← Тафсир

Тафсир · id 606

التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني

سامي القدومي

Полный текст (135 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (٢٩) المفردات: - بئس: كلمة تقال للذم، وهي ضد كلمة: نعم. - مثوى: المنزل والمقام، وثوى: أقام مع الاستقرار. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيتان السابقتان مشهدا من مشاهد الحشر للكفار يوم القيامة، تبين هذه الآية أن مصير هؤلاء الكفار هو نار جهنم خالدين فيها. وهذا المصير هو أسوأ مصير في الحياة، والله سبحانه جعله للكفار الذين تكبروا على التوحيد، وأشركوا مع الله غيره. ولما كانت الآية السابقة بيانا لكذب الكفار، ورد عليهم بأن الله بالذي كانوا يعملونه عليم، جاءت هذه الآية لتؤكد هذه الحقيقة بأن الكفار كاذبون والله بهم عليم ولذلك يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم. وهذه الآية كقوله تعالى (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) (الزمر: ٧٢) المعنى التفصيلي: - من الذي يقول للكفار (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها)؟ إنهم خزنة جهنم يهددون الكفار قبل الدخول، وكذلك فإن خزنة الجنة يرحبون بالمؤمنين قبل الدخول. قال تعالى (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (٧١) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (٧٢) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (٧٣)) (الزمر) - جملة (فلبئس مثوى المتكبرين) تكملة لحكاية قول الملائكة، أم أنها تقرير من الله لحقيقة مثوى المتكبرين؟ يحتمل الأمران. وجملة (فلبئس مثوى المتكبرين) تسمى في البلاغة تذييل، أي تعقيب الجملة بجملة أخرى موافقة لها في المعنى لتأكيد الجملة الأولى. - لماذا جاء ذكر الأبواب في قوله تعالى (فادخلوا أبواب جهنم خالدين)، ولم يأت النص بـ " فادخلوا جهنم " بدون ذكر الأبواب؟ جاء ذكر الأبواب دالا على أمور: ١ - ذكر الأبواب يستحضر في الذهن صورة أوضح لدخول جهنم. حاول أخي القارئ أن تتذوق الفرق بين قوله تعالى (فادخلوا أبواب جهنم) وبين "فادخلوا جهنم " بدون ذكر الأبواب. فأنت تلاحظ فرقا عند تذوق النصين. فذكر الباب في سياق العذاب فيه استحضار أوضح لصورة العذاب، وذكره في سياق النعيم فيه استحضار أوضح لصورة النعيم. تدبر هذه الآيات لترى أثر ذكر الأبواب في دلالتها. قال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (٧١) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (٧٢) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (٧٣)) (الزمر) ٢ - وأيضا في الآية إشارة إلى أنه ليس كل الكفار المتكبرين بمنزلة واحدة، لأنهم سيدخلون من عدة أبواب لجهنم وليس من باب واحد. ويبين هذا قوله تعالى (وإن جهنم لموعدهم أجمعين (٤٣) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) (الحجر:٤٤) أي: لكل باب من أبواب جهنم صنف من الكفار. - اللام في قوله تعالى " فلبئس " هي لام التأكيد؛ أو لام القسم؛ واللامان يدخلان على " بئس ". وسواء كانت اللام للتأكيد أو القسم، فهما في نهاية الأمر لتأكيد أن جهنم هي بئس المستقر والمنزل والمقام. والمخصوص بالذم محذوف تقديره: جهنم. - المثوى، هو: المنزل والمقام، وثوى: أقام مع الاستقرار، لأن المسافر قد يقيم في مكان ما مدة قصيرة، فلا يسمى هذا المقيم ثاويا؛ لأنه لا بد من الاستقرار حتى يسمى ثاويا، وحتى يسمى المكان مثوى. فالثواء هو: طول المقام، وأثويت بالمكان: أطلت الإقامة به. - تدل كلمة (متكبرين) على أن الكفار ليسوا حقيقة كبارا، بل هم يتكلفون، وذلك ما تدل عليه صيغة التفعل، فتكبر هي على وزن تفعل، أي يطلبون الكبرياء طلبا، ويتكلفون العظمة تكلفا، ولكنهم لم يبلغوها ولن يبلغوها، لأنهم ليسوا أهلا للكبرياء؛ فالكبرياء لله العظيم سبحانه. - والمتكبرون في هذه الآية هم الكفار المتكبرون على توحيد الله وعبادته وحده.

стр. 37

(وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) (٣٠) المفردات: - حسنة: ضد سيئة، والمقصود بها - هنا - الحياة الطيبة. - نعم: كلمة تقال للمدح، وهي ضد كلمة: بئس. المعنى الإجمالي: جاء في الآيات السابقة سؤال الكفار عن القرآن (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) (النحل: ٢٤) فأنكروا أنه منزل من عند الله ، ثم بعد ذلك بينت الآيات سوء عاقبتهم. وجاءت هذه الآية مبينة أن المؤمنين لما سئلوا عن القرآن، وصفوه بالخير، لأنه يدل على خير الحياة الدنيا وخير الحياة الآخرة، ولأنه رحمة وبركة وهدى لمن اتبعه. وبينت الآية بأن الله سيجزي المتقين في الدنيا الحياة الطيبة الخيرة، وأن الآخرة خير لهم من الدنيا، وأن الجنة هي جزاءهم. المعنى التفصيلي: - جاء النص بـ (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم) بدون حرف الشرط، بينما جاء النص في سياق سؤال الكفار بحرف الشرط " إذا " (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين)؛ وذلك لأن حرف الشرط "إذا" يفيد التكرار، أي كلما سئل الكفار أصروا على كفرهم، ولكن من المعروف أن المؤمنين حقا إذا خالط الإيمان شغاف قلوبهم أنهم يستمرون عليه، ولذا لا داعي لبيان أن المؤمنين مصرون على إيمانهم، أما الكفار فرجوعهم عن الكفر من الأمور الواردة، ولذا جاء التعبير بحرف الشرط "إذا". - جاء التعبير بـ (وقيل للذين اتقوا) وليس " للمتقين "؛ لأن للاسم الموصول دلالات، ودلالته هنا هي تعظيم أمر المتقين، ففي التعبير (للذين اتقوا) من التعظيم ما ليس بالتعبير بـ " للمتقين ". - أجاب المؤمنون عن سؤال (ماذا أنزل ربكم) بـ (خيرا) والتقدير: أنزل خيرا، فـ (خيرا) مفعول به لفعل أنزل. ولكن أجاب الكفار عن سؤال (ماذا أنزل ربكم) بقولهم (أساطير الأولين) حيث جاءت كلمة (أساطير) مرفوعة، لأن التقدير: "هو أساطير الأولين " فأساطير خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ولا يتم التقدير بـ " أنزل " لأن هذا يلزم منه نصب كلمة "أساطير". فالكفار لم يعترفوا بأن القرآن منزل؛ لأنهم لم يقولوا "أنزل أساطير الأولين" لأنه كيف يجمع بين أنه منزل من الله وأنه أباطيل الأولين، فالأمران متناقضان، ولذا طعنوا في القرآن دون أن يذكروا المصدر أنه من الله. - التعبير (ربكم) له دلالة على رعاية الله لعباده، لأن الرب هو الخالق الرازق المحيي المميت الراعي لعباده، فناسب هذا المعنى مقام إنزال الوحي؛ لأن في إنزال الوحي معاني العناية والرعاية. - (خيرا) نكرة جاءت في سياق الإثبات، أي في سياق غير منفي، والنكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق، أي أن خيرية القرآن مطلقة وغير مقيدة، فهو خير للفرد، وخير للمجتمع، وخير لشؤون التجارة والاقتصاد، وخير لتنظيم العلاقات الاجتماعية، وخير ... وخير، فهو خير مطلق كثير. - (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) إلى هنا انتهى جواب المؤمنين، ثم بين الله سبحانه أن (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) وقال بعض المفسرين: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ... ) تكملة لجواب المؤمنين. والظاهر أن قوله تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ... ) ليس تكملة لجواب المؤمنين، بل بيان من الله لعاقبة المؤمنين؛ لأن هذه الآية مقابلة لقوله تعالى السابق في هذه السورة (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (٢٤) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (٢٥)). فقوله تعالى السابق بين جواب الكافرين، وبعدها بين عاقبة هذا الجواب، وفي هذه الآية بيان لجواب المؤمنين، وبيان لعاقبة هذا الجواب. وهذا أبلغ من القول بأن قوله تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ... ) تكملة لجواب المؤمنين، ولذا فهو الأرجح. - جاء التعبير بالاسم الموصول "الذين" في قوله تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) ولم يأت " للمحسنين، لما ذكرنا آنفا أن دلالة الاسم الموصول في هذا السياق تدل على التعظيم. - تقدم ذكر (في هذه الدنيا) على (حسنة) في قوله تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)؛ لأن المقصود من السياق بيان حالهم في الحياة الدنيا؛ لأنه قد يظن ظان أن أجر المؤمنين منحصر في الآخرة، فجاء تقديم ذكر الحياة الدنيا لإبراز أن لهم الأجر في الدنيا أيضا وليس في الآخرة فقط، ولكن جاء التنبيه على أن أجرهم في الآخرة هو أعظم من أجر الدنيا (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين). - تأخر ذكر (حسنة) لأنها نكرة، والخبر هو الجار والمجرور (للذين). قال ابن مالك في "ألفيته ": ونحو عندي درهم ولي وطر ... ملتزم فيه تقدم الخبر - (في هذه) يحتمل أن يكون متعلقا بـ (أحسنوا) أو متعلقا بـ (حسنة). وفي نهاية الأمر فإن الإحسان يقع من المحسنين في الدنيا، والحسنة - كذلك - تقع في الدنيا للمحسنين. - ولكن قد يسأل سائل: إننا نرى كثيرا من المؤمنين يعيشون حياة خشنة، يملؤها الفقر والحاجة، فكيف وعد الله المؤمنين بالحياة الطيبة وحالهم هذه؟ وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من العلم أن الحياة الطيبة لا تعني الغنى ورغد العيش، وإلا فقد ذاق النبي ﷺ وذاق معه الصحابة - رضوان الله عليهم - خشونة العيش، وإنما المقصود بالحياة الطيبة، تلك الحياة التي يحياها المؤمنون، حياة ليس فيها فسق ولا انحلال ولا مجون ولا زنا، فالكفار في هذا الزمن ورغم كل ما يملكون من المال ورغد العيش يعيشون حياة خبيثة؛ لأن الحياة الطيبة هي للمؤمنين، فالزنا بينهم أشهر من أن يذكر، فهم لا يفرقون بين امرأة وأخرى، حتى أن الزنا امتد إلى نساء إخوانهم وأصحابهم، بل إلى محارمهم، وأما طعامهم، فهم لا يفرقون بين طيب وخبيث، فهم يأكلون أي شيء يخطر ببالهم، وعلى هذا فقس كل جوانب حياتهم. ولذا فرغم الرغد الذي يعيش به الكفار، فهم المقبلون على الانتحار، علاوة على ما يعانون من اضطرابات نفسية تحرق أي فرحة في حياتهم. ولذا فالمؤمنون أهل التوكل على الله وأهل الصبر يعيشون حياة طيبة نظيفة طاهرة. - جاء التعبير في الآية بـ (للذين اتقوا) و (للذين أحسنوا) فلماذا أتى كل تعبير في مكان مختلف؟ جاء التعبير بـ (للذين اتقوا) في قوله تعالى (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا)؛ لأن قول المؤمنين عن القرآن بأنه خير ناشئ عن التقوى، فناسب التعبير السياق. أما التعبير بـ (للذين أحسنوا) في قوله تعالى (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)؛ لأن في هذا التعبير جمال لفظي، (أحسنوا) و (حسنة)، وهذا يسمى في البلاغة بالجناس. وهذا التعبير من ناحية اللفظ أجمل إيقاعا، وهو من ناحية المعنى أقوى إشعارا بأن الجزاء من جنس العمل (للذين أحسنوا ... حسنة). - جاء قوله تعالى (ولدار الآخرة خير) مؤكد بلام الابتداء (لدار) وكذلك لام (لنعم) في قوله تعالى (ولنعم دار المتقين)، للتأكيد على أن الأجر الأعظم للمؤمنين هو في الآخرة، وأن أجر الدنيا ليس هو الأجر الأعظم. - والمؤمنون يعرفون هذه الحقيقة، فلماذا هذه التأكيد؟ هذا التأكيد للمؤمنين مفيد في سياق التذكير، لأن التأكيد في التذكير، فيه زيادة في التأثير، وهذا أولا، وكذلك التأكيد مفيد للظانين بأن حال المؤمنين في الآخرة مثل حالهم في الدنيا. - جاء التعبير - في هذه الآية - بـ "الدار" عن الجنة، بينما جاء التعبير - في الآية السابقة - عن النار بـ "المثوى" في قوله تعالى (فلبئس مثوى المتكبرين)؛ لأن صاحب الدار يتصرف بإرادته، وهذا متحقق في الجنة لا في النار، وأما النار فهي سجن يعذب أصحابه فيه، ولا يتصرفون وفق إرادتهم، ولذا عبر عنه بالمثوى، وارجع - إن شئت - إلى معنى "المثوى" في تفسير الآية السابقة.

стр. 38

(جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين) (٣١) المفردات: - عدن: استقرار وثبات. المعنى الإجمالي: لما بشرت الآية السابقة المتقين بالجنة، جاءت هذه الآية لتبين حقيقة الجنة بيانا عاما، فهي دار إقامة واستقرار وخلود، ولمن يدخلها الفرح الدائم؛ لأن له فيها ما يشاء، وكل هذه النعم جعلها الله للمتقين. المعنى التفصيلي: - الجنة التي بشر الله بها المؤمنين حق، وهي مخلوقة الآن، لا تفنى ولا تزول. فالنبي ﷺ رأى جبريل مرة أخرى في السموات عند شجرة السدر التي عندها جنة الخلد، قال تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى (١٣) عند سدرة المنتهى (١٤) عندها جنة المأوى (١٥) إذ يغشى السدرة ما يغشى (١٦) (النجم) فهي جنة موجودة وقت معراج النبي ﷺ . وأيضا فإن الجنة هي مأوى الشهداء، وهم يرزقون فيها، ولو لم تكن مخلوقة لما كانت مأواهم، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٧٠)) (آل عمران). وعن مسروق قال سألنا عبد الله عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال (أي النبي ﷺ : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا (مسلم: ٣٥٠٠) - جاء التعبير بـ (جنات) وليس "جنة"؛ لأنها جنان وليست جنة واحدة. قال أنس ﵁ أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال: (ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس) (البخاري: ٣٦٨٣) - (عدن) أي: إقامة، يقال: عدنت بالبلد: توطنته وأقمت به، فهي جنات إقامة واستقرار، لا خروج منها، ولا زوال عنها، فاز من كانت الجنة داره، وخاب من دخل النار وكان فرعون جاره، نسأل الله السلامة من النار! - الضمير في (يدخلونها) يعود على المتقين المذكورين في الآية السابقة. - بينت الآية السابقة أن الجنة هي دار المتقين، فما فائدة ذكر دخول المتقين إليها؟ جاء ذكر الدخول في الآية (جنات عدن يدخلونها)؛ لأنها مقابلة لقوله تعالى السابق في السورة (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (النحل: ٢٩)، فكما أن الكفار يدخلون النار فأهل الجنة يدخلون الجنة، وشتان شتان بين الأمرين! - ولكن لماذا جاء التعبير في هذه الآية بصيغة المضارع (يدخلونها)؟ جاء التعبير بصيغة المضارع على الأصل؛ لأن الفعل المضارع دال على الحال والاستقبال، ولكن للفعل المضارع - أيضا - أثر في استحضار الصورة في الذهن. أما الكفار فجاء التعبير في حقهم بصيغة الأمر (فادخلوا)؛ لأن الكفار لا يدخلون النار بإرادتهم بل جبرا عنهم. ولكن إذا استخدمت صيغة الأمر في حق المؤمنين لدخول الجنة، فإنما تكون للإكرام لا للإجبار، لأن دخول الجنة أمر مرغوب، ودخول النار أمر مرهوب، وشتان بين الأمرين، ولذا يفهم فعل الأمر (ادخلوا) بناء على المرغوب والمرهوب. - لماذا ذكرت الأبواب في سياق دخول الكفار النار، ولم تذكر الأبواب في سياق دخول المؤمنين الجنة، قال تعالى (جنات عدن يدخلونها) وقال أيضا (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (الزمر: ٧٣). بينما قال تعالى في شأن دخول الكفار النار (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (النحل:٢٩) وقال أيضا (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) (الزمر:٧٢)؟ الجواب عن هذا أن الكفار لا يدخلون أبواب النار وفق إرادتهم وهواهم، بل يرغمون على دخول باب معين، ويبين هذا قوله تعالى (وإن جهنم لموعدهم أجمعين (٤٣) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (٤٤)) (الحجر) أي: لكل باب من أبواب جهنم صنف من الكفار خاص به. بينما المؤمنون لهم الحرية في دخول أبواب الجنة الثمانية، قال رسول الله ﷺ من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء (البخاري: ٣١٨٠) (مسلم: ٤١). فالمؤمنون يدخلون الجنة كيف شاؤوا؛ أما الكفار فذكرت الأبواب في شأن دخولهم (فادخلوا أبواب جهنم) من باب الإشارة إلى أن (لكل باب منهم جزء مقسوم) (الحجر:٤٤). - (تجري من تحتها الأنهار) وهذه الأنهار ليست فقط من ماء، فمنها ما هو من ماء، ومنها ما هو من خمر، وكذلك منها ما هو من لبن "حليب "، ومنها ما هو من عسل، قال تعالى: (فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) (محمد: ١٥) - قدم ذكر الجار والمجرور (من تحتها) على الفاعل (الأنهار) في قوله تعالى (تجري من تحتها الأنهار)؛ لأن سياق الحديث هو عن الجنة، والضمير في (تحتها) يعود على الجنة، فناسب تقديم الجار والمجرور؛ ليكون السياق ألصق بالتركيز على الحديث عن الجنة. - قدم ذكر الجار والمجرور (فيها) في قوله تعالى (لهم فيها ما يشاءون)؛ لأن الكلام منصب على وصف الجنة، والضمير في (فيها) يعود على الجنة، فناسب تقديم الجار والمجرور؛ ليكون السياق ألصق بالتركيز على وصف حال الجنة. بينما قال تعالى في سورة (ق: ٣٥) (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) فأخر ذكر الجار والمجرور (فيها)، فلماذا هذا الاختلاف؟ للجواب عن هذا التساؤل تدبر معي - رعاك الله! - سياق الآيات: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (٣١) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (٣٢) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (٣٣) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (٣٤) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (٣٥)) (ق) فأنت ترى أن موضوع السياق منصب على ما أعطى الله المؤمنين الأوابين الحافظين، الخائفين من الله بالغيب، الراجعين إلى الله بقلب سليم، حيث تقرب لهم الجنة، ويرحب بهم ليدخلوها، ولهم ما يشاؤون في الجنة، بل ومزيد على ما يشاؤون مما لم يخطر ببالهم، فناسب أن يقدم ذكر مشيئتهم، لأنها مزية وأي مزية. ففي الآية التي قدم فيها الجار والمجرور على ذكر المشيئة (لهم فيها ما يشاءون)، كان الكلام منصبا على وصف الجنة فناسب التقديم لإبراز موضوع وصف الجنة في السياق (لهم فيها) أي الجنة، وبعد إبراز ذكر الجنة جاء النص (ما يشاءون). وفي الآية التي أخر فيها الجار والمجرور عن ذكر المشيئة (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)،كان الكلام فيها منصبا على ذكر ما للمؤمنين من الخير، فناسب تقديم ذكر المشيئة (لهم ما يشاءون) أي المؤمنون، وبعدها جاء ذكر الجنة (فيها). - (كذلك يجزي الله المتقين) أي كهذا الجزاء يكون جزاء المتقين. ولكن السؤال الذي لابد منه هو أنه جاء في الآية السابقة (ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) ثم جاءت هذه الآية (جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون) أي أن دار المتقين هي الجنة، فلماذا ختمت هذه الآية بـ (كذلك يجزي الله المتقين) ما دام أنه ذكر في الآية السابقة أنها دار المتقين؟ الجواب عن هذا أن الألف واللام في (المتقين) - في الآية السابقة - للعهد، وفي (المتقين) - في هذه الآية - للجنس، أي أن (المتقين) الذين ذكرتهم الآية السابقة هم من سئل عن الذي أنزله الله فقالوا: خيرا، وأن هذه الجنات الموصوفة هي لهم، و (كذلك يجزي الله) باقي (المتقين) جنات تجري من تحتها الأنهار.

стр. 39

(الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) (٣٢) المفردات: - تتوفاهم: تقبض أرواحهم. - طيبين: طاهرين عن الشرك وقبائح الأعمال. المعنى الإجمالي: المتقون الذين لهم الجنة، هم أولئك الذين تقبض الملائكة أرواحهم وهم على حال الصلاح والخير، وتسلم عليهم الملائكة عند قبض الروح تطمينا لهم، وتبشرهم بدخول الجنة، بسبب عملهم الصالح. المعنى التفصيلي: - وهذه الآية مقابلة لقوله تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (٢٨) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (٢٩)) (النحل) - الاسم الموصول (الذين) صفة للمتقين، أي صفة المتقين هي (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين). - الاسم الموصول (الذين) في هذا السياق يدل على التعظيم. - وقرئ (يتوفاهم) بدل (تتوفاهم)، و (تتوفاهم) أي جماعة الملائكة، و (يتوفاهم) على الأصل. - كلمة (طيبين) فيها إخبار وحث، أما الإخبار فهو أن المتقين الذين لهم الجنة هم الذين يموتون على ما هم عليه من التوحيد، وأما من انحرف وغير فله النار، والعياذ بالله! وأما الحث، فهو: حث المؤمنين على أن يستمروا على طاعة الله حتى تتوفاهم الملائكة طائعين طاهرين. - معنى قوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) أي ادخلوا الجنة بسبب أعمالكم، ولكن قال رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة) (البخاري: ٥٢٤١) (مسلم: ٥٠٤٠) فما وجه الجمع بين الآية والحديث؟ لا تعارض بين الآية والحديث، فالحديث مبين للآية، حيث إن الأعمال سبب لدخول الجنة (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)، ولكن كونها سبب لدخول الجنة متوقف على رحمة الله وفضله (لن يدخل أحدا عمله الجنة .... إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة)؛ لأنه لا قيمة للأعمال دون قبول الله تعالى لها، فالسبب الحقيقي لدخول الجنة هو رحمة الله وفضله بقبول هذه الأعمال. وقيل غير ذلك، ولكن هذا ما اطمأنت إليه نفسي.

стр. 40

(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (٣٣) المفردات: - ينظرون: ينتظرون. المعنى الإجمالي: وبعد مقارنة الآيات السابقة بين عاقبة الكفار وعاقبة المؤمنين تعود لتتابع سياق تهديد الكفار بسبب ما هم فيه من الشرك. وتنكر الآية على الكفار تكذيبهم للنبي ﷺ ، وتبين أن حالهم كحال من ينتظر الملائكة لقبض روحه، أو حال من ينتظر عذاب الله أن يحل به. وتحذر الآية أهل مكة بأن السابقين قد فعلوا مثلهم، كفروا بدين الله وبرسله، فأهلكهم الله بسبب ظلمهم لأنفسهم بأن ألقوها في الكفر والضلال. المعنى التفصيلي: - (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) الاستفهام في الآية استفهام إنكاري. - (ينظرون) أسند الانتظار إلى الكفار علما بأن ظاهرهم أنهم لا ينتظرون العذاب لأنهم ينكرونه، فلماذا وقع إسناد الانتظار إليهم؟ وقع إسناد الانتظار إليهم؛ لأن الله أنزلهم منزلة المنتظرين العارفين لا المنكرين الجاهلين؛ لأن حقيقتهم أنهم يعرفون أن هذا الدين من الله ، وأن محمدا ﷺ رسول كريم، فحالهم مع هذه المعرفة حال من ينتظر. - (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك) جاء ترتيب الوعيد بالموت وبعده العذاب، من باب الترتيب التصاعدي، من الأدنى إلى الأعلى، وهذا من بلاغة القرآن؛ لأن فيه زيادة في الوعيد، ولو جاء النص من الأعلى إلى الأدنى لما كان التهديد قويا، وتأمل معي، لو قيل لشخص من باب التهديد: "هل تنتظر جراء فعلك هذا أن أقتلك أو أضربك " فإن هذا التهديد ليس بقوة: "هل تنتظر جراء فعلك هذا أن أضربك أو أقتلك " لأن التهديد من الأدنى إلى الأعلى فيه تعظيم، ومن الأعلى إلى الأدنى فيه تهوين. - (تأتيهم الملائكة) أي لقبض أرواحهم. - (يأتي أمر ربك) قيل المقصود بأمر الله: التهديد بعذاب الدنيا، وقيل: التهديد بعذاب الآخرة. والظاهر أن المقصود به هنا هو: التهديد بعذاب الدنيا؛ لدلالة ما بعده على هذا (كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) أي كفر السابقون فأتاهم عذاب الله في الدنيا. قد يقول قائل: لماذا قلت: إن المقصود بـ (أمر الله) في قوله تعالى (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) (النحل:١) هو عذاب الآخرة لا الدنيا؟ قلت ما قلت؛ لأن الإخبار بأن عذاب الله قد أتى يدل على أنه واقع لا محالة (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، وعذاب الاستئصال في الدنيا لم يقع بكفار مكة؛ قال تعالى (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (٥٣) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (٥٤)) (العنكبوت)؛ لأنه لو كان العذاب في الدنيا هو المقصود بأمر الله لوقع عذاب الله العام على الكفار، وهذا لم يقع بنص قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب) إذن؛ فالعذاب الذي سأله الكفار لم يقع في الدنيا، وإنما أجل إلى الآخرة، فكيف يكون عذاب الدنيا هو الذي أتى؟! بل أمر الله الذي أتى هو عذاب الكفار في الآخرة. أما هذه الآية (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) فهي من باب التهديد بالعذاب لا الإخبار بأنه قد تم قضاؤه كما تم قضاؤه على السابقين، على ما فيها من الدلالة على أن هذا التهديد هو بعذاب الدنيا (كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) أي كفر السابقون فأتاهم عذاب الله في الدنيا. - إضافة الضمير في كلمة (ربك) إلى النبي ﷺ ؛ للدلالة على النصرة والتأنيس، فالنصرة ببيان أن صاحب الأمر بتعذيب الكفار هو ربك يا محمد. وأما التأنيس فهو ببيان أن الله الشديد العظيم القوي هو ربك الذي يحبك يا محمد، فذكر القرب في مقام التهديد والشدة، يدل على كمال القرب. وكذلك الوصف بالربوبية (ربك) يدل على رعاية الله ولطفه بالنبي ﷺ ، وفيه زيادة في بيان القرب. - لم تعين الآية اسم قوم من السابقين، وإنما جاء التعبير عاما (الذين من قبلهم) دون تخصيص قوم بالذكر؛ ليدل على أن عقوبة الكافرين سنة إلهية، والتعميم في بيان السنة الإلهية أبلغ من ذكر أمة معينة. - (وما ظلمهم الله) عندما أوقع عليهم العذاب؛ فإنه لم يجبرهم على الكفر بل هم من اختاره، وكذلك لم يعذبهم وهم جهلاء لا يعلمون عن دين الله، بل أرسل إليهم الرسل، وأقام لهم البينات حتى ظهر لهم الحق وبان بلا غبش. - (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) وهذا ظلم بشع غبي أن يظلم المرء نفسه، ولذا قدم ذكر (أنفسهم) على (يظلمون) ولم يأت النص " ولكن كانوا يظلمون أنفسهم "؛ لأن المستنكر في هذه الآية هو ظلمهم لأنفسهم وليس مطلق الظلم، ولذا قدم ذكر (أنفسهم) لبيان استبشاع أن يقع ظلم المرء على نفسه. - وجملة (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) اعتراضية بين قوله تعالى (كذلك فعل الذين من قبلهم) والآية التي بعدها (فأصابهم سيئات ما عملوا).

