← Тафсир

Тафсир · id 606

التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني

سامي القدومي

Полный текст (135 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (٦٤) المفردات: - لتبين: لتوضح. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة ضلال الكفار وجرائمهم البشعة، تبين هذه الآية فضل الله بإنزال القرآن على النبي ﷺ ليوضح للمكلفين الحق من الباطل، وليكون هداية ورحمة للمؤمنين. المعنى التفصيلي: - (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) معنى هذا الاستثناء هو: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لعلة من العلل إلا لتبين للناس الذي اختلفوا فيه من أمور التوحيد والمعاد والقدر وغير ذلك من أمور الدين. والتعبير بأسلوب القصر (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين) يبرز المقصد من إنزال القرآن على النبي ﷺ إبراز ظهور وحصر، ولو قلنا في غير التنزيل "وأنزلنا إليك الكتاب لتبين لهم" لم يكن له من القوة ما لأسلوب القصر. - (أنزلنا) الضمير "نا" للتعظيم، وجاء الكلام بأسلوب التكلم، وليس بأسلوب الغيبة " أنزل الله"؛ لما في أسلوب التكلم من التعظيم أيضا، وذلك لعلو أمر إنزال القرآن. - تقديم الجار والمجرور (عليك) إكراما للنبي ﷺ ، ولأنه المعني بأمر تبليغ الرسالة، فناسب الأمر تقديم ذكره ﷺ . - ولكن لماذا جاء التعبير في هذه الآية (عليك)، وأما في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) جاء التعبير بـ (إليك)؟ وذلك لأن حرف "على" يشير إلى علو مصدر الإنزال، وحرف "إلى" يفيد الوصول دون الإشارة إلى العلو، وكلا المعنيين موجودان في الإنزال؛ لأن الوحي أولا: ينزل من فوق فعبر بـ"على"، ولأنه ثانيا: يصل في نهاية الأمر إلى النبي ﷺ فعبر بـ "إلى". وقد قال بعض العلماء: إذا تعدى فعل الإنزال بـ"على" فإن النزول مختص بالنبي ﷺ ، وإذا تعدى بـ "إلى" فإن النزول يعم المؤمنين، وهذا غير صحيح؛ لأن من النزول المختص بالنبي ﷺ ما عدي بـ"إلى" كقوله تعالى (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) (المائدة: ٨٣). ومن النزول المختص المؤمنين ما عدي بـ"على" (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) (النساء: ١٤٠). - (لتبين لهم) اللام في (لتبين) للتعليل، وقوله تعالى (لتبين لهم) في موضع المفعول لأجله، والضمير (لهم) يعود إلى كل المكلفين أجمعين، ابتداء من قريش وانتهاء إلى غيرهم من الجن والإنس. - (الذي اختلفوا فيه) من أمور التوحيد والعبادة والقدر والمعاد والنبوة وغير ذلك من أمور الدين، والاختلاف الذي وقع عند الكفار إنما وقع من عند أنفسهم، فهم الذين وقعوا في الاختلاف من جهة أنفسهم، ولذا أسند الفعل "اختلف" إلى الكفار (اختلفوا). - لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على فهم كلام العرب فقط؛ لأنه لو كان لسان العرب وحده كافيا في فهم القرآن الكريم لما كان لبيان النبي ﷺ من حاجة، وذلك لأن كل عربي يستقل وحده بفهم القرآن، ولكن من القرآن ما لا يفهم إلا ببيان النبي ﷺ ، وأضرب مثلا واحدا على هذا وهو المقصود من كلمة "الصلاة" والتي تعني في اللغة الدعاء، ولكنها في القرآن الكريم ذات دلالة خاصة على أفعال تبتدئ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، ولها شروط وأركان وكيفيات، وما كنا لنعلم هذا إلا عن طريق بيان النبي ﷺ . - ولكن هل بين النبي ﷺ كل كلمة في القرآن الكريم؟ بين النبي ﷺ ما لا يفهمه الناس في عصره، وبين لنا ما نحتاجه للاجتهاد في فهم القرآن في عصرنا وفي كل العصور، ومثاله، بينت السنة الأحكام الشرعية الواقعة في زمنه ﷺ ، ولكن هذا البيان هو أساس اجتهادنا لمعرفة الوقائع المستجدة في عصرنا وغيره من العصور. - في قوله تعالى (لتبين لهم) دليل على حجية السنة، قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ... ) (النساء: ٨٠) وليس من داع للإطالة في بيان حجية السنة؛ لأن الله أنزل القرآن على النبي ﷺ ، وكلفه بتبليغ الرسالة وبيانها، ولذا فنحن مكلفون باتباع كل ما صح عن النبي ﷺ . - (وهدى ورحمة) معطوفتان على موضع المفعول لأجله (لتبين لهم)؛ لأن المعنى هو: وأنزلنا عليك الكتاب لأجل البيان والهدى والرحمة. - وللهدى عدة معان، ومعناها - هنا - هو الإنعام على العباد باتباع طريق الحق، وليس الهدى بالمعنى العام الذي هو إيضاح الحق؛ لأن إيضاح الحق عام للمؤمنين والكافرين، بينما الهداية الخاصة بالمؤمنين فإنما هي الإنعام والتوفيق لاتباع طريق الحق؛ ولذا خص الهدى في هذه الآية بالمؤمنين (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). - (ورحمة) أي هذه القرآن أنزل لأجل الرحمة بالمؤمنين، فهو لهم رحمة في تشريعه، ولهم رحمة في اتباعه، لأن الله يرحم من يتبع دينه، ودين الله رحمة لمن يتبعه، وهي رحمة شاملة عامة في كل مناحي الحياة، منها الجلي البائن، الذي يراها القاصي و الداني، ومنها الخفي الذي لا يشعر بها إلا من رزقه الله الانتباه إلى لطائف رحمته . - لماذا قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؟ قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؛ لأن الهدى سبب في نزول هذه الرحمة. وقد يقول قائل: بل رحمة الله هي السبب في الهداية. وللجواب عن هذا لا بد أن نعرف أن هذه الرحمة المذكورة في الآية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين (ورحمة لقوم يؤمنون)، وليست الرحمة العامة، والرحمة الخاصة بالمؤمنين لا تأتي إلا بعد أن يصبح الإنسان مؤمنا، وكيف يصبح الإنسان مؤمنا؟ يصبح الإنسان مؤمنا بالهداية أولا، ثم تنزل عليه الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ولذا تقدم ذكر الهدى على هذه الرحمة الخاصة؛ لأن الهدى سبب للرحمة، فذكر السبب أولا ثم المسبب. - وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يؤمنون) للإشارة إلى أن الهدى والرحمة إلى من أصبح الإيمان صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم. - وجاء التعبير بالفعل المضارع (يؤمنون) للإشارة إلى أن القرآن هدى ورحمة لقوم يتجدد الإيمان عندهم في الصباح والمساء، ففي صلاتهم تجدد للإيمان، وفي ذكرهم لله تجدد للإيمان، وفي قراءتهم القرآن وفي إطعامهم المساكين، وفي كل عمل بر وخير لهم تجدد لإيمانهم.

стр. 72

(والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (٦٥) المفردات: - آية: علامة ودلالة. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة عظيم جرائم الكفار، وكشفت زيغهم، وأقامت الحجة عليهم، عادت الآيات لتبين وحدانية الله عن طريق بيان عظيم خلقه، كما بينت الآيات عظيم خلقه في أول هذه السورة حتى قوله تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) (١٦). فالله وحده هو الذي أنزل الماء من السحاب، وأخرج بهذا الماء النباتات بعد أن كانت الأرض جرداء ميتة، وفي إنزال الماء من السماء، وفي إحياء الأرض بعد موتها، لدلالة على وحدانية الله ، ولكن هذه الدلالة عند من يسمع كلام الله سماع تدبر وليس سماع إنكار وكفران وإعراض. المعنى التفصيلي: - (والله أنزل من السماء) ابتدأت الآية بذكر لفظ الجلالة (الله) وليس بذكر الضمير "هو" بخلاف الآية العاشرة من هذه السورة (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) حيث ابتدأت الآية بذكر الضمير "هو" الذي يعود على الله ، وليس بذكر الاسم الصريح "الله"، وذلك لأن الآية العاشرة جاءت في سياق آيات بيان عظيم خلقه سبحانه، وقد ذكر لفظ الجلالة في الآية التاسعة، فكأنه أغنى عن إعادة ذكر الاسم الصريح لقرب الذكر، وانظر - بارك الله فيك - في سياق الآيات: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (٩) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (١٠)) أما في هذه الآية (والله أنزل من السماء) فلم يذكر لفظ الجلالة صريحا قبلها، وهذا أولا، وأما ثانيا: فإن في التصريح بلفظ الجلالة تعظيم للخبر المذكور. - (والله أنزل من السماء) أي هو وحده من أنزل الماء من السماء، ولم يشاركه أحد في إنزال الماء، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل "وأنزل الله من السماء" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله، ومن تخصيص تفرده بالأمر، وأنه ليس له شريك سبحانه. - قدم الجار والمجرور (من السماء) في قوله تعالى (أنزل من السماء ماء) للاختصاص، لأن السماء هي مكان نزول الماء. - ومن البدهي أن الماء ينزل من السماء، فلماذا ذكرت (السماء)؟ لقد ذكرت السماء في سياق نزول المطر لاستحضار صورة الماء النازل من السماء، استحضارا يتلازم عند المؤمنين واستحضار النعمة. - (فأحيا) إنه إحياء سريع، فما أن ينزل المطر إلا ويخرج النبات، وتدب الحياة في أوصال الأرض، وهذا ما أفاده العطف بحرف الفاء. - (فأحيا به الأرض) ذكر الجار والمجرور (به) قبل (الأرض)؛ لأن سياق الكلام بداية عن إنزال الماء من السماء. - (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي أحيا به نبات الأرض وأشجار الأرض، وموتها هو عكس هذا، وذكرت الأرض دون ذكر هذه الأشياء؛ لأنها مكان هذه المخلوقات من النباتات والأشجار، فأغنى ذكر الأرض عن ذكر الأشياء. - (إن في ذلك لآية) (إن) ولام الابتداء (لآية) حرفا تأكيد. - (في ذلك) وليس "فيه"؛ للإشارة إلى كل المذكور من إنزال الماء إلى إحياء الأرض بعد إماتتها. - (لقوم يسمعون) والمقصود بالسماع هو لازم السماع، وهو التدبر والوعي، وليس سماع إنكار وكفران وإعراض، أو سماع غفلة وتغافل. - والتأكيد بـ (إن) ولام الابتداء (لآية)؛ للدلالة على أن أمر الاهتداء إلى وحدانية الله من خلال آية إنزال المطر وإحياء الأرض، هو أمر لا يحتاج إلى كبير عناء، فإنه يحتاج إلى سماع تدبر - فقط - حتى يعرف السامع الحق (لآية لقوم يسمعون)؛ لأن آية إنزال المطر وإحياء الأرض به، آية عظيمة ظاهرة باهرة يراها الصغير والكبير، ويدرك استحالة تحكم المخلوق فيها كل من له ذرة عقل. - وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يسمعون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح سماع التدبر صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن سمعوا سماع تدبر مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يسمعون إلا سماع إعراض وإنكار، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن سماعهم متجدد متكرر، وليس سماع واقعة واحدة. - وفي قوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) تعريض بالكفار بأنهم لا يسمعون، وأن هذا هو سبب عدم اتعاظهم بآية إنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - قد يقول قائل: إن آية إنزال الماء وإحياء الأرض آية منظورة بالعين، فلماذا لم يأت نص الآية بـ "لقوم يبصرون"؟! لم يأت نص الآية بـ "لقوم يبصرون"؛ لأن آيات الكون المنظورة تحتاج إلى آيات القرآن المسموعة حتى تعتبر العقول العبرة الصحيحة الكاملة، وأضرب مثلا على ذلك: كلنا يرى آيات الله في الكون، من خلق الإنسان وخلق الحيوان والأشجار والأفلاك ... ، ويعقل الإنسان من هذا الذي أبصره أن للكون خالقا، ولكن من هو الخالق؟ وما هي صفاته؟ وما هي حقوقه علينا؟ إلى غير ذلك من الاستفسارات .. كل هذا لا يجاب عنه ولا نعرف حقيقته إلا عن طريق الوحي، وهو طريق السماع، وكفار مكة كانوا يبصرون هذه المخلوقات، ويرون هذه الآيات الكونية، ويؤمنون أن لهذا الكون خالقا (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) (العنكبوت: ٦١) ولكنهم برغم إيمانهم يشركون مع الله، وسبب هذا الشرك هو أنهم لا يسمعون كلام الله الذي يبين من هو الخالق؟ وما هي صفاته؟ وما هي حقوقه علينا؟ إنه الله الواحد الصمد الذي لا شريك له. هذه الآية (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل: ٦٥) دليل على وحدانية الله ، وليس دليلا - فقط - على أن الله هو الخالق، وما يؤمن به المشركون هو أن الله خالق ولكنه ليس واحدا، ولكن عندما يسمعون آيات الله سماع تدبر يؤمنون بأن إنزال الماء وإحياء الأرض دليل على وحدانيته .

стр. 73

(وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) (٦٦) المفردات: - الأنعام: اسم يطلق على الإبل والبقر والضأن والمعز. - العبرة: ما يتعظ به. - فرث: ما في البطن من الفضلات. - اللبن: هو ما يخرج من ضروع الأنعام، وهو معروف، ولكنه يسمى في بعض البلاد كالأردن وفلسطين: حليبا، ويطلقون اللبن على غيره، فاقتضى التنبيه. - خالصا: نقيا عن أي شائبة أو طعم سوى اللبن. - سائغا: من ساغ يسوغ، أي: سهل دخوله في الحلق. المعنى الإجمالي: وتكمل الآية عرض الأدلة على وحدانية الله من خلال عرض عظيم مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق العظيم إلا من هو أعظم منه. ومن عظيم خلقه هذه الأنعام التي يشرب الإنسان لبنها، وهو لبن أبيض خالص عن الشوائب، سهل شربه. ولكن من أين يتولد؟ إنه يتولد من بين ما في الكرش من الفضلات ومن بين الدم. فسبحان من خلق اللبن الأبيض من غير لونه، وسبحان من خلق اللبن السائغ اللذيذ من الفضلات المقززة ومن الدم النجس!! المعنى التفصيلي: - جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة) معطوفة على جملة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل: ٦٥) أي كما أن في إنزال المطر من السماء وإحياء الأرض عبرة، فإن لكم في الأنعام لعبرة أيضا. - في الالتفات من الغيبة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) إلى الخطاب (وإن لكم) كمال العناية الربانية بنا، ولو قلنا في غير التنزيل "وإن في الأنعام لعبرة " لدل على المراد، ولكنه لم يحمل معاني العناية الربانية بنا (لكم). - في التأكيد بـ (إن) واللام في (لعبرة) مع ما سبق من الالتفات، دلالة على أن العبرة في الأنعام عبرة عظيمة، وأن الاعتبار بها هو حق لازم على هؤلاء العرب الذين يعيشون في بيئة رعوية، ويعتمدون اعتمادا شبه كلي على الأنعام. - (لعبرة) أصل العبرة من العبور، حيث يعبر المعتبر بما علمه من الحالة المشاهدة إلى الحالة غير المشاهد. فالحالة المشاهدة في هذه الآيات هي مخلوقات الله، والتي تعبر بعقولنا إلى الحالة غير المشاهدة أن الله عظيم مستحق للعبادة وحده. - جملة (نسقيكم مما في بطونه) تفسير لجملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، ولم تعطف جملة (نسقيكم مما في بطونه) على جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)؛ وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل". - (نسقيكم) قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي "نسقيكم " بضم النون، وقرأ الباقون بفتح النون. - (نسقيكم) جاء إسناد السقيا إلى الله ، رغم أن الظاهر في مشاهدة الناس أن الذي يحلب الأنعام ويعطي غيره ليشرب هو الساقي، و جاء إسناد السقيا إلى الله ؛ لأن الساقي الحقيقي هو الله، وأما بني البشر فهم يسقون غيرهم على سبيل النقل والحمل، لا على سبيل الإيجاد والإنعام. - جاء النص (نسقيكم مما في بطونه) وليس " تشربون مما في بطونه"؛ لأن في ذكر السقيا إظهار لمنة الله سبحانه علينا؛ لأن المتبادر إلى الذهن عند ذكر الشرب هو فعلنا، وعند ذكر سقيا الله لنا، فإن المتبادر هو نعمة الله علينا. - (مما) في قوله تعالى (مما في بطونه) هي "من" و "ما"، أي: "من الذي"، والمقصود بـ (مما في بطونه) هو: اللبن، و "من" تبعيضية؛ لأن البطن يحتوي على أشياء غير اللبن. - جاء الضمير في (بطونه) مفردا مذكرا نظرا لمعنى الجنس، أي: مما في بطون ما ذكرنا من جنس الأنعام. - وأما ما قيل من أن الأنعام هنا بمعنى النعم، والنعم هي الإبل، والنعم تذكر وتؤنث، ولذلك قال الله (مما في بطونه) وقال في موضع آخر (مما في بطونها) (المؤمنون: ٢١) فأقول: هذا الكلام لا يناسب السياق الذي هو امتنان على البشر بما يشربونه من حليب من الأنعام، وفي القول بأن المقصود بالأنعام هنا الإبل فقط تضييق لدائرة الامتنان، علما بأن توجيه الآية ممكن من غير هذا التضييق الذي ينافي سياق الامتنان، والتوجيه يكون بما ذكرنا آنفا من كون الضمير في (بطونه) عائد على الجنس، وبغير ذلك من الأقوال التي لا داعي للإطالة بذكرها. ومثل هذا كثير، وأضرب مثلا واحدا، وهو قوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت) (الأنعام:٦٨) فعبر عن الشمس التعبير عن المؤنث "أفلت" وعبر عنها التعبير عن المذكر"هذا"، وكان التعبير عن المذكر بمعنى هذا الشيء الطالع. - ما معنى (من بين فرث ودم)؟ الفرث هو ما في البطن من الفضلات. والدم معروف، وقد فسر السابقون كيف يكون اللبن من بين الفرث والدم، وفسروا الآية بما علموا من العلوم، ولا أريد أن أعرج على ما قالوه، لأن المقصود هو بيان معنى الآية لا تتبع الأخطاء. والمقصود من الآية - في ضوء ما توصل إليه العلم لغاية الآن، والله أعلم بالصواب - أن العلف يهضم في المعدة، ثم يصير فرثا، وبعدها ينزل إلى الأمعاء الدقيقة، وبعد ذلك تمتص الخملات المواد الغذائية من الفرث، وهذه هي الخطوة الأولى، ثم يسير الغذاء في الدم، ويمر على الغدد اللبنية، وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد الغذائية من الدم، وبعدها يتكون اللبن، فيتكون اللبن من بين الفرث أولا، ثم من بين الدم. وعلى ما تقدم يكون بيان قوله تعالى (من بين فرث ودم) هو: يتكون اللبن من بين فرث أولا ومن بين دم ثانيا. - (من بين فرث ودم) قدم ذكر الفرث على الدم؛ لأن الاستفادة أولا من الفرث وبعدها من الدم، فهو ترتيب وفق الوجود الطبيعي. - (لبنا خالصا سائغا للشاربين) وهذا الدم المستخلص من الفرث والدم خالص لا يشوبه صفات الفرث ولا الدم، وزيادة على ذلك فإن الله يسر شربه، فهو سهل الشرب ولا يتعسر على الإنسان شربه وبلعه. - ولكن لماذا لم يذكر النص اللبن في البداية، أي لماذا جاء النص بالمبهم أولا (مما في بطونه من بين فرث ودم) ولماذا لم يأت بالمبين بداية، أي: " نسقيكم لبنا خالصا " وبعدها (من بين فرث ودم)؟ والسبب هو أن أسلوب التشويق أبلغ في البيان، فابتدأت الآية بالمبهم تعظيما للأمر وتشويقا، ثم بينت أن ذلك الأمر العظيم في خلقه هو اللبن الذي لا تلتفتون إلى بديع خلق الله فيه. - لماذا قدم (خالص) على (سائغا)؟ قدم (خالص) على (سائغا)؛ لأن الخلوص عن الآفات والشوائب والمضرات، أهم من سهولة البلع، ألا ترى أن الدواء غال مع أنه غير سائغ، وما ذلك إلا لنفعه وخلوصه عن الآفات، وهذا مثل اللبن الخالص، فإنه نافع لما فيه من الفوائد، ولأنه خالص من الآفات. وأيضا، فإن اللبن إن لم يكن خالصا فلا يكون سائغا، لأنه كيف يستسيغ الإنسان بلع اللبن وفيه طعم الفرث أو الدم؟!! - هذه الآية دليل على أن الاستحالة مطهرة، ومعنى الاستحالة، هو: تحول الشيء من مادة إلى مادة، فمثلا: الكلب النجس إذا حرق وصار رمادا، فإن الرماد طاهر وإن كان أصله كلبا؛ لأن جسم الكلب استحال إلى رماد، والرماد مادة أخرى غير جسم الكلب. ومثال هذا هنا أن الدم نجس، ولكنه استحال من دم إلى لبن، فأصبح اللبن طاهرا؛ لأن الدم استحال من مادة إلى مادة أخرى (من بين فرث ودم لبنا خالصا). والاستحالة مطهرة عند الحنفية والمالكية، ويترتب على هذا الأمر أحكام كثيرة، منها استحالة المواد النجسة واستعمالها في شتى الصناعات الغذائية والدوائية، واستحالة المياه العادمة، واستحالة الخلطات العلفية، وكيفية تطهير النجاسات المائعة وغير المائعة، وغير ذلك من المباحث، والتي لا يتسع المقام إلى عرضها.

стр. 74

(ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) (٦٧) المفردات: - النخيل: جمع نخلة. - أعناب: جمع عنب، والعنب جمع عنبة. - السكر: الشراب المسكر. - آية: علامة ظاهرة (دلالة). المعنى الإجمالي: وتكمل الآية عرض نعم الله الدالة على وحدانيته ، فالله هو من يسقينا من ثمرات النخيل والأعناب الشراب وغير ذلك من الأغذية، وهذه السقيا دلالة على وحدانية الله لمن يعقلها. والامتنان بالسكر - وهو الخمر - امتنان بشيء كان مباحا وقت نزول هذه الآيات؛ لأنها آيات مكية وتحريم الخمر كان في المدينة. المعنى التفصيلي: - (ومن ثمرات النخيل والأعناب) الجملة عطف على الجملة السابقة، وتقدير الكلام: "ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب". وقوله تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ليس متعلقا بـ (تتخذون منه سكرا) والمانع من هذا التعلق هو: "من" في قوله تعالى (تتخذون منه سكرا)، ولو كان النص "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سكرا" لاحتمل تعلق الجملة بـ (تتخذون)، ولكن مع وجود "من" في قوله تعالى (تتخذون منه سكرا) فإن الظاهر أن الضمير في منه عائد على ما يسقينا الله من الثمرات. قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: "ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم". - وقيل: إن " ومن ثمرات ": معطوف على الجار " في الأنعام "، وعلى هذا يكون التقدير: وإن لكم في الأنعام لعبرة، ومن ثمرات النخيل لعبرة. وجملة " تتخذون " تفسيرية للعبرة. ولكن هذا ضعيف؛ ولو كان النص "وفي ثمرات النخيل " لكان الاحتمال قويا؛ لأن الاعتبار في السياق القرآني يكون في الشيء لا من الشيء، وانظر إلى قوله تعالى: (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (آل عمران: ١٣) (وإن لكم في الأنعام لعبرة) (النحل:٦٦) (المؤمنون:٢١) (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (النور: ٤٤) (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) (النازعات: ٢٦) - (النخيل والأعناب) ورتبت أنواع الأشجار من الأعلى إلى الأدنى من جهة العمر؛ لأن طول تعمير الشجرة نوع من أنواع النعمة، النخيل يعيش أكثر من الأعناب. وهذا كقوله تعالى في بداية هذه السورة (الآية:١١) (والزيتون والنخيل والأعناب) حيث رتبت أنواع الأشجار من الأعلى إلى الأدنى من جهة العمر؛ لأن طول تعمير الشجرة نوع من أنواع النعمة، فشجر الزيتون يعيش مئات السنين، وشجر النخيل يعيش أقل من شجر الزيتون بكثير، وأما الأعناب فأقلهن عمرا. - وجملة (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) تفسير لجملة (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ولم تعطف جملة (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) على جملة (ومن ثمرات النخيل والأعناب)؛ وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل". - (تتخذون منه) الاتخاذ بمعنى الجعل، أي: تجعلون منه، وهذا ما نسميه في عصرنا بالتصنيع الغذائي. - (سكرا) جمهور العلماء أن السكر هو الخمر، من باب إطلاق المصدر على الاسم، نقول سكر سكرا وسكرا. والامتنان بالخمر على قريش كان قبل تحريمها، فإن هذه الآيات مكية، وإنما حرمت الخمر بالمدينة، فامتن الله سبحانه بما هو مباح وحلال في ذلك الوقت، ولذلك قال تعالى (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) فوصف الله الرزق بالحسن، ولكنه لم يصف السكر بالحسن رغم إباحته في ذلك الوقت؛ لأنه خبيث، وإنما أباحه الله في ذلك الزمن من باب التيسير على الداخلين في الإسلام، لأن عليهم تبعات عظيمة لتغيير واقعهم الجاهلي، ولله الحكمة البالغة، (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (الأنبياء: ٢٣) وروي عن بعضهم أنه نبيذ التمر غير المسكر، أي الماء الذي يوضع فيه التمر ويترك حتى يصبح شرابا حلوا غير مسكر. - (ورزقا حسنا) هو كل ما يتخذ من الحلال من هذه الأشجار، من الخل والدبس وغير ذلك. - (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) (إن) حرف توكيد (في ذلك) اللبن الذي يخرج من بين الفرث والدم خالصا سائغا، وفيما تتخذونه من الشراب والرزق الحسن من النخيل والأعناب (لآية) لعلامة دالة على أن الله الخالق المستحق للعبادة، واللام في (لآية) للتوكيد. - (لقوم يعقلون) وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يعقلون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح استخدام عقولهم صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن استخدم عقله مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يستخدمه، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن استخدامهم لعقولهم متجدد متكرر، وليس بواقعة واحدة. - جاء نص هذه الآية (لقوم يعقلون) بينما جاء في الآية (٦٥) من هذه السورة (لقوم يسمعون) فلماذا اختلاف التعبير؟ اختلف التعبير في الموضعين؛ لأن الموضوع الذي ختم بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) هو موضوع نزول الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة، وهذا الموضوع يدركه القاصي والداني، والصغير والكبير، بل إن الراعي ليشاهد أحداثه وتفاصيله ويعلمه بدقة، ولذلك، فإن هذا الأمر بحاجة إلى توجيه الأذن إليه حتى تعلم ماهيته. بينما خروج اللبن من بين الفرث والدم، لا يعلم حقيقته إلا من أعمل عقله وعلمه.

стр. 75

(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) (٦٨) المفردات: - أوحى: ألهم. - يعرشون: يبنون. المعنى الإجمالي: تتابع الآية عرض نعم الله علينا، وهذه النعمة هي نعمة العسل، حيث ألهم الله النحل أن تتخذ بيوتا لها، من الجبال أو الشجر أو ما يبنيه بنو البشر. المعنى التفصيلي: - (وأوحى) الواو للعطف على ما قبلها، حيث إن هذه الآية حلقة من سلسلة نعم الله المعروضة في هذه الآيات. - والوحي قد يرد بعدة معان، فقد يراد به الإلهام (وأوحى ربك إلى النحل) (النحل: ٦٨)، أو تكليم الملك للنبي، ومنه يطلق الوحي على الموحى به، وقد يراد به الإشارة (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (مريم: ١١). وهنا يراد به الإلهام، وهذا الإلهام يظهر لنا بصورة غريزة أودعها الله سبحانه في هذه الحشرة الضعيفة، فهي تسير وفق نظام دقيق، وهذا النظام لا يأتي هكذا، إنما هو الإلهام والإرشاد الرباني، وهذا الإرشاد الرباني لهذه الحشرة الضعيفة كون مملكة تسمى "مملكة النحل"، والتي إن قرأ أحدنا عن النظام المتبع فيها، لعلم أنها آية من آيات الله ، وأنها بحاجة إلى تفكر وتدبر. - (ربك) فيه تأنيس للنبي ﷺ ؛ حيث خاطب الله النبي ﷺ في سياق بيان النعم. - وجاء التعبير بـ "الرب" وليس "الإله" لما في كلمة (رب) من معاني العناية والرعاية، وهي أنسب في سياق الإلهام والعناية لهذا المخلوق الضعيف " النحل". - (النحل) لعله سمي نحلا؛ لأنه ينحل الناس العسل نحلة، أي عطية بلا قصد عوض، أي بدون مقابل، قال تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) (النساء: ٤) أي عطية بدون مقابل. - والنحل يذكر ويؤنث، وقد أنث في قوله تعالى (أن اتخذي من الجبال بيوتا)، وأما من ذكر النحل، فكان بناء على لفظه، ومن أنثه، فبناء على أنه جمع نحلة. - (أن) في قوله تعالى (أن اتخذي) تفسيرية، أي لما سبق من الإيحاء. - (من) في قوله تعالى (من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) للتبعيض؛ لأن النحل تتخذ من بعض الجبال بيوتا، ومن بعض الشجر، ومن بعض الأماكن المبنية. - (يعرشون) أي يبنون من أسوار وسقف وبيوت، سواء كانت معدة للنحل أوغير ذلك. - وقرأ جمهور القراء (يعرشون) بكسر حرف الراء، وقرأه ابن عامر بضمها (يعرشون). - ولكن لماذا قدم ذكر الجبال على الشجر وبعدها ما يعرشه البشر (من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)؟ قدم ذكر الجبال على الشجر وبعدها ما يعرشه البشر؛ ربما لسهولة الاتخاذ وتوفره، فمجال الاتخاذ من الجبال أوسع منه في الأشجار، لأن من الجبال ما فيه شجر، وما ليس فيه شجر، أما الأشجار فإنها أقل انتشارا من الجبال، وأما ما يبنيه البشر من البنيان، فليس من السهولة بمكان أن يجد النحل له مكانا لبيته، فلا بد أن يبحث كثيرا فيما يعرشه بني البشر حتى يجد له موطئ قدم. والله أعلم.

стр. 76

(ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (٦٩) المفردات: - اسلكي: فعل أمر، وهو من سلك، أي: ذهب في الطريق. - سبل: جمع سبيل، وهو: الطريق. - ذللا: جمع ذلول، أي مسخرة. - آية: علامة ظاهرة (دلالة). المعنى الإجمالي: هذه الآية تكملة لبيان الآية السابقة حول موضوع إيحاء الله للنحل، وموضوع نعمة العسل. فقد أوحى الله للنحل أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي هيأها الله سبحانه منقادة لأمره؛ كي تجمع ما تحتاجه لإنتاج العسل. وهذا العسل الذي يخرج من بطون النحل، بألوان متعددة، جعل الله سبحانه فيه للناس شفاء، وهذه آية دالة على عظيم خلق الله، ولكن لقوم يتفكرون في آيات الله. المعنى التفصيلي: - حرف (ثم) في قوله تعالى (ثم كلي) ليس للتراخي، وإنما هو للترتيب الرتبي، حيث إن الأكل من الثمرات، وإنتاج العسل أعلى وأرقى من مجرد اتخاذ البيوت؛ لأن كثيرا من الحشرات تتخذ بيوتا، ولكن هذا الترتيب بـ (ثم) يدل على علو منزلة إنتاج العسل؛ لعلو فائدته. - (من كل الثمرات) إنه باب مفتوح أمام النحل لتأكل من كل الثمرات، ليكون العسل جامعا لكل الفوائد، والمقصود بالثمرات هو زهورها؛ وإطلاق الثمر على الزهور باعتبار ما كان، واعتبر الزهر ثمرا في حق النحل؛ لأنه يستخلص فوائد الثمرة عن طريق أكل ما في الزهرة، فكأن النحل جمع الثمرة. - (فاسلكي سبل ربك ذللا) ألهم الله النحل أن يجمع الرحيق، وسهل له طرق السير، والسبل جمع سبيل، وهو: الطريق. والفاء في كلمة (فاسلكي) للتفريع؛ لأن سلوك النحل للسبل متفرع عن الإيحاء للنحل بأن تأكل من كل الثمرات. - (سبل ربك) وإضافة السبل إلى ربنا ، هي إضافة عناية ورعاية، لما في كلمة " الرب" من معاني العناية والرعاية، فالنحل يقطع المسافات البعيدة باحثا عن الأزهار؛ ولأن الله ذلل له طرق جمع الرحيق، فإنه لا يضل في بحثه عن الرحيق، ولا يضل في رجوعه إلى بيته، رغم المسافات الشاسعة، بل يرجع إلى بيته ذاته، ولا يضل بدخوله بيتا لخلية نحل أخرى. - (ذللا) جمع ذلول، ومعناها المسهلة المسخرة، ويحتمل أن يكون حالا من السبل أنها مسهلة، أو حالا من النحل أي منقادة مطيعة. - (يخرج من بطونها شراب) في الآية التفات من الخطاب (كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا) إلى الغيبة (يخرج من بطونها شراب)؛ لأن الأكل والسلوك وجمع الرحيق من عمل النحل وجهده، ولذا ألهم النحل فعله، بينما خروج العسل من بطون النحل إنما هو أمر آخر لا شأن للإيحاء به؛ لأنه أمر خلقي في جسم النحلة. - (مختلف ألوانه) أي العسل، وذلك بناء على اختلاف الثمرات التي جمع منها الرحيق - (فيه) أي العسل (شفاء للناس)، وكلمة (شفاء) نكرة في سياق الإثبات، فدلت على الإطلاق، ولذا فإن (شفاء) لا تحمل دلالة العموم، والفرق بين عموم المطلق وعموم العام، أن عموم المطلق بدلي، وعموم العام شمولي؛ ولذا فإن العسل شفاء، ولكنه ليس لكل مرض في الدنيا؛ لأنه مطلق وليس عاما. ومعنى هذا الكلام أنه لو كانت دلالة (شفاء) عامة، لشمل العموم كل الأمراض، ولكن دلالة (شفاء) مطلقة، أي أن العسل يطلق عليه (شفاء) باعتبار شفائه بعض الأمراض لا كلها. وأما حديث (البخاري: ٥٢٧٧) عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه فقال إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال صدق الله وكذب بطن أخيك وفي رواية (البخاري: ٥٢٥٢) و (مسلم: ٤١٠٧): فسقاه فبرأ. ومعنى استطلق: أي أصابه الإسهال. وهذا الحديث دليل على أن العسل علاج لهذا النوع من المرض، وليس دليلا على أنه علاج لكل مرض. إذن فالعسل شفاء للناس، أي لبعض أمراضهم. - (إن في ذلك لآية) (إن) حرف توكيد (في ذلك) أي: الإيحاء بأن جعل الله سبحانه من هذه الحشرات الضعيفة مملكة منظمة، وأن أخرج من بطونها دواء يحتاج البشر لأن ينتجوا مثله إلى معامل ومختبرات ومصانع، كله يخلقه الله سبحانه في بطن هذه الحشرة. - (لآية) لعلامة دالة على أن الله الخالق المستحق للعبادة، واللام في (لآية) للتوكيد. - (لقوم يتفكرون) وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يتفكرون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح التفكر صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن تفكر مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يتفكرون، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن تفكرهم متجدد متكرر، وليس بواقعة واحدة. وقفة لابد منها: - وقد يسأل سائل عن الرابط الذي يربط الآيات الخمسة الواردة في بيان نعم الله للتدليل على استحقاقه للعبادة وحده، وهذه الآيات هي: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (٦٥) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (٦٦) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (٦٧) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (٦٨) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (٦٩)) والرابط بين هذه الآيات هو أن الآية الأولى صورة لسماء تقطر ماء. والآية الثانية: صورة لأنعام تقطر لبنا. والآية الثالثة صورة لثمار تقطر شرابا. والآية الرابعة والخامسة: صورة لنحل يقطر عسلا. ويتكون من هذه الصور الأربعة صور رائعة لنعمة الأشربة، فهي أشربة يحتاجها الإنسان، وعن الطريق التفكر فيها يعلم العبد فينا أن الله سبحانه مستحق للعبادة وحده. - وتأمل معي بارك الله فيك! فإن الآية التي تتحدث عن الأنعام ذكرت موضوع اللبن؛ لانتظام السياق عن الشراب في صوره الأربعة، بينما تتحدث آية أخرى عن الأنعام في نفس السورة ولكن في سياق آخر، إنه سياق اللباس والبيوت وأكنان الجبال، ولذا جاء الحديث فيها عن جلود الأنعام وأصوافها وأوبارها، لا عن ألبانها، وانظر - بارك الله فيك -إلى الآيات وتأمل: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (٨٠) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (٨١)) (النحل) - ولكن لماذا جاء بيان الصور الأربعة في الآيات الخمسة (النحل: ٦٥ - ٦٩) على هذا الترتيب؟ جاء الحديث أولا عن نزول الماء من السماء؛ لأن نفعه عام ومهم ولا يستغني عنه بشر، ويدرك كلنا هذه النعمة حتى الراعي في الصحراء. وجاء الحديث عن الأنعام ثانيا؛ لأنها الأهم بعد الماء للعرب الذين خاطبهم القرآن ابتداء. وجاء الحديث عن الثمار بعدها؛ لأن العرب يعتمدون على الثمار ولكن بمرتبة تأتي بعد الأنعام. وأما الحديث عن النحل، فجاء متأخرا؛ لأن حاجة العرب إلى العسل هي حاجة تكميلية، وليست أساسية كالماء واللبن وشراب الثمار. - وقد جاء ختم الآية التي تتحدث عن إنزال الماء وإحياء الأرض بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون)؛ لأن الاعتبار بهذه الآية متيسر للجميع، فالماء أساس الحياة، وهذا لا يجهله أحد، فيكفي السماع الواعي لينبهنا على آية نزول المطر وإحياء الأرض به. وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن كيفية تكوين اللبن، وعن تصنيع الثمار بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون)؛ لأن البحث في كيفية تكوين اللبن من بين فرث ودم، هو بحث يحتاج إلى إعمال العقل في البحث العلمي، ولا يقدر عليه أي أحد. وكذلك، فإن اتخاذ أشكال متنوعة من الرزق الحسن من الثمر؛ كالخل والدبس وغيرهما مما يكثر تعداده، يحتاج إلى إعمال العقل؛ لأن مجال العبرة عند من يباشر التصنيع أكبر منه عند من يأخذ المنتج جاهزا دون النظر إلى مراحل الاستفادة من الثمار. - وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن إيحاء الله للنحل وعن نعمة الشفاء في العسل بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)؛ لأن إدراك أثر الإيحاء الرباني للنحل يحتاج إلى تفكر ولكن ليس بدرجة فهم كيفية خلق اللبن من بين فرث ودم؛ حيث يدرك كل من باشر تربية النحل أثر الإيحاء الرباني في حياة النحل، ويعرف شفائية العسل كل من جربه، فهي آية تحتاج إلى تفكر. وأما التعبير بـ (لقوم يعقلون) فيحتاج إلى إعمال العقل أكثر، لأن آية الأنعام تتحدث عن كيفية تكوين اللبن لا عن أنه مفيد، وكيفية التكوين تحتاج إلى إعمال للعقل بدرجة عالية، ولم يعرف البشر - في حدود ما اطلعت عليه - كيفية هذا التكوين على الوجه التفصيلي العلمي إلا في هذا الزمن. وكذلك الآية التي تتحدث عن الاتخاذ من الثمرات، يعني التصنيع، ختمت بقوله تعالى (لقوم يعقلون)؛ لأنها لا تتحدث عن أكلها فقط، حيث إن تصنيع الغذاء من الثمار ما زال متطورا بتطور العلم، ولم يقف تطوره من زمن نزول الآيات إلى الآن، فكلما زاد العلم زاد تطور التصنيع الغذائي، وكلما زاد تطور التصنيع الغذائي، كانت العبرة أكبر.

