Полный текст (339 стр.). Показаны 316–339 · переход к 321.
стр. 316
قَالَ السخاوي: لَا أصل لهَذَا اللَّفْظ، وَلَفظ يس قلب الْقُرْآن يرْوى فِي كتب التَّرْغِيب.
١٧٧٠ - خبر: " يساق إِلَى مصر كل قصير الْعُمر ". قَالَ ابْن يُونُس إِنَّه مُنكر جدا، وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوع، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح.
١٧٧١ - خبر: " يُعجبنِي الفأل، قيل: وَمَا الفأل؟ قَالَ: الْكَلِمَة الطّيبَة ". مُتَّفق عَلَيْهِ.
١٧٧٢ - حَدِيث: " يغْفر للْحَاج وَلمن اسْتغْفر لَهُ الْحَاج ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ ابْن خزيمو وَالْحَاكِم بِلَفْظ: اللَّهُمَّ اغْفِر للْحَاج وَلمن اسْتغْفر لَهُ الْحَاج، وَقَالَ على شَرط مُسلم، وَتعقب بِأَن شَرِيكا القَاضِي لم يخرج لَهُ مُسلم إِلَّا فِي المتابعات.
١٧٧٣ - خبر: " يقي الْحر الَّذِي بَقِي الْبرد ". كَلَام جَار.
١٧٧٤ - خبر: " ينزل الله على هَذَا الْبَيْت كل يَوْم وَلَيْلَة عشْرين وَمِائَة رَحْمَة سِتُّونَ للطائفين وَأَرْبَعُونَ للمصلين وَعِشْرُونَ للناظرين ". حسنه الْمُنْذِرِيّ، ثمَّ الْعِرَاقِيّ وَهُوَ سَهْو، فقد قَالَ الذَّهَبِيّ عَن ابْن عَسَاكِر: إِن ابْن السّفر أحد رُوَاته مَتْرُوك، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: حَدِيث لَا يَصح.
١٧٧٥ - خبر: " ينصف الله الْجَمَّاء من ذَات القرنين ". هُوَ معنى مَا رَوَاهُ مُسلم " لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء "، والجلحاء: هِيَ الَّتِي لَا قرن لَهَا.
١٧٧٦ - خبر: " يهرم ابْن آدم وَيبقى مَعَه اثْنَتَانِ: الْحِرْص وطل الأمل ".
стр. 317
١٧٧٧ - خبر: " يَوْم صومكم يَوْم نحركم يَوْم سنتكم ". لَيْسَ بِحَدِيث، وينسب لِابْنِ عَبَّاس.
١٧٧٨ - خبر: " يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم نحس مُسْتَمر ". تقدم فِي لفظ آخر أربعاء، أَنه مَوْضُوع، وَكَذَا مَا يرْوى فِي أَيَّام الْأُسْبُوع، كَقَوْلِهِم يَوْم السبت يَوْم مكر وخديعة، والأحد يَوْم غرس وَبِنَاء، والإثنين يَوْم سفر وَطلب الرزق، وَالثُّلَاثَاء يَوْم حَدِيد وبأس، وَالْأَرْبِعَاء لَا أَخذ وَلَا عَطاء، وَالْخَمِيس يَوْم طلب الْحَوَائِج، وَالْجُمُعَة يَوْم خطْبَة وَنِكَاح، ويروى عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، لَا يَصح من هَذَا شَيْء.
١٧٧٩ - خبر: " يَوْم الْقِيَامَة على الْمُؤمنِينَ كَمَا بَين الظّهْر وَالْعصر ". رَوَاهُ الديلمي، وَهُوَ ضَعِيف، وَله شَوَاهِد.
١٧٨٠ - خبر: " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى ". مُتَّفق عَلَيْهِ.
١٧٨١ - خبر: " الْيَمين على نِيَّة المستحلف ". رَوَاهُ مُسلم.
стр. 318
١٧٨٢ - خبر: " الْيَوْم يَوْم المرحمة ". رَوَاهُ السُّهيْلي من حَدِيث قَالَه ﷺ لأبي سُفْيَان بن حَرْب يَوْم الْفَتْح. نسْأَل الله أَن يفتح لنا أَبْوَاب رَحمته ويمنحنا دُخُول جنته. وَهَذَا آخر الْأَحَادِيث الْمرتبَة وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا.
стр. 319
(بَاب: فِي أَسبَاب الْوَضع وعلاماته)
نقل ابْن الْجَوْزِيّ أَن الَّذين حدثوا بِأَحَادِيث مَوْضُوعَة أَنْوَاع مُخْتَلفُونَ، فَمنهمْ من غلب عَلَيْهِ الزّهْد فَغَفَلَ عَن الْحِفْظ، وَمِنْهُم: من ضَاعَت كتبه فَحدث عَن حفظه فغلط فِي نَقله، مِنْهُم: قوم ثِقَات لَكِن اخْتلطت عُقُولهمْ فِي آخر أعمارهم وَمِنْهُم من يروي الْخَطَأ سَهوا وَإِذا رأى الصَّوَاب لم يرجع إِلَيْهِ أَنَفَة أَن ينسبوه إِلَى الْغَلَط، وَمِنْهُم: زنادقة وضعُوا أَحَادِيث قصدا لإفساد الشَّرِيعَة وإيقاع الشَّك والتلاعب بِالدّينِ، وَمِنْهُم: من يضع الحَدِيث نصْرَة لمذهبه كالمعتزلة والأرفاض وأمثالهم، وَمِنْهُم: من يضع لقصد التَّرْغِيب والترهيب طلبا لحُصُول الْأجر بِزَعْمِهِ ويغفل عَمَّا بذلك من الْوزر، وَمِنْهُم: من قصد التَّقَرُّب إِلَى أَوْلِيَاء الْأُمُور فَوضع على حسب مَا اقْتَضَاهُ الْحَال، وَمِنْهُم: الْقصاص، وَمِنْهُم: من جوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَوضع وَلم يشْعر أَنه قد كذب على رَسُول الله ﷺ ، وَمِنْهُم: من سمع من شَيْخه موعظة فَظَنهُ أسندها فَرَفعهَا التلميذ للنَّبِي وَمثل لذَلِك الْعِرَاقِيّ فِي ألفيته بِخَبَر: " من كثرت صلَاته فِي اللَّيْل حسن وَجهه فِي النَّهَار "، وَمِنْهُم: من هُوَ أهل الصّلاح وَيرى رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام ويحدثه بِكَلَام، ثمَّ يَسْتَيْقِظ وَيحدث بذلك الحَدِيث من دون أَن يذكر أَنه مَنَام وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ بَيَان ذَلِك ليعلم السَّامع الْحَال؛ لِأَن رُؤْيا الْمَنَام لَا تثبت حكما وَإِن كَانَت رُؤْيَته ﷺ حَقًا فَالْكَلَام الَّذِي يسمعهُ الرَّائِي فِي مَنَامه تَارَة يكون تلقيه صَحِيحا وافقا وَتارَة يكون من غير صَحِيح بِحَسب طَهَارَة روح وجسم الرَّائِي.
(فصل فِي عَلَامَات الْوَضع)
مِنْهَا: يُنَاقض الحَدِيث مَا جَاءَت بِهِ السّنة الصَّحِيحَة كَحَدِيث من سمي مُحَمَّدًا وَأحمد لم يدْخل النَّار. وَحَدِيث أَنه أَخذ بيد عَليّ بِمحضر من الصَّحَابَة كلهم وهم رَاجِعُون من حجَّة الْوَدَاع فأقامه بَينهم حَتَّى عرفه الْجَمِيع ثمَّ قَالَ: " هَذَا وصيي وَأخي والخليفة من بعدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا " ثمَّ اتّفق الْكل على كتمان ذَلِك فَإِن هَذَا من وضع الأرفاض؛ لأَنهم ضللوا الصَّحَابَة ﵃ بِهَذِهِ الْمقَالة الكاذبة. وَحَدِيث " إِذا غضب الرب نزل الْوَحْي بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِذا رَضِي نزل بِالْعَرَبِيَّةِ " وأمثال ذَلِك من الْمَوْضُوع.
(وصل)
وَمِمَّا يدل على الْوَضع أَن يكون فِي الحَدِيث تَارِيخ بِوَقْت نَحْو حَدِيث: " إِذا
стр. 320
انكسف الْقَمَر فِي الْمحرم كَانَ الغلاء والقتال، وَإِذا انكسف فِي صفر كَانَ كَذَا " وَاسْتمرّ هَذَا الْكذَّاب إِلَى دور السّنة وَأَحَادِيث هَذَا الْبَاب كلهَا كذب كَمَا تقدم.
(وصل:)
وَمِمَّا يدل على الْوَضع أَيْضا سماجة اللَّفْظ وركاكته كَحَدِيث: " لَو كَانَ الْأرز رجلا لَكَانَ حَلِيمًا " الْمُتَقَدّم فِي بَابه وَنَحْو ذَلِك.
