← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عَوْنُ الْمَتِين عَلَى نَظْمِ رِسَالَةِ الْقَرَوِيِين كتابة: محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دَيَّ اليعقوبي الأعمامي

стр. 2

مقدمة الشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فقد كنت عُنيت بوضع نظم لرسالة الإمام الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ـ رحمه الله تعالى ـ يستوعب مسائلها مع الوضوح، لعظيم خطرها في المذهب، وعسر حفظ النثر، وقد يسر الله ذلك بمنه وإكرامه، وجزيل فضله وإنعامه، وقد تكرر عليَّ الطلب من قبل دارسين ومدرسين بوضع شرح عليه، يوضح مشكله، ويفتح مقفله، ويبين مراد الشيخ، ويوجه رأيه، وقد رغبت عن ذلك زمنا، لعجزي عنه من جهة، وانشغالي من جهة أخرى، ثم بدا لي بعد الإلحاح علي أن آتي من ذلك بما يتيسر علي، مما يتمم النفع بالنظم المذكور، فما لا يدرك كله لا يترك قُله، والله المستعان، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد قصرت نظري في هذا العمل على الاختيار من نصوص من تهيأ لي الوقوف على كلامه من أساطين المذهب، مما يتبين به مراد الشيخ، فكلامهم أقعد بكلامه، ومرامهم ألصق بمرامه، أو يشتمل على بيان الراجح من الخلاف، أو يتضمن إشارة إلى المناط في المسألة، إذ بمعرفة ذلك يكون الاهتداء إلى الفروق، فهو منبعها، ويؤمن الاشتباه، ويتسنَّى الضبط، ولذلك قيل في العلة إنها: معرف الحكم بوضع الشارع، فهي له كالحد المانع الجامع. وقد قال بعضهم إن مذهب مالك ـ رحمه الله تعالى ـ من أصعب المذاهب ضبطا، وأدقها فروقا، لأنه في الأصل أجوبة عن أسئلة متشعبة، وقد أشار جلال الدين ابن شاس في جواهره إلى أن عدم ترتيب مسائله مما سبب رغبة بعض أهل وقته عنه، فلذلك عُني بترتيبه رحمه الله تعالى.

стр. 3

ومن أهم الكتب التي رجعت إليها في ذلك تبصرة الإمام أبي الحسن علي بن محمد الربعي القيرواني اللخمي (١) وهو كتاب عظيم الخطر في المذهب، ويقال إن ابن النحوي لما التقى باللخمي سأله ما جاء بك؟ فقال: جئت لأنسخ تأليفك المسمى بالتبصرة، فقال له: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب. ومن أهمها كذلك تنبيه تلميذه أبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير (٢) وشرح تلميذه أيضا أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري (٣) على تلقين القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (٤) والجامع لمسائل المدونة والمختلطة للإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي ثم القيرواني (٥). والمقدمات الممهدات، لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات، لأمهات مسائلها المشكلات، للقاضي أبي الوليد محمد بن أحمد ابن رشد القرطبي (٦) ... وهو في ما أُرِيتُ من أكثرهم اعتناء بتوجيه المسائل، وقد أعطاه الله من حسن النظر وجزالة الرأي حظا وافرا. وإشراف القاضي أبي محمد عبد الوهاب، وقد عُني فيه بالخلاف الأكبر، ونصب البراهين النقلية والنظرية على مسائل المذهب. والكافي في فقه أهل المدينة لحافظ المغرب أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي ... (٧) وتفريع أبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري (٨) وعِقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لجلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس (٩)

стр. 4

ومختصر محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (١) وقد رزقه الله سعة اطلاع نادرة، مع معرفة متمكنة بالعلوم النظرية، ودُربة قوية في تنزيلها. وتوضيح أبي الضياء خليل بن إسحاق (٢) على جامع الأمهات. وشفاء الغليل على لغات خليل، لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد ابن خَلَف المنوفي (٣) وشرح سيدي أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق (٤) على الرسالة. وشرح قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (٥) عليها أيضا. والتاج والإكليل على مختصر سيدي خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري الشهير بالمواق ... (٦) ومواهب الجليل على مختصر سيدي خليل، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب (٧) وهما ـ على ما يقع لهما في مواضع كثيرة من الاختصار ـ عِلقان من أنفس ما تيسر لي الوقوف عليه من شروح مختصر سيدي خليل ـ رحمهم الله تعالى جميعا ـ كما أنه من أوعى مختصرات المذهب، وأعظمها فائدة لمن عُني به، فقد فهرس معظم كتب المذهب، وتضمن التلميح إلى كم كثير من بحوث أئمته - رحمة الله تعالى عليهم أجمعين - كما يتضح عند مراجعتها، وبالأخص تبصرة الإمام أبي الحسن اللخمي. وقد أجاد سيدي المواق في بيان منابعه، وإيضاح منازعه، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين، وربما نقلت مسألة من تقريرات الحطاب على الرسالة. وحيث عزوت للموطإ فمرادي موطأ أبي محمد يحيى بن يحيى بن كثير الليثي شيخ المالكية بالأندلس (٨)

стр. 5

ومكانة الموطإ أظهر من أن تذكر، وأبين من أن تنشر، وخصائصه أكثر من أن تحصر، وليس لطالب مذهب مالك ـ رحمه الله تعالى ـ بد من السكون إليه، فلا مطمع فيه إلا بالإكباب عليه، بل قال الدهلوي إن مذاهب الثلاثة بالنسبة له كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون. وقد اختص الموطأ بذكر ما عليه العمل عند أهل العلم بالمدينة المنورة بأنواره ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ومعلوم أن المراد بهم عنده علماء الصحابة والتابعين خاصة، ولا يخفى أن ذلك في معنى الأحاديث المتواترة، خصوصا في ما تعم به البلوى، لعلمهم واطلاعهم وتبريزهم، فيستحيل أن يخفى عليهم آخر الأمر في ذلك من رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ. وحيث نقلت من المدونة دون واسطة، فإنما أعني تهذيب خلف بن أبي القاسم محمد الأزدي القيرواني البراذعي، وهو من الآخذين عن الشيخ أبي محمد رحمهما الله تعالى، وكان فراغه منه عام اثنين وسبعين وثلاثمائة. ومكانة المدونة في المذهب عظيمة جدا، ويكفيها خطرا أنها حاصل اجتهاد مالك وابن القاسم وسحنون ـ رحمهم الله تعالى جميعا ـ قال ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ: وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطإ مالك رحمه الله تعالى ويروى أنه ما بعد كتاب الله تعالى أصح من موطإ مالك ـ رحمه الله تعالى ـ ولا بعد الموطإ ديوان في الفقه أفيد من المدونة، والمدونة عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو، وككتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن من الصلاة تجزئ من غيرها، ولا يجزئ غيرها منها. وذكر القاضي عياض ـ رحمه الله تعالى ـ أنه ما اعتكف أحد على المدونة ودراستها إلا عرف ذلك في ورعه وزهده، وما عداها أحد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه. وسميته: عون المتين على شرح نظم رسالة القرويين وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كتبه العبد الضعيف محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن سيدي محمد المعروف بدي كان الله تعالى لهم وليا ونصيرا. محروسة كيف لسبع بقين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وأربعمائة من هجرته صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 6

مقدمة النظم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - الحمد لله الذي قدَ اَرسلا ... نبيَّه معلما للجهلا ٢ - ففصَّل الدينَ المبينَ القَيِّما ... وللصراط المستقيم رسما ٣ - ولم يدع لسائل سؤالا ... ولا لمستشكل استشكالا ٤ - بل نشر الأمر على رأس الثُّمام ... للعارفين بمقاصد الكلام ٥ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ٦ - وصحبه رووا على تَقَصِّي ... جميعَ أمره بدون نقص ٧ - وعلماء التابعين نقلوا ... عن هؤلاء كل ما قد حملوا ٨ - وهكذا نسأله سبحانه ... إسباغَه عليهمُ رضوانَه الحمد لغة: الوصف بالجميل اختيارا أو لا، فعلا أو لا، على فعل جميل اختياري، وليس للشرع فيه اصطلاح، إذ لو كان لأوقف عليه. والإرسال: البعث، والنبي: فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبإ، وهو الخبر المهم.

