ص٢١٠٢)

стр. 127

(إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) (١٢٠) المفردات: - أمة: إمام هدى يعلم الناس الخير. - قانتا: دائم الطاعة والخضوع لله تعالى. - حنيفا: مستقيما على الحق. المعنى الإجمالي: بعد بيان الأحكام الشرعية في الآيات السابقة، وبيان ما حرم على يهود وحدهم، جاءت هذه الآية وما بعدها من ممهدات لقوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (النحل: ١٢٣)؛ لبيان أن ما شرع لأمة محمد من هذه الأحكام إنما كان شريعة لإبراهيم ﵇، ولبيان أن يهود ليسوا على شريعة إبراهيم ﵇ رغم زعمهم أنهم على شريعته (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (٦٧) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (٦٨)) (آل عمران). المعنى التفصيلي: - (إن) للتأكيد؛ ردا على المشركين الذين يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ﵇. - (إبراهيم) وهو من رسل الله ، ولا يجهل مكانته مسلم، وليس له أصل في العربية حتى يعرف ما معناه، وقيل: معناه بالسريانية "أب رحيم"، ولا أعرف صحة هذا المعنى، وإنما نقلت ما وقفت عليه. - (أمة) أي: إماما في الخير، يعلم الناس ويقودهم إلى طريق الخير؛ قال تعالى ( ... قال إني جاعلك للناس إماما ... ) (البقرة: ١٢٤)، و "أمة" على وزن فعلة بمعنى مفعول، مثل: نسخة بمعنى منسوخ، وعرضة بمعنى معروض. وللأمة في القرآن عدة معان: الأول: بمعنى القدوة؛ كما في هذه الآية (إن إبراهيم كان أمة ... ) الثاني: مقدار من الزمن؛ كما في قوله تعالى (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) (يوسف: ٤٥) الثالث: الجماعة من الناس؛ كما في قوله تعالى (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ... ) (البقرة: ١٢٨) الرابع: الدين والملة؛ كما في قوله تعالى (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) (الزخرف: ٢٢) والجامع في هذه المعاني: الجمع؛ فالقدوة يجمع الناس على طريقه، ومقدار الزمن يجمع في ذاته الدقائق والأيام، والجماعة من الناس يجتمون مع بعضهم، والدين يجمع الناس على مبادئه. وقيل: إن معنى (إن إبراهيم كان أمة) أي: قائما بالعبادة مقام أمة، وهذا معنى آخر، ولا تناقض بينه وبين ما سبقه. - (قانتا) طائعا لله منقادا لأمره، وهذا هو أصل المعنى، ويرد بمعان أخرى تعرف من السياق. - (حنيفا) حنف: مال إلى الحق وابتعد عن الباطل، وإبراهيم ﵇ كان على الحق بعيدا عن الباطل. - يدل ما سبق أنه كان ﵇ (حنيفا) يدل على أنه ما كان من المشركين، فلماذا ذكر (ولم يك من المشركين) رغم دلالة ما قبله عليه؟ ذكر (ولم يك من المشركين) رغم دلالة ما قبله عليه؛ ردا على المشركين الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ﵇. ويدل أيضا على أنه ﵇ ما كان مشركا في أي أمر كبيرا كان أو صغيرا، ولم يكن مشركا في أي مرحلة من حياته لا في صغره ولا كبره. - جاء بيان صفات إبراهيم ﵇ من الأعلى إلى الأدنى؛ وانظر معي - بارك الله فيك - إلى هذا التدرج: فالإمام والقدوة ومعلم الناس الخير والقائم مكان أمة لا بد أن يكون قانتا لله، والقانت لله لا بد أن يكون حنيفا، ومن كانت هذه صفاته فلا بد أن يكون موحدا وأن لا يكون من المشركين. ولا يشترط في كل موحد أن يكون قانتا أو يكون إماما للناس يعلمهم الخير. ولكن لماذا التدرج في ذكر صفات إبراهيم ﵇ من الأعلى إلى الأدنى؟ جاء التدرج هكذا لأنه الأصل في المدح؛ نقول: فلان الرئيس السابق، وقد شغل قبلها عدة مناصب. ولا نقول على سبيل المدح: فلان مدير مؤسسة رعاية المسنين سابقا، وكان بعدها رئيسا للبلاد. إنما نقول هذا على سبيل الحكاية والإخبار لا المدح والتزكية.