стр. 41

(فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (٣٤) المفردات: - حاق: أحاط ونزل. - يستهزئون: يستخفون ويسخرون. المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة تكذيب الكفار لرسل الله ودينه، وأن السابقين كذبوا الرسل كذلك، فبينت هذه الآية عاقبة المكذبين، وأن لهم العذاب في الدنيا والآخرة، وسيحيط بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون. المعنى التفصيلي: - الفاء في قوله تعالى (فأصابهم) عطف على قوله تعالى (كذلك فعل الذين من قبلهم)، وجملة (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) اعتراضية بين قوله تعالى (كذلك فعل الذين من قبلهم) والآية التي بعدها (فأصابهم سيئات ما عملوا). - (سيئات ما عملوا) أي: "جزاء سيئات ما عملوا" فحذف المضاف "جزاء" مبالغة في الجزاء، كأن أعمالهم السيئة هي التي تعذبهم بذاتها، وفيه زيادة في الدلالة على أثر الأعمال السيئة في استحقاق العذب. - ما الفرق بين التعبير بـ (سيئات ما عملوا) وبين قولنا "سيئات عملهم"؟ الفرق بينهما أن قولنا "سيئات عملهم" فيه بيان أن الجزاء بسبب العمل، بينما قوله تعالى (سيئات ما عملوا) فيه زيادة في بيان أن ما أصابهم هو بسبب ما كسبوه بجوارحهم، أيديهم وألسنتهم وأرجلهم، وهذا واضح من التعبير بالفعل والفاعل (عملوا) ما ليس في المضاف والمضاف إليه (عملهم). - حاق: أحاط ونزل، ويستعمل في التعبير عن العذاب. - قدم ذكر الجار والمجرور (بهم) في قوله تعالى (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ولم يأت "وحاق ما كانوا به يستهزئون بهم"؛ لأن تهديد الكفار هو موضوع الآية، فناسب تقديم (بهم) زيادة في التهديد، للإخبار أن العذاب واقع بهم (وحاق بهم) قبل بيان نوع العذاب (ما كانوا به يستهزئون). - قدم ذكر الجار والمجرور (به) في قوله تعالى (ما كانوا به يستهزئون) ولم يأت "ما كانوا يستهزئون به"؛ لأن هذا تهديد بالعذاب المستهزأ به، فناسب تقديم ذكره من باب إبرازه في سياق التهديد زيادة في التهديد. - ذكر عذاب الكفر عموما في البداية (فأصابهم سيئات ما عملوا) ثم ذكر عذاب الاستهزاء (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)، علما بأن الاستهزاء بعذاب الله كفر، فلماذا ذكر عذاب الاستهزاء بعد العذاب العام؟ ذكر عذاب الاستهزاء بعد العذاب العام من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، ووجه الأهمية أن الاستهزاء كفر وزيادة، لأن معنى الاستهزاء الاستخفاف، فهو جحود واستخفاف. وفي كتابي (الآيات القرآنية الواردة في المستهزئين بالإسلام ودعاته: دراسة موضوعية) مبحث بعنوان: كفر المستهزئين بالإسلام ودعاته، وهذا هو المبحث الخامس، فراجعه إن أردت الاستزادة. - جاء التعبير عن العذاب العام بـ (أصابهم) والتعبير عن عذاب الاستهزاء بـ (حاق)، لأن الاستهزاء كفر وزيادة، فناسب الزيادة في الكفر الزيادة في العذاب؛ لأن التعبير بـ (حاق) أفظع من التعبير بـ (أصاب) لأن حاق تعني نزول العذاب وإحاطته بالمعذبين، وليس مجرد الإصابة فقط.

стр. 42

(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (٣٥) المفردات: - البلاغ: تبليغ الخبر. - المبين: الواضح. المعنى الإجمالي: بعدما بينت الآية السابقة عاقبة الكافرين، تبين هذه الآية صورة جديدة من صور الكفر والتكذيب، ولكن هذه الصورة تلبس ثوب الجدل والعلم، وما هي إلا الكفر بذاته. فقال الكفار: إن الله لو شاء أن لا نشرك وأن لا نحرم الحلال لمنعنا، وإذ لم يمنعنا فإنه راض عن فعلنا. فرد الله عليهم بأن الأمم السابقة فعلت فعلهم، فكانت عاقبتهم العذاب، وبينت الآية أن الرسل غير مكلفين بمتابعة الجدل العقيم مع الكفار، وإنما عليهم توضيح حقائق الدين وترك الكفار وجدلهم، إذ لا فائدة في مجادلة قوم لا يريدون الحق. المعنى التفصيلي: - جاء النص (وقال الذين أشركوا) وليس "وقالوا" لأن للتعبير بالاسم الموصول في هذا السياق دلالته في ازدراء المشركين، فإذا ما كنت تتحدث عن سارقين، وأردت ازدراءهم أكثر، فلا تقول "وقالوا" قاصدا السارقين، بل تقول "وقال الذين سرقوا". - الكفار جبريون في عقيدتهم حيث إنهم قالوا: نحن مشركون؛ لأن الله أراد أن نكون مشركين (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء) ولقد قال مقالتهم هذه فرقة ضالة من فرق المسلمين وتسمى الجبرية، قالوا: إن الإيمان والكفر جبر من الله على البشر، فشابه الضالون الضالين، فبعدا للقوم المكذبين! ومن الغريب أن هذه العقيدة الفاسدة تدخل إلى قلوب بعض من يعتنقون الإسلام، وتدخل إليهم وهم لا يشعرون، حيث نقول لبعضهم: صل. فيقول لك: حتى يشاء الله. أي أن الله يشاء لي المعصية ولو شاء لي الإيمان لآمنت، وعلى هذا فقس جميع أنواع العبادات التي فرضها الله . - الكفار أكدوا باطلهم، حيث إن إصرار الكفار على باطلهم سنة ماضية حاضرة مستمرة، فقد أكد الكفار باطلهم بعدة تأكيدات؛ حيث جاء الضمير (نحن) تأكيدا للضمير المتصل (عبدنا) في قوله تعالى (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا). ومن التأكيد أيضا (من) الاستغراقية في قوله تعالى (من شيء) أي لو شاء الله ما أشركنا من دونه أي شيء، ولا حرمنا من دونه أي شيء. ومن التأكيد إعادة النفي في قوله تعالى (نحن ولا آباؤنا) تأكيدا لما النافية (ما عبدنا) ولولا التأكيد لجاء النص "وآباؤنا". - الكفار وقحون، ومن وقاحتهم أنهم يتبجحون بأنهم مشركون، وأنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله. وهذا شأن أعداء الإسلام - وإن تسموا بأسماء المسلمين - حيث يتبجحون بأنهم لا يقبلون قول الله إلا إذا وافق عقولهم، فانظر إلى الوقاحة كيف يتهمون الله بالجهل، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. - (ولا حرمنا من دونه من شيء) إن طاعة أئمة الكفر في تحريم ما أحل الله، وجعل هذا التحريم شريعة تتبع هو عبادة لغير الله، قال تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (الأنعام:١٢١) والشاهد في الآية: أنكم إن أطعتم المشركين في أكل الميتة بناء على حلها، فإنكم مشركون حيث اتبعتم تشريعا غير تشريع الله، وهذا الاتباع عبادة لغير الله، ولذا سمي هذا المتبع مشركا. - ولكن لماذا ذكر قوله تعالى (ولا حرمنا من دونه من شيء) بعد قوله تعالى (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا) علما بأن التشريع من دون الله بالتحليل والتحريم وغيرهما هو كفر، فلماذا ذكر التحريم من دون الله بعد عبادة غير الله إن كان الأمران شيئا واحدا؟ ذكر التشريع من دون الله بعد ذكر الكفر وهما شيء واحد من باب ذكر الخاص بعد العام، وسبب هذا الذكر هو أهمية الخاص؛ لأن التشريع من دون الله كفر وزيادة، قال تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين) (التوبة: ٣٧). فقد كان الكفار يتلاعبون في تحديد الأشهر الحرم، ويتخذون هذا التلاعب قانونا يسيرون عليه، فالنسيء هو تأخير العرب لشهر حرام وجعله مكان شهر حلال وجعل شهر حلال مكانه، وهذا الأمر كفر بشرع الله؛ لأنهم شرعوا دونه شريعة تتبع، ولكن التشريع من دون الله ليس كفرا فقط، بل هو كفر وزيادة (إنما النسيء زيادة في الكفر)، فهو كفر برفض أمر الله، وزيادة بتشريع شرع وقانون غير شرع الله. ولأن التشريع من دون الله كفر وزيادة، ذكر أمره بعد ذكر الكفر من باب الأهمية. - كيف يسمح الله للكفار أن يكفروا مع أنه يقول (ولا يرضى لعباده الكفر) ... (الزمر:٧)؟ أعطى الله الخيار لعباده أن يختاروا ما يشاؤون، ولكنه يحب لهم الإيمان ويكره لهم الكفر، ولا تعارض بين حبه لهم أن يؤمنوا، وبين عدله بهم أن يختاروا ما يشاؤون. وتأمل معي قوله تعالى (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر:٧) فهو سمح لهم بأن يختاوا الكفر (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) ولكنه لرحمته بعباده (ولا يرضى لعباده الكفر). وتأمل قوله تعالى في حرية العباد في الاختيار (ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨) قد أفلح من زكاها (٩) وقد خاب من دساها) (الشمس) - مجادلة الكفار للمؤمنين ليست لمعرفة الحق بل للتكذيب؛ قال تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) (الأنعام: ١٤٨) فسمى قولهم هذا تكذيبا كتكذيب من سبقهم من الأمم؛ لأن المقصود من جدل الكفار وشبههم هو التكذيب لا طلب الحق. ولكن ماذا علينا أن نفعل؟ لقد بين لنا القرآن أنه ليس علينا متابعة شبهات الكفار وجدلهم العقيم، بل علينا ما كان على الرسل وهو البلاغ الواضح، وبعدها للكفار أن يختاروا ما يشاؤون (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) أي ليس على الرسل إلا البلاغ الواضح، وليس عليهم مجادلة كل ناعق، ولا إجبار الناس على الهداية. ولو اتبع كثير من الدعاة هذا المنهج لما اشتغلوا في مجادلة منافقة تقول: ليس على المرأة لباس محدد بل تختار ما تشاء. وأشباهها كثير. فيا دعاة الإسلام بينوا دين الله واتركوا الناعقين، فإنهم باعتنائكم بهم يصعد نجمهم ويعرفون، دعوهم فإن الحق ليس مطلبهم بل هم المكذبون.

стр. 43

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (٣٦) المفردات: - اجتنبوا: ابتعدوا. - الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ولم يرفض هذه العبادة، ويستعمل في المفرد والجمع. - حقت: وجبت ولزمت. - عاقبة: آخر كل شيء. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة ضلال الكفار وتكذيبهم لدين الله، وبينت أن الرسل غير مكلفين إلا بالبلاغ المبين، تبين هذه الآية أن الله أرسل الرسل فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، وكان من نتيجة تبليغهم أن آمن من آمن وكفر من كفر، فأهلك الله الكافرين، وهذه مساكنهم يراها الناظرون حتى تكون عبرة. المعنى التفصيلي: - الآية تفصيل للآية السابقة؛ لأن الكفار قالوا: إن الله أراد لنا الكفر. فبينت هذه الآية أن من الناس من يهتدي، ومنهم من يضل، وأن الأمر اختيار من المدعوين، ولأن الله لا يرضى عن الضلال، عذب الضالين وأهلكهم. وتفصل الآية أن الرسل الذين عليهم البلاغ، قاموا بما أمروا به، ولكن الضالين لا ينفعهم الإرشاد والهداية بل لا بد من وقوع العذاب بهم. - (ولقد بعثنا) جاء الإخبار عن مبعث الرسل مؤكدا بـ"اللام" و"قد" لأن الآية في سياق تهديد للمشركين الرافضين لدعوة الرسل، والقائلين بأن الله يريدهم أن يكفروا. - جاء في الآية التفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المتكلم، وتأمل معي الأسلوب في الآية السابقة تجده أسلوب الغيبة (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين). ولكن الأسلوب في أول هذه الآية هو أسلوب المتكلم (بعثنا)، وهذا التحول في الأسلوب يدل على عظيم أمر بعث الرسل في كل أمة، فاختيار الرسل والعناية بهم وإمدادهم بالرسالات وبالتأييد، ومعاقبة مكذبيهم، كلها أمور عظيمة. وكذلك يدل على عظيم فضل الله علينا؛ لأننا لولا بعث الرسل ما عرفنا الحق من الضلال، فسبحان من بعث الرسل إلينا رحمة بنا! - قدم الجار والمجرور في قوله تعالى (في كل أمة رسولا) لأن المعنى المقصود أصالة أنه ما خلت أمة عن رسول يبلغها رسالة الله. ولو قلنا في غير التنزيل "رسولا في كل أمة" لصار المعنى المقصود أصالة هو: أن عدد الرسل متعدد بتعدد الأمم. - جاء النص (في كل أمة) ولم يأت " لكل أمة " لأن حرف "اللام" يدل على أن بعث الرسول كان لأجل الأمة المبعوث لها، ولكن حرف "في" يدل على الظرفية، والتي يفهم منها دخول الرسول في الأمة؛ كل الأمة، وكل طبقاتها وأفرادها، كي لا تبقى جماعة منها إلا ووصلها البلاغ، فالرسول مرسل للأمة، وزيادة على ذلك هو مرسل في الأمة. - ورسالة الرسل هي (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) فـ"أن" مفسرة لدعوة الرسل. - (اعبدوا الله) أي وحده، وتأكيدا على توحيد الله جاء الأمر باجتناب الطاغوت (واجتنبوا الطاغوت) ولم يأت النص "اتركوا" بل (اجتنبوا)؛ لأن الاجتناب ليس تركا فقط، بل هو ترك وزيادة، لأن معناه الابتعاد. - الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ولم يرفض هذه العبادة، لأن عيسى ﵇ عبد من دون الله ولكنه لا يرضى عن هذه العبادة، فلا بد من قيد "ولم يرفض هذه العبادة". - (فمنهم) من للتبعيض، أي بعضهم، وذلك في قوله تعالى (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) - (من هدى الله) في الآية التفات من أسلوب المتكلم (بعثنا) إلى أسلوب الغيبة (هدى الله) ليتم إسناد الهداية إلى الله؛ لبيان فضله ومنه، وللرد على الكفار أن الله يهدي عباده، وأن الضلال الذي هم فيه ليس جبرا من الله بل باختيارهم. ولكن من هذا الذي يهديه الله؟ إنه من يقبل على الله ، قال تعالى (ويهدي إليه من ينيب) (الشورى:١٣) أي أن الله يهدي من يعود إليه ويتوب. وفي هذا رد على من تقول له: اتق الله، أو تأمره بالصلاة، فيقول لك: إذا أراد الله هدايتي فسيهديني. فنقول له: أقبل على الله وتب إليه فسيهديك، واسمع قوله تعالى (ويهدي إليه من ينيب) (الشورى:١٣) - الهداية باب من يطرقه يفيض الله عليه الهداية دون تحصيل بالأسباب، بل برحمته ؛ قال تعالى (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) (مريم: ٧٦) ويقول تعالى (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (الكهف: ١٣) فالفتية آمنوا واهتدوا، ولأجل هذا جاءهم فيض الهداية الرباني. - (ومنهم من حقت عليه الضلالة) جاء التعبير بـ (حقت عليه الضلالة) وليس "أضله الله"؛ لأن الذي ضل إنما ضل بنفسه فاستحق الضلالة ووجبت عليه ولزمته، أما الله فإنه لا يرضى لعباده أن يكفروا (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر:٧). - جاء النص بـ (الضلالة) وليس "الضلال"؛ لأن من الضلال ما لا يكون مذموما؛ لأنه قد يكون بسبب عدم وصول العلم إلى صاحبه، قال تعالى (ووجدك ضالا فهدى) (الضحى: ٧) فليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل، بل عدم وصول علم الدين للنبي ﷺ . وأيضا، فقد قال أخوة يوسف في حق أبيهم يعقوب ﵇ (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين) (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) (يوسف: ٨، ٩٥) ولم يقصدوا بالضلال الكفر، وإنما قصدوا في الآية الأولى - بزعمهم - خطأ أبيهم في تفضيل يوسف وأخيه، وفي الآية الثانية حب أبيهم ليوسف عليه وعلى أبيه السلام. وقد يدل (الضلال) على الكفر (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين) (الأنعام:٧٤)، أما (الضلالة) في القرآن فهي بمعنى الكفر، وجاءت بالقرآن بلفظ (الضلالة) (وضلالة) (وضلالتهم) وكل معانيها في القرآن تشير إلى الكفر. - قدم الجار والمجرور (عليه) في قوله تعالى (ومنهم من حقت عليه الضلالة)؛ لأن سياق الكلام عن الضالين وليس عن الضلالة، ولذا ناسب تقديم (عليه) لإبراز موضوع السياق. - (فسيروا في الأرض فانظروا) الذهاب إلى آثار الأمم المهلكة لغاية الاعتبار ينمي الخوف من الله سبحانه في قلوب المعتبرين. - وفي قوله تعالى (فسيروا في الأرض فانظروا) التفات من الغيبة إلى الخطاب، لأنه أمر، وقوة الأمر بالمواجهة، وتأمل معي الالتفات في الآية (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) - (كيف كان عاقبة المكذبين) جاء النص بـ (كان) مع أن العاقبة مؤنثة، وذلك لأن العاقبة ضمنت معنى العذاب، وبهذا صار المعنى " كيف كان عذاب المكذبين".

стр. 44

(إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين) (٣٧) المفردات: - الحرص: الشدة في إرادة الشيء. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أن عاقبة المكذبين هي الهلاك في الدنيا قبل الآخرة، وخوفا من أن يمس العذاب الأليم من بقي على ضلاله حرص النبي ﷺ على هداية الناس. فأخبره الله أن الذين يختارون الضلالة لهم الضلالة، ولن يجبرهم الله سبحانه على الهدى، ولهم عذاب أليم لا يدفعه عنهم أحد. المعنى التفصيلي: - في الآية بيان لعظيم رحمته ﷺ ، وثناء على كمال خلقه الشريف، فهو حريص على هداية من آذوه ومن يؤذونه؛ وكل هذا الحرص لينقذهم من العذاب، ولتكون عاقبتهم جنة الخلد. فما أحوجني وأحوج الدعاة لأن نتفكر في تنمية الرحمة في قلوبنا، حتى تكون زادا لمسير دعوتنا للمكذبين، وأن نتمنى لهم الهداية في الوقت الذي يتمنون لنا فيه الهلاك، لأن أجر هذا العمل سيكون عظيما، لأن من كلفنا فيه كريم يزيد العطاء، وقدير يقدر على الوفاء. فمن كانت معاملته مع الخلق لأجل الخلق، سلمه الله إلى الخلق، ومن كانت معاملته لأجل الله، فإنه لا ينظر إلى ما لاقاه. - حرص النبي ﷺ على أمته ليس أمرا قد انتهى في أول حياته، ولذا لم يأت النص " إن حرصت "، وإنما هو أمر متجدد على طول حياته ﷺ ، وهذا ما يفيده الفعل المضارع (تحرص). وفي هذا بيان لعظيم صبره ﷺ ، وعظيم رحمته. - في الآية شرط وجوابه (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين)، وجواب الشرط - في الغالب - يحصل لحصول الشرط، نقول: إن تدرس تنجح، ولكن جواب الشرط في هذه الآية لم يحصل لأجل الشرط، بل هو حاصل من دون الشرط، وجواب الشرط هنا لإفادة العلم. إذن؛ سنة الله في إضلال من اختار الضلال سنة ماضية حاضرة مستمرة (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) (مريم:٧٥) - قد يقول قائل: إن الله يقول (فإن الله لا يهدي من يضل) فهل ضلال الكفار جبر وقهر من الله سبحانه؛ لأن الإضلال أسند في الآية إلى الله (يضل) أي يضل الله؟ فنقول له: لا بد من فهم قوله تعالى (فإن الله لا يهدي من يضل) في ضوء الآيات التي وضحت كيف ومتى يقضي الله على الكفار بالضلالة. قال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (الصف: ٥) فالله (لا يهدي القوم الفاسقين) ولكن أي نوع من الفاسقين هؤلاء؟ هؤلاء هم من قضى الله عليهم بالكفر، ولكن لماذا قضى الله عليهم بالكفر؟ قضى عليهم بالكفر؛ لأنهم هم من اختار الضلال ورفض الهدى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) فهم من زاغ ورفض الحق، فكان عاقبة زيغانهم أن أزاغ الله قلوبهم عقابا لهم. وتبين الآية السابقة - أيضا - أن من يصر على الضلالة فإن الضلالة تحق عليه وتجب (من حقت عليه الضلالة) أي اختارها حتى لزمته. - ولكن لماذا أسند الإضلال في الآية إلى اسم الجلالة، ولم يسند إلى الكفار، أي لماذا لم يأت النص "يضل" وليس (يضل)؟ ينبغي أن نعلم قبل الإجابة أن الهداية والضلال يسيران وفق سنن قضاها الله ، وهي أن من اختار الهداية فله ذلك، ومن اختار الكفر فله ذلك، وأن أمر الهداية والضلال بأجمعه بيد الله؛ لأنه من قضى هذه السنن، وبقضاء هذه السنن فإنه لا يضل ضال ولا يهتدي مهتد إلا بمشيئة الله سبحانه، وفي خلاصة الأمر فإن الله هو الذي أضل وهو الذي هدى (من يضلل الله فلا هادي له) (الأعراف: ١٨٦) وكذلك (ومن يهد الله فهو المهتد) (الإسراء: ٩٧) أسند الإضلال في الآية إلى اسم الجلالة، ولم يسند إلى الكفار؛ من باب ذكر المشيئة العامة؛ لأن السياق هو بيان للنبي ﷺ بداية - بأن الحرص على هداية الكفار ليس موجبا لهدايتهم، فأسند الفعل إلى الله لتهويل أمر الإضلال بأنه منه سبحانه، ولذا فإن إسناد الفعل إليه سبحانه قاض بحزم البيان في مسألة أن الهداية ليست بالحرص. وهذا كقوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) (القصص: ٥٦) - قرئ قوله تعالى (يهدي) بضم الياء وفتح الدال (يهدى)، وعلى هذه القراءة يكون المعنى: إن الذي أضله الله لا يهدى. والتعبير بالبناء للمجهول ينفي وقوع الهداية لمن أضله الله من أي جهة كانت الهداية. - ولكن لماذا لم يأت نص الآية (إن تحرص على هداهم فإن الله) "يهدي من يشاء" كقوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: ٥٦) ولكن جاء النص (فإن الله لا يهدي من يضل)؟ وذلك لأن السياق سياق تهديد، فتدبر معي - حفظك الله - هذه الآيات (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٣٣) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٣٤) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (٣٥) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (٣٦) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (٣٧) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٨) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (٣٩)) (النحل) أما قوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) (القصص: ٥٦) فسياقه مختلف عن هذا السياق؛ لأن الآيات السابقة فيها ثناء على من آمن من أهل الكتاب، فكان في إيمان أهل الكتاب فرحة للنبي ﷺ ولكنه يترك حسرة في قلبه سببها إيمان البعيدين عنه وكفر أهله وخاصته، فجاءت الآية تأنيسا له، فناسب ذكر الهداية مقام التأنيس (ولكن الله يهدي من يشاء)، أما في مقام الوعيد والتهديد فجاء قوله تعالى (فإن الله لا يهدي من يضل) وختمت آية الوعيد والتهديد بـ (وما لهم من ناصرين)، وختمت آية التأنيس بـ (وهو أعلم بالمهتدين)، والفرق بينهما واضح، ويزداد تذوقه مع الزيادة في التدبر. - (وما لهم من ناصرين)، فالمسألة ليست مسألة ضلال فقط وينتهي الموضوع، بل هناك عذاب عظيم مترتب على هذا الضلال، ولا يستطيع أحد في الوجود - إلا أن يشاء الله - أن يرفع العذاب عن الذين يريد الله أن يعذبهم.