стр. 77

(والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير) (٧٠) المفردات: - أرذل العمر: أردأ العمر وأسوؤه. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة مظاهر قدرة الله الدالة على استحقاقه للعبادة وحده، تكمل هذه الآية بيان قدرة الله بتصرفه بحياتنا، لبيان أن تصرفه هو أوضح دليل على عبوديتنا، وأنه الرب المعبود وحده. فالله وحده من خلقنا، وبعدها يميتنا، وقد يبقي بعض الناس ليعمروا حتى يصلوا أسوأ مراحل العمر من الهرم والضعف الخرف، حيث يأخذ الله سبحانه ما آتاهم من علم، وكل هذا بدون إرادتنا وبدون موافقتنا؛ والله عليم بما يفعل، قدير على إمضاء ما أراد. المعنى التفصيلي: - (والله خلقكم) أي هو وحده من خلقكم، ولم يشاركه أحد في الخلق، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل " خلقكم الله" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله، ومن تخصيص تفرده بالخلق، وأنه ليس له شريك سبحانه. - (ثم) في قوله تعالى (ثم يتوفاكم) للتراخي؛ لأن بين الخلق والتوفي أجل. - جاء التعبير عن الخلق بصيغة الفعل الماضي (خلقكم)، بينما جاء التعبير عن التوفي بصيغة الفعل المضارع (يتوفاكم)؛ لأن خلق المخاطبين تم وانتهى الأمر، فناسب ذلك التعبير بالماضي، بينما موتهم سيأتي تبعا، فناسب ذلك التعبير بالمضارع، والذي يدل على الحاضر والمستقبل، ويدل على تجدد موتهم واقعة بعد واقعة حتى لا يبقى منهم أحد. - (ومنكم من يرد) جاء إسناد الفعل (يرد) بصيغة البناء لما لم يسم فاعله، بينما لم يأت إسناد فعل الخلق والتوفي بصيغة الفعل الذي لم يسم فاعله؛ وذلك لأن الرد إلى أرذل العمر شيء غير مستحسن عند البشر، بل إنهم ليتمنون الموت ويعتبرونه نعمة إذا ما خيروا بينه وبين الرد إلى أرذل العمر، فكان الأنسب إسناد فعل الرد إلى الله سبحانه بهذه الصيغة. ولكن قد يقول قائل لماذا جاء بناء التوفي بصيغة ما لم يسم فاعله (ومنكم من يتوفى) في سورتي (الحج: ٥) و (غافر: ٦٧)؟ وللرد على هذا لا بد أن نعرف أن السياق في سورتي (الحج: ٥) و (غافر: ٦٧) هو سياق إبراز مراحل حياة الإنسان من التراب والنطفة إلى العلقة إلى خلقه طفلا، وفي هذا السياق المشرق بالحياة تأتي صيغة التوفي بصيغة ما لم يسم فاعله؛ ليناسب سياق بيان نبض الحياة في الإنسان، بينما تأتي صيغة التوفي في هذه الآية (النحل: ٧٠) بصيغة صريحة بأن الله هو الخالق المتوفي؛ لأن سياق الآية هو بيان قدرة الله في التصرف بحياتنا، وإثبات وحدانيته واستحقاقه للعبادة عن طريق بيان عبوديتنا. وانظر في سورة (الزمر: ٤٢) كيف جاءت صيغة التوفي (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الزمر:٤٢) لقد جاءت الصيغة بهذه القوة؛ لأن السياق سياق تقريع للمشركين. - (أرذل العمر) أي أردؤه وأسوؤه، والعمر من جهة أنه زمن لا ينسب إليه أنه أحسن وأرذل، ولكنه ينسب إلى العمر الحسن والرداءة بالنسبة لحال صاحب العمر. - ولكن كم هو مقدار السن التي يقال عنها (أرذل العمر)؟ قيل: خمس وسبعون، وقيل: غير ذلك، ولكن أرذل العمر لا يحد بمقدار معين، بل المقصود به بلوغ الإنسان الكبر والهرم، وإصابته بالخرف وضعف العقل مع ضعف البدن، وهذه الحال تختلف من شخص إلى شخص، ومن زمن إلى زمن، بل ومن بلاد إلى بلاد، وكل ذلك وفق مؤثرات نفسية أو جسمية أو وراثية أو غير ذلك. - (لكي لا يعلم) قيل: اللام للتعليل، وقيل: للصيرورة. ولام التعليل تعني أن الذي رد إلى أرذل العمر، رد لأجل أن لا يعلم شيئا مما كان علمه، ولا يقدر على أن يتعلم شيئا. ولام الصيرورة، وهي لام العاقبة، تعني أن الذي رد إلى أرذل العمر، كانت نهايته أن لا يعلم شيئا مما كان علمه، ولا يقدر على أن يتعلم شيئا، وليس أنه رد لأجل أن لا يعلم شيئا. ومن أمثلة لام العاقبة في القرآن قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) (القصص: ٨) فآل فرعون ما التقطوا موسى ﵇ لأجل أن يكون لهم عدوا، وإنما كان عاقبة التقاطهم هو أنه أصبح لهم عدوا، فلام العاقبة هي لام النتيجة. ولكن كون (لكي) للتعليل أرجح؛ لأن الله سبحانه يعلم ما يفعل، وما هي نتيجة فعله، ولذا ما رد من رد إلا لأجل أن لا يعلم شيئا. - ولكن لماذا رد من رد إلى أرذل العمر؟ تختلف الحكمة باختلاف الأشخاص، ففي حق بعض الناس هو كفارة ذنوب، وفي حق بعضها عقاب في الدنيا قبل الآخرة، وهذا الأمر شأنه شأن أي بلاء في الدنيا، فقد يصيب البلاء شخصا فيكون في حقه كفارة من الذنوب، وقد يصيب شخصا آخر فيكون عقابا له في الدنيا قبل الآخرة. - (لا يعلم بعد علم شيئا) نكرت كلمة (علم)، لأن المقصود بالعلم هنا أي علم من العلوم التي يتعلمها البشر، بغض النظر عن تحديد ماهيته. - في قوله تعالى (بعد علم) تأكيد لعجيب قدرته تعالى، وتنصيص على قدرة الله بنزع العلم الذي أعطاه للإنسان رغما عن أنفه، وانظر - بارك الله فيك - إلى قوله تعالى (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) وبين قولنا في غير التنزيل " لكي لا يعلم شيئا"، وبهذه المقارنة يتضح الفرق. - (لا يعلم بعد علم شيئا) كان هذا الإنسان المردود إلى أرذل العمر ذا علم، ولكنه أصبح عند أرذل العمر لا يعلم شيئا، وذلك بعد أن كان عالما، و (شيئا) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، أي أصبح هذا الذي فقد عقله لا يعلم أي شيء كان، وهذه الحالة أسوأ الحالات، وأرذل العمر يقصد به هذه الحالة التي يفقد فيها الإنسان عقله؛ لأن نص الآية (أرذل العمر) وليس "رذيل العمر"؛ لأن "أرذل" صيغة تفضيل، فهو أسوأ العمر، لا سيء العمر. - ولأجل سوء أرذل العمر كان يتعوذ منه النبي ﷺ دبر الصلاة، فقد روى (البخاري: ٢٦١٠) أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. - وكما أنه يوجد في حياة البشر مرحلة هي الأسوأ من العمر، فهناك مرحلة في حياة البشر هي الأحسن من العمر، فإذا اعتاد المسلم عمل الخير وهو حسن الصحة والحال، آتاه الله نفس الأجر إذا ساءت صحته وحاله، فقد قال رسول الله ﷺ إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا (البخاري: ٢٧٧٤). - وقد يقول قائل: ما الفرق بين التعبير بـ"ينسى" و (لا يعلم بعد علم شيئا)؟ الفرق بينهما، أن الناسي قد يتذكر، ولكن من يرد إلى أرذل العمر لا سبيل ليعود إليه علمه. - في الآية صورتان متقابلتان تبينان قدرة الله ، خلق وإماتة، إيتاء العلم ونزعه، وهذه الصور المتقابلة - والتي بينها بون عظيم - تدل على عظيم كمال تصرفه فيما يشاء كيف شاء. - (إن الله عليم) بهذا التصريف (قدير) على فعل ما يريد. - لماذا ذكرت كلمة (عليم) قبل ذكر كلمة (قدير)؟ ذكرت كلمة (عليم) قبل ذكر كلمة (قدير)؛ لأنه لا بد أن يسبق العلم الفعل حتى يكون صوابا. - لماذا ذكرت هذه الخاتمة في هذه الآية (عليم قدير) دون غيرها من الخاتمات؟ ذكرت هذه الخاتمة في هذه الآية (عليم قدير) دون غيرها من الخاتمات؛ لأن في الآية بيان كمال الله، وبيان نقص العباد، فالله عليم، ولكن الإنسان ليس عليما، بل أعطاه الله الله العلم بقدرته سبحانه، وهو سبحانه قادر على أن يسترد العلم من الإنسان كما أعطاه حتى (لا يعلم بعد علم شيئا). وختمت الآية بـ (قدير)؛ لأن الله هو وحده القدير، وأما قدرة البشر فهي عطاء من الله سبحانه يعطيه متى شاء ويسترده متى شاء (والله خلقكم ثم يتوفاكم).

стр. 78

(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون) (٧١) المفردات: - رادي رزقهم: معطي ما يملكون. - ملكت أيمانهم: عبيدهم وإماؤهم. - يجحدون: أي ينكرون ما يعرفون ثبوته. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات بيان وحدانيته عن طريق ضرب المثل؛ ليقيس عليه أصحاب العقول. فالله فضل بعض البشر على بعض بالرزق، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم السيد ومنهم العبد، وهذا التفضيل ليس خاضعا لإرادتهم، بل هو وفق إرادة الله وحده. وبناء على أن الله سبحانه فضل بعضنا على بعض في الرزق، فإن الذين أغناهم الله لن يعطوا عبيدهم ما لديهم من ممتلكاتهم حتى يصبح عبيدهم أغنياء مثلهم. فإذا كان المشركون لا يرضون أن يصبحوا وعبيدهم سواء، فكيف يرضون أن يجعلوا الخالق والمخلوقين سواء، فيشركوا مع الله ﷻ ؟!! المعنى التفصيلي: - (والله فضل بعضكم على بعض) الواو واو العطف، ومعنى العطف هنا، أن الله سبحانه هو المتصرف بالخلق والإماتة والرد إلى أرذل العمر، وكل هذا يقع قهرا عن البشر، وهو أيضا أعطى بعض البشر من الرزق أكثر من الآخرين، وهذا التفضيل - أيضا - ليس وفق هوى البشر وإرادتهم، بل هو قهر وجبر عليهم. ومن مظاهر جبرية الرزق أنه قد يكون الجهول غنيا والعالم فقيرا. قال ابن الوردي في لاميته المشهورة: كم جهول بات فيها مكثرا ... وعليم بات منها في علل كم شجاع لم ينل فيها المنى ... وجبان نال غايات الأمل فاترك الحيلة فيها واتكل ... إنما الحيلة في ترك الحيل فكم ممن اتخذ أسباب الرزق ولكن الله ضيق عليه، وكم ممن تخبط في طلب الرزق تخبطا دون أسباب منطقية، ولكن الله وسع عليه؛ لأن الله هو من قسم الرزق سبحانه، قال تعالى (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون) (الزخرف: ٣٢) - (والله فضل) أي هو وحده فضل بعضكم على بعض في الرزق، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل "وفضل الله" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله ، ومن تخصيص تفرده بالتصرف بالتفضيل، وأنه ليس له شريك سبحانه. - (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) وهذا التفضيل ليس تفضيلا مطلقا، بل هو تفضيل في شيء خارجي، لا أثر له في قيمة المرء أو قدره عند الله ، فهؤلاء الكفار اعترضوا على بعث النبي ﷺ لأنه ليس من الأغنياء (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: ٣١)، فأنكر الله عليهم اعتراضهم بقوله: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (٣٢) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (٣٣) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (٣٤) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (٣٥)) (الزخرف). فالتفضيل ليس بناء على الرزق، وإنما التفضيل في الرزق، والتفضيل في الرزق لا يلزم منه تفضيل المرء؛ لأن الرزق ابتلاء، وأما من يظن أن الغنى إكرام وقلة الرزق إهانة، فليعلم أن الله أبطل هذا بقوله: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (١٥) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (١٦) كلا بل لا تكرمون اليتيم (١٧) (الفجر) ومعنى (كلا) أي، ليس الأمر كما يظن الإنسان، فإن الإكرام بطاعة الله، والإهانة بمعصيته، وليس بالمال والغنى. - (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) هذه الجملة تفرعت عن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)، أي أن الله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فأنتم الآن متفاضلون فيه، وبناء على هذا التفضيل، فإن الذين فضلوا بالرزق لن يعطوا من لم يفضل بالرزق نصيبهم؛ ليصبح المفضل بالرزق وغير المفضل سواء، فكيف تسوون الله بعباده، وأنتم لا تحبون أن تستووا وعبيدكم؟! ولكن الأمر إنما هو جحود منكم بما أنعم الله عليكم من النعم (أفبنعمة الله يجحدون)؟! - (فما الذين فضلوا برادي) فالفاء للتفريع، و"ما" نافية، والباء في (برادي) هي للتوكيد، وتأتي في خبر "ما" النافية وخبر "ليس". - (فهم فيه سواء) هذه الجملة فرعت عن جملة (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) أي: لن يعطي أصحاب الأرزاق أرزاقهم لعبيدهم فيصبحوا فيه سواء. - (أفبنعمة الله يجحدون) الهمزة في (أفبنعمة) للاستفهام، وهذا الاستفهام إنكاري، ومعناه: إنهم بمساواتهم الله بالأصنام يجحدون نعمة الله عليهم، إذ كيف لا يرضون أن يستووا مع عبيدهم، وبالمقابل يساوون بين الله المنعم سبحانه ومخلوقاته؟! فما هذا الشرك إلا جحود بنعمة الله. - (أفبنعمة الله يجحدون) قدم ذكر "نعمة الله" على "يجحدون"،؛ وذلك لإبراز أن الإنكار متجه إلى كون الجحود متعلق بنعمة الله، وليس إلى مجرد الجحود فقط. وانظر - بارك الله فيك - إلى الفرق بين قوله تعالى (أفبنعمة الله يجحدون) وبين قولنا في غير التنزيل "أفيجحدون بنعمة الله": فقولنا في غير التنزيل "أفيجحدون بنعمة الله" يعني: إنكار الجحود بنعمة الله، بينما قوله تعالى (أفبنعمة الله يجحدون) يعني: إنكار الجحود بنعمة الله، ويعني شيئا آخر، وهو: أن نعمة الله دون غيرها من الأشياء ليست محل جحود بحال من الأحوال، ولا يتصور أن يكون الجحود بنعمة الله بشكل خاص، فكيف يجحد هؤلاء بنعمة الله، وذلك بإشراكهم مع الله سبحانه. وهذا ما يعنيه تقديم "نعمة الله" على "يجحدون"، فالاستنكار منصب على كون الجحود متجها إلى نعمة الله التي لا يتصور إنكارها، لا إلى مجرد الجحود فقط. - من المفسرين من قال: إن جملة (أفبنعمة الله يجحدون) متفرعة عن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)، أي أن الله أنعم على الكفار بالرزق ولكنهم عبدوا غيره وكفروا بنعمته. وعلى هذا يكون قوله تعالى (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء) معترضا بين قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) وبين قوله تعالى (أفبنعمة الله يجحدون). ولكن الراجح أن قوله تعالى (أفبنعمة الله يجحدون) متفرع عن قوله تعالى (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء)، أي أن الله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فأنتم الآن متفاضلون فيه، فإن الذين فضلوا بالرزق لن يعطوا من لم يفضل بالرزق نصيبهم؛ ليصبح المفضل بالرزق وغير المفضل سواء، فكيف تسوون الله بعباده، وأنتم لا تحبون أن تستووا وعبيدكم؟! (أفبنعمة الله يجحدون) بأن أشركوا مع الله غيره وكفروا بنعمته . ولكن ما الدليل على أن الراجح أن قوله تعالى (أفبنعمة الله يجحدون) متفرع عن قوله تعالى (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء) وليس أن جملة (أفبنعمة الله يجحدون) متفرعة عن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)؟ الدليل هو أن سياق الآيات إنما هو سياق إنكار للشرك، ودعوة لتوحيد الله سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده - وارجع إن شئت لما سبق هذه الآية من الآيات ولما بعدها - والذي يناسب هذا السياق هو القول بأن موضوع هذه الآية (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون) (النحل:٧١) إنما هو موضوع إنكار للشرك، ودعوة لتوحيد الله سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده. والقول بأن موضوع الآية هو إنكار للشرك، ودعوة لتوحيد الله سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده يوجهنا إلى أن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) مسوق لأجل تقرير حقيقة وهي (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء) وبناء على هذه الحقيقة يأتي إنكار ما فيه الكفار من الشرك وأنه كفران بنعمة الله سبحانه (أفبنعمة الله يجحدون). ولكن القول بأن جملة (أفبنعمة الله يجحدون) متفرعة عن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) تقتضي أن قوله تعالى (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) ليس مسوقا لأجل (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء)، مما يعني أن موضوع الآية هو التفضيل في الرزق، وأما موضوع إنكار الشرك فليس هو الموضوع الرئيسي في الآية، وهذا القول مخالف للسياق. - (يجحدون) الجحود هو إنكار ما يعرف ثبوته، قال تعالى حاكيا حال فرعون وقومه في مقابلة معجزات موسى ﵇ (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) (النمل: ١٤) فهم استيقنوا أن هذه الآيات من الله ، ولكن رغم معرفتهم هذه جحدوا بها. - وجاء التعبير بالفعل المضارع (يجحدون) وليس بالماضي؛ لأن جحود الكفار متجدد لا يتوقف منذ ذلك الوقت وقبله وإلى الآن وبعد الآن. - أخرت الكلام عن معنى الرزق؛ لأن بيان المعنى محتاج لتفسير الآية كاملة، وذلك حتى يتضح المراد جليا. ومعنى "الرزق" في اللغة هو: ما ينتفع به من المال والطعام والجاه والعلم، ويقال للعطاء، دنيويا كان أم أخرويا؛ ولأجل هذا المعنى اللغوي قال بعض المفسرين بأن الجاه والعلم داخل ضمن مفهوم الرزق في هذه الآية. ولكن المقصود به في هذه الآية هو الممتلكات المنقولة وغير المنقولة، ولا يدخل في ذلك الجاه والعلم؛ لأن الآية تتكلم عن شيء يستطيع الكفار رده على ما ملكت أيمانهم ولكنهم لم يردوه، لا لأنه شيء ليس بمقدور البشر رده، وإلا لما قامت الحجة عليهم، بل هو شيء بمقدورهم رده ولكنهم لا يريدون رده كي لا يتساووا وعبيدهم، وهذا ينطبق على الأموال المنقولة كالذهب والفضة، وغير المنقولة من البنيان والمزارع والأراضي وغيرها.

стр. 79

(والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون) (٧٢) المفردات: - حفدة: ومفردها: حافد، والحافد هو المعين، ومعناه هنا: ذرية البنات والأبناء. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات عرض نعم الله الدالة على أنه المستحق للعبادة وحده . فالله وحده جعل لنا أزواجا لنسكن إليها، وجعل لنا من الأزواج بنين، وجعل لنا منهن أيضا أولاد الأولاد. ورزقنا مع نعمة الأزواج والذرية - الطيبات، ورغم هذه النعم فإن المشركين لم يشكروا هذه النعم، بل آمنوا بالباطل، وكفروا بالله سبحانه، وإن هذا لمن عجيب الأمر أن يكفر المنعم ويعبد الباطل. المعنى التفصيلي: - (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي هو وحده الذي جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ولم يشاركه أحد في الخلق، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل "وجعل الله لكم" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله سبحانه، ومن تخصيص تفرده بالتصرف بالخلق، وأنه ليس له شريك سبحانه. - (جعل) لها عدة معان، ومعناها هنا هو: إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه كما في هذه الآية (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فالأزواج لم تخلق ابتداء بل جعلت من أنفسنا. وتأمل معي - بارك الله فيك - في قوله تعالى (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) (النحل: ٨١) فالله خلق الأشياء وخلق الظلال، ولكن خص إيجاد الظلال بـ "جعل"؛ لأنه إيجاد شيء من شيء، حيث أوجد الظلال من إيجاد الأشياء، ويطلق الخلق على الجعل أيضا، قال تعالى (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) (النساء: ١) فالله خلق المرأة من الرجل، وبالأخص من ضلعه الأعوج، وأول امرأة في البشرية هي أمنا حواء، فهي من خلقت من ضلع أعوج، وضلع الرجل الأعوج وقتها هو آدم، فأزواجنا خلقت من ضلع أنفسنا باعتبار الأصل: آدم وحواء. وعلى هذا فإن (من) في قوله تعالى (من أنفسكم) تبعيضية. قال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) (النساء: ١) فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) (البخاري: ٣٠٨٤) (مسلم: ٢٦٧١) - (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) ذكرت (لكم) من باب العناية والرعاية. - الخطاب في الآية موجه إلى الرجال؛ لأنه - كما علمت بارك الله فيك - أن معنى (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أن الله خلق حواء من آدم، فعلى هذا فالخطاب موجهة للرجال. - لكن لما خص الرجال دون النساء في هذه الآية؟ خص الرجال دون النساء في هذه الآية؛ لأن هذه النعمة خاصة فيهم، وهذا أولا. وثانيا - وهو الأهم - أن الجنس المؤثر في الناس المخاطبين ابتداء (العرب) هم الرجال، فهم من ينصبون الأصنام، وهم من يدعون الناس إلى عبادتها، ونساؤهم في نهاية الأمر تبع لهم، ولذا خاطبهم بما أنعم عليهم؛ لأنهم هم أصحاب القيادة والمسؤولية الكبرى، وهم من يلقى عليهم اللوم أولا. - ومن عجيب الأمر أن أحدهم قال لي: إن زوجة كل واحد منا خلقت منه، ومن عجيب الأمر كذلك أنه استدل بالآية الكريمة (جعل لكم من أنفسكم أزواجا). فقلت له: معنى هذه الآية أن الله خلق حواء من آدم، وذكرت له قوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) (النساء: ١) وبينت له معناه، ولكنه لم يقتنع. فقلت له شيئا آخر حتى اقتنع بأن مقولته خطأ، قلت له: إذا تزوجت المرأة رجلا فهل خلقت منه؟ فقال: نعم، فقلت له: وطلقها هذا الرجل وتزوجت من بعده، فمن أي الرجلين خلقت؟ بل افترض أنها تزوجت خمس مرات، فمن أي الرجال خلقت؟ فاقتنع أن تفسيره لقوله تعالى (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) كان خطأ، ولم أذكر هذا الأمر لأجل نقاش جانبي مع أحد الناس، بل كان في المجلس أناس كثيرون ناصروا هذا الرجل، وأخبروا أن هذه المعلومة متوارثة عندهم. - (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) قدم الجار والمجرور (من أزواجكم)؛ لأن النعمة التي امتن الله بها في الجملة الأولى هي الأزواج (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) وهذه الجملة (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) جاءت مبينة لنعمة الأزواج، فناسب تقديمها للاهتمام بها وإظهارها عليها. وهناك فائدة أخرى لهذا التقديم وهي بيان عجيب هذه النعمة، وهو جعل الأزواج من أنفسنا، وجعل الأبناء والأحفاد من أزواجنا، ولو كان النص في غير التنزيل: "وجعل لكم أزواجا من أنفسكم" لكان الامتنان بالأزواج المجعولين من أنفسنا، بينما معنى قوله تعالى (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فالامتنان بالأزواج مع بيان عجيب النعمة أنهم من أنفسنا. - (وجعل لكم من أزواجكم بنين) ومعنى (بنين) أي: الأولاد الذكور، ومفردها: ابن، قال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (النساء: ١١) فالميراث يشمل الذكر والأنثى، ولذا أطلق القول (أولادكم) وفصل أن للذكر مثل حظ الأنثيين. (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) (الصافات: ١٤٩) (أم له البنات ولكم البنون) (الطور: ٣٩) ونرى أن البنين هم الذكور، والبنات هن الإناث. وبعض الناس يقولون: أولاد للذكر فقط، وأبناء للذكر والأنثى، علما بأن الأولاد يشملون الذكر والأنثى، وأما الأبناء فهم الذكور فقط؛ لأن مفرد أبناء "ابن"، وليس "ابنة". - لكن لماذا وقع الامتنان بالذكور دون الإناث؟ وقع الامتنان بالذكور دون الإناث؛ لأن العرب لم يكونوا يقدرون الإناث، فلا يناسب ما هم فيه المنة عليهم بالبنات، وهذا أولا. وثانيا: فرغم أن الله يأجر من يربي الإناث، إلا أن الذكور هم من يتخذون سندا في الحياة، ولأن الذكر هو من يفخر به في المجالس - لأمور يعرفها الجميع - فهم زينة الحياة بهذا المفهوم (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) (الكهف: ٤٦) و"البنون" - كما قلنا آنفا - هم جمع ابن، أي الولد الذكر. - والله جعل لنا أيضا حفدة، والحفدة جمع، ومفردها: حافد، والحافد هو: المعين، وأصل الحفد: السعي بالخدمة. وقيل في تفسير "الحفدة": - من يقوم بالخدمة أقارب كانوا أم أجانب. - وقيل: الأختان، وهم الأصهار. - وقيل: الأسباط، وهم: أولاد الأولاد. والجامع بين هذه الأقوال أنهم يقومون بالخدمة ويكونون أعوانا. والذي يظهر مناسبا للنص هو أن الحفدة هم أولاد الأولاد، ذكورا أو إناثا - كما سبق في بيان معنى الأولاد - وذلك لأمرين، الأول: أنهم أحرص على خدمة أجدادهم من غيرهم. والثاني - وهو الأهم - أن أولاد الأولاد هم بسبب الزوجات بصورة مباشرة، وهذا يتناسب مع قوله تعالى (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة)، أكثر مما يتناسب الأصهار، أو غيرهم؛ لأن (من) في قوله تعالى (من أزواجكم) ابتدائية، أي بنين متفرعين من أزواجكم، وحفدة متفرعين من أزواجكم، لأن سياق الآية يتحدث عن نعمة الزوجات وما ينتج عنهن، فناسب أن يكون الحفدة هم أولاد الأولاد بسبب هذا التفرع. - (ورزقكم من الطيبات) والطيبات جمع طيب، والطيب ضد الخبيث، والرزق الطيب يكون في الطعام والشراب واللباس والمسكن وغيرها. و"من" في قوله تعالى (ورزقكم من الطيبات) تبعيضية؛ لأن الإنسان يرزق بعض الطيبات لا كلها. - ولكن لماذا أتبعت نعمة الأزواج والأبناء والأحفاد بنعمة الرزق الطيب؟ أتبعت نعمة الأزواج والأبناء والأحفاد بنعمة الرزق الطيب؛ لأنه لا يستقيم أمر العائلة دون المال، فالعائلة والمال مكملان لبعضهما. - (أفبالباطل يؤمنون) الهمزة في (أفبالباطل) للاستفهام، وهذا الاستفهام إنكاري، ومعناه: الإنكار على الكفار إيمانهم بالباطل؛ لأن هذا الأمر عجيب غريب. - وقدم ذكر "الباطل" (أفبالباطل يؤمنون)، وليس " أفيؤمنون بالباطل"، زيادة في الإنكار على الكفار ما هم فيه، إذ كيف يؤمنون بشيء لا يكون الإيمان به بحال من الأحوال، وهذا بالتعبير الدارج: ألم يجد شيئا ليؤمن به إلا الباطل!! - والباطل ضد الحق، وهو ما يعبد من دون الله ، ولذا وقع الإنكار، إذ كيف يعبد الباطل الزائل المكذوب، وتترك عبادة الله الحق مقلب القلوب. - (وبنعمت الله هم يكفرون) وهذا إنكار آخر معطوف على الذي سبقه، حيث إنهم يكفرون بنعمة الله سبحانه، والكلام مفهوم بدون الضمير (هم)،ولكنه جاء للتوكيد، كأنهم هم دون غيرهم من يفعل هذا. - وتقدم ذكر (بنعمت الله) على (يكفرون) زيادة في الإنكار على الكفار ما هم فيه، وذلك لإبراز أن الإنكار متجه إلى كون الكفر بنعمة الله، وليس إلى مجرد الكفر فقط. وانظر - بارك الله فيك - إلى الفرق بين قوله تعالى (وبنعمت الله هم يكفرون) وبين قولنا في غير التنزيل "ويكفرون بنعمة الله ". فقولنا في غير التنزيل "ويكفرون بنعمة الله " يعني: إنكار الكفر بنعمة الله، بينما قوله تعالى (وبنعمت الله هم يكفرون) يعني: إنكار الكفر بنعمة الله، ويعني شيئا آخر، وهو: أن نعمة الله دون غيرها من الأشياء ليست محل كفر بحال من الأحوال، ولا يتصور أن يكون الكفر بنعمة الله بشكل خاص، فكيف يكفر هؤلاء بنعمة الله، وذلك بإشراكهم مع الله سبحانه. وهذا ما يعنيه تقديم "نعمة الله" على "يكفرون"، فالاستنكار منصب على كون الكفر متجها إلى نعمة الله التي لا يتصور إنكارها، لا إلى مجرد الكفر فقط. - لماذا قدم إنكار الإيمان بالباطل على إنكار الكفر بنعمة الله (أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون)؟ قدم إنكار الإيمان بالباطل على إنكار الكفر بنعمة الله؛ لأن الكفر بنعمة الله ناتج عن الإيمان بالباطل، حيث إنهم آمنوا بالأصنام وعبدوها، فكان إيمانهم بها وعبادتها كفر بنعمة الله عليهم؛ لأنه هو المستحق للعبادة وحده. - جاء الفعلان (يؤمنون) و (يكفرون) بصيغة الفعل المضارع لا الماضي؛ للدلالة على التجدد، فإن إيمان الكفار بالباطل، وكفرهم بنعمة الله، متجدد في كل العصور والدهور، والله المستعان! - وفي الآية التفات من الخطاب (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات) إلى الغيبة (أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون)، وسبب هذا الالتفات هو الإعراض عن الكفار بسبب ما هم فيه من الضلال، ومختصر القول أن هذا الالتفات هو التفات إعراض.

стр. 80

(ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون) (٧٣) المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة نعم الله التي يراها الكفار ويجحدونها، فهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالله سبحانه، وزيادة على ذلك بدلا من أن يشكروا الله على نعمه فإنهم يشكرون أصنامهم، أي يشكرون غير المنعم (أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (٧٢) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون (٧٣)) فهؤلاء الكفار يعبدون الأصنام التي لا ترزقهم شيئا، لا من السماء كالمطر، ولا من الأرض كالزرع وغيره، ولا تستطيع أن ترزقهم في المستقبل شيئا؛ لأن الرازق لمن في السموات والأرض هو الله وحده. المعنى التفصيلي: - (ويعبدون من دون الله) الواو للعطف، أي: هم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالله سبحانه، وزيادة على ذلك يشكرون غير الله وهو المنعم . - (ما لا يملك لهم رزقا) ومعنى "ما لا يملك رزقا" هو الأصنام؛ وذلك وفقا للسياق، لأن الآية تتكلم عن حال كفار قريش، و لكن اللفظ يعم كل ما يعبد من دون الله سبحانه من عاقل وغير عاقل. وقد يقول قائل: كيف يعم اللفظ كل ما يعبد من دون الله من عاقل وغير عاقل، و (ما) لا تستخدم إلا لغير العاقل؟ والجواب عن هذا أن اللفظ يعم كل ما يعبد من دون الله سبحانه من عاقل وغير عاقل؛ لأنهما في الحكم سواء؛ فهما لا يملكان رزقا لأحد؛ لأن الرازق هو الله وحده ولا أحد معه، وما نراه من صور إعطاء البشر الرزق للبشر، فإنما هم نقلة ينفذون مشيئة الله سبحانه فيما قسم من الأرزاق، أما هم فلا يملكون من أمر الرزق في الحقيقة شيئا. وأيضا فإن (ما)؛ تستخدم للعاقل أيضا، كما في قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء:٣)، وكما في قوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف: ٥٣) وتكون (ما) للعاقل، إذا اشترك العاقل وغير العاقل في حكم واحد، كما في قوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض) (النحل: ٤٩) فقد اشترك العاقل وغير العاقل في حكم السجود لله سبحانه. - (ما لا يملك لهم رزقا) ومعنى (يملك) أي يقدر؛ قال تعالى: (قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا) (الفتح:١١) (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) (المائدة: ١٧) (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم) (المائدة: ٧٦) - (ما لا يملك لهم رزقا) قد يقول قائل: لماذا التخصيص بالجار والمجرور (لهم)، ولو قلنا في غير التنزيل "ما لا يملك رزقا من السموات والأرض" بدون (لهم) لدل على أنهم لا يملكون أي رزق لأي أحد، فلماذا التخصيص؟ جاء التخصيص بالجار والمجرور (لهم)؛ لأن الآية رد على الكافرين الذين يعبدون دون الله؛ ولذا ناسب التخصيص زيادة في بيان خطئهم؛ وفي نفي ملك المعبودين من دون الله الرزق لمن يعبدونهم، نفي بالأولى أن يملكوا الرزق لأي أحد؛ لأنهم إذا كانوا لا يستطيعون أن يرزقوا من يعبدهم ويتذلل إليهم، فكيف يرزقون من لا يعبدهم؟!! ولأجل هذا خصص نفي ملكهم الرزق بالجار والمجرور (لهم)، ولأجل هذا أيضا قدم ذكر الجار والمجرور (لهم) على المفعول (رزقا) في قوله تعالى (ما لا يملك لهم رزقا) وليس "رزقا لهم"؛ بمعنى أنهم لا يملكون الرزق لمن يعبدهم خاصة، فهم لا يملكون لغير من يعبدهم بالأولى. - (من السموات والأرض) فإذا كانوا لا يملكون رزقا من السموات والأرض، فهم لا يملكون أي رزق في أي مكان. - (من السموات والأرض) تقدم ذكر السموات على الأرض؛ لأن السموات أعظم من الأرض، ولأن ما في السموات أكثر مما في الأرض، فقدم ذكر السموات من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى. - (شيئا) تأكيد بأنهم لا يملكون أي شيء كان مهما قل أو صغر. - (شيئا) مفعول به، وذلك إذا قلنا: إن (رزقا) مصدر، وتعرب على أنها بدل، وذلك إذا قلنا: إن (رزقا) مفعول به، وعلى الإعرابين فإن (شيئا) تدل على التأكيد والمبالغة بعجز الكفار أن يرزقوا غيرهم حتى أحقر شيء وأقله. - (ولا يستطيعون) أي: إنهم لا يملكون رزقا لأحد في هذا الزمن الحاضر، ولن يستطيعوا مستقبلا؛ لأنهم مخلوقون، وإنما الخالق والرازق هو الله وحده .

стр. 81

(فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) (٧٤) المفردات: - تضربوا: تجعلوا. - الأمثال: جمع: مثل، وهو الصفة. المعنى الإجمالي: تبين هذه الآية بعد بيان الآيات السابقة أنه مستحق للعبادة وحده، وأنه المنعم والمتفضل وحده، فإنه لا يجوز لنا أن نجعل لله مماثلا أو شبيها، كما جعل المشركون الأصنام آلهة تعبد عندهم. المعنى التفصيلي: - الفاء في (فلا تضربوا) للتفريع، أي أن النهي عن ضرب الأمثال لله متفرع ومبني على ما قررته الآيات السابقة من أنه سبحانه الخالق وحده والمنعم وحده، وأنه الإله الحق، وبناء على هذا فلا يجوز أن نضرب لله الأمثال. - (فلا تضربوا لله الأمثال) الأمثال، جمع: مثل، وهو الصفة، قال تعالى (ولله المثل الأعلى) (النحل:٦٠) أي ولله الصفة العليا، أما الكفار فلهم صفة السوء (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) (النحل: ٦٠). ولكن ما معنى "ضرب له مثلا"؟ معنى "ضرب له مثلا" أي: وصفه بصفات معينة، وهذا معنى قوله تعالى (فلا تضربوا لله الأمثال) أي لا تصفوا الله بصفات من تلقاء أنفسكم، حيث وصف الكفار الله بأنه ليس واحدا بل له شركاء، وهؤلاء الشركاء هم الأصنام التي يعبدونها. ومما ضربه الكفار من الصفات لله: أن الله يقرب العباد عن طريق الأصنام (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ولكن هذا محض افتراء من كاذب كفار (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) (الزمر: ٣) - الخطاب بداية موجه للكفار الذين وصفوا الله بما لا يجوز من الأبوة والشريك وغير ذلك، وهو عام لكل مخاطب بالقرآن من الثقلين. - في الآية التفات من الغيبة (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون) (٧٣) إلى الخطاب (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) (٧٤) وسبب الالتفات أن أسلوب الخطاب أبلغ في مقام الأمر والنهي؛ لأنه يختصر المسافات الذهنية، ويكون مباشرا وقويا، بينما جاء سابقا الإخبار بأسلوب الغيبة؛ للإعراض عن الكفار بسبب ما هم فيه من الضلال. - قدم الجار والمجرور (لله) في قوله تعالى (فلا تضربوا لله الأمثال)؛ للتركيز على أن ضرب الأمثال الذي يقع فيه الكفار ليس متعلقا بأي أحد، إنما هو متعلق بالله جل وعلا، فليأخذ الضاربون حذرهم مضاعفا مضاعفة تليق بما يخص الله . - وبناء على قوله تعالى (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، إما بما جاء في القرآن أو بما جاء على لسان نبينا محمد ﷺ . - لم يأت النص " الله يعلم ولا تعلمون" بل جاء مؤكدا بـ "إن" والضمير "أنتم" (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون)، ولكن ما وجه التأكيد بالضمير "أنتم"؟ وجه التأكيد بالضمير "أنتم" هو: إن قولنا في غير التنزيل "لا تعلمون" يعني أن الكفار المشركين لا يعلمون، بينما (أنتم لا تعلمون) مشعر بأن الذين لا يعلمون "أنتم" فقط، أي: أنتم بالذات والتحديد من لا يعلم، فكيف تصفون الله وأنتم بالذات أبعد الناس عن العلم بالله.