(فَائِدَة:)
سُئِلَ ابْن الْقيم الجوزية هَل تمكن معرفَة الحَدِيث الْمَوْضُوع من غير أَن ينظر فِي سَنَده فَأجَاب أَنه سُؤال عَظِيم وَحَاصِل الْجَواب أَن هَذَا إِنَّمَا يَتَيَسَّر لمن تضلع من السّنة حَتَّى امتزج الصَّحِيح بِلَحْمِهِ وَعرف أَحْوَاله ﷺ وَهَذَا الْجَواب صَحِيح بِالنّظرِ للموضوع الْمُنكر الْمُخَالف للشريعة المطهرة، وَأما الْمَوْضُوع من حَيْثُ هُوَ فَمِنْهُ مَا يُخَالف الشَّرِيعَة وَمِنْه الَّذِي مَعْنَاهُ صَحِيح، وَهَذَا لَا يعرف إِلَّا بِمَعْرِِفَة الْإِسْنَاد فَلَا بُد من النَّقْل، وَقد نقل كل مَا وضع فِي السَّابِق فلتراجع كتب الْقَوْم.
(فَائِدَة:)
اعْلَم أَن قَول الْمُحدثين فلَان مَتْرُوك الحَدِيث أَو تركُوا حَدِيثه أَو حرقوا حَدِيثه يَقْتَضِي عدم الْعَمَل بِمَا انْفَرد بِهِ، وَإِذا تَرَكُوهُ، فإمَّا أَن يكون خَبره صَحِيحا فِي نفس الْأَمر، أَو كذبا لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَينهمَا، فَإِن كَانَ خَبره كذبا فِي نفس الْأَمر فَالْحكم ظَاهر، وَالتّرْك حِينَئِذٍ فِي مَحَله، وَإِن كَانَ خَبره صدقا فِي نفس الْأَمر وَتعلق بِهِ حكم شَرْعِي يطْلب الْعَمَل بِهِ وجوبا أَو ندبا، فَلَا يعْمل بِهِ أَيْضا؛ لأنن أهل الْعلم أطبقوا على عدم الْعَمَل بِخَبَر واه تفرد بِهِ الْمَتْرُوك، بل أطبقوا على عدم الْعَمَل بالضعيف من الْأَحْكَام، وَعَلِيهِ فَيكون خبر الْمَتْرُوك بِمَنْزِلَة الْمَوْضُوع من حَيْثُ الْعَمَل بِهِ وَعدم الْعَمَل بِهِ، وَأما تَسْمِيَة حَدِيثه مَوْضُوعا فَلَا يطيقونها عَلَيْهِ إِلَّا بعد يَقِين أَو غَلَبَة ظن لِأَنَّهُ قد يصدق الكذوب ويروي خَبرا صَحِيحا إِلَّا أَنه لم رد خَبره سقط الْعَمَل بِهِ لعدم الوثوق بِهِ فَكَأَنَّهُ لم يبلغنَا خَبره أصلا.
(فَائِدَة:)
نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: ثَلَاثَة كتب لَهَا أصل: الْمَغَازِي والملاحم وَالتَّفْسِير، قَالَ الْخَطِيب فِي جَامعه: إِن ذَلِك مَحْمُول على كتب مَخْصُوصَة فِي هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا لعدم عَدَالَة ناقلها وَزِيَادَة الْقصاص فِيهَا، فَأَما كتب الْمَلَاحِم فجميعها بِهَذِهِ الصّفة، وَلم يَصح فِي ذكر الْمَلَاحِم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أَحَادِيث يسيرَة، وَأما كتب التَّفْسِير، فَمن أشهرها كتاب الْكَلْبِيّ، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان، وَقد قَالَ أَحْمد فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ: من أَوله إِلَى آخِره كذب، قيل لَهُ: أفيحل النّظر
стр. 321
فِيهِ؟ قَالَ: لَا، وَأما الْمَغَازِي، فَمن أشهرها كتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَكَانَ يَأْخُذ من أهل الْكتاب، وَكتب مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ، قَالَ الشَّافِعِي تبعا لمَالِك: إِنَّهَا كذب، وَذكر على بن الْمَدِينِيّ أَن الْوَاقِدِيّ روى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيثا لَا أصل لَهَا، وَلَيْسَ فِي الْمَغَازِي أصح من كتاب مُوسَى بن عقبَة، وَهُوَ من رجال الصَّحِيح، ثِقَة ثَبت فِي الحَدِيث، وَحَدِيثه فِي البُخَارِيّ وَغَيره.
(فَائِدَة:)
قد صنفت فِي كتب الحَدِيث وَجَمِيع مَا احتوت عَلَيْهِ مَوْضُوع مِنْهَا: مَوْضُوعَات الْقُضَاعِي، وَمِنْهَا: الْأَرْبَعُونَ الودعانية، قَالَ الصَّاغَانِي: أول هَذِه الوعانيات كَأَن الْمَوْت فِيهَا على غَيرنَا كتب، وَآخِرهَا مَا من بَيت إِلَّا وَملك يقف على بَابه كل يَوْم خمس مَرَّات، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الذيل: إِن الْأَرْبَعين الوعانية لَا يَصح فِيهَا حَدِيث موفوع، وَإِن كَانَ فِيهَا كَلَام حسن، وموعظة، وَقد سَرَقهَا ابْن ودعان من واضعها زِيّ بن رِفَاعَة، وَيُقَال: إِنَّه الَّذِي وضع رسائل إخْوَان الصَّفَا، وَكَانَ من أَجْهَل خلق الله فِي الحَدِيث. وَمِنْهَا كتاب: فضل الْعلمَاء، للشرف الْبَلْخِي، وأوله: " من تعلم مَسْأَلَة من الْفِقْه فَلهُ كَذَا ". وَمِنْهَا: كتاب: " الْعَرُوس " الْمَنْسُوب للْإِمَام أبي الْفضل سيدنَا جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ قَالَ الديلمي: أسانيده واهية وَأَحَادِيثه مُنكرَة لَا يعْتَمد عَلَيْهَا، وَلَعَلَّ وَاضعه نسبه للْإِمَام الْمَذْكُور جلّ رواجه وقبوله عِنْد النَّاس لما هُوَ مَشْهُور بِهِ من الْعلم والصدق. وَمِنْهَا: كتاب يدعى " بِمُسْنَد أنس الْبَصْرِيّ " مِقْدَار ثَلَاثمِائَة حَدِيث يرويهِ سمْعَان ابْن الْمهْدي، عَن أنس، وأوله: " أمتِي فِي سَائِر الْأُمَم كَالْقَمَرِ فِي النُّجُوم "، وَقَالَ فِي الذيل: سمْعَان بن الْمهْدي لَا يكَاد يعرف نسبت لَهُ نُسْخَة مكذوبة، قطع الله من وَضعهَا، وَفِي " لِسَان الْمِيزَان " هِيَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن مقَاتل الرَّازِيّ عَن جَعْفَر بن هَارُون، عَن سمْعَان. وَمِنْهَا: وَصَايَا عَليّ ﵁ الَّتِي وَضعهَا حَمَّاد بن عمر النصيبي، وأولهما، كَمَا ذكر الصَّاغَانِي: يَا عَليّ، لفُلَان ثَلَاث عَلَامَات، وَمِنْهَا: " إِذا تزودت فَلَا تنس البصل، وَلَا تُسَافِر فِي انمحاق الْقَمَر، وَلَا تجامع فِي نصف الشَّهْر "، وَآخِرهَا: " يَا عَليّ قد أَعطيتك فِي هَذِه الْوَصَايَا علم الْأَوَّلين والآخرين "، وَكلهَا مَوْضُوعَة سوى حَدِيث: " يَا عَليّ، أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، غير أَنه لَا نَبِي بعدِي ". وَمِنْهَا: وَصَايَا أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، كَذَا، يَا أَبَا هُرَيْرَة كَذَا.
стр. 322
وَمِنْهَا: وَصَايَا فَاطِمَة بِلَفْظ: يَا فَاطِمَة كَذَا، يَا فَاطِمَة كَذَا. وَمِنْهَا: الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة بِإِسْنَاد وَاحِد، كأحاديث الشَّيْخ الْمَعْرُوف بِابْن أبي الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه أدْرك عليا وَأخذ بركابه فَقَالَ لَهُ: أمد الله فِي عمرك مدا، وَهَذَا غير ابْن أبي الدُّنْيَا الَّذِي يذكرُونَهُ فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة. وَمِنْهَا: أَحَادِيث ابْن شطور الرُّومِي، وَأَحَادِيث بشر ونعيم بن سَالم وخراش، عَن أنس، وَأَحَادِيث دِينَار عَنهُ، وَأَحَادِيث أبي هدبة إِبْرَاهِيم بن هدبة. وَمِنْهَا: بضعا وَثَلَاثِينَ حَدِيثا أخرجهَا الْحَارِث بن أُسَامَة عَن دَاوُد بن المحبر قَالَ الْعَسْقَلَانِي: كلهَا مَوْضُوعَة كَحَدِيث: " إِن الأحمق يُصِيب بحمقه أفجر من فجور الْفَاجِر ". وَمِنْهَا: بضعا وَعشْرين حَدِيثا وَضعهَا سُلَيْمَان بن عِيسَى كَحَدِيث: إِن عدي بن حَاتِم الطَّائِي ذكره أَبَاهُ بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ وأطرى بِهِ، وَذكر سؤدده وشرفه وَكَرمه وعقله، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن الشّرف والسؤدد وَالْعقل فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِلْعَامِلِ بِطَاعَة الله "، فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِنَّه كَانَ يقري الضَّيْف، وَأثْنى عَلَيْهِ بجميل، فَهَل لَا يَنْفَعهُ ذَلِك شَيْئا، قَالَ: " إِن أَبَاك لم يقل قطّ رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين "، وَنَحْو هَذَا من الْمَوْضُوع.