стр. 45

(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (٣٨) المفردات: - الجهد: المشقة. - يبعث: يحيي بعد الموت. - الأيمان: جمع يمين وهو القسم. المعنى الإجمالي: وتتابع الآيات بيان ألوان الكفر والجحود، وهذا اللون من الكفر لون فاقع جدا، وهو إنكار بعث الله للموتى. وتبين الآية أن بعث الناس بعد الموت حق لا بد منه، ولكن الكفار ضالون بإنكارهم البعث بعد الموت. المعنى التفصيلي: - لم يأت النص "وأقسموا جهد أيمانهم" وإنما جاء نص الآية بذكر لفظ الجلالة "الله" (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)، لأمور، منها: الأول: ذكر لفظ الجلالة في سياق الإخبار عن القسم يدل على تغليظ القسم، وأن الكفار لم يكونوا يقسمون قسما عابرا، بل كانوا يغلظون القسم. الثاني: فيه بيان التناقض في عقلية أهل الجاهلية ومن سار على دربهم، فهم يعظمون الله بالقسم به، ويكفرون به، بل ويشركون معه. - (جهد أيمانهم) أي جاهدين في القسم، فهي أقسام مغلظة، يبذلون لها المشقة. - لماذا جاء النص بـ (جهد) بفتح الجيم، وليس "جهد" بضم الجيم؟ " الجهد" بضم الجيم، هو: الطاقة والوسع، بينما "الجهد" بفتح الجيم، هو: الطاقة والوسع وزيادة على ذلك المشقة. ولذا جاء التعبير عن الوسع والطاقة في قوله تعالى بـ (جهدهم) بالضم وليس الفتح في قوله تعالى (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) (التوبة:٧٩) بينما عبر عن الأيمان بـ "الجهد" بالفتح في قوله تعالى (أقسموا بالله جهد أيمانهم) (المائدة:٥٣) (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) (الأنعام:١٠٩) (النور: ٥٣) (فاطر:٤٢) والتعبير بالفتح له دلالة على أنهم لم يبذلوا الوسع فقط، بل بذلوا فوق ذلك المشقة. فسبحان الله! كم يبذل الكفار المشقة في محاولة تشويش حقائق هذه الدين، وكم يترك كثير من المسلمين بذل الوسع - وليس المشقة - في الدفاع عن هذا الدين! - اليمين في اللغة: اليد، وهو مستعار في الحلف والقسم من اليد؛ لما يفعله المتعاهدون من القبض على أيدي بعضهم، دلالة على توثيق العهد. - ولكن ما هو موضوع القسم الذي اجتهد الكفار فيه؟ يبينه قوله تعالى (لا يبعث الله من يموت)، أي أقسم الكفار بالله العظيم مجتهدين في قسمهم غاية الاجتهاد حتى أصابتهم المشقة من شدة أيمانهم أن الله لن يبعث الموتى. - و البعث في اللغة: الإرسال، وعبر به عن إحياء الموتى؛ لأنهم محبوسون بالموت عن الحياة، فإذا ما أرسلوا من موتهم دبت بهم الحياة. - جاء النص بـ (لا يبعث الله من يموت) بذكر لفظ الجلالة، وليس "لا يبعث من يموت"؛ وذلك مبالغة من الكفار في نفي البعث بعد الموت، كأنهم يقولون: نعني بنفي البعث بعد الموت نفي بعث الله. ونفي بعث الله للموتى نفي لأي بعث؛ لأنه إذا لم يبعث الله الموتى فمن غيره يبعثهم! والغريب في الأمر أن هذا التنصيص على نفي بعث الله للموتى - أي بذكر لفظ الجلالة - يشعر السامع بأن الكفار يقسمون عن ثقة، كأن عندهم وحي من الله ينص على نفي البعث، ولذا نصوا بذكر لفظ الجلالة، وهذا من منهج أهل الجحود عند نفيهم حقيقة من حقائق هذا الدين، يحاولون إيهام السامع أنهم يتكلمون بثقة، وكذلك أنهم يعتمدون على مستند صحيح، ولكن أنى لهم ذلك، والحق نور لا يطفأ بأفواه هؤلاء الحاقدين! - جاء التعبير بالمضارع (يموت) لاستحضار حالة الموت في الذهن، كأن الكفار يبينون بعد الإحياء لما يستحضرونه من صورة الموت في أذهانهم، فإن حالة الموت توقف النفس والنبض والحياة، فكيف يبعث من تعطلت أجزاء جسمه ومات؟! - وترد عليهم الآية بأن الله سيحيي الموتى (بلى) أي سيبعث الله من يموت؛ لأن (بلى) تنفي النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات، ولو كان الجواب هنا بـ "نعم" لكان المعنى: نعم لا يبعث الله من يموت؛ لأن " نعم" إثبات لما قبلها. قال تعالى (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد) (ق: ١٥) فابتداء الخلق لم يعجز الله فكيف يعجزه الإعادة؟! والإعادة عند الناس أسهل من الابتداء، ولكن الابتداء والإعادة عند الله أمران يستويان تحت قدرة الله . - (وعدا عليه حقا) أي وعد الله وعدا حق حقا، وهذا الوعد حق لا بد أن يقع. - ضمن "وعد" معنى أوجب بقرينة حرف الجر "على" في قوله تعالى (عليه)، فصار المعنى: أوجب الله البعث على نفسه. - ولكن لماذا هذا التضمين؟ جاء هذا التضمين لتكون الجملة بقوة جملتين، فهو وعد، وزيادة على ذلك هو أكيد لا يتخلف. ومن أمثلة التضمين قوله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله) (الإنسان: ٦) فالفعل يشرب يتعدى بـ "من" أي: يشرب منها عباد الله، ولكنه تعدى هنا بالباء؛ لأن الفعل "يشرب" ضمن معنى يرتوي أو يتلذذ، ودل على هذا التضمين حرف الباء، فصارت الجملة بهذا التضمين بقوة جملتين، حيث دلت الجملة على الشرب بصريح النص، ودلت على الارتواء والتلذذ بالتضمين. - (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي لا يعلمون أن الله قادر على إحياء الموتى. وقد يسأل سائل: إن كان الكفار لا يعلمون فلماذا يحاسبهم الله ، مع أن الجهل عذر من الأعذار التي ترفع العذاب، قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: ١٥)؟ ولكن لا بد من العلم أن جهلهم هنا لا يعذرون به؛ لأنه ليس جهلا ناتجا عن عدم وصول الخبر إليهم، بل هو جهل ناتج عن جحودهم وإغلاقهم قلوبهم عن الإيمان، وعقولهم عن التفكير، ولذا فهذا الجهل من كسب أيديهم. - (أكثر الناس لا يعلمون) أي أن الأكثر من الناس على الضلال، وأن المهتدين في هذه الأرض هم القلة، قال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف: ١٠٣)

стр. 46

(ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) (٣٩) المفردات: - يبين: يكشف ويظهر. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أن بعث الموتى حق، تبين هذه الآية الحكمة من هذا البعث، وهذه الحكمة هي بيان الحق وبيان الباطل بأوضح بيان وأوضح عاقبة، إما جنة وإما نار، وليعلم الكفار أنهم كذبوا بإنكارهم البعث. المعنى التفصيلي: - (ليبين) اللام هي لام التعليل، أي سيبعث الله من يموت لأجل أن يبين لهم. - (لهم) أي لكل الخلق. - قد يسأل سائل: ألم يبين الله الحق من الباطل للخلق في الدنيا، فلماذا جعل البيان علة للبعث؟ والجواب عن هذا: أن بيان الدنيا غير بيان الآخرة؛ لأن بيان الدنيا سماع وخبر، وبيان الآخرة معاينة ونظر، فهو بيان حسي زيادة على البيان النظري، فإن البيان القاطع للحق والباطل يكون بخلود المؤمنين في الجنة، وبخلود الكفار في النار. - وجاء التعبير عن المختلف فيه بالموصول (الذي) في قوله تعالى (الذي يختلفون فيه) لعظمه وارتفاع مكانته. وقال بعض المفسرين: إن المختلف فيه هو الحق، وقال بعضهم: إن المختلف فيه هو كل شيء اختلف فيه. ولا فرق بين القولين؛ لأن المقصود من بيان المختلف فيه ما كان من جنس الحق، ويدخل ضمنه حقوق الله المترتبة على عباده من عبادته وتوحيده وغير ذلك، وكذلك من ضمنه حقوق العباد المتنازع فيها، أما الأمور التي ليس فيها حق وباطل فلا تدخل ضمن المختلف فيه، ومثاله: اختلاف اثنين في مسألة كيميائية أو حرفية أو غير ذلك من المباحات التي لا تتعلق بها حقوق. وهذا القول بناء على ما قيل آنفا: إن المختلف فيه هو الحق، أو: إن المختلف فيه هو كل شيء اختلف فيه. ولكن الراجح أن ما اختلف فيه هو أمر بعث الله الموتى، وسيأتي الدليل على هذا. - جاء التعبير بالمضارع (يختلفون) في قوله تعالى (الذي يختلفون فيه) ولم يأت بالماضي (اختلفوا)، لأن في ذكر المضارع إشارة إلى إبراز أمر معين من الأمور المختلف فيها، وهذا الأمر واقع زمن نزول الآيات، ويتبين من السياق. وتأمل معي الآية السابقة لتعلم ما الأمر الذي يشير إليه الفعل المضارع (يختلفون) قال تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (٣٨). أعرفت - بارك الله فيك - ما هو الأمر؟ إنه أمر حاضر وقت نزول الآيات، وهو ما يدل عليه السياق، أعرفته؟ إنه أمر بعث الله الموتى يوم القيامة. - الجزاء هو غاية البعث، فلماذا لم يذكر في الآية؟ لم يذكر الجزاء في الآية؛ لأن الآية تبين أن الله يبعث الخلق ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وذروة البيان في الآخرة تكون بالجزاء، فالجزاء نوع من أنواع البيان، ولذا أغنى ذكر البيان عن ذكره. - (وليعلم) أي ليعلم الكفار، والواو للعطف، واللام للتعليل، أي ويبعث الله الخلق لأجل أن يعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين بقسمهم على أن الله لا يبعث الموتى. - (الذين كفروا) ذكر الموصول (الذين) ازدراء للكفار؛ لأن للاسم الموصول دلالته حسب السياق، وهذا معلوم لمن مارس علم المعاني واللغة. - ذكرت الآية تعليلين لبعث الله الخلق يوم القيامة: التعليل الأول هو: بيان الذي اختلف فيه. والتعليل الثاني: ليعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين بقسمهم على أن الله لا يبعث الموتى فلماذا خص الكفار بالذكر بعد البيان العام للخلق أجمعين؟ خص الكفار بالذكر بعد البيان العام للخلق أجمعين، من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، حيث إن السياق سياق إنكار على الكفار، وهو سياق تهديد أيضا، فناسب ذلك إفراد الكفار بالذكر زيادة في الإنكار وزيادة في التهديد. - أسند العلم للكفار (وليعلم الذين كفروا) ولم يأت "وليعلموا أن الذين كفروا"، لأن في هذا الإسناد قوة في التهديد، لأن الكفار هم من سيعلم ما سيحل من العذاب بهم. - جاء التعبير بالبيان أولا (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) ثم جاء التعبير بالعلم ثانيا (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين)، فلماذا هذا الاختلاف في التعبير؟ جاء هذا الاختلاف لأن ذكر البيان أولا ثم العلم؛ لأن العلم يأتي بعد البيان، ففي بداية الأمر تكشف الحقائق ثم يكون العلم نتيجة لهذا الكشف. - أتى النص (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) وليس " وليعلم المؤمنون أنهم كانوا صادقين"؛ لأن السياق سياق تهديد للكفار وليس سياق مدح للمؤمنين. - جاء التعبير باسم الفاعل (كاذبين) وليس بالفعل (كذبوا) لأن الكفار لم يكذبوا في الدنيا كذبة ما، بل كان الكذب حرفتهم، فلما استمروا على الكذب استحقوا أن يطلق عليهم اسم الفاعل (كاذبين). ووصفهم باسم الفاعل فيه تهديد لهم، لأن عقوبة من تمرس على الكذب ستكون عظيمة، لأن شدة العذاب تزداد مع عظم الذنب. - التعبير بـ (كان) في قوله تعالى (كانوا كاذبين)) أقوى في الدلالة؛ لما تعنيه "كان" من الوجود، للتنبيه على أنه قد وقع حقا. - وجاء تأكيد تهديد الكفار بأمور، منها: - إسناد العلم إلى الكفار. - وحرف التأكيد (أن) - والفعل (كان) - ووصفهم باسم الفاعل (كاذبين)

стр. 47

(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠) المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة إنكار الكفار لبعث الله الموتى، وبينت الحكمة من البعث، تبين هذه الآية أن الله قادر على بعث الموتى، وأن هذا الخلق لا يتطلب منه سبحانه و تعالى إلا أمرا. المعنى التفصيلي: - في الآية التفات من الغيبة إلى المتكلم، ثم رجوع في الآية التالية إلى الغيبة، وسبب هذا الالتفات إلى المتكلم هو التعظيم لأمر الخلق، والتهديد للكفار. وتأمل معي سياق الآية (ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (٣٩) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (٤٠) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (٤١)) - هل القول في (إنما قولنا) من التمثيل أم من باب الخطاب الحقيقي؟ ذهب المفسرون إلى قولين حول ذلك: فقول بأن هذه الآية تمثيل لسرعة قدرة الله سبحانه على الخلق. وقول بأن هذه الآية دليل على سرعة خلق الله لما يريد، ولكن هذه الآية ليست من باب التمثيل، بل خلق الأشياء يكون بخطاب حقيقي من الله، خطاب يليق بجلاله سبحانه. وظاهر الآية أنه يخلق الأشياء بخطاب، لأن الخلق يكون بالإرادة أولا وبعدها يكون بالخطاب، قال تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس:٨٢) فالإرادة أولا ثم الخطاب. - الآية دليل على أن كلام الله صفة من صفاته، وأنه ليس مخلوقا، لأن كلامه سبحانه لو كان مخلوقا، للزم القول قولا آخر حتى يخلقه، مما يلزم منه التسلسل، أي يلزم كل قول قولا آخر إلى ما لا نهاية، وهذا ممتنع، فدل على أن كلامه صفة من صفاته غير مخلوق. - في الآية دليل على أن الإرادة صفة من صفات الله ، ودليل على أن أمر الخلق يكون إذا كانت الإرادة (إنما قولنا لشيء إذا أردناه). - قد يقول قائل: إذا كان الشيء المخاطب معدوما فيستحيل مخاطبة المعدوم، وإذا كان الشيء مخلوقا فلماذا الأمر بخلق المخلوق؟ قال المفسرون: أطلق الشيء على المعدوم؛ لأنه معلوم في علم الله، وهو حتمي الوقوع، فأصبح كالموجود. وقالوا: هو من باب إطلاق الشيء على ما سيكون، كقوله تعالى حاكيا قول نوح ﵇ (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) (نوح:٢٧) علما بأن المولود لا يكون فاجرا كفارا إلا بعد أن يكبر، فأطلق اسم الفجور والكفر على من سيولد باعتبار ما سيكون. ولكن لا يستقيم هذان القولان مع إخبار الآية بأن الله يوجه الخطاب للمعدوم (أن نقول له كن)، فـ (له) تدل على أنه خطاب حقيقي للمعدوم. وقال الزجاج: إن اللام في قوله تعالى (لشيء) هي لام سببية، فالمعنى على ذلك: لأجل شيء، وكذلك في (له) أي: لأجله، حيث يكون معنى الآية، إنما قولنا لأجل شيء أردنا إيجاده أن نقول لأجله كن فيكون. وعلق بعض المفسرين على قول الزجاج بأنه غير واضح، وأنت كما تراه فإنه واضح، والقول بأن اللام سببية أوضح من تكلف تعليل إطلاق الشيء على المعدوم. ومثله اللام الواردة في قوله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا) (الكهف: ٢٣) فاللام في كلمة (لشيء) لام سببية، أي: لأجل شيء. - وقرئ (فيكون) أيضا بالنصب عطفا على (نقول). - والعطف بالفاء في قوله تعالى (فيكون) يدل على سرعة الخلق إذا أراده الله . - جاء نص الآية بـ (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) مسوقا لبيان أن خلق الله سبحانه للأشياء لا يزيد على (كن) ولذا أتى ذكر الإرادة (إذا أردناه) من باب الاحتراس، وهو ما يعرفه عامة المثقفين بالجملة المعترضة، وإن كان بين الاحتراس والاعتراض فرق، ولكن ذكرت هذا من باب التقريب إلى الأفهام، بينما جاءت النصوص الأخرى بذكر شرط الإرادة أولا؛ لأنها جاءت في سياق بيان الحقائق وليس في سياق الرد المباشر على منكري قدرة الله على الخلق. فلقد جاء قوله تعالى (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ردا مباشرا على قسم الكفار بأن الله لا يبعث الذين يموتون (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت). وكذلك قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: ٨٢) ذكرت فيه الإرادة على سبيل الاحتراس (إذا أراد)؛ لأن الآية مسوقة لبيان أن خلق الله للأشياء لا يزيد على (كن)؛ لأن الآية رد على الكفار حينما أنكروا البعث (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم) (يس: ٧٨) بينما تأمل معي الآيات التي ذكر فيها شرط الإرادة أولا وليس على سبيل الاحتراس؛ لأن المقصود من سياق الآيات تقرير الحقائق لا الرد المباشر. (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (١١٥) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون (١١٦) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (١١٧)) (البقرة) فسياق الآيات - كما ترى - ليس ردا على إنكار قدرة الله على الخلق. (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (آل عمران: ٤٧) الآية بيان لمريم وليس ردا على إنكارها قدرة الله على الخلق؛ لأنها مؤمنة قانتة، قد تحتاج للبيان، والتبيين لها لا يعني إنكارها. (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (مريم: ٣٥) الآية بيان بأن الله لا يحتاج لأحد ولا لولد لأنه قادر على أن يخلق ما يشاء، وليست ردا على منكري قدرة الله على الخلق. (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (٦٧) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٦٨)) (غافر) الآيات ليست في سياق الرد على منكري قدرة الله على الخلق، ولكنها في سياق بيان قدرة الله على الخلق. والفرق بين أسلوب ذكر شرط الإرادة على سبيل الاحتراس، وأسلوب تصدير الكلام بذكره، أن ذكره على سبيل الاحتراس يدل على أنه لم يكن المقصود في الدرجة الأولى، بل المقصود في الدرجة الأولى بيان سهولة خلق الله للأشياء، وأن الأمر كله لا يتعدى (كن). وإن كنت لا أريد أن استطرد، ولكني استطردت رغما عني؛ لأنني لو لم أستطرد، لكان بيان ذكر شرط الإرادة على سبيل الاحتراس في الآية غامضا لا يفهمه إلا قلة من الناس؛ ولذا آثرت الاستطراد رجاء التسهيل، سائلا الله أن أكون قد وفقت إلى ذلك!

стр. 48

(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (٤١) المفردات: - هاجر: انتقل من مكان إلى مكان. - لنبوئنهم: لنسكننهم، وبوأه منزلا هيأه ومكن له فيه. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة حال الكفار، تبشر هذه الآية المؤمنين المهاجرين بما أعده الله لهم من الجزاء الكبير في الدنيا، ومن الجزاء الأكبر في الآخرة. المعنى التفصيلي: - (والذين هاجروا) هم قوم في زمن النبي ﷺ ، ولكن يندرج في المعنى كل من هاجر في الله؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. - وجاء التعبير بـ (هاجروا) وليس "هجروا"؛ لأن صيغة (هاجروا) تدل على المفاعلة، ولتقريب المعنى، فإن صيغة المفاعلة تدل على أن الفعل من طرفين، فالكفار هم من هجر المؤمنين في مكة، وذلك بظلمهم وأذاهم للمؤمنين، مما اضطر المؤمنين إلى الهجرة، فكانت مهاجرة من طرفين، وهذا هو الفرق بين (هاجروا) و"هجروا". ومثله الفرق بين "صبر" و"صابر" في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا) (آل عمران:٢٠٠) فالصبر معلوم المعنى، ولكن المصابرة هي الصبر أمام صابر آخر، فهو صبر من جهتين، ولذا فالمصابرة أشق من الصبر. - (هاجروا في الله) أي: لأجل الله؛ لأن معنى "في" هنا التعليل، كقول النبي ﷺ : دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض. (صحيح البخاري ج٣/ص١٢٠٥/باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم) - أسند الفعل (ظلموا) إلى المجهول، علما أن الظالمين هم كفار قريش، ولكن أسند للمجهول؛ لأن المهم في هذا السياق هو الإخبار عن وقوع الظلم على المؤمنين، وليس تعيين من أوقعه؛ وليندرج تحت النص كل من ظلم في الله، سواء على يد قريش أو على يد غيرهم على مر العصور والدهور. - الظلم الذي يوقعه الكفار على المؤمنين لا ينحصر في الإيذاء البدني، بل يلجأ الكفار إلى الإيذاء النفسي للمؤمنين، باتباع أسلوب السخرية والاستهزاء، وما زال الكفار يدأبون على ظلم المؤمنين وعلى قتلهم وسجنهم ونفيهم وحصارهم وتشويه سمعتهم، بل ويوظف الكفار صفات الفضل والطهارة التي يمتاز بها المؤمنون ضدهم، ألا ترى أن قوم لوط اتخذوا من طهارة نبيهم سببا لطرده (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) (الأعراف: ٨٢) بل ويحاول الكفار في كل زمن أن يبتكروا من الطرق ما لم يكن مستعملا عند من سبقهم، وما مليارات الدولارات التي ينفقها الكفار في هذا الزمن إلا في سبيل ظلم الذين آمنوا. - (لنبوئنهم) اللام للقسم، والقسم مؤكد، وكل هذا توكيد على التبوئة الحسنة للمؤمنين في الدنيا. - في قوله تعالى (لنبوئنهم) التفات من الغيبة إلى المتكلم. وتأمل معي سياق الآية بارك الله فيك (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) وهذا الالتفات لتأكيد وعد المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة ولتعظيم أمره. - ولما كانت الهجرة بترك الأوطان والسكن، جاء أجر المهاجرين بتهيئة السكن لهم (والذين هاجروا في الله ... لنبوئنهم)، وهذا ما يسمى في المحسنات اللفظية بالطباق. - (حسنة) صفة لمصدر محذوف، أي: لنبوئنهم تبوئة حسنة، والتبوئة الحسنة تلك التبوئة التي لا شر فيها، بل فيها الخير زيادة على خلوها من الشر. ولكن ما المقصود بالتبوئة الحسنة؟ التبوئة الحسنة، هي الإسكان الحسن، بما في ذلك الرزق والأمان وغير ذلك من الأمور التي يصبح السكن بها حسنا. - قيل: إن هذا الإسكان الحسن هو مدينة رسول الله ﷺ ؟ ولا ينكر أن المدينة كانت سكنا طيبا للنبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، ولكن الآية مكية، أي كانت قبل الهجرة، وتتحدث عن مهاجرين خرجوا من مكة مهاجرين بدينهم قبل هجرة المدينة، وهم مهاجرو الحبشة؛ فقد كان لهم في الحبشة مسكن آمن طيب. ولا بد من التنبيه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي أن الإسكان الحسن جزاء كل المهاجرين بدينهم، على مر العصور، سواء في الحبشة أو المدينة أو غيرهما من أرض الله. - قدم الجار والمجرور (في الدنيا) في قوله تعالى (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) لإبراز أن جزاء هؤلاء المهاجرين المستضعفين، ليس في الآخرة فقط، بل لهم جزاء الخير في هذه الدنيا، والتي يظن الناظر إليهم أنهم فقدوا حظهم في الدنيا؛ لفقدهم أسباب السعادة، من مفارقة الأوطان والأهل والخلان، والتجارة والأملاك. - (ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) جاء الأجر مؤكدا بلام التأكيد (لأجر)، ووصف الأجر بالأكبر؛ ليدل على أن أجر المؤمنين في الدنيا كبير، ولو وصف أجر الآخرة في هذا السياق بالكبير، لدل على أن أجر المؤمنين في الدنيا قليل. - (لو كانوا يعلمون) قيل: المقصود هم المؤمنون، أي لو كان المؤمنون يعلمون أجرهم علم مشاهدة وعيان، لازدادوا في الخير، أو لما حزنوا على ترك أوطانهم أو نحو ذلك. وقيل: المقصود هم الكفار، أي لو كان يعلم الكفار أجر المؤمنين في الدنيا والآخرة لاتبعوا الحق. والظاهر أن المقصود بـ (يعلمون) هو العلم النظري لا البصري، وظاهر السياق لا يناسبه إعادة الضمير إلى المؤمنين، ولا يناسبه تقدير العلم بعلم المشاهدة، لماذا؟ لأن المعنى على تقدير أن الضمير في (يعلمون) يعود على المؤمنين هو: "إن الله سيجزي الطائعين المهاجرين الذين تركوا أهلهم وديارهم وأموالهم، سيجزيهم في الدنيا جزاء عظيما وفي الآخرة جزاء أعظم؛ لأنهم هاجروا في الله من بعدما أصابهم الظلم، ولم ينقادوا لهذا الظلم ويتبعوا الكفر، ولو علم المهاجرون أجرهم علم مشاهدة لازدادوا في الخير أكثر مما فعلوا، أو لما حزنوا على ما أصابهم". وكما ترى معي فإن المقام مقام مدح للمؤمنين المهاجرين، ولا يناسبه ذكر الإشارة إلى أنهم قصروا في الطاعة، أو حزنوا على أوطانهم، لأن هذا لا يناسب مقام المدح. بل (لو كانوا يعلمون) جملة معترضة تجيب عن سبب عداء الكفار للإيمان رغم الأجر العظيم عليه، فيصبح معنى هذه الآية والتي بعدها في ضوء هذه الجملة المعترضة: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) فيصير المعنى: إن الله سيجزي المهاجرين الأجر الكبير في الدنيا والأجر الأكبر في الآخرة وهؤلاء هم الصابرون المتوكلون على الله ولو كان يعلم الكفار أجر المؤمنين في الدنيا والآخرة لاتبعوا الحق.