стр. 82

(ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) (٧٥) المفردات: - ضرب: جعل. - مثلا: وأصل المثل: الصفة، ومعناه هنا: وصف يقاس عليه. المعنى الإجمالي: زجرت الآية السابقة الكفار بسبب ما وقعوا به من الشرك، وجاءت هذه الآية لتقول للكفار: إنكم لا تسوون بين العبد المملوك الذي لا يقدر على التصرف بالمال، وبين الحر الذي يفعل بماله ما يشاء، فكيف تسوون بين الله الخالق الرازق وبين الأصنام التي لا تملك من أمرها شيئا، فضلا عن أن تملك لكم شيئا. المعنى التفصيلي: - (ضرب الله مثلا) وصف وصفا ليقيس عليه الكفار ما يفعلونه، فيعلموا أنهم مخطئون. - أبهم المثل في قوله تعالى (ضرب الله مثلا)، ثم فسر بقوله تعالى (عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا)، وهذا الإبهام للمثل ثم تفسيره فيه ما فيه من تفخيم المثل وتعظيمه. - (ضرب) جاء التعبير بـ "الضرب" لا "الجعل"؛ لما في الضرب من وقع يلفت النظر، وهذا يلفت النظر، وهذا يتناسب والمثل؛ لأن المثل يلتفت الأنظار، ويدق الأذهان فيوقظ النائم وينبه الغافل. وقيل: إن ضرب المثل من ضرب الدراهم؛ لأن المثل هو ذكر شيء يظهر أثره في غيره. ولكن لا بد من العلم أن فقه معنى الكلمة يكون بالرد إلى أصل المادة، وأصل المادة "ضرب" وهو إيقاع شيء على شيء، وهذه المادة تستعمل عدة استعمالات، وفي كل استعمال يشترك معنى الضرب مع معنى آخر لينتج له دلالته، فليس من الصواب ربط الكلمة بالاستعمالات، لأننا قد نربط الكلمة بأحد الاستعمالات، ولكن يكون الربط في القدر غير المشترك بين الكلمة وأصل المادة، فيخرج الباحث عن معنى الأصل إلى معنى آخر جديد، ظانا أنه قد رد الكلمة إلى أصلها، هذا فتأمله بارك الله فيك. - (عبدا) بدل من (مثلا)، والعبد هو الإنسان الذي يملكه إنسان آخر، وهذا التملك يكون عن طريق أسره في الحرب، أو عن طريق شرائه من سيده، أو عن طريق الميراث. - (مملوكا) وصف للعبد، ولكن لماذا هذا الوصف مع أن كلمة "عبد" تدل على أنه مملوك؟ جاء وصف العبد أنه مملوك؛ لئلا يظنن ظان أن المقصود فيه هو العبد بالمفهوم العام، فكل إنسان إنما هو عبد لله، لأنك لو قرأت الآية دون كلمة (مملوكا) لاحتمل أن تفسر بإنسان عاجز لا يملك شيئا، وبإنسان قادر ينفق ماله كيف يشاء. - (عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) إن العبد المملوك لا يملك مالا، ولا يستطيع التصرف بإرادته، فلا يذهب ولا يرجع إلا بأمر سيده، ولكن هذا العبد المملوك الذي ضرب مثلا ليس مملوكا عاديا، بل هذا العبد عاجز أيما عجز؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا، أي شيء كان، ولذا قال تعالى (لا يقدر على شيء)، فهو أسوأ مثل للعبد المملوك، وأبلغ مثال على عجز البشر. - (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) هو الحر القادر الذي رزقه الله الرزق الحسن، فهو ينفقه سرا وجهرا، وهو المقابل للمملوك الذي لا يقدر على فعل شيء. - في قوله تعالى (رزقناه) التفات من الغيبة (ضرب الله مثلا) إلى المتكلم (رزقناه)، والـ"نا" في قوله تعالى (رزقناه) للتعظيم؛ وذلك تعظيما لأمر النعمة التي أنعمها الله على هذا المرزوق. - الرزق من الله (رزقناه)، فلماذا ذكرت (منا) في قوله تعالى (رزقناه منا)؟ ذكرت (منا) في قوله تعالى (رزقناه منا)؛ توبيخا للكفار بأن الله هو الرازق وحده، وأن الأصنام لا ترزق أحدا، فكيف تعبدونها؟ وكذلك ذكرت (منا)؛ زيادة في البيان للمؤمنين أن أمر الرزق إنما هو لله وحده، وليس لأحد أن يشك للحظة أن في الكون من يتحكم في أرزاق العباد. - (رزقا حسنا) فهو ليس أي رزق، بل هو رزق حسن، أتى عن طريق حسنة، فليس في اكتسابه ذل ولا ضنك، وليس مما يسرع إليه الفساد أو الكساد، وليس مما يصعب الاستفادة منه. والرزق الحسن اكتسابا وامتلاكا إنما هو أطيب الرزق وأعلاه منزلة؛ لأنه صالح، طيب، حلال. - (فهو ينفق منه سرا وجهرا) فاء (فهو) للتفريع، أي: بناء على أن هذا الحر قد رزق الرزق الحسن فهو ينفق ماله كيف يشاء، سرا أو جهرا، فالفاء رتبت الإنفاق على الرزق. - (فهو ينفق منه) جملة اسمية؛ للدلالة على ثبات أمر الإنفاق، وأما الخبر فهو فعل مضارع (ينفق) للدلالة على تجدد الإنفاق. وعبر عن الرزق بالفعل الماضي (رزقناه)، وأما الإنفاق فعبر عنه بالفعل المضارع (ينفق) دلالة على فعله الخير بما رزق من مال ولو لم يزدد هذا المال. - جاء التعبير بـ (ينفق) للدلالة على أن أعلى تصرف يقوم به العبد بماله، هو الإنفاق في الخير. ولقائل أن يقول: ما أدراك أن هذا الحر ينفق ماله بالخير؟ الدليل على أن هذا الحر ينفق ماله بالخير، أن مثل هذا الحر ضرب لأفضل مثل للأحرار، كما أن مثل العبد ضرب لأسوأ شيء في العبيد، وهذا لبيان الفرق الشاسع بين المثلين. إذن؛ فالعبد المملوك لا يملك شيئا، وفي مقابله الحر الذي رزقه الله الرزق الحسن، والعبد المملوك لا يقدر على التصرف، بينما الحر ينفق ماله كما يشاء، فهما عجزان عند المملوك، الأول: عدم الملك، والثاني: عدم القدرة. وبالمقابل، فهما قدرتان عند الحر، الأولى: الرزق الحسن، والثانية: القدرة على التصرف. وأيضا فإن التعبير عن النفقة بالسر والعلن جاء في القرآن في سياق نفقة الخير، قال تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة: ٢٧٤) (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) (الرعد: ٢٢) (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) (إبراهيم: ٣١) (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) (فاطر: ٢٩) - ولكن لماذا جاءت الآيات التي تتحدث عن الصدقة بصيغة (سرا وعلانية)، بينما جاءت هذه الآية بصيغة (سرا وجهرا)؟ اختلاف الصيغة لاختلاف السياق والمقصود، فالعلن ضد السر، بينما الجهر ليس ضد السر فقط، بل هو الظهور بإفراط ومبالغة. وسياق آيات الصدقة سيق لبيان أن المتصدقين ينفقون المال سرا لا يعرف عنه أحد، وعلنا فيما يراهم فيه الناس، ولكن المقصود في سياق هذه الآية بيان كمال قدرة هذا الحر على التصرف بماله، فهو قادر على أن ينفقه سرا، وقادر على أن ينفقه جهرا، ويتضمن هذا أنه قادر على أن ينفقه علنا؛ لأن الجهر يتضمن العلن، ولكن العلن لا يتضمن الجهر، ولذا بينت الآية أبعد التصرفين عن بعضهما (سرا وجهرا) للدلالة على كمال القدرة في التصرف لا على مجرد القدرة فقط. - (ينفق منه) وليس "ينفقه"؛ لأنه لو أنفق ماله كله لأصبح عاجزا عن التصرف؛ لأنه لا مال عنده حينئذ، وهذا لا يناسب هذا السياق؛ لأن الحر المالك المتصرف يصبح عندما ينفق ماله قريبا من العبد الذي لا يملك؛ لأنه حر فقد ماله، مما يترتب على ذلك تحديد دائرة تصرفاته. - (فهو ينفق منه سرا وجهرا) ذكر السر والجهر هنا لبيان كمال تصرف الحر، أي ينفق كما يشاء، وقدم ذكر السر على الجهر؛ لأن المقام مقام بيان أفضل الأحرار في التصرف، فنفقة الحر في السر خير من الجهر (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) (البقرة: ٢٧١). فعمل الخير بالسر خير من الجهر، حيث جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ... (البخاري: ١٣٣٤). - قال في حق الحر (رزقناه منا رزقا حسنا) بينما قال في شأن العبد (لا يقدر على شيء)، فلماذا لم يقل في حق العبد "لم نرزقه" بدلا من (لا يقدر على شيء)؟ لم يقل في حق العبد "لم نرزقه" بدلا من (لا يقدر على شيء)؛ لأن العبد المملوك مرزوق أيضا، فله الطعام والشراب وغير ذلك من الأشياء، ولكنه لا يقدر على التصرف. وأيضا فإن قوله تعالى (لا يقدر على شيء) لا يدل فقط على أن العبد المملوك لا يقدر على التصرف بالمال، بل لا يقدر على فعل شيء البتة. - قدم مثل العبد المملوك على الحر؛ لأن سياق الآية منصب على إنكار رفع الأصنام عن الحضيض الذي هي فيه، ومنصب على بيان عجز الأصنام، وليس منصبا على بيان عظمة الله على وجه التفصيل، مع أن الآية تبين الأمرين، وللتوضيح أقول: المعنى الرئيسي في الآية هو إنكار تعظيم الأصنام ومساواتها بالله سبحانه وهي لا شيء، وليس المعنى الرئيسي تفصيل جوانب عظمة الله ، ولذا قدم ذكر مثل العبد إمعانا في انتقاص الأصنام. - (هل يستوون) هذا استفهام إنكاري، أي لا تستوي الأصنام والخالق ، بناء على أنه لا يستوي العبد المملوك والحر. - وجاء التعبير بصيغة الجمع (يستوون) وليس المثنى "يستويان"؛ لأن هذه نتيجة مثل العبد المملوك والحر، أي أن المقصود هو أن الأصنام لا تستوي والخالق سبحانه، والأصنام متعددة؛ ولذا جاء التعبير بصيغة الجمع (يستوون). وقيل: أريد جنس العبد والحر، وقيل غير ذلك، والذي أراه أن المقصود هو أن الأصنام لا تستوي والخالق سبحانه؛ لأن هذه نتيجة مثل العبد المملوك والحر، ولذا أتبع الاستفهام بتقرير حقيقة أن الله هو المستحق للحمد وحده (هل يستوون الحمد لله). - (الحمد لله) فيها رد على المشركين أن الله هو المستحق للحمد وحده، حيث إن الكفار كفروا بنعمة الله رغم أن الله هو من رزقهم من الطيبات (ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون) (النحل: ٧٢) وأنهم عبدوا وحمدوا من لم يرزقهم ولن يرزقهم (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون) (النحل: ٧٣) فجاء الرد على الكفار الذين أشركوا بحمد الله بأن حمدوا الأصنام معه، بأن الحمد إنما هو لله وحده. - (بل أكثرهم لا يعلمون) و (بل) للإضراب، وهذا إضراب انتقالي، والإضراب الانتقالي هو: الانتقال من أمر إلى أمر أفظع منه مع بقاء الحكم الأول، والحكم الأول هو إشراكهم بالله ، حيث سوى الكفار بين الأصنام وبينه . - ولكن لماذا (أكثرهم لا يعلمون) لا كلهم؟ وذلك؛ لأن فيهم السادة والزعماء وأصحاب المصالح الذين يعلمون الحق ولكنهم ردوه عن علم لأجل مصالحم. - ولكن قد يسأل سائل: إن كان الكفار لا يعلمون فلماذا يحاسبهم الله ، مع أن الجهل عذر من الأعذار التي ترفع العذاب، قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: ١٥)؟ ولكن جهلهم هنا لا يعذرون به؛ لأنه ليس جهلا ناتجا عن عدم وصول الخبر إليهم، بل هو جهل ناتج عن جحودهم وإغلاقهم قلوبهم عن الإيمان، وعقولهم عن التفكير، ولذا فهذا الجهل من كسب أيديهم.

стр. 83

(وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) (٧٦) المفردات: - ضرب: جعل. - مثلا: وأصل المثل: الصفة، ومعناه هنا: وصف يقاس عليه. - أبكم: الذي يولد أخرس. - كل: ثقيل. - مولاه: المولى: من يتولى أمره. المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة أنه لا يعقل أن يسوى بين الله سبحانه وبين الأصنام، كما لا يعقل أن يسوى بين العبد العاجز عن التصرف وبين الحر الذي يفعل بماله ما يشاء من الخير. ويضرب الله مثلا آخر على أنه لا يعقل أن يسوى بين الله سبحانه وبين الأصنام، كما لا يعقل أن يسوى بين الأبكم العاجز عن البيان، وزيادة على هذا العجز عن النطق فهو غبي لا يقدر على فعل شيء مفيد، لا يعقل أن يسوى بينه وبين الناطق الحكيم الذي يأمر بالعدل والخير، وهو أيضا ملتزم بهذا العدل والخير؛ لأنه على صراط مستقيم. المعنى التفصيلي: - (وضرب الله مثلا) الواو للعطف، أي وضرب الله مثلا آخر ليستدل به الكفار على أنهم مخطئون في مساواتهم بين الأصنام وبين الله . - وجاء التعبير بـ "الضرب" وليس "الجعل"، وقد سبق بيان هذا في تفسير الآية السابقة. - (وضرب الله مثلا) ذكر الاسم الظاهر (الله) رغم دلالة السياق عليه، ورغم أن الآية عطف على الآية السابقة (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ..... وضرب الله مثلا رجلين)، ولو جاءت الآية بالضمير المقدر لعلم المقصود، أي: "وضرب مثلا رجلين"، ولكن إقامة الاسم الظاهر مقام المضمر إنما جاء تفخيما للمثل المضروب بذكر ضارب المثل . - (وضرب الله مثلا) وصف وصفا ليقيس عليه الكفار ما يفعلونه، فيعلموا أنهم مخطئون. - أبهم المثل في قوله تعالى (ضرب الله مثلا)، ثم فسر بقوله تعالى (رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء) الآية، وهذا الإبهام للمثل ثم تفسيره، فيه ما فيه من تفخيم المثل وتعظيمه. - (رجلين) بدل من (مثلا)، ولم يأت نص الآية السابقة بـ (رجلين)، وإنما جاء (عبدا)؛ لأن المثل المضروب في الآية السابقة إنما هو مثل عبد وحر، فهما مختلفين، بينما المثل في هذه الآية إنما هو مثل رجلين حرين. - (أبكم) هو الذي لا يقدر على الكلام، ولكن هنالك فرق بين الأخرس والأبكم، فإن الأبكم هو من ولد وهو أخرس، ولذا فكل أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم. - (لا يقدر على شيء) حال هذا الأبكم ليست كحال أي أبكم، بل هو أبكم عاجز لا يقدر على تحقيق شيء، أي شيء؛ لأن (شيء) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، فهذا الأبكم لا يقدر على تحقيق شيء مما يرتجى من الرجال. - وهذا الأبكم بسبب عجزه عن تحقيق أي شيء نافع، هو (كل على مولاه) أي عالة وثقيل على (مولاه) أي من يتولى شؤونه من أهله وقرابته. - ومن الناس العاجزين من يكون عالة على أهله، ولكن أهله يوجهونه إلى تحقيق أشياء معينة تناسب وضعه، فقد يستخدمون هذا الأبكم في الرعي أو ما شابه ذلك من الأعمال اليدوية، ولكن هذا الأبكم الذي ضرب مثله عاجز أيما عجز؛ لأن مولاه (أينما يوجهه لا يأت بخير). - (أينما يوجهه) أي هذا الأبكم لا يستطيع تحقيق المنفعة على اختلافها، لأنه عاجز عن الفهم والاستيعاب أيضا؛ لأنه غبي لا يفهم ما يراد منه - علما أن الأبكم الذكي يفهم ما يراد منه - والدليل على أنه لا يفهم ما يراد منه، هو كلمة (يوجهه)، أي: أن مولاه يعطيه المعلومات والتوجيهات لتحقيق أمر ما ولكنه لا يستفيد مما يعلم ويوجه إليه. - (لا يأت بخير) أي لا يحقق منفعة، أي منفعة كانت؛ لأن (خير) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، فهذا الأبكم لا يقدر على تحقيق شيء مما يرتجى. - ولكن ما الفرق بين (لا يقدر على شيء) وبين (أينما يوجهه لا يأت بخير)؟ الفرق بينهما أن قوله تعالى (لا يقدر على شيء) يدل على أن هذا الأبكم عاجز عن تحقيق أي شيء. ولكن قوله تعالى (أينما يوجهه لا يأت بخير) يدل على أن هذا الأبكم عاجز عن تحقيق ما يبين له كيفية تحقيقه، أي أنه غبي لا يفهم، و (لا يأت بخير) مشعر بأن ضررا ما يقع بسببه. - (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) أي أن هذا الأبكم العاجز الغبي لا يستوي ومن ينطق بالحكمة والفهم والعدل، وهو أيضا يسير على طريق الحق والصواب. - (هل يستوي) استفهام إنكاري، والمقصود به الإنكار على المشركين الذين يسوون بين الخالق الحق الذي يأمر بالعدل والحق، وبين الأصنام البكم التي لا تنطق بحرف، ولا تقدر على تحقيق أمر لأحد، وإنما هي عالة على من يصنعها، ومن ينصبها، فهي بلا سدنتها لا شيء، وإذا طلب منها أمر لا تأت بخير، بل الضرر في توجيهها إلى أمر ما؛ لأنه طلب إلى الأصنام، وهذا الشرك بعينه. - (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل) ذكر الضمير (هو) ولم يأت النص بدونه "هل يستوي ومن يأمر بالعدل"؛ تأكيدا على سوء حال الأبكم، وعلى بعد الفرق بين المنطيق الحكيم الصالح، وبين الأبكم العاجز الغبي، كأن الآية تقول: هل يستوي هذا الأبكم المنصوص على عجزه وغبائه (ومن يأمر بالعدل)، فإن الضمير (هو) تأكيد للضمير المستتر. - (ومن يأمر بالعدل) الفعل المضارع (يأمر) يدل على تجدد قول الحق من هذا الناطق، والعدل إنما هو الحق والصواب، فهو ناطق، وزيادة على نطقه حكيم ينطق بالحكمة، وأيضا يمارس هذا الخير، وليس أمره بالعدل واقعة قد مضت، كما أن عجز الأبكم ليس واقعة قد مضت، بل إن عجزه متجدد (لا يقدر على شيء) (لا يأت بخير)، وذلك لدلالة الفعل المضارع (يقدر) و (يأت). - بينت الآية أسوأ حالة للأبكم، وبينت في المقابل أحسن حالة للناطق، وأحسن حالة للناطق هي أن يأمر بالعدل، وهو الحق، ولذا فإن أعلى أعمال اللسان على الإطلاق هو النطق بالحق، ويندرج تحت النطق بالحق: الدعوة إلى التوحيد والذكر والخير والعدل والنصيحة، وغير ذلك من صور الحق. - (وهو على صراط مستقيم) وهذا الآمر بالعدل يسير على صراط مستقيم في تحقيق الخير، لا كالأبكم يسير على طريق معوج؛ لأنه لا يفهم شيئا، ولا يملك حكمة. - لماذا قدم ذكر مثل الأبكم على الناطق؟ قدم مثل الأبكم على الناطق؛ لأن سياق الآية منصب على إنكار رفع الأصنام عن الحضيض الذي هي فيه، ومنصب على بيان عجز الأصنام، وليس منصبا على بيان عظمة الله، مع أن الآية تبين الأمرين، وللتوضيح أقول: المعنى الرئيسي في الآية هو إنكار تعظيم الأصنام ومساواتها بالله سبحانه وهي لا شيء، وليس المعنى الرئيسي تفصيل جوانب عظمة الله ، ولذا قدم ذكر مثل الأبكم العاجز إمعانا في انتقاص الأصنام. - لماذا قدمت الآية السابقة (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) الآية (٧٥) على هذه الآية (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء) الآية (٧٦)، وبصيغة أخرى: - لماذا قدم مثل "العبد والحر" على مثل "الأبكم والناطق"؟ قدم مثل "العبد والحر" على مثل "الأبكم والناطق"؛ لأن مثل "العبد والحر" منتشر في بيئة مكة والعرب في ذلك الزمن أكثر من انتشار حالات البكم، فإن العبيد في مكة كانوا بالمئات، والأحرار فوق ذلك، بينما البكم قد لا يتعدون أشخاصا معدودين، ومن الأساليب التعليمية في إيصال المعلومة: الابتداء بالأوضح قبل الواضح، وبالأظهر قبل الظاهر، فحالة "العبد والحر" يعايشها كل من في مكة، بينما حالة "الأبكم والناطق" يعرفها من في مكة ولكن لا يعايشونها معايشة حالة "العبد والحر". ولذا ضرب القرآن في البداية مثلا يعايشه العرب قاطبة بشكل يومي متكرر، ثم ضرب المثل الآخر الذي لا يعايشه كل العرب كالمثل الأول؛ لأن الإقناع هو المقصود بالمثل، فكلما عايش الإنسان المثل كان أكثر تأثرا به.

стр. 84

(ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير) (٧٧) المفردات: - أمر الساعة: شأن يوم القيامة. - لمح البصر: توجيه النظر إلى الشيء المراد بسرعة. المعنى الإجمالي: أنكرت الآيتان السابقتان شرك الكفار بضرب مثلين ظاهرين بينين واضحين، وجاءت هذه الآية لتهدد الكفار وتتوعدهم، فإن الله سبحانه يعلم كل ما يفعله الكفار في السر والعلن؛ لأن الله يعلم غيب السموات والأرض، ولا يظنن ظان أن العقاب بعيد الحصول، لا؛ فإن الساعة من سرعة وقوعها إذا أرادها الله ليست كخطف النظرة بل هي أسرع حصولا، وإن عقاب الكفار على شركهم واقع لا محالة؛ لأن الله على كل شيء قدير فلا يعجزه شيء البتة. المعنى التفصيلي: - (ولله غيب السموات والأرض) أي أن الله يعلم كل ما غاب عنا في السموات والأرض، وبالأولى يعلم كل ما ندركه ونشهده أيضا. - وفي قوله تعالى (ولله غيب السموات والأرض) تهديد للكفار بأن ما تفعلونه من الأعمال الشركية كلها يعلمه الله، ولن يفلت عمل واحد من أعمالكم بلا حساب وعقاب. - الواو في قوله تعالى (ولله) استئنافية، وقدم الجار والمجرور (ولله) للحصر، أي أن الغيب لا يعلمه إلا الله، واللام للملك. - (غيب السموات والأرض) الغيب ما غاب عن حواسنا، وتقدم ذكر السموات على الأرض؛ لأن السموات أعظم من الأرض، وما في السموات أكثر مما في الأرض، فقدم ذكر السموات وما فيهن، من باب التدرج من الأعلى للأدنى. - (ولله غيب السموات والأرض) ولم يأت النص " ولله علم غيب السموات والأرض"؛ أي أن الغيب كله لله علما وملكا. - الواو في قوله تعالى (وما أمر الساعة) للعطف، ووجه العطف أن الله يعلم ما يفعله الكفار؛ لأنه يعلم الغيب ويعلم الشهادة بالأولى، وأيضا يملك معاقبة الكفار على ما يفعلونه متى شاء، في أسرع ما يتصوره البشر. - (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر) أي سرعة قيام الساعة عند إرادة الله تكون بسرعة لمح البصر، ولمح البصر هو اختلاس البصر بسرعة، وهذه السرعة هي أقل سرعة يعرفها العرب زمن الوحي؛ فمن أمثالهم: أسرع من العين، ومن طرف العين، ومن لمح البصر، وأسرع من اليد إلى الفم. - (إلا كلمح البصر أو هو أقرب) ليس المقصود بـ (أو) الشك، ولكن المقصود به تكوين صورة ذهنية عند السامع عن سرعة قيام الساعة عند إرادة الله . فأمر الساعة مشبه، ولمح البصر مشبه به، ووجه الشبه سرعة الحصول، فجاء الحرف (أو) للإضراب؛ ليقول لنا إن وجه الشبه في المشبه أقوى منه في المشبه به، أي أن السرعة في الحصول في أمر الساعة أقوى منها في لمح البصر. وهذا كقوله تعالى (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة .... ) (البقرة: ٧٤) فالمعنى هو تكوين صورة ذهنية عند السامع عن شدة قسوة قلوب هؤلاء العاصين من بني إسرائيل، وليس المعنى تعيين مقدار القسوة من الناحية المادية العلمية المجردة، وإنما هو أسلوب تعبيري يبين شدة قسوة قلوب هؤلاء العاصين. - لماذا جاء قوله تعالى في سورة القمر (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) (القمر:٥٠) بدون (أو هو أقرب)، بينما جاء قوله تعالى في هذه الآية مع (أو هو أقرب)؟ السبب في ذلك أن آية النحل هذه جاءت تهديدا مباشرا للكفار بعد ضرب مثلين على بطلان شركهم، فناسب ذلك التعبير بقوة عن سرعة حصولها، بجعل صفة سرعة الحصول في أمر الساعة أقوى منه في لمح البصر، أما آية القمر فسياقها في سياق بيان مع تهديد للكفار، ولكنه ليس بشدة التهديد في هذه الآية. - (إن الله على كل شيء قدير) فيه تحذير للكفار لما يعملونه، أي أن الله قدير على حسابكم وعقابكم، وأكدت الجملة بـ (إن)، زيادة في تهديد الكفار.

стр. 85

(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (٧٨) المفردات: - الأفئدة: جمع: فؤاد، والفؤاد هو: القلب، ومعناه - هنا - الإدراك. المعنى الإجمالي: توعدت الآية السابقة المشركين على ما هم فيه من الشرك، وتتابع هذه الآية عرض الأدلة على أن الله سبحانه هو الخالق وحده، وأنه المستحق للعبادة وحده. فالله وحده هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا بعد أن خلقنا من نطفة، وأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ولكنه سبحانه علمنا ما ينفعنا، وجعل لنا السمع والأبصار والعقول؛ لندرك بها ما حولنا، وما كل ذلك إلا لنشكره وحده على ما أنعم علينا. المعنى التفصيلي: - (والله أخرجكم) الواو للعطف على (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) (٧٢)؛ حيث تكمل هذه الآية عرض الأدلة الموجبة لعبادة الله وحده عن طريق بيان خلق الله وقدرته. ويذكر بعض المفسرين أن هذا العرض يبدأ من الآية (٦٥) من قوله تعالى (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون)، ولكن الصحيح أن عرض الأدلة الموجبة لعبادة الله وحده عن طريق بيان خلق الله وقدرته بدأت من أول السورة من قوله تعالى: (خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (٣) خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٤) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (٥) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (٦)) وآيات سورة النحل إنما هي لإقامة الأدلة على توحيد الله عن طريق عرض صور عظيم خلقه ، وعن طريق رد مزاعم أهل الشرك وإبطالها، وعن طريق توعد المشركين بالعذاب. - (والله أخرجكم) جاء لفظ الجلالة مبتدأ وخبره جملة فعلية، من باب الاختصاص، وبتعبير آخر: إن قلنا "وأخرجكم الله" لا يدل على اختصاص الإخراج بالله سبحانه كما يدل عليه قوله تعالى (والله أخرجكم)، فمعنى (والله أخرجكم) هو أن الله وحده من أخرجكم من بطون أمهاتكم، وليس هناك من يفعل هذا غيره. - (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) الإخراج في اللغة ضد الإدخال، وكلنا يعلم معنى أن الله هو من أخرجنا من بطون أمهاتنا، ولكن ليس معنى الإخراج - فقط - هو مجرد خروج الطفل من بطن أمه عن طريق ما جعل الله في جسم الأم من قدرة لدفع مولودها إلى الخارج، لا، ليس هذا هو المراد فقط؛ لأنه لا بد أن نعلم أن الأم قد تدفع مولودها إلى الخارج فيخرج ميتا، ولكن المراد من ذلك هو إخراجه من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه؛ لأن من النساء من لا تلد إلا بعملية جراحية، ويكون الإنسان هو من أخرج المولود من بطن الأم، ولم يخرج المولود بصور طبيعة، فالإخراج - هنا - ليس هو - فقط - مجرد خروج الطفل من بطن أمه، ولكن المراد من ذلك هو إخراجه من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه، فما أن يخرج المولود إلا ويستقل بحياة خاصة، فيتنفس باستقلالية عن أمه، ويهضم الطعام، وتعمل أجهزة جسمه باستقلالية عن التبعية التي كانت تعمل به وهو في بطن أمه. - (من بطون أمهاتكم) والمقصود بالبطون: الأرحام؛ وذكر البطن؛ لأنه مكان الرحم، ويصدق على المولود أنه خرج من رحم أمه أو خرج من بطنها. - قد يرد سؤال: من هي الأم في مسألة اسئتجار الرحم؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من بيان معنى استئجار الرحم، وحكمه بشكل موجز. أما عن معنى استئجار الرحم، فمعناه أن امرأة لا يثبت الحمل في رحمها تلجأ إلى امرأة أخرى، فتلقح بويضتها مع زوجها وتزرع في رحم المرأة الأجنبية. وأما عن حكم هذا العمل، فهو عمل ظاهر الحرمة أن تدخل امرأة فرجها نطفة رجل أجنبي أو امرأة أجنبية، قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٦) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٧)) (المؤمنون) ولكن لنفرض أن هذا وقع، فمن هي الأم؟ الأم هي من ولدت، وهذا مستنبط من قوله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) فالتي يخرج المولود من بطنها هي الأم، وهناك آية أخرى تدل على هذا، وهي قوله تعالى (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) (المجادلة: ٢) أي ما الأم إلا التي ولدت. أما بالنسبة للأم صاحبة البويضة، فإنما يحرم عليها كما يحرم بالرضاع؛ لأن كون البويضة منها فإنما هو أمر أظهر من الرضاع، لأن ذات المولود مكون من بويضتها، وليس أن جسمه غذي بلبنها فقط. - جملة (لا تعلمون شيئا) حال من الضمير في (أخرجكم)، فالمولود عند خروجه من بطن أمه لا يعلم شيئا، وما يفعله المولود من الصراخ ومصه اللبن من ثدي أمه، إنما هذا من الفطرة لا من العلم؛ لأن العلم كسبي؛ لأنه لا علم إلا بتعلم. و (شيئا)؛ يدل على النفي العام لأي علم عند هذا المولود. - (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي علمكم عن طريق ما جعل لكم من منافذ المعرفة. وجاء التعبير بالجار والمجرور (لكم) مع تقديمه؛ للدلالة على العناية والرعاية. - ولكن لماذا الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة؟ لعل الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة إنما هو ترتيب إيجاد، فأول ما يدرك به المولود هو السمع، وبعدها بفترة البصر؛ لأن الإدراك بحاسة الإبصار عنده في أيامه الأولى غير مكتملة بعد، ثم تتكون عنده - بعد ذلك - الإدراكات الأخرى من مفاهيم وأحاسيس ومعرفة، وهذا التعقل إنما هو الفؤاد. - ولكن هل عطف جملة (وجعل لكم) على (أخرجكم) يدل على أن خلق السمع للطفل كان بعد خروجه من بطن أمه؟ العطف لا يدل على أن خلق السمع للمولود كان بعد خروجه من بطن أمه؛ بل العطف عطف خبر على خبر، وليس للترتيب، وذلك لأن الجنين حين يولد تكون حاسة السمع عنده قد اكتملت. وقيل: إن تقديم السمع على البصر لأن مركز السمع في الدماغ متقدم على مركز البصر، بينما الفؤاد وهو مركز الإدراكات إنما هو في داخل الدماغ، ولذا أخر ذكره. وقالوا: أما الآذان وهي من أعضاء السمع فإنما أخر ذكرها عند ذكر الأعين؛ لأن الأعين متقدمة عليها في الرأس، قال تعالى (ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الأعراف: ١٧٩). قلت: وهذا القول فيه نظر؛ لأن الآية بأكملها (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الأعراف: ١٧٩). فهل تقديم ذكر القلب على الأعين يدل على أن مكان القلب متقدم على مكان العين، أقول: لا، بل التقديم جاء لأمور أخرى، وهذه الأمور تفهم من خلال سياق كل آية، ولو أردت أن أجمع الآيات التي ذكر فيها السمع والبصر أو العين والأذن، وأدرس سياق كل آية وأتكلم عنها؛ لخرج الأمر عن الحد المقبول ضمن هذا البحث؛ لأن المقصود هو تفسير الآية (٧٨) من سورة النحل. لماذا إفراد "السمع" وجمع "الأبصار"؟ قيل: أفرد السمع لأنه مصدر، والأصل فيه الإفراد، أما الأبصار فإنما هي اسم ومفردها بصر. وهذا غير صحيح؛ لأنه قد ورد في المعاجم اللغوية كـ "الفائق" للزمخشري، و" القاموس المحيط" للفيروزأبادي، وغيرهما أن البصر مصدر، يقال: بصر - أو بصر - بصرا. ويجوز في المصدر الجمع والإفراد، ولذا لا مانع من جمع "السمع". ويبقى السؤال قائما؟ وقد قرأت معلومات عن دماغ الإنسان، فسر بها بعض المفسرين المعاصرين سبب إفراد "السمع" وجمع "الأبصار"، ولكن هذه المعلومات لا يؤمن عليها من التغيير؛ لأنها لم ترتق لتكون قواعد علمية بدهية مسلمة، حتى نفسر بها القرآن، أما أن نفسره اليوم بمعلومة علمية ثم نغير التفسير مع تغيير المعلومة، فهذا أمر بعيد عن الصواب. ولكن قد نقول: إن مما يدركه الواحد فينا أننا لا نستطيع أن نسمع لشخصين يقصان قصتين مختلفتين في نفس الوقت؛ لأن صوت كل واحد منهما يشوش على صوت الآخر، ولذا فهو "سمع" بالإفراد. بينما نستطيع أن نرى عدة أشياء في وقت واحد، فإننا ننظر إلى سيارة زرقاء اللون، وإلى زجاجها الأسود، دون أن يشوش النظر إلى لون السيارة على النظر إلى لون الزجاج، ولذا فهو "أبصار" بالجمع. - (لعلكم تشكرون) هذه النعم التي أنعمها الله علينا لهي أكبر حافز لنا على شكره جل في علاه، وشكر الله إنما يكون بعبادته وفق ما أراد، نعبده موحدين له، طائعين لشرعه. وختمت هذه الآية التي تتحدث عن السمع الأبصار والأفئدة باستحقاق الشكر لله؛ لأنها نعم نستخدمها في كل ساعة، بل في كل لحظة، لأن من النعم ما لا يستخدمه الإنسان إلا في أوقات متفرقة، بينما هذه النعم لا تفارقنا لا في الليل ولا في النهار، فهي أدعى أن تذكرنا بشكر خالقنا على ما أنعم علينا، وانظر في الآيات الأخرى التي تتكلم عن هذه النعم، انظر فيها كيف أنها تدعونا إلى شكر الله ؛ قال تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (المؤمنون: ٧٨) (ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (السجدة: ٩) (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (الملك: ٢٣)