стр. 128

(شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) (١٢١) المفردات: - اجتباه: اختاره. المعنى الإجمالي: ما زالت الآية تعرض عظيم صفات إبراهيم ﵇، فهو شاكر لنعم الله، والسبب في ما فيه إبراهيم ﵇ من الفضل العظيم إنما هو بسبب اختيار الله له، وبسبب هدايته إلى طريق التوحيد والدين الحق. المعنى التفصيلي: - (شاكرا) صفة أخرى لإبراهيم ﵇، وهذا تعريض بالمشركين الذين سبق وصفهم بقوله تعالى ( ... فكفرت بأنعم الله ... ) (النحل: ١١٢) - (لأنعمه) أي: لأنعم الله، و (أنعم) جمع نعمة، وقيل: جمع نعمى، وقيل: جمع نعم، وقيل غير ذلك. - (أنعم) جمع قلة، ولكن لماذا جاء التعبير بجمع القلة، أليس التعبير بجنس النعم أعظم في بيان عظيم شكر إبراهيم ﵇؟ جاء التعبير عن النعم بجمع القلة؛ لأن إبراهيم ﵇ مهما شكر فلن يسعه أن يشكر كل نعم الله ، ألا ترى أن البشر لن يستطيعوا أن يحصوا نعم الله إحصاء، فكيف يمكنهم أن يشكروها كلها؟؟! (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) (النحل: ١٨) فنحن لا نستطيع أن نحيط بنعم الله بالعد والذكر، فكيف نستطيع أن نؤدي شكر ما لا نستطيع عده؟! ومن المسلم به أننا لا نستطيع، ولذا جاء ختم الآية بقوله تعالى (إن الله لغفور رحيم). لكن لماذا لا يستطيع الإنسان أن يحيط بنعم الله؟ لا يستطيع الإنسان أن يحيط بنعم الله؛ لأنها كثيرة، فأهل الفلك يمضون العمر في استكشاف نعم الله علينا، وكذا أهل الجيولوجيا وأهل الطب وأهل التربية، وغيرهم كثير، وما يفهمه كل في تخصصه لا يحيط به الآخرون، وإنما يعرف الناس طرفا منه، وهذا فيما نعلم، فكيف بما لا نعلم، وما لا نعلمه أعظم، لأن علمنا في علم الله لا شيء، ! ويضاف إلى هذا بأن ما أوتي إبراهيم ﵇ إلا جزءا يسيرا من نعم الله ، فتأمل. وقيل: جاء التعبير بجمع القلة؛ للإيذان بأن إبراهيم ﵇ شاكر لما قل من النعم فكيف بكثيرها. وهذا ضعيف؛ لأن من يشكر كثير النعم فبالأولى يشكر قليلها، ولكن لا يلزم من رجل يشكر الله على قليل النعم أن يقدر على شكره على كثيرها؛ فكم من فقير كان شاكرا في فقره فلما أغناه الله تكبر وتجبر وأغوته النعمة فنسي شكر الله. - (اجتباه) جبى الشيء جمعه، والاجتباء الجمع عن طريق الاصطفاء؛ قال تعالى ( ... الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (الشورى: ١٣) فاصطفاء الرسل لا يرجع إلى كسبهم، بخلاف الهداية التي تكون لمن قصدها. - (وهداه) وللهداية عدة معان، أذكر منها: الأول: الهداية الفطرية أو الغريزية أو ما كان في معناهما؛ قال تعالى (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: ٥٠) الثاني: البيان عن طريق الأنبياء والدعاة، قال تعالى في شأن الأنبياء (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات .... ) (الأنبياء: ٧٣) وقال تعالى في شأن الدعاة (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدة: ٢٤) الثالث: التوفيق لمن اهتدى (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) (محمد: ١٧) - (صراط مستقيم) وهو طريق التوحيد والدين الحق، روى أحمد في (مسنده ج١/ص٤٣٥) بسند حسن عن عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ... ) (الأنعام: ١٥٣) - لم يقع العطف بين (شاكرا لأنعمه) و (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)؛ لأن الجملة الثانية بيان لسؤال ناشئ في الذهن: لماذا حاز إبراهيم ﵇ على كل هذه الفضائل؟ فكان الجواب: لأن الله اختاره لرسالته ووفقه إلى الهدى وزاده منه زيادة جعلته إماما وقانتا و .. و .. .

стр. 129

(وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين) (١٢٢) المعنى الإجمالي: بعد بيان صفات إبراهيم ﵇، وبعد بيان سبب نيله لهذه الصفات، تبين هذه الآية فضل إبراهيم ﵇ بصورته النهائية، وبعنوان واضح: إن الله آتى إبراهيم ﵇ خيري الدنيا والآخرة، فله في الدنيا كل الخير: من النبوة إلى الذرية إلى السعادة والتنعم وغير ذلك من خير الدنيا، وله بالآخرة الفوز العظيم؛ لأنه من الصالحين، وهذا كقوله تعالى ( ... وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) (العنكبوت: ٢٧). المعنى التفصيلي: - (وآتيناه) الواو عاطفة، و "نا" للتعظيم، والالتفات من أسلوب الغيبة ( ... اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) إلى أسلوب المتكلم (وآتيناه .. )؛ لتنبيه السامع إلى أهمية ما سيقال؛ لأن الآيتين السابقتين تأسيس لهذه النتيجة النهائية، وتنبيه السامع إلى ما يقال هو مما يناسب بيان النتيجة النهائية. وقيل: الالتفات إلى التكلم لإظهار الاعتناء بشأن إبراهيم ﵇. وهذا ضعيف؛ ألا ترى أن الآيتين السابقتين تتكلمان عن إبراهيم ﵇، فلماذا جاء الأسلوب فيهما بالغيبة ما دام الأمر هو الاعتناء بإبراهيم ﵇ فقط؟!! - (في الدنيا) الجار والمجرور متعلق بـ (آتيناه)، أو متعلق بـ (حسنة). - (حسنة) والحسنة نكرة في سياق الإثبات، وهذا يدل على الإطلاق وليس العموم، والفرق بين عموم المطلق وعموم العام أن عموم المطلق بدلي وعموم العام شمولي، فالله آتى إبراهيم ﵇ خير الدنيا العظيم، ولكنه لم يؤته كل خير في هذه الدنيا. - (حسنة) حسنة الدنيا كل خير فيها، وعليك - بارك الله فيك - أن تتصور كل خير في الدنيا وتدرجه تحت مسمى الحسنة. - (وإنه) أي: إبراهيم ﵇، وأكد خير الآخرة بتأكيدين: الأول: إن في (وإنه). والثاني: اللام في (لمن). وإنما جاء التأكيدان بخصوص أمر الآخرة؛ لأنه أعظم من أمر الدنيا. - (في الآخرة) الجار والمجرور متعلق بـ (الصالحين) - (الصالحين) ولقد دعا إبراهيم ﵇ بهذا (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) (الشعراء: ٨٣). ومن كان صالحا في الآخرة فهو صالح في الدنيا، ومن كان صالحا في الآخرة فإن له الجنة.