стр. 49

(الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) (٤٢) المفردات: - صبروا: تحملوا الشدائد. - يتوكلون: يعتمدون. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة الأجر العظيم للمهاجرين في الله سبحانه، تبين هذه الآية صفة هؤلاء المهاجرين، فهم صابرون على العذاب والأذى، لم ينقادوا لما يطلبه الكفار، بل تركوا أوطانهم ومالهم وأهلهم، وما ذلك إلا لصبرهم ولتوكلهم على الله بأنه لن يضيعهم. المعنى التفصيلي: - (الذين صبروا) صفة للمهاجرين، ودلالة الاسم الموصول في سياق المدح هو علو الشأن. - (الذين صبروا) جاءت في مقابل (من بعد ما ظلموا)؛ لأنهم ظلموا فما كان منهم إلا أن صبروا. - (وعلى ربهم يتوكلون) جاءت في مقابل (والذين هاجروا في الله)؛ لأن ترك الأوطان والأعمال والأموال والعشيرة بحاجة إلى التوكل؛ لأن المهاجر يخاف الضياع والفقر والعوز، ولولا التوكل لأحجم المسلمون عن الهجرة. - قدم الجار والمجرور (على ربهم) في قوله تعالى (وعلى ربهم يتوكلون) لقصر التوكل على الله، فهم لا يتوكلون إلا على الله . - وجاء التعبير بـ (ربهم)؛ لأن الرب هو الراعي والخالق والرازق فناسب الأمر سياق التوكل. - واعلم - بارك الله فيك - أنه لا إيمان بلا توكل، قال تعالى (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة:٢٣). واعلم - بارك الله فيك - أن التوكل على الله مؤثر في أحداث هذه الحياة، وليس كما يظن بعض الناس أن التوكل على الله يجلب الراحة النفسية للمتوكل فقط، بل زيادة على الراحة النفسية، فإن التوكل عمل قلبي له أثر في أحداث الحياة؛ قال تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) (الطلاق: ٣). فالله حسب المتوكل، أي كافيه؛ كافيه لأن الله بالغ أمره، يفعل ما يريد، وليس في الوجود من شيء يريده الله ولا يكون، بل أمره نافذ واقع. - قد يقول قائل: لماذا جاء الفعل (صبروا) ماضيا، بينما الفعل (يتوكلون) مضارعا؟ جاء الفعل (صبروا) ماضيا من باب البشارة للمؤمنين، كأن العذاب والشدة أمر مر ومضى، وأن المستقبل القادم هو مستقبل مشرق آمن. وجاء الفعل (يتوكلون) مضارعا؛ لأن التوكل في حياة المسلم أمر متجدد في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة، فلا يعمل المسلم عملا مهما دق أو عظم إلا متوكلا على الله . - ولكن لماذا قدم (صبروا) على (يتوكلون)؟ قدم (صبروا) على (يتوكلون)؛ لأن تقديم الفعل الماضي على المضارع أنسب في السياق، فلو قلنا " الذين على ربهم يتوكلون وصبروا " لفقد النص جمال سياقه. وأيضا فإن الصبر أعظم من التوكل المجرد، لأن تحمل الشدائد والمشاق لأجل الله لا يكون إلا باطمئنان القلب بعون الله، وهذا هو التوكل، فالصبر يحتوي على التوكل زيادة على ما فيه من تحمل الشدائد. ولعظم الصبر قدم، لأن من الأنسب في سياق المدح أن يذكر الأمر الأعظم أولا، ألا ترى أننا إذا أردنا أن نمدح أحدا ذكرنا أعظم أموره أولا، وفي بعض الأوقات يكون الأمر الأعظم ماضيا، فنعرض عن ذكر الحاضر، ونعرج على الماضي لأنه أعظم، فتراهم يقولون في مدح أحدهم: فلان هو الرئيس السابق لكذا وكذا، ويشغل حاليا منصب كذا. - ولا بد أن نعلم أن التوكل لا يصلح دون الأخذ بالأسباب؛ لأن النبي ﷺ كان خير من توكل على الله ولكنه لما هاجر أخذ بالأسباب، وكان في غزواته يأخذ بالأسباب، فهو من أمر الرماة أن يبقوا على الجبل في أحد، وهو من أمر بحفر الخندق، وهو من كان يخفي خبر وجهة غزوته، وهو من حاصر بني قريظة، فهو أخذ بالأسباب، ولكن مع اعتماد على الله ، لأن الاعتماد على الله هو الأمر المؤثر بشرط أخذ ما تقدر عليه من الأسباب. - قد يقول قائل: إذا كان الأخذ بالأسباب لازما فما فائدة التوكل؟ وللجواب عن هذا لا بد أن نعلم أننا عاجزون من دون الله سبحانه، وأن نعلم أن الأسباب لا تحقق لنا ما نريد، بل ما يحقق لنا ما نريد هو توفيق الله لهذا الأخذ بالأسباب، وكذلك قد يأخذ المتوكل بالأسباب التي لا تكفي لحدوث أمر ما، فيهيئ الله له أسبابا لم تكن في الحسبان. ولا بد أن نعلم أن الأسباب أمر ظاهر مطلوب، ولكن الأمر النافذ الفاعل هو أمر الله، فكم ممن تعالج من مرض وما شفي، وكم ممن أنشأ تجارة وهو آخذ بالأسباب وما ربح، فلا بد من التوكل. وإن قال قائل: توكلت على الله فلم أستفد. فعليه اتهام نفسه بأن توكله لم يكن صادقا؛ لأن الله يقول: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) (الطلاق: ٣) ولا بد أن نعلم - أيضا - أن أمورا قضي أمرها ولن تتغير، ولو دعونا الله أو توكلنا عليه، ومن هذا ما قضاه الله سبحانه من الأعمار، فلو أن مريضا قد قضى الله موته بهذا المرض، فإن دعاءنا لن يغير أمرا لا يريد الله تغييره، ولكننا ندعو الله ونتوكل عليه من باب العبادة. وكذلك قد ندعو بما يخالف سنة الله في البشر، ونتوكل عليه ليحقق لنا ما يخالف هذه السنة، فليس لنا بعد هذا أن نقول إنه لم يستجب لنا. وأضرب مثلا على ذلك، إذ خاضت جيوش العرب معارك تحت راية غير راية الإسلام، بل إن قيادات هذه الجيوش معادية للإسلام، بل إن هذه الجيوش لا تدري عن الإسلام إلا اسمه، ورغم هذا البعد عن الدين فإن سلاحهم ضعيف وتدريبهم قليل، ونبغي بعد هذا أن ينصر الله هؤلاء رغم أن سنة الله في النصر هي (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (محمد: ٧) أي من لم ينصر دين الله فإن الله لا ينصره، ولذا سلم الله هؤلاء المعادين لدينه للأسباب المادية، فكانوا أقل قوة فهزموا. - وقال قوم: إن ترك الأسباب من كمال التوكل، واستدلوا بقول رسول الله ﷺ : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون (صحيح البخاري ج٥/ص٢٣٧٥) وفي رواية (صحيح البخاري ج٥/ص٢٣٩٦): لا يكتوون. وقالوا: إن الذين يدخلون الجنة بلا حساب هم أهل التوكل الكامل، وهم من تركوا العلاج. ولبيان معنى الحديث لا بد أن نعرف أن العلاج بالكي مكروه فقد قال رسول الله ﷺ : الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي (صحيح البخاري ج٥/ص٢١٥١). ولذا فإن من كمال التوكل ترك العلاج بما هو مكروه، ولو لم يكن حراما؛ لأن ترك المكروه هو الأكمل في التوكل وغيره. وأما التطير وهو التشاؤم، فهو من الأمور المحرمة في دين الله، ولذا فإن المتوكلين على الله لا يتشاءمون. وأما قوله: (لا يسترقون) فلا بد أن نفهمه في ضوء سياق الحديث، حيث لا بد لأول الحديث أن يوافق آخره، وآخره أن يوافق أوله، فآخره (وعلى ربهم يتوكلون)، فكيف ينافي التوكل الرقية الشرعية، فإنه لا معارضة بينهما، ولا بد أن نعلم أن الرقية تنقسم إلى نوعين: رقية شرعية، ورقية محرمة، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله: كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. (صحيح مسلم ج٤/ص١٧٢٧). فإذا لم تناف الرقية الشرعية التوكل، فإن الرقية المقصودة في الحديث هي الرقية التي تنافي التوكل وهي الرقية المحرمة. ولذا فليس في الحديث دليل على أن التوكل يكون بترك الأسباب.

стр. 50

(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (٤٣) المفردات: - الذكر: المقصود به هنا: التوراة والإنجيل. المعنى الإجمالي: تأتي هذه الآية في سياق رد مزاعم الكفار الباطلة، كما هو شأن هذه السورة المباركة، فترد هذه الآية على إنكار الكفار رسالة محمد ﷺ لأنه بشر، والرسل - في زعم الكفار- لا يكونون من البشر، قال تعالى (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم) (يونس: ٢). فبينت الآية أن كل الرسل الذين أرسلهم الله سبحانه هم من البشر، وأرشدت الآية الكفار أن يسألوا علماء أهل الكتاب إن كانوا لا يعلمون؛ ليعلموا أن كل رسل الله هم من البشر. المعنى التفصيلي: - جاء التعبير بأسلوب القصر (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) وذلك لإبراز قوة الرد على الكفار؛ لنسف مزاعمهم، فلو قيل: "إن الله لم يرسل رسولا من البشر"، فرددنا بقولنا: " أرسل الله الرسل رجالا "، لما كان بقوة القصر حين نقول: "ما أرسل الله الرسل إلا رجالا". - لاحظ - بارك الله فيك - الالتفات من الغيبة إلى المتكلم (وعلى ربهم يتوكلون (٤٢) وما أرسلنا) وذلك لعلو شأن إرسال الرسل. - (من قبلك) الخطاب فيه للنبي ﷺ ، وجاء التعبير بأسلوب الخطاب (من قبلك) لا الغيبة " من قبل محمد" تأنيسا للنبي ﷺ ورفعا لقدره. - (إلا رجالا) يعني بشرا، وفي هذا رد على الكفار الذين استنكروا أن يكون الرسول بشرا (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) (الفرقان: ٧). - جعل الله الرسول إلى البشر بشرا لا ملكا؛ حتى يكون الرسول قدوة لأتباعه، فلو كان نبينا ﵊ ملكا؛ لقال الناس: لا نستطيع أن نفعل مثله؛ لأنه ملك ونحن بشر، قال تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (٩٤) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (٩٥)) (الإسراء). - يستفاد من قوله تعالى (إلا رجالا) بأن الله سبحانه لم يبعث من النساء رسولا؛ وذلك لأن الأحوال التي يكابدها الرسول من الدعوة والهجرة وخطاب الناس وتحمل الأذى، لا تتناسب وحال النساء. - (نوحي إليهم) حتى لا يظن ظان أن الرسل رجال مثلنا، بل لا بد من العلم أن لهم ميزة ليست لنا، وهي أن الله سبحانه يوحي إليهم بالرسالات. - (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) كان الخطاب بداية للنبي ﷺ (من قبلك)، ثم اتجه الخطاب إلى الكفار (فاسألوا)؛ لأن إقامة الحجة على الكفار مقصد من مقاصد الآية. - (أهل الذكر) هم أهل علم الدين، والذكر هو ما أنزله الله سبحانه على رسله من الهداية. - (أهل الذكر) هنا هم علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ووجه الكفار إلى سؤالهم؛ لأنهم أهل علم بأحوال الرسالات، وهم على علم بأن الرسل كانوا بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. - وكما وجه الله الكفار لسؤال علماء أهل الكتاب عن الذي يجهلون، فنحن المسلمين أولى بنا أن نسأل علماءنا عما نجهل. - (إن كنتم لا تعلمون) أي الحق والصواب، وجواب الشرط دل عليه السياق، أي إن كنتم لا تعلمون فاسألوا. - جاء التعبير في الشرط بحرف (إن) إشارة إلى أنهم يعلمون الحق ولكن يكابرون ويعاندون، لأن (إن) تدل على ندرة وجود الأمر.

стр. 51

(بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (٤٤) المفردات: - البينات: جمع بينة، وهي: الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة. - الزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، وهو فعول بمعنى مفعول، والزبر: الكتابة. - الذكر: المقصود به هنا القرآن. - لتبين: لتوضح. المعنى الإجمالي: هذه الآية تكملة للآية السابقة؛ فإن الله أرسل رسله بالبينات والكتب، وأنزل القرآن على محمد ﷺ ؛ ليبين للناس ما نزل إليهم من الهداية والأحكام، ولعل الناس يتفكرون بما أنزل الله إليهم ليهتدوا. المعنى التفصيلي: - (بالبينات والزبر) قيل: متعلق بمحذوف تقديره، رجالا متلبسين بالبينات، أي مصاحبين لها، والباء للمصاحبة. وقيل: متعلق بمحذوف، وهو سؤال مقدر؛ كأنه قيل: بم أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات والزبر. والأصل عدم التقدير، ولا يلجأ إلى التقدير مع استقامة المعنى بالظاهر. وقيل: متعلق بـ (أرسلنا) في الآية السابقة، على تقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا، أو: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا بالبينات والزبر. وهذا القول محل خلاف عند النحويين، ولا متسع لبسطه هنا. وقيل: متعلقة بـ (تعلمون): أي: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر. والصحيح أن الفعل "علم" يتعدى بنفسه، أي نقول: يعلمون البينات، وليس بالبينات. ويتعدى الفعل "علم" بـ "الباء" إذا ضمن الفعل علم معنى شعر وأحس، ولا وجه لهذا التضمين هنا. والذي أراه - والله أعلم - أنه متعلق بـ (نوحي)، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر، وجملة (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) جملة معترضة. - البينات: جمع بينة، وهي: الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة، ويندرج تحتها المعجزات وكل الدلائل الواضحة على صدق الرسالة. - جاء التعبير (وأنزلنا إليك الذكر) ولم يأت بـ:" وأنزلنا الذكر إليك"؛ اعتناء بالنبي ﷺ وإظهارا لشرفه، وتأنيسا له. - سمي القرآن ذكرا؛ لأنه تذكرة للغافلين، وذكرى للذاكرين. - (لتبين للناس) اللام في (لتبين) للتعليل، أي: أنزل الله القرآن على سيدنا محمد ﷺ حتى يبينه للناس. - رسالة الإسلام عالمية، مخاطب بها أهل مكة ابتداء، ومخاطب بها كل البشر على مر العصور، ولذا جاء التعبير (للناس). - (ما نزل إليهم) ليس فقط من القرآن بل كل ما شرع الله لعباده وأخبرهم به، وإنزال القرآن سبب في بيان كل الدين؛ لأنه أساس الدين وعماد التشريع. - لو قلنا في غير التنزيل: "أنزل الله إلى محمد الذكر ليبين للناس ما نزل"، ووقفنا عند هذا لاتضح الكلام، ولكن ذكر الجار والمجرور (إليهم) في الآية؛ للدلالة على عناية الله بالناس. - (ولعلهم يتفكرون) جاء حرف العطف "و" لأن تفكر الناس بدين الله مقصد مستقل. فالنبي ﷺ مكلف بتبيين دين الله للناس، وهذا هو المقصد الأول لإنزال الذكر - كما في الآية - والمقصد الثاني لإنزال الذكر هو تفكر الناس بهذا المنزل. - التفكر لأجل الله عبادة، فإذا تفكر المسلم بكتاب الله المسطور، وبعجائب الكون المنظور؛ ليصل إلى حقيقة الإيمان، وسكينة اليقين، حتى يرتقي في درجات العبودية، كتب هذا التفكر في زمرة العبادات؛ لأنه مقصد مستقل من مقاصد إنزال الذكر على محمد ﷺ .

стр. 52

(أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) (٤٥) المفردات: - المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. - يخسف: من الخسف، وخسف المكان تغييبه في الأرض. المعنى الإجمالي: ردت الآيتان السابقتان ما زعمه الكفار من أن الرسول لا يكون من البشر، وتهدد هذه الآية المشركين بعذاب الله في الدنيا لما هم فيه من كفر وتكذيب لنبوة محمد ﷺ . المعنى التفصيلي: - (أفأمن) الاستفهام هو استفهام تعجبي لأجل الإنكار على الكفار والاستخفاف بهم وبعقولهم، إذ كيف يأمنون عقاب الله وعذابه، وقد علموا ما فعل الله بالذين من قبلهم ممن يمرون على مساكنهم المهدمة من العذاب، كأهل الحجر - وهم قوم صالح ﵇ وقرى قوم لوط وغيرهم؟ -الفاء في (أفأمن) فاء العطف، والهمزة للاستفهام، والتقدير: أجهلوا عقاب الله للأمم السابقة، فأمنوا عذابه. وهذا يدل على أن مكرهم بدين الله - رغم ما علموا من عذاب الله للأمم السابقة - هو مكر عناد وجحود وكبر. - (الذين مكروا السيئات) هم أهل قريش ابتداء ثم من سار على دربهم واقتدى بنهجهم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. - (مكروا السيئات) صفة لمصدر محذوف تقديره: مكروا المكرات السيئات، وإنما حذف المصدر " المكرات" ليدل حذفه على أنهم ما مكروا مجرد مكر سيء، بل مكروا السوء ذاته. - (أن يخسف الله بهم الأرض) وخسف المكان تغييبه في الأرض، أي أن الأرض تنشق وتبتلع ما عليها، وخسوف القمر ضمن هذا المعنى، لأن ضوءه يغيب، فكأن القمر ابتلع ضوءه. وممن عذبه الله بالخسف وقال فيه (فخسفنا به وبداره الأرض) (القصص: ٨١) قارون عليه من الله ما يستحق. وذكر الجار والمجرور (بهم) قبل المفعول به (الأرض) زيادة في تهديد الكفار؛ لأن القصد من الخسف هم لا الأرض، وكذا في قوله تعالى (فخسفنا به وبداره الأرض) (القصص: ٨١) فقدم ذكر الجار والمجرور (به وبداره) قبل المفعول به (الأرض)؛ لأن القصد من الخسف إهلاك قارون وماله، وقدم الجار والمجرور (به) على (وبداره) لأن المقصد الرئيسي هو إهلاك قارون وماله تبع له. - (أو يأتيهم العذاب) أي كل أصناف العذاب كالمرض والفقر والهم والغم والألم، ولذا فإن العذاب قد يستمر زمنا، بينما الخسف لا يستمر، ولذا ذكر الخسف مستقلا، ثم عطف عليه العذاب. - والتنصيص على نوع من أنواع العذاب - وهو الخسف - وذكره في البداية، يدل على شدته. - (من حيث لا يشعرون) أي يجهلون من أين يأتيهم، وكيف يأتيهم، وقد يأتيهم من مأمنهم، وأفزع العذاب والضر ما يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان، أما إذا كان من حيث يحتسب فإنه يهيئ نفسه لاستقبال العذاب، ألا ترى أن الناس يستقبلون أنباء القتل في الحروب استقبالا لو كان في السلم لكان أعظم.

стр. 53

(أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين) (٤٦) المفردات: - تقلبهم: حركتهم وتصرفهم في معيشتهم الدنيا. - معجزين: فائتين من عذاب الله، ومعجز: اسم فاعل من أعجز، وأعجز غيره جعله عاجزا. المعنى الإجمالي: وتتابع هذه الآية سلسلة تهديد الكفار، حيث تنكر عليهم أن يأمنوا أن يأخذهم الله بالعذاب وهم يعملون وينتجون في كمال يقظتهم وانتباههم واجتماعهم. ورغم كل هذه اليقظة والحركة والقوة والاجتماع، فإن الكفار لن يفلتوا من عذاب الله . المعنى التفصيلي: - (يأخذهم) أي بالعذاب، وجاء التعبير عن الإهلاك بالأخذ؛ ليدل على أن هذا الإهلاك شامل لهم، ومتمكن منهم، فلن يفلت منهم أحد. نقول - ولله المثل الأعلى -: أخذت الشيء إذ حزته ولم يفلت منه شيء، وأخذ الكفار بالعذاب معناه: إحاطة العذاب بهم وتمكنه منهم، وعدم إفلاتهم منه. وانظر في قوله تعالى كيف عبر به عن الإهلاك بالأخذ: (فأخذهم أخذة رابية) (الحاقة: ١٠) (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (الأنعام: ٤٤). وانظر في قوله ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:١٠٢) (صحيح البخاري ج٤/ص١٧٢٦) فانظر كيف فسر النبي ﷺ الأخذ بشدة العذاب وتمكنه من الكفار، وعدم إفلاتهم منه. - (في تقلبهم) التقلب هو الانصراف والحركة؛ ولذا سمي القلب قلبا لكثرة تقلبه، أي حركته. والمقصود بالتقلب في هذه الآية هو: حركة الكفار في الدنيا من تجارة وسفر وعمل وغير ذلك. وتخصيص التقلب بالذكر؛ لأنه مظهر من مظاهر القوة والانتباه. - (فما هم بمعجزين) فهم برغم هذا التقلب والانتباه والقوة، فلن يعجزوا الله، بل سيحيط بهم العذاب. والجملة مأكدة بالباء الواقعة في خبر "ما" المشبهة بـ "ليس"، أي: لم يأت النص "معجزين" بل (بمعجزين).

стр. 54

(أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم) (٤٧) المفردات: - تخوف: خوف، أو تنقص (وللتوضيح انظر المعنى التفصيلي) المعنى الإجمالي: وتكمل الآية سياق تهديد الكفار بالعذاب، وتهددهم بنوع جديد من العذاب، وهو العذاب مع الرعب. ولكن الله لم يوقع العذاب الشامل بكفار قريش ومن عاصرهم؛ لأنه رؤوف رحيم. المعنى التفصيلي: - (يأخذهم) تقدم الكلام في الآية السابقة على دلالة هذا التعبير القرآني. - (على تخوف) التعبير بحرف الجر (على) يدل على تمكن عذاب الله من الكفار، فإذا وقع بهم فإنهم لن يفلتوا منه، بل هو محيط بهم أيما إحاطة! - (تخوف) له معنيان: المعنى الأول من الخوف، أي: يصيب الكفار الرعب قبل إيقاع العذاب بهم عن طريق إهلاك قوم قبلهم، أو عن طريق مشاهدتهم للصواعق والزلازل قبل وقوع العذاب، وهذا التخوف فيه عذاب وزيادة؛ لأن فيه زيادة رعب وخوف. والمعنى الثاني: وهو التنقص، أي: أن يأخذهم العذاب بشكل تدريجي، بأن يصيبهم المرض المهلك، فيموتوا بشكل تدريجي، أو يصيبهم القحط فيهلكوا بشكل تدريجي، وهذا الهلاك التدريجي فيه العذاب وزيادة، لأنه فيه زيادة رعب وخوف. والمعنيان واردان في تفسير كلمة (تخوف). - ولكن لماذا لم يوقع الله على من كفر بالنبي ﷺ من قريش ومن عاصرهم، لماذا لم يوقع الله سبحانه عليهم العذاب الشامل على اختلاف أنواعه المذكورة في هذه الآيات؟ والجواب عن هذا بقوله تعالى (فإن ربكم لرءوف رحيم)؛ أي؛ لأن الله رؤوف رحيم لم يوقع العذاب الشامل بكفار هذه الأمة. - (فإن ربكم لرءوف رحيم) وفي هذا الآية تأكيد بـ (إن) وباللام (لرؤوف) وفي هذا دلالة على عظيم هذه النعمة، فلو تصورنا أن الله آخذ الناس بظلمهم وكفرهم، لعلمنا عظم فضل الله سبحانه! - جاء التعبير بـ (فإن ربكم) بدل " إن الله " أو ما في معناه؛ لأن من معاني الرب المدبر لأمر عباده والراعي لشؤونهم، وفي إمهال الكفار وتأخير إيقاع العذاب بهم منتهى التدبير لمصلحتهم. فسبحان ربنا ما أرأفه وأرحمه! - قال تعالى: (فإن ربكم لرءوف رحيم) فما الفرق بين الرأفة والرحمة؟ الرأفة أرق من الرحمة، فقد يكون الأمر المكروه للمصلحة رحمة، كأن تقطع يد المريض لعلاجه، ويسمى هذا رحمة لا رأفة. ولكن الرأفة لا تكون في المكروه ولو كان مصلحة، قال تعالى (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) (النور: ٢) فجلد الزاني فيه مصلحة، ولكن الرأفة تمنع من جلده رغم المصلحة، فنهانا الله عن ترك الجلد لأجل الرأفة، لأن هذا الجلد - ولو كان شديدا - فيه مصلحة. - ولكن لماذا قدم ذكر الرأفة على الرحمة في الآية (لرءوف رحيم)؟ قدم ذكر الرأفة على الرحمة؛ لأن الرأفة تكون في دفع المكروه، والرحمة تكون في إيصال الخير، فقدمت الرأفة على الرحمة؛ لأن السلامة أولا ثم الغنيمة.

стр. 55

(أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) (٤٨) المفردات: - يتفيأ: يرجع. - ظلال: جمع ظل. - والشمائل: جمع شمال، والمقصود به الجهة التي تقابل اليمين. - داخرون: خاضعون. المعنى الإجمالي: بعد تهديد الكفار بالعذاب، تنكر هذه الآية على الكفار تعاميهم عن قدرة الله سبحانه، فهو الذي خلق لكل شيء ظلا يرجع من جهة إلى جهة، وكل هذه المخلوقات وظلالها منقادة وفق أمر الله . المعنى التفصيلي: - (أولم) الهمزة للاستفهام، ولكنه استفهام إنكاري، أي: كيف يرون هذا ولا يتعظون، ولا يعتبرون. - (يروا) المقصود بالرؤية هنا هي الرؤية البصرية، أي إن الكفار رأوا هذه القدرة الإلهية بعيون رؤوسهم، وعقلوا حقيقة ما رأوا، ولكنهم لم يتعظوا، ومن هنا يأتي الإنكار عليهم، فهم رأوا ولكن كأنهم لم يروا. - (من شيء) أي من أي شيء كان ولو تافها، و (من) هذه تسمى "من الاستغراقية" وهي من حروف التوكيد، تأكيدا على أن كل شيء خاضع لله . - (يتفيأ) أي يرجع، من "فاء" أي: رجع، فإن الشمس إذا طلعت كان الظل في جهة المغرب، ثم يبدأ ينتقل حتى يكون في جهة المشرق آخر النهار، فيكون هنا معنى (يتفيأ) هو: يرجع الظل من جانب إلى جانب. - الضمير في (ظلاله) يعود إلى (ما خلق الله من شيء)، وجمع "الظل" هنا؛ لأن الظلال متعددة بتعدد المخلوقات، لأن (ما خلق الله) جمع من جهة المعنى، وأفرد الضمير في (ظلاله)؛ لأن (ما خلق الله) مفرد من جهة اللفظ. - (عن اليمين والشمائل) أي: عن جانبي الأشياء. ولكن لماذا قدم ذكر اليمين على الشمال؟ يحتمل أن التقديم لليمين إنما هو لشرفه، وقد استقرأت الآيات القرآنية التي ذكرت فيها جهة اليمين مع الشمال، فوجدت أن تقديم ذكر اليمين على الشمال كان في كل الآيات، ولولا الإطالة لسردت الآيات، ولكن في هذه الإشارة غنية عن الإطالة. ولكن يحتمل أنه لشيء آخر؛ لأن الكلام عن ظاهرة كونية خلقها الله، فيحتمل أن يكون تقديم اليمين فيها مرتبط بشيء كوني، والله أعلم. ولماذا أفرد اليمين وجمع الشمال؟ للجواب عن هذا السؤال قرأت ما كتبه السابقون في هذا، وفكرت فيه مليا، ولكنني لم أجد الجواب الشافي الذي تطمئن إليه نفسي، ولذا فالله أعلم في الأولى والآخرة. - (سجدا لله) أي الظلال ساجدة لله ، وسجودها هو سجود تسخير وانقياد. وقيل: إن (سجدا) حال من الضمير في (ظلاله)، وهذا ضعيف؛ لأن الجمهور - كما ذكر أبو حيان - لا يجيزون مجيء الحال من المضاف إليه، وهذا مثل: جاءني غلام هند ضاحكة، بل الصحيح: جاءني غلام هند ضاحكا، فجاء الحال من المضاف لا المضاف إليه. والصحيح أن (سجدا) حال من الظلال لا الضمير، والمراد بسجودها هو خضوعها لله، وسيرها وفق مشيئته . - ما فائدة ذكر سجود الظلال لله سبحانه في هذا السياق مع أن خضوعها لله في حركتها ظاهر للعيان؟ الفائدة هي التعريض بالكفار الذين لا يسجدون لله، والإخبار بأن هذه الظلال خير منهم، فهي تعبد الله سبحانه، وهم لا يعبدون. - (وهم داخرون) أي خاضعون، والجملة حال من الضمير (ظلاله)، لأن الضمير في معنى الجمع، وجاء التعبير عنهم بجمع العقلاء؛ لأن العقلاء داخلون ضمن المعنى، وهم الجنس المقصود في الخطاب فغلبوا لأجل ذلك.