стр. 86

(ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (٧٩) المفردات: - مسخرات: مذللات. - جو: الفراغ الذي فوق الأرض. - يمسكهن: يحفظهن من الوقوع. - آيات: علامات. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات بيان عظيم خلق الله الدال على أنه المستحق للعبادة وحده، وينكر الله على الكفار تعاميهم عن آية عظيمة دالة على كمال قدرته وعظيم خلقه، وهي آية طيران الطيور التي تحلق في السماء، وترتفع هذه الطيور في الجو، ولولا حفظ الله لهذه الطيور لسقطت، ولكنها محفوظة لما أودعه الله سبحانه في هذه الطيور، ولما أودعه الله في عناصر هذا الجو من خصائص. وهذا الأمر الذي يراه الكفار ولا يتعظون به، أما المؤمنون فلهم به آيات، لا آية واحدة؛ لأنهم يحرصون كل الحرص على الإيمان. المعنى التفصيلي: - (ألم يروا) هذا الاستفهام إنما هو استفهام إنكاري، فكأن الكفار لا يرون هذه الطيور التي تحلق في السماء، لأنهم لو كانوا يرونها، فإنهم سيستدلون بها على استحقاقه للعبادة وحده. - وقرأ جمهور القراء بالغيبة (يروا)؛ وذلك إعراضا عن المشركين؛ لأن أسلوب الآية السابقة هو أسلوب الخطاب (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم .... لعلكم تشكرون) (٧٨) وقرأ ابن عامر وحمزة (تروا) بتاء الخطاب على نفس أسلوب الآية السابقة؛ وذلك توبيخا للمشركين. - المقصود بقوله تعالى (الطير) كل ذي جناح يسبح في الهواء، ولا يدخل في مقصود الآية ما تعارف عليه الناس من التقسيمات العلمية الحديثة للطيور، لأنهم يدخلون الدجاج في مفهوم الطير، والمقصود بالآية ما يطير في الهواء ويسبح، قال تعالى ( ... ولا طائر يطير بجناحيه ... ) (الأنعام: ٣٨) - (مسخرات) اسم مفعول من الفعل "سخر"، فالطير مذللة لأن تطير، ومنقادة لأن تسبح في الهواء، فطيران هذه المخلوقات وتحليقها في الجو إنما هو بسبب تسخير الله هذه الحيوانات لتكون طائرة. - (في جو السماء) الجو هو الفضاء الذي فوق الأرض، وهو ما يطير فيه الطير من الهواء القريب من الأرض، وفسره بعض أهل اللغة والتفسير بالهواء، ولا بد من الإشارة إلى أنهم لا يقصدون بالهواء هذه الرياح التي تحتوي على الأكسجين، وإنما يقصدون به هذا الفراغ السماوي، وهو ما يعرف بالفضاء؛ لأن الهواء - كما في المعاجم اللغوية - كل فارغ فهو هواء، قال تعالى (وأفئدتهم هواء) (إبراهيم: ٤٣) أي: فارغة خالية، وقد ظن بعض المفسرين أن الهواء هو الغازات الموجودة في الغلاف الجوي، وهذا ليس صحيحا. - وأضيف الجو إلى السماء؛ لأن جو الشيء داخله، يقال: جو البيت، أي: داخله، فمعنى (جو السماء) أي: الفراغ السماوي؛ وإضافة الجو إلى السماء يدل على علو هذا الفراغ. - (ما يمسكهن إلا الله) فلا يحفظ الطير عن السقوط إلا حفظ الله وحده؛ لأنه هو الإله الحق، وأما غيره، فلا شأن له بهذا الحفظ؛ لأنه لا شأن له في الألوهية. - وتوحيد الله في حفظ الطير لا ينفي أن الله سبحانه خلق سننا في الكون تحفظ الطير عن السقوط، أما ما يتعلق به الماديون من أن الأسباب المادية هي التي تحفظ الطير، فنقول لهم: إن الذي خلق الأسباب كلها هو الله سبحانه، والفاعل الحقيقي هو الله خالق الأسباب والمتصرف فيها. وأكبر مثال هذه الطائرات التي صنعها الإنسان بما آتاه الله من العلم، إنما تطير وتحلق بالسماء بما أودعه الله في الأشياء من خصائص، فالله هو الحافظ بما أودع من خصائص، ولولا هذه الخصائص المودعة، لم يطر طائر ولم ترتفع طائرة. - ولكن لماذا جاء التعبير بلفظ الجلالة (الله) في هذه الآية (ما يمسكهن إلا الله)، بينما جاء التعبير باسم الله (الرحمن) في سورة (الملك:١٩) (ما يمسكهن إلا الرحمن)؟ جاء التعبير بلفظ الجلالة (الله) في هذه الآية (ما يمسكهن إلا الله)؛ لذكر التسخير في الآية (مسخرات)، ومثل هذا قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ... ) (الحج: ٦٥)، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض .. ) (لقمان: ٢٠)، (الله الذي سخر لكم البحر ... ) (الجاثية: ١٢) بينما لم يقترن التسخير باسم (الرحمن)، وقد تتبعت ذلك في القرآن، وذلك لما في التسخير من القهر، وهذا لا يتناسب وذكر الرحمة، بل يتناسب وذكر لفظ الجلالة (الله) الذي يدل على الألوهية والتسخير والتصرف. ولذا جاء التعبير في سورة (الملك:١٩) (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) فجاء التعبير عن الطير بما يفعل (صافات ويقبضن) وجاء التعبير في سورة النحل بقهر الطير وتسخيره لا بفعله (مسخرات). - جاءت جملة (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) غير معطوفة على ما قبلها؛ لأنها جاءت في مقام الجواب عن الذي قبلها (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله)؛ لأن هذا يثير تساؤلا: أكان عدم الاتعاظ عاما؟ ولذا جاء الجواب بأن الذين آمنوا يتعظون بما يرون. وهذا ما يسمى في علم المعاني بالفصل لشبه كمال الاتصال، لأن الجملة الثانية وقعت جوابا نتج عن الجملة الأولى فلم تعطف على الأولى. - (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (إن) للتأكيد على أن المؤمنين هم من يتعظون، وليسوا مثل الكفار. - (لآيات) وليس "آية"؛ لأن في خلق جسم الطير مناسبا للطيران آيات، وفي خلق الخصائص المودعة في الجو آيات أخرى. ومجال معرفة هذه الآيات هو دراسة الأبحاث العلمية عن الطيور وتحليقها، ومن طالع هذا المجال رأى الكثير الكثير من الآيات. - (لقوم يؤمنون) لماذا يتعظ المؤمنون بما يرون؟ يتعظ المؤمنون بما يرون لأنهم يريدون الله جل في علاه، ويحرصون على الإيمان وعلى ما يزيده، ولذا يرون آيات الله الدالة عليه في كل شيء، حتى تلك الأشياء التي اعتاد البشر رؤيتها، وأغمضوا عيون قلوبهم عن التفكر فيها. ومن عجيب الأمر أن قوم موسى ﵇ انبهروا بما رأوا من خلق الحية من العصا، ولو تفكروا لرأوا ذلك في أبنائهم الذين يخلقون من النطف، ولرأوا ذلك في الدجاجة التي تخرج من البيضة الميتة. فعلينا أن نتفكر فيما حولنا مما اعتدنا رؤيته، فإن اعتياد رؤية الشيء لا يلغي الاعتبار به، وإنما يتعامى من يتعامى، أعاذني الله وإياك من ظلمة القلب!

стр. 87

(والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) (٨٠) المفردات: - سكنا: استقرارا وسكينة. - تستخفونها: تجدونها خفيفة. - الأنعام: الإبل والبقر والغنم والمعز. - يوم ظعنكم: يوم ترحالكم وسفركم. - أثاثا: متاع البيت الكثير. - متاعا: انتفاعا. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات بيان عظيم خلق الله الدال على استحقاقه للعبادة، فالله وحده من جعل لنا من بيوتنا مكان راحة واستقرار وسكينة، وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتا متنقلة، نستفيد من خفتها في السفر والحضر، فننقلها بسهولة كما نشاء، ونرفعها بسهولة - أيضا - وقت نشاء. وجعل لنا من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز أثاثا لبيوتنا من أردية وأغطية وأكسية وفرش وزينة، ولنا فيها - أيضا - متاع نتمتع به ولكن إلى وقت معلوم، وزمن محدد. المعنى التفصيلي: - الواو في قوله تعالى (والله) للعطف، أي ومن نعمه عليكم أيضا، أن جعل لكم من بيوتكم سكنا. - (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) أي هو وحده الذي جعل لكم من بيوتكم سكنا، ولم يشاركه أحد، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل "وجعل الله لكم" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله، ومن تخصيص تفرده بالتصرف بالخلق، وأنه ليس له شريك سبحانه. - (جعل) لها عدة معان، ومعناها هنا هو: إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، كما في قوله تعالى (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فالأزواج لم تخلق ابتداء بل جعلت من أنفسنا. وتأمل معي - بارك الله فيك - في قوله تعالى (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) (النحل: ٨١) فالله خلق الأشياء وخلق الظلال، ولكن خص إيجاد الظلال بـ "جعل"؛ لأنه إيجاد شيء من شيء، حيث أوجد الظلال من إيجاد الأشياء، وفي هذه الآية (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا)، حيث أوجد الله لنا السكن من إيجاد البيوت. وقد يطلق الخلق على الجعل أيضا، قال تعالى (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) (النساء: ١) - وذكر (لكم) مع أنه معلوم من السياق؛ للامتنان، ولبيان كمال العناية الربانية بالخلق، وأنهم رغم كل هذه العناية فهم يشركون بالله . - (من بيوتكم سكنا) أصل البيت: المكان الذي يؤوى إليه بالليل؛ يقال "بات"، أي: أقام بالليل، و "ظل"، أي: بالنهار. ويطلق على البيت هذا الاسم دون اعتبار للإقامة به ليلا، ولكن في بيان أصل الكلمة بيان لدقة التعبير بها في السياق القرآني، فأحوج ما يكون الإنسان للمأوى في الليل، ولذلك فإن التعبير بالبيت يشير إلى فائدة الإيواء إليه ليلا والاحتماء به عن الشرور والأخطار، لما في الليل من انتشارها. - أصل السكن: ثبوت الشيء بعد تحرك. ونحن إذ نثبت في بيوتنا فإنما ذلك بعد انتقال وأعمال. وللسكن في هذه الآية معنيان: الأول: السكون والراحة، والثاني: بمعنى المفعول، أي مكان يأوي إليه الإنسان. وكلا المعنيين: السكن النفسي والسكن المادي واردان في سياق سكن البيوت، وليس واحد منهما فقط، بل هما معا، ولأجل ذلك قال تعالى (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) ولم يذكر أمر السكن فيها؛ لأنها بيوت للإيواء المادي فقط، والميزة فيها سهولة الانتقال بها وسهولة إقامتها، أما بيوت الحضر المبنية فهي للسكن المادي والنفسي معا، ولذا فإنه يعتنى فيها بكل وسائل الراحة، لأن المقصود منها ليس فقط السكن المادي، وإنما أيضا السكن النفسي، والذي هو الراحة والاستقرار والأمان. - وقد يقال: إن بعض الناس لا يستطيعون أن يتحصلوا على السكن المادي ولا النفسي في بيوتهم، وذلك لأسباب، كالحروب وانعدام الأمن، والمشاكل الزوجية، فما المقصود من إطلاق السكن على البيوت؟ المقصود هو كلا المعنيين: السكن النفسي والسكن المادي، وهذا هو الأصل في البيوت، وما كان غير ذلك فهذا خلاف الأصل لظروف استثنائية، كما أن الله سبحانه يمن علينا بنعمة البصر والسمع والكلام والأزواج والذرية، ومن الناس من لا يملك هذه النعم، ولكن الغالب من أحوال البشر أنهم يملكونها، فالخطاب على وفق الغالب. - ولكن كيف جعل الله لنا من بيوتنا سكنا ونحن الذين نبنيها؟ جعل الله سبحانه لنا من بيوتنا سكنا ونحن الذين نبنيها؛ بأن خلق لنا كل ما تبنى به البيوت، وألهمنا وعلمنا كيف نبنيها، ولولا هذا الإيجاد وهذا التعليم لما استطعنا أن نبني بيوتا لتكون سكنا لنا، وإنما هي رحمة الله وإيجاده وخلقه. - (من) في قوله تعالى (من بيوتكم سكنا) إما أن تكون بيانية أو ابتدائية، فإن كانت بيانية فإن السكن هو البيت، أي السكن هو الموضع الذي تسكنونه، فيكون التقدير: جعل لكم سكنا وهو بيوتكم. وإن كانت "من" ابتدائية، فتكون البيوت شيء غير السكن، ويكون السكن ناشئا عن البيوت، كقوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله ... ) (النحل: ٥٣) (من الله) أي أن النعمة ناشئة عن الله وواصلة إلينا منه ﷻ . وكون "من" ابتدائية أظهر؛ لأن الامتنان في هذه الآية هو بنعمة السكن الناشئة من نعمة البيوت، وليس بالبيوت فقط، فهما نعمتان، نعمة ناشئة عن نعمة. والامتنان بالنعمة الناشئة "السكن"، يتضمن الامتنان بالنعمة التي نشأت عنها "البيوت"، ولذا لم تأت الآية " جعل لكم من الحجر بيوتا ". - قدم الجار والمجرور (من بيوتكم سكنا) لبيان أن هذا الجعل أمر عجيب، وعجيب هذه النعمة أنها ناشئة عن بيوتنا، ولو كان النص في غير التنزيل: "والله جعل لكم سكنا من بيوتكم" لكان الامتنان بالسكن دون بيان أن هذا الجعل أمر عجيب. - (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا) قدم الجار والمجرور؛ لأن الامتنان بالبيوت والجلود، مع بيان عجيب هذه النعمة وأنها ناشئة عن جلود الأنعام. - ويقاس على هذا الجعل كل هذه الصناعات والاختراعات التي عملها الإنسان، من المذياع والتلفاز والهاتف المتنقل، والهاتف الثابت، والكهرباء، وذلك بأن نقول: " والله جعل لنا من المغناطيس كهرباء تنير لنا، وتدفئنا، ولنا فيها منافع أخرى، وجعل الله لنا من المعدن والبلاستيك هاتفا نحمله نتكلم به مع من بعد مكانه عنا كأنه عندنا، نسمع كلامه ويسمع كلامنا " وعلى هذا فقس بارك الله فيك؛ فنحن وما نصنع كلنا خلق الله (قال أتعبدون ما تنحتون (٩٥) والله خلقكم وما تعملون (٩٦)) (الصافات). - (تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) أي تجدون هذه البيوت المصنوعة من جلود الأنعام، تجدونها خفيفة في الترحال والإقامة. - وقدم ذكر الترحال على الإقامة (يوم ظعنكم ويوم إقامتكم)؛ لأن الحاجة إلى هذه البيوت الخفيفة في السفر أعظم منها في الإقامة. - خصت البيوت المبنية بأنها سكن دون البيوت المصنوعة من جلود الأنعام؛ لأن الميزة في جلود الأنعام هي خفتها لا السكن؛ ولأن بيوت الجلد لا تحمل معاني السكن التي تحملها البيوت المبنية. - (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا) أي أن الله سبحانه جعل من أصواف الغنم، ومن أوبار الإبل، ومن شعر المعز أثاثا، والأثاث هو متاع البيت الكثير، من أغطية وبسط ووسائد وغير ذلك من أثاث المنزل المصنوع من هذه الأشياء. - وأصل الأثاث في اللغة من أث الشيء إذ كثر. - (ومتاعا إلى حين) أي جعل الله سبحانه لنا من الصوف والوبر والشعر ما ننتفع به، وهذا الانتفاع له أمد وينتهي، وأجل وينقضي، واختلف في تحديد الحين، أهو الموت أم إلى حين الاستهلاك والبلى؟ وعلى كل فإن المتاع ليس بدائم على كل وجه، ولذا تأمل - بارك الله فيك - في هذه الآيات التي ذكرت التمتع كيف أنها قيدته بأنه غير دائم، وما ذلك إلا لأن الإنسان في غمرة التمتع قد يغفل عن مصيره، وقد يظن بأن هذا التمتع دائم. قال تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (البقرة: ٣٦) (الأعراف: ٢٤) (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) (يونس: ٩٨) (إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين) (يس: ٤٤) (فآمنوا فمتعناهم إلى حين) (الصافات: ١٤٨) - الأثاث من زمرة المتاع، فلماذا ذكر أولا ثم ذكر المتاع (أثاثا ومتاعا إلى حين)؟ ذكر الأثاث أولا مع أنه من زمرة المتاع؛ لأن سياق الآية عن البيوت، فناسب الكلام في البداية عن ما يخصها، ثم ذكر العام، وهو المتاع من باب بيان عموم النعمة.

стр. 88

(والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) (٨١) المفردات: - ظلالا: جمع ظل، ويقال لكل موضع لا تصل إليه الشمس. - أكنانا: جمع كن، وهو ما يحفظ فيه الشيء، ومعناه هنا: الكهوف ونحوها. - سرابيل: جمع سربال، وهو اللباس. - تقيكم: تحفظكم وتحميكم. - بأسكم: شدتكم في الحرب. - تسلمون: تنقادون. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات بيان عظيم خلق الله الدال على استحقاقه للعبادة، فالله وحده من جعل لنا الظلال التي تقينا حر الشمس، وجعل لنا الكهوف ونحوها في الجبال لنأوي إليها عند الحاجة. وجعل لنا الملابس التي نحفظ بها أجسادنا من أن تصاب بأذى الحر، وجعل لنا الدروع التي نلبسها لتحمينا من ضربات السيوف وطعنات الرماح ورمي السهام. وكما أن الله أتم علينا نعمه هذه، يتم علينا نعمه بنعمة الدين التي تبين لنا الحق من الباطل؛ لعلنا نستسلم لأمر الله ونوحده ونقوم بما أمرنا به. المعنى التفصيلي: - الواو في قوله تعالى (والله) للعطف، أي ومن نعمه عليكم أيضا، أن (جعل لكم مما خلق ظلالا). - وانظر تفسير الآية السابقة لمعرفة الفرق بين (والله جعل لكم) وبين قولنا "وجعل الله لكم "، ولمعرفة معنى (جعل)، والفرق بينها وبين "خلق"، ولمعرفة دلالة (لكم)، ولمعرفة دلالة تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى (مما خلق ظلالا) و (من الجبال أكنانا). - لماذا قدم ذكر الوقاية من الحر على الوقاية من البأس في قوله تعالى (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم)؟ قدم ذكر الوقاية من الحر على الوقاية من البأس؛ لأن أذى الحر في الصحراء حدث يومي، يحتاج الإنسان الوقاية منه في كل ساعة من النهار، بينما الحروب لا تكون إلا في وقائع قليلة، وكذلك، فإن الوقاية من الحر يحتاجه كل واحد من الذين يعيشون في الصحراء، من صغير وكبير، ورجل وامرأة، وشيخ وعجوز، بينما دروع الحرب لا يحتاجها إلا المقاتلون؛ فقدم ما يحتاج إليه أكثر، وأخر ما تقل الحاجة إليه. - لماذا لم تذكر الحماية من البرد في قوله تعالى (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم)؟ لم تذكر الحماية من البرد؛ لأن القرآن في بداية الأمر يخاطب عربا يعيشون في الصحراء، وهم يقاسون إذ يقاسون حر الشمس، وأما البرد فهو نادر أيما ندرة! وأما غير العرب من الذين يقاسون البرد، فما عليهم إلا أن يقيسوا الحماية من البرد على الحماية من الحر، أي كما أن الله سبحانه جعل لنا ما يقينا الحر، فقد جعل لنا ما يقينا البرد. - ما المناسبة بين ذكر البيوت في الآية السابقة، والظل والأكنان واللباس في هذه الآية؟ الآية السابقة تتكلم عن نعمة البيوت التي نحتمي فيها عن ما يؤذينا، وتتابع هذه الآية بيان ما يحتمي به الإنسان من الأذى، فالظل يحمينا من أذى الشمس، وهو مسكن مؤقت، وكذلك نحتمي في كهوف الجبال، وأيضا فإن في الملابس التي نلبسها حماية لنا من الأذى، سواء الحر أو البرد، أو أذى القتال والحروب. - ولكن لماذا ذكرت البيوت أولا؟ ذكرت البيوت أولا في سياق ما يحمي الإنسان؛ لأنها ذات الحظ الأعظم في حمايته من الأذى، ففيها الظلال والدفء والأمان، ووسائل الراحة الجسدية والنفسية. - لماذا ذكرت الظلال أولا ثم الأكنان ثم الألبسة؟ ذكرت الظلال أولا ثم الأكنان ثم الألبسة؛ لأن نفع الظلال عام لكل الناس، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم (مسلم: ٣٩٧) والشاهد من الحديث أن الظل مما يأوي إليه الناس هربا من حر الشمس. وكذلك موسى ﵊ اتخذ الظل مأوى له من حر الشمس (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) (القصص: ٢٤) وبعد ذكر الظلال ذكرت الأكنان؛ لأن الذين يحتمون بالأكنان أقل عددا من الذين يحتمون بالظلال. ثم ذكر الاحتماء بالملابس بعد ذلك؛ لأنها ملحقة إلحاقا بالبيوت والظلال والأكنان، لوجود معنى المسكن فيها؛ فكأن الإنسان يأوى إلى ملابسه ليحتمي من البرد والحر وشدة الحرب. - (كذلك يتم نعمته) إتماما مثل ذلك الإتمام، فالكاف في (كذلك) للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب. أي أن الله سبحانه يتم عليكم نعمة الدين، كما أتم عليكم النعم المادية المحسوسة. - (لعلكم تسلمون) تستخدم "لعل" للترجي، وهي هنا للرغبة، أي أن الله سبحانه أنعم علينا بنعمة الدين رغبة في انقيادنا وفق أوامره تعالى، وما ذلك إلا لينعم الله علينا النعمة العظمى، نعمة الجنة، جعلنا الله من سكانها! آمين آمين!

стр. 89

(فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) (٨٢) المفردات: - تولوا: أعرضوا. - البلاغ: إيصال الخبر. - المبين: الواضح. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة نعم الله الموجبة لتوحيده وعبادته، جاءت خاتمة الآية السابقة ببيان أن نعمة الدين هي تمام نعم الله، وما أنعم الله علينا بنعمة الدين إلا لنسلم لرب العالمين (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون). وهذه الآية تسلية وتأنيس للنبي ﷺ ، لئلا يصاب النبي ﷺ بالحزن والغم بسبب إعراض الكفار عن نعم الله، فأخبره الله بأنك يا محمد معذور لا تكلف إدخال الإيمان إلى قلوب العباد؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ الواضح. المعنى التفصيلي: - الفاء في قوله تعالى (فإن تولوا) للتفريع، أي بناء على أن الله سبحانه أتم نعمته ببيان الدين، فلا تحزن لإعراض الكفار بعد البيان، فأنت معذور. - (تولوا) فعل ماض، وقيل: يحتمل أنه فعل مضارع "تتولوا" حذفت التاء الأولى، مثل "تذكرون" و " تتذكرون"، و"تنزل" وتتنزل". ولكن الظاهر أن الفعل هو فعل ماض؛ وانظر معي في سياق هذه الآية مع الآية السابقة على فرض أنه فعل مضارع (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن) تتولوا (فإنما عليك البلاغ المبين)، حيث جاء الفعل المضارع "تتولوا" موجها للكفار بمعنى التهديد، ولكن لا يوجد جواب شرط يناسب هذا التهديد. وأما القول بأن (تولوا) هو فعل ماض، فهو المناسب للسياق؛ لأن الآية خطاب للنبي ﷺ تسلية له، وهذا يناسب أن يخبر عن الكفار بأسلوب الغيبة (تولوا) ومع النبي ﷺ بأسلوب الخطاب (عليك)، فهو خطاب مع النبي مباشرة دون حواجز من أساليب الخطاب. - (تولوا) أصل مادة "ولي" القرب، و"تولى" إن عدي بنفسه - أي أخذ مفعولا به دون الحاجة إلى حرف - دل على الولاية والقرب، نقول: تولى الأمر، وإذا عدي بـ "عن" صار معناه البعد، نقول: تولى عن الأمر، أي تركه وابتعد. ولكن ما الفرق بين "أعرضوا" و"تولوا"؟ أعرض عنه: أظهر له عرضه، إذ تركه. ولكن "تولى عنه " فيها زيادة معنى عن الإعراض؛ لأن التولي عن الشيء يقتضي الإعراض عنه، ويقتضي فوق الإعراض البعد. وخلاصة القول: إن الفعل "تولى" ينبئ عن البعد زيادة عن الإعراض. أي يا محمد لو أعرض الكفار عن الحق وزادوا بأن تولوا عنه، فأنت معذور، إذ ليس عليك إلا البلاغ فقط. - (فإنما عليك البلاغ المبين) جواب للشرط (فإن تولوا)، والمفهوم من قوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) أي أنت معذور؛ لأنك لا تكلف إدخال الإيمان إلى قلوب العباد، فيصبح معنى الآية: فإن تولى الكفار عن الدين فأنت معذور لأنه ليس عليك إلا البلاغ. - استدل بعض الجهلاء بقوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) على أن عمل النبي ﷺ إنما هو البلاغ فقط، ولذا فليس القتال من أسلوب النبي ﷺ ، وتناسوا كل النصوص التي تبين وظائف النبي ﷺ الأخرى، من حكمه للمسلمين وقضائه، وإقامة الحدود، وإعلان الجهاد. ولكن كيف يفهم هذا القصر (فإنما عليك البلاغ المبين)؟ القصر في اللغة يأتي بمعنى التخصيص، وينقسم إلى قصر حقيقي، وقصر إضافي. ومثال القصر الحقيقي "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه حقيقة مطلقة سواء ذكرت مفردة، أو كانت في أي سياق أو أي موضوع. والقصر الإضافي ليس قصرا حقيقيا عاما من جميع الوجوه، بل جاء قصرا بالإضافة إلى السياق والموضوع. ومثاله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .... ) (آل عمران: ١٤٤) فالقصر (وما محمد إلا رسول) إضافي؛ لأن للنبي ﷺ صفات أخرى غير أنه رسول، فهو عربي وزوج وأب، ولا يشترط في النبي أن يكون عربيا أو زوجا أو أبا، فمن الأنبياء من ليس عربيا ومنهم من لم يتزوج أو يرزق ذرية، ولكن هذا القصر جاء بالإضافة إلى الموضوع، فهو قصر إضافي وليس مطلقا عاما. وموضوع الآية هو الرد على من يستبعدون أن يموت النبي ﷺ ، والرد هو (وما محمد إلا رسول) كمن سبقه، يموت كما مات من سبقه. وقوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) قصر إضافي بالنسبة إلى الموضوع، والموضوع هو تسلية النبي ﷺ بسبب تولي الكفار عن الحق، فأخبره الله بأنك لا تكلف إدخال الإيمان في قلوبهم، بل عليك البيان. - (فإنما عليك البلاغ المبين) رسالة إلى الدعاة بأن لا يصابوا باليأس من قلة المستجيبين ولا بالقنوط من قلة السامعين، ولا بالحزن من كثرة الهالكين، بل عليهم أن يستمروا على ما هم عليه من البلاغ. - (البلاغ المبين) ليعلم الدعاة أن مطلق البلاغ لا يكفي، بل لا بد أن يكون بلاغا واضحا، تقام بمثله الحجة، فيبلغ عامة الناس بما يناسبهم من البيان والأسلوب، ويبلغ خاصتهم وعلماؤهم بما يناسبهم، وبغير هذا لا يكون البلاغ مبينا.

стр. 90

(يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون) (٨٣) المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة أن النبي ﷺ ليس مؤاخذا بما يفعله الكفار من التولي عن دين الله، ولكن لماذا يتولى الكفار عن دين الله ولا يؤاخذ النبي ﷺ بكفرهم؟ لا يؤاخذ النبي ﷺ بكفرهم؛ لأنهم يعرفون نعمة الله عليهم ولكنهم ينكرونها، أي ينكرون أن تكون هذه النعم دالة على استحقاقه للعبادة وحده جل في علاه. وأكثر هؤلاء المشركين، إنما أتى إنكارهم عن جحود وعناد لا عن جهل. المعنى التفصيلي: - جاءت جملة (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها) غير معطوفة على ما قبلها؛ لأنها جاءت في مقام الجواب عن الذي قبلها (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) وهذا ما يسمى في علم المعاني بالفصل لشبه كمال الاتصال، لأن الجملة الثانية وقعت جوابا نتج عن الجملة الأولى فلم تعطف على الأولى. والبيان الناشئ عن الآية السابقة، هو أن النبي ﷺ معذور لتولي الكفار عن دين الله؛ وذلك لأن النبي ﷺ أقام الحجة عليهم بالبلاغ، فعرفوا نعم الله، ولكنهم أنكروها من عند أنفسهم. - لماذا جاء التعبير بـ (يعرفون)، وليس "يعلمون"؟ جاء التعبير بـ (يعرفون)، وليس "يعلمون"؛ لأن مقابل (يعرفون) (ينكرون)، ومقابل "يعلمون" "يجهلون"، والآية إنما جاءت لسياق إنكار الكفار نعم الله. وأيضا فإن معنى (يعرفون) هو تمييز نعمة الله عن طريق العلامات المميزة، أي أن المعرفة هي العلم الظاهر الذي يستطيعون به تمييز النعمة أنها من الله لا من الأصنام أو غير ذلك. ذكر بعض العلماء فروقا بين "العلم" و"المعرفة"، ولكن منهم من اعتمد على المعاني الاصطلاحية، كاصطلاح العالم والعارف، وأراد أن يبين الفرق بينهما في القرآن بناء على هذا الاصطلاح الحادث، وهذا شيء عجيب. ولا أريد أن أعرض هذه التعريفات فهذا أمر يطول، ولكن لنقف سويا أمام كتاب الله، وسنة النبي ﷺ ؛ لنلاحظ الفرق بين "المعرفة" و"العلم ": قال تعال (يعرف المجرمون بسيماهم .... ) (الرحمن: ٤١) أي يميز المجرمون عن غيرهم بالعلامات المميزة، وهذا علم سطحي ظاهري. وكذا قوله تعالى (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم .... ) (الأعراف: ٤٦) فأهل الأعراف يميزون أهل الجنة بالعلامات الدالة عليهم كبياض وجوههم وغير ذلك، ويميزون أهل النار بسواد وجوههم أو غير ذلك. وأهل الكتاب يميزون النبي ﷺ بصفاته والعلامات الدالة عليه (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ... ) (البقرة: ١٤٦) وعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا (البخاري: ١٩) وفي هذا الحديث فرق بين المعرفة والعلم، فالمعرفة هي علم بالظواهر المميزة (حتى يعرف الغضب في وجهه) والعلم معرفة بدقائق الأمور (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وقال أبي بن كعب ﵁ فقال أخذت صرة مئة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال عرفها حولا فعرفتها حولا فلم أجد من يعرفها ... (مسلم: ٢٢٤٨) (عرفها) أي: اذكر من الصفات ما يميزها. - التعبير بالمضارع (يعرفون) و (ينكرونها) يدل على أن المعرفة مستمرة باستمرار النعم، والإنكار مستمر باستمرار المعرفة. - قيل معنى "النعمة" هو النبي ﷺ ، وقيل: النعم المادية المحسوسة. والصحيح أن هذا كله مقبول؛ لأن الآية جاءت في سياق آيات النعم الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده، لأن نعمة "الدين" قد ذكرت ضمن نعم الله (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) (النحل:٨١)، ويلزم عن كون "الدين" نعمة أن يكون "النبي" نعمة أيضا؛ لأنه سبب تبليغنا هذه النعمة. - التعبير بالمفرد (نعمة) من باب الجنس، أي أن معنى (نعمت الله) أي جنس نعمة الله، ولكن لماذا لم يأت التعبير بالجمع "نعم الله"؟ قد يقال: إن المراد هو جنس النعم، وهذا يستوي فيه الجمع والمفرد؛ لأن المراد هو الجنس. ولكن قد يقال أيضا: إن الكفار لا يعرفون كل نعم الله، بل يعرفون بعضها (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) (النحل: ١٨)؛ ولأنهم لا يعرفون كل النعم كان في التعبير عن الجنس بالمفرد إشارة إلى ذلك. - حرف (ثم) في قوله تعالى (ثم ينكرونها) ليس للبعد الزمني بين المعرفة والإنكار، بل للبعد الرتبي بين رتبة المعرفة ورتبة الإنكار؛ لبيان أن البعد بينهما عظيم، إذ تقتضي المعرفة أن يشكر أصحابها لا أن ينكروا، وهذا من باب بيان عجيب تفكير المشركين. - (ينكرونها) أي ينكرون أن تكون هذه النعم موجبة لعبادته وحده ، أي أن معنى ينكرونها هو: لا يشكرون الله رغم ما يعرفون؛ لأن النعم موجبة للشكر من جهة الإنعام والفضل، وموجبة للشكر - أيضا - من جهة دلالتها على استحقاق الله للعبادة وحده. - ومن صور إنكار نعمة الله التي بقيت حاضرة في قلوب بعض المسلمين، هي اعتمادهم على الأسباب بأنها هي الفاعل الحقيقي، فيقول أحدهم: أنا من علم أبنائي، ولولا عنايتي بهم لضاعوا. ولا يستحضر في قلبه أن هذا من توفيق الله . بل أذكر حادثة وقعت في يوم من الأيام، حيث ذهبت لأهنئ أحدهم بنجاحه في الثانوية العامة، فقلت له: مبارك نجاحك، وهذا من فضل الله عليك. فغضب، وظن أنني أقدح بقدراته وقال: أنا نجحت باجتهادي. فقلت له: أنك اجتهدت وتعبت، ولكن من فضل الله أن أعطاك العقل وحبب إليك العلم، ويسر لك الظروف المناسبة، وأنا إذ قلت ما قلت لم أنقص من قدر اجتهادك، ولكن أردت أن أذكرك بنعمة الله عليك، لأن بعض الناس يغفلون عن استحضار نعمة الله عليهم في نشوة الفرحة. - (وأكثرهم الكافرون) لماذا جاء التعبير عن الذين لا يشكرون الله ولا يعبدونه ويشركون به بالأكثر (وأكثرهم) علما بأن كل من لا يعبد الله كافر؟ قيل: لأنه كان فيهم الصبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر؛ البالغين الأصحاء. ولكن هذا مناقش بأن الصبي ومن لا يعقل ليسوا مكلفين، فلا ينسب إليهم إنكار نعمة الله؛ لأن إنكار نعمة الله كفر. وقيل: ذكر الأكثر وأراد الجميع؛ لأن أكثر الشيء، يقوم مقام الكل. وهذا مناقش بأنه بعيد؛ لأن التعبير بالأكثر لا يكون بمعنى الكل لا للفظا ولا معنى، ويعصم عن مثل هذا كلام البشر، فكيف كلام الله؟؟!! فلو قال بعض الناس: وأكثر. ثم قال: أردت بالأكثر الكل. لم يقبل ذلك منه. وقيل: أراد بالكافرين من سيموتون على الكفر. وهذا مناقش بأن أكثر أهل مكة لم يموتوا كفارا بل دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة. والأظهر أن المراد بالكافر: الجاحد المعاند، لأن في أهل مكة من لم يكن معاندا، بل جاهلا بصدق النبي ﷺ ، فيكون معنى الآية: وأكثرهم كافرون جحودا ومعاندة، وبعضهم كافرون لعدم اتضاح الصورة أمام عيونهم بعد؛ ولذا دخل من دخل الإسلام من قريش كلما لاح له النور، فاليوم عبد الله بن مسعود، واليوم حمزة بن عبد المطلب، وبعدهم عمر بن الخطاب، وهؤلاء الصحابة ﵃ لم يكونوا معاندين جاحدين قبل دخول الإسلام، بل كانوا جاهلين، ولذا فما أن ظهر لهم النور إلا اتبعوه، وهؤلاء من استثناهم الله سبحانه ممن بقي على الشرك ولم يؤد العبادة لله شكرا على نعمه. - وجملة " وأكثرهم الكافرون " حال من الواو في " ينكرونها "، أي يا محمد أنت معذور لأن الكفار هم من اختار إنكار نعمة الله، بل زيادة على هذا، فإن أكثر هؤلاء منكر عن جحود وعناد لا عن جهل.