стр. 130

(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (١٢٣) المفردات: - ملة: دين. - حنيفا: مستقيما على الحق. المعنى الإجمالي: جاء بيان فضل إبراهيم ﵇ في الآيات السابقة توطئة لأمر الله نبيه محمدا ﷺ باتباع دين إبراهيم ﵇. فقد أوحى الله إلى نبيه محمد ﷺ أن يتبع دين إبراهيم ﵇ المستقيم على دين الحق، والذي لم يكن مشركا في وقت من الأوقات أو أمر من الأمور. المعنى التفصيلي: - (ثم) تصلح أن تكون للتراخي الزمني؛ لأن ما بين إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ زمن طويل. ولكن تصلح (ثم) أن تكون للتراخي الرتبي بين فضائل إبراهيم ﵇ السابقة "أمة، قاتنا، شاكرا .... " وبين هذا الفضل العظيم له أن أمر محمد ﷺ باتباع ملته، أي بمعنى آخر: أعلى فضائل إبراهيم ﵇ هو أمر خير البشر محمد ﷺ باتباعه. - (أوحينا) "نا" للتعظيم، وفي هذا تعظيم لأمر الوحي، فبه يعرف النبي الدين، وبه يعرف الخلق دين الله على ألسنة أنبيائهم. - (إليك) يا محمد، وفي الآية تكريم لمحمد ﷺ لكون اتباعه لإبراهيم ﵇ فضيلة من فضائله، وفيها تكريم لإبراهيم ﵇ لأمر خير الأنبياء باتباعه. ومن فضل النبي ﷺ أنه خير البشر؛ فعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" (صحيح مسلم ج٤/ص١٧٨٢) - (أن اتبع) تفسير لما أوحى الله لنبيه محمد ﷺ . - (ملة) الملة الدين، وأصلها من أمللت الكتاب، أي: ما أوحى الله لأنبيائه من الشرائع. والفرق بين الدين والملة أن الدين يطلق باعتبار الطاعة والجزاء، ولكن الملة باعتبار الشرائع الهادية إلى الطاعة، وهذا نابع من أصل كل كلمة، وهناك فروق من جهة الاستعمال اللغوي، وما ذكر كاف في بيان المعنى. - (إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) تقدم بيان هذا قريبا في تفسير الآية (١٢٠) من هذه السورة.

