وفي الحديث " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " قالوا: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولم؟ قال: " لا تراءى ناراهما " (١) قوله: وقطعة من العذاب السفر الأبيات الثلاثة، أشار به إلى حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نَهمته من وجهه فليعجل إلى أهله " (٢) ولا ينبغي أن يسافر الرجل وحده، وفي حديث الموطإ " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب " (٣) وفيه أيضا أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم " ويندب أن يدخل في صدر النهار، ولا يأتي أهله طروقا، فيمهل حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة، ويندب أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، كما جاء من فعله صلى الله تعلى عليه وسلم، (٤) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن من طالبته أمه بالمبيت عندها يوم قدومه، وطلبته زوجته بذلك، فقال: يبيت عند زوجته، لأن حقها في مقابلة أمر، بخلاف أمه ... قوله: وسفر المرأة دون محرم البيت، معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر يوما وليلة إلا مع زوجها، أو ذي محرم منها، لحديث الصحيح " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها " (٥) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: اليوم والليلة مظنة تهيئ المكروه من الأجنبي لها، ومطاوعتها له، فلذلك منع وتهيؤ ذلك في ما دون ذلك مع الناس بعيد.
стр. 1017
وهذا التعليل يقتضي أن العبرة بالزمن، فلو كانت تقطع مسافة كثيرة في أقل من ذلك لم يكن ممنوعا والله أعلم.
قال في المقدمات: وهذا معناه في الشابة، وأما المتجالة التي انقطعت حاجة الناس منها فلا بأس أن تسافر مع غير ذي محرم، بدليل قول الله : (والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) وفي ما عدا الهجرة إلى بلد الإسلام من بلد الكفر، إذا أسلمت فيه، وفي ما عدا السفر إلى حج الفريضة، لأن هجرتها إلى بلد الإسلام مخصصة من عموم الحديث بالإجماع، والسفر إلى الحج مخصص منه بالقياس على الإجماع.
وقد يقال إن القياس في ذلك غير بين، لأن سفر المهاجرة مع الرفقة ارتكاب لأخف الضررين، وقوله في المتجالة: لا بأس أن تسافر مع غير ذي محرم، يعني حيث لا تكون خلوة.
стр. 1018
قوله: ومالك بحجة الفرض البيت، معناه أن مالكا - رحمه الله تعالى - أجاز لها السفر في حج الفريضة خاصة مع الرفقة المأمونة، وظاهر نقل الشيخ - رحمه الله تعالى - في جامعه أنه إنما ذكر ذلك في المتجالة خاصة، وهو خلاف ما سبق في كلام ابن رشد من اختصاص الحديث بالشابة، وأن الشابة هي التي لا تخرج إلا في سفر الفرض، ونقله النووي عن الباجي - رحمهما الله وقال: لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفل الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز، لغلبة شهوته، وقلة دينه انتهى ونقل بعضهم أن الجمهور على استواء الشابة والمتجالة في ذلك، واقتصر عليه سيدي خليل - رحمه الله تعالى - في منسكه، ونقل في المواهب عن القاضي عبد الوهاب وغيره عدم اختصاص جواز السفر في الرفقة المأمونة بحج الفريضة، وأنه جار في الأسفار الواجبة كلها، ونقل عن الباجي - رحمهما الله تعالى - أنه قيد التفصيل المذكور بالعدد القليل، قال: وأما القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد، يصح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم، ونقل عن الزناتي أنه نقل عن القابسي الاتفاق على ذلك.
قال: وهل يشترط في المحرم البلوغ أو يكفي فيه التمييز ووجود الكفاية، لم أر فيه نصا، والظاهر أنه يكفي في ذلك وجود الكفاية.
стр. 1019
باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك
٢٢٣٥ - وجاز الاسترقاء من كالعين معْ ... تعوذ، كذا التعالج اتسع
٢٢٣٦ - والشرب للدوا، وفصد، كيُّ ... فليس في جميع ذاك نهي
٢٢٣٧ - واستحسنت حجامة والكحلُ ... لرجل تداويا يحلُّ
٢٢٣٨ - وليس جائزا لغير داء ... إذ هو من تزين النساء
٢٢٣٩ - وبكلامه علا وجلا ... يُرقى، وطيب الكلام كلا
٢٢٤٠ - وجائز تعليق حرز لو على ... بعض كتاب الله جل اشتملا
قوله: وجاز الاسترقاء من كالعين، معناه أن الاسترقاء من العين وغيرها جائز، وقد جاء في الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين، (١) وجاء أنه دخل على أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - فوجد عندها جارية بوجهها سفعة، فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (٢) وقد تقدم حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - في رقية أمير الحي، وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم وقالوا: كانت عندنا رقيا نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى فعرضوها عليه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " ما أرى بها بأسا فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه " (٣) وفي الموطإ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دُخل عليه بابني جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - فقال لحاضنتهما: " ما لي أراهما ضارعين " فقالت: إنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين " (٤) وفيه أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - رُقِي من العقرب.