стр. 91

(ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون) (٨٤) المفردات: - نبعث: نرسل. - شهيدا: شاهدا، وهو نبي كل قوم. - يؤذن: يسمح. - يستعتبون: يسترضون. المعنى الإجمالي: هذه الآية تكملة لسياق تسلية النبي ﷺ ، حيث يخبره الله أن المشركين الذين (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ... ) (النحل: ٨٣) سيجزون يوم القيامة جزاء كفرهم. فالله سيخرج من كل أمة من الأمم نبيها ليشهد عليها، وبعد شهادته لا يسمح للكفار أن يعتذروا، ولا يسترضون، فقد فات الأوان، وحان الهوان. المعنى التفصيلي: - الواو (ويوم نبعث) استئنافية، و (يوم) مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكر، أو: خوفهم. وتقدير الفعل بـ "اذكر" أنسب في السياق؛ لأن السياق سياق تسلية للنبي ﷺ ، وتقدير الفعل بـ "خوفهم" فإنما يكون في سياق الإرشاد والأمر لا في سياق التسلية. - التسلية في هذه الآية وفق سياق الآيات هي: إنك يا محمد معذور، ولا تحاسب على كفرهم، لأنك لا تكلف إلا البلاغ المبين، وأيضا فهم معاندون إذ يعرفون نعمة الله ثم يشركون، فلا تحزن يا محمد واذكر يوم يبعثون في الآخرة، حيث إن لهم الجزاء العظيم، والعذاب الأليم. - التعبير بالجمع (نبعث) للتعظيم؛ لأنه أمر عظيم لا يقدر عليه إلا العظيم . - (نبعث) أصل البعث في اللغة: الإثارة، ويختلف معناه وفق السياق، ففي قوله تعالى ( ... والموتى يبعثهم الله ... ) (الأنعام: ٣٦) يكون معنى البعث: إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم وتسييرهم إلى المحشر. وفي هذه الآية (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) يكون معنى (نبعث) هو: نرسل يوم القيامة النبي ليشهد على قومه. - (من كل أمة شهيدا) قدم الجار والمجرور (من كل أمة)؛ لأن المقصود أصالة في هذا السياق هو أن كل أمة سيشهد عليها، ولو قلنا في غير التنزيل "نبعث شهيدا من كل أمة " لصار المقصود أصالة من النص هو أن الشهيد سيكون متعددا بتعدد الأمم. وهذا ليس المقصود أصالة في هذه الآية، بل المقصود هو تسلية النبي بأن كل أمة سيشهد عليها وأمتك من ضمنهم، ولذا سيحاسب المكذبون على ما هم فيه، وليس المقصود هو الكلام على تعدد الشهداء، وأنهم أكثر من شهيد، وأن عددهم بعدد الأمم. - (شهيدا) شاهدا، وهو نبي كل قوم. - ولكن الله لا يحتاج إلى معاون لإقامة الحجة على الكافرين، فلماذا الشهداء؟ الله أعلم بما يفعل وهو لا يسأل، ولكن فيما يبدو لنا أن الله سبحانه يشهد الأنبياء على أقوامهم؛ إكراما للأنبياء، وخزيا للكفار؛ بأن الذي كنتم تحتقرونه وتكفرون به وتستهزئون، إنما هو من ستكون شهادته سببا في دخولكم النار. - (ثم لا يؤذن للذين كفروا) (ثم) حرف عطف، وهو للتراخي الرتبي لا الزمني، فأمر شهود نبيهم عليهم عظيم، والأعظم منه عدم السماح لهم أن يتكلموا فيعتذروا،؛ لأن النبي قد يشهد على قومه، ولكن إذا سمح للكفار أن يعتذروا ويسترضوا ربهم فلا مشكلة عندهم، ولا تشكل شهادة نبيهم عليهم خطرا؛ لأنهم في هذه الحالة سوف يرضون ربهم بالاعتذار وينتهي الأمر. - (ولا هم يستعتبون) الواو للعطف، أي لا يؤذن لهم بالاعتذار، وأيضا فإنهم لا يسترضون. - جاء النص بذكر الضمير المنفصل (هم) من باب التهديد لهم، فلو جاء النص " ولا يستعتبون " من دون ذكر (هم)، لدل على أن الذين لا يستعتبون هم الكفار؛ لأن الإظهار في سياق يكفي فيه الإضمار إنما يكون لتأكيد المعنى. - (ولا هم يستعتبون) أي لا يسترضون، وهو من العتبى بمعنى الرضى، أي لا يسترضون بأي شيء، كإدخالهم الجنة، أو إعطائهم فرصة أخرى بالرجوع إلى الدنيا، أو غير ذلك. وقال بعض أهل العلم: (يستعتبون) أي يطلب إليهم أن يرضوا ربهم إما بالقول وإما بطلب الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا. ولكن كون معنى (يستعتبون) أي: يطلب رضاهم، أرجح من جهة السياق من معنى: يطلب إليهم أن يرضوا ربهم؛ لأن قوله تعالى (ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون) يشتمل على أمرين اثنين: الأول: (لا يؤذن للذين كفروا) أي بالاعتذار. والثاني: (ولا هم يستعتبون) أي: ولا يطلب رضاهم. ولكن لو قلنا: إن المعنى: لا يطلب إليهم أن يسترضوا ربهم، لكان إعادة لمعنى الجملة التي قبلها (لا يؤذن للذين كفروا) بالاعتذار، وعلى هذا يكون المعنى: لا يؤذن للكفار أن يعتذروا كي يرضوا ربهم، ولا يطلب إليهم أن يرضوا ربهم، وكلا الأمرين مفادهما الاعتذار. أما لو كان المعنى (ولا هم يستعتبون) أي: ولا يطلب رضاهم، لكان السياق متوافقا، أي لا يسمح لهم بالاعتذار من جهتهم، ولا يرضون من جهة ربهم. وأيضا من غير الصحيح أن يكون معنى (ولا هم يستعتبون): لا يطلب إليهم أن يسترضوا ربهم؛ لأن من لا يسمح له بالاعتذار لا يطلب منه الاعتذار، إذ لم يقبل اعتذارهم وقد كان من تلقاء أنفسهم، فكيف يطلب الاعتذار طلبا؟!! - ولقائل أن يقول: كيف يرضيهم الله وهو سبحانه لم يسمح لهم بالاعتذار؟ أقول: عدم السماح بالاعتذار قد يوهم بعض الناس أنه بسبب أن الله راض عنهم ولا يريد اعتذارهم، ألا ترى - ولله المثل الأعلى - أن الابن قد يخطئ فيأتي ليعتذر لأبيه، فيشفق عليه الأب، فيقول له: لا أريد منك الاعتذار. وإنما كان ذلك شفقة من الأب ورحمة؛ لأنه سامح ابنه على ما كان منه، فحتى لا يظنن ظان أن عدم السماح للكفار إنما هو لرضى الله عنهم، جاء نفي إرضائهم أيضا.

стр. 92

(وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون) (٨٥) المفردات: - ينظرون: يمهلون. المعنى الإجمالي: وتتابع هذه الآية سياق التسلية للنبي ﷺ ، فقد بينت الآية السابقة ما يحل بالكفار من الخزي في المحشر، حيث يشهد عليهم أنبياؤهم ولا يؤذن لهم بالاعتذار، وبعد موقف الكفار في المحشر يساقون إلى النار، فإذا رأوا العذاب واقعا بهم طلبوا التخفيف، ولكن هيهات هيهات، وكذلك لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون. المعنى التفصيلي: - (وإذا رأى) الواو للعطف، أي بعد الموقف العظيم في المحشر وما نال الكفار من الخزي، فإنهم إذا رأوا العذاب .... - (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب) جاء التعبير بـ (الذين ظلموا) مع أن الإضمار مفهوم " وإذا رأوا العذاب " لبيان سبب استحقاقهم العذاب؛ لأنهم ظالمون بشركهم وكفرهم. - (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب) سألوا الله أن يخفف عنهم - (فلا يخفف عنهم) "لا يخفف" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو"، وجملة "فهو لا يخفف عنهم" جواب للشرط (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب). وإنما قدر المبتدأ "هو"؛ لأن جواب الشرط حين يكون مضارعا، لم يحتج إلى فاء، كقوله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) (الحج: ٧٢)، ولكن يجوز اقتران الفعل المضارع بالفاء في جواب الشرط، وحينئذ يكون الفعل المضارع خبرا لمبتدأ محذوف، وعلى هذا فجواب الشرط جملة اسمية. - (ولا هم ينظرون) الجملة معطوفة على ما قبلها، أي لا يخفف عن الكفار ما هم فيه من العذاب، وكذلك لا يؤخرون ولا يمهلون، بل العذاب قائم بهم دائم عليهم. - الضمير المنفصل (هم) في قوله تعالى (ولا هم ينظرون) زيادة في تأكيد أن إمهال الكفار ممتنع، لأن الإظهار في سياق يكفي فيه الإضمار إنما يكون لتأكيد المعنى. - الكفار لا يدركون خطورة نتيجة ما قاموا به إلا عندما يرون العذاب واقعا بهم، ومن لا يدرك خطورة عمله إلا عندما يرى النتائج فذلك أحمق.

стр. 93

(وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) (٨٦) المعنى الإجمالي: وهذه الآية تكملة لتسلية النبي ﷺ ببيان حال مكذبيه يوم القيامة. فإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من أصنام وأوثان قالوا: يا ربنا هؤلاء هم شركاؤنا، فقد كنا نعبدهم من دونك، فينطق الله المعبودين، فيكذب المعبودون المشركين في دعواهم؛ لأنهم لم يشاركوا المشركين ما هم فيه من الشرك، وإنما اتخذهم المشركون من تلقاء أنفسهم، لذا؛ فلا شأن لهم في قضية الشرك من قريب أو بعيد (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (٥) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (٦)) (الأحقاف) المعنى التفصيلي: - (وإذا) الواو للعطف، أي: ومن الفظائع التي ستقع للمشركين أن يتبرأ منهم المعبودون. و (إذا) ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشرط، وجوابه (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك). - ذكر قوله تعالى (الذين أشركوا) في قوله تعالى (وإذا رأى الذين أشركوا) ولم يكتف بالضمير العائد على ما في الآية السابقة؛ لأن الإظهار في موضع الإضمار لتأكيد المعنى. وثانيا: فإن المذكور في الآية السابقة (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (٨٥)) هم (الذين ظلموا)، وذكرهم في سياق استحقاق العذاب مناسب؛ لأن للظلم صورا كثيرة؛ ولأجل هذه الصور الكثيرة استحق الظالمون العذاب، بينما هذه الآية تتكلم عن تبرؤ المعبودين ممن أشرك مع الله وعبدهم، ولذا ناسب وصفهم بـ (الذين أشركوا)؛ لأن الشرك نوع من الظلم، فذكر الجانب الأخص في التعبير. - (شركاءهم) أي الذين عبدهم الكفار دون الله ، وأضيفوا إلى الكفار؛ لأنهم اتخذوهم شركاء من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بهذا، وليس لأنهم شركاء حقيقيون. - (قالوا) أي: المشركون (ربنا هؤلاء شركاؤنا)، وهذا القول إنما يقوله المشركون عندما يرون شركاءهم؛ ظنا منهم أن يعفو الله سبحانه عنهم ويحول العذاب إلى الشركاء، أو أن يخفف عنهم العذاب، ويقسمه بينهم وبين شركائهم. - (ربنا): منادى منصوب، أي: يا ربنا، والدعاء بـ (ربنا) لما لكلمة "الرب" من معاني الرعاية واللطف. - (شركاؤنا) أي الذين عبدهم المشركون من دون الله، وأضيف الشركاء إلى الكفار؛ لأنهم هم من اتخذهم من دون الله من تلقاء أنفسهم. - (الذين كنا ندعو من دونك) (الذين) نعت للشركاء، أي صفة هؤلاء الشركاء هم (الذين). - جاء التعبير عن الأصنام وغيرهم من الشركاء بصيغة جمع العقلاء (هؤلاء) (الذين)؛ لأن المشركين اعتقدوا أنهم عقلاء، أو لأن فيهم من هو من جنس العقلاء، فعبر عنهم تغليبا. - (ندعو) أي نعبد، وجاء التعبير بالدعاء لأنه من أبرز أنواع العبادة، ولذا جاء حديث النبي ﷺ دالا على هذا المعنى (إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر:٦٠) وهو حديث صحيح، رواه (أحمد: ١٧٦٢٩) (الترمذي: ٢٨٩٥) (أبو داود: ١٢٦٤) (ابن ماجه: ٣٨١٨). - (فألقوا) أي الشركاء هم من ألقى القول، والفاء للتعقيب؛ للدلالة على سرعة الرد، وعبر عن الشركاء بجمع العقلاء مشاكلة لما يعتقده الكفار، أو لأن فيهم من هو من جنس العقلاء، فعبر عنهم تغليبا. - (فألقوا) أي قالوا لهم، وألقيت إليه كذا، أي قلت له كذا. - ما دلالة كلمة (ألقوا) في قوله تعالى (فألقوا إليهم القول)؟ بعد التتبع لتصاريف مادة " لقي" في القرآن، والوقوف على معانيها في المعاجم، والنظر في دلالة الإلقاء مع القول، وجدت أن لمادة "لقي" ثلاثة معان ذكرها ابن فارس في (مقاييس اللغة)، منها: النبذ والطرح، وهو المعنى المتفرع عنه في هذه الآية، أي أنهم ردوا بقوة ووضوح، كأن القول شيء يطرح على من أمامه، وهذا يبين قوة القول وأنه ذو شأن. ويأتي الإلقاء مع غير القول على سبيل المثال: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) (الشعراء:٢٢٣) (أو ألقى السمع وهو شهيد) (ق: ٣٧) (وألقيت عليك محبة مني) (طه: ٣٩) (تلقون إليهم بالمودة) (الممتحنة: ١) (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) (النحل: ٨٧) وتجتمع المعاني من ناحية الأصل، ولكن السياق يوجه المعنى توجيها يتوافق معه، ليبرز المعنى بلون مختلف مع اتحاده مع أصله من ناحية المادة المكونة. - وجملة (إنكم لكاذبون) تفسيرية للقول الملقى، أي قال الشركاء للمشركين (إنكم لكاذبون) بدعواكم أننا شركاؤكم، بل هذه أسطورة أنشأتموها وحدكم، وليس لنا فيها أي شأن. واكد القول بتأكيدين، الأول: إن (إنكم)، والثاني: اللام المزحلقة (لكاذبون).

стр. 94

(وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون) (٨٧) المفردات: - السلم: الاستسلام والانقياد. - وضل عنهم: غاب عنهم. - يفترون: يكذبون. المعنى الإجمالي: وبعد أن كذب المشركون ممن كانوا يتخذونهم آلهة من دون الله، استسلموا لأمر الله وانقادوا صاغرين، وقد غاب عنهم كل ما كانوا ينسجونه من الأكاذيب من أن آلهتهم المزعومة ستنصرهم، أو غير ذلك من الأكاذيب التي اعتمدوا عليها في شركهم. المعنى التفصيلي: - (وألقوا) الواو للعطف، أي بعد أن كذب المعبودون من دون الله المشركين، ألقى المشركون الاستسلام والخضوع. - (يومئذ) تعريض بهم أنهم لم يكونوا منقادين لحكم الله في الحياة الدنيا. - (السلم) الاستسلام، وأصل مادة "سلم" من الصحة والعافية، وهذا ما قاله ابن فارس في (مقاييس اللغة)، والاستسلام هو طلب العافية عن طريق الانقياد. - ما دلالة (ألقوا) في قوله تعالى (وألقوا إلى الله يومئذ السلم)؟ أصل معنى الإلقاء - هنا - هو الطرح والنبذ، والمقصود به كمال الذل، فهم لم يستسلموا فحسب، بل كأن استسلامهم شيء محسوس أظهروه وزيادة في إظهاره ألقوه إلى خصومهم، كالذي يستسلم ومعه سلاحه، فإنه يستسلم ويلقي سلاحه أرضا؛ إتماما لاستسلامه. - (وضل عنهم) ضل أي ضاع، أي أنه غاب عنهم فلم يجدوه، ولكن من هذا الذي غاب عنهم فلم يجدوه؟ إنه الذي (كانوا يفترون)، فـ (ما) في قوله تعالى (ما كانوا يفترون) اسم موصول في محل رفع فاعل. - (يفترون) أي يدعون الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فهم يفترون على الله الكذب، أي يقطعون به، وليس مجرد تكذيب في سياق التفكير والبحث عن الحق. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر إلى قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب) (النساء:٥٠) (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. ووجه الشاهد أن الافتراء استعمل في الكذب، ولكنه ليس الكذب؛ لأنهم يفترون الكذب، والافتراء في أصله هو القطع. - (ما كانوا يفترون) أقوى في الدلالة من " ما يفترون "؛ لما تعنيه "كان" من الوجود، للتنبيه على أنه قد وقع حقا. وافتراء الكفار يدور حول قولهم: إن لله شركاء، وما يترتب عليه من نصرتهم للمشركين. ألا ساء ما يفترون!! - الآية مكونة من قسمين، الأول: (وألقوا إلى الله يومئذ السلم)، و القسم الثاني: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) ولكن لماذا جاء هذا الترتيب وليس العكس؟ جاءت الآية وفق هذا الترتيب تنبيها على مصيرهم بعد الاستسلام، أي أن الكفار ذلوا وخضعوا واستسلموا، وحتى يخمد كل بصيص أمل في أذهان الكفار، جاء ختم الآية ببيان أن معتقداتهم إنما هي خرافة، وأن أحدا لن ينفعهم، فهم لا أمل لهم البتة.

стр. 95

(الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) (٨٨) المعنى الإجمالي: ما زال السياق سياق تسلية للنبي صل الله عليه وسلم، حيث تخبره الآية الكريمة بأن الكفار ليسوا في مستوى واحد من العذاب، بل إن هؤلاء الذين كفروا وزادوا على كفرهم أن صدوا عن سبيل، فإنهم يا محمد سيزاد لهم عذاب آخر فوق العذاب، لأنهم ما كفروا واكتفوا، بل زادوا بأن أفسدوا في الأرض بصدهم عن دين الله. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ بأن أئمة الكفر وساداته سيعاقبون العقاب الأشد والأعظم. المعنى التفصيلي: - (الذين) الاسم الموصول يدل على العموم، و إن كانت السورة مكية، والآية نزلت بخصوص كفار مكة تسلية للنبي ﷺ ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذا يندرج تحت هذا اللفظ العام (الذين) كل من كفر وصد عن سبيل الله، مهما يكن جنسه أو جنسيته أو موطنه أو زمنه. - ما دلالة البدء بالاسم الموصول (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله .. ) وليس الفعل "زدنا الذين كفروا وصدوا ... "؟ البدء بالفعل "زدنا الذين كفروا وصدوا ... " يدل على زيادة العذاب لمن كفر وصد عن سبيل الله، بينما البدء بالاسم الموصول (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) يدل - أيضا - على زيادة العذاب لمن كفر وصد عن سبيل الله، ولكن فيه تنبيه على فئة جمعت بين الكفر والصد عن سبيل الله، والتنبيه على فئة ما في مقام بيان خزيهم، إنما هو زيادة في خزي هذه الفئة، والتنبيه على فئة ما في مقام المدح، إنما هو زيادة في المدح. ولتقريب الصورة أضرب مثلا من أمثلة أثر التقديم والتأخير على المعنى، فهنالك فرق بين قولي: أكرمت زيدا. وبين قولي: زيد أكرمته. ففي الأولى "أكرمت زيدا"حصل التنبيه على الإكرام بداية، بينما في الثانية "زيد أكرمته" حصل التنبيه على زيد المكرم بداية. - (كفروا وصدوا عن سبيل الله) من الكفار من وقع في جريمة واحدة، وهي الكفر فقط، ولكن العناصر النشطة عند الكفار وقعوا في جريمتين، الأولى: الكفر، والثانية: الصد عن سبيل الله، ولأنهم وقعوا في جريمتين اثنتين، وقع عليهم عذابان اثنان. - (وصدوا) قيل: إن "صد" في الآية فعل لازم غير متعد، صدوا صدودا، أي: أعرضوا، وهذا غير صحيح، لأن الكفر إنما هو إعراض، وإنما استحقوا العذابين لأنهم كفروا أولا، وصدوا غيرهم ثانيا، فـ"صد" في الآية إنما هو فعل متعد، أي: صدوا الناس عن سبيل الله، يقال: صده عن الأمر يصده صدا. - (وصدوا) قد يقول قائل: إن معنى "الصد" هو: "المنع"؛ لأن المنع هو: أن تحول بين الرجل وبين ما يريد، وهو خلاف الإعطاء. فيقال له: أصبت ولكن ليس كل المعنى، فـ"الصد" هو: المنع، وزد عليه "الصرف" أيضا، ومعنى: صرف القوم فانصرفوا، أي: أرجعهم فرجعوا، إذن فـ"الصرف" يكون بالتوجيه لشيء آخر. - (عن سبيل الله) السبيل: الطريق الذي فيه سهولة، يذكر ويؤنث، و (سبيل الله) الطريق الموصلة إلى الله ، وهي دينه. ويحدد معنى (سبيل الله) في السياق القرآني بالقرائن الدالة على نوعه، فعند ذكر القتل أو القتال مع (سبيل الله) فإنما هو الجهاد، وهكذا، ولولا الخوف من أن يخرج الكلام عن مقصوده، لعرضت كل الآيات التي ورد فيها ذكر (سبيل الله)، وبينت المعنى في كل موطن. - (وصدوا عن سبيل الله) والكفار إذ يعادون دين الله فهم يمنعون الناس من الالتزام به، وزيادة على هذا يردونهم إلى غير الإسلام، يردونهم إلى العلمانية والاشتراكية والديمقراطية وغير ذلك من الضلال الذي لم ينزل الله به سلطانا، وهذا المنع للناس وهذا الصرف إنما هو ما تعبر عنه كلمة " الصد". - ولكن لماذا ذكرت جريمة الكفر أولا ثم جريمة الصد عن سبيل الله (كفروا وصدوا)؟ ذكرت جريمة الكفر أولا ثم جريمة الصد عن سبيل الله؛ لأن وجود الكفر في الواقع يكون أولا ثم الصد، فذكر السبب ثم المسبب. - (زدناهم) الـ"نا" للتعظيم؛ لأن أمر زيادة العذاب في الآخرة لا يكون إلا للعظيم . - لماذا جاء التعبير بصيغة الماضي (زدناهم) مع أن الزيادة إنما تكون في الآخرة؟ جاء التعبير بصيغة الماضي (زدناهم) من باب التعبير عن المستقبل بالماضي دلالة على تحقق وقوعه، وأمثاله في القرآن كثير، وأذكر ما ذكرت في تفسير أول كلمة في سورة النحل (أتى)، حيث جاء التعبير بالماضي (أتى) في قوله تعالى) أتى أمر الله (وذلك لأن وضع الماضي موضع المستقبل دلالة على قرب الوقوع وعلى تأكده، كقوله تعالى:) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ((الأعراف:٤٤) وقوله) ونفخ في الصور ((الكهف:١٠٠) فالفعل "نادى" و"ونفخ" فعلان ماضيان يتحدثان عن أمور مستقبلية؛ للدلالة على تحقق الفعل المستقبلي كأنه وقع. - (عذابا فوق العذاب) وهذا العذاب كله في الآخرة، لأن العذاب الأول نكرة (عذابا)؛ لأنه لم يكن خاطرا في الذهن، والعذاب الثاني معرف بالألف واللام؛ لأنه معروف في الذهن لكثرة وروده في القرآن الكريم؛ ولأنه وارد في السياق قبل عدة آيات (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون) (٨٥) - (بما كانوا يفسدون) الباء للسببية، أي بسبب إفسادهم استحقوا زيادة العذاب، و "ما" مصدرية، " ما يفسدون" معناها: إفسادهم. ودلالة (كانوا) هي التأكيد على وقوع الإفساد منهم؛ لما تعنيه "كان" من الوجود. - الصد عن سبيل الله إفساد في الأرض، ولكن أصحابه يدعون الإصلاح (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (١٢)) (البقرة).

стр. 96

(ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (٨٩) المفردات: - نبعث: نرسل. - شهيدا: شاهدا، وهو نبي كل قوم. المعنى الإجمالي: وما زال السياق سياق تسلية للنبي ﷺ ، فإن الله سيبعث في كل أمة من الأمم نبيهم الذي أرسل منهم شاهدا عليهم، وسيكون محمد ﷺ شاهدا على قومه. وكذلك فإن الله سبحانه أنزل القرآن على محمد ﷺ تبيانا لكل شيء تحتاجه أمته لصلاح دنياها وآخرتها، وهدى من الضلال، ورحمة لمن آمن به واتبعه، بل رحمته تتعدى من لم يؤمن، وكذلك أنزله ليكون بشرى للمسلمين. المعنى التفصيلي: - قال كثير من أهل التفسير: هذه الآية تكرير لقوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون) (النحل: ٨٤)، وقالوا: هذا التكرير لتأكيد التهديد. ولكن قوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون) (النحل: ٨٤) جاء في سياق تسلية النبي ﷺ بما سوف يحل بالكفار المكذبين من شهادة أنبيائهم عليهم، وبما سوف يلاقيهم من العذاب، وفق ما سبق بيانه في محله، بينما قوله تعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء .... ) (٨٩) هو تشريف للنبي ﷺ بما له من مقام الشهادة، تسلية للنبي ﷺ . وأما قوله تعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم) ففيه زيادة في المعاني عن الآية (٨٤)، وهو أيضا توطئة لذكر شهادة النبي ﷺ ، ولما جاء من تخصيص الأنبياء ﵈ بالبعث (نبعث)، والنبي ﷺ بـ (وجئنا بك). - الواو (ويوم نبعث) استئنافية، و (يوم) مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكر، أو: خوفهم. وتقدير الفعل بـ "اذكر" أنسب في السياق؛ لأن السياق سياق تسلية للنبي ﷺ ، وتقدير الفعل بـ "خوفهم" فإنما يكون في سياق الإرشاد والأمر لا في سياق التسلية. - (نبعث) النون للتعظيم؛ لأن هذا الأمر عظيم لا يقدر عليه إلا العظيم . - (نبعث) أصل البعث في اللغة: الإثارة، ويختلف معناه وفق السياق، ففي قوله تعالى ( ... والموتى يبعثهم الله ... ) (الأنعام: ٣٦) يكون معنى البعث: إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم وتسييرهم إلى المحشر. وفي هذه الآية (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا) يكون معنى (نبعث) هو: نرسل يوم القيامة النبي ليشهد على قومه. - جاء النص (نبعث في كل أمة شهيدا) (نبعث في)، بينما جاء النص في الآية (النحل: ٨٤) (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ... ) (نبعث من) وليس "في"، فما الفرق بين النصين؟ لقد بحثت فيما كتب فلم أجد - وفق جهدي - إلا من قال: ليوجد التفنن بين المكررين تجديدا لنشاط السامعين. ومنهم من قال: إن "في" بمعنى "من". ولكن هنالك فرق بين "من" و"في"، أما أن الحروف يقوم بعضها مكان بعض دون معنى زائد لهذا الاستخدام، هو مما لا يصح؛ لأن كل حرف جاء لأداء معنى، فلا يكون قيام حرف مكان حرف ولا كلمة مكان كلمة إلا لمعنى زائد، عرفه من عرفه، وجهله من جهله. فالبعث في قوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا .... ) (النحل: ٨٤) هو بمعنى "جئنا" كقوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ... ) (النساء:٤١) وكمعنى "نزعنا" (ونزعنا من كل أمة شهيدا ... ) (القصص: ٧٥)؛ لأن أصل البعث الإثارة. و قوله تعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا) معناه أن الله يرسل النبي ليكون مقامه في قومه شاهدا عليهم. أما لماذا استخدم هنا حرف "من" وهنا حرف "في" فبيانه ما يلي: استخدم حرف "من" في قوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا .... ) (النحل: ٨٤) للدلالة على أن النبي هو من القوم، أي: من أنفسهم، أما في قوله تعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم) فلا حاجة لاستخدام حرف "من" ليدل على أن النبي من القوم، لقوله تعالى (من أنفسهم) مما أغنى عن حرف "من". ولو قلنا في غير التنزيل " ويبعث الله من كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم" لكان معناه " يبعث الله منهم شهيدا منهم" وهذا ليس من البلاغة. فـ"في" لا تغني عن "من"، قال تعالى (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) ((البقرة: ١٢٩) فمبعث الرسول فيهم لا يعني أنه منهم؛ لأن معنى (منهم) أي: من أنفسهم. - (شهيدا) أي من يشهد على الأمم، فالشهداء في هذا السياق هم الأنبياء، ولا يدخل فيهم الملائكة؛ لقوله تعالى (شهيدا عليهم من أنفسهم) والملائكة ليست من جنس الأمم المشهود عليها. - ما الفرق بين " الشاهد" والشهيد"؟ الشاهد اسم فاعل، والشهيد صفة مشبهة، وتدل الصفة المشبهة على الثبوت، أكثر مما يدل عليه اسم الفاعل، والتعبير عن النبي الذي يشهد على قومه بـ (الشهيد)؛ للدلالة على أنه لا يمارس الشهادة فحسب، بل الشهادة وصف ثابت له. - قيل: إن المقصود بالشهيد هو أعضاء الإنسان التي ينطقها الله تعالى. وهذا قول ضعيف؛ لأن قوله تعالى (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) يبين أن المعنى هو: يبعث الله نبيا في كل أمة ليشهد عليها، وأنت يا محمد ستكون شهيدا على هؤلاء الكفار. ولو كان المقصود بـ (شهيدا) أعضاء البشر، لكان المعنى: ونجعل أعضاء البشر شهداء على كل البشر، ونجعلك أنت شهيدا على هؤلاء. فانظر - بارك الله فيك - إلى ركاكة المعنى الذي يحفظ عنه كلام البشر، فما بالك بكلام رب العالمين؟! - (من أنفسهم) فهم ليسوا ملائكة وليسوا خلقا آخر، بل هم منكم يعرفونكم، ويعرفون أحوالكم وأخباركم وأفعالكم وكل شيء عنكم. - (وجئنا) الواو للعطف، فالنبي ﷺ سيشهد على أمته كما يشهد الأنبياء على أممهم. - و الـ"نا" في (وجئنا) للتعظيم، فالمجيء بالنبي ﷺ أمر عظيم لا يقدر عليه إلا العظيم . - ولكن لماذا جاء الفعل (نبعث) مضارعا والفعل (جئنا) ماضيا؟ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ، ولذا كانت الآية إبرازا لشرف النبي ﷺ في الآخرة، فجاء الفعل الخاص بالأنبياء (نبعث)، والخاص بالنبي ﷺ (جئنا)، لأن فعل "بعث" لا يدل بمجرده إلا على الإرسال والإثارة دون الوصول، بينما الفعل "جاء" يدل على الوصول، فنقول: بعثت زيدا إلى السوق. وهذا البعث لا يدل على الوصول بمجرده إلا بوجود قرينة دالة على وصول زيد إلى السوق، أما قولنا: جاء زيد السوق. يعني أنه وصل. ولذا ما سبق من أن البعث لا يلزم منه الوصول، والمجيء يلزم منه الوصول، فتخصيص المجيء للنبي ﷺ يدل على أنه التشريف؛ للتنصيص على قمة مقام الشهادة، وهو قيام النبي مقام الشهادة، بينما الأنبياء بعثوا إلى الشهادة، وهم سيقومون مقام الشهادة، إلا أنه لم ينص على ذلك في هذا السياق تكريما للنبي ﷺ . - وجاء النص (وجئنا بك) وليس " وجئت "؛ لأن معنى " جئت ": وصلت وحدك، أما (وجئنا بك) فمعناه: أحضرناك، والمجيء بأحد من الناس ليس كبعثه، قال تعالى (وجيء يومئذ بجهنم .... ) (الفجر: ٢٣) فعن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (مسلم: ٥٠٧٦) والزمام: الحبل الذي يسحب به. فالنبي ﷺ يجاء به، والذين يجيئون به هم الملائكة، فهو موكب ملائكي يحضر النبي صلى اله عليه وسلم، والإحضار في مقام التشريف تعظيم للتشريف، وفي مقام الإدانة تعظيم للإدانة، وما إحضار النبي ﷺ ليشهد على قومه إلا مقام تشريف. ولا يفهم أحد أنني لا أقدر الأنبياء قدرهم، ولكن هذا هو أسلوب التشريف، ولذا فالناظر في قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (النساء: ٤١) يرى أن الآية قد جاءت في حق الأنبياء بـ (إذا جئنا ... بشهيد) وليس "إذا بعثنا" كما جاءت بحق النبي ﷺ (وجئنا بك)؛ لأن السياق ليس سياق تسلية للنبي ﷺ ، إنما هو سياق تهديد للكفار، فذكر الأنبياء عموما والنبي ﷺ بما يدل على كمال مقام الشهادة، وهو وصول الأنبياء لمقام الشهادة، ومن كمال التهديد، التهديد بكمال ما يكون به التهديد. - (بك) أي يا محمد، وكان من جهة المعنى أن يكتفى بـ (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم) فيشمل النبي ﷺ ؛ ولكنها التسلية للنبي ﷺ . - (شهيدا) حال من كاف المخاطب (بك)، وهذا تشريف للنبي ﷺ بأن يكون مقامه مقام الشهيد، في يوم لا يكون لأحد فيه مكانة إلا من جعل الله له المكانة. - (هؤلاء) أي الكفار، ولكن لماذا ذكر الجار والمجرور (على هؤلاء) بعد (شهيدا) في قوله تعالى (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)، بينما تقدم ذكر الجار والمجرور في قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (النساء: ٤١)؟ سياق آية النحل سياق تسلية للنبي ﷺ ؛ ولذا قدم ذكر (شهيدا) لتشريف النبي ﷺ من باب التسلية، أما سياق آية النساء، فتقدم الجار والمجرور لأن محور السياق هو التهديد للكفار، وانظر - بارك الله فيك للسياق: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (٣٧) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (٣٨) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (٣٩) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (٤٠) فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (٤١) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (٤٢)) (النساء) أما ما قيل: إن تقديم الجار والمجرور في آية النساء من أجل الفاصلة القرآنية، أي مراعاة لجانب الجمال الصوتي في ختم الآية، وهذا ما يقابله في الشعر ما يعرف - من باب التقريب - بالقافية، فهذا لا يصح؛ لأن الله قادر على أن يأتي بصيغة أخرى تراعي الفاصلة دون هذا التقديم، وكيف يكون هذا مع أن للتقديم معنى؟!! - قد يقال: كيف نوفق بين قوله تعالى (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب) (المائدة: ١٠٩) وبين قوله تعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ... ) (النحل: ٨٩)؟ الجواب عن هذا أن آية النحل واضحة بينة في شهادة الرسل على أقوامهم، وفي القرآن غيرها من الآيات مما يدل على شهادة الرسل على أممهم، بينما آية المائدة تحتمل عدة احتمالات: الأول: لا علم لنا، أي: بالمقارنة مع علمك، فنحن نعرف ظواهر الأمور لا بواطنها. الثاني: من باب التأدب، ولله المثل الأعلى، فالطالب من يتأدب أمام العالم عندما يسأله عن معرفته بالعلم، فيقول له: العلم عندكم، أما أنا فبحاجة أن أتعلم. علما بأن المسؤول قد يكون على حظ ما من العلم، ولكنه التأدب مع البشر، فكيف بالتأدب مع الله رب البشر؟؟!! وقيل غير ذلك، وخلاصة القول، أن ما يحتمل عدة معان، يحمل على ما هو أحكم منه وأوضح، فالرسل يشهدون على أقوامهم، وفي ضوء هذا المعنى المحكم تفهم الدلالات المتشابهة، أي: إنما السبيل برد المتشابه إلى المحكم. - (ونزلنا) الواو للعطف، أي يا محمد لا تحزن من تكذيب هؤلاء؛ فإنك ستقوم عليهم شهيدا يوم القيامة، وكذلك يا محمد فقد نزل الله عليك القرآن. وكل هذا تسلية للنبي ﷺ . أما من قال: إن الواو استئنافية، فإنه لم ينتبه إلى أن الآية في تسلية النبي ﷺ ، وأنها تعدد نعم الله على النبي ﷺ ؛ ليكون ذلك تسلية له ﵊، ومعنى الآية: يا محمد لا تحزن فإن لك مقام الشهادة على هؤلاء، وإنا قد أنزلنا إليك القرآن تبيانا ...... - (ونزلنا) "نزل" فعل مضعف للتعدية، أي: حتى يتحول الفعل من كونه لازما، إلى فعل يتعدى إلى مفعول. و"نا" للتعظيم؛ لأن أمر تنزيل القرآن أمر عظيم لا يقدر عليه إلا الله الواحد العظيم. - لكن لماذا العدول في القرآن عن تعدية الفعل بالهمزة "أنزل" إلى تعديته بالتضعيف "نزل"؟ قيل: العدول عن تعدية الفعل بالهمزة "أنزل" إلى تعديته بالتضعيف"نزل"؛ لتقوية معنى الفعل، قال تعالى (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل) (آل عمران: ٣) فقوله تعالى (نزل عليك الكتاب) أهم من (وأنزل التوراة والإنجيل) للدلالة على أن نزول القرآن عظيم، وأنه أعظم من التوراة والإنجيل. وقيل: العدول عن تعدية الفعل بالهمزة "أنزل" إلى تعديته بالتضعيف "نزل"؛ للدلالة على نزوله منجما، قال تعالى (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل) (آل عمران: ٣) فالقرآن نزل منجما، بينما التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة. أقول: قد يكون هذين القولين مقبولين في تفسير (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل)، وكذلك في تفسير قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ... ) (النساء: ١٣٦)؛ وذلك لورود (نزل) و (أنزل) في آية واحدة، أو سياق واحد، بينما لا يكون مقبولا في كل آيات القرآن؛ لقوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) (الفرقان: ٣٢) فالكفار طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة بفعل مضعف (نزل)، وهذا يرد أن التضعيف لتقوية المعنى تعظيما للقرآن، ويرد على أن التضعيف يعني نزول القرآن منجما؛ لأنهم طلبوا نزوله جملة واحدة (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) وقال تعالى (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: ٣١) فـ (نزل) ليس لتقوية المعنى تعظيما للقرآن. ولو كانت التعدية بالتضعيف أقوى من التعدية بالهمزة، لكان الإنزال في قوله تعالى (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) (الشعراء: ١٩٨) أقوى منه في قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) (الدخان: ٣) (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر: ١)، وهذا غير صحيح؛ لأن السياق في سورتي (الدخان) و (القدر) لتعظيم القرآن. وقد استعرضت كل آيات القرآن التي ورد فيها الفعل "نزل" معدى بالهمزة والتضعيف، ولكني لم أحصل على نتيجة يطمئن إليها القلب، وإن كتب الله في العمر بقية فسأدرس هذه الآيات وفق سياقها، لعلي أقف على فائدة ما قد يدلني عليها السياق. - (ونزلنا) جاء الفعل ماضيا مع أن نزول الكتاب لم يكتمل؛ لأن المقصود بالكتاب هو القرآن، والقرآن هو كلام الله، أي: نزلنا عليك كلام الله. إذن؛ يصدق تنزيل كلام الله على تنزيل آية، وقد نزل قبل هذه الآية آيات وآيات. - ولكن لماذا جاء الفعل ماضيا في قوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب) بينما جاء فعلا مضارعا (ننزل) في قوله تعالى (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ... ) (الإسراء: ٨٢)؟ جاء الفعل ماضيا في قوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب)؛ لأن الهدف من إنزال القرآن أن يكون (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)، وهذا الهدف متحقق بنزول أول آية من القرآن، لأنها عندما نزلت إنما نزلت لأجل هذا الهدف. بينما آيات الشفاء والرحمة لم يكتمل نزولها وقت نزول قوله تعالى (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ... ) (الإسراء: ٨٢)، فجاء الفعل المضارع ليرشدنا إلى أن التنزيل ما زال مستمرا. - (ونزلنا عليك الكتاب) ذكر الجار والمجرور (عليك) أي: يا محمد؛ تسلية للنبي ﷺ ، وكذلك قدم ذكر الجار والمجرور؛ لأن السياق ابتداء إنما هو تسلية للنبي ﷺ . - (الكتاب) أي: القرآن، و"الكتاب" في أصله مصدر، نقول: كتب كتابا، وكتب كتابة، كقوله تعالى (وكل شيء أحصيناه كتابا) (النبأ: ٢٩) أي: كتابة، و (الكتاب) اسم للصحيفة مع المكتوب فيها. ويطلق اسم "الكتاب" على القرآن وغيره، وإطلاق الكتاب على القرآن مجردا عن أي إضافة يدل على تعظيمه، فهو الكتاب الأعلى ولا كتاب غيره في مقامه. - (تبيانا) مصدر على وزن تلقاء، وهو مفعول لأجله، وما بعده (وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) معطوف عليه، لأن القرآن نزل لأجل هذه الأشياء، أو أن (تبيانا) مصدر في موضع الحال، وهذا أيضا مقبول؛ لأن قوله تعالى (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) يدل على حال القرآن. وإن كنت أميل إلى أن (تبيانا) مفعول لأجله؛ قال تعالى ( ... وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ... ) (النحل: ٤٤) فاللام في (لتبين) للتعليل، وهذا معنى المفعول لأجله، فالذكر إنما أنزل لأجل التبيان. - (تبيانا لكل شيء) أي: لكل شيء يحتاجه الناس في دينهم، لأن القرآن كتاب هداية، ففيه كل ما يتصل بالهداية، ومما لا يصح هو أن نطلب أي علم في القرآن بدعوى أنه تبيان لكل شيء، لأن هذا العموم مخصوص، كما لا يقبل قول القائل: إن ريح عاد دمرت الشمس والقمر والكواكب إلا مساكنهم الخالية بدليل (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) (الأحقاف: ٢٥) وإن كان قوله تعالى (تدمر كل شيء) عموما، لكنه عموم مخصوص بأن الريح التي أرسلت على عاد تدمر كل شيء تدمره الريح في قوم عاد، وكذلك قوله تعالى (تبيانا لكل شيء) أي من الأشياء التي نزل القرآن لبيانها من هداية الدين. فعلم الخياطة ليس في القرآن؛ لأنه لا ارتباط له بالهداية، وهذا الأمر من الوضوح بمكان، ولولا أن كثيرا من الناس أخذ يبحث عن أصول علوم دنيوية في القرآن محتجا بهذه الآية لما علقت، وإنني لأشاهد في كل يوم باحثا يخاطب العامة عبر الفضائيات ليقول لهم: إن الآيات كذا وكذا أسست لعلم كذا وكذا، ويحمل الآيات من المعاني ما يستحيل أن يفهم منها. وكذلك قوله تعالى ( ... ما فرطنا في الكتاب من شيء ... ) (الأنعام: ٣٨) فالكتاب هنا على الراجح هو اللوح المحفوظ، لأننا لا نجد كل شيء في القرآن، وإن حاول بعض أهل العلم إثبات ذلك، فإن من المعلوم بداهة أن القرآن لا يحتوي على تفصيل كل شيء على الإطلاق، وسياق الآية هو (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) (الأنعام: ٣٨) وهو سياق يتكلم عن كل الداوب في الأرض وعن كل الطيور، وهل يحوي القرآن تفصيل كل هذه الأشياء؟!! وإذا قلنا: إن الكتاب هو القرآن، فيكون المعنى: ما فرطنا في بيان أي شيء يخص الهداية. - وقد احتج بعض الزائغين بقوله تعالى (تبيانا لكل شيء) على رفض السنة، بحجة أن القرآن فيه بيان كل ما يحتاج الناس في الدين. فيقال لهؤلاء: نعم، إن القرآن بين كل ما نحتاجه في الدين، وبين لنا أن نطيع الرسول بما أمر، وننتهي عن ما نهى عنه وزجر؛ قال تعالى ( ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (الحشر: ٧)، وقال تعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) (المائدة: ٩٢). - (وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وحمل الهداية على المعنى الواسع الذي يشمل المؤمنين والكفار هو الأولى؛ إذ لا مقيد كما في قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة: ٢)، وكذلك الرحمة، فحملها على المعنى الواسع أولى، فالقرآن رحمة للمؤمنين، وكذلك ينول الكفار من رحمة القرآن بما سن لنا من العدل والحق وغير ذلك، أما البشرى، فإنما هي للمسلمين الذين استسلموا لربهم وخضعوا له وعملوا الصالحات. - روى الطبري عند تفسيره هذه الآية قولا لابن مسعود: أنزل في هذا القرآن كل علم، وكل شيء قد بين لنا في القرآن. ثم تلا هذه الآية، أي ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ). ولكن سند هذا الأثر عن ابن مسعود ضعيف؛ لأن فيه راو مبهم. ولو صح الأثر لكان المقصود من كلام ابن مسعود (كل علم، وكل شيء) أي مما يحتاجه الناس في دينهم؛ لما سبق من بيان معنى الآية، فلا حاجة للإعادة.