(وصل:)
اعْلَم أَن كتاب الْأَحْيَاء لسيدنا الْغَزالِيّ مَعَ جلالة قدر هُوَ علو مرتبته ورسو قدمه فِي الْعلم لَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الحَدِيث لذكره فِي كِتَابه الْمَذْكُور جملَة من الاحاديث الْمَوْضُوعَة، وَكَذَلِكَ كتاب: " تَنْبِيه الغافلين " للسمرقندي، فِيهِ كثير من الْمَوْضُوع، وَكَذَلِكَ كتب التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم، فِيهَا جملَة من الْمَوْضُوع، فَلَا يعْتَمد على مَا انْفَرد بِهِ، قَالَ ابْن أبي جَمْرَة، وَابْن الْقيم: إِن التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم شحن كتبه فِي الْمَوْضُوع، وَكَذَلِكَ كتاب: " الرَّوْض الْفَائِق " للحريفيش، فِيهِ كثير من الْمَوْضُوع، وَفِي كتب التصوف كثير من الموضوعات كَحَدِيث: " جذبة من جذبات الْحق توازي عمل ثقلين "، وَنَحْو ذَلِك.
(فَائِدَة:)
اعْلَم أَنه لَا يعْتَمد على تَصْحِيح الْحَاكِم، وَلَا عِلّة تَصْحِيح العامري، لِأَنَّهُمَا يتساهلان فِي تَصْحِيح الحَدِيث، وَقد تعقب الذَّهَبِيّ كثيرا مِمَّا صَححهُ الْحَاكِم، نَص على ذَلِك الْمَنَاوِيّ.
стр. 323
(وصل:)
مَا صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان يكون حسنا عِنْد أهل الحَدِيث وَمَا قَالَ عَنهُ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب يُرِيد أَنه ضَعِيف، وَمَا قَالَ عَنهُ: حسن غَرِيب، أَو صَحِيح غَرِيب يُرِيد أَنه تفرد بِهِ فِي واه فِي بعض طبقاته أَو جَمِيعهَا، وَهُوَ المصطلح عَلَيْهِ.
стр. 324
فارغة
стр. 325
(بَاب فِي أَحَادِيث جَامِعَة وفوائد لامعة)
أَحَادِيث الْعقل كلهَا مَوْضُوعَة، وَتقدم بَعْضهَا فِي بَابه، وَقد ألف ميسرَة بن عبد ربه كتابا فِي الْعقل وَكله مَوْضُوع، ثمَّ سَرقه مِنْهُ دَاوُد بن المحبر، وَركبهُ بأسانيد، ثمَّ سَرقه سُلَيْمَان بن عِيسَى الشجري، وَركبهُ بأسانيد أخر، وَذكر ذَلِك الملا عَليّ الْقَارِي.
(أَحَادِيث صلوَات أَيَّام الْأُسْبُوع:)
لم يَصح فِيهَا شَيْء، وَتقدم بَعْضهَا فِي لفظ من صلى.
(أَحَادِيث فضل رَجَب:)
مِنْهَا:
" إِن فِي الْجنَّة نَهرا "،
و" رَجَب شهر الله "،
و" وَمن صلى بعد الْمغرب أول لَيْلَة من رَجَب "،
و" فضل رَجَب على سَائِر الشُّهُور "، وَتقدم بَيَان رتبها فِي أَبْوَابهَا، وَبَقِي أَحَادِيث مِنْهَا: " لَا تغفلوا عَن لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب، فَإِنَّهَا لَيْلَة تسميها الْمَلَائِكَة: الرغائب "، وَمِنْهَا:
" من صَامَ يَوْمًا من رَجَب وَصلى رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي أول رَكْعَة مائَة مرّة آيَة الْكُرْسِيّ، وَفِي الثَّانِيَة مائَة مرّة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ لم يمت حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة "، قَالَ الْقَارِي: كل ذَلِك لَا يَصح، وَقَالَ ابْن رَجَب: لم يَصح شَيْء فِي رَجَب.
(أَحَادِيث فضل نصف شعْبَان:)
تقدم مِنْهَا: " إِن الله ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان ... " إِلَخ، وَبينا رتبته فِي بَابه، وَمَا قالته الْعلمَاء فِيهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَعدَّة مَا ورد فِي لَيْلَة نصف شعْبَان يدل على فَضلهَا كَمَا ذكره أهل الْعلم، وَأما قِرَاءَة سُورَة يس لَيْلَتهَا بعد الْمغرب، وَالدُّعَاء الْمَشْهُور فَمن تَرْتِيب بعض أهل الصّلاح من عِنْد نَفسه قيل: هُوَ الْبونِي، وَلَا بَأْس بِمثل ذَلِك.
(أَحَادِيث فضل يَوْم عَاشُورَاء:)
ثَبت مِنْهَا أَحَادِيث الصّيام، فَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ يَوْم عَاشُورَاء تصومه قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُومهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة صَامَهُ وَأمر بصيامه، فَلَمَّا فرض رَمَضَان ترك عَاشُورَاء، فَمن شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ تَركه:، وَأما حَدِيث التَّوسعَة، وَلَفظه: " من وسع على عِيَاله يَوْم عَاشُورَاء ... " إِلَخ، فَفِيهِ خلاف، وَتقدم فِي بَابه، أما غير ذَلِك مِمَّا اشْتهر فعله فِي يَوْم عَاشُورَاء: كالإكتحال والتزين باللباس وَغَيره وزيارة الْعلمَاء والإخوان وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الْحَسَنَة فَلم يَصح مِنْهَا شَيْء، بل هِيَ من
стр. 326
وضع قتلة الْحُسَيْن اتَّخذُوا عيدا، كَمَا اتَّخذهُ الروافض يَوْم الْحزن، وَكَذَا مَا يذكر فِي كتب التَّرْغِيب: " إِن آدم تَابَ الله عَلَيْهِ يَوْم عَاشُورَاء، ونوحا نجاه الله يَوْم عَاشُورَاء، وَإِبْرَاهِيم نجاه الله من النَّار يَوْم عَاشُورَاء، وَيُونُس أخرجه الله من بطن الْحُوت يَوْم عَاشُورَاء، وَيَعْقُوب اجْتمع بِيُوسُف يَوْم عَاشُورَاء، والتوراة نزلت يَوْم عَاشُورَاء، وَمَا أشبه ذَلِك من الأخلاط، فكله كذب وَلَا أصل لَهُ.
(أَحَادِيث الْحُمَيْرَاء:)
قَالَ الملا عَليّ الْقَارِي: كل حَدِيث فِيهِ ذكر الْحُمَيْرَاء لم يَصح نَحْو: " يَا حميراء، لَا تأكلي الطين، فَإِنَّهُ يُورث كَذَا "، و " يَا حميراء، لَا تغتسلي بِالْمَاءِ المشمس، فَإِنَّهُ يُورث البرص "، وَنَحْو " خُذُوا شطر دينكُمْ عَن هَذِه الْحُمَيْرَاء "، وَإِن نوزع فِي بعض أَحَادِيث جَاءَ فِيهَا ذكر الْحُمَيْرَاء.
(أَحَادِيث عمر حَسَنَة من حَسَنَات أبي بكر:)
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كل حَدِيث فِيهِ أَن عمر حَسَنَة من حَسَنَات أبي بكر فَهُوَ مَوْضُوع.
(أَحَادِيث الأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد:)
لم يَصح مِنْهَا شَيْء، وَتقدم الْكَلَام على أَحَادِيث الأبدال فِي بَابه.
(أَحَادِيث الْمهْدي:)
كلهَا ضَعِيفَة، لَيْسَ فِيهَا مَا يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا يغتر بِمن جمعهَا فِي مؤلفات.
(أَحَادِيث التواريخ الْمُسْتَقْبلَة:)
قَالَ الملا عَليّ: لَا يَصح فِيهَا شَيْء، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: لَا يَصح فِي الْمَلَاحِم شَيْء، وَقَالَهُ غَيره: الصَّحِيح فِيهَا شَيْء قَلِيل، وَقد اعتنى خلق كثير من أهل الجفر بِجمع أَحَادِيث كَاذِبَة من هَذَا النَّوْع ترويجا لمصلحتهم عِنْد الْعَوام، وألفوا فِي ذَلِك كتبا نسبوها لسيدنا عَليّ ﵁ وَلأَهل الْبَيْت، كزين العابدين وَمُحَمّد الباقر، وجعفر الصَّادِق، ومُوسَى الكاظم، وَكلهَا زور وافتراء على الله حماهم الله من مثل ذَلِك، وَلَا يغتر بِبَعْض أهل الْعلم الَّذين يميلون لهَذِهِ الخرافات وينقلون مثل هَذِه الأكاذيب كَمَا ينسبون لسيدنا عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: إِذا دَار الزَّمَان على بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فالمهدي قَامَ "، فَهُوَ كذب وافتراء كَمَا ذكر أهل الحَدِيث وَبَعض المتصوفة نسب هَذَا اللَّفْظ لسيدنا محيي الدّين بن عَرَبِيّ، وَذَلِكَ كذب أَيْضا، لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي كتب الموضوعات الَّتِي ألفت قبل محيي الدّين، وَالله أعلم.