стр. 7

والمعلم: اسم فاعل من علّمتَ فلانا الشيء إذا لقنته إياه وجعلته يعلمه، والجهلاء: جمع جاهل صفة مشبهة من الجهل، وهو عدم المعرفة بالشيء ويسمى هذا جهلا بسيطا، ويقابله الجهل المركب، وهو اعتقاد خلاف الواقع، وفصّل الشيء: بينه وأوضحه، والدين: الشرع والمنهاج الذي بعثت به الرسل للإنسان ليسير عليه في حياته، والمُبين: الظاهر، والقيم: وصف على وزن فَيْعِل من القيام، ومعنى ذلك البناء: قوة الاتصاف بالمصدر كهيّن، وليّن، وبيّن، وديّن، وكيّس، وصيّن، وسيّء، وشيّق، والقيام في الأصل: المثول والانتصاب، ويطلق مجازا على الاعتدال وعدم الانحراف، وهو المقصود هنا، والصراط: الطريق، حقيقي في الحسي مجاز في المعنوي، والمستقيم: الذي لا ميل فيه ولا اعوجاج، ورسم البناء: خط حدوده وتفاصيله، كأنه يعني بالشطر الأول جزئيات الشرع، وبالثاني الكليات والقواعد التي يجري عليها الاستنباط والاجتهاد، واستشكل فلان الأمر: أورد عليه إشكالا، والإشكال: اللبس في المعنى، ونشر الخبر: أذاعه، ونشر الثوب: بسطه، ورأس الشيء: أعلاه، والثمام - بضم الثاء -: جنس نباتات عشبية تحته أنواع عديدة، يقولون: هذا على رأس الثمام، وعلى طرف الثمام، وعلى طرف العصا، وعلى حبل الذراع، إذا أرادوا قربه وسهولة أخذه، لأن الثمام لا يطول وليس له شوك، فالمنشور عليه في متناول الكبير والصغير، والقوي والضعيف، والمقاصد: جمع مقصد بكسر الصاد: اسم مكان من قصد الشيء إذا أراده، والصلاة من الله : الإنعام، ومن العبد طلبه، سواء كانت على نبي أو غيره، وكل ما ذكروه فيها يرجع إلى هذا قاله الهلالي، وذكر الحطاب أنها وإن كانت بمعنى الإنعام إلا أنها تدل على معنى زائد على ذلك وهو التعظيم، والسلام من الله سبحانه و تعالى: الإنعام بالسلامة، ومن العبد: طلبه، وآل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الدعاء، قال عبد الحق: أعرف لمالك - رحمهما الله تعالى

стр. 8

- أنهم كل من تبع دينه، وقيل آله: أتقياء أمته، ولو فسر هنا بأزواجه وذريته لم يكن بعيدا، اعتبارا ببعض ألفاظ الصلاة الواردة في الصحيح، والله سبحانه و تعالى أعلم. وأما آله في الزكاة فهم بنوا هاشم، أو هم وبنوا المطلب. والصحب: اسم جمع من الصحبة، وهي الملازمة، وأصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم: كل من اجتمع به اجتماعا متعارفا من المؤمنين، من غير ارتداد بعد آخر رؤية، سواء كان مميزا أو لا، فشرف الصحبة حاصل بمطلق الاجتماع مع الإيمان، وبين صحبة الشرف، وصحبة الرواية عموم وخصوص من وجه، فرسول هرقل مثلا صحابي رواية، وشرف الصحبة غير ثابت له، وكذلك من ارتد بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وسلم ثم راجع الإسلام، فمرويه له حكم رواية الصحابي، بخلاف نحو محمد بن أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ فهو صحابي شرفا فقط، ومروياته مراسيل. وتلاه: تبعه، يعني من اتبع شرعه، وتقصى فلان الأمر: بلغ أقصاه وأبعده في البحث عنه، وسبحان قال القرطبي رحمه الله تعالى: اسم موضوع موضع المصدر وهو غير متمكن، لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف، لأن في آخره زائدتين، تقول: سبحت تسبيحا وسبحانا، مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله لا يصلح لغيره، إلى أن قال: والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه، إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء، فالتقدير عنده أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك تنزيها. والإسباغ: مصدر أسبغ إذا أتم، والسابغ: الضافي، ومنه قوله : (أن اعمل سابغات (والرضوان بكسر الراء وبضمها: الرضى، وهو مصدر رَضِيَ: نقيض سَخِط، والاسم: الرِّضاء بالمد.

стр. 9

٩ - هذا وقد رام لسان الحال ... بالرغم من تكاثر الأشغال ١٠ - نظما لباكورة مذهب إمام ... مدينة النبي أفضل الانام ١١ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ١٢ - أعني رسالة الامام القَرَوِي ... من كان ذا علم وفضل مولوي ١٣ - فجئت من ذلك بالميسور ... رغما من القصور والتقصير ١٤ - محاذيا له ولا أغيِّر ... منه الذي خالفه المختصر ١٥ - ولا أكرر وقد أزيد ... بذكر أمر ذكره مفيد ١٦ - مع الجنوح للوضوح فالوضوح ... ألشيخ قد كان إليه ذا جنوح ١٧ - لأنه يخاطب المبتدئين ... وذاك منه يقتضي القول المبين هذا: كلمة يؤتى بها للانتقال من غرض إلى غرض، ورام فلان الشيء: طلبه، واللسان: جارحة معروفة، وهي من الإنسان آلة النطق والذوق، ولسان حال الشيء: وضعه الذي هو عليه، وحال الشيء صفته التي يتصف بها في الوقت، والمراد أن الوضع الراهن يستدعي نظم الكتاب المسمى بالرسالة، ليتيسر حفظه، وذلك لما له من خطر في المذهب، وقد ذكر ابن ناجي ـ رحمه الله تعالى ـ أن الشيخ لما أتمها بعث بنسخة منها إلى أبي بكر الأبهري ـ رحمهما الله تعالى ـ ففرح بها وأشاع خبرها بين الناس، وأثنى عليها، وعلى مؤلفها، وأمر ببيعها ليحسن بثمنها إلى الواصل بها، وقال لا تباع إلا وزنا بوزن، ففعل ذلك، فجاء وزنها ثلاثمائة دينار ونيفا، ومدحها القاضي أبو محمد عبد الوهاب بقوله: رسالة علم صاغها العلم النهد ... قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد أصول أضاءت بالهدى فكأنما ... بدا لعيون الناظرين بها الرشد وفي صدرها علم الديانة واضح ... وآداب خير الخلق ليس لها ند لقد أم بانيها السداد فذكره ... بها خالد ما حج واعتمر الوفد

стр. 10

وقوله: بالرغم الباء فيه بمعنى على، يقال: فعلت كذا على رغم فلان، أي على كرهه ومساءته، ثم توسع فيه فاستعمل في مطلق المخالفة، والتكاثر: التزايد، والأشغال: الأعمال، والنظم: الكلام الموزون المقفى، والباكورة: مؤنث الباكور، وهو المعجل الإدراك من كل شيء، والإدراك: النضج، وكانوا يسمون الرسالة باكورة السعد، والمذهب: اسم مكان من الذهاب، وهو ما يراه المجتهد من الأحكام الشرعية باجتهاده، أو يخرجه أصحابه على أصوله وقواعده، والإمام: المقتدى به، والمدينة: المصر، جمعه مُدُن ومدائن، من مَدَن بالمكان مُدونا إذا أقام به، والمدينة: علم بالغلبة على مدينة النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم، وأفضل: أشرف وأكرم، والأنام: الخلق، جمعه آنام وأنيم، وأعني: مضارع من عَنى الشيء عَنْيا وعِناية: قصده وأراده، والقروي: نسبة إلى القيروان - بفتح الراء وبضمها - مدينة على بعد مائة وستين كيلو مترا من مدينة تونس، اختطها عقبة بن نافع الفهري ـ رحمه الله تعالى ـ سنة إحدى وخمسين، يقال إنه وجدها غيضة كثيرة الأشجار، مأوى الوحوش والحيات، فأمر بقطع الشجر وحرقه، وبنى بها جامعه المعروف، وبها قبر الصحابي الجليل أبي زمعة عبيد بن أرقم البلوي، وهو من الذين بايعوا بيعة الرضوان، استشهد سنة أربع وثلاثين من الهجرة. والنسبة إلى القيروان قَرَوِي بالتحريك، وقيرواني على الأصل، والقيروان في الأصل كلمة أعجمية بمعنى الكتيبة.

стр. 11

والإمام القروي هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد، شيخ المغرب إليه انتهت رئاسة المذهب، قال القاضي عياض ـ رحمه الله تعالى ـ: حاز رئاسة الدين والدينا، ورحل إليه من الأقطار، ونجُب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وملأ البلاد من تآليفه، حج وسمع من أبي سعيد بن الأعرابي وغيره، وكان يسمى مالكا الأصغر، يقال: إنه ألف هذا الكتاب وهو ابن سبعة عشر عاما، وقيل ثمانية عشر عاما، قال سيدي زروق رحمه الله تعالى: ويحكى أنه انهدم حائط بيته وكان يخاف من الشيعة فربط في موضعه كلبا، فقيل له في ذلك، فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضاريا، كذا سمعته من شيخنا أبي عبد الله القوري رحمه الله تعالى، وذكروا أن محرزا بن خلف العابد المعروف، شيخ العلم بأريانة ثم قرطاج، الذي لقب بسلطان الصالحين، قصد ذات يوم إلى زيارة الشيخ ابن أبي زيد ـ رحمهما الله تعالى ـ وكان يقصده للزيارة، فلما دخل إلى داره أتوه بابنة له ـ أعني الفقيه أبا محمد ابن أبي زيد ـ ليدعو لها، وكانت قد أقعدت، فدعا لها وقامت على قدميها ومشت من ساعتها، فكثر التعجب من ذلك، فقال: والله العظيم ما قلت إلا بحرمة أبيها عندك اكشف ما نزل بها، فشفاها الله تعالى ببركة أبيها. كذا في كتاب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، للشيخين أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري الأسيدي المشهور بالدباغ، وقاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني المتقدم الذكر.