стр. 97

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (٩٠) المفردات: - الفحشاء: ما حكم الشرع بعظم قبحه من الأقوال والأفعال. - المنكر: ما حكم الشرع بقبحه من الأقوال والأفعال. - البغي: التعدي. - تذكرون: تتعظون. المعنى الإجمالي: لما بينت الآية السابقة أن القرآن أنزل (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)، أتت هذه الآية - وما بعدها - لتبين أن في القرآن بيانا لكل شيء يحتاجه الناس. فالقرآن يأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ويأمرنا بترك ما يخالف هذه الأوامر، وينهانا عن المعاصي كبيرها وصغيرها، وينهانا عن التعدي، وكل هذا لأجل أن نتعظ، فنفعل ما أمرنا الله، وننتهي عن ما نهانا عنه. المعنى التفصيلي: - قال عبد الله بن مسعود: "ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ... ) ". رواه البخاري في (الأدب المفرد: ٤٨٩) بسند حسن؛ للمقال الذي في عاصم بن بهدلة، وقد جاء من طرق أخرى عند الحاكم في (المستدرك: ٣٣٥٨)، وعبد الرزاق في (مصنفه: ٦٠٠٢) وغيرهم. - (إن الله) استفتحت الآية بحرف التوكيد (إن) وباسم الجلالة (الله) تعظيما لشأن المأمور به في الآية. - لم يأت النص مخبرا أن القرآن يأمرنا، رغم أن الآية بيان لما تضمنه القرآن من البيان، وذلك تصريحا بأن القرآن إنما هو من عند الله، ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ) (إن الله يأمر ... )، فالتبيان من الله تعالى لا من أحد غيره. - جاء النص (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) وليس "اعدلوا وأحسنوا وآتوا "؛ لأن ذكر الأمر فيه تعظيم الأمر، وأضرب مثلا - ولله المثل الأعلى - قول سيد في قومه لأحد أتباعه "افعل كذا" ليس بعظمة وقوة قوله له "آمرك أن تفعل كذا"؛ لأنه بقوله "افعل كذا" طلب منه الفعل فقط، ولكن بقوله "آمرك أن تفعل كذا" طلب منه الفعل، وزاد عليه التأكيد بالتصريح أن هذا الفعل هو فعل أمر إن لم تكن منتبها فانتبه، كأنه يقول له: افعل كذا وهو أمر فاحذر أن تعصيه. - أتى التعبير بـ (يأمر) و (ينهى)؛ لأن الآية بيان للآية السابقة ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... )، وللدلالة على أن التبيان والهدى والرحمة والبشرى تكون بإطاعة الله في الأمر والنهي. - أتى التعبير (يأمر) و (ينهى) بصيغة الفعل المضارع؛ لأن الآية بيان للآية السابقة ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ) فكأن التقدير: إن الله يأمر الناس في القرآن بـ ... وينهى الناس في القرآن عن ... ، والقرآن حاضر يأخذ الناس أحكامهم منه في كل وقت، ونتيجة ذلك، فإن أمر الله ونهيه متجدد في كل وقت. - حذف المفعول في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل)، أي لم يأت النص "يأمركم" أو "يأمرهم"؛ للدلالة على العموم، ليشمل كل مخاطب. وكذلك حذف المفعول لتوجيه الانتباه إلى الفعل والفاعل، وترك الانشغال بالمفعول. - لكن لماذا لم يحذف المفعول في قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) (النساء: ٥٨) جاءت هذه الآية في سياق بيان ما وقع فيه الكفار من الكفر والمعاصي وتضييع الأمانات والحقوق، فاستأنفت الآية أمر المؤمنين لئلا يكونوا مثلهم، فكان الخطاب فيها موجها للمؤمنين، ولذا كان من المهم التنبيه على المفعول في هذا السياق. - (إن الله يأمر ... ) ما جاء الأمر به في هذه الآية إنما هو مجمل غير مفصل، وذلك من باب الإشارة إلى أن القرآن احتوى على بيان كل ما يحتاجه الناس في دينهم، وعلى هذا يكون التقدير (إن الله يأمر) في القرآن على وجه التفصيل (بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، (وينهى) في القرآن على وجه التفصيل (عن الفحشاء والمنكر والبغي). - (بالعدل) العدل في الآية لفظ عام يندرج تحته ما لا ينحصر من الأنواع، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، وهو ضد الظلم. فتوحيد الله من العدل؛ ألا ترى أن الله يقول ( ... إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: ١٣). وعبادة الله من العدل؛ لأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وطاعة الله من العدل مع النفس؛ لأننا بالطاعة ندخل الجنة، وبالمعاصي ندخل النار، قال تعالى (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (البقرة: ٥٧). ومن العدل أيضا: العدل مع الأولاد وبينهم بكل صوره، والعدل مع الزوجات وبينهن، والعدل مع الناس وبينهم. حتى أن إعطاء الحيوان حقه من العدل (فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) (البخاري: ٣٠٧١) (مسلم: ٤٩٥١) فيندرج تحت العدل كل الأقوال والأفعال بكل ارتباطاتها مع كل الأشياء من أشخاص وأوقات وحيوان وجماد. - والأمر (بالعدل) نهي عن كل صور الظلم في هذه الحياة، فانظر - بارك الله فيك- سعة عموم الأمر بالعدل. - (والإحسان) الواو للعطف، والإحسان مصدر أحسن، نقول: أحسن إحسانا. والإحسان هو إتقان الشيء على أكمل وجه، وله أنواع، منها: الإحسان إلى غيرنا بمعاملته على أكمل وجه، نقول: أحسن الابن إلى والديه. وكذلك إتقان المرء فعله، نقول: أحسن الرجل عمله. وقيل: إن "الإحسان" هو المندوب، وهذا غير صحيح، فإن من الإحسان ما هو فرض كالإحسان إلى الوالدين (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ... ) (الإسراء: ٢٣)، ومن الإحسان ما هو مندوب، كما يحسن أحدنا إلى أحد دون أن يجب عليه. - (الإحسان) لفظ عام يندرج تحته كل صور الإتقان في الأقوال والأفعال، فالإحسان مع الله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (البخاري: ٤٨) (مسلم: ٩) حتى أن الله شرع لنا الإحسان للحيوان فعن رسول الله ﷺ قال (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) (مسلم: ٣٦١٥) - ولعموم "الإحسان" في الآية فإنه لم يبق أي نوع من الإحسان إلا واندرج تحته. - والأمر بـ "الإحسان" أمر بكل مندوب فضلا عن الفرض، ونهي عن كل مكروه فضلا عن الحرام. فانظر - بارك الله فيك - سعة عموم الأمر بالإحسان. - قدم ذكر "العدل" على "الإحسان"؛ لأن "العدل" كله واجب، بينما "الإحسان" واجب ومندوب، والواجب أولى؛ لقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " (البخاري: ٦٠٢١) - قد يسأل سائل: لماذا بدأ الأمر بالبر أولا في قوله تعالى ( ... وتعاونوا على البر والتقوى ... ) (المائدة:٢) مع أن البر يضم المندوبات، ثم جاء الأمر بالتقوى التي هي فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا على خلاف ما ورد في هذه الآية من الترتيب حيث كان الأمر بالعدل أولا ثم الأمر بالإحسان؟ جاء الترتيب في هذه الآية بالعدل أولا ثم الأمر بالإحسان؛ لأن هذه الآية بيان لما تضمنه القرآن، فكان المناسب أن يذكر الأهم، بينما في قوله تعالى ( ... وتعاونوا على البر والتقوى ... ) (المائدة:٢) فإن فيه حضا على التعاون، فبدئ بالأعم وهو البر؛ لتوسيع دائرة الحض على التعاون، ثم ذكر الخاص - وهو التقوى - تنبيها على أهميته. إذن، فلكل آية مقصد خاص، وبين المقصدين فرق؛ ولذا اختلف التعبير. - (وإيتاء ذي القربى) الواو للعطف، أي: أن الله يأمر كذلك بإيتاء ذي القربى، والإيتاء: الإعطاء، و (القربى) مصدر، وقيل: مؤنث أقرب. وهم كل من تربطك به قرابة. - (وإيتاء ذي القربى) أمر بإعطاء القرابة حقوقهم من البر والصلة، وحذف ذكر المعطى في الآية؛ ليعم كل ألوان العطاء وأنواعه وأشكاله، زيادة في الخير، حتى نعطي ونعطي ولا نستكثر، وكذلك يشمل هذا العطاء الواجب كما أنه يشمل المندوب. - لكن صلة القربى تدخل ضمن العدل والإحسان، فلماذا ذكرت بعدهما؟ ذكرت صلة القربى بعدهما من باب ذكر الخاص بعد العام؛ للأهمية والتأكيد على حقوق ذوي القربى. وجاء هذا التنبيه؛ لأن كثيرا من الناس من يحسن إلى البعيد وينسى القريب؛ إما غفلة عن قرابته - كما قيل: شدة القرب حجاب - وإما سعيا إلى السمعة بين الناس، وهذا لا يتحقق بالإحسان إلى القريب كما في الإحسان إلى البعيد، وإما طمعا بعلاقات جديدة غير علاقة القربى؛ لأنها مضمونة. - لماذا لم يخص الوالدين بالذكر كما في قوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) (النساء: ٣٦)؟ آية النحل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى .. ) عامة، وآية النساء (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ... ) تفصيلية، فناسب عدم ذكر الوالدين في "سورة النحل"؛ لأن الوالدين يدخلان ضمن ذوي القربى دخولا أولويا. - لماذا جاء التعبير في هذه الآية بـ (وإيتاء ذي القربى) وليس "وإيتاء أولي القربى"؟ وقبل الإجابة عن السؤال فلا بد من بيان معنى "ذو" و"أولو"، فأما "ذو" اسم بمعنى الصاحب، فـ "ذو القربى" صاحب علاقة القرابة، و"أولو" جمع بمعنى "ذو"، ولا واحد له من لفظه. جاء التعبير في القرآن بـ "أولي القربى" في سياق الكلام عن المقربين من الأقارب، وانظر - بارك الله فيك - إلى الآيات: ١ - (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) (النساء: ٨) وعادة لا يحضر هذه القسمة كل قريب، بل الأقارب الذين تربطهم بأهل الميت قرابة أقوى من غيرهم، فقد يجتمع لأهل الميت من الأقارب ما يصل إلى ألف رجل، ولكن لا يدعى لمثل هذا الأمر إلا القليل الأقربون. ٢ - (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) (النور: ٢٢) سبب نزول هذه الآية أن مسطح بن أثاثة لما قال في حق عائشة ما قال، وأنزل الله براءتها، أقسم أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله هذه الآية، فأنفق عليه أبو بكر بعد نزول الآية. ومسطح إنما هو قريب لأبي بكر؛ لأن أم مسطح هي ابنة خالة أبي بكر؛ لأن أمها هي بنت صخر بن عامر، وهي خالة أبي بكر. انظر (البخاري: ٣٨٢٦، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك) (مسلم: ٤٩٧٤، كتاب: التوبة، باب: حديث الإفك) ٣ - (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (١١٣) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (التوبة: ١١٤) وفي هذه الآية نهي عن الاستغفار لذوي القربى مهما كانت قرابتهم؛ لأن المسلم لا يصر عادة على الاستغفار لكافر إلا لقربه الشديد، ولذا جاء الكلام في الآية التالية عن استغفار إبراهيم لأبيه. أما الآيات التي جاء التعبير فيها بـ "ذي القربى " فإن موضوعها إما أن يكون في النصرة أو الإنفاق العام، وإنما جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في النصرة؛ لأن النصرة إنما هي عند العرب عامة في كل القرابة، اقتربت أم بعدت؛ لأن النصرة إنما هي من مفهوم العشيرة والقبيلة، وكذلك جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في الإنفاق العام ليشمل كل القرابة وإن بعدت قرابتهم. أما الآيات التي جاءت في النصرة: ١ - ( ... فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ... ) (المائدة: ١٠٦) ٢ - ( ... وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ... ) (١٥٢) ٣ - (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ... ) (فاطر: ١٨) أما الإنفاق العام فإن الآيات التي وردت فيه كثيرة، وأذكر آية واحدة من باب التمثيل. (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) (البقرة: ٨٣) واعذرني أخي القارئ، فإنني أريد أن أعيد لك ما قلته آنفا: إن الآيات التي جاء التعبير فيها بـ "ذي القربى " فإن موضوعها إما أن يكون في النصرة أو الإنفاق العام، وإنما جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في النصرة؛ لأن النصرة إنما هي عند العرب عامة في كل القرابة، اقتربت أم بعدت؛ لأن النصرة إنما هي من مفهوم العشيرة والقبيلة، وكذلك جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في الإنفاق العام ليشمل كل القرابة وإن بعدت قرابتهم. وجاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... )؛ لأنها آية عامة، ولذلك فهي تتكلم عن الموضوع الخاص (وإيتاء ذي القربى) بعموم أيضا. - (وينهى عن الفحشاء) حذف ذكر الفاعل ﷻ ؛ لدلالة السياق عليه (إن الله يأمر بالعدل .... وينهى عن الفحشاء)، وحذف ذكر المفعول به للفعل "ينهى"؛ للدلالة على العموم؛ حتى يشمل كل مخاطب. - الأمر بالعدل والإحسان يلزم منه النهي عن الفحشاء والمنكر، فلماذا حصل النص على النهي مع أنه معلوم بدلالة الأمر؟ التنصيص زيادة في التأكيد والبيان، وتثبيت لمعنى النصوص في القلوب. وأيضا فإن المقام مقام بيان لبيان القرآن، والقرآن الكريم احتوى على الأمر مفصلا، واحتوى على النهي كذلك. - (الفحشاء) هو: ما حكم الشرع بعظم قبحه من الأقوال والأفعال، فيندرج تحته كل الذنوب العظيمة، أذكر منها: القتل والزنا والسرقة والغصب وقطع الطريق والقذف. - (والمنكر) هو: ما حكم الشرع بقبحه من الأقوال والأفعال، وتندرج الفحشاء ضمن المنكر، (والمنكر) اسم مفعول من "أنكر"، أي أن هذا الشيء تنكر الشريعة فعله، فهو أمر غير معروف بالخير عندها. وقد مدح الله الناهين عن المنكر بقوله (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... ) (التوبة: ٧١) وذم الله من لا ينهى عن المنكر بقوله (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٧٨) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (٧٩)) (المائدة) - (والمنكر) قيل: إن الاستنكار مراتب، منها: مرتبة الحرام، ومنها: مرتبة المكروه فإنه منهي عنه. وهذا القول فيه نظر وإن المنكر من الناحية اللغوية يحتمل هذا القول، لأن الإنكار هو عدم القبول، قال ابن فارس في (مقاييس اللغة): " (نكر) النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه ". أما المنكر في الآية فهو الحرام، وقد استعرضت الآيات التي ورد فيها ذكر "المنكر" لفهم المقصود به، ولقد وجدت أكثرها يحتاج لنص آخر لبيان المقصود من المنكر؛ ولكن من الآيات ما يوضح أن المنكر عند الإطلاق إنما يدل على الحرام: قال تعالى (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٧٨) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (٧٩) وكلمة (منكر) في الآية على العموم، حيث يندرج تحتها كل أنواع المنكر؛ وذلك لأنها نكرة في سياق النفي، فهل استحق بنو إسرائيل اللعن وذم عملهم لأنهم لم يتناهوا عن المكروهات؟ الجواب: لا، بل استحقوا اللعن بعصيانهم على العموم (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... بما عصوا وكانوا يعتدون) ومن جملة هذا الاعتداء أنهم لا يتناهون عن المنكر، ولا يدخل فيه المكروهات؛ لأنها ليست من ضمن العصيان والاعتداء، بل هي جائزة في الشرع ولكن غيرها خير منها. وهناك دليل أشد وضوحا وهو قول رسول الله ﷺ : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه (البخاري: ٣٠٢٧) (مسلم: ٥٣٠٥) فهذا المعذب إنما استحق العذاب لأنه كان ينهى عن المنكر ويأتيه، فما هو المنكر؟ إنه الحرام؛ لأن النهي عن المكروه وفعله لا يوجب العذاب؛ لأن فعل المكروه أصلا لا يوجب العذاب. ولأن المنكر هو الحرام فلا بد من تغييره قدر الاستطاعة، الأول: قال رسول الله ﷺ : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (مسلم: ٧٠) - تنبيه: لا يعني أن المكروه لا يندرج تحت المنكر أن تترك النصيحة في حقه؛ لأن الله يقول (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: ١٠٤) فالدعوة إلى الخير متضمنة الدعوة إلى ترك المكروه، وكذلك فإن الأمر بالإحسان متضمن النهي عن المكروه. ولكن هناك فرق بين النصيحة والإرشاد في حق المكروه، وبين إنكار المنكر، فالإرشاد إلى ترك المكروه وفعل المندوب إرشاد إلى الأفضل، وبأسلوب لين وترغيب يناسب هذا المقام، بينما أسلوب إنكار المنكر مختلف، لأن فاعله وقع في معصية. - (والبغي) هو التعدي ومجاوزة الحد؛ فإن أصل مادة "بغى" في اللغة طلب الشيء، فإن كان في خير كان خيرا، وإن كان في شر كان تعديا وتجاوزا للحد. و"البغي" نوع من أنواع الظلم، قال تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (الحجرات: ٩) فالاعتداء على المؤمنين هو ظلم. ولكن الفرق بين الظلم والبغي، أن الظلم أعم من البغي، فكل بغي ظلم، وليس كل ظلم بغيا، قال تعالى (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (٣٩) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (٤٠) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (٤١)) (الشورى) اعتبر - في الآيات - من أصابه البغي مظلوما (ولمن انتصر بعد ظلمه)، والفارق الذي يميز البغي عن باقي أنواع الظلم، أن البغي هو التعدي على وجه التسلط والتطاول. ولذا فلا تعارض بين (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (الفرقان: ٦٣) وبين (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) (الشورى: ٣٩)؛ لأن مخاطبة الجاهلين ليست بغيا، فالبغي هو التعدي على وجه التسلط والاستطالة. - النهي عن البغي مندرج تحت النهي عن الفحشاء والمنكر؛ ولكن هذا من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، لأن الاعتداء على الناس يتضمن حقين، الأول: حق الله ، والثاني: حق العباد؛ ولذا قال تعالى ( ... ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ... ) (المائدة: ٢) فالإثم هو الذنب العام، سواء كان بحق الله أم العباد، وإنما العدوان فهو في حق العباد. - يتساهل الناس في حقوق العباد، فتراهم يصلون ويصومون، ولكنهم يغشون ويخدعون، ويظنون أنهم على الحق التام، وأن البغي على العباد أمره يسير، وخطبه حقير، ولذا فكم وكم ممن يظن فيهم الالتزام يخفقون في امتحان حقوق العباد. - ولكن لماذا تقدم الأمر على النهي في الآية؟ تقدم الأمر على النهي في الآية؛ لأن الأمر بالواجب والمندوب يتضمن نهيا، فهو طلب فعل وطلب ترك في وقت واحد؛ نقول: صل. وهذا أمر يتضمن النهي عن ترك الصلاة، وهكذا. بينما النهي قد لا يتضمن - أي في بعض الأحيان - أمرا، نقول: لا تشرب الخمر. فهذا النهي لا يفهم منه أمر بفعل شيء آخر. والخلاصة أن الأمر قدم على النهي؛ لأن الأمر يتضمن في تضاعيفه توجيهات أكثر من النهي، ولكن قد يقدم النهي على الأمر في سياق آخر لأغراض بيانية أخرى. - (يعظكم) اختلف في معنى الوعظ، فقيل: الكلام الذي تلين له القلوب. وقيل: زجر مقترن بتخويف. ولكن المعنى المستنبط من الآية، هو: أن الوعظ أمر وكذلك زجر، لأن الآية اشتملت على الأوامر والنواهي، والوعظ نصيحة وإرشاد يبرز فيه معنى التذكير، وانظر في قصة نوح ﵇ في "سورة هود": فلما سأل نوح ﵇ ربه في شأن ابنه، قال له ربنا ( ... يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: ٤٦) أي: (أعظك)؛ لما سبق من إعلامك ( ... احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) (هود:٤٠) وكذلك قوله تعالى (يعظكم لعلكم تذكرون) يبين العلاقة بين الموعظة والتذكير. - (يعظكم) وليس "يعظ"؛ كما في قوله تعال (إن الله يأمر .. ) على العموم، كما سبق بيانه عند بيان الفائدة من حذف المفعول؛ لأن الموعظة فيها التذكير ويناسبه القرب، وأسلوب الخطاب أدعى للقرب. - ولكن لماذا لم يقع العطف بين (يعظكم لعلكم تذكرون) وبين ما سبقه في الآية؟ هذا يسمى في علم البلاغة بشبه كمال الاتصال، ويكون شبه كمال الاتصال بأن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال نتج عن الجملة الأولى، أي: لماذا يأمرنا الله بالعدل ... وينهى عن ... ؟ الجواب (يعظكم لعلكم تذكرون) أي: إن الله يعظكم بما وعظكم طلبا لهدايتكم رحمة بكم. - (لعلكم تذكرون) تستخدم "لعل" للترجي، وهي هنا للرغبة، أي أن الله يعظنا حتى نهتدي رحمة بنا. - (تذكرون) تتعظون؛ فتخرجون من غشاوة الغفلة إلى نور الهداية والذكرى.

стр. 98

(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) (٩١) المفردات: - الأيمان: جمع يمين، وهو القسم. - تنقضوا: تبطلوا. - كفيلا: ضامنا وشاهدا ورقيبا. المعنى الإجمالي: بعد الأمر بجوامع الخير، والنهي عن جوامع الشر، أمر الله بالوفاء بالعهود، من باب ذكر الخاص بعد العام؛ لما للعهود من أهمية في تنظيم حياة الناس. وقد أمرنا الله أن نفي بعهدنا معه أولا، وأن نفي بعهودنا مع الناس ثانيا؛ إذ كيف نحلف بالله، ونجعله ضامنا ونخلف؟!! ولذا فإن من نقض فإن له العذاب على كل ما فعل؛ لأنه لا يغيب عن الله شيء. المعنى التفصيلي: - قيل: أنزلت هذه الآية في بيعة النبي ﷺ ، فقد كان من أسلم يبايع رسول الله ﷺ على الإسلام، (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) البيعة، فلا يحملكم قلة محمد ﷺ -وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة. وقيل: هؤلاء قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم آخرون، فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا. وقيل: نزلت في الحلف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله في الإسلام أن يوفوا به ولا ينقضوه. ولا يوجد لهذه الأقوال سند صحيح مرفوع أو في حكم المرفوع، وإنما حذفت الأسانيد والكلام عليها للاختصار. ولو صح سبب نزول للآية، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. - (وأوفوا) الإيفاء: الإتمام والكمال، أي يأمرنا الله بإتمام العهود التي ألزمنا أنفسنا بها، وإتمام العهود يكون بإتمام العمل بمقضاها. والوفاء بالعهد واجب؛ قال تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (آل عمران: ٧٧) وقد وصف الله المؤمنين بالوفاء بالعهد؛ لأهميته، قال تعالى (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) (البقرة: ١٧٧) و (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) (الرعد:٢٠). - (بعهد الله) العهد في اللغة يرجع إلى معنى الاحتفاظ، وبصيغة أخرى، معنى "العهد" في الآية هو: الموثق. - (بعهد الله) إما أن يكون المراد به كل العهود، وإما أن يكون المراد ما يعاهد الله عليه. فإن كان المراد به كل العهود، عندها تكون إضافة العهد إلى لفظ الجلالة "الله" إضافة تعظيم؛ رفعا لشأن العهد، وإعلاما بأنه ذو قدسية؛ لأن المسلم إذا عاهد فإنما يعاهد بصفته مسلما منتميا لدين الله، ومن هنا جاءت نسبة العهد إلى الله. وعندها يكون للعهد صور كثيرة، فالوفاء بما ألزمه المسلم على نفسه من توحيد الله من صور الوفاء بالعهد، ووفاء الصحابة ببيعة النبي ﷺ كذلك، ووفاء الناس ما تعاهدوا عليه من شؤونهم أيضا من صور الوفاء بالعهد. - وإن كان المراد (بعهد الله): ما يعاهد الله عليه، فيكون "عهد الله" خاصا بالعهد المعقود مع الله سبحانه، وتكون الإضافة من باب الإضافة إلى المفعول. ولقد تتبعت مادة "عهد" في القرآن فوجدت كثيرا من الآيات لا تدل دلالة واضحة على معنى "عهد الله"، بل تحتاج إلى آيات أخرى أو قرائن أخرى لتحديد المعنى. وإن كنت أميل إلى أن "عهد الله" هو ما يعاهد الله عليه؛ لقوله تعالى (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا) (الأحزاب: ١٥) حيث جاء التعبير عن العهد المعقود مع الله بـ (عهد الله)، بينما جاء التعبير بـ "العهد" من دون الإضافة إلى الله في قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) (الإسراء:٣٤) لأن العهد هنا معقود مع البشر على حفظ مال اليتيم، فجاء العهد من دون إضافته إلى الله. وانظر - بارك الله فيك - إلى اختلاف إضافة "العهد" في قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) (البقرة: ٤٠) (بعهدي) أي: بعهد الله، وهو ما أخذه الله على بني إسرائيل من المواثيق، (بعهدكم) أي: إدخالكم الجنة. ولاحظ معي - زادك الله حرصا - إلى الآيات التي لم يضف فيها "العهد" إلى الله، لترى أن هنالك فرقا بين العهد المضاف إلى الله وغير المضاف إليه. ( ... وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (البقرة: ١٧٧) (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) (آل عمران: ٧٦) (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ... ) (الأنفال: ٥٦) (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) (التوبة: ١٢) (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (المؤمنون: ٨) - قد يقول قائل: إن قوله تعالى (إذا عاهدتم) يدل على اندراج كل العهود المشروعة تحت "عهد الله" لأن العهد مع الله ليس متجددا وليس اختياريا؛ لأن العهد مع الله إنما هو الإيمان والتزام أوامره واجتناب نواهيه، وهذا إنما يقع مرة واحدة عند دخول الإسلام. وللجواب عن هذا فإن العهد مع الله سبحانه قد يكون في غير الإيمان، أليست بيعة النبي ﷺ من العهد مع الله سبحانه و تعالى، كما حصل في بيعة الرضوان يوم الحديبية؛ قال تعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (الفتح: ١٠). وكذلك من "عهد الله" ما يقطعه الواحد على نفسه من طاعة معينة لله؛ قال تعالى (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (٧٥) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (٧٦) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (٧٧)) (التوبة) - لماذا ذكر (إذا عاهدتم) في قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) مع أن الوفاء بالعهد لا يجب إلا إذا كان هنالك معاهدة، وكذلك فالنص مفهوم دون هذا الشرط؟ ذكر (إذا عاهدتم) من باب الحض والحث على الوفاء بالعهد، أي أن إيجاب الوفاء بالعهد سببه ما وقع منكم من العهد، ولذا جاء التذكير بما التزموه من العهد لحثهم على الوفاء به. - (ولا تنقضوا الأيمان) والنقض إفساد ما أبرم من عقد أو بناء، و (الأيمان) جمع: يمين، وهو القسم، وقد قيل: إن سبب تسمية القسم يمينا؛ هو أن العرب كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه. - (بعد توكيدها) وليس معنى التوكيد هنا هو إعادة اليمين وتكرارها؛ لأن إعادة اليمين وتكراره ليس مطلوبا في العقود والمواثيق، بل المعنى هو (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) بذكر اسم الله أو صفة من صفاته، وعبر عن عقد اليمين والتلفظ بها بالتوكيد؛ لأن هذا هو حقيقة عقد اليمين والتلفظ بها. وهذا شبيه بذكر (إذا عاهدتم) في قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)، أي: جاء ذكر (بعد توكيدها) للحض والحث على الوفاء بالأيمان. وقد يقال: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) العهد والعقد، وهذا أيضا وارد. وقيل: معنى (بعد توكيدها) إخراج يمين اللغو؛ لأنها ليست مؤكدة؛ لأن صاحبها لم يقصدها. وهذا غير صحيح؛ لأن الأيمان المقصودة في الآية هي أيمان العقود والعهود، وليست من باب قول رسول الله ﷺ : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه. (مسلم: ٣١١٥) ولا بد من العلم بأن يمين العقود والعهود وحقوق العباد ليست على نية الحالف، بل هي على نية من يحلف له؛ لأنها لو تركت على نية الحالف؛ لكان فيها هضم لحقوق العباد، فلا يقبل قول قائل: إنني حلفت لكم يمينا على هذا العهد؛ ولكنه كان لغوا؛ قال رسول الله ﷺ : يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك (مسلم: ٣١٢١) - (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) وهذا حث آخر على الوفاء بالأيمان؛ فالواو في قوله تعالى (وقد جعلتم) واو الحال، و (قد) للتأكيد، أي: أوفوا بالأيمان ولا تنقضوها؛ لأن حالكم هو أنكم جعلكم الله كفيلا عليكم. - (عليكم كفيلا) تقديم الجار والمجرور (عليكم) زيادة في التحذير من نقض الأيمان، وذلك لأنكم جعلتم الله كفيلا، ولكن احذروا فإنكم جعلتم الله كفيلا عليكم أنتم وليس على غيركم. - (عليكم كفيلا) وليس "عنكم كفيلا"، أو "كفيلكم"؛ وذلك لتضمين (كفيلا) معنى رقيبا وشاهدا. ولكن لماذا هذا التضمين؟ جاء هذا التضمين لتكون الجملة بقوة جملتين، فهو ضامن، وزيادة على ذلك هو شاهد ورقيب يرى كل ما يقع. وفي هذا التضمين إعلام لمن يعقد الأيمان ويجعل الله سبحانه ضامنا لهذه العقود، إعلام له بأن جعلك الله سبحانه ضامنا ليمينك يقتضي أن يعاقبك على نقضه، فهو شاهد ورقيب لما تفعل. - (إن الله يعلم ما تفعلون) وهذا تهديد وتحذير من نقض الأيمان؛ لأن الله يعلم كل ما تفعلون، ومن ضمنه يعلم سبحانه نقض الأيمان فيجازي عليها. - قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) متضمن لقوله (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)؛ لأن حقوق العباد مندرجة تحت حقوق الله، لأن من طاعة الله إعطاء العباد حقوقهم، ولكن ذكر قوله تعالى (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) من باب التنصيص لأجل التفصيل والتأكيد.