стр. 131

(إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (١٢٤) المعنى الإجمالي: بعد أمر النبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇، تبين هذه الآية أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم؛ لأن تعظيم السبت ليس من ملة إبراهيم، وإنما فرض تعظيم السبت على اليهود الذي عظموه، والله سيحاسبهم يوم القيامة على ما صدر منهم من عصيان. المعنى التفصيلي: - (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) أي: ما فرض السبت إلا على اليهود، وليس تعظيم السبت من ملة إبراهيم، وبهذا فليعلم اليهود أنهم ليسوا على ملة إبراهيم. وجاء البيان بأسلوب القصر (إنما) ردا على من يعتقد أن اليهود على ملة إبراهيم ﵇. - (جعل السبت) أي: يوما معظما، واليهود تعظم يوم السبت ولا تعمل فيه. وضمن (جعل) معنى: فرض؛ بدلالة (على الذين) أي: فرض على الذين. وقيل: (إنما جعل السبت) أي وباله على الذين اختلفوا فيه فصادوا واستحلوه. وهذا القول لا يناسب السياق؛ لأن السياق لا يتحدث عن عقاب بني إسرائيل بل يتحدث عن مخالفة بني إسرائيل لملة إبراهيم ﵇، وزيادة على هذا فإن السياق إذا انتظم دون تقديرات فلا داعي لها، لأن التقدير لا يقبل إلا عند الضرورة لانتظام الكلام، وهنا لا حاجة إليه. - (الذين اختلفوا فيه) هم اليهود، ولكن بماذا اختلفوا؟ قيل: استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وقيل: اختاروه بدل يوم الجمعة. والقول الثاني أقرب؛ لقول الرسول ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد" (صحيح البخاري ج١/ص٢٩٩) واختلف العلماء في اختيار يوم الجمعة، هل وكل الله اختياره إلى اليهود والنصارى؟ وفي هذا الحديث الصحيح جواب على أنه فرض عليهم فأبوا أن ينقادوا لحكم الله؛ قال الرسول ﷺ : " ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم" (صحيح البخاري ج١/ص٢٩٩). - وهناك تساؤل: هل كان يوم الجمعة معظما في ملة إبراهيم، علما بأن قوله ﷺ " فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع" يدل على أن يوم الجمعة لم يكن معظما عند إبراهيم ﵇؟ والجواب عن هذا أن يوم الجمعة كان معظما عند إبراهيم ﵇ للأمور التالية: الأول: إن سياق الآيات يدل على أننا مأمورون باتباع ملة إبراهيم وأن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم لأنهم عظموا يوم السبت، ويفهم من هذا أن تعظيم اليوم الأسبوعي هو من ضمن ملة إبراهيم، ونحن إذ نعظم يوم الجمعة فإننا نتبع ملة إبراهيم. ومن هذا تعلم أن قول من قال: إننا لا نعلم هل كان يوم الجمعة معظما في ملة إبراهيم ﵇؟ من هذا نعلم أنه قول ليس صحيحا. الثاني: يوم الجمعة يوم معظم من قبل بعث الأنبياء، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (صحيح مسلم ج٢/ص٥٨٥) أما قوله ﵊: " فهدانا الله" أي: باتباع ملة إبراهيم ﵇. - (الذين اختلفوا فيه) جاء التعبير بالاسم الموصول (الذين) وليس بـ "بني إسرائيل" أو "اليهود"؛ وذلك تشهيرا بهم؛ لأنهم قوم عصاة، كأن المعنى "أولئك العاصون الذين عصوا الله فيما فرض عليهم من تعظيم الجمعة فعظموا السبت، إنهم ليسوا على ملة إبراهيم". - (وإن ربك) (إن) للتأكيد، والتعبير بـ "الرب"يدل على العناية والرعاية، فلماذا التعبير به رغم أن السياق سياق حساب وتهديد لليهود؟ جاء التعبير بـ"الرب" لأن الرعاية والعناية هي للنبي ﷺ ، ولذا أضيف "رب" لكاف المخاطب العائد على النبي محمد ﷺ من باب تكريمه وتأييده بأنه على الحق المبين. - (ليحكم) اللام للتأكيد، وسبق التأكيد بـ "إن" لتهديد اليهود تهديدا شديدا، ولتأييد النبي ﷺ تأييدا أكيدا. - (يوم القيامة) والتعبير بـ (يوم القيامة) وليس "الآخرة"؛ للإشارة إلى أن الله سبحانه سيبعثهم، وسيقومون من قبورهم ليلقوا حسابهم؛ لأنهم ماتوا قبل سنين كثيرة. - (فيما كانوا فيه يختلفون) أي في كل الذي كانوا فيه يعصون أمر الله ، وليس في أمر السبت فقط، ولذا جاء التعبير بـ (بينهم)؛ لأنه كان في بني إسرائيل صالحين، والحكم سيكون في كل أمر اختلف فيه، فيلزم من وجود الصالحين وجود فريقين مخطئ ومصيب. - لم تتعرض الآيات للنصارى؛ لأن النصارى تبع لليهود، فإذا لم يكن اليهود على ملة إبراهيم فالنصارى بالأولى. ومن الأدلة على أن النصارى تبع لليهود أنهم يسمون أسفار اليهود بالعهد القديم والأناجيل بالعهد الجديد، ويطلقون على العهدين اسم " الكتاب المقدس"، بمعنى أن التوراة مقدسة عند النصارى.