стр. 12

ويقال إن محرزا هذا هو الذي طلب من الشيخ أن يضع له كتاب الرسالة ليلقنه للأولاد، وقد كان الشيخ محرز مؤدبا، وتوفي الشيخ أبو محمد يوم الاثنين عند الزوال، آخر يوم من شعبان، سنة ست وثمانين وثلاثمائة، عن ست وسبعين سنة، وصلى عليه الشيخ أبو الحسن القابسي بالريحانية عند باب أصرم، يوم الثلثاء، في جمع لا يحصون، ودفن بداره، وروي عنه أنه لما سمع بوفاته سقط على الأرض، وقال: الآن انكشفت عورتي، لما كان ينوب عنه في الفتوى، وبكى عليه حتى كاد يعمى، والموْلَوِي: المنسوب إلى المولى ، يراد بذلك أنه غير مكتسب، والميسور: السهل، ضد المعسور، والقصور عن الشيء: العجز عن بلوغه، والمراد هنا عدم الأهلية للقيام بما يستدعيه الحال، والتقصير: التفريط والتكاسل، والمحاذاة: المقابلة والموازاة، والمختصَر: اسم مفعول من الاختصار وهو الإيجاز، وقد صار في الأزمنة المتأخرة علما بالغلبة على مختصر سيدي خليل - رحمه الله تعالى - يشير بذلك إلى أنه لا يفعل ما فعله بعض من نظم هذا الكتاب من العدول إلى ما يعتمده سيدي خليل - رحمه الله تعالى - عند اختلاف الكتابين في المسألة، والجُنوح: مصدر جنَح - بفتح النون - إلى الشيء إذا مال إليه، والشيخ: الذي انتهى شبابه وظهر عليه الشيب، ورئيس القوم وإن لم تكبر سنه، ومن أخذتَ عنه العلم، جمعه: شيوخ وأشياخ وشِيخَة وشِيخان ومشْيَخة، والمبتدئين: جمع مبتدئ - بالكسر - اسم فاعل من الابتداء، وهو أول الاشتغال بالشيء، ويقتضي: مضارع من الاقتضاء، وهو الاستدعاء والاستيجاب، والقول: الكلام، والمبين: الظاهر، والمعنى أن مقام التعليم - ولا سيما تعليم المبتدئين - يستدعي من المعلم المبالغة في التوضيح ١٨ - والاقتضاب ليس مستطابا ... إذا المقام يقتضي الإطنابا ١٩ - منَ اَجل ذاك كنت ذا إيثار ... له على الحسن والاختصار ٢٠ - حتى يكون الفهم ذا سهوله ... لذوي الابتداء والطفوله ٢١ - وحفظ الانظام به تذكُّر ... الاحكام يقصد إذا تستحضر ٢٢ - فإن يك المراد ليس ظاهرا ... يدخلْ بذكرها عناء آخرا ٢٣ - فالنظم حيث كان ذا تعقيد ... كان بلية على البليد ٢٤ - وغيره منه كذاك يقع ... بورطة لوقته تُضيع ٢٥ - لكنني لمَ اَذكر العقائدا ... إذ قول الاشياخ بها توحدا ٢٦ - مع اَن جل ما له الشيخ ذكر ... من الضروري الذي قد اشتهر

стр. 13

الاقتضاب: تأدية المعنى بألفاظ قليلة مجملة، أصله الاقتطاع، والمستطاب: المستحسن، والمقام: الحال، والإطناب: تأدية المعنى بألفاظ تزيد عما يقتضيه تصويره، والمعنى أن الإيجاز غير مستحسن في المقام الذي يناسبه الإطناب، والمراد بكونه غير مستحسن أنه غير بليغ، إذ بلاغة الكلام بمجيئه على الوجه المناسب للمقام المسوق فيه، والإيثار: التفضيل، والحسن: نقيض القبح، والاختصار: الإيجاز، والفهم: تصور الشيء وإدراكه، والابتداء: الشروع، والطُّفولة والطُّفولية والطفل بفتحتين: حالة الطِّفل، والطفل: الولد حتى يبلغ جمعه أطفال، والحفظ: الاستيعاب في الذهن والذاكرة، والأنظام: جمع نظم، وهو الكلام الموزون المُقَفَّى، والأحكام: جمع حكم، وهو في العرف العام: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، وفي الاصطلاح الشرعي ينقسم إلى تكليفي ووضعي، فالأول صفة فعل المكلف من الطلب أو الإذن، والثاني ما وضع علامة للأول، والعناء: مصدر عَنِي - بكسر النون - إذا تعب ونصب، والمراد أنه إذا خرج من عناء الاستحضار دخل في عناء التفهم أيضا، بخلاف المعنى الظاهر فإنه بمجرد ذكره للنظم فيه يعرف الحكم، والتعقيد: إيراد المتكلم الكلام على وجه يكون معه غير بين الدلالة، والبلية: البلوى والمصيبة، والبليد صفة مشبهة من البلادة، وهي فتور الطبع وركود الذهن، والورطة: الأمر الصعب الذي يتعسر الخروج منه، وتضيع: تفني، والعقائد: جمع عقيدة، وهي ما يعقد عليه القلب تدينا، بأن يجزم به جزما لا يقبل التغير، وتوحد: اتحد، وجل الشيء بضم الجيم: أكثره ومعظمه، والجل بالكسر: الجليل، يقال رجل جِل أي: جليل، والضروري: ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب لبداهته، والمعنى أن معظم العقائد النقلية التي ساق الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ ضروري عند الطالب.

стр. 14

٢٧ - وأسأل الله علا إتمامه ... ونفعَه لكل من قد رامه ٢٨ - وأن يكون رغم كلِّ ما أخل ... مقتضيا رضوانَه علا وجل ٢٩ - لنا، ومن لنا، ومن به عُني ... درسا وتدريسا بكل زمن ٣٠ - وأن يحقق لنا المطالبا ... أجمعَها الذلول والمستصحبا ٣١ - وأن يقينا منَ اَنواع البلا ... فهُو حسب من عليه اتكلا ٣٢ - يا رب بالوهاب والبر المجيب ... وبالكريم والسميع والقريب ٣٣ - وسائر الأسماء ما علمتا ... منها وما بعلمه استأثرتا ٣٤ - فلتستجب يا ربنا دعاءي ... ولا تخيب أبدا رجاءي ٣٥ - وصلينْ رب على المشفَّع ... وآله وصحبه والتابعي ٣٦ - كأطيب الذي من الصلاة ... سئلتَ في الذي مضى والاتي ٣٧ - وكأتمها كذاك كمَّا ... وسلمنْ سلامك الأتما قوله: علا هو فعل من العلو، وهو التنزه والتقدس، والإتمام: الإكمال، والنفع: نقيض الضر، ونفعه بكذا أفاده به وأوصل إليه خيرا، وكل: لفظ يفيد استغراق أفراد ما يضاف إليه، وأخل بالشيء: أفسده، وجل جلالا وجلالة: عظم وتنزه، وعني بالأمر: اهتم به، يلزم بناؤه للمفعول وإن كان بمعنى المبني للفاعل، وبناؤه للفاعل لغة قليلة، وعليها قول الشاعر: عانٍ بأخراها طويل الشغل

стр. 15

وذلك أن اسم الفاعل إنما يصاغ من المبني للفاعل، فعلى اللغة المشهورة إنما يقال: أنا معني بكذا، والدرس: مصدر درس الكتاب - بالتخفيف - إذا قرأه وأقبل على حفظه، والتدريس: مصدر درَّس - بالتشديد - وهو تعليم وتلقين المعارف، ويحقق: يتم وينجز، والمطالب: جمع مطلب: اسم مكان من الطلب، وقد اشتهر التجوز به عن المطلوب بعلاقة الظرفية، وأجمع: لفظ يؤكد به كل ما يصح افتراقه حسا أو معنى، والذلول: السهل الانقياد، ومن الطرق الممهد، جمعه: أذلة وذلل، والمستصعب: اسم مفعول من استصعب فلان الأمر إذا وجده صعبا أو اعتقده صعبا، ويقِيَنا: يحفظنا ويجيرنا، وأنواع: جمع نوع بفتح النون: الصنف من كل شيء، وأما بضم النون فهو العطش، ومنه قولهم: رماه الله تعالى بالجوع والنوع، والبلا: مصدر بمعنى الاختبار والامتحان، وحسب: اسم بمعنى كاف، يقال رجل حسبك من رجل، أي: كافيك، واتكل: فعل من الاتكال، والاتكال عليه : الاستسلام إليه، وعرّف الصوفية التوكل بأنه طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والمعول في تعريفه ما أشار إليه في المطهرة بقوله: أما التوكل فأن تباشرا ... الاسباب معْ شهودك المدبرا