(أَحَادِيث فضل الْبِلَاد:)
قَالَ الملا عَليّ: كل حَدِيث فِي مدح بَغْدَاد وذمها، وَالْبَصْرَة، والكوفة، ومرو، وقزوين، وعسقلان، والإسكندرية، ونصيبين، وإنطاكية، فَهُوَ كذب، وَأَحَادِيث الشَّام ومصر، وَلم تصح أَيْضا، وَإِن كَانَ فِي
стр. 327
بَعْضهَا خلاف.
(أَحَادِيث ذمّ الْحَبَشَة والسودان والخصيان والمماليك وَالْأَوْلَاد:)
كَحَدِيث:
" اتْرُكُوا الْحَبَشَة مَا تركوكم "، حَدِيث: " وَحَدِيث:
" الزنْجِي إِذا شبع زنى، وَإِذا جَاع سرق "، وَحَدِيث:
" لَو علم الله فِي الخصيان خيرا لأخرج من أصلابهم ذُرِّيَّة يعْبدُونَ الله "، وَحَدِيث:
" شَرّ المَال فِي آخر الزَّمَان المماليك "، وَحَدِيث:
" لَو ربى أحدكُم بعد السِّتين وَمِائَة جرو كلب خير من أَن يربى ولدا "، كلهَا لَا تصح.
(أَحَادِيث مدح الْعُزُوبَة:)
نَحْو:
" سَيَأْتِي على النَّاس زمَان فِيهِ تحل الْعُزُوبَة "، وَنَحْو:
" خير نِسَائِكُم بعد السِّتين وَمِائَة العواقر " كلهَا بَاطِلَة.
(أَحَادِيث الديك وَالْحمام والدجاج:)
لم يَصح مِنْهَا إِلَّا:
" إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة " الْمُتَقَدّم، فِي بَابه، وَأما حَدِيث: رأى رجلا يتبع حمامة فَقَالَ:
" شَيْطَان يتبع شَيْطَانَة "، فَفِيهِ راو فِيهِ خلاف.
(أَحَادِيث الْحُبُوب:)
كالعدس والأرز والفول، كلهَا لم تصح، قَالَ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ نقلا عَن ابْن نَاصِر: لم يَصح فِيمَا يرْوى فِي ذكر الْحُبُوب إِلَّا حَدِيث:
" الْحبَّة السَّوْدَاء، وَتقدم فِي بَابه.
(أَحَادِيث الْبِطِّيخ:)
تقدم الْكثير مِنْهَا فِي أَبْوَابهَا، قَالَ الإِمَام أَحْمد: لَا يَصح فِي فضل الْبِطِّيخ شَيْء غلا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْكُلهُ وَقد جمع الْبَعْض فِي فضائله جزاءاً، وَكله لَا يَصح.
(أَحَادِيث الْورْد والبنفسج والنرجس والمرزنجوش، والبان، والمكراث، والكرفس، والحلبة، والشمر، والبصل، والهندباء، والسنوت، والجرجير، وَالرُّمَّان، والسفرجل، والأترج، وَهُوَ الكباد. وَأَحَادِيث الْجُبْن وَالْملح، والجوز:)
تقدم الْغَالِب مِنْهَا فِي أَبْوَابهَا، وَكلهَا كذب كَمَا قَالَه الْقَارِي.
стр. 328
فارغة
стр. 329
(بَاب فِي أُمُور اشتهرت بَين الْأَنَام وتناقلها الْخَاص وَالْعَام)
قصَّة:
رحيل سيدنَا بِلَال ﵁ إِلَى الشَّام، وَأَنه رَجَعَ بعد مَوته ﷺ إِلَى الْمَدِينَة بِسَبَب رُؤْيَته ﵇ فِي الْمَنَام، وَأذنه بهَا وارتجاج أهل الْمَدِينَة لتذكرهم الْأَذَان فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ ، لَا اصل لَهُ كَمَا قَالَه الْقَارِي.
(قصَّة:)
أَوْلَاد جَابر بن عبد الله، وَهِي: إِن جَابر ضيف النَّبِي ﷺ وَأَن أحد أَوْلَاده قتل الآخر وفر هَارِبا فَوَقع فِي التَّنور، وَإِن زَوْجَة جَابر سترت أمرهَا إِلَى أَن تمّ شَأْن الْأكل، ثمَّ أحضرت الْوَلَدَيْنِ ميتين بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَأَنه دَعَا لَهما فقاما حيين، ذكر ذَلِك أهل السّير، وَهُوَ مَوْضُوع؛ لِأَن جَابر ضيف النَّبِي ﷺ يَوْم الخَنْدَق سنة أَربع، وَهُوَ إِنَّمَا تزوج فِي تِلْكَ الْأَوْقَات أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير لِأَنَّهُ تزوج بعد قتل أَبِيه يَوْم أحد.
(قصَّة:)
سيدنَا عمر ﵁ مَعَ وَلَده أبي الشحمة الَّتِي رَوَاهَا سعيد بن مَسْرُوق قَالَ: كَانَت امْرَأَة تدخل على آل عمر، وَمَعَهَا صبي فَقَالَ عمر: مَا هَذَا الصَّبِي الَّذِي مَعَك؟ قَالَت: هُوَ ابْنك، وَقع عَليّ أَبُو الشحمة فَهُوَ ابْنه، فَأرْسل إِلَيْهِ عمر، فاقره فَقَالَ عمر لعَلي: اجلده فَضَربهُ عمر خمسين، وضربه عَليّ خمسين فَقَالَ لعمر: يَا أَبَت قتلتني فَقَالَ: إِذا لقِيت رَبك فَأخْبرهُ أَن أَبَاك يُقيم الْحُدُود. مَوْضُوعَة لَا أصل لَهَا فِي رِوَايَة فِيهَا زِيَادَة عَن ذَلِك، فِيهَا التَّصْرِيح بِمَوْتِهِ، وَهِي مَوْضُوعَة أَيْضا.
(قصَّة:)
سيدنَا إِبْرَاهِيم ﵇ وَأَنه كشف لَهُ عَن حَال زَوجته سارة حِين أَخذهَا الْجَبَّار واختلى بهَا، وَأَن الْجِدَار الَّذِي كَانَ بَينهمَا صَار كالزجاج لَا يحجب مَا وَرَاءه لم يَصح ذَلِك، وَإِنَّمَا أخْبرته السيدة سارة بحفظها من الْجَبَّار، وَإنَّهُ أُغمي عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ تَركهَا وأخدمها هَاجر، وَاسْتشْكل بعض الْعلمَاء هَذَا الْكَشْف على فرض صِحَّته بِأَنَّهُ لم يكْشف لنبينا ﷺ عَن حَال زَوجته عَائِشَة ﵂ حِين رَمَاهَا أهل الْإِفْك بِمَا رَمَوْهَا بِهِ، وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن الْجَبَّار أَرَادَ بالسيدة سارة السوء فكشف للخليل ﵇ حَالهَا لِيَطمَئِن قلبه بحفظها، وَنَبِينَا ﷺ لم يخف على عَائِشَة من أحد، وَإِنَّمَا تَأَخّر إِعْلَامه ببراءتها لحكمة، وَقد علمت أَن الْإِشْكَال من أَصله سَاقِط لعدم صِحَة الْقِصَّة.
стр. 330
(قصَّة:)
قصَّة سيدنَا إِبْرَاهِيم ﵇ وَأَنه وضع السكين على عنق وَلَده إِسْمَاعِيل ﵇ وَلم تقطع. كذب مَوْضُوع من وضع الزَّنَادِقَة؛ لِأَن الذّبْح من أَصله لم يَقع بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ ، إِذْ لَو وَقع الذّبْح لم يحْتَج إِلَى الْفِدَاء، وَإِذا لم يتَحَقَّق عين الذَّبِيح، أهوَ إِسْمَاعِيل أم إِسْحَاق، وَالْخلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء، الَّذِي صَحَّ فِي قصَّة الذَّبِيح هُوَ مَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أسلما﴾ : أَي انقادا وخضعا لأمر الله ﴿وتله للجبين﴾ أَي: أضجعه على جنبه ليذبحه ﴿وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم﴾ هُوَ جَوَاب لما بِزِيَادَة الْوَاو ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ أَي: أتيت مَا أمكنك فعله فكفاك ذَلِك ﴿إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ إِن هَذَا﴾ أَي: الْمَأْمُور بِهِ ﴿لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ أَي: الاختبار الظَّاهِر ﴿وفديناه بِذبح﴾ أَي: بكبش ﴿عَظِيم﴾ فَمَا يذكرهُ بعض الْمُفَسّرين والخطباء، وَأهل السّير فِي هَذِه الْقِصَّة غير مَا ذكر فِي كتاب الله، كذب على الله تَعَالَى وعَلى أنبياءه؛ لِأَنَّهُ لم يدل عَلَيْهِ دَلِيل.