стр. 56

(ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (٤٩) المفردات: - يسجد: يتذلل ويعبد. - دابة: كل ماش على الأرض. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة خضوع المخلوقات التي تتطلع عليها الشمس على هذه الأرض، وسجود ظلالها لله ، تبين هذه الآية أن المخلوقات التي تسجد لله ليست هذه المخلوقات الأرضية المذكورة فقط، بل كل ما في السموات والأرض، بما في ذلك الدواب والملائكة. المعنى التفصيلي: - (ولله يسجد) قدم الجار والمجرور لقصر السجود على الله وحده، أي يسجدون لله وحده بلا شريك معه، وهذا فيه تعريض بالمشركين الذين يشركون مع الله ، وأن المخلوقات الساجدة لله في السموات والأرض هي خير من المشركين، فهم دون كل هذه الأشياء. - (يسجد) أصل السجود الانحناء والتذلل، وهو للإنسان والحيوان والنبات والجمادات. والسجود نوعان: سجود تسخير وسجود اختيار. فسجود التسخير، وهو سجود كل ما خلقه الله، وهذا نحو قوله تعالى (والنجم والشجر يسجدان) (الرحمن:٦) وسجود اختيار نحو سجود المسلمين لله باختيارهم وإرادتهم. والمقصود بالسجود في هذه الآية (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) هو سجود اختيار وسجود تسخير؛ لأن البشر يدخلون ضمن معنى "دابة"، ولذا فمنهم من يسجد لله اختيارا، وسيأتي في تفسير هذه الآية بيان أن البشر داخلون ضمن معنى "دابة". - لماذا جاء التعبير بـ (ما) التي تستخدم لغير العاقل في قوله تعالى (ما في السموات وما في الأرض)؟ جاء التعبير بـ (ما)؛ لأنها تستخدم للعاقل أيضا، كما في قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء:٣)، وكما في قوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف: ٥٣) وتكون (ما) للعاقل، إذا اشترك العاقل وغير العاقل في حكم واحد، كما في هذه الآية (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض) فقد اشترك العاقل وغير العاقل في حكم السجود لله. - وتقدم ذكر السموات على الأرض لأن السموات أعظم من الأرض، وما في السموات أكثر مما في الأرض، فقدم ذكر السموات وما فيهن، من باب التدرج من الأعلى للأدنى. - (من دابة) أي كل دابة في الأرض فإنها تسجد لله، و (من) هذه هي الاستغراقية، وهي من أحرف التوكيد. - وجاء التعبير بالمفرد (دابة) مع أن المراد الجمع؛ ليكون أدل على أن كل فرد من الدواب مقصود بالحكم. - (من دابة) جاء في المعاجم اللغوية أن كل ما مشى على الأرض دابة، وارجع إلى " دبب" في (تاج العروس من جواهر القاموس) لمرتضى الزبيدي؛ لترى أن الدابة تطلق على العقلاء أيضا، ولكن في السياق القرآني قد يقصد بالدابة كل ما دب على الأرض ومن ضمنه الإنسان، وهذا كقوله تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) (فاطر:٤٥)، وقد يقصد كل ما دب على الأرض دون الإنسان، كقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (الأنعام:٣٨) فالدابة هنا غير الإنسان بقرينة (إلا أمم أمثالكم). - قدم ذكر (من دابة) على (والملائكة) حتى لا يقع الفصل بين ذكر "الأرض" وذكر "الدابة" لاتصالهما في المعنى، أي ليكون السياق (وما في الأرض من دابة). وأيضا لأن ذكر "الملائكة" بعد ذكر (من دابة) مناسب للسياق؛ لأن الكلام الذي بعد ذكر الملائكة جاء متصلا بموضوع الملائكة (والملائكة وهم لا يستكبرون (٤٩) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (٥٠)) فجاء ذكر (من دابة) متصلا بما قبله، وذكر (والملائكة) متصلا بما بعده، ولو عكسنا الأمر في - غير السياق القرآني - بأن ذكرنا (والملائكة) أولا و (من دابة) ثانيا لانقطع السياق، وذهب جمال النص، بل لأصبح نصا ركيكا. - (وهم لا يستكبرون) وخص ذكر عدم الاستكبار بالملائكة تعريضا بالكفار؛ لأن الملائكة العلويين النورانيين أصحاب القدرات الخارقة بالنسبة لكم أيها المشركون لا يستكبرون عن عبادة الله، وأنتم البشر الضعفاء تستكبرون!

стр. 57

(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) (٥٠) المعنى الإجمالي: هذه الآية تكملة لمعنى الآية السابقة، والتي انتهت بقوله تعالى (والملائكة وهم لا يستكبرون). وتبين هذه الآية أن الملائكة الكرام يخافون ربهم، وأنهم لا يعصون الله في شيء، بل يقومون بكل ما يأمرهم الله به. المعنى التفصيلي: - لم تعطف هذه الآية على الآية السابقة رغم الارتباط الوثيق بينهما، وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، حيث إن هذه الآية بيان لما كان في الآية السابقة، وتأمل معي - حفظك الله - الارتباط الوثيق بين الآيتين (والملائكة وهم لا يستكبرون (٤٩) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون). ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل". - (يخافون ربهم) لماذا تخاف الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم؟ علينا أن نعرف أن الخوف أنواع، فهناك نوع من الخوف منشأه فعل الخطأ، وهناك نوع من الخوف منشأه توقع عمل الخطأ، وهناك نوع من الخوف منشأه الإجلال والتعظيم، وخوف الملائكة إنما هو خوف إجلال وتعظيم لله . والخوف من الله نعمة عظيمة، ألا ترى أن الخوف من الله عد نعمة على الرجلين اللذين كانا من قوم موسى ﵇ (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: ٢٣) ومعنى (يخافون أنعم الله عليهما) أي أنعم الله عليهما بالخوف منه ؛ لأن الخوف من الله - لنا البشر - صمام أمان وضابط خير يحجزنا عن الوقوع في المعاصي؛ ولذا فعلى المسلم أن يحرص على استشعار مراقبة ربه؛ لأن هذا الاستشعار يورث الخوف منه سبحانه، ومن الحكمة أن نعلم أن من خاف فاز. - جاء التعبير بـ (ربهم) مع أن السياق سياق إخبار عن خوف الملائكة من الله سبحانه؛ وذلك لأن من معاني الرب الراعي لخلقه، ولذا فهم يخافون ربهم الذي خلقهم وأنعم عليهم ورعاهم. - (من فوقهم) هل هي فوقية مكانة أم فوقية علو بذاته سبحانه عن خلقه؟ فوقية المكانة له سبحانه لا ينازع فيها أحد، وهي ظاهرة معلومة حتى لكفار مكة ومن كان مثلهم، ولكن يستنبط من الآية أيضا أن الله له الفوقية العليا، أي العلو المطلق فوق الخلق، بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. قال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (١٦) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (١٧)) (الملك) وقال تعالى (ثم استوى على العرش) (الأعراف:٥٤) والاستواء إذا اقترن بحرف "على " دل على العلو، وذلك كقوله تعالى (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) (الزخرف: ١٣) (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) (القصص: ٣٨) فمن أين علم فرعون أن الله في السماء؟! إنه علم ذلك من إخبار موسى ﵇ بذلك؛ والدليل على هذا قوله تعالى حاكيا قول فرعون (وإني لأظنه من الكاذبين) أي فيما أخبر أن الله في السماء، وتأمل السياق جيدا، فسيتضح لك الأمر أكثر. وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات (البخاري:٦٨٧٠) وقال النبي ﷺ للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة (مسلم:٨٣٦) والأدلة على هذا كثيرة، بل قد صنف العلماء في هذا كتبا مستقلة علاوة على بحث المسألة في كتب العقيدة، أذكر من هذه الكتب: - إثبات صفة العلو لابن قدامة المقدسي. - العلو للعلي الغفار للذهبي والكتب القديمة والحديثة من الكثرة بمكان، ويكفي ما ذكرت على سبيل المثال. - حرف (من) في قوله تعالى (من فوقهم) يدل على فوقية الذات، وهذه الفوقية فوقية ليس كمثلها شيء، وهذا كقوله تعالى (فخر عليهم السقف من فوقهم) (النحل: ٢٦)، وكقوله تعالى (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين) (الأعراف: ٤١)، وكقوله تعالى (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) (العنكبوت: ٥٥) وغير ذلك من الآيات. - (ويفعلون ما يؤمرون) أي ما يأمرهم الله به، ولم يأت النص كما في قوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (التحريم: ٦)؛ لأن قوله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) مقابل لقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم)؛ لأن خوف الملائكة من الله خوف عصمة، فهم لا يخطئون، وكذلك فإنه يلزم من فعلهم ما يؤمرون به أنهم لا يعصون الله. ولكن ما هو الأبلغ في الطاعة (لا يعصون الله ما أمرهم) أم (ويفعلون ما يؤمرون)؟ الأبلغ في الطاعة هو (ويفعلون ما يؤمرون)؛ لأن العبد قد يؤمر بعمل معين، وقد لا يفعله ولا يكون من عاصيا؛ لأن تركه للفعل قد يكون بعذر، ولكن الملائكة يفعلون كل ما يأمرهم الله به ولا يقعون في العجز، وهذا أبلغ في الطاعة. - وعند نهاية الآية هناك سجود تلاوة؛ ليكون المؤمن في زمرة الساجدين لله وحده.

стр. 58

(وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون) (٥١) المفردات: - إله: معبود. - ارهبون: خافوني، والرهب هو: الخوف مع الاضطراب والحذر. المعنى الإجمالي: وتتابع الآية رد عقائد الكفار الباطلة، وتقرير قواعد التوحيد الخالص الصافي. فقد نهانا الله عن أن نشرك به شيئا؛ لأنه لا إله في الوجود إلا هو، وعلى الناس أن يخافوا الله وحده؛ لأنه الواحد الأحد. المعنى التفصيلي: - وجاء النص (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) ولم يأت النهي وحده "لا تتخذوا إلهين اثنين " دون جملة (وقال الله)؛ لأن جملة (وقال الله) تأكيد على عظيم خطر الشرك، وأن الله هو صاحب الشأن، وصاحب الحق في التوحيد، فانظروا عظيم العقاب عند مخالفته . - أكدت صيغة التثنية (إلهين) بلفظ (اثنين)؛ لأن النهي ليس لتعدد الآلهة فقط، وإنما هو نهي يقصد به صورة معينة من الشرك، وهو شرك التثنية الذي اعتنقه المجوس وانتقل إلى بعض العرب. - (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) وإذا نهى الله عن اتخاذ إلهين اثنين، فإنما ينهى عن اتخاذ ما زاد على ذلك بالأولى. - (إنما هو إله واحد) لا اثنين، وهذا الإله الواحد هو الله لا شريك، وجاء الإخبار عن توحيد الله مؤكدا بـ (إنما)؛ لأن المشركين منكرين لتوحيد الله، فأكد لهم التوحيد ليقرع آذانهم، لعله يقرع قلوبهم. - (إنما هو إله واحد) قصر فيه الموصوف على الصفة، والموصوف هو: الله ، والصفة هي توحد الإلهية، أي: الله مختص بصفة توحد الإلهية. ولو جاء القصر في غير التنزيل "إنما الإله الواحد هو الله " لكان ردا على من ظن أن الإله الواحد هو غير الله، أي "إنما الإله الواحد هو الله " لا غيره، ولكن جاء النص بـ (إنما هو إله واحد)؛ لأنه رد على من ظن أنه اثنين، أي (إنما هو إله واحد) لا اثنين. - وقد حصر الله الرهبة منه على نفسه بقوله: (فإياي فارهبون)، أي: ارهبوني وحدي ولا ترهبوا معي أحدا، وفهم هذا الحصر من تقديم المفعول به (إياي). - وهناك آيات أخرى أمرت بخشية الله وحده، أذكر منها: قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) (التوبة: ١٨). وقوله تعالى (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) (الأحزاب: ٣٩) فعلى المسلم أن لا يخشى إلا الله؛ لأن الضر والنفع بيد الله وحده لا بيد أحد غيره. - وفي الآية التفات من الغيبة (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد) إلى المتكلم (فإياي)، ولم يأت النص "فإياه فارهبوا"؛ لأن الالتفات من الغيبة إلى التكلم يدل على كمال الاعتناء بالأمر، كيف لا، والأمر هو أمر توحيد الله؟! وكأن الله يقول لهم: أنا ذلك الإله الواحد فارهبوني. - والفاء في قوله تعالى (فإياي) هي فاء العطف، وتحمل معنى السببية، أي ارهبوا الله؛ لأنكم علمتم أن الله هو الإله الواحد. - واقترن حرف الفاء بـ (فارهبون)؛ لأن المفعول به، وهو الضمير المنفصل "إياي" معمول لفعل مقدر بعده، أي: إياي ارهبوا، أي ارهبوني وحدي، وعلى هذا يكون التقدير: إياي ارهبوا فارهبوني، أي: أمرتكم أن ترهبوني وحدي فارهبوني كما أمرتكم. - وقع تأكيد النهي عن الشرك في الآية بعدة أنواع من التأكيد: ١ - عن طريق التصريح بلفظ الجلالة (وقال الله). ٢ - وعن طريق النهي الصريح (لا تتخذوا إلهين اثنين). ٣ - وبـ "إنما" التي تفيد التأكيد والقصر (إنما هو إله واحد). ٤ - والقصر عن طريق تقديم المفعول به (فإياي فارهبون).

стр. 59

(وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون) (٥٢) المفردات: - الدين: أصل الدين الطاعة والجزاء. - واصبا: واجبا دائما. المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة أن الله واحد، وأن الواجب على الخلق أن يخافوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا. وتبين هذه الآية الأمور الموجبة لتوحيد الله بالعبادة، وتوحيده بالرهبة، وذلك لأن الله سبحانه يملك السموات والأرض وما فيهن، وأن الطاعة والانقياد والجزاء على الدوام له وحده، ولذا فعلى الخلق أن يوحدوا الله ولا يشركوا به شيئا. المعنى التفصيلي: - (وله ما في السموات والأرض) تقدم ذكر الجار والمجرور (له) ليدل على اختصاص ملك السموات والأرض به ، وأنه لا ينازعه في ملكها منازع. - ولكن ما علاقة ذكر ملك الله للسموات والأرض بالنهي عن الشرك؟ العلاقة هي أن الله سبحانه يملك الوجود، ولذا فله الحق بتوحيده بالعبادة والرهبة، وأن الذين يشركون بالله إنما يشركون معه من لا يملك حتى ذاته؛ لأنه ضمن ملك الله سبحانه، فهل يعقل أن يشرك مع الله من يملكه!! - (وله ما في السموات والأرض) لماذا جاء التعبير بـ (ما) التي تستخدم لغير العاقل في قوله تعالى (ما في السموات والأرض)؟ جاء التعبير بـ (ما)؛ لأنها تستخدم للعاقل أيضا، كما في قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء:٣)، وكما في قوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف: ٥٣) ومن الحالات التي تكون فيها (ما) للعاقل، إذا اشترك العاقل وغير العاقل في حكم واحد، كما في قوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض) (النحل: ٤٩) فقد اشترك العاقل وغير العاقل في حكم السجود لله. وفي هذه الآية يشترك العقلاء وغير العقلاء في حكم أنهم كلهم ملك لله وحده. - وتقدم ذكر السموات على الأرض؛ لأن السموات أعظم من الأرض، وما في السموات أكثر مما في الأرض، فقدم ذكر السموات وما فيهن، من باب التدرج من الأعلى للأدنى. - (وله الدين واصبا) قدم الجار والمجرور (له) ليدل التقديم على اختصاص الطاعة والجزاء بالله، وأن الطاعة والجزاء لا يكونان إلا لله وحده. - ومعنى (الدين) الطاعة كقوله تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا) (النساء ١٢٥) أي: ومن أحسن طاعة. ويأتي (الدين) بمعنى الجزاء، كقوله تعالى (مالك يوم الدين) (الفاتحة: ٤) أي: يوم الجزاء. وقد استعير (الدين) للشريعة؛ لأن الشريعة طاعة وجزاء. - (واصبا) دائما لازما لا يزول، ولذا يقال عن الصحراء التي لا تنتهي: صحراء واصبة، أي دائمة لا تنتهي، والوجع في البدن إن كان مؤقتا فإنه يسمى "ألما"، ولكنه إن دام واستمر فإنه يسمى "وصبا". فلله وحده الدين الدائم، ولا يشاركه فيه أحد، فكيف يتخذ مع الله شريك؟! - (أفغير الله تتقون) الهمزة للاستفهام، وهذا الاستفهام استفهام إنكاري، وذلك لأن الطاعة لا تكون إلا لله وحده، وأن الجزاء لا يكون إلا لله وحده، وأن السموات والأرض وما فيهن لله وحده، فكيف يعبد ويتقى أحد مع الله ؟! ومعنى (تتقون) أي تخافون؛ لأن الخوف منشأ التقوى. - جاء التعبير بأسلوب الخطاب (تتقون) ولم يأت بأسلوب الغيبة "يتقون"؛ لأن التأثير والمواجهة في أسلوب الخطاب أوضح منها في أسلوب الغيبة، فجملة (أفغير الله تتقون) تهديد للكفار المشركين، فناسب أسلوب الخطاب سياق التهديد.

стр. 60

(وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون) (٥٣) المفردات: - مس: لمس. - تجأرون: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة. المعنى الإجمالي: وتتابع الآية بيان الأمور الموجبة لتوحيد الله ؛ واربط الآية بسياق الآية السابقة لتعلم الرابط بين هذه الآية وما سبقها، يقول تعالى (أفغير الله تتقون (٥٢) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون). أي كيف تتقون غير الله وكل نعمة بكم هي من الله، ورفع البلاء بيد الله، فكيف تعبدون معه غيره؟! المعنى التفصيلي: - (وما بكم) يحتمل أن تكون الواو للحال، أي: فكيف تتقون غير الله وحالكم أنه ما بكم من نعمة إلا من الله وحده. - و (ما) في قوله تعالى (وما بكم) شرطية، وفعل الشرط محذوف، ويكون التقدير "وما يكن بكم"، ويحتمل أن تكون (ما) اسما موصولا، والشرط أقرب؛ لأنه يفيد الجزم. - والباء في (بكم) للملابسة، أي: كل ما يلابسكم ويصاحبكم من النعم. - (من نعمة) أي: أي نعمة كانت ولو صغيرة جدا، وهذا مستفاد من (من) والتي تفيد التوكيد في هذا السياق، و (من) هذه تسمى في البلاغة بـ (من) الاستغراقية. وإذا قلنا: إن (ما) شرطية فإن (نعمة) تدل على العموم؛ لأن النكرة في سياق الشرط عموم، وإذا قلنا: إن (ما) اسم موصول، فإن الاسم الموصول يدل على العموم أيضا، و (من نعمة) لبيان إبهام الاسم الموصول (ما). - (فمن الله) الفاء واقعة في جواب الشرط، و (من) ابتدائية، أي أن هذه النعم وصلت إليكم من الله. - (ثم إذا مسكم الضر) (ثم) ليست للتراخي الزمني بل للتراخي الرتبي، لأن بين الحالين بعد، فالحال الأولى هي حال إنزال النعم، والحال الثانية هي حال مس الضر، وما بينهما من البعد واضح. - (إذا) في قوله تعالى (إذا مسكم الضر) شرطية، و (مسكم) بمعنى "لمسكم" والمس هو الإصابة اليسيرة، أي أن الإنسان لا يتحمل - رغم كل هذه النعم - أن يصيبه الضر ولو شيئا يسيرا. - (الضر) هو الأسقام والأوجاع والقحط والزلازل والحاجة والفقر، وغير ذلك من الأمور التي يعلم نظيرها القاصي والداني. - (فإليه تجأرون) الفاء واقعة في جواب (إذا)، و (تجأرون) ترفعون أصواتكم بالدعاء، والجؤار: الصراخ. - قدم الجار والمجرور (إليه) في قوله تعالى (فإليه تجأرون)؛ للدلالة على اختصاص التوجه بالاستغاثة إلى الله وحده دون شركائهم. والتوجه إلى الله عند الشدائد، فطرة في النفس الإنسانية التي خلقها الله ، لأننا نعلم في قرارة أنفسنا أننا ضعفاء وأن الله هو القوي، ولأجل هذا فإننا نلتجئ إلى الله في الشدائد.

стр. 61

(ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون) (٥٤) المعنى الإجمالي: بينت الآية السابقة أن المضطرين لا يتجهون بالدعاء إلا إلى الله ، وهم من شدة تعلقهم بالله يجأرون بالدعاء إليه، أي يرفعون أصواتهم، ولكن العجيب في الأمر أنه وبعد أن يكشف الله عنهم الضر، يشرك فريق منهم بالله. المعنى التفصيلي: - (ثم) في قوله تعالى (ثم إذا كشف الضر عنكم) للترتيب الرتبي، وليس للتراخي؛ لأن كشف الضر قد يكون فوريا دون تراخ، وجيء بـ (ثم)؛ لأن الفرق عظيم بين الجملة الأولى (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون) والجملة المعطوفة (ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون)، والفرق العظيم يتضح بالمقارنة بين صورة من يجأر إلى الله بالدعاء ليكشف عنه الضر، وصورة من يشرك بالله بعد أن يكشف الله عنه الضر. - (إذا كشف الضر عنكم) (إذا) هنا هي (إذا) الشرطية، وذكر الجار والمجرور (عنكم)، علما بأن السياق يدل على الجار والمجرور ولو لم يذكر؛ وذلك زيادة في بيان أن كشف الضر كان لأجلكم أنتم، ولم يكن كشفا عن أحد غيركم. - (إذا فريق منكم) (إذا) هنا هي (إذا) الفجائية، والتي لها دلالة على عجيب رد فعل المنعم عليهم، حيث قابلوا الإنعام بالجحود. - التعبير بـ (فريق) يدل على أن من الداعين لله من يشكر الله على نعمه. - وذكر الجار والمجرور (منكم) في قوله تعالى (إذا فريق منكم)، رغم دلالة السياق عليه، زيادة في بيان بشاعة فعلتهم أن أشركوا بالمنعم عليهم بدل أن يشكروه. - (بربهم يشركون) قدم الجار والمجرور (بربهم)؛ لإبراز بشاعة هذا الشرك، وأنه ليس أي شرك، بل هو شرك مع الله . - وزيادة في بيان بشاعة هذا الشرك جاء التعبير بـ (بربهم) ولم يأت بـ" الله" أو غير ذلك من أسماء الله ؛ لأن من معاني الرب الراعي لعباده، وانظر بشاعة أن يشرك العبد بمن خلقه ويرعاه ويرزقه. - بل وأضيف الضمير "هم" إلى لفظ "الرب" زيادة في بيان أن هذه الرعاية من الله مختصة بهم؛ لأنه ربهم هم، فهو راعيهم هم، وخالقهم هم، ومحييهم هم، ورغم ذلك هم بذاتهم يشركون بمن نعمه عليهم، فسبحان الله ما أحلمه وأعظمه!

стр. 62

(ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون) (٥٥) المفردات: - آتيناهم: أعطيناهم. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة أن الكفار يشركون بالله بعد أن أنعم عليهم وكشف عنهم الضر، تهدد هذه الآية الكفار بسبب إشراكهم بالله، وبأنهم سوف يعلمون سوء عذابهم، وهذا العذاب سوف يأتيهم رغم تمتعهم في الدنيا، وعدم شعورهم بالعذاب القادم. المعنى التفصيلي: - أذكر بعض الآيات القريبة من معنى هذه الآية وما قبلها: ١ - (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (٦٥) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) (٦٦)) (العنكبوت) ٢ - (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (٣٣) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (٣٤)) (الروم) - اللام في (ليكفروا) هي لام الأمر، وهذا الأمر للتهديد، أي اكفروا بما آتيناكم فإنكم ستجزون على هذا الكفر أشد الجزاء. وقيل اللام هي لام العاقبة، أي لام النتيجة، أي عاقبة شركهم أنهم يجحدون نعمة الله عليهم، أي نتيجة هذا الإشراك هي كفران نعمة الله وجحودها. والقول بأن اللام لام العاقبة بعيد؛ لأن الشرك بحد ذاته كفر بالنعمة، فكيف يكون كفر النعمة عاقبة للشرك. - (بما آتيناهم) (ما) اسم موصول، يتضمن تعظيم النعمة، ويلزم عن تعظيم النعمة في هذا السياق تعظيم كفرانها، ولذا فالتعبير بالاسم الموصول - هنا - يدل على فظاعة جحود الكفار لنعمة ربهم. - (آتيناهم) أي أعطيناهم من النعم والإكرام، ورفعنا عنهم الضر والبلاء. - أسند الفعل (آتيناهم) إلى الله بضمير الجمع "نا"، الذي يدل على التعظيم، ولم يأت النص بـ " أوتوا" أو " آتيتهم" بل جاء مسندا إلى الله بصيغة التعظيم؛ لأن تعظيم الإعطاء يدل على تعظيم المعطى، فإذا كان الإعطاء عظيما، كان المعطى من النعم عظيما أيضا. - (فتمتعوا) أي بهذه الدنيا، وهذه الصيغة هي صيغة أمر (فتمتعوا)، ولكن يقصد بها تهديد الكفار، بأن قيل: لهم تمتعوا في الدنيا كما تشاؤون فالعذاب قادم وسوف تعلمون. - وقع في الآية التفات من الغيبة (ليكفروا بما آتيناهم) إلى الخطاب (فتمتعوا فسوف تعلمون)؛ زيادة في التهديد؛ لأن أسلوب الخطاب أبلغ في التهديد. - (فسوف تعلمون) أي: سوء عاقبتكم، ولم يأت التعبير بـ "ستعملون"؛ لأن السين - كما يقول بعض النحويون - تدل على الوقوع في الزمن القريب، بينما " سوف" تدل على الوقوع في الزمن البعيد، وتدل الـ"السين" و"سوف" على التأكيد، إذا دخلتا على مضارع يدل على وعد بالخير، أو وعيد بالعذاب وأمثاله.