стр. 16

والرب: المالك، ولا يطلق معرفا إلا للملك الحق المبين، جمعه: أرباب وربوب، والنسبة إليه ربي ورباني ورَبوبي، والاسم الربوبية، والوهاب: من أسمائه الحسنى، ومن معناه كثرة النعم ودوام العطاء، والبر أيضا من أسمائه الحسنى وكذلك المجيب والكريم والسميع والقريب، والبر من معناه كونه المحسن إلى كل الخلق، والمجيب من معناه أنه الذي يجيب دعوة كل من دعاه من بر وفاجر، والكبير من معناه أنه الذي يصغر عند ذكر وصفه كل شيء، والكريم من معناه أنه الذي يعطي ما شاء، كيف شاء، لمن شاء، متى شاء، والسميع من معناه أنه الذي يعلم السر وأخفى، والقريب من معناه أنه الذي لا يحجب منه شيء ولا يخفى عليه شئ، قال جل من قائل): وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (وقال جل من قائل: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " يا أيها الناس اربَعوا على أنفسكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ... (١) "

стр. 17

وقوله: سائر معناه باقي أو عامة وجميع، والأسماء: جمع اسم وجمع الجمع أسامي وأسام، واستأثر بالشيء: اختص به، وقد جاء عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " ما أصاب مسلما قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله تعالى همه، وأبدله مكان همه فرجا، قالوا يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها (١). وقوله: فلتستجب دعاءي، فعل من استجاب استجابة، والاستجابة: قبول الدعاء وقضاء الحاجة، والدعاء: الرغبة والابتهال، وأبدا: ظرف زمان لتأكيد المستقبل نفيا وإثباتا، والأبد: الدهر الطويل غير المحدود، يقال: الدنيا أمد والآخرة أبد، جمعه: آباد وأبود، والرجاء: تعلق القلب بحصول محبوب في المستقبل، والمشفع: مقبول الشفاعة، والتابعي: المنسوب إلى التابع أو التابعة، وهو اللاحق جمعه: تُبَّع وتُبَّاع وتَبَعَة - بحركات - والتابعي في الاصطلاح هو من صحب صحابيا ولا يكفي مجرد اللقي، وقيل من لقي صحابيا، وعليه عمل الأكثرين من أهل الحديث الشريف، وأطيب: أفعل من طاب بمعنى حسن وجاد ولَذَّ طِيبا وطِيبة - بكسر الطاء فيهما - وأتم: أفعل من التمام، وهو الكمال، والكَم بفتح الكاف: المقدار، وبالضم: مُدخَل اليد ومُخرجها من الثوب، وبالكسر: الغلاف الذي يحيط بالزهر ونحوه.

стр. 18

باب ما يجب منه الوضوء والغسل باب الشيء: ما يدخل منه إليه، حقيقة في الأجسام، مجاز في المعاني، جمعه: أبواب، وقوله: باب، هو خبر مبتدإ تقديره هذا، والباب في الاصطلاح: اسم لطائفة من مسائل العلم المقصود يجمعها معنى، وما: اسم موصول في محل جر بالإضافة، وصلته الجملة بعده، والوجوب: مصدر وجب الشيء يجب وَجْبا ووُجوبا ووَجْبة وجِبة: لزم وثبت، والوضوء - قال في تنبيه الطالب - بضم الواو: اسم لفعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على الأعضاء، وبفتحها: اسم للماء، وهو المشهور، وحكى العكس الجوهري وصاحب المطالع وغيرهما، وقيل بالفتح فيهما، وحكي الضم وهو شاذ، وهو مشتق من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، يقال: فلان وضيء الوجه أي: نظيفه وحسنه نقله في شفاء الغليل قال: والمِيضَأة والمِيضاءة على مِفعلة ومِفعالة بكسر الميم فيهما: المِطهرة التي يتوضأ فيها أو منها، والصحيح أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل، والجمهور على أن شرعه كان مع شرع الصلاة، ومن المعلوم أنها شرعت ليلة الإسراء، وقال ابن الجهم شرع في أول الإسلام ثم فرض بآية الوضوء. وسمي الوضوء وضوءا لوضاءة مدمنه في ما يظهر.

стр. 19

والغسل - قال النووي رحمه الله تعالى في تهذيب الأسماء واللغات - بالفتح: مصدر غسل الشيء غسلا، والغِسل بالكسر: ما يغسل به الرأس من سدر وخطمى ونحوهما، والغسل بالضم: اسم للاغتسال واسم للماء الذي يغتسل به، وهو أيضا جمع غَسول - بفتح الغين - وهو ما يغسل به الثوب من أشنان ونحوه، وفي حديث ميمونة - رضي الله تعالى عنها - أدنيت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غُسلا من الجنابة (١) وفي حديث قيس بن سعد - رضي الله تعالى عنه أتانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوضعنا له غُسلا (٢) الغسل في هذين الحديثين مضموم الغين، والمراد به الماء الذي يغتسل به، وهذا الذي قلناه من الضم في هذين الحديثين مجمع عليه عند أهل الحديث والفقه وغيرهم، وأما قول ابن باطيش إنه مكسور الغين فخطأ، نقله في شفاء الغليل. والغسل من الجنابة كان معروفا في الجاهلية وقد نقل أهل السير أن أبا سفيان - رضي الله تعالى عنه - نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ٣٨ - ويجب الوضو بكل نازل ... أُلِف من دُبُر أو من قُبُل ٣٩ - من بولٍ اَو من ريحٍ اَو من ودي ... يكون أو من غائط أو مذي ٤٠ - والمذي يات بالتذاذ صغرا ... بأن يقبل أوَ اَن يباشرا ٤١ - وهْو رقيقٌ اَبيضٌ وعمما ... منه بغسل ذكَرا تحتما ٤٢ - والودي ماء خاثر يجي ورا ... بول، وحكمه كحكمه جرى

стр. 20

قوله: ألف معناه: اعتيد، والودي ـ بإسكان الدال المهملة وحكى الجوهري كسرها وتشديد الياء ـ: ماء أبيض بياضا دون بياض المذي، خاثر خثارة دون خثارة المني لا رائحة له، يخرج عقب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة، أو عند حمل شيء ثقيل، وقد يخرج قبل البول، أو معه، أو وحده، والفعل منه ودي - مخففا ومشددا -وأودى بالهمز، وأحكامه كأحكام البول، وهي أربعة: أنه نجس، ووجوب الاستبراء منه، والاستجمار أو الاستنجاء، والوضوء.

стр. 21

والغائط في الأصل: المكان المطمئن، كنوا به عن الفضلة على عادة العرب في التكنية عما تكره التصريح به، من باب تسمية الشيء بمحله، والمذي - كظبي وتقي وبكسر الذال وتسكين الياء، والفعل منه مذّى مشددا وأمذى بالهمز ـ: ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة الصغرى بالقبلة والفكر، ويباشر: فعل من المباشرة، وهي الملامسة، أصلها من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد تطلق على الجماع، ويجب بالمذي الخارج عن لذة غسل الذكر كله على المشهور، وهو قول المغاربة لظاهر الحديث الشريف " يغسل ذكره ويتوضأ " (١) وقال العراقيون يكفي غسل موضع الأذى تأولا للحديث الشريف على ذلك، واختلف على الأول هل يفتقر غسل الذكر لنية وهو المشهور بناء على أنه تعبد، لأنه لما أوجب غسل زائد على موضع الأذى كان في معنى الحدث، وبه قال الشيخ أبو العباس الإبَّياني، أو لا يفتقر إليها وبه قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد - رحمهما الله تعالى - بناء على أن الغسل لقطع المادة لا تعبد، ولا يعترض بالأمر بالتعميم ولو طال الوقت؛ لأن المعلل بالمظنة لا يتخلف، واختلف عليه أيضا إذا اقتصر على موضع الأذى وصلى، فقال الإبَّياني يعيد أبدا، وقال يحيى بن عمر لا إعادة عليه، وقيل يعيد في الوقت، قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - ووجه الأول تضعيف مُدرك عدم وجوب التعميم، ووجه الثاني عكسه، ووجه الثالث التوسط بين الأمرين، فعول وجوب التعميم فلم يسقط الإعادة، واعتبر مقابله فلم يأمر بالإعادة بعد الوقت. ومعنى الأبيات أن الوضوء ينتقض بما خرج من أحد السبيلين، بشرط الاعتياد نوعا ووقتا ومخرجا، فخرج بالخارج ما لم يخرج، فلا وضوء في حقنة مثلا، ومن أهل العلم من عدها ناقضا، قال في المقدمات: وليس بصحيح، قال: إذ لو ارتفعت بعد وجودها لما لزم الوضوء منها.