(قصَّة:)
سيدنَا أَيُّوب ﵇ وَأَن الله سلط عَلَيْهِ إِبْلِيس فَنفخ عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ الجذام حَتَّى تناثر الدُّود من بدنه إِلَى آخر مَا يذكرهُ أهل الْقَصَص وَبَعض الْمُفَسّرين من النفرات طبعا، كل ذَلِك زور، وَكذب وافتراء مَحْض وَلَا عِبْرَة بِمن نقل ذَلِك، وَإِن كَانَ من الأجلاء حَيْثُ إِن هَذَا لم يرد لَا فِي كتاب الله، وَفِي سنة رَسُوله، حَتَّى وَلَا فِي طَرِيق ضَعِيف، وَلَا واه، بل هُوَ مُجَرّد نقل بِغَيْر سَنَد، وَقد ذكر بَعضهم أَن النصب الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر عَبدنَا أَيُّوب إِذْ نَادَى ربه أَنِّي مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ ، هُوَ الضّر وانه كَانَ ذَلِك مَرضا جدريا، وَهَذَا لَا يبعد؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا ينفر الطَّبْع مِنْهُ، وَقيل: إِن إِبْلِيس هدم الْبَيْت على أَوْلَاده وَأهْلك غنمه، وَهَذَا أَيْضا لَا يبعد، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
(قصَّة:)
سيدنَا دَاوُد ﵇ وَأَنه عشق زَوْجَة أوريا فَجعله أَمِيرا على المقاتلين، وأرسله لِلْقِتَالِ مرَارًا حَتَّى قتل وَتزَوج زَوجته من بعد، وَأَنه عوتب على ذَلِك بنزول الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ فِي صُورَة خصمين، كل ذَلِك كذب من وضع الْيَهُود، وَلَا عِبْرَة بِمن نَقله عَنْهُم من الْمُفَسّرين؛ لِأَن ذَلِك غَفلَة وَذُهُول من عصمَة الرُّسُل - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم -، وَالْيَهُود لم يجْعَلُوا دَاوُد وَسليمَان من الرُّسُل، بل جعلوهما من الْمُلُوك، فَلَا يجوز النَّقْل عَنْهُم، وَقد امتحن الله دَاوُد ﵇ بِنِكَاح امْرَأَة أوريا بعد أَن قتل فِي الْجِهَاد من غير قصد قَتله فَعَاتَبَهُ على توسعه فِي الدُّنْيَا؛ حَيْثُ كَانَ لَهُ عدَّة من النِّسَاء على عَادَة الْحق مَعَ الرُّسُل الْكِرَام فِي مُعَاتَبَته لَهُم على الْأَمر الْمُبَاح ليردهم إِلَى الإقبال عَلَيْهِ فِي كل حَال، فَيحْتَمل أَن معاتبة الْحق لداود ﵇ بإرسال الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ فِي صُورَة الْمُخَاصمَة لكَونه تزوج امْرَأَة أوريا من دون
стр. 331
اسْتِئْذَان مِنْهُ تَعَالَى، فَجعل ذَلِك بِمَنْزِلَة الذَّنب وَالسَّيِّد لَهُم أَن يُخَاطب عَبده بِمَا شَاءَ، وَالله أعلم.
(قصَّة:)
الغرانيق، وقصة هاروت وماروت مَعَ الزهرة تقدم الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي بَاب الْغَيْن وَالْهَاء.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر أَن يَعْقُوب ﵇ كتب لعزيز مصر أما بعد فَإنَّا أهل بَيت وكل بِنَا الْبلَاء فَأَما جدي إِبْرَاهِيم فقد ابْتُلِيَ بالنَّار، وَأما أبي إِسْحَاق فقد ابْتُلِيَ بِالذبْحِ، وَأما أَنا فقد بليت بفقد وَلَدي يُوسُف فَرد عَليّ وَلَدي أَي بنيامين، وَإِلَّا دَعَوْت عَلَيْك دَعْوَة تلْحق ولدك السَّابِع. خبر لم يثبت وَإِنَّمَا يذكرهُ الْمُفَسِّرُونَ بِلَا سَنَد تَعْلِيقا.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر فِي السّير من نَبَات شَجَرَة عِنْد فَم الْغَار وَقت هجرته، وَأَنه فتح بَاب فِي ظهر الْغَار وَظهر عِنْده نهر، وَأَن الْحَيَّة لدغت أَبَا بكر فِي الْغَار بَاطِل لَا أصل لَهُ.
(فَائِدَة:)
مَا يذكرهُ أهل السّير أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ بتفاحة من الْجنَّة فَأكلهَا فَجَاءَت السيدة فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا من تِلْكَ التفاحة. كذب لَا أصل لَهُ؛ لِأَن مُدَّة الْوَحْي ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة، والسيدة فَاطِمَة توفيت بعده ﷺ بِسِتَّة أشهر وعمرها ثَلَاثُونَ سنة، فَتكون ولدت قبل الْبعْثَة بِنَحْوِ سبع سنوات، فَلَا يَتَأَتَّى كَونهَا من تفاحة أَتَاهُ بهَا جِبْرِيل؛ لِأَنَّهُ لم يَأْته قبل الْبعْثَة.
(فَائِدَة:)
مَا يرْوى أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ بِطَعَام من الْجنَّة ويروى أَنه هريسة فَزَاد على غَيره بِقُوَّة الْجِمَاع. بَاطِل لَا يَصح، وَأَحَادِيث الهريسة كلهَا لَا تصح.
(فَائِدَة:)
مَا اشْتهر أَن صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس صعدت مَعَه ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء حِين عرج بِهِ وَأَن قدمه الشريف أثر فِيهَا. لَا أصل لذَلِك، وَهُوَ من كَلَام النَّاس، وَلم يذكرهُ أحد من أهل الْعلم وَلَا مُسْندًا، وَلَا مُعَلّقا، وَمَا يرْوى أَن الصَّخْرَة عرش الله الْأَدْنَى. مَوْضُوع، وَمَا يحْكى: أَن الصَّخْرَة كَانَت مُنْفَصِلَة عَن الأَرْض معلقَة فِي الْهَوَاء، ثمَّ جعل لَهَا جِدَار لستر الأقدار. فَلَا أصل لَهُ أَيْضا وَإِنَّمَا نقل عَن مَجْهُول: إِنَّه دخل تحتهَا فخاف من سُقُوطهَا عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ فِي نَفسه: كم شخص دخل تحتهَا، وَلم تقع عَلَيْهِ، وبالحقيقة هِيَ على جبل وطرفها خَارج من جِهَة فبنوا على الْخَارِج مِنْهَا من فَوْقهَا وَمن
стр. 332
تحتهَا، وَلَو كَانَت مُرْتَفعَة فِي الْهَوَاء لعظمها أهل الْكتاب غَايَة التَّعْظِيم، واتخذوها معبدًا؛ لأَنهم هم الَّذين كَانُوا فِي بَيت الْمُقَدّس قبل فَتحه، وَالله أعلم.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر أَن أَبَا بكر ﵁ أحيى الله لَهُ الْمَيِّت. خبر مَوْضُوع لَا أصل لَهُ، وَكَذَا قَوْلهم: أَنه ﷺ استوحش لَيْلَة الْإِسْرَاء بعد أَن فَارقه جِبْرِيل فَرَأى أَبَا بكر فَوق السَّمَاوَات: بَاطِل لَا يَصح.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر أَن عُثْمَان ﵁ جَاءَتْهُ دَرَاهِم من السَّمَاء مَكْتُوب عَلَيْهَا: ضرب الرَّحْمَن إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان. كذب شنيع.
(فَائِدَة:)
صعُود عَليّ ﵁ على ظهر النَّبِي ﷺ عِنْد الْكَعْبَة لأجل رمي الْأَصْنَام من فَوْقهَا. خبر لم يثبت، وَإِنَّمَا روى البُخَارِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: دخل النَّبِي ﷺ مَكَّة وحول الْبَيْت سِتُّونَ وثلاثمائة نصب فَجعل يطعنها بِعُود فِي يَده وَيَقُول: جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا، جَاءَ الْحق وَمَا يبدئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: صنم بدل نصلب، وَفِي مُسلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَأتى على صنم إِلَى جنب الْبَيْت كَانُوا يعبدونه قَالَ: وَفِي يَدي رَسُول الله ﷺ قَوس وَهُوَ آخذ بِسِيَةِ الْقوس - أَي منعطفها - فَلَمَّا أَتَى على الصَّنَم جعل يطعن فِي عينه وَيَقُول: جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل، جَاءَ الْحق وَمَا يبدئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد.