стр. 132

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (١٢٥) المعنى الإجمالي: بعد بيان أن الله أوحى إلى محمد ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم، أمره أن يستمر بالدعوة إليها، فالآية مرتبطة بقوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (١٢٣). المعنى التفصيلي: - (ادع) فعل أمر موجه إلى محمد ﷺ ابتداء ولنا أيضا، فنحن مأمورون بالدعوة إلى الله سبحانه وليس رسولنا ﷺ فقط، ودل على هذا آيات وأحاديث صحيحة، أذكر من الآيات (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: ١٠٤). وأما من الأحاديث فأذكر قوله ﷺ "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (صحيح مسلم ج١/ص٦٩) - (ادع) حذف ذكر المفعول به؛ إبرازا لأمر الدعوة؛ لأن السياق سياق أمر بالدعوة إلى سبيل الله، وليس سياق تعيين المدعوين، وأيضا فإن حذف ذكر المفعول به - في هذا السياق - يدل على التعميم، أي أن الدعوة إلى الجميع. - (سبيل ربك) أي الطريق التي أمر الله عباده أن يسلكوها حتى يرضى عنهم. - (ربك) إضافة السبيل إلى "الرب"؛ دلالة على أن الداعي إلى الله سبحانه مرعي بعناية الله ولطفه، لما في اسم "الرب" من معاني العناية والرعاية. والكاف للخطاب، وهو عائد إلى النبي محمد ﷺ ؛ تكريما له. - (بالحكمة) وأصل "حكم" في اللغة: المنع؛ ولذا سمي لجام الدابة: حكمة الدابة. والحكمة تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ؛ ولذا فهي: الإصابة في القول والفعل، وأعلى حكمة على الإطلاق ما أوحى الله به إلى أنبيائه، وهو في حقنا: الكتاب والسنة. وقيل: إن الحكمة هي الكتاب والسنة فقط؛ لقوله تعالى (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ... ) (الإسراء: ٣٩). وهذا ليس صحيحا؛ فقد قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر حكمة" (صحيح البخاري ج٥/ص٢٢٧٦) وقيل: هي الحجج العقلية أو ما كان في هذا المعنى، وذكر بعض المفسرين اصطلاحات "المنطق". وهذا ليس صحيحا؛ لأن الحكمة لا تنحصر في القول، بل الحكمة تكون بالفعل أيضا، ويتحدد معنى الحكمة في القرآن وفق السياق الذي جاءت فيه، ولكن لا تخرج معانيها عن الإصابة في القول والعمل. والحكمة في الدعوة إلى الله تكون باختيار الوقت المناسب والزمان المناسب والمكان المناسب والأسلوب المناسب والوسيلة المناسبة والقول المناسب، وهكذا .... . ويفسر بعض المعاصرين بأن الحكمة هي اللين في الدعوة، وهذا تفسير لجزء من معاني الحكمة. - (والموعظة الحسنة) اختلف في معنى الوعظ، فقيل: الكلام الذي تلين له القلوب. وقيل: زجر مقترن بتخويف. والمعنى المستنبط من قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل:٩٠)، هو: أن الوعظ أمر وكذلك زجر، لأن الآية اشتملت على الأوامر والنواهي، فالوعظ نصيحة وإرشاد يبرز فيه معنى التذكير، وانظر في قصة نوح ﵇ في "سورة هود": فلما سأل نوح ﵇ ربه في شأن ابنه، قال له ربنا ( ... يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: ٤٦) أي: (أعظك)؛ لما سبق من إعلامك ( ... احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) (هود:٤٠) وكذلك قوله تعالى (يعظكم لعلكم تذكرون) يبين العلاقة بين الموعظة والتذكير. - (والموعظة الحسنة) أمر الله بالوعظ الحسن وليس بأي وعظ؛ لأن من الوعظ والتذكير ما ليس بحسن، بل هو منفر، ومنه ما ليس له تأثير في النفوس. - ولكن أليست الموعظة الحسنة من الحكمة، فلماذا ذكرت بعد ذكر الحكمة؟ الموعظة الحسنة من الحكمة؛ لأنها من جملة الصواب والحق، ولكن الحكمة أوسع؛ لأنها تكون في كل الأقوال من مواعظ وغيرها، وفي كل الأفعال، ولكن أفردت الموعظة بالذكر بعد الحكمة من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية. وتكون الموعظة بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح والعلماء والشعراء والقصص والوقائع والتاريخ والحقائق العلمية والأسلوب المؤثر وهكذا، وأسلوب الوعظ يختلف عن أسلوب التعليم؛ لأن أسلوب الوعظ يراعى فيه جانب القلب والتذكير والتأثير، بخلاف أسلوب التعليم الذي يغلب جانب العقل على جانب القلب. - (وجادلهم) لم يأت النص "والمجادلة" لأن الواو عطفت الفعل (جادلهم) على (ادع) وليس على (والموعظة)، علما بأن المجادلة تصب في بحر الدعوة، ولكن الفرق الدقيق بينهما أن هدف الدعوة الأول هو إدخال الناس في الإسلام؛ ولذا فإن الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما الهدف الأول للجدال والمحاججة هو دفع الخصوم وإقامة الحجة، وبعدها يأتي هدف اقتناع المجادل بالحق؛ ألا ترى - رحمك الله - أن المسلمين يفرحون عند إفحام خصومهم من الكفار ولو لم يهتد منهم أحد؛ لأنهم حققوا الهدف الأول من الجدال، وإذا دخل أحد إلى الإسلام بسبب هذا الجدال فإن الفرحة عندهم تكتمل، وأما عندما يدعوا المسلمون غيرهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فإنهم لا يفرحون بمجرد الدعوة وإنما بحصول الاستجابة. - (بالتي هي) الضمير "التي" متعلق بـ (جادلهم)، وهناك محذوف تقديره "وجادلهم بالمجادلة التي". وضمير "هي" عائد على المجادلة، وللضميرين "التي" و"هي" دلالتهما على التأكيد على القول الأحسن في المجادلة، فلو قلنا في غير التنزيل "وجادلهم بالأسلوب الأحسن أو القول الأحسن" لما كان له وقع التعبير بالضميرين "التي" و"هي"، وتأمل معي - رعاك الله - الفرق بين النصين لتعلم روعة النص القرآني (وجادلهم بالتي هي أحسن). - (أحسن) صيغة تفضيل يستفاد منها أن لا نجادل الكفار المجادلة الحسنة، بل علينا أن نجادلهم المجادلة الأحسن. وصيغة التفضيل من حسن هي: أحسن، أما مؤنث حسن: حسنة، وصيغة التفضيل منها: حسنى، جاء النص (بالتي هي أحسن) وليس "بالتي هي حسنى"؛ لتضمين المجادلة معنى القول. - ولكن لماذا جاء الأمر بالموعظة الحسنة وليست الحسنى، بينما جاء الأمر بالمجادلة بالأحسن وليس الحسن؟ جاء الأمر كذلك؛ لأن قليل اللين يفي بالغرض في الموعظة، بينما في المجادلة فإن قليل اللين لا يفي بالغرض، بل لا بد من الكثير منه؛ لما في المجادلة من المحاججة ومقارعة الخصوم مما يسبب نفور الخصم وتجلده أمام الحق، بينما الموعظة ليس فيها هذه المصادمة. - (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أي: يا محمد ادع فقط ولا تحزن على الكافرين؛ لأن الله هو أعلم بهم فيضل من يستحق الضلالة ويهدي من يستحق الهدى. - (إن ربك) (إن) لتأكيد مضمون القول، والتعبير بـ "الرب" وإضافته إلى النبي ﷺ لتأنيسه وتسليته وإكرامه. - (إن ربك هو أعلم) فلا أحد أعلم من الله ، وضمير الفصل "هو" للدلالة على أن الله هو الأعلم وحده. - (وهو أعلم بالمهتدين) وليس "بمن ضل عن سبيله وبالمهتدين"، بل أعيد ذكر ضمير الفصل "هو" والفعل "أعلم" ترسيخا لعقيدة أن الله العليم وحده، وجاء التفريق بالعطف بين المهتدين والضالين؛ لبيان أن المهتدين شيء والضالين شيء آخر. - تقدم ذكر الضالين على المهتدين؛ لأن سبب الحزن الحاصل للنبي ﷺ وللدعاة من بعده إنما هو بسبب الضالين، ولأن الكلام تسلية وتأنيس تقدم ذكر الضالين لإزالة سبب الحزن والضيق. وقيل تقدم ذكر الضالين على المهتدين: لتهديدهم. وهو قول مقبول، ولكن القول بأن التقديم للتسلية أولى؛ لأن معنى الآية أي: يا محمد ادع إلى سبيل ربك فقط ولا تحزن على الكافرين؛ لأن من يضل فإنما يستحق الضلالة ومن يهتدي يستحق الهداية. - جاء التعبير عن الضالين بالفعل "ضل" وعن المهتدين بالاسم "المهتدين"، (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)؛ لأن الضلال أمر حادث على الفطرة، وإنما ولد الناس على الفطرة فضلوا بعدها، وأما الهداية فهي الأصل؛ ولذا جاء التعبير عنها بالاسم، وأيضا فإن الاسم "المهتدين" يتضمن الوصف بالهدى أقوى مما يتضمنه الفعل، وهذا تزكية للمهتدين.