стр. 22

وخرج بالاعتياد في النوع خروج الحصى المتولد في البطن، والدود، والقيح من أحد السبيلين، وخروج الدم من غير قبل المرأة، فلا ينقض شيء من ذلك، ولو صاحبه أذى أو بِلة على المشهور، خلافا لابن عبد الحكم حيث نقض بذلك مطلقا، ولابن نافع حيث نقض بما صاحبه أذى أو بلة. واختلف في الهادي، وهو الماء الذي يخرج من الحامل قرب وضعها، ففي سماع عيسى ابن القاسم أنه كبولها، ويؤيده إلحاق الودي بالبول، مع الشك في تجرد ذلك عن البول، وسمع القرينان فيه أنه لا ينقض واستظهره ابن رشد، وفي معنى الهادي القصة، وأما الحصاة التي قد ابتلعها فخروجها ناقض، وأما الدم من قبل المرأة فهو إما حيض أو استحاضة، وسيأتي الكلام عليهما إن شاء الله تعالى. وخرج بالاعتياد في الوقت، ما خرج على وجه السلس، وفيه طريقتان، طريقة العراقيين أنه غير ناقض، ولكن يستحب منه الوضوء إن لم يلازم، وطريقة المغاربة أن المفارق أكثر الزمن ناقض، والمفارق نصفه مختلف فيه، والمشهور استحباب الوضوء منه، والملازم أكثره غير ناقض، ويستحب الوضوء منه إن لم يشق، وهذا كله حيث لم يقدر على رفعه، فإن قدر على رفعه وترك خرج عن الاضطرار، وصار كالمختار، فينقض وسيأتي التصريح بذلك في كلام البرزلي -رحمه الله تعالى -وذلك كسلس مذي يرتفع بتداو أو تسر. والسلس من سلِس البولُ يسلَس -بكسر اللام في الماضي وفتحها في المستقبل - ومعناه اتصل جريه ومنه السلسلة لاتصال بعضها ببعض، قاله القاضي عياض -رحمه الله تعالى -في التنبيهات. وقال في الصَّحاح: شيء سلس سهل، ورجل سلس أي: ليِّن منقاد، وفلان سلس البول إذا كان لا يستمسكه، نقله في شفاء الغليل. وإذا خرج البول على الوجه المعتاد ممن به سلس البول نقض قطعا، قال في التفريع: إذا أمذى صاحب السلس بالعلة مذيا لشهوة، فعليه الوضوء، وكذلك إذا بال صاحب سلس البول بول العادة، فعليه الوضوء.

стр. 23

وخرج بالاعتياد في المخرج، الخارج من غير السبيلين مطلقا، وخروج البول من الدبر، أو الغائط من القبل، أو الريح منه، ولو قبل امرأة، وفي معنى المخرجين الثقبة التي تكون تحت المعدة إذا انسد المخرجان، وإلا فقولان. واختلف في القيء المتغير لأحد أوصاف العذرة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في مختصره: والمستحاضة في وجوب وضوئها لكل صلاة واستحبابه روايتا اللخمي، إلى أن قال: وفي كون القيء المتغير لأحد أوصاف العذرة مثلَها في النقض نقلا اللخمي وصوب الأول. والخارج المعتاد خروجه من المخرجين هو هذه الأمور الخمسة: البول، والغائط، والريح، والودي، والمذي، وقد جاء النص على النقض بها ما عدى الودي فهو ملحق بالبول، وأشار بعض الشيوخ إلى تناول الغائط في الآية لهذه الأشياء كلها، ورده اللخمي في التبصرة بما هو بين، وعدم النقض بالسلس للمشقة، وقد جاء الخبر بذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه (١) ... وعدم النقض بالحصى وما معه لخروج الصورة النادرة، وكذلك القول في السلس عند العراقيين، وعدم النقض بالقيء والجشاء ونحوها للأصل. تنبيه: ذكر اللخمي - رحمه الله تعالى - في التبصرة أنه سئل عن رجل إن توضأ انتقض وضوءه، وإن تيمم لم ينتقض قال: فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى، ورده ابن بشير - رحمهما الله تعالى - بأنه قادر على استعمال الماء، وما يرد عليه يمنع كونه ناقضا، واقتصر ابن عرفة على كلام اللخمي - رحمهما الله تعالى - ولم يحك خلافه، وحكى في الشامل في ذلك عن المتأخرين قولين، قاله الحطاب رحمه الله تعالى.

стр. 24

وقد سئل أبو القاسم البرزلي - رحمه الله تعالى - عن الإشكال المورد على جواب اللخمي، فأجاب: الذي ثبت كونه من السلس غير ناقض، هو السلس الذي لا انفكاك للمكلف عنه على الوجوه التي ذكروها، ولا حيلة في رفعه، ولا طهارة تسلم معه، وأما مسألة اللخمي فليس الكائن فيها بهذه الحيثية، لأن المكلف إن لم يتسبب فيه لم يقع، فيمكن له ثبوت الطهارة الترابية مع سلامته منه، والسلس الذي ذكروه لا يمكن ذلك فيه. وأجاب عن ذلك سيدي محمد بن مرزوق - رحمه الله تعالى - بأجوبة منها أن السلس مرض، فتوقعه بالوضوء مسقط للوضوء، وهذا بين جدا، وانظر كلامه في حاشية الرهوني وجامع المعيار، واختار الجمع بين الوضوء والتيمم، قال: لأن حالة السائل المذكور - وإن كان الراجح معها التيمم كما قدمناه - إلا أن ما ذكرتموه فيها من البحث وشبهه يوجب شكا هل هو من أصحاب السلس الذي يسقط في حقهم الوضوء أم لا. والله أعلم. ٤٣ - والاستحاضة بها ينتقض ... كما حكاه الشيخ أيضا الوضو ٤٤ - ويندب الوضو بها لكل ... فرض، كمثل سلس من بول ٤٥ - ويجب الوضوء من زوال ... ألعقل بالنوم ذي الاستثقال ٤٦ - أو سكر أو جنون اَو إغما معا ... لمس للذة يكون واقعا ٤٧ - وقبلة كذا بمس الذكر ... والخلف في مس الإناث للحِر دم الاستحاضة هو الدم النازل من الرحم لغير حيض ولا نفاس، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة دم حيض، ودم نفاس، ودم علة وفساد، وهو الاستحاضة.

стр. 25

والسلس تقدم الكلام على معناه، والعقل: قوة يتمكن الإنسان - بإذن الله تعالى - بواسطتها من التفكير والحكم، وتقابلها الغريزة عند الحيوان، والنوم: غشية تصيب البدن والعقل فتمنع عمل الحواس، والاستثقال: مصدر استثقل الشيء بمعنى ثقل نقيض خف، والسكر: ذهاب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، والجنون فساد في العقل، والإغماء: آفة تعرض للدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة حركة إدارة، واللذة: حصول ارتياح لإدراك مشتهى، والقبلة: اللَّثْمة، وقبلة الحمى: بثرة تخرج على فم المحموم، والذكر آلة البول من الرجل، والحر مثله من المرأة، وهو بكسر الحاء وتخفيف الراء وتشدد، أصله حِرِح، وجمعه أحراح وحِرون. أشار بالبيتين الأولين إلى الوضوء من دم الاستحاضة، وقد اختلف كلام الشيخ فيه حيث عده ناقضا، ثم قال: يندب منه الوضوء كسلس البول، ووفق بين كلاميه بوجوه، أظهرها أنه أراد بالوجوب ما كان انقطاعه أكثر، وبالندب ما كان استرساله أكثر، أو مساويا على الاختلاف المتقدم في السلس، ونقل سيدي زروق عن الباجي -رحمهما الله تعالى -أنه قال إذا ثبت أن دم الاستحاضة لا يجب به غسل فهل يجب به الوضوء؟ والمشهور من المذهب لا يجب. وقد وقع في كثير من الأخبار الصحيحة أمرها بالغسل دون الوضوء. ونقل ابن ناجي عن ابن عبد السلام - رحمهما الله تعالى -أنه: قال القياس في دم الاستحاضة سقوط الوضوء منه مطلقا، لأن الأصل في الدم ليس هو من نواقض الوضوء فلا مبالاة بقلته ولا بكثرته. ومقتضى هذا عدم استحباب الوضوء منه كالرعاف، وهو خلاف ما في المدونة، ونصها: ومن اعتراه مذي أو بول المرة بعد المرة لأبْرِدَة أو علة توضأ إلا أن يستنكحه ذلك فيستحب له لكل صلاة من غير إيجاب كالمستحاضة. وذلك لما روى مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنهم أجمعين - من أنها تتوضأ لكل صلاة.