(فَائِدَة:)
مدحه ﷺ بِغَيْر مَا ورد مثل: إِن الْقَمَر حِين إنشق دخل فِي جيبه، وَخرج من كمه، وَأَن الغزالة سلمت عَلَيْهِ، وَكَلمه الْجمل وَالْحمار وَالذِّئْب والضب. لَا يجوز مُطلقًا؛ لِأَنَّهُ كذب وافتراء عَلَيْهِ ﷺ ، نعم مدحه - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ - من أعظم القربات وأجلها إِذْ هُوَ وَسِيلَة الْخلق وواسطتها، وَلَكِن يجب مَعَه تحري الصدْق ومدحه بِمَا صَحَّ إِذْ هُوَ زَاد الله تَشْرِيفًا وتكريما غَنِي عَن الْمَدْح بِالْكَذِبِ بِمَا مدحه الله بِهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي المواطن المتعددة، وَلَيْسَ بعد مدحه ربه حَاجَة للمدح بِالْكَذِبِ.
(فَائِدَة:)
مَا يذكرهُ بعض أهل السّير أَن قَيْصر كتب لرَسُول الله ﷺ إِنَّك تَدعُونِي لجنة
стр. 333
عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض، فَأَيْنَ النَّار؟ وَأَنه أَجَابَهُ بقوله: أَرَأَيْت إِذا أقبل اللَّيْل فَأَيْنَ يكون النَّهَار؟ لم يَصح ذَلِك حَدِيثا، ويؤثر هَذَا من كَلَام ابْن عَبَّاس لما سَأَلَهُ رجل عَن آيَة: ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ، فَأَجَابَهُ بِمَا ذكر.
(فَائِدَة:)
مَا اشْتهر أَن عبد الله بن سَلام سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن أَشْيَاء غَرِيبَة مثل: أَي بقْعَة لم تَرَ الشَّمْس إِلَّا مرّة وَاحِدَة؟ وأجابه: أَرض الْبَحْر حِين انْفَلق لمُوسَى ﵇، وَأي قبر سَار بِصَاحِبِهِ؟ وأجابه أَنه الْحُوت الَّذِي الْتَقم يُونُس ﵇، وَأي نفس مَاتَت وأحيت غَيرهَا؟ وأجابه: بِأَنَّهَا بقرة بني إِسْرَائِيل الْمَذْكُورَة بقوله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ الْآيَة، وَأي شَيْء تنفس وَلَيْسَ بِذِي روح؟ وأجابه بِأَنَّهُ الصُّبْح حَيْثُ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْح إِذا تنفس﴾ ، وَأي مَخْلُوق أُوحِي إِلَيْهِ وَلَيْسَ بآدمي؟ فَأَجَابَهُ النَّحْل، حَيْثُ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ ، وَنَحْو هَذِه الْمسَائِل. وَلَا أصل لذَلِك مُطلقًا، فَلم يَقع السُّؤَال عَنْهَا من عبد الله بن سَلام لَا للنَّبِي، وَلَا لغيره وَإِنَّمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن عبد الله بن سَلام بلغه مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة فَأَتَاهُ يسْأَله عَن أَشْيَاء فَقَالَ: إِنِّي سَائِلك عَن ثَلَاث لَا يعلمهُنَّ إِلَّا نَبِي: مَا أول أَشْرَاط السَّاعَة؟ وَمَا أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة؟ وَمَا بَال الْوَلَد ينْزع إِلَى ابيه أَو إِلَى أمه؟ قَالَ علية الصَّلَاة وَالسَّلَام: " أَخْبرنِي جِبْرِيل آنِفا "، قَالَ ابْن سَلام: ذَلِك عَدو الْيَهُود من الْمَلَائِكَة، قَالَ ﵊: " أما أول أَشْرَاط السَّاعَة: فَنَار تَحْشُرهُمْ من الْمشرق إِلَى الْمغرب، وَأما أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة فَزِيَادَة كبد الْحُوت، وَأما الْوَلَد: فَإِذا سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة نزع الْوَلَد، وَإِذا سبق مَاء الْمَرْأَة مَاء الرجل نزعت الْوَلَد، قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنَّك رَسُول الله.
(فَائِدَة:)
مَا يحْكى أَن مُوسَى نقل قبر يُوسُف ﵉ حِين هَاجر من مصر وَجعله فِي غَار سيدنَا إِبْرَاهِيم ﵊ لم يثبت، وَلم يدل عَلَيْهِ دَلِيل، بل الْعقل يجْزم بِعَدَمِ صِحَة ذَلِك، حَيْثُ أَن مُوسَى خرج من مصر لَيْلًا ويوسف وضع فِي تَابُوت من نُحَاس أَو رصاص وَجعل فِي النّيل لتعود بركته على جَمِيع مصر كَمَا اشْتهر، وَهُوَ قريب لِلْعَقْلِ حَتَّى لَو قدر أَنه وضع فِي قبر على الْعَادة، فنقله وَحمله متعسر عَادَة وَلَو ورد بذلك خبر لأخذنا بِهِ، وَالْأَصْل بَقَاء كل شَيْء على حَاله حَتَّى يدل دَلِيل على تغيره، وَالله أعلم.
(فَائِدَة:)
مَا اشْتهر عِنْد الْعَامَّة من وجود جنَّة عَاد، وَأَنَّهَا ترى فِي بعض الْأَوْقَات، وَأَنَّهَا
стр. 334
طائرة فِي الجو، كَلَام كذب بَاطِل.
(فَائِدَة:)
مَا يرْوى أَن جبل قَاف من زمردة خضراء مُحِيط بالدنيا. خبر لم يَصح، وَقد ذكره خلق كثير فِي كتبهمْ وَبَعْضهمْ أنكر وجود جبل قَاف من أَصله.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر عَن طل عوج بن عنق، وَأَنه كَانَ فِي زمن طوفان نوح، وَلم يصل المَاء إِلَى وَسطه وَأَن حَيَاته طَالَتْ إِلَى زمن مُوسَى ﵇. بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَقد ذكره خلق كثير من الْمُفَسّرين وَغَيرهم.
(فَائِدَة:)
مَا يرْوى أَن الْعِزَّة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة﴾ حَيَّة طوقت الْعَرْش ذنبها عِنْد رَأسهَا. بَاطِل لَا اصل لَهُ.
(فَائِدَة:)
مَا اشْتهر عَن الشَّافِعِي وَأحمد أَنَّهُمَا اجْتمعَا بشيبان الرَّاعِي وسألاه. بَاطِل بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة بالتاريخ؛ لِأَنَّهُمَا لم يدركاه.
(فَائِدَة:)
مَا يذكر أَن الشَّافِعِي اجْتمع بِأبي يُوسُف عِنْد الرشيد. بَاطِل؛ لِأَن الشَّافِعِي لم يجْتَمع بالرشيد إِلَّا بعد موت أبي يُوسُف.
(فَائِدَة:)
الرحلة المنسوبة للشَّافِعِيّ إِلَى الرشيد وَأَن مُحَمَّد بن الْحسن حرضه على قَتله. مَوْضُوعَة مكذوبة، لَا اصل لَهَا.
(فَائِدَة:)
فِي ذكر قُبُور وأمكنة منسوبة للأنبياء وَغَيرهم، وَلم تصح تِلْكَ النِّسْبَة إِلَيْهِم. مِنْهَا: أَن قبر نوح صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فِي جبل لبنان، فقد تحدثت نِسْبَة هَذَا الْقَبْر لنوح ﵇ فِي الْمِائَة السَّابِعَة، وَمن المفتريات جعل صُورَة قبر آدم ونوح بِجنب قبر عَليّ ﵁ مَعَ أَن قَبره كرم الله وَجهه لَيْسَ بِثَابِت، وَإِنَّمَا بني على أَمر مَنَامِي.