стр. 133

(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (١٢٦) المعنى الإجمالي: بعد أن أمر الله عبده محمدا ﷺ بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أمره أن يجادل بالحسنى من يعترض الدعوة بآرائه الفاسدة، وتبين هذه الآية مرحلة متطورة من العقبات أمام الدعوة ألا وهي قتال الكفار للمؤمنين؛ ولذا بينت الآية منهج التعامل مع هذا الاعتداء كما بينت منهج التعامل مع الأفكار الفاسدة بالجدال. فهذه الآية تأمر النبي ﷺ والمؤمنين معه أن يعاقبوا الكفار مثل مقدار اعتدائهم، وتحثهم على العفو؛ لأنه خير للصابرين. يقول تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) (الشورى:٤٠) المعنى التفصيلي: - وسبب نزول هذه الآية ما جاء عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم قال فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : كفوا عن القوم إلا أربعة. رواه (الترمذي: ٣٠٥٤) و (أحمد، رقم: ٢١٢٢٩) بسند حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب. ورواه أيضا ابن حبان في (صحيحه ج٢/ص٢٣٩) ومن طريقه رواه الحاكم في (المستدرك على الصحيحين ج٢/ص٤٨٤) ورواه غيرهم. وبهذا تعلم ضعف قول من قال: إن هذه الآية مكية. والصحيح أنها مدنية على قول من قال: إن المدني ما نزل بعد الهجرة بغض النظر عن المكان. وبهذا تعلم أيضا ضعف قول من قال: إن الحديث الوارد في سبب النزول ضعيف. - قيل: إن هذه الآية منسوخة بالقتال، والصحيح - والذي عليه الجمهور - أن الآية محكمة ولا تتعارض مع آية السيف؛ لأن النبي ﷺ لم يترك الجهاد بل فتح مكة وأذعن أهلها لجيش المسلمين، والآية تتكلم عن العفو فيمن يصلحه العفو كأهل مكة؛ فإنهم دخلوا بالإسلام. - (وإن عاقبتم) وجاء النص بـ "إن" وليس بـ"إذا"؛ تقليلا من حوادث رد العقوبة حثا على العفو؛ لأن"إذا" تستعمل فيما هو محقق الوقوع، و"إن" تستعمل فيما هو مشكوك في وقعه، وقد تقع "إذا" مكان "إن" لغرض بلاغي، كقولك للبخيل تحثه على الإنفاق: إذا أنفقت في سبيل الله فإن الله يخلف ما أنفقت. - (عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي إن انتقمتم من الكفار فانتقموا قدر اعتدائهم ولا تزيدوا على ذلك. - (عوقبتم به) أي عاقبكم الكفار به على دعوتكم إلى سبيل الله. وبني الفعل لما لم يسم فاعله؛ لأن المهم هو وقوع العقوبة وليس تعيين من وقعت منه العقوبة. ولا داعي أن نقول إن (عوقبتم) مشاكلة لـ (عاقبتم)؛ لأن ما فعله الكفار للمؤمنين هو عقوبة منهم للمؤمنين على دعوتهم حقيقة وليس من باب المشاكلة اللفظية. - (ولئن) اللام موطئة للقسم، و"إن"حرف شرط، و لام (لهو) واقعة في جواب القسم، وهذا القسم إنما هو للتأكيد على خيرية العفو على الانتقام. - (خير للصابرين) أي: خير لكم. وأقيم (للصابرين) مقام الضمير، حثا لهم على العفو بأنهم إذا فعلوه استحقوا هذا الاسم المتضمن لوصف الصبر. - ويستدل بهذه الآية في مسألة الظفر، وهي: إذا ظلم رجل بأخذ ماله ولم يستطع أن يثبت ذلك، واستطاع أخذ ماله بطريقة لا تقع عليه فيها العقوبة ولا على أحد آخر ولا يتعدى على حرمة أحد، كدخول بيت لم يؤذن له بدخوله، فهل يجوز له استيفاء حقه؟ اختلف الفقهاء في ذلك، واستدل المبيحون بهذه الآية وبغيرها ممن في معناها، واستدل المحرمون بحديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " وقد حسن بعض العلماء هذا الحديث بمجموع طرقه، نظرا لمتابعة قيس بن الربيع لشريك، ولشاهد من طريق أيوب بن سويد. ولكن في هذا التحسين نظر، فإن قيس بن الربيع لم يتغير حفظه فقط بل قد أدخل عليه ابنه أحاديث ليست له فحدث بها، وكذلك فإن أيوب لم يكن صدوقا يخطئ فقط، بل كان يسرق الحديث، فقد حدث بالرملة أحاديث عن ابن المبارك ثم جعلها بعد ذلك عن نفسه عن ابن المبارك، وقال النسائي فيه: ليس بثقة. قال ابن الملقن: "حديث أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. رواه أبو داود والترمذي والحاكم من رواية أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم على شرط مسلم، وله شاهد فذكره. وأعله ابن حزم وابن القطان والبيهقي، وقال أبو حاتم: منكر، وقال الشافعي: إنه ليس بثابت عند أهله، وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من وجه صحيح. فقلت له طرق ستة كلها ضعاف كما أوضحتها في الأصل" (خلاصة البدر المنير ج٢/ص١٥٠) ولكن إن صح الحديث فإنه خاص بالأمانة؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ قال: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف (صحيح البخاري ج٢/ص٧٦٩). فقد أجاز النبي ﷺ لهند وبنيها أن يأخذوا حقهم من غير علم والدهم إن قصر في دفعه إليهم. جاء في (إعانة الطالبين ج٣/ص٨٣): "وله - أي للشخص - بلا خوف فتنة عليه أو على غيره أخذ ماله استقلالا للضرورة من مال مدين له مقر مماطل به أو جاحد له أو متوار أو متعزز، وإن كان على الجاحد بينة أو رجا إقراره لو رفعه للقاضي؛ لإذنه ﷺ لهند لما شكت إليه شح أبي سفيان أن تأخذ ما يكفيها وولده بالمعروف، ولأن في الرفع للقاضي مشقة ومؤنة، وإنما يجوز له الأخذ من جنس حقه، ثم عند تعذر جنسه يأخذ غيره، ويتعين في أخذ غير الجنس تقديم النقد على غيره" وقال بعض العلماء: إن كان السبب ظاهرا كالزوجية والأبوة والبنوة جاز له الأخذ، وإن كان غير ظاهر كالقرض وثمن المبيع لم يجز له الأخذ. وقولهم هذا مبني على تصحيح حديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " وجمعا بينه وبين حديث هند. - استنبط العلماء من هذه الآية المماثلة بالقصاص، فمن قتل بحجر قتل بحجر، ومن قتل بسيف قتل بسيف، واستدلوا بما روي عن أنس ﵁ أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، قيل: من فعل هذا بك، أفلان أفلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومت برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين (صحيح البخاري ج٢/ص٨٥٠) وهذا قول جمهور العلماء.