стр. 63

(ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون) ... (٥٦) المفردات: - تفترون: تدعون الكذب. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة فظائع أعمال الكفار ومخازيهم، وآخرها دعاء الكفار ربهم في الشدة والإشراك به في الرخاء، تبين هذه الآية نوعا آخر من أنواع هذه الفظائع وهذه المخازي، وهو تقديم نعم الله قرابين للأصنام التي لا تنفع ولا تضر. ويتوعد الله هؤلاء المشركين بالعذاب على ما يدعونه من الكذب بأن لله شريكا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. المعنى التفصيلي: - ومعنى هذه الآية قريب من معنى قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (الأنعام:١٣٦). - وذكرت الآية أنهم يجعلون للشركاء نصيبا، ولم تذكر أنهم أيضا يجعلون لله نصيبا آخر، مع أن هذا هو الواقع؛ لأن المعنى المراد هو إنكار ما عليه الكفار من الشرك، وليس وصف الواقع لأجل المعرفة التاريخية فقط. - وجاء التعبير بالمضارع (يجعلون) للدلالة على تجدد صورة الشرك هذه على مر العصور والدهور، وما زال الشرك في الأرض إلى يومنا هذا، وما زال المشركون يقدمون القرابين لأصنامهم، وما البوذيون وغيرهم من المشركين في الأرض من ملايين البشر إلا مثال على تجدد هذه الصورة من الشرك. - (لما لا يعلمون) أي الأصنام، ومفعول (يعلمون) محذوف، ويفهم من الاسم الموصول "ما"، والتقدير: لما لا يعلمونه. وجاء التعبير عن الأصنام بهذا التعبير (لما لا يعلمون)؛ تسخيفا لعقول الكفار بأنهم يعبدون ما لا يعلمون أن له حقا في العبادة، بل يفترون هذا الحق من عند أنفسهم، وهذا كقوله تعالى (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (النجم:٢٣) فهم يتبعون الظن الفاسد، ولا يتبعون العلم، ولذا يعبدون ما لا يعلمون حقيقته. - (نصيبا) أي حظا، وأصل كلمة "نصيب" من الفعل "نصب"، ونصب الشيء جعله ناتئا، ولذا فإن "النصيب" حظ منصوب ظاهر معين. وبيان هذا النصيب في قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (الأنعام:١٣٦). - (مما رزقناهم) أي: "من ما رزقناهم"، و "من" هنا تبعيضية؛ لأنهم لا يجعلون كل ما رزقهم الله لشركائهم، بل يجعلون بعضه. - وفي قوله تعالى (مما رزقناهم) بيان لعظيم كفران المشركين لنعم الله، فالله يرزقهم، وهم يقدمون هذا الرزق لما لا يرضى، وإنها لمفارقة كبيرة، وإنهم لجاحدون كافرون، يقابلون الإحسان بالكفران، فحسبهم جهنم وبئس المصير. - جاء التعبير بإسناد الفعل "رزق" إلى الله على سبيل التعظيم (رزقناهم) وليس "رزقتهم"، وبأسلوب المتكلم (رزقناهم) وليس بأسلوب الغيبة "رزقهم الله"؛ لبيان أن هذا الرزق من العظيم المنعم المتفضل، ولكنهم لم يعرفوا له حقه؛ لسفاهة عقولهم، وقحة أخلاقهم. - (تالله لتسألن عما كنتم تفترون) هذا تهديد للكفار، وجاء الالتفات من أسلوب المتكلم (رزقناهم) إلى أسلوب الخطاب (لتسألن عما كنتم تفترون)؛ لما مر غير مرة بأن أسلوب الخطاب أعظم في التهديد؛ لما يحمل في معناه من المواجهة وتقصير المسافة المشعرة - في مثل هذا المقام - بالخوف لمن كان له قلب. - صدر التهديد بالقسم (تالله) من باب تعظيم التهديد وتشديد الوعيد، وجاء الفعل (لتسألن) مؤكدا أيضا من باب التشديد في التهديد والوعيد. - (تفترون) أي تدعون الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فهم يفترون على الله الكذب، أي يقطعون به، وليس مجرد تكذيب في سياق التفكير والبحث عن الحق. والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر إلى قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب) (النساء:٥٠) (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) (المائدة: ١٠٣) وغير ذلك من الآيات. ووجه الشاهد أن الافتراء استعمل في الكذب، ولكنه ليس الكذب؛ لأنهم يفترون الكذب، والافتراء في أصله هو القطع. وافتراء الكفار الذي سيسألون عنه، هو قولهم: إن لله شركاء، ساء ما يقولون.

стр. 64

(ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (٥٧) المعنى الإجمالي: عرضت الآيات السابقة أنواعا من جرائم الكفار ومخازيهم، وتعرض هذه الآية نوعا آخر من هذه الأنواع، وهو زعم الكفار أن لله بنات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وزيادة على ذلك فإنهم يريدون لأنفسهم ما يشتهون من الأبناء الذكور؛ لأنهم لا يحبون البنات. والله ليس له ولد لا من الإناث ولا من الذكور. المعنى التفصيلي: - (ويجعلون) الواو للعطف، والجملة معطوفة على قوله تعالى (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا). ومعنى (يجعلون) هو النسبة بالقول، أي وينسبون البنات لله. - (ويجعلون لله البنات) قدم الجار والمجرور (لله) زيادة في إنكار ما يزعمه الكفار، لأن بشاعة نسبة الذرية لله تكمن في مجرد النسبة له سبحانه، ولا تكمن في كونها بنات، لأن الله ليس له بنات كما ليس له أبناء. فلو قلنا في غير التنزيل " ويجعلون البنات لله" لاتجه الإنكار إلى كون المنسوب إلى الله هو البنات، وأما عند تقديم الجار والمجرور (لله) كما في الآية (ويجعلون لله البنات) فإن الإنكار يتجه إلى مجرد نسبة الذرية لله بغض النظر عن كونها بنات أو أبناء، لأن الله منزه عن الذرية. - وهذه البنات المزعومات هي الملائكة، قال تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء:٤٠). - (سبحانه) جملة معترضة، جاءت مباشرة لتنزيه الله عن هذا الجعل الكفري، بأن جعلوا لله البنات سبحانه. و" سبحان " مصدر نحو غفران، أي تنزيه الله عما لا يليق به من الصاحبة والشركاء وجميع النقائص، أي تبعيده عنها . وأصل السبح هو: المر السريع، ومنه يستعار الابتعاد؛ لأن الابتعاد قد يكون نتيجة للمر السريع، لأن معنى تسبيح الله في المعاجم اللغوية، هو تنزيه الله، والتنزيه هو: التبعيد، نقول نزه نفسه عن السوء أي: أبعدها. - (ولهم ما يشتهون) أي: ولكنهم يريدون لأنفسهم غير ما يريدونه لله، حيث يريدون لأنفسهم ما يشتهون من الأبناء الذكور، لأنهم يكرهون البنات، فجعلوا لله ما يكرهون ولهم ما يريدون، قال الله تعالى (ويجعلون لله ما يكرهون) (النحل:٦٢). وتأتي الآية التالية لتبين حال الكفار عندما يرزقهم الله بما لا يشتهون من البنات (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم) (٥٨) - قدم الجار والمجرور وهو (لهم) في قوله تعالى (ولهم ما يشتهون) من باب التهكم بهم والاستخفاف بقدرهم، فهم غثاء لا قيمة لهم، يتصدرون لهذا المقام البغيض بأن جاهروا الله العداء، ونسبوا له ما يكرهون من البنات.

стр. 65

(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم) (٥٨) المفردات: - كظيم: حابس للغيظ. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآية السابقة ما زعمه الكفار من أن الله اصطفى الإناث وجعلهن بنات له، تبين هذه الآية والتي بعدها المفارقة العظيمة التي وقع فيها الكفار، وهي أنهم ينسبون البنات لله، وفي الوقت نفسه لا يرضون البنات لأنفسهم، فتصف هذه الآية حال الكفار عندما يخبرون بولادة أنثى لهم. وهذه الحال هي أنه المبشر من الكفار بالأنثى يسود وجهه ويمتلئ غيظا. المعنى التفصيلي: - (وإذا) الواو حالية، أي حال هؤلاء الكفار الذين ينسبون لله البنات أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى اسود وجهه وتشقق قلبه. - وجاء التعبير في الآية (وإذا بشر أحدهم) - علما بأن المشركين لا يعتبرون الإخبار بولادة الأنثى تبشيرا - لأن هذا هو الأصل في ولادة الأنثى، فهذه الأنثى أنس لأهلها، تحبهم وترعاهم، وتخدمهم وتدعو لأبويها بالخير، ولكن العجيب أن هذا الخير الذي يستحق البشارة يصبح وجه صاحبه أسود، أتعرفون متى يسود الوجه؟ إنه لا يسود لأي انفعال أو غضب، بل يسود الوجه لنزول مصيبة تقصم الظهر، وتفسد العمر، ولكن يسود هذه الوجوه عند أهل الجاهلية بسبب التبشير بالأنثى. وأما قوله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة: ٣٤) فهذا من باب التهكم بالكفار، والاستهزاء بهم. - بني الفعل (بشر) لما لم يسم فاعله؛ لأن تعيين الفاعل غير مهم، بل المهم هو بيان رد فعل المبشر على البشارة بالأنثى، وليس تعيين من يقوم بالتبشير. - (أحدهم) أي أحد الكفار المخاطبين بالآيات ابتداء، وجاء التعبير بـ (أحدهم) ليدل على أن حال الكفار واحدة، لأن التبشير بالأنثى لأي أحد من الكفار بدون استثناء يوقعه في هذه الحال السيئة. إذن، فالتعبير بـ (أحدهم) تنصيص على كل أفراد الكفار، للدلالة على عدم تخلف أحد منهم عن كره التبشير بالأنثى. - (بالأنثى) أي بولادتها. - الفعل (ظل) يفيد اتصاف الاسم بالخبر طوال النهار (ظل وجهه مسودا) أي يبقى الوجه مسودا طوال النهار. ولو قلنا في غير التنزيل "بات وجهه مسودا" فإنه يفيد اتصاف الوجه بالاسوداد طوال البيات. وقيل (ظل) بمعنى "صار" أي تحول وجهه من حال إلى حال. وإذا كان معنى (ظل) اتصاف الاسم بالخبر طوال النهار، فهذا يدل على عظيم التأثر والحزن بولادة الأنثى لطول زمن التأثر. وإذا كان معنى (ظل) هو: صار، فهذا يدل - أيضا - على عظيم الحزن الذي أورثه التبشير بالأنثى؛ لأن تحول الوجه من حال إلى حال لا يكون إلا بالتأثر العظيم. والذي أراه أن تفسير (ظل) على أصلها، وهو طول مدة الحزن أبلغ من التفسير بـ "صار"؛ لأن التفسير بطول الزمن يتضمن تحول الوجه إلى الاسوداد، ولكن تحول الوجه إلى الاسوداد لا يتضمن طول زمن الاسوداد؛ لأن الوجه قد يتحول عن حالته ويرجع سريعا إلى ما كان عليه، فـ "ظل" هنا تتضمن "صار"، و"صار" لا تتضمن "ظل". - (مسودا): ومن المعلوم أن الوجه يتعكر بالحزن والاكتئاب ولا يصبح لونه أسود، ولكن عبر عن الوجه بأنه مسود؛ لأن الحالة الحاصلة ليست حالة حزن عادية، بل هي مصيبة قاصمة للظهر، عظيمة أيما عظمة، وفي مثل المصائب العظيمة ترى الوجوه من شدة احتقان الدم فيها سوداء، فالكفار إذن، لم يكونوا يحزنون حزنا عاديا عندما تولد لهم الأنثى، بل كانوا يحزنون أعلى درجات الحزن. - (وهو كظيم) حال من صاحب الوجه، أي أن حال صاحب الوجه ظاهرا مسود، وفي باطنه شدة عظيمة من حبس الغيظ. وقيل (وهو كظيم) حال من الوجه، وهذا بعيد؛ لأن المناسب أن يوصف الوجه بالاسوداد، وأن توصف النفس بالكظم؛ لأن معنى "كظم الغيظ": حبسه وقد امتلأ غيظا؛ يقال: كظم السقاء: شده بعد ملئه مانعا لنفسه، وها وصف للنفس الإنسانية وليس للوجه. - وجاء التعبير بالآية ب (كظيم) بعد بيان اسوداد الوجه؛ ليظهر لنا سبب هذا السواد، إنه بركان يغلي في القلب من الغضب. - لقد كان أهل الجاهلية يغضبون غضبا عظيما إذا رزق أحدهم بأنثى، كانوا يغضبون على زوجاتهم وعلى حالهم وعلى نصيبهم وقدرهم، إنهم كانوا جهلاء في جاهلية، ظلمة لا يعطون كل ذي حق حقه. ومن عجيب ما حصل في زمننا أن بعض المسلمين إذا بشر بالأنثى صار وجهه مسودا من الحزن، وقلبه كظيما من الغيظ، وانقلب حزنه وغيظه على زوجته وأولاده ومن حوله، فسبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة!

стр. 66

(يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) (٥٩) المفردات: - يتوارى: يختفي. - هون: ذل. - يدسه: يدفنه، والدس إدخال شيء في شيء. المعنى الإجمالي: تكمل هذه الآية مشهد المشرك الذي يبشر بالأنثى، إنه يخزى أمام قومه، ولذا فهو يختفي منهم، ويبدأ صراعه النفسي بين إبقاء ابنته حية، رغم الذل الذي سيصيبه أمام قومه، وبين أن يدفنها في التراب ليتخلص منها. وهذا الذي تواطأ عليه المشركون، وجعلوه شرعة متبعه، هو سوء عظيم، وجهل وخيم. المعنى التفصيلي: - (يتوارى) يستتر ويختفي، يقال: واريت كذا إذا سترته. - وبعد نزول هذه المصيبة على الجاهلي يتوارى من القوم، أي يختبئ حياء؛ بسبب سوء ما بشر به. ولكن لماذا يستحيي من الأنثى؟ يستحيي لأن كل واحد يرى الأمر من جهته، فالفاسق الماجن يرى الأنثى مجونا، والطائع لله يرى الأنثى زوجة صالحة، أو أما حانية، أو أختا مشفقة، أو بنتا صالحة حانية مشفقة راعية. - وجاء التعبير بالفعل المضارع (يتوارى) لاستحضار الصورة، كأنها صورة حاضرة في الذهن الآن، رجل يبشر بالأنثى وهو يحاول الاختفاء والتستر. - (من القوم) إنها سطوة النظرة المجتمعية، التي تجعله يسير وفق الخطأ، وإذا وقع له ما لا يرضاه قومه، توارى منهم، وإن لم يستطع حاول أن يتوارى منهم. - (من سوء ما بشر به) (من) سببية، أي أنه يتوارى بسبب ما بشر به من ولادة الأنثى. - ولكن كيف يكون سوءا ويبشر به (من سوء ما بشر به)؟ سمي التبشير بالأنثى سوءا بالنسبة لما يشعر به المشركون، وسمي تبشيرا بناء على حقيقته، أي هو يختفي من سوء ما استشعره من البشارة. فالبشارة قائمة على حقيقتها، والسوء أقامه المشركون في نفوسهم بسبب البشارة. - (أيمسكه على هون أم يدسه في التراب) إنها حيرة حارقة، يحتار هذا الجاهلي في أن يمسك هذه البنت رغم الهون، وهو الذل، أم يدسها في التراب، أي يدفنها و يئدها، خياران أحلاهما مر، إما الذل، وإما القتل، أي قتل هذا؟ إنه قتل طفلة بريئة، وأي طفلة هذه؟ إنها طفلة القاتل ..... ما كان يفعله أهل الجاهلية هو الجهل بعينه، هو الظلم والكفر والطغيان والغباء، سمه ما شئت، أيقتل الأب ابنته الرضيعة؟! إن هذا لجهل عظيم (وإذا الموءودة سئلت (٨) بأي ذنب قتلت (٩)) (التكوير) فجاء الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليخبرنا أن الأنثى خلق الله، وقد جاءت بإرادة الله، لأن الله يفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء. - ولكن لماذا جاء التذكير في (أيمسكه) و (يدسه) مع أن المولود أنثى؟ جاء التذكير باعتبار لفظ (ما) في قوله تعالى (ما بشر به). - (ألا ساء ما يحكمون) (ألا) حرف تنبيه يفيد التأكيد على سوء حكمهم وبشاعته، و (ما) مصدرية، أي: معنى (ما يحكمون) حكمهم. - وأسند الفعل إلى الجماعة (يحكمون)؛ لأن هذا الظلم تواطأ عليه المشركون، واعتبروه حقا للآباء، (ألا ساء ما يحكمون). - وجاء الإسلام لبين لنا أن هذه السموات وما فيهن، وهذه الأرض وما عليها وما فيها، كل هذا ملك لله يخلق ما يشاء، كيف شاء، في أي وقت شاء؛ لأنه صاحب الملك، وصاحب الأمر (يهب لمن يشاء إناثا) والتعبير بالهبة يدل على أننا نعطى هذه الذرية من الله عطاء، فهذا الماء المهين لا يصير إنسانا باجتهادنا ولا بعملنا، إنه خلق الله يهبه لنا، فمن يرفض هبة الرب سبحانه يغضب عليه، فنحن البشر لا نرضى أن ترد هباتنا، فكيف بالعظيم الكريم، فكيف بصاحب الملك والأمر رب العرش العظيم. الله يهب لمن يشاء إناثا فقط، ويهب لمن يشاء ذكورا فقط، ويهب لمن يشاء إناثا وذكورا، ويجعل من يشاء من عباده عقيما لا ولد له، سبحانه ما أعلمه، سبحانه ما أحكمه. (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (٤٩) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (٥٠)) ... (الشورى) فرفض هبة الله ذنب عظيم، فنحن أهل الإسلام وأهل الحق، كيف نعمل عمل أهل الجاهلية؟! كيف تكره أيها الزوج أن يولد لك بنت، بل وتغضب على زوجتك، كأنها أتت به من تلقاء نفسها؟! بل والله إني لأعرف منهم من بلغ مبلغا في علم الطب، وصار على معرفة عظيمة في أمور الولادة، ويعلم أن زوجته لا تختار جنس المولود، لكنه عندما رزق أنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، أهذا هو الالتزام بدين الله؟!! وماذا تفعل هذه الزوجة المسكينة في كثير من الحالات عند ولادتها أنثى، وهي تعلم كم سيغضب زوجها؟! ماذا تفعل؟! إنها تبكي، أو يصيبها الحزن الشديد. ولا تسل عن أهل الزوج في كثير من الحالات، يلقون عبارات اللوم على الزوجة كأنها من اختار الأنثى. بل ومن عجيب الجهل في عصر بينه وبين الجاهلية قرون، أنهم يهنئون التي تلد أنثى أو يولد له أنثى بقولهم: عوض الله عليك! يسألون الله أن يعوض له خسارته. علما بأن أحاديث النبي ﷺ بينت فضل تربية الأنثى، وأذكر من هذه الأحاديث: - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرته، فقال: من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار. (البخاري: ١٣٢٩) واللفظ له (مسلم: ٤٧٦٣) - قال رسول الله ﷺ : من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه. (مسلم: ٤٧٦٥)

стр. 67

(للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم) (٦٠) المفردات: - المثل: الصفة. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة أن الكفار ينسبون البنات لله، وفي نفس الوقت يكرهون أن يرزق أحدهم ببنت، وهذه مفارقة عظيمة أن ينسبوا لله ما يكرهون، فجاءت هذه الآية لتحقر الكفار على ما افتروا على ربهم ، ولتنزه الله عن كل هذه النقائص، وأيضا لتهدد الكفار بالعذاب الأليم؛ لأن الله عزيز لا يفلت معاديه من عقاب، حكيم يعاقب العقاب المحكم الأليم. المعنى التفصيلي: - (للذين لا يؤمنون بالآخرة) جاء التعبير بالاسم الموصول (للذين) استحقارا للكفار؛ لأن التعبير بالاسم الموصول في سياق التعظيم زيادة في التعظيم، وفي سياق التحقير زيادة في التحقير. - ولكن لماذا وصف الكفار بأنهم لا يؤمنون بالآخرة دون باقي أركان الإيمان، كالإيمان بالرسل والكتب والملائكة وغيرها؟ قد خص وصف الكفار بأنهم لا يؤمنون بالآخرة؛ لأن من لا يؤمن بالآخرة وثوابها وعقابها فإنه لا بد وأن يتعلق قلبه بالدنيا العاجلة، وهذا التعلق يجعله يرفض أي شيء يخالف هواه، فيتعامى عن الحق تعاميا، ويغفل عن الصواب استغفالا. ولذا لا يرتجى ممن لا يؤمن باليوم الآخر الإقبال على الحق إلا بعد أن يهتدي إلى أن هنالك ثواب وعقاب، فينخلع التعلق بالعاجلة من قلبه مما يفسح المجال لقلبه أن يرى الدلائل والبراهين والآيات. - (مثل السوء) أي: صفة السوء، والفرق بين السوء والسوء، أن السوء "بفتح السين" هو: مصدر، والسوء "بضم السين" هو: اسم، والفرق بينهما أن السوء بالفتح يضاف إليه المنعوت، نقول: رجل السوء، ظن السوء. والسوء بالضم المكروه، نقول: ساءني سوءا، إذا لقيت منه المكروه. فهما من ناحية الأصل مشتركان، ولكن الاختلاف في طريقة الاستعمال. - فالكفار لهم الصفة الحقيرة الدنيئة (مثل السوء)؛ لأنهم يسيئون إلى خالقهم ورازقهم وراحمهم، يسيئون إلى من لا يستطيعون أن يحصوا نعمه عليهم، وهذه الإساءة ليست على سبيل الخطأ الذي أتى هكذا وتراجعوا عنه، بل هي إساءة عناد واعتقاد، هم لم ينسبوا لله ما يحبون من الأبناء الذكور، بل نسبوا إليه ما يكرهون من البنات، كل هذا إمعانا منهم في الكفر والتجرؤ على الله . - لماذا جاء التعبير بـ (مثل) وليس "صفة"؟ جاء التعبير بـ (مثل)؛ لأن سوء الكفار من فظاعته وبشاعته أصبح رمزا للسوء، فأصبح سوؤهم جاريا مجرى المثل في انتقاله، وبارزا بروز المثل بين الناس لشدة وضوحه. - جملة (ولله المثل الأعلى) معطوفة على جملة (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء)، وقدم ذكر تحقير المشركين (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) على ذكر تنزيه الله (ولله المثل الأعلى)؛ لأن سياق الآيات السابقة واللاحقة يركز على ذكر مخازي الكفار، فناسب ذلك أن يركز على تحقيرهم بسبب التركيز على ذكر مخازيهم، وليس السياق سياق بيان عظيم نعم الله، وعظيم خلقه . وانظر في سياق الآيات - حفظك الله - ليظهر لك ذلك جليا: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (٥٦) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (٥٨) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (٥٩) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (٦٠) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٦١) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (٦٢) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (٦٣)) - جاء تقديم الجار والمجرور (للذين) في قوله تعالى (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) لأن مثل السوء هو للذين كفروا فقط، فهم الأسوأ، ولا أحد أسوأ منهم. وجاء تقديم (لله) في قوله تعالى (ولله المثل الأعلى)؛ لأن الصفة العليا، التي ليس هنالك صفة أعلى منها لا تكون إلا لله ، فهو الخالق الرازق الرحمن الرحيم، المستغني عن الصاحبة والولد، والمستغني عن كل شيء، وما إلى غير ذلك من صفات كماله . - (وهو العزيز الحكيم) العزيز هو: صاحب العزة والجبروت، فهو الذي قهر كل شيء، وانقاد له كل شيء. والحكيم، هو صاحب الحكم والحكمة، فالحكم لله وحده، وهذا الحكم هو حكم حكمة وصواب وحق. - ولكن لماذا قدم ذكر (العزيز) على ذكر (الحكيم)؟ قدم ذكر (العزيز) على ذكر (الحكيم)؛ وفق الترتيب العقلي؛ لأن من عز حكم، أي من كان له القدرة والقهر، كان له الحكم والأمر، فالحكم ناشئ عن سبب امتلاك القدرة. - ولكن لماذا ختمت الآية بقوله تعالى (وهو العزيز الحكيم)؟ ختمت الآية بقوله تعالى (وهو العزيز الحكيم) تهديدا للكفار؛ بأن الله عزيز لا يفلت منه أحد، وعقابه لاحق بهم لا محالة؛ وحكيم سيحكم عليهم حكم الحق. - لماذا اقترن ذكر هذين الاسمين لله ؟ اقترن ذكر هذين الاسمين لله ؛ للدلالة على أن لله القدرة، ولكنها قدرة حكيمة. فكم من البشر من يمتلك القدرة والسطوة، ولكنه لا يمتلك الحكمة، فتذهب قدرته هباء منثورا، ولا يستطيع أن يحقق بها شيئا. ولله المثل الأعلى، نرى الأسد يمتلك القدرة على افتراس البشر، ولكنه لا يمتلك الحكمة التي يمتلكها البشر، فتلقي به قوته إلى قفص حديقة الحيوان، لينظر إليه الأطفال الصغار وهم يضحكون، وهو يزأر في قفصه، ولكن ما فائدة القدرة دون الحكمة.