стр. 26

هذا ونواقض الوضوء نوعان: أحدهما الأحداث، وهي ما تقدم ذكره في الأبيات قبل، والثاني الأسباب، وهو ما كان مظنة لحصول حدث، وإليها أشار بقوله: ويجب الوضوء من زوال إلخ، ومعنى البيت أن النوم الثقيل موجب للوضوء، ظاهره طال أو قصر، ومقتضى التقييد بالثقل، أن الخفيف لا ينقض طال أو قصر، أما الثقيل الطويل فناقض اتفاقا، وأما الثقيل القصير فناقض على المشهور، وأما الخفيف الطويل فغير ناقض على المشهور، ولكن يستحب منه الوضوء، وأما الخفيف القصير فغير ناقض اتفاقا، وهذا التفصيل طريقة اللخمي - رحمه الله تعالى -، وطريقة القاضي أبي محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - أن الثقيل ناقض مطلقا، وغيره ينظر فيه إلى صفة النائم، ونصه في التلقين: فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع أو سجود أو جلوس أو غير ذلك، وما دون الاستثقال يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود، ولا يجب منه في الجلوس. وهذا كله على أنه سبب، وهو المعول لما في الحديث الشريف " العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ " (١) وقيل هو حدث وروي عن ابن القاسم، والقول بذلك ناظر إلى أن القيام المذكور في الآية الكريمة من النوم، وأنه عام في كل نوم، وما ذكر من التفصيل ناظر إلى العلة والمعنى في الحديث الشريف " العين وكاء السه " فمقتضاه أن النوم إنما أوجب الوضوء من جهة أنه مظنة للريح، فإذا كان خفيفا بحيث لا يتصور فيه حدوث ريح من غير شعور لم يكن ناقضا، مع ما في الحديث من أنهم كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، (٢) والاختلاف في بعض الصور عائد إلى الاختلاف في تحقيق المناط هذا ما يظهر والله أعلم.

стр. 27

والنوم الثقيل فسره سيدي زروق - رحمه الله تعالى - بقوله: وعلامة الاستثقال سقوط شيء من يده، أو انحلال حبوته، أو سيلان لعابه، أو بعده عن الأصوات المتصلة به، ولا يتفطن لشيء من ذلك. ومقتضى العلة المتقدمة أنه ما يمكن فيه حدوث حدث من غير انتباه والله أعلم. قوله: أو سكر ... البيت معناه أن زوال العقل بالسكر ولو بحلال والجنون والإغماء والعته، ناقض للوضوء بلا تفصيل، لما تقدم في حديث الوضوء من النوم، وأن اللمس ناقض إذا كان للذة، وبيان ذلك أن المس الذي هو أعم منه يقع على وجوه، فتارة يقع بقصد اللذة، وتارة يقع دون قصدها، وفي كل إما أن تقع منه لذة أو لا، فإن قصد ووجد نقض اتفاقا، وإن قصد ولم يجد فظاهر المدونة وهو المشهور النقض، وروى أشهب أنه لا ينقض وهذا هو اللمس، وأصل النقض به قوله جل وعلا: (أو لمستم النساء (مع بعض الأخبار، وإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض اتفاقا، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني. (١) وإن لم يقصد ووجد ففيه خلاف والمشهور النقض، لأن ذلك أبلغ من المظنة، والمراد بوجود اللذة وجودها وقت اللمس، وأما وجودها بعده فهو من قبيل الالتذاذ بالفكر، كما نص عليه في اللوامع. وهذا كله إذا كان الملموس يلتذ به عادة، فخرج لمس الصغيرة والبهيمة ونحو ذلك، واختلف في اللمس من فوق حائل، والذي مشى عليه في التلقين الفرق بين الرقيق وغيره، ونصه: فأما لمس النساء فيجب منه الوضوء إذا كان للذة، قليلا كان أو كثيرا، مباشرا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة، وإن كان صفيقا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة.

стр. 28

قال الحطاب: الكلام في الحائل إنما هو بالنسبة إلى اليد، وأما لو ضمها إليه فالحائل كالعدم، كما قاله ابن عرفة - رحمه الله تعالى - زاد الشيخ يوسف بن عمر - رحمه الله تعالى - أو قبض منها. قال الحطاب - رحمه الله تعالى - يعني بيده. وهذا التفصيل المذكور في اللامس جار في الملموس أيضا كما في المدونة، ونصها: والمفعول به ذلك، إن التذ توضأ وإلا فلا وضوء عليه. وقال في التفريع: فإن التذ أحدهما دون الآخر فعليه الوضوء دونه، إلا أن يقبلها في فيها فيجب الوضوء عليه وعليها في كل حال. وعليه فالصور أربعة: انتقاض وضوئهما معا، وعكسه، وانتقاض وضوء اللامس فقط، وعكسه، والأصل في انتقاض الوضوء باللمس الآية الكريمة كما قدمنا، والتفصيل فيه تخصيص بالعلة، وظاهر الشيخ أن القبلة كاللمس لا تنقض إلا إذا كانت للذة، وهو الذي في التلقين، ونصه: ولا فرق بين اللمس باليد أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجد اللذة، ولا بين لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة، ولا فرق بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم. والمشهور أنها إن كانت على الفم نقضت مطلقا، إذ لا تخلو عن اللذة غالبا، فإن تحقق خلوها لم تنقض، كما لو كانت لوداع أو رحمة، وإن كانت على غير الفم جرت على تفاصيل اللمس. وأشار بقوله: كذا بمس الذكر، إلى أن مس الذكر ناقض، وقد أطلق الشيخ - رحمه الله تعالى - ذلك هنا لكن سيأتي له في الغسل تقييد ذلك بباطن الكف، وهو نص مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: وبباطن الأصابع مثله، وجعله ابن رشد - رحمه الله تعالى - تفسيرا لقول مالك، واللخمي خلافا، وجعل أبو بكر الوقار باطن الذراع مثل باطن الكف، وقال بعض العراقيين: إن التذ بمسه بأي عضو نقض وإلا فلا، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: وأما مس الذكر فالمراعى فيه اللذة عند بعض أصحابنا البغداديين، كلمس النساء.

стр. 29

وروى ابن وهب - رحمه الله تعالى - إن تعمد مسه نقض وإن نسي فلا شيء عليه، ورُوي أيضا أن الوضوء منه مستحب وليس بواجب، وقيل: إن مس الكَمَرة خاصة نقض وإلا فلا، حكاه الشارقي عن ابن نافع كما في مختصر سيدي ابن عرفة - رحمهم الله تعالى جميعا - والمعول عليه من هذه الأقوال القول الأول لظاهر معنى حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر، فإن ظاهر المعنى أن إيجاب الوضوء من مس الذكر خصوصا إنما هو لتوقع اللذة، ولو أريد مطلق المس لنقض مسه إياه بعود أو آلة، كما امتنع ذلك للمحدث في مس القرآن، فتعينت الصيرورة إلى المعهود، والشأن أن ذلك إنما يكون بباطن اليد خاصة. فإن قيل يرد على عدم إيجاب الوضوء بوجود اللذة من مسه بغير ذلك ما سبق في نقض الوضوء باللمس دون قصد لذة إذا وجدت منه لذة، من أن وجود اللذة أبلغ من ظنها. أجيب بأن الفرق ندور اللذة في مس الذكر بغير باطن اليد، بل ندور المس بغير باطنها، فالتعلق بالمعنى المعروف والشأن المعهود يوجب النقض في اللمس، إذ وجود اللذة فيه مع عدم القصد كثير معهود، بخلافها في مس الذكر بغير بطن اليد، فهو كلمس الصغيرة والدابة، وذلك هو وجه تخصيص الذكر عن جميع ما سواه من الأنثيين والأرفاغ وغيرها، والله أعلم. هذا ولا يخفى عليك أن الحديث المذكور هو منزع أكثر الأقوال المتقدمة، فهي جارية وراء المعنى الذي يومئ إليه، وأسعدها به إن شاء الله المشهور كما بينت والله أعلم واختلف في مس الذكر من وراء حائل، ثالثها ينقض مع الخفيف دون الكثيف، والمعول عدم النقض مطلقا لحديث ابن حبان وغيره " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حائل فليتوضأ " وهو صحيح من رواية نافع - رحمه الله تعالى - والله أعلم.

стр. 30

قوله: والخلف في مس الاناث للحر، أشار به إلى أنه اختلف في مس المرأة فرجها فجاء في المدونة أنه لا ينقض، وروى ابن أبي زياد عكسه، وروى ابن أبي أويس الفرق بين أن تلطف فينقض، وأن لا فلا، قال: قلت له: ما ألطفت؟ قال: أن تدخل يديها في ما بين شفريها، ومنهم من رأى ذلك خلافا، ومنهم من جعله وفاقا، فحمل قولي الإطلاق على قول التقييد، وحكى ابن رشد رواية رابعة باستحباب الوضوء، قال في التوضيح: والظاهر رواية ابن زياد إن كانت الروايات مختلفة لما في صحيح ابن حبان عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " من مس فرجه فليتوضأ" (١) والمرأة مثل ذلك، ووجه مذهب المدونة قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من مس ذكره فليتوضأ (٢) " ومفهومه نفي الوضوء من مس غيره، ورد بأنه مفهوم لقب، وزاد الباجي في رواية ابن أبي أويس أنها إن ألطفت وقبضت عليه بيدها. وعموم " من مس فرجه فليتوضأ " كاف في إيجاب الوضوء على المرأة من مس فرجها، وإن لم يصرح بذكرها كحديث ابن حبان السابق " إذا أفضى أحدكم " ولا ينتقض الوضوء بمس شيء من البدن غير ما ذكر، قال القاضي عبد الوهاب: ولا وضوء بمس الأنثيين ولا الدبر، ولا شيء من أرفاغ البدن، وهي مغابنه الباطنة، كتحت الإبطين، وما بين الفخذين، وما أشبه ذلك، ولا من أكل شيء أو شربه، كان مما مسته النار أو مما لم تمسه، ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها، ولا من ذبح بهيمة أو غيرها. واختلف في النقض باللذة عن نظر، قال سيدي ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في مختصره: وفي نقض لذة النظر نقلا المازري عن بعض أصحابنا وجمهورهم، الشيخ: قول ابن بكير: ولذة القلب تنقض لا أعرفه انتهى والظاهر أن النقض بذلك من اعتبار المناسب الغريب.