стр. 335
وَمِنْهَا: المشهد الْمَنْسُوب لأبي بن كَعْب بالجانب الشَّرْقِي من دمشق مَعَ اتِّفَاق الْعلمَاء على أَنه لم يقدمهَا فضلا عَن دَفنه فِيهَا. وَمِنْهَا:
الْمَكَان الْمَنْسُوب لِابْنِ عمر بالمعلاة بِمَكَّة لَا يَصح نسبته إِلَيْهِ من وَجه، وَإِن اتَّفقُوا على أَنه توفّي فِيهَا. وَمِنْهَا: الْمَكَان الْمَنْسُوب لعقبة بن عَامر ﵁ فِي قرافة مصر، وَإِنَّمَا نسب إِلَيْهِ لمنام رَآهُ بَعضهم بعد مُدَّة طَوِيلَة. وَمِنْهَا: الْمَكَان الْمَنْسُوب لأبي هُرَيْرَة بعسقلان، فقد جزم بعض الْحفاظ الشاميين بِأَنَّهُ قبر حيدة بن خشينة، وَلَكِن جزم ابْن حبَان بِالْأولِ. وَمِنْهَا: الْمَكَان الْمَشْهُور بالمشهد الْحُسَيْنِي بِالْقَاهِرَةِ، إِذْ لَيْسَ الْحُسَيْن ﵁ مَدْفُونا بِهِ بالِاتِّفَاقِ؛ لِأَن الْقَاهِرَة بناها عبد القاهر الفاطمي العبيدي، ودولتهم كَانَت فِي الْقرن الرَّابِع، فَلَعَلَّ الفاطميين هم الَّذِي عمروا المشهد الْحُسَيْنِي؛ لأَنهم عظموا أهل الْبَيْت ونسبوا أنفسهم إِلَى الْحُسَيْن، وهم كاذبون. أما جسم الْحُسَيْن ﵁، فبكربلاء من أَرض الْعرَاق مَحل قَتله، وَأما رَأسه الشريف فَقيل: فِي المشهد، وَلم يَصح لما علمت، وَقيل: حمل راسه إِلَى الشَّام، وجهزه يزِيد بن مُعَاوِيَة وأرسله إِلَى الْمَدِينَة ليدفن عِنْد أَهله فَدفن بقبة الْعَبَّاس عِنْد أمه وأخيه الْحسن، وَقيل: وضع يزِيد رَأس الْحُسَيْن فِي قبر أَبِيه مُعَاوِيَة، وَقيل: فِي الْمَسْجِد على عَمُود ستره، وَقيل: على سور الْبَلَد وستره، وَالله أعلم. وَأما قَول أهل الْبَاطِن: أَن الْمَيِّت فِي البرزخ كالحجر فِي تيار المَاء يُرِيدُونَ أَنه ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَأَن الْحُسَيْن نقل فِي البرزخ إِلَى الْمَكَان الْمَشْهُور، فَهَذَا لَا يثبت غلا بِحجَّة صَحِيحَة، وَلَا حجَّة بذلك، فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ. وَمِنْهَا الْمَكَان الْمَعْرُوف بالسيدة نفيسة بنت الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ ﵃، فقد ذكر بعض أهل الْمعرفَة أَن خُصُوص هَذَا الْمحل الَّذِي يزار لَيْسَ هُوَ قبرها، وَلكنهَا فِي تِلْكَ الْبقْعَة، وَالله أعلم.
(فَائِدَة:)
نقل الْقَارِي عَن الْجَزرِي أَنه لَا يَصح تعْيين قبر نَبيا ﷺ ، نعم السَّيِّد إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ فِي الْخَلِيل لَا بِخُصُوص تِلْكَ الْبقْعَة.
(فَائِدَة:)
قُبُور الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم مَوْجُودَة بِمَكَّة لَكِنَّهَا غير مَعْرُوفَة، كَمَا ذكره الْأَعْلَام حَتَّى قبر السيدة خَدِيجَة إِنَّمَا نسب إِلَيْهَا على مَا وَقع لبَعْضهِم فِي الْمَنَام.
стр. 336
(فَائِدَة:)
كرامات الْأَوْلِيَاء ثابته بِالْكتاب وَالسّنة، وَإِجْمَاع الْأمة كقصة أهل الْكَهْف، وقصة إتْيَان آصف وَزِير سُلَيْمَان بعرش بلقيس فِي زمن يسير، وكبركة الطَّعَام للصديق ﵁، غير ذَلِك مِمَّا اشْتهر عَن الْأَوْلِيَاء فَمن أنكرها كالمعتزلة فَهُوَ مكابر معاند، والكرامة أَمر خارق للْعَادَة تظهر على يَد غير نَبِي مِمَّن اتّصف بالتقوى فَلَا تظهر على يَد فَاسق مُخَالف للسّنة، وَمَا يظْهر فِي بعض الأحيان على يَد فَاسق أَو فَاجر فَهُوَ اسْتِدْرَاج لَهُ أَو لغيره، أما مَا يظْهر على يَد النَّبِي بعد التحدي فيسمى معْجزَة. ثمَّ اعْلَم أَن تطلب الْكَرَامَة وَالسَّعْي فِي حُصُولهَا بملازمة الذّكر والمراقبة أَمر غير مرضِي؛ لِأَن المتعبد لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِك، وَإِنَّمَا يطْلب مِنْهُ قصد وَجه الله تَعَالَى؛ لِأَن التَّعَرُّض للكرامة غرور وفتنة بل الكمل من الْأَوْلِيَاء يسْأَلُون الله سترهَا عَن الْخلق؛ لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ ظُهُورهَا فتْنَة لَهُم، وَقد ظهر بعد عصر الصَّحَابَة على يَد كثير من الْأَوْلِيَاء كرامات لم تظهر على أَيدي أجلاء الصَّحَابَة ﵃، وَأجَاب عَن ذَلِك الْعلمَاء بِأَن الصَّحَابَة كَانُوا على قدم عَال من الْيَقِين فَلَا يَحْتَاجُونَ لما يقوى بِهِ إِيمَانهم بِخِلَاف من بعدهمْ، وَالْوَلِيّ هُوَ من والى الله بِطَاعَتِهِ ووالاه الله بمعونته، فلازم التَّقْوَى وَاتبع السّنة وَخَالف أهل الْبدع والأهواء كالرفض والاعتزال والإرجاء، وَلم يَتَخَلَّل طَاعَته عصيان إِلَّا إِذا غَلبه الْقدر فيوفق للتَّوْبَة حَالا، وَقد سُئِلَ سيدنَا الْجُنَيْد: أيزني الْوَالِي؟ فَقَالَ: وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا، وَقَالَ سَيِّدي ابْن عَطاء الله: همم الرِّجَال لَا تخرق أسوار الأقدار، فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مِقْدَار لابد من وُقُوعه. والكشف الْحَاصِل للأولياء عبارَة عَن كشف باطني يدركونه فِي عَالم الْمِثَال لَا فِي حَالَة الصحو كالمنامات الصادقة تحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، وتنزيل كالمرائي، وَلَيْسَت كلهَا حقائق، بل مِنْهَا حقائق، وَمِنْهَا تَمْثِيل ومجاز، وَلَا يميزها إِلَّا صَاحب الْأَنْوَار الواسعة، وَمَعَ ذَلِك فالكمل مِنْهُم يتخوفون من الْكَشْف، نفعنا الله بهم وَجَعَلنَا من أحبابهم، وحشرنا فِي زمرة عباده الصَّالِحين.
(فَائِدَة:)
حَيَاة السامري إِلَى الْآن، وَأَنه يرْوى فِي بعض الْأَوْقَات. كَلَام بَاطِل، لَا أصل لَهُ.
(فَائِدَة:)
حَيَاة الشُّهَدَاء ثَابِتَة بِالْكتاب الْعَزِيز، وَهِي حَيَاة برزخية كَمَا يَأْتِي فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء، والشهيد الْحَيّ هُوَ الَّذِي قتل فِي حَرْب الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى لَا لغَرَض من
стр. 337
الدُّنْيَا، وَقد سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن أَحَدنَا يُقَاتل للمغنم، وأحدنا يُقَاتل للذّكر وأحدنا يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ، فأينا فِي سَبِيل الله؟ فَقَالَ ﷺ : " من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله ". وَورد أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق أَي: تَأْكُل من ثمار الْجنَّة، وَمَعْلُوم أَن أكل الْأَرْوَاح وغذاءها لَيْسَ كَأَكْل الْجِسْم، بل هُوَ غذَاء روحاني لطيف يشبه شم الْعطر وَالطّيب وَسموا شُهَدَاء لشهودهم النَّعيم قبل غَيرهم، وَقيل: سموا بذلك لشهادة الله تَعَالَى لَهُم بالخيرة وَالْفضل، وَقيل: لأَنهم يشْهدُونَ على الْأُمَم بِأَن رسلهم بلغتهم أوَامِر الله ونواهيه، وَورد أَن دِمَاء الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة يكون لَوْنهَا لون الدَّم وريحها ريح الْمسك، وَقد تَوَاتر فِي المحسوس بَقَاء أجسام الشُّهَدَاء على حَالهَا، وَأما الْحَيَاة التَّامَّة الدُّنْيَوِيَّة فَلَا تكون فِي البرزخ.
(فَائِدَة:)
حَيَاة المؤذنين والأولياء وَالْعُلَمَاء، ذكرهَا كثير من أهل الْعلم بِغَيْر دَلِيل، وَكَأَنَّهُم قاسوها على حَيَاة الشُّهَدَاء، لَكِن هَذَا لَا يثبت بِالْقِيَاسِ بل بِالنَّصِّ، وَحَدِيث: إِن الْعلمَاء تحْشر فِي زمرة الشُّهَدَاء لَا يلْزم مِنْهُ حياتهم وَمَعَ ذَلِك فَالْحَدِيث ضَعِيف، بِاتِّفَاق أهل الْعلم، تقدم الْكَلَام على حَدِيث: " يُوزن دم الشُّهَدَاء ومداد الْعلمَاء فيرجح مداد الْعلمَاء "، وَأَنه لَا يَصح، وَلَا مَانع أَن الله يكرمهم بِالْحَيَاةِ الْمَذْكُورَة إِذْ كل مزية غير النُّبُوَّة جَائِزَة فِي حق الْعباد، وَلَكِن ثُبُوتهَا يحْتَاج نَص خَاص.