قوله: مع تعوذ، معناه أن التعوذ جائز أيضا، قال سيدي زروق ﵀ : وهو التحصن من الآفات بأذكار تقال وتكتب وتعلق.
стр. 1020
وقد تقدم ذكر بعض ذلك قريبا، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا مرض أحد أهله نفث عليه بالمعوذتين، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ وأمسح بيده رجأء بركتها، (١) وجاء أنه كان يعوذ الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - فيقول: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " (٢) وجاء أنه قال لعثمان بن أبي العاص لما أتاه وبه وجع قد كاد يهلكه: " ضع يدك على الذي تَألَّمَ من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " (٣) قال: فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم، قوله: كذا التعالج اتسع، معناه أن تعالج المريض جائز، وقد جاء في الموطإ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لرجلين من أنمار: " أيكما أطب؟ فقالا: أو في الطب خير؟ فقال: " أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء " وجاء أنه كوى سعدا - رضي الله تعالى عنه - في أكحله مرتين، (٤) وفي الموطإ أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - اكتوى من اللقوة، وفي البخاري أن أبا طلحة كوى أنسا ـ رضي الله تعالى عنهما ـ من ذات الجنب في حياة النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وفي الصحيحين أن خبابا ـ رضي الله تعالى عنه ـ اكتوى في بطنه سبع كيات.
стр. 1021
قوله: والشرب للدوا إلى قوله: حجامة، معناه أن التعالج بشرب الدواء، والفصادة، والكي، جائز، وفي الحديث " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي " (١) وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يمر ليلة أسري به بملإ من الملائكة إلا قالوا: مر أمتك بالحجامة، (٢) وفي الحديث " عليكم بالسنا والسَّنُّوت، فإن فيهما شفاء من كل داء، إلا السام، قيل: يا رسول الله ـصلى الله تعالى عليه وسلم ـ وما السام؟ قال: الموت " (٣) وفي الصحيح أنه أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل وألبانها، (٤) وفي الصحيح أن أم قيس بنت محصن دخلت على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بابن لها قد أعْلَقَتْ عليه من العُذْرة، فقال: " على م تَدْغَرْنَ أولادكن بهذا العِلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب، يُسْعَط من العُذرة، ويُلَدُّ من ذات الجنب " (٥) والإعلاق هو أن ترفع العذرة باليد، والعذرة كصبرة: وجع يسمى سقوط اللَّهات، والدغر: الدفع، وذلك أن الواحدة منهن تدخل أصبعها فتدفع به ذلك الموضع، والعِلاق: العصر، ومعنى يسعط أنه يصب في الأنف، قالوا: وذلك بأن يبل ويقطر فيه، قوله: ويلد به، أي: يصب في أحد شقي الفم، وذلك من المرض المسمى ذات الجنب، وفي الصحيح أنه قال للذي شكى إليه استطلاق بطن أخيه: " اسقه عسلا " الحديث المشهور، (٦) وفيه " الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام " (٧)
стр. 1022
وقال في التلبينة كما في الصحيحين إنها " تُجِم فؤاد المريض، وتَذْهَب ببعض الحزن " وكانت عائشة - رضي الله تعالى عنها - تأمر بها وتقول: هو البغيض النافع، (١) وفي الصحيح " من تصبح بسبع تمرات عجوةً لم يضره سم ولا سحر " (٢) وجاء في حديث الإمام أحمد وغيره أن دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق، في كل يوم جزء " (٣) وفي الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين اشتد به المرض قال: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس " (٤) ومن أعظم ما يستشفى به الاستغفار والدعاء والصدقة، فقد قال في الاستغفار: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) ويقال: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وقال : (أجيب دعوة الداع إذا دعان) وفي الحديث " داووا مرضاكم بالصدقة " (٥) ويتعين ذلك في ما امتنع البرء منه عادة بالتداوي كالبرص والكمه، وذلك أن القرآن الكريم يخاطب آخر الأمة وأولها على حد سواء، فما اقتضى امتناعه عادة، فستظل العادة مطردة بامتناعه حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
قوله: والكحل إلى قوله: تزين النساء، معناه أن مالكا - رحمه الله تعالى - كره في الرواية المشهورة عنه اكتحال الرجل لغير علة ولا تداو، ورأى ذلك من الزينة الخاصة بالنساء، وروي عنه أيضا جوازه له من غير تداو، ولا علة، وهو قول الشافعي - رحمهما الله .