стр. 68

(ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (٦١) المفردات: - يؤاخذ: يعاقب. - دابة: كل ما يمشي على الأرض. - أجل: المدة المحددة للشيء. - مسمى: معين. المعنى الإجمالي: بينت الآيات السابقة أن الكفار يشركون مع الله فيما أنعم عليهم، وأنهم يزعمون أن لله بناتا، وفي نفس الوقت يكرهون أن يرزقهم الله البنات. وبعد هذا البيان بينت الآية السابقة أن الصفة السوآى إنما هي للكفار، والصفة العليا أنها لله تعالى، وهددت الآية السابقة الكفار بالعقاب الأليم. وجاءت هذه الآية لتبين أن الله لو أراد أن يعاقب الكفار على شركهم لأهلك كل ما على الأرض، ولكن الله جعل لهلاكهم وقتا محددا، ولأجل هذا التحديد أخر الله عقاب الكفار، وهددت الآية الكفار بأنهم لن يأخروا عن الوقت المحدد لهم. المعنى التفصيلي: - (ولو) الواو للاستئناف، و (لو) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع وقوع جواب الشرط لامتناع وقوع الشرط، فنقول: لو جئت لأكرمتك. أي: أنا لم أكرمك لأنك لم تجئ. - (يؤاخذ) أصل الأخذ هو تحصيل الشيء، وقد يكون الأخذ بالقهر، وذلك كقوله تعالى (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) (النازعات: ٢٥) وكقوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:١٠٢). وجاء التعبير بالمفاعلة (يؤاخذ)؛ لأن فيه تنبيه على المجازاة والمقابلة، فهم قد أخذوا نعم الله ولم يأدوا شكرها، ولذا فالله سيأخذهم بالعذاب الأليم. - (بظلمهم) أي: بشركهم؛ لأن الأفعال التي يهدد الله لأجلها الكفار - في هذا السياق - هي أفعال شرك، والظلم في سياق التهديد بالاسئصال الشامل العام، لا يكون لأجل الظلم الذي هو دون الشرك، ولذا ظن الصحابة رضوان الله عليهم أن الظلم فقط هو التعدي على حقوق العباد، فأرشدهم النبي ﷺ إلى أن من الظلم ما هو شرك؛ لأن الشرك تعد على حقوق الله . فعن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الأنعام: ٨٢) شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه؟ (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: ١٣). رواه (البخاري: ٣١٧٥) واللفظ له (مسلم: ١٧٨) وأي ظلم ذاك الذي هو أعظم من التعدي على حقوق خالق السموات والأرض، سبحانه ما أحلمه وأعظمه وأشده! - المقصود بـ (الناس) في الآية هم الكفار، لأن هذا عموم يراد به الخصوص، والقرينة سياق الآيات أولا، فهي في الكفار، والقرينة الثانية: قوله تعالى (بظلمهم) أي بشركهم. وفي القرآن من العموم الذي يراد به الخصوص كثير، أذكر آية لبيان هذه الأمر، قال تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (آل عمران:١٧٣) ووجه الشاهد أن "الناس" في قوله تعالى (قال لهم الناس) هم غير " الناس " في (إن الناس قد جمعوا لكم). - (ما ترك عليها) أي الأرض (من دابة) أي لأهلك كل ما يعيش على هذه الأرض. - وقد يسأل سائل لماذا يهلك الله الحيوانات وهي لم تظلم؟ وللجواب عن هذا السؤال لا بد من معرفة أن الهلاك يعم حتى الصالحين من بني البشر، فما بالك بالحيوانات!! قالت زينب بنت جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث. (البخاري:٣٠٩٧) (مسلم: ٥١٢٨) وانظر أيضا كيف يهلك الله القوم الذين يريدون أن يغزو الكعبة، بالرغم من وجود من لا شأن له في الأمر معهم: قالت عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم (البخاري: ١٩٧٥) - (من دابة) (من) هذه هي الاستغراقية، والتي تعني أن الهلاك سيعم كل دابة، لا ينجو منها دابة واحدة. و (من) الاستغراقية من أحرف التأكيد، فلو قلنا في غير التنزيل " ما ترك عليها دابة " بدون (من)، لم يكن قولنا بقوة (من دابة)؛ لأنها تفيد التأكيد. - المراد بـ "الدابة" - هنا - كل ما يمشي على الأرض ومن ضمنه الإنسان، وقد جاء في المعاجم اللغوية أن الدابة هي كل ما مشى على الأرض، وارجع إلى " دبب" في (تاج العروس من جواهر القاموس) لمرتضى الزبيدي؛ لترى أن الدابة تطلق على العقلاء أيضا، ولكن في السياق القرآني قد يقصد بالدابة كل ما دب على الأرض، ومن ضمنه الإنسان، وهذا كقوله تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) (فاطر:٤٥)، وقد يقصد كل ما دب على الأرض دون الإنسان، كقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (الأنعام:٣٨) فالدابة هنا غير الإنسان بقرينة (إلا أمم أمثالكم). - وجاء التعبير بالمفرد (دابة) مع أن المراد الجمع؛ ليكون أدل على أن كل فرد من الدواب مقصود بالحكم. - (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) أي: هذا هو سبب عدم إيقاع عذاب الاستئصال بالكفار، وهو أن الله قضى لخلقه آجالا، سيلبغونها، وبعد ذلك يحاسبون على ما عملوا. - (فإذا جاء أجلهم) أي المدة المحددة لانتهاء حياتهم (لا يستأخرون) عن الوقت المحدد لهم (ساعة) وهي جزء من الوقت مهما قل (ولا يستقدمون) على الوقت المحدد لهلاكهم كذاك أي جزء من الوقت مهما قل. - معنى (يستأخرون) يتأخرون، و (يستقدمون) يتقدمون، والسين والتاء في صيغة الاستفعال تدل على الطلب، فهم لن يؤخروا ولو طلبوا التأخر طلبا، ولن يقدموا ولو طلبوا التقدم طلبا، فصيغة الاستفعال الدالة على الطلب تفيد التأكيد على قصد الفعل. ونفي المؤكد (لا يستأخرون) (ولا يستقدمون) تأكيد للنفي، لأن الإثبات الموكد إذا نفي، دل على قوة النفي. - قيل: إن المقصود بالأجل هو الإهلاك بالعذاب، وقيل: المقصود بالأجل هو الموت، ولكن الأجل هو الوقت المضروب لمفارقة الحياة بغض النظر عن الكيفية، ولكن هذا الأجل على جميع الأحوال ليس هو عذاب الاستئصال؛ لأن الآية نفت وقوع عذاب الاستئصال بسبب أن الله جعل مفارقة الكفار للحياة بسبب الأجل المضروب لهم، وليس بسبب عذاب الاستئصال. - وقد يسأل سائل لماذا قدم نفي التأخر (لا يستأخرون) على نفي التقدم (ولا يستقدمون)؟ قدم نفي التأخر (لا يستأخرون) على نفي التقدم (ولا يستقدمون)؛ لأن الكفار يطمعون أن يتأخروا عن آجالهم؛ ليطول عمرهم، ولا يطمعون أن يتقدموا على آجالهم، لأنهم يكرهون الموت. - ولكن كيف يتصور أن يتقدم الإنسان على أجله إذا جاء؟ صحيح أنه لا يتصور أن يتقدم الإنسان على أجله إذا جاء، ولكن التهديد للكفار كان بقوله تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة)، وأما (ولا يستقدمون) فلا علاقة لها بالتهديد، بل جاءت للدلالة على أن كل الأمور بيد الله ، وبمعنى أكثر وضوحا (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة) عن الأجل الذي جاء (ولا يستقدمون) ساعة عن الأجل قبل مجيئه. وقد يقال: إن التقدم على الأجل إذا جاء مستحيل، ولذا ذكر التأخر مع التقدم سويا؛ ليكونا في المعنى سويا، أي: كما أن التقدم مستحيل فكذا التأخر. ومثل ذلك قوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) (النساء: ١٨) ووجه الشاهد هو أن الذي يموت كافرا لا توبة له أساسا، ولكنه قرن مع من يتوب وقت موته؛ للدلالة على أنهما في عدم قبول توبتهما سواء. - (ساعة) جزء من الوقت، ويطلق على أقله، وأما الساعة المعروفة في زمننا، وهي المكونة من ستين دقيقة، فاصطلاح حادث في هذا العصر، وليس هو المقصود في الآية.

стр. 69

(ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون) (٦٢) المفردات: - لا جرم: حقا. - مفرطون: مقدمون. المعنى الإجمالي: وتكمل الآية بيان مخازي الكفار، وواقع جرائمهم بحق الله ، فهم يجعلون لله ما يكرهون من البنات، ويفترون بألسنتهم الكذب بأن لهم في الآخرة العاقبة الحسنى، ولكن لا شك أنهم مقدمون إلى النار، وأنها مستقرهم، ألا ساء ما يفعلون. المعنى التفصيلي: - (ويجعلون لله ما يكرهون) حيث نسبوا لله الذرية، وهذا أمر بشع عظيم، ولكن الأعظم من ذلك أنهم ينسبون لله ما يعتبرونه أخس الذرية، حيث ينسبون البنات لله، تعالى الله عما يقولون. - (ما يكرهون) أي: البنات، وقد سبق تفسير قوله تعالى في هذه السورة (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (النحل: ٥٧)، فالكفار يريدون لهم ما يحبون من الأبناء الذكور، وأما لله فينسبون البنات. - (ويجعلون لله ما يكرهون) قدم الجار والمجرور (لله) زيادة في إنكار ما يزعمه الكفار، لأن بشاعة نسبة الذرية لله تكمن في مجرد النسبة له سبحانه، ولا تكمن في كونها بنات، لأن الله ليس له بنات كما ليس له أبناء. فلو قلنا في غير التنزيل " ويجعلون ما يكرهون لله" لاتجه الإنكار إلى كون المنسوب إلى الله هو البنات المكروهات من جهتهم، وأما عند تقديم الجار والمجرور (لله) كما في الآية (ويجعلون لله ما يكرهون) فإن الإنكار يتجه إلى مجرد نسبة الذرية لله بغض النظر عن كونها بنات أو أبناء، لأن الله منزه عن الذرية مطلقا. - (وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى) والكفار أيضا يفترون على الله الكذب بأن العاقبة الحسنى لهم، ألا ساء ما يصفون. - وجاء التعبير بإسناد الكذب إلى ألسنتهم (وتصف ألسنتهم) وليس "يصفون"، زيادة في بيان بشاعة فعلهم، فهؤلاء يفترون الكذب على الله بألسنتهم التي خلقها الله كي تذكره (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: ٥٦). فكل عضو في أجسادنا ما خلقه الله إلا ليكون في طاعته، ومن أعلى هذه الأعضاء - إن لم يكن أعلاها - اللسان، فبه يذكر الله، وبه يقال الحق، ومن هنا تظهر بشاعة استعمال الألسن في الافتراء على الله . - (وتصف ألسنتهم الكذب) فألسنتهم تصف الكذب ذاته، لا شيئا قريبا منه، ولا شيئا مخلوطا بالحق، بل ما تصفه ألسنتهم هو عين الكذب، وذات الكذب. فمن الناس من لا يتجرأ على قول الكذب خالصا، فيخلطه ببعض الصدق، ولكن كفار قريش ومن سار على نهجهم، بلغوا من القحة مبلغا عظيما، حيث يقولون الكذب خالصا، بلا حياء ولا خجل، ولا قلق ولا وجل. - (أن لهم الحسنى) أي العاقبة الحسنى، وهكذا هو نهج الكفار الجاحدين، وتأمل قوله تعالى حاكيا قول صاحب الجنة في سورة الكهف (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) (الكهف: ٣٦). - وجاء التعبير بـ (الحسنى) وليس "الحسنة"؛ لأن "الحسنة" مؤنث "الحسن"، و"الحسنى" مؤنث "الأحسن"، فهم - بزعمهم - ليس لهم العاقبة الحسنة فقط، بل لهم العاقبة الحسنى. - وقدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (أن لهم الحسنى)؛ لأنهم يزعمون أن الحسنى مختصة بهم، أما أتباع النبي ﷺ فلا حسنى لهم. - (لا جرم) الجرم هو الذنب، والذنب هو الباطل، ونفي الجرم نفي للباطل، ونفي الباطل هو إثبات الحق؛ لأن الأمر إما أن يكون حقا أو باطلا، فإذا نفي الباطل وقع الحق، ولذا فإن معنى لا جرم هو حقا. - (لا جرم أن لهم النار) هذا رد على افترائهم (أن لهم الحسنى) بـ (أن لهم النار). - وجاء الرد (لا جرم أن لهم النار) مؤكدا بنفي الشك عن الخبر (لا جرم) وبحرف التوكيد (أن). - قدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (أن لهم النار) ليدل على اختصاص النار بهم، وهذا ليناسب تقديم الجار والمجرور (لهم) في دعواهم (أن لهم الحسنى). - (وأنهم مفرطون) وهم ليسوا فقط من أهل النار، بل هم (مفرطون) إليها، أي: مقدمون إليها، يقال: فرط: إذا تقدم تقدما، والفارط إلى الماء: المتقدم إليه. ولكن لماذا هم مقدمون إلى النار؟ هم مقدمون إلى النار؛ لأنهم أكثر من يستحق النار من أهل النار. ولكن على من سيقدمون؟ إنهم سيقدمون على غيرهم من أهل النار؛ لأنهم أشد عذابا؛ لأن المقدم إلى الجنة أعلى منزلة ممن يأتي بعده، والمقدم إلى النار أشد عذابا ممن يأتي بعده. وجاء هذا التهديد مؤكدا بحرف التأكيد (أن)، زيادة في الوعيد؛ وما شدة الانتقام إلا لشدة الإجرام (والله عزيز ذو انتقام) (آل عمران: ٤). - قرأ نافع (مفرطون) بكسر الراء المخففة، وهذه صيغة اسم الفاعل، ومعناها: المتجاوزون للحد. فالكفار قد تجاوزوا كل الحدود بإجرامهم وافترائهم الكذب على الله سبحانه تعالى. - وقرأ أبو جعفر - وهو ليس من السبعة، ولكنه من العشرة - (مفرطون) بكسر الراء المشددة، وهذه صيغة اسم الفاعل، ومعناها: أنهم مقصرون ومضيعون لما كلفوا به من الدين والتوحيد، وهذا أيضا منطبق على الكفار.

стр. 70

(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم) (٦٣) المفردات: - وليهم: ناصرهم. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة ما وقع فيه المشركون من الجرائم العظام، تتوعد هذه الآية الكفار بالعذاب الأليم يوم القيامة في حين أنها تسلي النبي ﷺ بأن تكذيب قومه له إنما هو سنة ماضية حاضرة للكفار، لأنهم هكذا قابلوا هداية الرسل باتباع الشيطان، الذي ظنه الكفار نصيرا لهم بما زين لهم، ولكنه لم يكن لينصر نفسه ولا غيره، وأن نهاية من اتبعه العذاب الأليم. المعنى التفصيلي: - (تالله) هذا قسم بالله ، والقسم أسلوب من أساليب توكيد الكلام، بل هو من أعلى الأساليب، إن لم يكن أعلاها. - (تالله) المقسم في الآية هو الله ، وأي مقسم أعظم منه؟! وأي مقسم هو أصدق منه؟! والمقسم به هو لفظ الجلالة الذي لا شيء في الوجود أعظم منه ولا أكرم. وعظم القسم يدل على عظم المقسم عليه، ألا ترى أنه لا يقبل من الواحد منا أن يقسم الأيمان على شيء تافه. - (تالله) والتاء حرف من حروف القسم، ولا تدخل إلا على لفظ الجلالة، بينما تدخل الواو على الاسم الظاهر دون أن تختص بلفظ الجلالة، فنقول: والله، (والطور) (الطور:١)، وكذلك الباء تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير أيضا، نحو: بك لأكرمن الكريم. - ودل ذكر (من قبلك) في السياق على أن المخاطب بداية بالقسم (تالله) هو النبي ﷺ ، وانظر - حفظك الله - في السياق متأملا حتى تعلم أن الخطاب تسلية للنبي ﷺ (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) وهذا القسم (تالله) الموجه إلى النبي ﷺ إنما هو لتسليته، وإلا فإن النبي ﷺ ليس شاكا حتى يحتاج إلى القسم، وإنما القسم في مقام التسلية للنبي زيادة في تسليته ﵊. - ولكن هل يختص الخطاب بالنبي ﷺ إذا كان مخاطبا به لأجل تسليته؟ الجواب: لا؛ لأن القرآن كتاب هداية لكل الناس، فالنبي ﷺ مخاطب به بداية ثم كل المكلفين من الجن والإنس، فالآية تسلية لكل من دعا إلى دين الله وكذبه الناس. - (لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) هذه الجملة جواب للقسم (تالله)، وحرف اللام الواقع في جواب القسم (لقد) مؤكد من المؤكدات، و"قد" هنا للتحقيق، وهذا أيضا تأكيد للكلام. - وليس المقصود بالقسم هو الإخبار بأن الله أرسل رسلا من قبل النبي ﷺ ، بل المقصود أنه أرسل رسلا إلى الأمم السابقة (فزين لهم الشيطان أعمالهم)، أي يا محمد! ما يفعله قومك من اتباع الشيطان، هو ما فعله كل المكذبين في الأمم السابقة، فلا تحزن يا محمد، ولا تكن في ضيق مما يعمل هؤلاء المكذبون. - وفي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، (تالله) أسلوب الغيبة، و (أرسلنا) أسلوب التكلم، وإنما وقع هذا الالتفات لعلو شأن إرسال الرسل، وأسند الفعل "أرسل" إلى الضمير "نا" للتعظيم؛ ولم يأت النص بـ "أرسلت" بل (أرسلنا). وما هذا الالتفات وهذا التعظيم إلا لأن شأن اعتناء الله بهؤلاء البشر الضعفاء أمر عظيم، فإرسال الرسل من الله ليس كإرسال رسل من البشر إلى البشر، لأن أمر إرسال الله رسله عظيم بكل جوانبه وتفاصيله: بالمرسل ، وبالرسالة المنزلة من عنده جل وعلا، وبما يترتب على الرسالة من عذاب وعقاب، وبالذي يحمل الرسالة من البشر، إلى غير ذلك من جوانب العظمة في قضية الإرسال. - (أرسلنا إلى أمم) كثيرة - (من قبلك) يا محمد - رسلا بما أرسلت به أنت من الهداية والخير، (فزين لهم الشيطان أعمالهم) الشركية بصورة جميلة يحبونها، فاتبع الكفار ما زين لهم الشيطان. - (إلى أمم) مختلفة عن بعضها باللون واللغة والشكل والصفات والزمن وغير ذلك من الاختلافات، ولكن رغم كل هذه الاختلافات فأمة الكفر واحدة، وتفكر بأسلوب واحد، ولو كانت في القرن الواحد والعشرين، في قرن تطور الاختراعات والعلوم، فإنها تفكر بمنطق الأمة الكافرة في قرن الأخشاب والحجارة والتخلف العلمي، إنها أمم متعددة ولكن طريقة التفكير واحد (فزين لهم الشيطان أعمالهم) فاتبعوه. - وقدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (فزين لهم الشيطان أعمالهم)؛ لأن سياق الكلام ليس التفصيل في بيان عمل الشيطان، بل سياق الكلام عن الأمم التي اتبعت ما زين لها الشيطان من الضلال، فقدم الجار والمجرور لإبراز الموضوع الرئيسي في السياق. - (فهو) أي الشيطان (وليهم) أي ناصرهم، وفي هذا كمال البلاغة، والبلاغة تكمن في الاستهزاء بالكفار، ولكن كيف هذا؟ لو قلنا في غير التنزيل "الشيطان ليس ناصرا للكفار" لدل الكلام على معناه المراد فقط، ولكن أن تخبر الآية بأن الشيطان هو ناصر الكفار، ويكون المعنى المقصود هو العكس، فهذا يدل على الاستهزاء، واضرب مثلا للتقريب - ولله المثل الأعلى -: عندما يلقي أحد القادة القبض على خصومه، ويصبحوا جميعا تحت قبضة يده، يقول لخصومه لقد اتبعتم هذا المسجون في القفص لمعاداتي، فهو من سينصركم اليوم، ولذا سأقتلكم واحدا واحدا. فإن المقصود بالإخبار عن الضعيف الذليل الذي لا يستطيع أن ينصر نفسه بأنه ناصر لغيره، هو استهزاء بهذا الضعيف، واستهزاء بأتباعه كيف أنهم لم يفكروا حينما اتبعوه، وهذا مثل الشيطان الذليل الرجيم، لا ينصر نفسه، فإذا أخبر بأنه هو الولي، كان هذا استهزاء به وبمن تولاه. - (فهو وليهم) الضمير في (وليهم) يعود على كفار مكة ويدخل فيه من في معناهم، والمقصود بـ (اليوم) هو وقت نزول الآيات، أي كما أن الشيطان زين للسابقين من الأمم أعمالهم واتبعوه ووالوه، فكذلك اليوم كفار مكة يوالون الشيطان بكفرهم، فهو وليهم، ولذا لا تحزن يا محمد، فإنها سنة الكافرين. - قيل: المقصود بـ (اليوم) هو يوم القيامة، ولكن معنى (اليوم) هو الوقت الحاضر، وهو في الآية وقت نزول الآيات، لأن المتبادر إلى الذهن أن اليوم هو الزمن الحاضر لا المستقبل، إلا أن تدل قرينة واضحة على غير ذلك، ولقد تتبعت كلمة (اليوم) في القرآن، فوجدت أنها تدل على الوقت الحاضر، ولا تدل على يوم القيامة إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وليس هنا قرينة لفظية أو معنوية واضحة على أن المقصود بـ (اليوم) هو يوم القيامة، فيبقى معنى (اليوم) على أصله وهو الزمن الحاضر، والمقصود به وقت نزول الآيات. - (ولهم عذاب أليم) على اتباعهم الشيطان، وليس لهم عذاب فقط، بل لهم عذاب أليم، أعاذنا الله منه، آمين!

стр. 71

(وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (٦٤) المفردات: - لتبين: لتوضح. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة ضلال الكفار وجرائمهم البشعة، تبين هذه الآية فضل الله بإنزال القرآن على النبي ﷺ ليوضح للمكلفين الحق من الباطل، وليكون هداية ورحمة للمؤمنين. المعنى التفصيلي: - (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) معنى هذا الاستثناء هو: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لعلة من العلل إلا لتبين للناس الذي اختلفوا فيه من أمور التوحيد والمعاد والقدر وغير ذلك من أمور الدين. والتعبير بأسلوب القصر (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين) يبرز المقصد من إنزال القرآن على النبي ﷺ إبراز ظهور وحصر، ولو قلنا في غير التنزيل "وأنزلنا إليك الكتاب لتبين لهم" لم يكن له من القوة ما لأسلوب القصر. - (أنزلنا) الضمير "نا" للتعظيم، وجاء الكلام بأسلوب التكلم، وليس بأسلوب الغيبة " أنزل الله"؛ لما في أسلوب التكلم من التعظيم أيضا، وذلك لعلو أمر إنزال القرآن. - تقديم الجار والمجرور (عليك) إكراما للنبي ﷺ ، ولأنه المعني بأمر تبليغ الرسالة، فناسب الأمر تقديم ذكره ﷺ . - ولكن لماذا جاء التعبير في هذه الآية (عليك)، وأما في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) جاء التعبير بـ (إليك)؟ وذلك لأن حرف "على" يشير إلى علو مصدر الإنزال، وحرف "إلى" يفيد الوصول دون الإشارة إلى العلو، وكلا المعنيين موجودان في الإنزال؛ لأن الوحي أولا: ينزل من فوق فعبر بـ"على"، ولأنه ثانيا: يصل في نهاية الأمر إلى النبي ﷺ فعبر بـ "إلى". وقد قال بعض العلماء: إذا تعدى فعل الإنزال بـ"على" فإن النزول مختص بالنبي ﷺ ، وإذا تعدى بـ "إلى" فإن النزول يعم المؤمنين، وهذا غير صحيح؛ لأن من النزول المختص بالنبي ﷺ ما عدي بـ"إلى" كقوله تعالى (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) (المائدة: ٨٣). ومن النزول المختص المؤمنين ما عدي بـ"على" (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) (النساء: ١٤٠). - (لتبين لهم) اللام في (لتبين) للتعليل، وقوله تعالى (لتبين لهم) في موضع المفعول لأجله، والضمير (لهم) يعود إلى كل المكلفين أجمعين، ابتداء من قريش وانتهاء إلى غيرهم من الجن والإنس. - (الذي اختلفوا فيه) من أمور التوحيد والعبادة والقدر والمعاد والنبوة وغير ذلك من أمور الدين، والاختلاف الذي وقع عند الكفار إنما وقع من عند أنفسهم، فهم الذين وقعوا في الاختلاف من جهة أنفسهم، ولذا أسند الفعل "اختلف" إلى الكفار (اختلفوا). - لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على فهم كلام العرب فقط؛ لأنه لو كان لسان العرب وحده كافيا في فهم القرآن الكريم لما كان لبيان النبي ﷺ من حاجة، وذلك لأن كل عربي يستقل وحده بفهم القرآن، ولكن من القرآن ما لا يفهم إلا ببيان النبي ﷺ ، وأضرب مثلا واحدا على هذا وهو المقصود من كلمة "الصلاة" والتي تعني في اللغة الدعاء، ولكنها في القرآن الكريم ذات دلالة خاصة على أفعال تبتدئ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، ولها شروط وأركان وكيفيات، وما كنا لنعلم هذا إلا عن طريق بيان النبي ﷺ . - ولكن هل بين النبي ﷺ كل كلمة في القرآن الكريم؟ بين النبي ﷺ ما لا يفهمه الناس في عصره، وبين لنا ما نحتاجه للاجتهاد في فهم القرآن في عصرنا وفي كل العصور، ومثاله، بينت السنة الأحكام الشرعية الواقعة في زمنه ﷺ ، ولكن هذا البيان هو أساس اجتهادنا لمعرفة الوقائع المستجدة في عصرنا وغيره من العصور. - في قوله تعالى (لتبين لهم) دليل على حجية السنة، قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ... ) (النساء: ٨٠) وليس من داع للإطالة في بيان حجية السنة؛ لأن الله أنزل القرآن على النبي ﷺ ، وكلفه بتبليغ الرسالة وبيانها، ولذا فنحن مكلفون باتباع كل ما صح عن النبي ﷺ . - (وهدى ورحمة) معطوفتان على موضع المفعول لأجله (لتبين لهم)؛ لأن المعنى هو: وأنزلنا عليك الكتاب لأجل البيان والهدى والرحمة. - وللهدى عدة معان، ومعناها - هنا - هو الإنعام على العباد باتباع طريق الحق، وليس الهدى بالمعنى العام الذي هو إيضاح الحق؛ لأن إيضاح الحق عام للمؤمنين والكافرين، بينما الهداية الخاصة بالمؤمنين فإنما هي الإنعام والتوفيق لاتباع طريق الحق؛ ولذا خص الهدى في هذه الآية بالمؤمنين (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). - (ورحمة) أي هذه القرآن أنزل لأجل الرحمة بالمؤمنين، فهو لهم رحمة في تشريعه، ولهم رحمة في اتباعه، لأن الله يرحم من يتبع دينه، ودين الله رحمة لمن يتبعه، وهي رحمة شاملة عامة في كل مناحي الحياة، منها الجلي البائن، الذي يراها القاصي و الداني، ومنها الخفي الذي لا يشعر بها إلا من رزقه الله الانتباه إلى لطائف رحمته . - لماذا قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؟ قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؛ لأن الهدى سبب في نزول هذه الرحمة. وقد يقول قائل: بل رحمة الله هي السبب في الهداية. وللجواب عن هذا لا بد أن نعرف أن هذه الرحمة المذكورة في الآية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين (ورحمة لقوم يؤمنون)، وليست الرحمة العامة، والرحمة الخاصة بالمؤمنين لا تأتي إلا بعد أن يصبح الإنسان مؤمنا، وكيف يصبح الإنسان مؤمنا؟ يصبح الإنسان مؤمنا بالهداية أولا، ثم تنزل عليه الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ولذا تقدم ذكر الهدى على هذه الرحمة الخاصة؛ لأن الهدى سبب للرحمة، فذكر السبب أولا ثم المسبب. - وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يؤمنون) للإشارة إلى أن الهدى والرحمة إلى من أصبح الإيمان صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم. - وجاء التعبير بالفعل المضارع (يؤمنون) للإشارة إلى أن القرآن هدى ورحمة لقوم يتجدد الإيمان عندهم في الصباح والمساء، ففي صلاتهم تجدد للإيمان، وفي ذكرهم لله تجدد للإيمان، وفي قراءتهم القرآن وفي إطعامهم المساكين، وفي كل عمل بر وخير لهم تجدد لإيمانهم.