стр. 99

(ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) (٩٢) المفردات: - نقضت: أفسدت ما صنعت. - أنكاثا: جمع: نكث، وهو قطع الصوف والشعر التي تنتج عن فك الغزل والنسج. - دخلا: إفسادا وخديعة. - أربى: أزيد عددا أو عدة. - يبلوكم: يختبركم. المعنى الإجمالي: بعد أن نهى الله عن نقض الأيمان بعد توكيدها، تبين هذه الآية عظيم قبح نقض الأيمان بتشبيه حال من ينقض ما عقد من الأيمان بحال امرأة خرقاء، كانت تنسج غزلها ثم تنقضه. وجاء النهي عن اتخاذ الأيمان وسيلة للخداع، وذلك عن طريق نقضها مع المعاهدين إذا وجد من هو أقوى منهم من القبائل الأخرى. وإنما أمر الله سبحانه بالوفاء بالعهد اختبارا، وسوف يجازي الله كلا بعمله يوم القيامة، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. المعنى التفصيلي: - (ولا تكونوا) هذا نهي من الله أن ننقض الأيمان، ولكن جاء التعبير بـ (تكونوا) وليس "تفعلوا"؛ لما في التعبير بـ (تكونوا) من زيادة دلالة على الوجود؛ فالتعبير بـ "لا تفعلوا" لا يوحي بمنزلة الفاعلين، وإنما يفيد النهي عن الفعل فقط، ولكن التعبير بـ (ولا تكونوا) يوحي بمنزلة الفاعلين بأنهم أصبحوا بفعلهم هذا بمنزلة المرأة الخرقاء التي تنقض غزلها بعد نسجه. - (كالتي نقضت غزلها) ولكن من هذه التي نقضت غزلها؟ قيل: امرأة في مكة كانت خرقاء. وهذا القول مروي عن بعض التابعين كالسدي وعبدالله بن كثير، ولا يصح هذا عن ابن عباس. وقيل: هو من باب المثل الذي يراد به الوصف دون التعيين، فهي امرأة ليست معينة. وهو مروي عن قتادة، وهو من التابعين، فقد روى عنه الطبري عند تفسير هذه الآية بسند صحيح: " وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده ". وبالرواية عن قتادة يتضح أن التابعين غير متفقين على أن المرأة معينة حتى نقول: إن تعيينها من أخبار العرب. ودليل بعض من ذكر أنها معينة: أن الإخبار عنها بالاسم الموصول "التي"؛ لأنها معلومة عند العرب، ولم يذكر اسمها لأنه ليس لذكر اسمها شأن عظيم كذكر أسماء الأنبياء، أو كبعض ذوي الشأن في التاريخ، بغض النظر عن تقواهم وفجورهم: كذي القرنين وفرعون وهامان وقارون وجالوت. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن التعبير بالاسم الموصول قد لا يدل على معين: ومثال الاسم الموصول الذي لا يدل على معين قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ... ) (البقرة: ٢٦٤)؛ ولذا لانستطيع الجزم بأن الاسم الموصول ينبهنا بأنها امرأة معروفة. وعلى كل، فإنه ليس من كبير فائدة في معرفة أن التي نقضت غزلها معينة أو لا، ولكن تكلمت على هذا من باب العلم ليس إلا. - (نقضت) النقض: إفساد ما أبرم من بناء أو حبل، ويستخدم في العهد. - (من بعد قوة) أي من بعد إحكام وإتقان؛ لأنه لا ينكر أن تنقض المرأة غزلها إن لم تكن أحكمت غزله؛ لأنه حينها يعد في زمرة الفاسد الذي لا بد أن يصلح، فيكون نقضها ساعتها من الإصلاح. - في تقديم الاحتراس (من بعد قوة) على (أنكاثا) زيادة في بيان عجيب فعل المرأة، فقبل أن يكتمل في ذهن السامع معنى أن المرأة نقضت غزلها، يكون التنبيه ولفت النظر: انتبه! هذا النقض نقض إفساد لا إصلاح؛ لأن الغزل محكم الصنعة. - (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) أي: تجعلون أيمانكم وسيلة للخداع والغش؛ ليطمئن إليكم الناس، فعندما تجدون أناسا أقوى من الذين عاهدتموهم نقضتم العهد لأجل الأقوى. وهذه الحال هي حال أهل الجاهلية، يتخذون العهود خداعا لأجل مصالحهم، فهم لا ينوون حين يعاهدون إلا اتخاذ العهد خديعة؛ ليتسلقوا بالعهد من القوي إلى الأقوى منه؛ لينالوا مكاسبهم. وإنما جاء الإسلام لينهى عن هذه العادات الجاهلية، ولكن هذه العادات الخسيسة أصبحت في هذا الزمن تصنف في قمة الحنكة السياسية، فما السياسة في هذا الزمن الذي ينادون فيه بالحضارة إلا خداع وغش وتسلق، وما الأحلاف الدولية وتغير المواقف من زمن إلى زمن إلا بحثا عن الأقوى ونقضا لعهد الضعيف. وأذكر صورة اجتماعية أستنبط النهي عنها من هذه الآية، ألا وهي التسلق الاجتماعي، يقال في حياتنا: فلان متسلق. أي أنه يصاحب هذا ويعطيه الولاء، فإذا ما وجد آخر أقوى منه، غدر بالأول واستمسك بالثاني. وهذه ظاهرة لا تكاد تخلو منها مؤسسة من مؤسساتنا، ولا قطاع من قطاعات العمل، بل عمم ذلك على كل التجمعات الإنسانية إلا من رحم الله، بل وتجاوز الامر إلى حيز التجمع العائلي، ممثلا بالقبيلة والعشيرة، بل والله إن الأمر تجاوز هذا إلى أن غدا كثير من الإخوة يقيمون الولاءات والتحالفات أمام إخوتهم الآخرين بناء على المصلحة، بل وزاد الطين بلة أن أصبح بعض الآباء يجفون بعض أبنائهم بعد أن كانوا يقدمونهم على إخوتهم؛ لأن المجفو بالأمس أصبح أنفع من أخيه المقرب، ولذا تغيرت مواقف الوالدين، وسحبوا الامتيازات، بل ووقفوا مناصرين ظلما لموقف الابن الأنفع ضد الابن الضعيف، لا أقول: كل الآباء، ولكنها ظاهرة محسوسة ملموسة. والجامع بين النهي عن نقض العهد مع الضعيف لأجل القوي، وعن التسلق الاجتماعي، أن الأمر في الحالتين غدر لأجل المصلحة، عافانا الله وإياك أخي من الوقوع في نقض العهود و من الغدر. - جملة (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) حال من الضمير (تكونوا)، أي لا تكونوا حمقى كالمرأة الخرقاء التي تفسد عملها بعد إحكامه، حال كونكم جاعلين أيمانكم وسيلة للخداع. وبلغة أيسر: لا تكونوا حمقى كالمرأة الخرقاء التي تفسد عملها بعد إحكامه، وذلك عندما تجعلون أيمانكم وسيلة للخداع والمكر. - (أيمانكم) الأيمان جمع: يمين، وهو القسم، وقد قيل: إن سبب تسمية القسم يمينا، هو أن العرب كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه. - (دخلا) الدخل: الإفساد والخديعة، وأصل الدخل هو ما يدخل الشيء مما ليس منه، ووجه الإفساد أن دخول شيء غريب على الشيء مفسد له، ووجه الخديعة أن إدخال شيء غريب على الشيء يكون إيهاما أنه منه؛ خداعا وغشا. - (بينكم) أي أنتم ومن عاهدتم، والفساد والخديعة في اطمئنان المعاهدين إليكم؛ لما قدمتموه من العهد والأيمان، وبعد ذلك تنقضون العهد. - (أن تكون أمة) قيل فيها: المصدر المؤول (أن تكون) في محل جر بحرف جر محذوف، أي: " لأن تكون". وقيل: "أن" في موضع المفعول من أجله، أي: بسبب أن تكون أمة. وقيل: مخافة أن تكون. وخلاصة الأمر أن معنى (أن تكون أمة) هو تعليل لسبب نقض العهد. - (أمة) معناها - هنا - الجماعة المتفقة على شيء، وهي القبيلة والعشيرة وما كان في هذه المعنى. - قال ابن فارس في (مقاييس اللغة): " (أم) وأما الهمزة والميم فأصل واحد، يتفرع منه أربع أبواب، وهي الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين ". وأصل هذه المعاني: القصد والرجوع، نقول: أمه، أي: قصده؛ فالأصل، والمرجع، والجماعة، والدين أمور تقصد ويرجع إليها. ولذا فإنك ترى أن الأم تقصد من ولدها، وأن الآيات المحكمات تقصد لفهم المتشابه، ولذا سميت بـ "أم الكتاب"، قال تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... ) (آل عمران: ٧)، ولذا سميت مكة بـ "أم القرى"؛ لأنها تقصد من كل القرى (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ... ) (الشورى: ٧). وسميت "الأمة" بهذا الاسم؛ لأن أفرادها يقصدون الاجتماع على أمر ما يتفقون عليه، ويطلق عليها "أمة" ولو كانت هذه الجماعة أقل من القوم؛ قال تعالى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) (الأعراف: ١٥٩). وكذلك يطلق على الوقت "أمة"؛ لأنها أوقات تجتمع؛ قال تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ... ) (هود:٨). - جاء ضمير الفصل (هي) في قوله تعالى (أن تكون أمة هي أربى) من باب التأكيد على قوة الأمة وتميزها، كأن هذه الأمة لقوتها مختصة بالقوة. - وضمير الفصل هو الضمير الذي يقع ما بين المبتدأ والخبر، أو ما كان أصله مبتدأ أو خبرا مما دخل عليه أحد النواسخ، والأصل في إعرابه أنه لا محل له من الإعراب، ولكن قد تكون الجملة المكونة من ضمير الفصل والخبر خبرا للمبتدأ الأول، كما في هذه الآية (أن تكون أمة هي أربى). - (أن تكون أمة هي أربى) جاء التعبير بذكر ضمير الفصل الذي يفيد الاختصاص؛ لتعظيم النهي عن نقض العهود، أي: لا تنقضوا عهد قوم لأجل قوم آخرين وإن كانوا من القوة بمكان عظيم. وحصل النهي بذكر الداعي الأعظم للنقض؛ ليعم النهي عن الأعظم النهي عن العظيم وما دونه، فإذا قبح نقض العهد لأجل الأقوى، فقبح نقضه لأجل القوي والضعيف أعظم. - (أربى) أي: أزيد قوة، وسواء كانت زيادة القوة نابعة من الكثرة في العدد أو العتاد أو غير ذلك من مقومات القوة، ومن باب الزيادة سمي "الربا" بهذا الاسم. - دل النهي عن نقض العهد مع الحاجة إلى الأقوى عن النهي عن نقض العهد في حالة التمكن والقدرة، ودل تقبيح صورة نقض العهد مع الحاجة إلى أن نقضه مع التمكن أقبح. - (إنما يبلوكم الله به) أي: إنما يختبركم الله بالوفاء بالعهود. - ويحتمل أن الضمير في (به) يعود على المصدر المؤول من (أن تكون) أي: يختبركم الله بكون أمة أربى من أمة. - ولكن الظاهر أن الابتلاء هو: بالوفاء بالعهد؛ لأن السياق إنما هو سياق أمر بالوفاء بالعهد ونهي عن نقضه، وأما نقض العهد لأجل قوم آخرين أقوى، فإنما ذلك حالة من حالات نقض العهد، والابتلاء بالوفاء بالعهد عام يدخل تحته هذه الصورة وغيرها. - (إنما يبلوكم الله به) وهذا القصر إنما يكون لتأكيد المعنى، أي: ما الأمر بالوفاء بالعهود إلا لاختباركم. أي: فاحذروا أن تنقضوا العهود، وفي هذا القصر حض وحث على الوفاء بالعهد، ولو قلنا في غير التنزيل "يبلوكم الله به" دون "إنما" لكان إخبارا بابتلاء الله للمؤمنين، ولكن ليس بقوة أسلوب القصر في الحض على الوفاء والتحذير من النقض. - (إنما يبلوكم الله به) وإسناد الابتلاء إلى الله بذكر اسم الجلالة (الله)، وليس "نبلوكم" أو "تبلون"؛ لأن في إسناد الابتلاء إلى الله بذكر اسم الجلالة (الله) زيادة في التحذير من نقض العهود؛ لأن الله هو من يبتليكم بهذه الأوامر، فاذكروا إن كنتم نسيتم، واعلموا إن كنتم لا تعلمون. - لماذ لم يقدم الجار والمجرور في هذا القصر (إنما يبلوكم الله به)؟ لم يقدم الجار والمجرور (به) في هذا القصر؛ لأن المعنى هو: ما الأمر بالوفاء بالعهود إلا لاختباركم. وأما قولنا في غير التنزيل "إنما يبلوكم به الله" فإن معناه: إنما يبلوكم به الله لا غيره، أي: ما يبلوكم به إلا الله. وهذا يصلح في غير هذا السياق. فلو قال الكفار من الذي يبلونا به؟ لكان الجواب: "إنما يبلوكم به الله". أي: لا غيره. - (وليبينن) جواب لقسم مقدر، واللام لام القسم، والنون نون التاكيد، واللام والنون دلا على القسم المحذوف. والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على "الله". - (لكم) أي: انتبهوا فالتبيين ليس لغيركم إنما هو لكم، فاحرصوا على الوفاء بالعهد حتى تسعدوا بعملكم. - (يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) و (يوم) ظرف زمان منصوب، و (ما) اسم موصول في محل نصب مفعول به، والاسم الموصول من صيغ العموم، أي: سيبين الله لكم كل ما كنتم فيه تختلفون. - (فيه تختلفون) من أمر الدين، والبيان في الآخرة يكون بالنعيم في الجنة والعذاب في النار، وبعد هذا الجزاء الفصل لا يبقى أمر إلا قد بان وظهر على حقيقته.

стр. 100

(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون) (٩٣) المعنى الإجمالي: لما ختمت الآية السابقة بـ (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) بينت هذه الآية أن هذا الاختلاف مقصود ليعاقب الخاطئ على خطيئته، ويكافأ المحسن على إحسانه، ولذا فليحذر الذين ينقضون عهودهم. فلو شاء الله لجعل الناس متفقين على الهدى، ليس فيهم عاص، ولكن الله أعطى الإنسان حرية الاختيار، وبين له طريق الخير والشر، فمن سلك طريق الشر فسوف يعاقب على ما فعل؛ لأنه اختياره، ومن اختار طريق الخير فسوف يكافأ على إحسانه؛ لأنه اختياره. المعنى التفصيلي: - هذه الآية تفصيل لحقيقة الاختلاف الواقع في دين الله لما سبق من ختم الآية السابقة بـ (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون). أي: احذروا فإن الله سيبين ما كنتم فيه تختلفون، وبيان ما كانوا فيه يختلفون يكون في الآخرة بالنعيم في الجنة أو العذاب في النار. وبعد هذا الجزاء الفصل لا يبقى أمر إلا قد بان وظهر على حقيقته. ولا بد من العلم أن هذا الاختلاف مقصود، فإن من ضل فإنما ضل باختياره، ومن اهتدى فإنما اهتدى باختياره، ولأن الأمرين بالاختيار؛ فإن الفاعل سيلقى جزاءه خيرا أو شرا، وهذا زيادة في التهديد والوعيد، أي: فمن نقض العهد فإنما ينقضه باختياره، ولذا فإن له الجزاء الشديد على فعله واختياره. - قيل في بيان المناسبة بين هذه الآية وما قبلها: ١ - للتنبيه على أن اختلاف الدين لا يسوغ نقض العهود. ٢ - لئلا يظن ظان أن قدرة الله منحصرة في الآخرة فقط، فجاء التنبيه على قدرته في الدنيا. وما ذكر من أن الآية تفصيل لحقيقة الاختلاف الواقع في دين الله أظهر من هذين القولين؛ لما سبق من ختم الآية السابقة بـ (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون)، فتأمل بارك الله فيك. - (ولو) حرف امتناع لامتناع، أي: امتناع وجود الجواب لا متناع وجود الشرط، وأضرب مثلا ليقرب الأمر إلى الأذهان، نقول: لو جئت لأكرمتك. والنتيجة أني لم أكرمك لأنك لم تجئ، فامتنع الإكرام لامتناع المجيء. (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) ولكن لم يصبح الناس أمة واحدة على التوحيد والدين الحق؛ لأن الله شاء أن يعطي الاختيار للناس حتى يختاروا هم ما يريدون. - (لجعلكم أمة واحدة) "اللام" في (لجعلكم) واقعة في جواب "لو"، و"الجعل" هو تقدير الله سبحانه أن يخلق الناس مثل الملائكة بأن يطيعوا ولا يعصوا. - (أمة) والأمة: مجموعة كبيرة من الناس يجمعهم شيء يميزهم عن غيرهم، كاللغة أو الدين أو غير ذلك، والأمة في هذه الآية هم أمة يجمعهم توحيد الله وطاعته، وانظر في تفسير الآية السابقة إلى معنى الأمة، فإني بينت ذلك في قدر ما رأيته مناسبا. - (واحدة) جاء نعت الأمة بكونها واحدة؛ لنفي أي فرقة بينها. - (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) أي أن الله هو من يضل من يشاء لاستحقاقه الضلال، ويهدي من يشاء لاستحقاقه الهدى؛ قال تعالى ( ... فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ... ) (النحل: ٣٦) وظاهر الآيات الواردة في الهداية والإضلال أن فاعل (يشاء) يعود على الله . - يتسأل بعض الناس عن التوفيق بين أن الله هو الذي يضل ويهدي، وبين أنه يعاقب الضال ويكافئ المهتدي، فلماذا يعاقب الضال رغم أنه أضل، وكذلك المهتدي سيق إلى الهداية؟ والجواب عن هذا أن من المسلم به أن كل شيء في هذا الوجود لا يكون إلا بمشيئة الله ، وشاء الله أن يعطي الإنسان حرية اختيار دينه، قال تعالى (ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨) قد أفلح من زكاها (٩) وقد خاب من دساها (١٠)) (الشمس) فما اختاره الإنسان من الهداية أو الضلال إنما هو باختياره، ولكنه ضمن مشيئة الله من جهة أن الله شاء أن تكون للإنسان القدرة على الاختيار. فالله يضل من اختار الضلال، ويهدي من اختار الهداية، ولذا يعاقب الضال على اختياره، ويكافأ المهتدي على اختياره. ومن هنا، فالهداية باب من يطرقه يفيض الله عليه منها دون تحصيل بالأسباب، بل برحمته ، قال تعالى ( ... ويهدي إليه من ينيب) (الشورى: ١٣) أي من يقبل على الهداية يهديه الله، وقال تعالى (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ... ) (مريم: ٧٦) وقال تعالى ( ... إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (الكهف: ١٣) فالفتية آمنوا واهتدوا ولأجل هذا جاءهم فيض الهداية الرباني. وكذلك من اختار الضلالة مد الله له فيها؛ قال تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ... ) (مريم: ٧٥) - (ولتسألن) الواو للعطف، واللام للقسم، والنون للتوكيد، واللام والنون دلا على القسم المحذوف. - (ولتسألن) والسؤال سؤال محاسبة وجزاء، لا سؤال استفهام واستعلام. - (عما كنتم تعملون) (عما)، أي: "عن ما"، و"ما" اسم موصول، والاسم الموصول من صيغ العموم، أي سيحاسبنا الله على كل ما عملنا من خير أو شر. - والقسم على أن الخلق سيحاسبون مع التأكيد بنون التوكيد، زيادة في التهديد والوعيد لمن نقض العهد. - جاء التهديد في هذه الآية لمن نقض العهد بأمور: الأول: التذكير بأن نقض العهد من اختيار العباد، وكل عليه أن يتحمل نتيجة اختياره. الثاني: أن الله أقسم بمحاسبة العباد على ما عملوا في الدنيا من الأعمال.

стр. 101

(ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) (٩٤) المفردات: - دخلا: إفسادا وخديعة. المعنى الإجمالي: بعد أن شبهت الآية قبل السابقة حال ناقض العهود بالمرأة الخرقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا، مع بيان سبب نقض العهود بكون أمة أقوى من أمة، وحملت الآية السابقة ناقض العهود مسؤولية نقضه للعهد لأنه من اختياره، أتت هذه الآية لتشبه حال عاقبة ناقض العهود بعد تشبيه حال فعله، ولتؤكد أن له العذاب في الدنيا والآخرة. وهذه الآية تنهى عن نقض العهود، وتبين عاقبته بعاقبة القدم الثابتة التي تزل عن مكانها ويهوي صاحبها، فيلاقي ما يسوؤه في الدنيا في الدنيا، ويلاقي العذاب العظيم في الآخرة. المعنى التفصيلي: - (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) جاءت بداية هذه الآية بالنهي عن الخداع في العهود بصيغة النهي، بينما جاءت في الآية قبل السابقة (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) بصيغة الإخبار الذي يفهم منه النهي؛ وجاء التعبير هناك بالخبر (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم)؛ لأن جملة (تتخذون ... ) حال من الضمير (تكونوا)، أي: لا تكونوا حمقى كالمرأة الخرقاء التي تفسد عملها بعد إحكامه، حال كونكم جاعلين أيمانكم وسيلة للخداع. وجاء التعبير هنا بالنهي؛ لأجل التفريع على هذا النهي - أي البناء عليه - والتفريع والبناء جاء بقوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها)، أي (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) لأنه يترتب على اتخاذ العهود للخداع أن تزل (قدم بعد ثبوتها). - (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) أي: لا تجعلوا أيمانكم وسيلة للخداع والغش، ليطئن إليكم الناس، وهذه الحال هي حال أهل الجاهلية، يتخذون العهود خداعا لأجل مصالحهم، فهم لا ينوون حين يعاهدون إلا اتخاذ العهد خديعة؛ لينالوا مكاسبهم. - قيل: إن هذه الأيمان هي مع رسول الله ﷺ . ولكن على فرض هذا الأمر فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. - (دخلا) الدخل: الإفساد والخديعة، وأصل الدخل هو ما يدخل الشيء مما ليس منه؛ ووجه الإفساد أن دخول شيء غريب على الشيء مفسد له، ووجه الخديعة أن إدخال شيء غريب على الشيء يكون إيهاما أنه منه؛ خداعا وغشا. - (فتزل قدم بعد ثبوتها) أي: تضلوا بعد أن كنتم على الهدى، وجاء التعبير عن هذا المعنى بهذه الصورة الحسية المعلومة للقاصي والداني، والعالم والجاهل؛ تعميقا لقبح عاقبة الخداع بالعهود، حيث إن صورة انزلاق القدم وسقوط صاحبها أرضا، صورة مرئية محسوسة، فكم رأينا ممن زلت قدمه فسقط أرضا؟! وكذلك فهي صورة واقعة بنا ونعرف طعم ألمها، فمن منا لم تنزلق قدمه في يوم من الأيام، ومن منا من لم يذق ألم السقوط؟! ولأنها صورة مستحضرة في الذهن، ومستحضرة أيضا في الشعور، فهي أدعى للتذكير والتحذير. - (فتزل) الفاء للتفريع، أي: إن اتخاذكم الأيمان غشا وخداعا يتفرع عنه أن تزلوا عن الحق الذي أنتم عليه. - (قدم) نكرت القدم؛ لأن التنكير في هذا السياق يفيد التعظيم؛ فالقدم هي التي تحمل صاحبها وتحميه من الوقوع، فلعظيم دورها نكرت، ولو قلنا في غير التنزيل "فتزل القدم بعد ثبوتها"، لما كان تعريف القدم من الفخامة مما في تنكيرها. - (قدم) افردت ولم تجمع؛ لأن الصورة اتضحت بذكر قدم واحدة، بل إن جمع (قدم) يشوش الصورة الذهنية، فتأمل معي - بارك الله فيك - الفرق العظيم بين الصورة الذهنية المتولدة من قولنا "فتزل أقدام بعد ثبوتها"، وبين قوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها)، فالصورة بالجمع "أقدام" نشأ عنها صورة أخرى شوشت صفاء البيان، إنها صورة لأشخاص كثيرين، تنزلق أقدامهم فيسقطون أرضا، وهنا يتشتت الذهن بين تصور كثرة الأشخاص وبين حالات السقوط الكثيرة، بينما الصورة الذهنية المتولدة عن إفراد "القدم"، نجدها تتركز في جانب واحد، وهو حالة الانزلاق بعد الثبوت. وبناء على ما ذكرت، فإنني أستبعد القول بأن إفراد "القدم" جاء لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟! وإن كنت لا أقول: إنه خطأ، بل هو مجرد استبعاد وترجيح، والله أعلم. - (بعد ثبوتها) الزلل لا يكون إلا بعد الثبوت، فلماذا ذكر الثبوت؟ إذا أردت أن تعرف قيمة ذكر (بعد ثبوتها) في الآية فتأمل الآية دونها؛ لتعلم قيمة ذكرها؛ فإن في ذكر الثبوت زيادة في بيان قبح العاقبة، وإشارة إلى الخسران الذي وقع لمن خدع في عهده، فإنه اختار الزلل على الثبات والأمان، وإشارة إلى أن الوفاء بالعهود هو الثبات والحق. - فرق بعضهم بين "الثبوت" و"الثبات"، فقالوا: الثبوت - بالواو - خاص بالمعنى المجازي، وهو التحقق، مثل: ثبوت عدالة الشاهد لدى القاضي، وخصوا الثبات - الذي بالألف - بالمعنى الحقيقي. وعلق بعض المفسرين على هذه التفرقة بأنها تفرقة حسنة. ولكن هذا التخصيص للاستعمال غير صحيح، فإن "الثبوت" يستعمل أيضا في المعنى الحقيقي، فقد جاء في لسان العرب في مادة "ثبت" ما نصه: "ثبت فلان في المكان يثبت ثبوتا فهو ثابت إذا أقام به"، وهذا استعمال للثبوت في المعنى الحقيقي. - وفي قوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها) استعارة؛ حيث استعيرت القدم للثبوت، واستعير زلل القدم الحسي للزلل المعنوي عن الحق. - (وتذوقوا) أصل الذوق: تحسس الطعم عن طريق الفم، واستعمل في القرآن في العذاب؛ وذلك لبيان عظيم العذاب، فإن الإنسان يجد طعم ما يذوقه أكثر من طعم ما يبلعه، فمعنى (وتذوقوا السوء) أي: وتحسوا به إحساسا عظيما. - (السوء) ما يسوء الإنسان ويؤلمه وينغص عليه صفو حياته، والمقصود به في هذه الآية ما يصيب العاصي في الدنيا، وذلك بدلالة الآية (وتذوقوا السوء) أي: في الدنيا (ولكم عذاب عظيم) أي: في الآخرة. والسوء الذي يلاقيه ناقض العهد في الدنيا هو ما يحصل له في هذه الدنيا من المصائب والويلات بسبب غضب الله عليه، وهذا أولا. وكذلك فإن الناس لا يثقون به، بل وينبذونه ويعادونه. - (بما صددتم) الباء سببية، و"ما" مصدرية، أي: وتذقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم - أو صدودكم - عن سبيل الله. - (صددتم) قد يكون الفعل من "الصدود" ويكون الفعل لازما، أو من "الصد"، ويكون المفعول محذوفا. - (عن سبيل الله) يختلف معنى (سبيل الله) وفق اختلاف معنى (صددتم). فيكون المعنى على اعتبار كون الفعل من "الصدود": وتذقوا السوء في الدنيا بسبب إعراضكم عن سبيل الله، وهو الوفاء بالعهود. ويكون المعنى على اعتبار الفعل من "الصد": وتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صد غيركم عن سبيل الله، وهو دينه. - ولكن كيف نصد غيرنا عن سبيل الله عندما ننقض العهود؟ نصد غيرنا عن سبيل الله عندما ننقض العهود بإقامتنا للقدوة السيئة، والتي بدورها تنفر الناس عن دين الله؛ حيث يقول الكافر أو ضعيف الإيمان: إذا كان هذا هو فعل الأتقياء من المسلمين فإن هذا الدين لا فائدة فيه. وفي هذا رد على الذين قالوا: إن هذه الآية نزلت فقط في الذين بايعوا النبي ﷺ على الإسلام وكفروا بعد ذلك، مستدلين بأن هذه الآية لو كانت في العهود عامة، لما كان فيها صد عن سبيل الله. وهذا منقوض بما ذكرت آنفا من معنى الصد في الآية. وقد ذكرت عند تفسير الآية (٩١) من هذه السورة أنه لا يصح في سبب النزول شيء مرفوع أو ما في حكمه، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. - ولا بد من الإشارة إلى أن شعوبا كثيرة دخلت الإسلام لما رأت صدق المسلمين وحسن أخلاقهم، ولأجل هذا؛ لا بد أن يتنبه الدعاة إلى الله أولا والمسلمون عموما إلى أن معصيتهم قد تكون فتنة للناس عن دين الإسلام، ومن صد غيره عن دين الله، فإن له السوء في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة. - (ولكم عذاب عظيم) أي إن نقضتم عهودكم فلكم العذاب في الآخرة. ووصف العذاب بالعظيم؛ للدلالة على أنه أعظم من عذاب الدنيا الذي جاء التعبير عنه في قوله تعالى (وتذوقوا السوء)؛ لأن عذاب الآخرة ليس سوءا فقط، بل عذاب موصوف بأنه عظيم. أعاذني الله وإياكم منه. آمين!

стр. 102

(ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) (٩٥) المعنى الإجمالي: ما زال السياق سياق تحذير من نقض العهود، وجاءت هذه الآية للتحذير من نقض العهود المبرمة مع الله . تنهانا هذه الآية أن ننقض عهودنا مع الله مقابل عرض من الدنيا زائل؛ فإذا كنا نعلم هذا الأمر ونلتزم به، فما أعده الله لنا هو خير من الدنيا. المعنى التفصيلي: - لماذا جاء الأمر بالوفاء بعهد الله في الآية (٩١) (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ... ) ثم جاءت هذه الآية تنهى عن نقض العهود مع الله ؟ يجب أن نعلم أن موضوع الآيتين التفصيلي مختلف، فالآية الأولى تأمرنا أن نفي بعهدنا مع الله أولا، وأن نفي بعهودنا مع الناس ثانيا؛ إذ كيف نحلف بالله ونجعله ضامنا ونخلف؟!! ولذا فإن من نقض فإن له العذاب على كل ما فعل؛ لأنه لا يغيب عن الله شيء. بينما هذه الآية تنهانا أن ننقض عهودنا مع الله مقابل عرض حقير من دنيا زائلة، والمعنى المختلف في هذه الآية هو تحقير أي عرض يكون ثمنا لنقض العهد مع الله ؛ لأن ما عند الله خير من الدنيا وما فيها. - (ولا تشتروا) نهي عن نقض عهد الله مقابل عرض من الدنيا، وجاء التعبير بالشراء من باب الاستعارة. - (بعهد الله) العهد في اللغة يرجع إلى معنى الاحتفاظ، وبصيغة أخرى، معنى "العهد" في الآية هو: الموثق. - (بعهد الله) إما أن يكون به المراد كل العهود، وإما أن يكون المراد ما يعاهد الله عليه، فإن كان المراد به كل العهود فإن إضافة "العهد" إلى لفظ الجلالة "الله" إضافة تعظيم؛ رفعا لشأن العهد، وإعلاما بأنه ذو قدسية؛ لأن المسلم إذا عاهد فإنما يعاهد بصفته مسلما منتميا لدين الله ، ومن هنا جاءت نسبة "العهد" إلى الله. وعندما يكون المراد كل العهود، يكون للعهد صور كثيرة، فالوفاء بما ألزمه المسلم على نفسه من توحيد الله من صور الوفاء بالعهد، ووفاء الصحابة ببيعة النبي ﷺ كذلك، ووفاء الناس بما تعاهدوا عليه من شؤونهم من صور الوفاء بالعهد. - وإن كان المراد (بعهد الله) ما يعاهد الله عليه، فيكون "عهد الله" خاصا بالعهد المعقود مع الله، وتكون الإضافة من باب الإضافة إلى المفعول. ولقد تتبعت مادة "عهد" في القرآن فوجدت كثيرا من الآيات لا تدل دلالة واضحة على معنى "عهد الله"، بل تحتاج إلى آيات أخرى أو قرائن أخرى لتحديد المعنى. وإن كنت أميل إلى أن "عهد الله" هو ما يعاهد الله عليه، وقد سبق بيان هذا بالشواهد القرآنية عند تفسير الآية (٩١) من هذه السورة. - (ثمنا) والثمن لا يجهل معناه أحد، ولزيادة البيان، فكل عوض يحصل عليه البائع يسمى ثمنا. والثمن في هذه الآية هو: ما يحصل عليه ناقض العهد من المكاسب الدنيوية. - (قليلا) ليس تقييدا للثمن، أي: ليس النهي عن نقض العهد مقابل الثمن القليل فقط، وأما الكثير فغير داخل تحت النهي، وإنما (قليلا) وصف لكل ثمن يحصل عليه ناقض العهد؛ لأن كل ما في الدنيا زائل. - (إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) لم تعطف الجملة على ما سبقها؛ لأن الجملة الأولى (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إنشائية، والجملة الثانية (إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) خبرية، وهذا يسمى في علم المعاني بـ "كمال الانقطاع". - (إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) هذه الجملة تعليل لوصف أي عرض في الدنيا بالقلة، بأن أي ثمن قليل أمام ما عند الله ؛ لأن ما عند الله هو الخير، ولا خير مثله البتة. - (إنما) هي مكونة من حرف "إن" والاسم الموصول "ما"؛ وإنما كتبت في المصاحف متصلة بناء على النطق، ويكتب الاسم الموصول - في العصر الحاضر - منفصلا عن حرف التوكيد. - (عند الله هو خير لكم) أي ما ادخره الله وأعده من الأجر والثواب في الآخرة خير لكم من أي عرض في هذه الدنيا، وكذلك فإن نعم الدنيا تدخل ضمن دلالة قوله تعالى (عند الله هو خير لكم)؛ لأن كل ما يصيبنا من النعم في الدنيا والآخرة فإنما هو من عند الله . - (عند الله هو خير لكم) جاء ضمير الفصل (هو) للتخصيص، أي ما عند الله وحده خير لكم. - (خير) اسم تفضيل، ولكن حذفت منه الهمزة "أخير"؛ لكثرة الاستعمال، ويجوز إثباتها على الأصل، وذلك قليل. - (لكم) الكلام مفهوم بدون (لكم)، فتأمل - حفظك الله - نص الآية بدون (لكم)، ستجد بأن الكلام مفهوم، ولكن (لكم) أضافت دلالة جديدة، وهي: زيادة الحث على الوفاء بالعهود. - (إن كنتم تعلمون) وما أعده الله في الآخرة خير لنا، ولكن هذه الخيرية مشروطة بكوننا نعلم هذا ونلتزم به، أما إذا لم نلتزم بالوفاء بعهد الله - عافانا الله - فإنه ليس لنا الخير في الآخرة. نسأل الله السلامة! - هذه الآية أصل عظيم في النهي عن أخذ الرشوة مقابل معصية الله ، وأصل عظيم - كذلك - في النهي عن كل معصية يفعلها العبد لأجل الحصول على مكسب دنيوي بخس.

стр. 103

(ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (٩٦) المفردات: - ينفد: يفنى. المعنى الإجمالي: هذه الآية تعليل لما سبق من بيان خيرية ما عند الله على ما في الدنيا من الأشياء والمكاسب والعروض. فما عند الله من الأجر والثواب يبقى، ولكن ما عند الناس من الدنيا يفنى، ومن العقل أن يؤثر الباقي على الفاني. ويقسم الله بأنه سوف يجزي الصابرين على طاعتهم بأحسن أعمالهم في الدنيا. المعنى التفصيلي: - (ما عندكم) (ما) اسم موصول، (عندكم) أي: من أعراض الدنيا وأشيائها وملذاتها. - (ما عندكم) (ما) اسم موصول، والاسم الموصول من صيغ العموم، أي: كل ما عندكم من الدنيا - بدون استثناء - فان. - (ينفد) الفعل "نفد" - بالكسر- يدل على انقطاع الشيء وفنائه. - (وما عند الله باق) الواو عاطفة، والذي عند الله هو ما أعده الله للمؤمنين في الجنة من النعيم، و (باق) اسم فاعل: "باقي"، حذفت الياء لالتقاء الساكنين. - وفي هذه المقارنة بين ما عند الله سبحانه وما عند الناس رد عظيم على من يقدمون بعض متاع الدنيا على ما أعده الله للمؤمنين في الجنة. وهذه الآية تذكرة - وأي تذكرة!! - لكل من يعصي الله لأجل متاع الدنيا، (ما عندكم ينفد وما عند الله باق). فمن هذا الذي يعقل ويؤثر الفاني على الباقي؟! - (ولنجزين) الواو عاطفة، واللام لام القسم، والقسم مقدر، ونون "نجزي" للتعظيم، وإسناد الفعل إلى الله تشريف لهذا الجزاء، والنون المشددة للتوكيد. وإنما جاءت هذه الأساليب زيادة في تطمين قلوب المؤمنين - رغم إيمانهم - بأن جزاءهم قادم لا محالة. فكأن المعنى: وللصابرين - بكل تأكيد - أحسن الجزاء منا. - (ولنجزين) ضمن الجزاء معنى العطاء؛ لأنه تعدى إلى مفعولين، الأول: الذين، والثاني: أجرهم. - (ولنجزين) التفات من أسلوب الغيبة (وما عند الله باق) إلى المتكلم (لنجزين)، وهذا الالتفات للعناية، والتعبير بأسلوب التعظيم مع القسم والتأكيد زيادة في العناية والتأكيد والبشارة. - وقرئت (لنجزين) بياء الغيبة (ليجزين) رجوعا إلى الله ؛ لتقدم ذكره (وما عند الله باق). - (الذين صبروا) أي في الدنيا على حفظ العهود مع الله ومع الناس، وفي هذا إشارة إلى أن الالتزام بالعهود بحاجة إلى الصبر. وكذلك ففي قوله تعالى (ولنجزين الذين صبروا) دلالة على أن الصبر سبب للحصول على نعيم الله في الآخرة. - (أجرهم) أي: على صبرهم على طاعة الله ، والأجر - هنا - هو الجنة، وأكرم بها من أجر!! - (بأحسن ما كانوا يعملون) أحسن على بابها من التفضيل، و (ما) اسم موصول، وهو مضاف إليه، ولذا صرفت (أحسن). - (بأحسن ما كانوا يعملون) أي أن الله يجزي الصابرين بأحسن عمل عملوه، ويعطيهم درجتهم على أساس أحسن عمل، ويلحق باقي الأعمال الأقل به. وهذا الجزاء من كرم الله ، وإلا فنحن في الدنيا نسجل درجة الطالب أو غيره وفق المتوسط الحسابي لكل ما حصل عليه من التقديرات، ولكن الله يعطي الصابرين الدرجة بناء على أعلى تقدير. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن "أحسن" ليست على بابها من التفضيل؛ هروبا من إشكالية كون الجزاء على الأحسن، وملخص هذا الإشكال عندهم: إذا كان الجزاء على الأحسن فأين الجزاء على الحسن؟! وفي ما سبق من أن الجزاء على الأحسن في الجنة يجعل العمل الحسن عملا أحسن. وهذا جواب حسن إن شاء الله تعالى. - (بأحسن ما كانوا يعملون) قيل: بجزاء أحسن من عملهم. وهذا ضعيف؛ لأن اسم "أحسن" اسم تفضيل، ولو كان المعنى "بجزاء أحسن من عملهم" لكان القول "بأحسن مما كانوا يعملون". - (ما كانوا يعملون) (ما) اسم موصول، والاسم الموصول للعموم، ليدخل كل ما عمله الصابر في حيز اختيار أحسن عمل.