стр. 31

واختلف في النقض بالإنعاظ البين، قال ابن عرفة: وفي نقض بين الإنعاظ ثالثها إن اختلفت عادته في تعقبه مذي، للباجي عنها، مع نقله عن ابن شعبان، ورواية ابن نافع واللخمي. واختلف في الشك في الحدث بعد تيقن الوضوء فقيل يجب منه الوضوء وهو الذي في المدونة، وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ، وقال ابن حبيب: إذا خيل إليه أن ريحا خرجت منه فلا يتوضأ، إلا أن يوقن بها، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه، قال: بخلاف من شك هل بال أو أحدث فإنه يعيد الوضوء نقله في التوضيح. وقد شدد بعض أئمة المذهب وبالغ في رد المشهور الذي هو كونه ناقضا، محتجا بحديث الصحيح " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (١) " وهذا غير بين، فإن الحديث إن لم يكن حجة للمشهور فليس حجة عليه، وذلك أن الذي يقتضيه أن المصلي ملحق بالموسوس لأن الشيطان يهجم عليه بالتشكيك والتخييل والوسوسة، حتى أنه يفسو بين أليتيه، فألغي في حقه الشك، والتعليل بهذه العلة يتضمن تقريرا على اعتبار الشك الذي ليس نابعا من الوسوسة والتخييل، هذا بالإضافة إلى ما تقرر من اعتبار الشك في طهارة الخبث التي هي أخف اعتبارا من طهارة الحدث حيث أُمر بالنضح فيه، وحكم بالإعادة لتركه، بل عولوا وجوب الغسل به في البدن والبقعة، وبالإضافة إلى أصل الاحتياط الذي دل عليه الشرع في الجملة " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢) " لا سيما إذا تعلق الأمر بأم الدعائم، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

стр. 32

ولا يجوز للمحدث مس القرآن الكريم، لا مصحفا ولا جزءا ولا ورقة ولا لوحا، لما في كتابه صلى الله تعالى عليه وسلم لعمرو بن حزم " أن لا يمس القرآن إلا طاهر (١) " وخفف مالك - رحمه الله تعالى - في المختصر للصبي مس المصحف الكامل لضرورة التعلم، وكره له ابن حبيب مس الكامل وأجاز له مس الجزء، وفي العتبية: استخف للرجل والصبي يتعلم القرآن إمساك اللوح فيه القرآن على غير وضوء، قال ابن القاسم: وكذلك المعلم يشكل الألواح للصبيان، قال ابن حبيب: يكره ذلك للرجال ويستخف للصبيان مس الأجزاء كالألواح، ويكره مس المصحف الجامع إلا على وضوء، نقله ابن يونس في جامعه. ونقل عن أشهب أنه روى عن مالك في العتبية: لا أرى لغير متوضئ مس اللوح فيه القرآن. قال ابن زرقون: هذا غلط نقله من النوادر لا العتبية، قال ابن عرفة: نصها: سمع أشهب: لا يمس الرجل يقرأ القرآن لوحه، ابن رشد: غير المتعلم لسماع ابن القاسم خفته، وفي النوادر عنها: روى أشهب: لا أرى مسه غير متوضئ. قال ابن عرفة: سبب الغلط، عموم غير متوضئ في الصبي. وحاصل هذا أن مس الصبي الجزء تعلما جائز اتفاقا من مالك وابن حبيب، وأما الكامل فيجوز له عند مالك خاصة لا ابن حبيب، وأما البالغ فيجوز له عند مالك مس الجزء تعلما، ونقل في النوادر عن ابن حبيب أنه خالف فيه كما نسبه له ابن عرفة، وألحق ابن القاسم بالتعلم التعليم، وقصر ابن حبيب الرخصة على المتعلم دون المعلم، قال في التوضيح: لإمكان أن يصححها - يعني الألواح - غيره وهو ينظر، ولأنه يمكن أن يصحح الألواح في وقت واحد. قال ابن عرفة: وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا بأس بكتب الحائض القرآن في اللوح، وقراءتها فيه للتعلم. وأما الجنب فلا رخصة له في مس القرآن لا تعليما ولا تعلما، إلا في مسألة الحرز.

стр. 33

والمتجه في حد الجزء أنه الأوراق التي فيها ورد المتعلم من المصحف، وذلك أن الكتب لم تكن تحبك، وقد استثقل مالك - رحمه الله تعالى - تجزئة المصحف، ولهذا عبر ابن حبيب - رحمه الله تعالى - في الواضحة بالقراطيس، والقاعدة أن ما جاز للضرورة يقدر بقدرها، فلا ينبغي أن يزيد الكبير المتعلم على الجزء الذي يتعلم فيه، وما وقع لبعض المتأخرين من أن المراد بالجزء ما قابل الكامل فيه بعد، كما ذكره بعض الأئمة من أن وجه تخفيف مالك - رحمه الله تعالى - في الجزء احتمال إرادة المصحف الجامع في حديث منع مس القرآن لغير طاهر، فالقرآن لم يجمع إلا في عهد عثمان - رضي الله تعالى عنه - وإنما ذلك مثل ترخيصه للجنب في ما تدعو الضرورة لقراءته من تعوذ ونحوه، وامتناع إرادة الجميع في ذلك ظاهرة. والفرق بين البالغ والصبي أن زمان الصبوة هو زمان التعلم، وأن الصبي غير تام الطهارة، لأن النية لا تصح منه، وقد نبه على ذلك القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره، مع عدم تحفظه على استصحاب الطهارة، فكان اشتراط اكتمال طهارته مع الحاجة الماسة إلى تعلمه حرجا، فخفف في أمره، والفرق بين الجنب والحائض عدم قدرتها على رفع حدثها مع طول الوقت، فخفف في أمرها خوف النسيان، والفرق بين الجنابة وحدث الوضوء أن موجبها لا يكاد يتكرر في الشهر نحو ما يتكرر موجبه في اليوم، مع اختصاصها بالبالغ، وأن حدث الوضوء أخف، ولذلك جازت معه قراءة القرآن ظاهرا، ودخول المسجد. وأما ما ذكره ابن بشير - رحمه الله تعالى - فهو إن صح مراده به على غير ظاهره، ولذلك لم يستجده منه خليل، ولم يعرج عليه ابن عرفة، فما قيل من أنه طريقة مستبعد والله أعلم. وقد كنت قلت: ... ومس جزء حالة التعلم ... معْ حدث أصغرَ لم يحرَّم لا فرق بين الطفل والكبير ... كذا المعلم على المشهور وذاك في الحائض أيضا جار ... والنفسا لطول الانتظار وما لذي جنابة إسجالا ... مس كتاب ربنا تعالى

стр. 34

ومس جامع من الأطفال ... على الخصوص ليس ذا انحظال والله أعلم.

стр. 35

٤٨ - والمنْيُ ماء دافق يجي معا ... أللذة الكبرى كأن يجامعا ٤٩ - وريحه كالطلع في ما ذكروا ... وماء مرأة رقيق أصفر ٥٠ - وهْو للاغتسال ذو إلزام ... بيقظة كان أو احتلام ٥١ - ويجب الغسل كذاك بانقطاع ... حيضٍ، وبالنفاس أيضا والجماع ٥٢ - وهْو مغيب كمرة في الفرج لا ... بقيد أن يكون منه أنزلا ٥٣ - وذا هو الذي به الزوجان ... معا يكونان ذويْ إحصان ٥٤ - وهْو الذي يوجب حدَّ العَهْر ... كذا به أيضا وجوب المهر ٥٥ - كذاك للصوم وحج يُبطل ... وللمُبِت قبل ذا يُحَلِّل المني كتقي، وجاء كظبي، قال في المصباح المنير: قال الأزهري: قال الأموي: والودي والمذي والمني مشددات، وغيره: يخفف، وقال أبو عبيدة: المني مشدد، والآخران مخففان، وهذا أشهر انتهى والمني: هو الماء الدافق الذي يكون عنه الولد، وتنقطع عنده الشهوة، ويعقبه الفتور، سمي منيا لأنه يمنى، أي: يراق ويدفق، والدافق: المدفوق، أي: المصبوب، قال في الصحاح: دفَقْت الماء أَدْفِقُه دفقا أي: صببته، فهو ماء دافق أي: مدفوق، كما قالوا: سر كاتم، أي: مكتوم، لأنه من قولك: دُفِق الماء، على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دَفَق الماء نفسه، ودفَّقت كفاه الندى أي: صبتاه، شدد للكثرة نقله في شفاء الغليل. واللذة تقدم الكلام عليها، والجماع قال في المغرب: كناية عن الوطء، ومعنى الاجتماع فيه ظاهر، والطلع: ما يطلع من النخلة، وهو الكِمُّ قبل أن ينشق، ويقال لما يبدو من الكم طلع أيضا، وهو شيء أبيض يشبه بلونه الأسنان وبريحه المني، وأطلع النخل: خرج طلعه قاله في شفاء الغليل.