стр. 72

(والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (٦٥) المفردات: - آية: علامة ودلالة. المعنى الإجمالي: بعد أن بينت الآيات السابقة عظيم جرائم الكفار، وكشفت زيغهم، وأقامت الحجة عليهم، عادت الآيات لتبين وحدانية الله عن طريق بيان عظيم خلقه، كما بينت الآيات عظيم خلقه في أول هذه السورة حتى قوله تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) (١٦). فالله وحده هو الذي أنزل الماء من السحاب، وأخرج بهذا الماء النباتات بعد أن كانت الأرض جرداء ميتة، وفي إنزال الماء من السماء، وفي إحياء الأرض بعد موتها، لدلالة على وحدانية الله ، ولكن هذه الدلالة عند من يسمع كلام الله سماع تدبر وليس سماع إنكار وكفران وإعراض. المعنى التفصيلي: - (والله أنزل من السماء) ابتدأت الآية بذكر لفظ الجلالة (الله) وليس بذكر الضمير "هو" بخلاف الآية العاشرة من هذه السورة (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) حيث ابتدأت الآية بذكر الضمير "هو" الذي يعود على الله ، وليس بذكر الاسم الصريح "الله"، وذلك لأن الآية العاشرة جاءت في سياق آيات بيان عظيم خلقه سبحانه، وقد ذكر لفظ الجلالة في الآية التاسعة، فكأنه أغنى عن إعادة ذكر الاسم الصريح لقرب الذكر، وانظر - بارك الله فيك - في سياق الآيات: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (٩) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (١٠)) أما في هذه الآية (والله أنزل من السماء) فلم يذكر لفظ الجلالة صريحا قبلها، وهذا أولا، وأما ثانيا: فإن في التصريح بلفظ الجلالة تعظيم للخبر المذكور. - (والله أنزل من السماء) أي هو وحده من أنزل الماء من السماء، ولم يشاركه أحد في إنزال الماء، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟! ولو قلنا في غير التنزيل "وأنزل الله من السماء" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله، ومن تخصيص تفرده بالأمر، وأنه ليس له شريك سبحانه. - قدم الجار والمجرور (من السماء) في قوله تعالى (أنزل من السماء ماء) للاختصاص، لأن السماء هي مكان نزول الماء. - ومن البدهي أن الماء ينزل من السماء، فلماذا ذكرت (السماء)؟ لقد ذكرت السماء في سياق نزول المطر لاستحضار صورة الماء النازل من السماء، استحضارا يتلازم عند المؤمنين واستحضار النعمة. - (فأحيا) إنه إحياء سريع، فما أن ينزل المطر إلا ويخرج النبات، وتدب الحياة في أوصال الأرض، وهذا ما أفاده العطف بحرف الفاء. - (فأحيا به الأرض) ذكر الجار والمجرور (به) قبل (الأرض)؛ لأن سياق الكلام بداية عن إنزال الماء من السماء. - (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي أحيا به نبات الأرض وأشجار الأرض، وموتها هو عكس هذا، وذكرت الأرض دون ذكر هذه الأشياء؛ لأنها مكان هذه المخلوقات من النباتات والأشجار، فأغنى ذكر الأرض عن ذكر الأشياء. - (إن في ذلك لآية) (إن) ولام الابتداء (لآية) حرفا تأكيد. - (في ذلك) وليس "فيه"؛ للإشارة إلى كل المذكور من إنزال الماء إلى إحياء الأرض بعد إماتتها. - (لقوم يسمعون) والمقصود بالسماع هو لازم السماع، وهو التدبر والوعي، وليس سماع إنكار وكفران وإعراض، أو سماع غفلة وتغافل. - والتأكيد بـ (إن) ولام الابتداء (لآية)؛ للدلالة على أن أمر الاهتداء إلى وحدانية الله من خلال آية إنزال المطر وإحياء الأرض، هو أمر لا يحتاج إلى كبير عناء، فإنه يحتاج إلى سماع تدبر - فقط - حتى يعرف السامع الحق (لآية لقوم يسمعون)؛ لأن آية إنزال المطر وإحياء الأرض به، آية عظيمة ظاهرة باهرة يراها الصغير والكبير، ويدرك استحالة تحكم المخلوق فيها كل من له ذرة عقل. - وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يسمعون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح سماع التدبر صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن سمعوا سماع تدبر مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يسمعون إلا سماع إعراض وإنكار، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن سماعهم متجدد متكرر، وليس سماع واقعة واحدة. - وفي قوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) تعريض بالكفار بأنهم لا يسمعون، وأن هذا هو سبب عدم اتعاظهم بآية إنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - قد يقول قائل: إن آية إنزال الماء وإحياء الأرض آية منظورة بالعين، فلماذا لم يأت نص الآية بـ "لقوم يبصرون"؟! لم يأت نص الآية بـ "لقوم يبصرون"؛ لأن آيات الكون المنظورة تحتاج إلى آيات القرآن المسموعة حتى تعتبر العقول العبرة الصحيحة الكاملة، وأضرب مثلا على ذلك: كلنا يرى آيات الله في الكون، من خلق الإنسان وخلق الحيوان والأشجار والأفلاك ... ، ويعقل الإنسان من هذا الذي أبصره أن للكون خالقا، ولكن من هو الخالق؟ وما هي صفاته؟ وما هي حقوقه علينا؟ إلى غير ذلك من الاستفسارات .. كل هذا لا يجاب عنه ولا نعرف حقيقته إلا عن طريق الوحي، وهو طريق السماع، وكفار مكة كانوا يبصرون هذه المخلوقات، ويرون هذه الآيات الكونية، ويؤمنون أن لهذا الكون خالقا (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) (العنكبوت: ٦١) ولكنهم برغم إيمانهم يشركون مع الله، وسبب هذا الشرك هو أنهم لا يسمعون كلام الله الذي يبين من هو الخالق؟ وما هي صفاته؟ وما هي حقوقه علينا؟ إنه الله الواحد الصمد الذي لا شريك له. هذه الآية (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل: ٦٥) دليل على وحدانية الله ، وليس دليلا - فقط - على أن الله هو الخالق، وما يؤمن به المشركون هو أن الله خالق ولكنه ليس واحدا، ولكن عندما يسمعون آيات الله سماع تدبر يؤمنون بأن إنزال الماء وإحياء الأرض دليل على وحدانيته .

стр. 73

(وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) (٦٦) المفردات: - الأنعام: اسم يطلق على الإبل والبقر والضأن والمعز. - العبرة: ما يتعظ به. - فرث: ما في البطن من الفضلات. - اللبن: هو ما يخرج من ضروع الأنعام، وهو معروف، ولكنه يسمى في بعض البلاد كالأردن وفلسطين: حليبا، ويطلقون اللبن على غيره، فاقتضى التنبيه. - خالصا: نقيا عن أي شائبة أو طعم سوى اللبن. - سائغا: من ساغ يسوغ، أي: سهل دخوله في الحلق. المعنى الإجمالي: وتكمل الآية عرض الأدلة على وحدانية الله من خلال عرض عظيم مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق العظيم إلا من هو أعظم منه. ومن عظيم خلقه هذه الأنعام التي يشرب الإنسان لبنها، وهو لبن أبيض خالص عن الشوائب، سهل شربه. ولكن من أين يتولد؟ إنه يتولد من بين ما في الكرش من الفضلات ومن بين الدم. فسبحان من خلق اللبن الأبيض من غير لونه، وسبحان من خلق اللبن السائغ اللذيذ من الفضلات المقززة ومن الدم النجس!! المعنى التفصيلي: - جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة) معطوفة على جملة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل: ٦٥) أي كما أن في إنزال المطر من السماء وإحياء الأرض عبرة، فإن لكم في الأنعام لعبرة أيضا. - في الالتفات من الغيبة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) إلى الخطاب (وإن لكم) كمال العناية الربانية بنا، ولو قلنا في غير التنزيل "وإن في الأنعام لعبرة " لدل على المراد، ولكنه لم يحمل معاني العناية الربانية بنا (لكم). - في التأكيد بـ (إن) واللام في (لعبرة) مع ما سبق من الالتفات، دلالة على أن العبرة في الأنعام عبرة عظيمة، وأن الاعتبار بها هو حق لازم على هؤلاء العرب الذين يعيشون في بيئة رعوية، ويعتمدون اعتمادا شبه كلي على الأنعام. - (لعبرة) أصل العبرة من العبور، حيث يعبر المعتبر بما علمه من الحالة المشاهدة إلى الحالة غير المشاهد. فالحالة المشاهدة في هذه الآيات هي مخلوقات الله، والتي تعبر بعقولنا إلى الحالة غير المشاهدة أن الله عظيم مستحق للعبادة وحده. - جملة (نسقيكم مما في بطونه) تفسير لجملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، ولم تعطف جملة (نسقيكم مما في بطونه) على جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)؛ وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل". - (نسقيكم) قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي "نسقيكم " بضم النون، وقرأ الباقون بفتح النون. - (نسقيكم) جاء إسناد السقيا إلى الله ، رغم أن الظاهر في مشاهدة الناس أن الذي يحلب الأنعام ويعطي غيره ليشرب هو الساقي، و جاء إسناد السقيا إلى الله ؛ لأن الساقي الحقيقي هو الله، وأما بني البشر فهم يسقون غيرهم على سبيل النقل والحمل، لا على سبيل الإيجاد والإنعام. - جاء النص (نسقيكم مما في بطونه) وليس " تشربون مما في بطونه"؛ لأن في ذكر السقيا إظهار لمنة الله سبحانه علينا؛ لأن المتبادر إلى الذهن عند ذكر الشرب هو فعلنا، وعند ذكر سقيا الله لنا، فإن المتبادر هو نعمة الله علينا. - (مما) في قوله تعالى (مما في بطونه) هي "من" و "ما"، أي: "من الذي"، والمقصود بـ (مما في بطونه) هو: اللبن، و "من" تبعيضية؛ لأن البطن يحتوي على أشياء غير اللبن. - جاء الضمير في (بطونه) مفردا مذكرا نظرا لمعنى الجنس، أي: مما في بطون ما ذكرنا من جنس الأنعام. - وأما ما قيل من أن الأنعام هنا بمعنى النعم، والنعم هي الإبل، والنعم تذكر وتؤنث، ولذلك قال الله (مما في بطونه) وقال في موضع آخر (مما في بطونها) (المؤمنون: ٢١) فأقول: هذا الكلام لا يناسب السياق الذي هو امتنان على البشر بما يشربونه من حليب من الأنعام، وفي القول بأن المقصود بالأنعام هنا الإبل فقط تضييق لدائرة الامتنان، علما بأن توجيه الآية ممكن من غير هذا التضييق الذي ينافي سياق الامتنان، والتوجيه يكون بما ذكرنا آنفا من كون الضمير في (بطونه) عائد على الجنس، وبغير ذلك من الأقوال التي لا داعي للإطالة بذكرها. ومثل هذا كثير، وأضرب مثلا واحدا، وهو قوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت) (الأنعام:٦٨) فعبر عن الشمس التعبير عن المؤنث "أفلت" وعبر عنها التعبير عن المذكر"هذا"، وكان التعبير عن المذكر بمعنى هذا الشيء الطالع. - ما معنى (من بين فرث ودم)؟ الفرث هو ما في البطن من الفضلات. والدم معروف، وقد فسر السابقون كيف يكون اللبن من بين الفرث والدم، وفسروا الآية بما علموا من العلوم، ولا أريد أن أعرج على ما قالوه، لأن المقصود هو بيان معنى الآية لا تتبع الأخطاء. والمقصود من الآية - في ضوء ما توصل إليه العلم لغاية الآن، والله أعلم بالصواب - أن العلف يهضم في المعدة، ثم يصير فرثا، وبعدها ينزل إلى الأمعاء الدقيقة، وبعد ذلك تمتص الخملات المواد الغذائية من الفرث، وهذه هي الخطوة الأولى، ثم يسير الغذاء في الدم، ويمر على الغدد اللبنية، وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد الغذائية من الدم، وبعدها يتكون اللبن، فيتكون اللبن من بين الفرث أولا، ثم من بين الدم. وعلى ما تقدم يكون بيان قوله تعالى (من بين فرث ودم) هو: يتكون اللبن من بين فرث أولا ومن بين دم ثانيا. - (من بين فرث ودم) قدم ذكر الفرث على الدم؛ لأن الاستفادة أولا من الفرث وبعدها من الدم، فهو ترتيب وفق الوجود الطبيعي. - (لبنا خالصا سائغا للشاربين) وهذا الدم المستخلص من الفرث والدم خالص لا يشوبه صفات الفرث ولا الدم، وزيادة على ذلك فإن الله يسر شربه، فهو سهل الشرب ولا يتعسر على الإنسان شربه وبلعه. - ولكن لماذا لم يذكر النص اللبن في البداية، أي لماذا جاء النص بالمبهم أولا (مما في بطونه من بين فرث ودم) ولماذا لم يأت بالمبين بداية، أي: " نسقيكم لبنا خالصا " وبعدها (من بين فرث ودم)؟ والسبب هو أن أسلوب التشويق أبلغ في البيان، فابتدأت الآية بالمبهم تعظيما للأمر وتشويقا، ثم بينت أن ذلك الأمر العظيم في خلقه هو اللبن الذي لا تلتفتون إلى بديع خلق الله فيه. - لماذا قدم (خالص) على (سائغا)؟ قدم (خالص) على (سائغا)؛ لأن الخلوص عن الآفات والشوائب والمضرات، أهم من سهولة البلع، ألا ترى أن الدواء غال مع أنه غير سائغ، وما ذلك إلا لنفعه وخلوصه عن الآفات، وهذا مثل اللبن الخالص، فإنه نافع لما فيه من الفوائد، ولأنه خالص من الآفات. وأيضا، فإن اللبن إن لم يكن خالصا فلا يكون سائغا، لأنه كيف يستسيغ الإنسان بلع اللبن وفيه طعم الفرث أو الدم؟!! - هذه الآية دليل على أن الاستحالة مطهرة، ومعنى الاستحالة، هو: تحول الشيء من مادة إلى مادة، فمثلا: الكلب النجس إذا حرق وصار رمادا، فإن الرماد طاهر وإن كان أصله كلبا؛ لأن جسم الكلب استحال إلى رماد، والرماد مادة أخرى غير جسم الكلب. ومثال هذا هنا أن الدم نجس، ولكنه استحال من دم إلى لبن، فأصبح اللبن طاهرا؛ لأن الدم استحال من مادة إلى مادة أخرى (من بين فرث ودم لبنا خالصا). والاستحالة مطهرة عند الحنفية والمالكية، ويترتب على هذا الأمر أحكام كثيرة، منها استحالة المواد النجسة واستعمالها في شتى الصناعات الغذائية والدوائية، واستحالة المياه العادمة، واستحالة الخلطات العلفية، وكيفية تطهير النجاسات المائعة وغير المائعة، وغير ذلك من المباحث، والتي لا يتسع المقام إلى عرضها.

стр. 74

(ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) (٦٧) المفردات: - النخيل: جمع نخلة. - أعناب: جمع عنب، والعنب جمع عنبة. - السكر: الشراب المسكر. - آية: علامة ظاهرة (دلالة). المعنى الإجمالي: وتكمل الآية عرض نعم الله الدالة على وحدانيته ، فالله هو من يسقينا من ثمرات النخيل والأعناب الشراب وغير ذلك من الأغذية، وهذه السقيا دلالة على وحدانية الله لمن يعقلها. والامتنان بالسكر - وهو الخمر - امتنان بشيء كان مباحا وقت نزول هذه الآيات؛ لأنها آيات مكية وتحريم الخمر كان في المدينة. المعنى التفصيلي: - (ومن ثمرات النخيل والأعناب) الجملة عطف على الجملة السابقة، وتقدير الكلام: "ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب". وقوله تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ليس متعلقا بـ (تتخذون منه سكرا) والمانع من هذا التعلق هو: "من" في قوله تعالى (تتخذون منه سكرا)، ولو كان النص "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سكرا" لاحتمل تعلق الجملة بـ (تتخذون)، ولكن مع وجود "من" في قوله تعالى (تتخذون منه سكرا) فإن الظاهر أن الضمير في منه عائد على ما يسقينا الله من الثمرات. قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: "ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم". - وقيل: إن " ومن ثمرات ": معطوف على الجار " في الأنعام "، وعلى هذا يكون التقدير: وإن لكم في الأنعام لعبرة، ومن ثمرات النخيل لعبرة. وجملة " تتخذون " تفسيرية للعبرة. ولكن هذا ضعيف؛ ولو كان النص "وفي ثمرات النخيل " لكان الاحتمال قويا؛ لأن الاعتبار في السياق القرآني يكون في الشيء لا من الشيء، وانظر إلى قوله تعالى: (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (آل عمران: ١٣) (وإن لكم في الأنعام لعبرة) (النحل:٦٦) (المؤمنون:٢١) (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (النور: ٤٤) (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) (النازعات: ٢٦) - (النخيل والأعناب) ورتبت أنواع الأشجار من الأعلى إلى الأدنى من جهة العمر؛ لأن طول تعمير الشجرة نوع من أنواع النعمة، النخيل يعيش أكثر من الأعناب. وهذا كقوله تعالى في بداية هذه السورة (الآية:١١) (والزيتون والنخيل والأعناب) حيث رتبت أنواع الأشجار من الأعلى إلى الأدنى من جهة العمر؛ لأن طول تعمير الشجرة نوع من أنواع النعمة، فشجر الزيتون يعيش مئات السنين، وشجر النخيل يعيش أقل من شجر الزيتون بكثير، وأما الأعناب فأقلهن عمرا. - وجملة (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) تفسير لجملة (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ولم تعطف جملة (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) على جملة (ومن ثمرات النخيل والأعناب)؛ وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل". - (تتخذون منه) الاتخاذ بمعنى الجعل، أي: تجعلون منه، وهذا ما نسميه في عصرنا بالتصنيع الغذائي. - (سكرا) جمهور العلماء أن السكر هو الخمر، من باب إطلاق المصدر على الاسم، نقول سكر سكرا وسكرا. والامتنان بالخمر على قريش كان قبل تحريمها، فإن هذه الآيات مكية، وإنما حرمت الخمر بالمدينة، فامتن الله سبحانه بما هو مباح وحلال في ذلك الوقت، ولذلك قال تعالى (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) فوصف الله الرزق بالحسن، ولكنه لم يصف السكر بالحسن رغم إباحته في ذلك الوقت؛ لأنه خبيث، وإنما أباحه الله في ذلك الزمن من باب التيسير على الداخلين في الإسلام، لأن عليهم تبعات عظيمة لتغيير واقعهم الجاهلي، ولله الحكمة البالغة، (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (الأنبياء: ٢٣) وروي عن بعضهم أنه نبيذ التمر غير المسكر، أي الماء الذي يوضع فيه التمر ويترك حتى يصبح شرابا حلوا غير مسكر. - (ورزقا حسنا) هو كل ما يتخذ من الحلال من هذه الأشجار، من الخل والدبس وغير ذلك. - (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) (إن) حرف توكيد (في ذلك) اللبن الذي يخرج من بين الفرث والدم خالصا سائغا، وفيما تتخذونه من الشراب والرزق الحسن من النخيل والأعناب (لآية) لعلامة دالة على أن الله الخالق المستحق للعبادة، واللام في (لآية) للتوكيد. - (لقوم يعقلون) وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يعقلون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح استخدام عقولهم صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن استخدم عقله مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يستخدمه، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن استخدامهم لعقولهم متجدد متكرر، وليس بواقعة واحدة. - جاء نص هذه الآية (لقوم يعقلون) بينما جاء في الآية (٦٥) من هذه السورة (لقوم يسمعون) فلماذا اختلاف التعبير؟ اختلف التعبير في الموضعين؛ لأن الموضوع الذي ختم بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) هو موضوع نزول الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة، وهذا الموضوع يدركه القاصي والداني، والصغير والكبير، بل إن الراعي ليشاهد أحداثه وتفاصيله ويعلمه بدقة، ولذلك، فإن هذا الأمر بحاجة إلى توجيه الأذن إليه حتى تعلم ماهيته. بينما خروج اللبن من بين الفرث والدم، لا يعلم حقيقته إلا من أعمل عقله وعلمه.

стр. 75

(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) (٦٨) المفردات: - أوحى: ألهم. - يعرشون: يبنون. المعنى الإجمالي: تتابع الآية عرض نعم الله علينا، وهذه النعمة هي نعمة العسل، حيث ألهم الله النحل أن تتخذ بيوتا لها، من الجبال أو الشجر أو ما يبنيه بنو البشر. المعنى التفصيلي: - (وأوحى) الواو للعطف على ما قبلها، حيث إن هذه الآية حلقة من سلسلة نعم الله المعروضة في هذه الآيات. - والوحي قد يرد بعدة معان، فقد يراد به الإلهام (وأوحى ربك إلى النحل) (النحل: ٦٨)، أو تكليم الملك للنبي، ومنه يطلق الوحي على الموحى به، وقد يراد به الإشارة (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (مريم: ١١). وهنا يراد به الإلهام، وهذا الإلهام يظهر لنا بصورة غريزة أودعها الله سبحانه في هذه الحشرة الضعيفة، فهي تسير وفق نظام دقيق، وهذا النظام لا يأتي هكذا، إنما هو الإلهام والإرشاد الرباني، وهذا الإرشاد الرباني لهذه الحشرة الضعيفة كون مملكة تسمى "مملكة النحل"، والتي إن قرأ أحدنا عن النظام المتبع فيها، لعلم أنها آية من آيات الله ، وأنها بحاجة إلى تفكر وتدبر. - (ربك) فيه تأنيس للنبي ﷺ ؛ حيث خاطب الله النبي ﷺ في سياق بيان النعم. - وجاء التعبير بـ "الرب" وليس "الإله" لما في كلمة (رب) من معاني العناية والرعاية، وهي أنسب في سياق الإلهام والعناية لهذا المخلوق الضعيف " النحل". - (النحل) لعله سمي نحلا؛ لأنه ينحل الناس العسل نحلة، أي عطية بلا قصد عوض، أي بدون مقابل، قال تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) (النساء: ٤) أي عطية بدون مقابل. - والنحل يذكر ويؤنث، وقد أنث في قوله تعالى (أن اتخذي من الجبال بيوتا)، وأما من ذكر النحل، فكان بناء على لفظه، ومن أنثه، فبناء على أنه جمع نحلة. - (أن) في قوله تعالى (أن اتخذي) تفسيرية، أي لما سبق من الإيحاء. - (من) في قوله تعالى (من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) للتبعيض؛ لأن النحل تتخذ من بعض الجبال بيوتا، ومن بعض الشجر، ومن بعض الأماكن المبنية. - (يعرشون) أي يبنون من أسوار وسقف وبيوت، سواء كانت معدة للنحل أوغير ذلك. - وقرأ جمهور القراء (يعرشون) بكسر حرف الراء، وقرأه ابن عامر بضمها (يعرشون). - ولكن لماذا قدم ذكر الجبال على الشجر وبعدها ما يعرشه البشر (من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)؟ قدم ذكر الجبال على الشجر وبعدها ما يعرشه البشر؛ ربما لسهولة الاتخاذ وتوفره، فمجال الاتخاذ من الجبال أوسع منه في الأشجار، لأن من الجبال ما فيه شجر، وما ليس فيه شجر، أما الأشجار فإنها أقل انتشارا من الجبال، وأما ما يبنيه البشر من البنيان، فليس من السهولة بمكان أن يجد النحل له مكانا لبيته، فلا بد أن يبحث كثيرا فيما يعرشه بني البشر حتى يجد له موطئ قدم. والله أعلم.
следующие страницы →