(فَائِدَة:)
حَيَاة الْخضر ﵇ اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء وأثبتها الْأَوْلِيَاء والصالحون - رضوَان الله عَلَيْهِم - وَلم يرد فِي حَيَاته شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ. نعم ورد أَنه يجْتَمع مَعَ إلْيَاس ﵇ كل عَام فِي الْمَوْسِم وَلَكِن سَنَده لم يَصح وَقَالَ الْمَنَاوِيّ: ضَعِيف وَقَالَ ابْن حجر والسخاوي: مُنكر، وعَلى فرض صِحَّته فَيدل لحياة إلْيَاس وَهُوَ بَاطِل أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأحمد فِي حَيَاة إلْيَاس وَأَن طوله ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَأَنه يمشي فِي السَّحَاب وَأَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأكل مَعَه. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة يزِيد بن يزِيد البلوي وَقَالَ: هَذَا خبر بَاطِل وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ الْآيَة، فَأخذ الْعَهْد على كل نَبِي بوقته أَنه إِن أدْرك مُحَمَّدًا ﷺ يقوم بنصره ويؤمن بِهِ وَالْخضر ﵇ نَبِي على الْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء وَإِن لم يكن نَبيا فَهُوَ تَابع لنَبِيّ فَيجب عَلَيْهِ نصْرَة نَبينَا ﷺ واتباعه إِن كَانَ حَيا وَلم يرد مَا يدل على حَيَاته فِي زَمَنه ﷺ وَلَو ورد لما خَفِي علينا؛ لِأَنَّهُ من الْأُمُور الغريبة وَلَو فرضت حَيَاته فِي عصر الصَّحَابَة لمات؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيح البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم أَن ابْن عمر قَالَ: صلى بِنَا
стр. 338
النَّبِي ﷺ الْعشَاء فِي آخر حَيَاته فَلَمَّا سلم قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِن رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد. وَلَا يشكل هَذَا فِي حَيَاة الدَّجَّال لآخر الْوَقْت كَمَا صحت الْأَخْبَار بذلك؛ لِأَن الدَّجَّال أحد أَبَوَيْهِ جني فَهُوَ تَابع للجن فِي طول الْحَيَاة وينضم لهَذِهِ الدَّلَائِل قَوْله ﷺ يَوْم بدر: " اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض، وَلَو كَانَ الْخضر حَيا لَكَانَ يعبده - سُبْحَانَهُ تَعَالَى -. أما مَا ورد من أَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ فخبر بَاطِل وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم أَنه حضر موت رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ مَوْضُوع وَكَذَا مَا ورد فِي مَوته كَحَدِيث لَو كَانَ الْخضر حَيا لزارني فَإِنَّهُ مَوْضُوع أَيْضا وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مَا ورد فِي حَيَاته أَو مَوته غير صَحِيح. وَأما اجتماعه بالأولياء ﵃ فَيحمل على روحه وَأَنَّهَا تتشكل بصورته فالأرواح لَهَا تصرف بعد الْمَوْت كالحياة، وَيدل لهَذَا أَن من يرَاهُ من النَّاس يرَاهُ هُوَ وَحده لَا غَيره وَلَو كَانَ جسما لرآه كل حَيّ مر بِهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيّ لَا ملك وَلَا جني فرؤيته ورؤية النَّبِي ﷺ جهاراً لبَعض الْأَوْلِيَاء رُؤْيَة نورانية وَهِي من رُؤْيَة الْمِثَال لَا فِي عَالم الشُّهُود؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي عَالم شُهُود الشَّخْص كَانَ فِي جملَة الخيال والهدس أَو حَدِيث النَّفس وللأولياء أَحْوَال لَا يقدرُونَ أَن يعبروا عَنْهَا كَيفَ يعبر عَنْهَا غَيرهم وَلَا نظن بهم إِلَّا خيرا - رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ -.
(فَائِدَة:)
حَيَاة الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - برزخية لَا تشبه الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا تشبه النّوم وَلَا هِيَ كموت بَقِيَّة الْخلق، بل يحفظ الله أجسامهم الْكَرِيمَة عَن البلى والفناء، وَيُعِيد عَلَيْهِم من نور الْأَرْوَاح سرا فِي بعض الْأَوْقَات بِأَمْر مَا وَقد وَردت أَحَادِيث تدل على ذَلِك مِنْهَا: أَن الصَّلَاة من أمته تعرض عَلَيْهِ وَفِي بَعْضهَا أَن الله تَعَالَى يرد عَلَيْهِ روحه ليرد على من سلم عَلَيْهِ وَفِي بَعْضهَا: أَن من سلم غَائِبا يبلغهُ بِوَاسِطَة الْملك وَأَن من سلم عَلَيْهِ قَرِيبا يسمعهُ وَفِي بَعْضهَا: أَن قيل لَهُ: كَيفَ تعرض عَلَيْك الْأَخْبَار بمجموعها تدل على حَيَاته وحياة جَمِيع الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَلكنهَا على نَحْو مَا وصف لَا كحياتنا؛ لِأَنَّهُ لما قبض رَسُول الله ﷺ كَانَ كَبَقِيَّة الْمَوْتَى من حَيْثُ فقد الرّوح وخروجها من الْجِسْم الْكَرِيم وَلَو كَانَت حَيَاته كحياتنا لخاطبهم حِين اخْتلفُوا فِي أَمر الْخلَافَة وَفِي مَحل دَفنه وَفِي أَمر مِيرَاثه حِين اخْتلفت فَاطِمَة وَأَبُو بكر ﵄ على ذَلِك وعَلى الأَرْض الَّتِي ادعتها من أَرض فدك بنواحي خَيْبَر وَأَنه أَعْطَاهَا لَهَا وكالخلاف بَين عَليّ وَعَائِشَة وَبَين عَليّ وَمُعَاوِيَة ﵃ أَجْمَعِينَ - فظهوره ﷺ للصحابة لنزع الخلافات الْمَذْكُورَة وهم أولى النَّاس بِهَذِهِ الْكَرَامَة، بل هم أكْرم الْخلق بعده أولى وأهم من ظُهُوره لغَيرهم وَهَذَا بَين جلي فَعلم أَن حَيَاة الْأَنْبِيَاء لَا تدْرك
стр. 339
حَقِيقَتهَا، وَإِنَّمَا نعتقد أَن لَهُم مزية على غَيرهم من الْمَوْتَى. ثمَّ أَن كثيرا من الصَّالِحين يَقُول: إِنَّه يرى النَّبِي ﷺ يقظة وَلَا يُنكر هَذَا مِنْهُم وَإِنَّمَا هِيَ رُؤْيَة روحانية لَا جسمانية وَلذَلِك يرَاهُ الْبَعْض دون الْبَعْض فِي الْمَكَان الْوَاحِد وَلَو كَانَ بجسمه لرآه كل أحد؛ لِأَن رُؤْيَة الْجِسْم لَا تتَوَقَّف على صَلَاح التَّقْوَى، بل رَآهُ الْكفَّار فِي حيلته ﷺ وشرار الْخلق وخيارهم. وَاعْلَم أَن الشَّيْطَان لَا يُمكنهُ أَن يتَمَثَّل بِصُورَة الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَهَذَا لطف وكرامة من الله - تَعَالَى - زِيَادَة فِي حفظهم وعصمتهم مِنْهُ حَتَّى لَا يقدر على التشكل بشكلهم فَإِذا أكْرم الله عبدا بِرُؤْيَة رَسُوله ﷺ يقظة يمثل لَهُ نوره الشريف بِصُورَة جِسْمه الْكَرِيم، وَرُبمَا ظَنّه الرَّائِي أَنه الْجِسْم الشريف لغَلَبَة الْحَال. وَمن ذَلِك مَا وَقع لسيدنا الرِّفَاعِي ﵁ حِين زار النَّبِي ﷺ وَأنْشد عِنْد الْحُجْرَة الشَّرِيفَة الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما:
(فِي حَالَة الْبعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأَرْض عني وَهِي نائبتي)
(وَهَذِه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يَمِينك كي تحظى بهَا شفتي)
فمثلت لَهُ الْيَد الشَّرِيفَة وَقبلهَا وَالْخَبَر الْمَذْكُور مَشْهُور من قبل الإِمَام الْمَذْكُور صلوَات الله وَسَلَامه وتحياته الطَّيِّبَات وَبَرَكَاته على سيدنَا مُحَمَّد وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وعَلى آل كل وَصَحبه وعَلى الْأَوْلِيَاء الْكِرَام وَأعَاد علينا وعَلى الْمُسلمين من بركاتهم ونفحاتهم وأمدنا بمددهم وأدام علينا فَضله الْجَمِيل إِلَى يَوْم الدّين حَتَّى نَلْقَاهُ على أحسن حَال وأنعم بَال. وَهَذَا آخر مَا تيَسّر جمعه من كَلَام الْعلمَاء العاملين الَّذين نصروا الشَّرِيعَة الغراء وبينوا الغث من السمين. وَكَانَت الْفَرَاغ من ذَلِك فِي الْيَوْم الثَّالِث من جُمَادَى الأولى سنة ١٢٦٥ من هِجْرَة خَاتم النَّبِيين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.