стр. 134

(واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) (١٢٧) المعنى الإجمالي: بعد تعريض الآية السابقة بالعفو (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) جاء التصريح بالحث على العفو (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وهذا عام لكل المؤمنين، وفي هذه الآية جاء الأمر خاصا للنبي ﷺ بالعفو، وجاء أمر النبي ﷺ بالعفو بعد حث المؤمنين عليه؛ لأن مقام النبي ﷺ هو الأسمى والأرفع؛ ولذا كان حقه أن يفعل الأحسن لا الحسن، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وتأمر هذه الآية النبي ﷺ بالصبر مستعينا بالله وحده، وتنهاه أن يحزن على الكفار لاختيارهم الكفر، وتنهاه أن يضيق صدره بسبب ما يمكرون للمؤمنين من المكائد والسوء. المعنى التفصيلي: - (واصبر) يا محمد، لعلو شأنك، ولرفعة منزلتك، فعليك أن تفعل الأحسن لا الحسن، والأكمل لا الكامل. - (وما صبرك إلا بالله) لعلم الله بشدة هذا العفو على نفس النبي ﷺ لما لاقاه من أذى عظيم على مر سنين - مد له يد العون والتوفيق، ولأن الله هو وحده من يعين على الصبر فاستعن به وحده. - (ولا تحزن عليهم) أي الكفار بسبب إعراضهم عن الذكر بعد إذ جاءهم، لأن من رحمة النبي ﷺ شفقته على الكفار، قال تعالى (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) (الكهف: ٦) وقال تعالى ( ... إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) (فاطر:٨) وقيل (ولا تحزن عليهم) أي المؤمنين لما أصابهم من أذى. وهذا بعيد؛ لأنه لا يتوافق والسياق؛ وتأمل قوله تعالى (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون). - (ولا تك في ضيق مما يمكرون) أي: يا محمد لا يضق صدرك بسبب مكرهم. - (في ضيق) أي مبالغا في الحزن، وهذا مستفاد من حرف الجر "في"، أي نهاه أن يكون حالا في الضيق كمن حل في مكان فكان محيطا به. أما مطلق الحزن الذي لا تخلو منه النفس البشرية فليس منهيا عنه. - (ضيق) قرئت (ضيق) بالكسر، وهما - على المشهور - لغتان بمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما. - (مما يمكرون) أي: "من ما". و"من" سببية، و"ما" إما أن تكون اسما موصولا، ويكون المعنى: "بسبب الذي يمكرون"، أو تكون "ما" مصدرية، ويكون المعنى: "بسبب مكرهم ". - (يمكرون) والتعبير بالمضارع لا بالمصدر لحكاية الحال الواقعة في ذلك الزمن، وللدلالة على ما يحدث في المستقبل من المكر. وما زال الكفار يمكرون ويمكرون.

стр. 135

(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (١٢٨) المعنى الإجمالي: بعد حث المؤمنين على العفو وأمر النبي ﷺ بالعفو، تبين هذه الآية أن الله مؤيد للمؤمنين المتقين الذين إذا عاقبوا عاقبوا بمثل ما عوقبوا به ولم يتجاوزوا الحد، وهو أيضا مع المحسنين الذين عفوا عن المعتدين عند المقدرة عليهم. المعنى التفصيلي: - (إن الله مع الذين اتقوا) (إن) للتأكيد على مضمون الآية، ومعية الله هي معية النصرة والتأييد. - (الذين) جاء التعبير بالاسم الموصول للتنويه بمكانة المتقين والمحسنين. - (اتقوا) أي: فعلوا الواجبات وابتعدوا عن المحرمات. - (والذين هم محسنون) الواو للعطف، أي: إن الله مع الذين هم محسنون. ولم يأت النص " والمحسنون" بل (والذين هم محسنون) إعلاء لشأنهم، ورفعا لقدرهم. - (محسنون) أي: يفعلون الأحسن لا الحسن، فإن أمر المعاقبة بالمثل حسن، ولكن العفو هو الأحسن. - لماذا جاء التعبير عن المتقين بالفعل الماضي (اتقوا)، بينما جاء التعبير عن المحسنين بالاسم (محسنون)؟ جاء التعبير عن المتقين بالفعل الماضي (اتقوا) إشارة إلى أن فعل التقوى قد وقع لهم وتحلوا به، فهم أهل عراقة بالتقوى؛ ولذا استحقوا معية الله . بينما جاء التعبير عن المحسنين بالاسم (محسنون) رفعا لشأنهم؛ لأنهم أهل العفو؛ والتعبير بالاسم أقوى؛ لأن الاسم (محسنون) يحمل في تضاعيفه الوصف بالإحسان للموصوفين أكثر مما يحمله الفعل؛ ورفع مقام المحسنين أكثر من المتقين؛ لأن المحسنين متقون وزيادة. وفي هذا ترغيب بالعفو. عفا الله عنا وفر لنا وعافانا إنه سميع مجيب قريب. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. كتبه سامي وديع عبد الفتاح شحادة القدومي. الأردن - عمان ٢٥ - ٥ - ٢٠٠٣ م