стр. 36

ومغيب: مصدر ميمي من غاب في الشيء غِيابة وغُيوبة وغِيابا وغيبوبة: بطن فيه واستتر، والكمرة: الحشفة من حد موضع الختان لرأس الذكر، والفرج من الإنسان: عورته، وأنزل: أمنى، والإحصان في الأصل من حصن بمعنى منع، ومنه الحصن والتحصن، والمحصنة تطلق على المتزوجة، وعلى الحرة، وعلى العفيفة، والإحصان في الاصطلاح: معنى يجب به على المتصف به إذا زنى حد الرجم، والحد: العقوبة المفروضة التي تمنع المذنب من المعاودة، وتطهره من الذنب، وتردع غيره عنه، والعهر - بفتح العين -: البغاء، والمبت: اسم فاعل من أبت المتعدي لغة في بت: المطلق ثلاثا. أشار بقوله: والمني ماء دافق ... البيت، إلى أن المني هو الماء الأبيض الخاثر الذي يأتي بتدفق عند اللذة الكبرى، التي يعقبها الفتور والاسترخاء، قوله: وريحه كالطلع، أشار به إلى أن من مميزات المني أن له رائحة كرائحة الطلع الذي تقدم بيانه. وأشار بقوله: وماء مرأة رقيق أصفر، إلى أن ماء المرأة يختلف عن ماء الرجل في قوامه فهو رقيق، وفي لونه فهو أصفر، وقد جاء وصفه بذلك في حديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - في الاحتلام، ومذي المرأة: بلة تعلو فرجها، ونقل في التهذيب عن إمام الحرمين أن المذي أكثر في النساء. قوله: وهو للاغتسال ذو إلزام ... البيت، يعني به أن خروج المني موجب للاغتسال إذا كان بلذة معتادة، سواء كان خروجه في يقظة أو نوم، فإن خرج بلا لذة كمن لدغته عقرب فأمنى فالمشهور أنه لا يجب عليه غسل ولا وضوء، كمن خرجت منه حصاة، وإن خرج بلذة غير معتادة للإمناء كحك جرب فالمشهور أيضا أنه لا يجب عليه غسل، ولكن يجب عليه الوضوء، وقيل لا وضوء عليه.

стр. 37

ولا فرق في المحتلم الذي وجد ماء بين من يتذكر القصة ومن لا يتذكرها، وأما إذا لم يجد ماء فلا غسل عليه، تذكر القصة أو لا، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال:" نعم إذا رأت الماء " ثم قال: " ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر " (١) ومن رأى في ثوبه منيا ولم يدر متى أصابه اغتسل وأعاد من آخر نومة نامها فيه، وقيل من أول نومة نامها فيه، وقد نقل القرافي - رحمه الله تعالى - الإجماع على وجوب الغسل عليه، وروى أبو داود والترمذي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما، فقال: " يغتسل " وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل، قال: " لا غسل عليه " (٢) ووجه المشهور من أنه يعيد من آخر نومة، طرح الشك عملا بالاستصحاب، والفرق بين الوضوء والغسل في ذلك أن موجبه أظهر، فخفاؤه في غاية الندور، واحتج مالك في الموطإ بما روى عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه خرج إلى أرضه بالجُرُف وهو أمير المؤمنين، فنظر فإذا هو احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا احتلمت وما شَعَرْت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير وصلى بعد أن طلعت الشمس. ووجه مقابله الاحتياط، وأن الذمة عامرة بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين والمشهور الأول والله أعلم.

стр. 38

هذا ولا يشترط في اللذة أن تكون مقارنة لخروج الماء، فإذا لاعب زوجته والتذ ثم خرج منه مني بعد ذلك ببعض من الوقت لأجل تلك الملاعبة، وجب عليه الغسل على المشهور، لأنه تبين بذلك أن المني انفصل عن مقره بالملاعبة، لكن اختلف هل يعتبر جنبا منذ وقت الملاعبة، فيعيد ما كان صلاه بعد الملاعبة و قبل الإنزال، أو لا يكون جنبا إلا بالإنزال، فلا يعيد ذلك، فيه روايتان، ورجح الثانية ابن المواز - رحمه الله تعالى - محتجا بأنه إنما صار جنبا بخروج المني، قال الباجي - رحمه الله تعالى ـ: وهو أظهر بدليل أنه لو اغتسل قبل خروج الماء لم يجزه نقله في المواهب. ويكفي في خروج مني المرأة وصوله إلى محل تراه فيه إن جلست جِلستها للبول، وإنما اشترط خروجه لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - المتقدم، وذلك أنه إذا اشترطت رؤيتها إياه في الاحتلام فأولى أن يشترط في اليقظة، وإذا اشترط في حق المرأة فأولى أن يشترط في حق الرجل فأمره أظهر، هذا مع عموم مفهوم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما الماء من الماء " (١) فهو - وإن خرج من مفهومه الجماع بحديث " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل " (٢) بألفاظه المختلفة - يبقى معتبرا في ما سوى ذلك من الفتور ونحوه، والله أعلم.

стр. 39

قوله: ويجب الغسل كذاك بانقطاع حيض، وبالنفاس أيضا، أشار به إلى أن الغسل واجب أيضا من انقطاع دم الحيض، وكذلك دم النفاس، ووقع للشيخ هنا ذكر الاستحاضة، وحمله سيدي زروق - رحمه الله تعالى - على المستحاضة التي تميز إذا انقطع تمييزها، واستدل لذلك بمآ سيأتي له في باب جامع من الاقتصار في إيجاب الغسل على الجنابة والحيض والنفاس، وقد تقدم أن المشهور أن الاستحاضة لا يجب بها غسل، ولكن يستحب لانقطاعها، وإنما لم يجب بها غسل عند مالك - رحمه الله تعالى - لحديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله تعالى عنها - حيث قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم - إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي (١) " قال مالك - رحمه الله تعالى -: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك. ووجوب الغسل من الحيض والنفاس مجمع عليه بين أهل العلم مع ظاهر الآية، وظواهر الأخبار. واختلف في النفاس دون دم هل يجب به غسل أو لا؟ الأول رواه أشهب، وقال ابن رشد: مراده دون دم كثير، إذ خروجه بلا دم محال عادة، والثاني للخمي ونصه: وقال مالك - رحمه الله تعالى - في العتبية في التي تلد ولا ترى دما: تغتسل أو في ذلك شك؟ لا يأتي الغسل إلا بخير. وهذا استحسان لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.

стр. 40

وأشار بقوله: والجماع وهو مغيب كمرة في الفرج، إلى أن الغسل يجب بمغيب الحشفة من بالغ في فرج، ويجب أيضأ على المولج فيه إن كان بالغا، قال ابن شعبان - رحمه الله تعالى ـ: جاءت السنة بوجوب الغسل إذا التقى الختانان، وذلك إذا غابت الحشفة وإن لم ينزلا جميعا، إذا كانا بالغين مسلمين، كان ذلك في قبل أو دبر، نائمين أو مستيقظين، طائعين أو مكرهين، أو رجلين أو رجلا ومن قعد عن المحيض من النساء، أو كان ذلك الفعل في ميتة أو فرج بهيمة، أو امرأة استعملت ذلك من ذكر بهيمة، ثم قال: المرأتان يفعلان ما يفعل شرار النساء يغتسلان بالإنزال لا بالفعل، ويؤدبان أدبا بليغا يبلغ مائة سوط، وهو أدنى الحدين، وقيل مائة سوط غيرَ سوط، كي لا يبلغ بهما الحد في ما لم يأت فيه أثر مرفوع، وقد كان مالك - رحمه الله تعالى - يأمر بالأدب المجاوز للحد في ما لا يوجب الحد، كي يتناهى عن مواقعة حدود الله ، نقله في المواهب. وحكيت عن مالك - رحمه الله تعالى - رواية بعدم إيجاب الغسل من مغيب الحشفة في الدبر، ولا يشترط في تغييب الحشفة أن يكون مع انتشار على ظاهر ما نقله في النوادر عن ابن شعبان في امرأة العنين، وقال الشيخ: أعرف فيه اختلافا، ولا بد من تغييب جميع الكمرة، لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " وجاوز الختان الختان (١) " فتغييب بعضها لغو، واختلف في تغييبها ملفوفة هل يوجب الغسل؟ ثالثها إن كان الحائل رقيقا، وجعله ابن العربي الأشبه، كما في مختصر ابن عرفة - رحمهم الله تعالى جميعا - قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال بعض الشيوخ: وهذا إذا غابت في المنكح لا في المبال، وقال ابن العربي - رحمه الله تعالى -أرانا فلان من شيوخه فرج المرأة بأن عقد خمسا وثلاثين، وأشار بأن المعتبر الوسط لا الدائرة، فانظر ذلك.
следующие страницы →