стр. 104

(صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (٩٧) المفردات: - طيبة: حسنة، والطيب ضد الخبيث. المعنى الإجمالي: ختمت الآية السابقة بوعد الصابرين بالجزاء وفق أحسن ما كانوا يعملون، فجاءت هذه الآية من باب التفصيل والبيان لمبدأ جزاء الصالحين عند الله على سبيل العموم؛ لمناسبة السياق لهذا المعنى. فكل مؤمن يعمل صالحا فله الحياة الطيبة في الدنيا وله الجزاء في الآخرة بأحسن ما عمل، يستوي في هذا الأمر الذكور والإناث. المعنى التفصيلي: - (من عمل) (من) اسم شرط، وأسماء الشرط من صيغ العموم؛ ليدخل كل من عمل صالحا ضمن الموعودين بالجزاء. - (عمل) في هذه الدنيا عملا (صالحا). ولا يوصف العمل بالصلاح إلا إذا كان موافقا لدين الله ؛ قال رسول الله ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (مسلم: ٣٢٤٣). - (من ذكر أو أنثى) حرف الجر "من" للبيان، بمعنى: أعني (من ذكر أو أنثى). يستوي في الأجر الذكر والأنثى، وإن كان الله قد خص الذكور بأحكام كما أنه خص الإناث بأحكام، ولكنهما في أجر العمل سواء. - (من ذكر أو أنثى) اسم الشرط "من" من صيغ العموم، ويدخل ضمنه الذكر والأنثى، فلماذا ذكر "الذكر والأنثى"؟ ذكر "الذكر والأنثى" من باب البيان والتفصيل؛ رفعا لإيهام التفريق بينهما بالجزاء، وزيادة في حث المؤمنين على العمل الصالح إناثا كانوا أو ذكورا؛ لأن الحكم الصريح ليس كالحكم المستنبط. - (وهو مؤمن) هذه الجملة حال، أي: من عمل صالحا وحاله الإيمان بالله والإخلاص له فله الجزاء المذكور. وهذه الآية من مجموع الأدلة القاضية بأن الأعمال لا تقبل بلا إيمان، ويعبر عن هذا بأن الإيمان شرط في صحة الأعمال. - (فلنحيينه) الفاء رابطة لجواب الشرط، واللام لام القسم، والقسم مقدر، والنون للتعظيم، وإسناد الفعل إلى الله تشريف لهذه الحياة، والنون المشددة للتوكيد. وإنما جاءت هذه الأشياء زيادة في تطمين قلوب المؤمنين - رغم إيمانهم - بأن جزاءهم قادم لا محالة. فكأن المعنى: وله - بكل تأكيد - حياة طيبة منا. - (حياة طيبة) أي: الحياة الدنيا، وهذا هو الراجح. وقيل: في الآخرة؛ بحجة أن المسلم لا يطيب له عيش في الدنيا. وهذا ضعيف للآتي: أولا: لأن سياق الآية يدل على أن الحياة الطيبة في الدنيا؛ (فلنحيينه حياة طيبة) في الدنيا (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) في الآخرة. ولو كانت الحياة الطيبة في الآخرة لكان في الآية تكرار، وحمل الآية على ما ذكرنا أظهر. وثانيا: لأن الحياة الطيبة تكون للمسلم في الدنيا، وسيأتي بيان معنى الحياة الطيبة بعد قليل. - (حياة) نكرة، ودلالة التنكير في هذا السياق هي: التشريف. - (طيبة) طاهرة زكية، والطيب ضد الخبيث؛ قال تعالى ( ... حتى يميز الخبيث من الطيب ... ) (آل عمران: ١٧٩)، (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ... ) (النور: ٢٦) - ولكن قد يسأل سائل: إننا نرى كثيرا من المؤمنين يعيشون حياة خشنة يملؤها الفقر والحاجة، فكيف وعد الله المؤمنين بالحياة الطيبة وحالهم هذه؟ وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من العلم أن الحياة الطيبة لا تعني الغنى ورغد العيش، وإلا فقد ذاق النبي ﷺ وذاق الصحابة - رضوان الله عليهم - خشونة العيش، وإنما المقصود بالحياة الطيبة، تلك الحياة التي يحياها المؤمنون، حياة ليس فيها فسق ولا انحلال ولا مجون ولا زنا، فالكفار في هذا الزمن ورغم كل ما يملكون من المال ورغد العيش يعيشون حياة خبيثة؛ لأن الحياة الطيبة إنما هي للمؤمنين، فالزنا بين الكفار أشهر من أن يذكر، فهم لا يفرقون بين امرأة وأخرى، حتى أن الزنا امتد إلى نساء إخوانهم وأصحابهم، بل إلى محارمهم، وأما طعامهم، فهم لا يفرقون بين طيب وخبيث، فهم يأكلون أي شيء يخطر ببالهم، وعلى هذا فقس كل جوانب حياتهم. هذا، ومن جهة أخرى فإن القناعة والرضا بما قسم الله تجعل المؤمن راضيا مطمئنا سعيدا، وهو بهذا الإيمان يشعر بالسعادة أيضا؛ لأن يركن إلى ركن شديد، ويعتمد على العظيم الحميد. ولذا؛ فرغم الرغد الذي يعيشه الكفار إلا أنهم هم المقبلون على الانتحار، علاوة على ما يعانون من اضطرابات نفسية تحرق أي فرحة في حياتهم. فالمؤمنون هم أهل التوكل على الله وهم أهل الصبر؛ ولذا فهم يعيشون حياة طيبة نظيفة طاهرة ملؤها القناعة والرضا. وفسرت الحياة الطيبة بـ: الرزق الطيب الحلال، والقناعة، وحلاوة الطاعة، والاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الخالق. وهذا كله صحيح؛ فإن هذا من باب التنصيص على بعض أفراد العام، أي: كل واحد من هذه الأقوال بين جانبا من الحياة الطيبة، وكل هذه الجوانب مجتمعة هي الحياة الطيبة. وأما ما ذكره بعض المفسرين من أن الحياة الطيبة هي: المال. فهو غير صحيح، فقد قال أحد المفسرين رحمه الله تعالى: "الله جعل المال جزاء الأعمال، وذلك في ستة مواضع" وذكر منها هذه الآية. وفسر بعض المفسرين الحياة الطيبة بقول النبي ﷺ : "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" (مسلم: ١٧٤٦). وفي هذا نظر؛ لأن من الصالحين من لم يرزق الكفاف، والله وعد الصالحين بالحياة الطيبة، ولو كان رزق الكفاف حد للحياة الطيبة؛ لحكمنا على كل من لم يرزق كفافا بأنه ليس من الصالحين، وهذا معلوم البطلان، فكم من الصحابة - رضوان الله عليهم - كان رزقه دون الكفاف. - (ولنجزينهم) الواو عاطفة، واللام لام القسم، والقسم مقدر، والنون للتعظيم، وإسناد الفعل إلى الله تشريف لهذا الجزاء، والنون المشددة للتوكيد. - ولكن لماذا جاء التعبير في (ولنجزينهم) بالجمع، بينما جاء التعبير في (فلنحيينه) بالمفرد؟ جاء التعبير في (ولنجزينهم) بالجمع مراعاة لمعنى الاسم الموصول (من)، بينما جاء التعبير في (فلنحيينه) بالمفرد مراعاة للفظ الاسم الموصول (من). - (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سبق الكلام في تفسيرها في الآية السابقة عند قوله تعالى (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (٩٦)

стр. 105

(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (٩٨) المفردات: - استعذ: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأصل الاستعاذة: طلب الالتجاء. - الرجيم: المطرود من رحمة الله . المعنى الإجمالي: المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أن قوله تعالى ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: ٨٩) متصل المعنى مع قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (النحل: ٩٨) وأن ما بينهما جمل معترضة. ووجه المناسبة بين الآيتين هو أن الآية الأولى تخبر أن القرآن نزل على النبي ﷺ ، فتأمره الآية الثانية بالاستعاذة إذا قرأ هذا القرآن المنزل عليه. المعنى التفصيلي: - (فإذا) الفاء متفرعة عن نزول القرآن على النبي ﷺ ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: ٨٩). - (فإذا) جاء التعبير بـ "إذا" وليس "إن"؛ لأن الأصل في ما بعد "إذا" تحقق وقوعه، وفي ما بعد "إن" عدم تحقق وقوعه أو ندرته، ولا يخرج عن هذا إلا لنكتة بلاغية. ولذا؛ فقراءة النبي ﷺ للقرآن - وكذا المسلمون في زمنه ومن بعده - حاصلة في كل وقت من آناء الليل والنهار؛ ولذا استعمل حرف "إذا". - (قرأت) الخطاب موجه ابتداء للنبي ﷺ ، وأمته داخلة تحت هذا الأمر؛ لقوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب: ٢١) وجرى أمثال ذلك في قوله تعالى (قل هو الله أحد) (الإخلاص: ١) - (قرأت) جاء الخطاب موجها إلى المسلمين من الآية (٩٠) إلى (٩٧)، بينما كان الخطاب في الآية (٨٩) والآية (٩٨) موجها إلى النبي ﷺ ، ووجه المناسبة أن قوله تعالى ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: ٨٩) متصل المعنى مع قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (النحل: ٩٨) وأن ما بينهما جمل معترضة؛ وهذا هو سبب كون الخطاب للنبي ﷺ ابتداء. ووجه المناسبة بين الآيتين (٨٩) و (٩٨) هو أن الآية الأولى تخبر أن القرآن نزل على النبي ﷺ ، فتأمره الآية الثانية بالاستعاذة إذا قرأ هذا القرآن المنزل عليه. - (قرأت) أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن، ولهذا نظائر في القرآن: قال تعالى ( ... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ) (المائدة: ٦) أي: أردتم، وقوله تعالى ( ... إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ... ) (المجادلة: ٩) أي: إذا أردتم أن تتناجوا، وقوله تعالى ( ... وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ... ) (الأحزاب: ٥٣) أي إذا أردتم أن تسألوهن. - ذهب بعض العلماء إلى أن الاستعاذة إنما تكون بعد القراءة، وهذا ضعيف لما ذكر آنفا، وأيضا: فإنما شرعت الاستعاذة في بداية قراءة القرآن؛ لدفع وسوسة الشيطان؛ لئلا يفسد الشيطان على القارئ تفكره وتدبره، وهذا إنما يتحقق إذا كانت الاستعاذة في بداية القراءة لا عند الانتهاء منها. ولو قلنا في غير التنزيل "وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن"، لكان الأمر بقراءة القرآن كلما استعاذ المسلم، وهذا غير مأمور به. - (القرآن) هو كلام الله المنزل على نبينا محمد ﷺ المعجز المتعبد بتلاوته، وهو أشهر من أن يعرف. - (فاستعذ بالله) الفاء رابطة لجواب الشرط، والاستعاذة بالله: طلب الالتجاء إلى الله . - (فاستعذ) وليس "قل أعوذ"؛ لأن الاستعاذة قول واعتقاد، وقوله (فاستعذ) يشمل القول والاعتقاد، بينما "قل أعوذ" ليس صريحا على اشتمال الاعتقاد صراحة (فاستعذ). فتأمل حفظك الله! - (فاستعذ) وليس "فعذ"؛ لأن (فاستعذ) فيها معنى الطلب والسعي للحصول على العوذ؛ وهذا مستفاد من صيغة الاستفعال. - (بالله) وليس "بالرحمن" أو "القهار"؛ لأننا عندما نستعيذ بـ "الرحمن" فإننا نستحضر معنى "الرحمة"، وإذا قلنا "القهار" فإننا نستحضر معنى "القهر"، وعندما نقول "الله" في سياق الاستعاذة فإننا نستحضر الاستعاذة بالإله الحق الواحد الأحد المتصف بكل صفات الكمال . - (من الشيطان) (من) سببية، أي: التجئ بالله بسبب الشيطان الرجيم. والشيطان: إما أن يقصد به إبليس أو كل الشياطين، وعلى الأول فإن "ال" التعريف للعهد، وعلى الثاني للجنس. وكون الاستعاذة من كل الشياطين جميعا أبلغ من الاستعاذة من إبليس وحده؛ لأن الوسوسة من إبليس وجنوده جميعا، لا من إبليس وحده. - وأصل (الشيطان) في اللغة إما أن يكون من "شطن" أو "شاط"، فإذا كان من "شطن" فهو يدل على البعد، والشيطان في ضوء هذا المعنى بعيد عن رحمة الله ومطرود، وإن كان من "شاط" فهو يدل على الهلاك بالاحتراق أو أي شيء آخر، والشيطان في ضوء هذا المعنى هالك. - (الرجيم) على وزن فعيل بمعنى مرجوم على وزن مفعول، وفي اللغة نظائر لوزن "فعيل" بمعنى "مفعول": نقول: جريح وقتيل. بمعنى مجروح ومقتول. - (الرجيم) هو: المطرود من رحمة الله تعالى، وهو من "الرجم" هو: الرمي بالحجارة، والرمي إما ان يكون للقتل كما في رجم الثيب الزاني، وإما ان يكون للطرد، أو لغير ذلك من المعاني، والتي تعرف بإطلاق النظر في المعاجم اللغوية. - (الرجيم) نعت للشيطان، وذكر النعت في هذا السياق إنما هو لتأكيد ذم الشيطان، وللتنصيص على ضعفه وذله. - لكن ما حكم الاستعاذة؟ ملخص ما ذهب إليه العلماء في شأن الاستعاذة: ذهب الجمهور إلى أن حكم الاستعاذة هو: الندب، ومن العلماء من رأى الوجوب، كابن حزم وغيره ممن سبقه من التابعين أو لحقه، محتجين أن الأمر للوجوب، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، رغم أن الأمر للوجوب؛ لأنه صرفه صارف عن الوجوب إلى الندب، ودليل ذلك: ١ - لم يأمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالاستعاذة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ٢ - وأيضا فعن أنس قال بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر (٣)) (صحيح مسلم ج١/ص٣٠٠) والشاهد أن النبي ﷺ قرأ القرآن دون استعاذة. وذهب بعض الجمهور - كالإمام مالك - إلى أن الاستعاذة لا تشرع في الصلاة، وهذا ضعيف؛ لثبوت الاستعاذة في الصلاة عن النبي ﷺ كما سيأتي، ولذا فإن الاستعاذة مشروعة في الصلاة وخارجها. وقال بعض من رأى أن الاستعاذة تشرع في الصلاة بأن الاستعاذة إنما تكون في الركعة الأولى، ومنهم من رأى أنها تكون في كل ركعة، علما بأنه لم يرد نص تفصيلي عن النبي ﷺ بكون الاستعاذة في كل ركعة، وإنما استدلوا بعموم الأمر بالاستعاذة، وهذا العموم قد يفهم منه الجواز أما السنية فإنها أمر زائد على هذا، ولذا فإن السنة هي - والله أعلم - الاستعاذة في الركعة الأولى فقط. - ولكن كيف يستعيذ القارئ؟ يستعيذ القارئ بقوله: أعوذ بالله من الشيطان. وهو بقوله هذا قد امتثل أمر الاستعاذة، ولكن قد ورد في السنة صيغة أخرى، وهي: عن أبي سعيد قال كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فكبر، قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه. ثم يستفتح صلاته. قال جعفر: وفسره مطر همزه: المؤتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر. (سنن الدارمي ج١/ص٣١٠). رواه (الدارمي: ١٢١١) واللفظ له، ورواه (أبو داود: ٦٥٨) و (الترمذي: ٢٥) و (ابن ماجه: ٧٩٩) وعند (أحمد) في غير موضع، مع اختلاف في بعض الألفاظ بين بعض الروايات، وكل الطرق لا تخلو من مقال، والحديث بمجموع طرقه حسن محتج به في إثبات هذه الصيغة من الاستعاذة.

стр. 106

(إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (٩٩) المفردات: - سلطان: تسلط. المعنى الإجمالي: بعد أن أمر الله رسوله - ابتداء - بالاستعاذة، وأمر كذلك المؤمنين أجمعين، جاءت هذه الآية لتعلل الأمر بالاستعاذة. فالذي آمن وتوكل على الله فإن الشيطان ليس له عليه تسلط. المعنى التفصيلي: - (إنه ليس له سلطان) (إنه) أي: الشيطان؛ لذكره في ختام الآية السابقة ( ... الشيطان الرجيم). - (سلطان) أصل مادة "سلط" هي: القوة والقهر، ومن ذلك التسلط، وسمي السلطان سلطانا؛ لأن أساسه القوة والقهر. وتسلط الشيطان ليس بالجبر والقهر، وإنما بالدعوة إلى المعصية وطاعتهم له بذلك، قال تعالى (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) (إبراهيم: ٢٢) - ولكن لا يسلم أحد من الوسوسة حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (الحج: ٥٢)، فما الفرق بين الوسوسة والسلطان؟ لا تصبح وسوسة الشيطان سلطانا إلا إذا أطيع فيما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: ١٠٠). وإنما قلت: فيما يوسوس به من الكفر؛ لأن من المؤمنين من يتأثر بوسوسة الشيطان فيقع في المعاصي، فالمؤمنون غير معصومين عن المعاصي، وإنما ليس له سلطان عليهم في أمرهم بالكفر. - (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) التوكل جزء من الإيمان، فلماذا ذكر بعده؟ هذا من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، وأهمية التوكل في هذا السياق تبرز في أن الاستعاذة إنما هي الاتجاء إلى الله واعتماد عليه، وهذا هو عين التوكل. وأيضا ففي ذلك إشارة إلى استحضار النية عند الاستعاذة حتى يجني المؤمن ثمرها؛ لأن الاستعاذة ليست لفظا وانتهى الأمر، وإنما تكون باستحضار النية والتوكل على الله ، وكم من مستعيذ يستعيذ بلسانه وقلبه لاه؟ - (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع، فلماذا؟ جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي؛ لأن الإيمان استقر في القلب وقضي أمره، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع؛ لأن أمر التوكل مستمر متجدد، فعبر عنه بالفعل المضارع. - (وعلى ربهم يتوكلون) قدم الجار والمجرور (وعلى ربهم) للحصر، أي: لا يتوكلون على أحد إلا الله . - جاء التعبير بـ (ربهم) ولم يأت أي اسم آخر من أسماء الله ؛ لما في معنى الربوبية من الرعاية والعناية، فهو تأنيس للمؤمنين بأن الله سيعيذهم، وإضافة "رب" إلى الضمير "هم" إنما هو للولاية والقرب والتأنيس. - استدل بعض من ينكر أذى الجن على الإنس بهذه الآية، واعتراضهم: كيف ينفي الله سلطان الشيطان على المؤمن ويصيبه بالمس وغير ذلك؟ وللجواب عن ذلك لا بد من العلم أن وسوسة الشيطان لا تصبح سلطانا إلا أطيع الشيطان في ما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: ١٠٠) وأما نفي الواضح الثابت من ضرر الجن على الإنس بما هو محتمل فهو غير صحيح؛ لأن هذا يتعارض مع النصوص الصريحة والصحيحة التي تثبت أن ضررا للجن قد يقع على الإنس، ولقد كتبت رسالة في بيان ضرر الجن على الإنس، وكل ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، واسمها (تعرف إلى ضوابط الرقية الشرعية وأحكامها) وهي منشورة. - الإيمان والتوكل على الله حرز حريز وحصن حصين من الشيطان، وأما سلطان الشيطان بالإضلال، فإنما يكون بالابتعاد عن ذكر الله ؛ قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (٣٦) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (٣٧)) (الزخرف)

стр. 107

(إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (١٠٠) المفردات: - سلطانه: تسلطه. - يتولونه: يتخذونه وليا. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أنه ليس للشيطان تسلط على المؤمنين، تبين هذه الآية أن سلطان الشيطان إنما هو على من يتخذونه وليا ويطيعونه، والذين يشركون بالله بسبب هذا الشيطان. المعنى التفصيلي: - هذه الآية تأكيد لمضمون الآية السابقة، وهو: ليس للشيطان سلطان على المؤمنين الذين يتوكلون على ربهم، وفيها معنى جديد أيضا. - قصرت هذه الآية سلطان الشيطان على الذين يتولونه وعلى المشركين. - (سلطانه) أي: سلطان الشيطان، وسبق الكلام في الآية السابقة على معنى "السلطان" بما يوضح المعنى. - (الذين يتولونه) أي: يتخذونه وليا، أي: مطاعا عندهم. والذين يتخذون الشيطان وليا ليسوا من المسلمين كما ظن بعض المفسرين؛ لأن الذي يتولى الكافر فهو مثله، فكيف بمن يتولى الشيطان رأس الكفر (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (المائدة: ٥١)، وأولياء الشيطان هم الكفار الذين أمر الله بقتالهم؛ قال تعالى (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (النساء: ٧٦). - (يتولونه) جاء التعبير بالفعل المضارع للدلالة على أن تولي الشيطان متجدد بتجدد الأيام واللحظات، وذلك كلما تولى الكافر الشيطان كلما ازداد تعلقه به وتوليه، فإنما هو تول يزداد ويتجدد. والله المعيذ! - (والذين هم به مشركون) الضمير في (به) يعود على الشيطان، والباء سببية، أي: والذين هم مشركون بسبب إطاعتهم الشيطان. وهذا هو الاحتمال الأول. والاحتمال الثاني: إن الضمير يعود على الله ، ويكون المعنى: والذين هم بالله مشركون. ولكن الاحتمال الأول أظهر؛ وذلك لدلالة السياق عليه؛ فالضمائر السابقة عائدة إلى الشيطان، وليس من مانع يمنع حمل هذا الضمير على الشيطان، فكان أظهر للتناسق، واقرأ وتأمل - بارك الله فيك - (إنما سلطانه) أي: الشيطان (على الذين يتولونه) أي: الشيطان (والذين هم به)؟؟؟؟؟ (مشركون). - (والذين هم به مشركون) جاء تقديم الجار والمجرور (به) على (مشركون)؛ للدلالة على الحصر، أي: ما أشركوا إلا بسبب غواية الشيطان. - (مشركون) جاء التعبير بالاسم وليس بالفعل؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والدوام، والنكتة في هذا أن الشيطان لم يضل الكفار ليمارسوا الشرك أحيانا، بل اجتهد عليهم حتى احترفوا الشرك، فصار المعنى: وما احترف الكفار الشرك احترافا إلا بسبب الشيطان، وهذا أقوى من: وما يشرك الكفار إلا بسبب الشيطان. فتأمل رعاك الله! - قيل: إن (الذين يتولونه) هم من المسلمين العصاة، وسبق بيان بطلان هذا القول، ولكن لماذا أعيد ذكر الاسم الموصول (الذين) في قوله تعالى ( .. الذين يتولونه والذين هم به مشركون) ولم يعد في الآية السابقة ( ... إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (النحل: ٩٩)؟ والجواب عن هذا: إن عطف (والذين هم به مشركون) على (الذين يتولونه) من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الفئات التي تتولى الشيطان كثيرة، منهم الملحد المنكر لوجود الله، ومنهم المشرك، ومنهم الكفار من أهل الكتاب، ومنهم .... ، وجاء التنصيص على المشركين لأنهم هم المخاطبون ابتداء في هذه السورة المكية. ولكن لماذا أعيد الاسم الموصول في هذه الآية ولم يعد في الآية السابقة؟ أعيد الاسم الموصول في هذه الآية؛ لأن كل فئة تتولى الشيطان إنما هي فئة مستقلة عن الفئة الأخرى بأسلوب ضلالها، ولذا فكل فئة لها فلسفتها وعقيدتها وسلوكها وشعائرها، وكل هذا خاص بها دون الآخرين، فكان التعبير بالاسم الموصول للدلالة على هذه الاستقلالية، فالمشركون هم نوع مستقل من مجموع من يتولى الشيطان، بينما لم يعد الاسم الموصول في قوله تعالى ( ... الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)؛ لأن التوكل هو عين الإيمان، ولا إيمان دون توكل، وليست فئة المتوكلين مستقلة عن فئة المؤمنين استقلال فئات الضلال. - إنما يأخذ الشيطان قوته من إقبال الضالين عليه (إنما سلطانه على الذين يتولونه ... ) فهم من يقبل عليه ويتولاه ويخضع لأمره، وما كان الشيطان يوما صاحب سلطان على من يلتجئ إلى الله ويستعيذ به، إنما سلطانه على من يعطيه الدنية ويخضع له. أعاذنا الله منه. آمين!

стр. 108

(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) (١٠١) المفردات: - بدلنا: من التبديل، وهو: جعل شيء مكان شيء. - مفتر: الذي يكذب عن عمد. المعنى الإجمالي: ما زال الكلام في شأن القرآن، فبعد الأمر بالاستعاذة وبيان فائدتها، جاءت الآية ببيان طعن الكفار بالقرآن، وسبب هذا الطعن هو النسخ الواقع في آيات الله . فإذا ما وقع النسخ في آية من آيات الله، قال الكفار للنبي ﷺ : إنما أنت تفتري على الله كذبا، وهذا القرآن ليس من عند الله؛ وذلك لوقوع النسخ في آياته. ولكن لا بد من العلم أن الله ينزل من الآيات في كل زمن ما يعلم أنه نافع لنا، ولكن الكفار لا يعلمون ما في النسخ من الحكم والمنافع، ومنهم من يعلم ولكن ينكر عنادا واستكبارا. المعنى التفصيلي: - هذه الآية تدل على أن الله ينسخ آياته كما يريد، وليس هذا من باب التناقض، وإنما هذا لحكم يعلمها الله . - (وإذا) جاء التعبير بـ (إذا) وليس "إن"؛ لتحقق وقوع النسخ في آيات القرآن الكريم، وما أثير حول النسخ من شبه قد رد عليه العلماء قديما وحديثا، فمن أراد الاستزادة فعليه مراجعة كتب علوم القرآن الكريم. - (بدلنا آية مكان آية) أي: بدلنا حكم آية مكان حكم آية، أو: بدلنا آية موضع آية أخرى، بأن وضع لفظ آية مكان لفظ آية. ولا بد من شرح مختصر مسهل حول أنواع النسخ حتى يتضح تفسير الآية. فأنواع النسخ ثلاثة: الأول: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. الثاني: نسخ التلاوة وبقاء الحكم. الثالث: نسخ الحكم والتلاوة. أما الأول (نسخ الحكم وبقاء التلاوة) فمثاله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) (المجادلة: ١٢) منسوخ بقوله تعالى (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) (المجادلة: ١٣) أما الثاني (نسخ التلاوة وبقاء الحكم) فمثاله: قال أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. قال أبي: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت (ألهاكم التكاثر). (صحيح البخاري ج٥/ص٢٣٦٥) وأخرج (مسلم ج٢/ص٧٢٦) من حديث أبي موسى الأشعري نحو هذا المعنى (بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فأتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب) أما الثالث (نسخ الحكم والتلاوة) فمثاله: عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. (مسلم ج٢/ص١٠٧٥) ومعنى (فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) أي عند من لم يبلغه النسخ لغاية ذلك الوقت، وكما تعلم يا أخي فإن طرق الاتصال في عصرهم كانت صعبة. فإن قلنا معنى الآية: بدلنا حكم آية مكان حكم آية. فهو النوع الأول من النسخ (نسخ الحكم وبقاء التلاوة) وإذا قلنا: معنى الآية: بدلنا لفظ آية مكان لفظ آية. فهو من النوع الثاني (نسخ التلاوة وبقاء الحكم) أو من النوع الثالث (نسخ الحكم والتلاوة). قد يسأل سائل: كيف تنسخ تلاوة القرآن، وهل ينسخ كلام الله ويصبح ليس كلاما لله؟!! وللجواب عن هذا لا بد من العلم أن كلام الله موجود في القرآن وغيره، ونسخ تلاوته في القرآن لا يخرجه عن كونه كلاما لله، بل ينسخ حكم ضمه إلى القرآن. - (والله أعلم بما ينزل) هذا احتراس لبيان أن التبديل الحاصل إنما هو لحكمة يعلمها الله ، وليس كما يشغب به الكفار من أن النسخ دليل على التناقض. - جاء إسناد الفعل (بدلنا) إلى الضمير "نا"، وجاء الالتفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المتكلم؛ تعظيما لأمر النسخ. - (والله أعلم بما ينزل) الالتفات من أسلوب المتكلم (بدلنا) إلى أسلوب الغيبة (الله)؛ لما في ذكر اسم الجلالة (الله) من تنبيه على مصدر النسخ، ولأن التعبير بأسلوب الغيبة في هذا السياق (والله أعلم بما ينزل) مقرر للخبر بأسلوب القاعدة والأصل، ولو قلنا في غير التنزيل "ونحن أعلم بما ننزل" لما ظهر الكلام على نسق تقرير القاعدة والأصل. - (قالوا إنما أنت مفتر) أي قال الكفار لمحمد ﷺ : إنما أنت يا محمد تفتري على الله الكذب، فهذا القرآن ليس كلام الله؛ لأن هذا التناقض لا يكون في كلام الله. - (إنما أنت مفتر) وهذا قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافي. وقد سبق بيان المقصود من هذا الاصطلاح. وقولهم (أنت مفتر) ليس بقوة القصر (إنما أنت مفتر)، فهم يقولون للنبي ﷺ : ما أنت إلا مفتر. فكأنهم ألغوا كل صفاته التي يتصف بها وجعلوا له صفة واحدة ألا وهي: الافتراء. - (مفتر) أي: مفتري. فهم لا ينسبون إلى النبي ﷺ الكذب فقط، بل ينسبون له الاحتراف في الكذب، لأن الافتراء هو: ادعاء الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فمن يفتري الكذب فإنما يتعمد الكذب ويقطع به. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر في قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا) (النساء: ٥٠) ( ... ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ... ) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. - (بل أكثرهم لا يعلمون) أن في النسخ حكما بالغة، و (بل) للإضراب، وهذا إضراب انتقالي، والإضراب الانتقالي هو: الانتقال من أمر إلى أمر أفظع منه مع بقاء الحكم الأول، والحكم الأول هو ادعاؤهم أن النبي ﷺ مفتر. - ولكن لماذا (أكثرهم لا يعلمون) لا كلهم؟ وذلك؛ لأن فيهم السادة والزعماء وأصحاب المصالح الذين يعلمون الحق ولكنهم ردوه عن علم لأجل مصالحهم، وفيهم العامة الذين قد يغيب عنهم كثير من الأمور. - ولكن قد يسأل سائل: إن كان الكفار لا يعلمون فلماذا يحاسبهم الله ، مع أن الجهل عذر من الأعذار التي ترفع العذاب، قال تعالى ( ... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: ١٥)؟ وللجواب عن هذا لا بد من العلم أن جهلهم هنا لا يعذرون به؛ لأنه ليس جهلا ناتجا عن عدم وصول الخبر إليهم، بل هو جهل ناتج عن جحودهم وإغلاقهم قلوبهم عن الإيمان، وعقولهم عن التفكير، ولذا فهذا الجهل من كسب أيديهم!

стр. 109

(قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين) (١٠٢) المفردات: - روح القدس: جبريل ﵇. المعنى الإجمالي: بعد أن طعن الكفار بالقرآن بأنه مفترى من عند محمد ﷺ أمر الله نبيه أن يقول للكفار: إن هذا القرآن ليس كلامي، بل هو كلام الله ؛ أنزله ليثبت المؤمنين على الإيمان، وليكون هدى وبشرى للمسلمين. المعنى التفصيلي: - (قل) الخطاب فيه بداية للنبي ﷺ وللمؤمنين تبعا. وفي فعل الأمر (قل) دلالة على أننا مكلفون بتبليغ دين الله ، ومكلفون - أيضا - بالذب عنه، وهذا تكليف جازم يستمد هذه الصفة من جزم فعل الأمر (قل). - (نزله) أي القرآن. قيل: جاء التعبير بـ (نزله) وليس "أنزله"؛ للدلالة على التدرج بإنزال القرآن، بينما تدل صيغة "أنزله" على نزول القرآن مرة واحدة دون تدرج. وقيل: إن تضعيف الفعل يدل على التعظيم. وقد سبق الكلام على مثل هذا بالنفي؛ لقوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) (الفرقان: ٣٢) فالكفار طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة بفعل مضعف (نزل)، وهذا يرد أن التضعيف لتقوية المعنى تعظيما للقرآن، ويرد على أن التضعيف يعني نزول القرآن منجما؛ لأنهم طلبوا نزوله جملة واحدة (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) وقال تعالى (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: ٣١) فـ (نزل) ليس لتقوية المعنى تعظيما للقرآن. ولو كانت التعدية بالتضعيف أقوى من التعدية بالهمزة، لكان الإنزال في قوله تعالى (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) (الشعراء: ١٩٨) أقوى منه في قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) (الدخان: ٣) (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر: ١)، وهذا غير صحيح؛ لأن السياق في سورتي (الدخان) و (القدر) لتعظيم القرآن. - (روح) أي جبريل ﵇، وقيل في بيان معنى الروح في هذه الآية من جهة اللغة: الروح: المطهر من نقائص البشر؛ لأن الأرواح تترفع عن نقائص الأجساد. وهذا ضعيف؛ لأن من الأرواح ما هو خبيث. والروح تأتي بعدة معان، منها ما تكون الحياة به: (ويسألونك عن الروح) (الإسراء: ٨٥)، ومنها جبريل: (نزل به الروح الأمين) (الشعراء: ١٩٣)، ومنها الوحي: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) (الشورى: ٥٢)، والجامع فيما ذكر أن الروح تكون بها حياة الأبدان، والوحي يكون به حياة القلوب؛ ولذا سمي روحا، وسمي جبريل روحا؛ لأنه كان ينزل بالوحي، فهو بهذا الاعتبار سبب لحياة القلوب. - (القدس) وهو: الطهر، ومعنى (روح القدس) أي: جبريل المطهر من النقائص. - (من ربك) وهذا بيان لمصدر القرآن الكريم، وجاء النص (من ربك) وليس "من ربي"؛ لأن في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ، وحتى يخرج الكلام عن أسلوب التلقين المحض إلى أسلوب التكريم والتشريف جاء التعبير بـ (ربك). - (بالحق) أي أن القرآن متلبس بالحق في كل ما يتعلق به، سواء إنزالا أو أحكاما أو قصصا أو نسخا، وفي هذا رد على تكذيب الكفار للقرآن بدعوى وقوع النسخ فيه، كما جاء بيان هذا في الآية السابقة (وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون). - (ليثبت الذين ءامنوا) من مقاصد إنزال القرآن تثبيت المؤمنين على الهداية التي هم فيها، ولكن لقوله تعالى معنى أخص في هذا السياق الذي يثبت بأن النسخ من الله ، وهذا المعنى هو (ليثبت الذين ءامنوا) عندما يتفكرون في الحكمة من النسخ وبما يحققه لهم من الخير. - (وهدى وبشرى للمسلمين) وهذا مقصد آخر من مقاصد تنزيل القرآن، ألا وهو هداية المسلمين إلى الطريق المستقيم وتبشيرهم بأنهم على الطريق المستقيم. وقدم ذكر الهداية على البشرى؛ لأن الهداية أولا ثم تأتي البشرى ثمرة للاستقامة على الهداية، والمسلمون هم الذين أسلموا وانقادوا لله وفق ما أراد. - لماذا جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؟ جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؛ لأن المؤمنين أعلى رتبة من المسلمين؛ فعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن. فقال النبي ﷺ : أو مسلم. أقولها ثلاثا ويرددها علي ثلاثا: أو مسلم. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار. (صحيح مسلم ج١/ص١٣٢). - ولكن لماذا جاء ذكر التثبيت للمؤمنين، بينما جاء ذكر الهداية والبشرى للمسلمين، ألا يحتاج المؤمنون الهداية والبشرى كما يحتاجها المسلمون؟ جاء ذكر التثبيت للمؤمنين لأن المؤمنين وصلوا إلى درجة عالية في الإيمان، ولذا فلا بد لهم أن يثبتوا عليها، وثباتهم على هذه الدرجة العالية فوز عظيم، وأما المسلمون فهم أحوج للهداية والبشرى؛ لأنهم ما زالوا سائرين في الطريق ليصلوا إلى درجة المؤمنين، فاحتاجوا إلى الهداية ليسيروا على نور، واحتاجوا إلى البشرى لتكون حافزا لهم.

стр. 110

(ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) (١٠٣) المفردات: - يلحدون: يميلون عن الحق وينحرفون. - لسان: المقصود به هنا: اللغة. المعنى الإجمالي: وما زال الكلام حول نقض مزاعم الكفار في الطعن في القرآن، فهم يدعون أن رجلا أعجميا يعلم النبي ﷺ القرآن، ولكن هذه الدعوة دعوة غبية، لأن القرآن كتاب عربي غاية في البيان والفصاحة والبلاغة، ومن يدعون أنه يعلم النبي ﷺ إنما هو رجل أعجمي لا يتقن أبجديات البلاغة والفصاحة علاوة على عجزه عن إتقان النطق. المعنى التفصيلي: - (ولقد نعلم) توكيد الفعل المضارع بـ "قد" يدل على أن علم الله مستمر؛ لأن علم الله حق دائم، و"قد" مع الفعل الماضي تدل على التحقيق "لقد علمنا" ولكن لا يدل اللفظ بذاته على استمرار العلم، وإنما يفهم ذلك من أدلة أخرى، بينما توكيد الفعل المضارع بـ "قد" يدل على أن تحقق العلم مستمر، ولن يغيب عن الله شيء مما يحدثه هؤلاء من طعن في القرآن، وكذلك ليكون التعبير مناسبا لما بعده، ألا ترى أن ما يعلمه الله من قول الكفار في حق القرآن جاء معبرا عنه بقوله تعالى (يقولون)، فالمناسب أن يكون "نعلم ما يقولون" وليس "علمنا ما يقولون"، لأن التعبير بالمضارع هنا جاء لتهديد الكفار، كأن الآية تقول لهم إن الله يتابع أقوالكم أولا بأول، وستجزون بما كنتم تعملون. ومما يستخدمه الناس في تهديدهم لغيرهم أنهم على اطلاع مستمر بكل ما يعمله الآخر، والله يخاطب هذه النفس الإنسانية بما يخيفها من أمر المراقبة والمتابعة من الله القادر العظيم. ومن الأمثلة الدالة على أن التأكيد من دلالات دخول "قد" على الفعل المضارع: - ( ... قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ... ) (النور: ٦٣) - ( ... قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم) (النور:٦٤) - (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا) (الأحزاب: ١٨) - التعبير بالجمع (نعلم) للتعظيم. والعلم من صفات الله ، ومن أسمائه الحسنى "العليم"، ولكن علمه لا كعلمنا؛ لأنه ( ... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: ١١)، فأثبت الله له السمع والبصر بأنه سميع بصير ولكن من غير تشبيه ولا تمثيل، وعلى هذا يجري فهم بقية صفات الله ، وهذا مزلق عظيم ضل فيه أناس كثير. والله الحافظ والهادي إلى سواء السبيل. - (أنهم يقولون) أي يعلم الله قول المشركين، و"أن" للتوكيد، وجاء الفعل (يقولون) مضارعا لا ماضيا "قالوا"؛ لأن الكفار لم يقولوا هذا مرة واحدة وسكتوا، بل كانوا يكررون ويعيدون. - (يقولون إنما يعلمه بشر) أي: ما يعلم محمدا القرآن إلا بشر، وهو رجل أعجمي، وكل المقصود بهذه الدعوى القدح في قدسية القرآن. واختلف العلماء في تعيين هذا الرجل الأعجمي الذي ادعى المشركون بأنه يعلم محمدا ﷺ ، فقيل: بلعام، وقيل: يعيش، وقيل: جبر، وقيل غير ذلك، وتعيين اسمه ليس ذا فائدة، بل الفائدة في معرفة أنه أعجمي. - (لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) يرد الله هذه الدعوى الغبية على أصحابها بخير بيان، إذ كيف ينسبون القرآن الذي لم يستطع كل العرب أن يأتوا بمثله كيف ينسبونه إلى غير عربي لا يتقن الفصاحة والبلاغة علاوة على النطق؟؟! أين عقولهم؟! إنه الكفر والعناد ينزل بصاحبه إلى حمأة الغباء والسفاهة. - (لسان) أي: لغة وكلام، وعبر عن اللغة والكلام باللسان لأنه آلة النطق. - (يلحدون إليه) أي: يميلون إليه، ولذا سمي الملحد ملحدا لأنه مال عن الحق. - (أعجمى) والأعجم من لا يقدر على النطق بالعربية كما ينبغي، أي من لا يفصح لوجود العجمة في كلامه. والعجم هم غير العرب. والياء في (أعجمى) للنسب، وجاء النسب لتقوية وصفه بالعجز عن الإفصاح. - (وهذا لسان عربى مبين) اسم الإشارة (هذا) في هذا المكان يدل على التعظيم، وأعيد ذكر (لسان) مع دلالة السياق عليه لتعظيم أمر القرآن. ووصف القرآن بوصفين الأول: عربي، والثاني: مبين. و (مبين) اسم فاعل من أبان، فالقرآن عربي وذاك أعجمي، والقرآن مبين وذاك غير مبين. - ولم يأت الرد على الكفار بأن محتوى القرآن لا يكون إلا من عند الله ؛ لأنه لا يرد بما يحتمل النقاش مع وجود ما لا يحتمل النقاش، ولذا فإن إبرهيم ﵇ لما أقام الحجة على الطاغية بأن الله يحيي ويميت، وقام بعدها هذا الطاغية بالمراوغة أمام الحجة، لم يجادله إبراهيم ﵇ بأن الذي فعلته ليس هو الإحياء والإماتة، وإنما أسرع إلى إقامة الحجة عليه بما لا يقبل النقاش، بأن الله يأتي بالشمس من جهة المشرق فأت بها من جهة المغرب، فبهت هذا الطاغية وألجم فوه فلم يرد. وهذه نصيحة لمن يجادلون أهل الأهواء بأن يحرصوا على الحجة الساطعة معرضين عن الحجج الأخرى حتى لا يخبو ضوء الحقيقة خلال النقاش.
следующие страницы →