стр. 1023
قوله: وبكلامه علا وجلا البيتين، معناه أن الرقية تكون بالقرآن الكريم كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - وغيره، وتكون بالكلام الطيب كله، لما تقدم في حديث آل عمرو بن حزم، وفي جامع ابن أبي زيد ﵀ : قيل لمالك ﵀ : فيكتب للمحموم القرآن؟ قال: لا بأس به، ولا بأس أن يرقى بالكلام الطيب، ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن الكريم، وذكر الله ، إذا خرز عليها جلدا، قيل: إنهم يعقدون في الخيط الذي يربطون به، قال: لا خير فيه، قيل: ويكون في المعاذة خاتم سليمان - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - قال: لا خير في ذلك، قيل له: فهل ترقي الراقية وبيدها حديدة؟ قال: أكره ذلك، قيل: فبالملح؟ قال: هو أخف، وفي رواية أخرى: ترقي بالحديدة والملح، فكره ذلك كله، والعقد في الخيط أشد كراهية، إلى أن قال: قيل لمالك ﵀ : فهل تعلق الخرزة من الحمرة؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا، وسئل عن النُّشرة بالأشجار والأدهان، قال: لا بأس بذلك، قال: وبلغني أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - سُحرت فقيل لها في منامها: خذي ماء من ثلاثة آبار يجري بعضها إلى بعض فاغتسلي به، ففعلت فذهب عنها ما كانت تجد.
قال سيدي زروق ﵀ : وأما الكلام الطيب فهو الكلام العربي المفهوم، المحتوي على ذكر الله ورسوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والصالحين من عباده، لا الموهمات والمبهمات، إذ حكى المازري أن مالكا - رحمهما الله سئل عن الأسماء الاعجمية فقال: ما يدريك لعلها كفر.
٢٢٤١ - وكرهوا قدوم أرض نزلا ... بها الوبا بل بعضهم قد حظلا
٢٢٤٢ - ومن بها كان كذاك ينهى ... عن الفرار بالخروج منها
стр. 1024
معناه أنه لا ينبغي للصحيح إذا وقع الوباء بأرض أن يخرج إليها، ولا ينبغي إذا وقع بأرض هو فيها أن يخرج عنها فرارا منه، وفي الموطإ عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْغ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه - رضي الله تعالى عنهم - فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا نرى أن تقدمهم على الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع من كان هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر - رضي الله تعالى عنهما -: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما مخصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخَصبة، رعيتها بقدر الله ؟ وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله ؟ فجاء عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ وكان غائبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منه قال: فحمد الله عمر ثم
стр. 1025
انصرف (١).
والنهي في الموضعين للكراهة على المشهور، وقيل للتحريم، كما في ابن ناجي، وقال ابن رشد - رحمهما الله سبحنه وتعالى -: يتحصل في الأفضل من القدوم على الوباء، والخروج، أو ترك ذلك، بعد الإجماع على أنه لا إثم، ولا حرج في شيء من ذلك، ثلاثة أقوال، الأول أن الأفضل أن يقدم عليه، وأن لا يخرج عنه، والثاني الأفضل أن لا يقدم عليه، وأن يخرج عنه، والثالث أن الأفضل أن لا يقدم عليه، وأن لا يخرج عنه، نقله الحطاب في حاشيته.
٢٢٤٣ - وكل ما الميتة فيه تقع ... به العلاج عندهم ممتنع
٢٢٤٤ - كذاك بالنجس والخمور ... ونحوها من سائر المحظور
معناه أنه لا يجوز التداوي بالميتة، ولا بالخمر، ولا بشيء من النجاسات، اتفاقا إذا كان ذلك في باطن الجسد، كما قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى - وعلى خلاف إذا كان في ظاهره، وفي جامع ابن أبي زيد: قيل لمالك - رحمهما الله : هل تغسل القرحة بالبول أو الخمر؟ قال: إذا طهرها بعد ذلك بالماء فنعم، وإني لأكره الخمر في الدواء وغيره، إلى أن قال: ولا يشرب بول الإنسان ليتداوى به، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام التي ذكر الله ، قيل له: فكل ما يؤكل لحمه؟ قال: لم أقل إلا أبوال الأنعام، ولا خير في أبوال الأتُن، قيل: فالشاة تحلب فتبول في الإناء؟ قال: لا بأس به.
٢٢٤٥ - والشؤم في الخبر جا إن يكن ... فهُو في المرأة أو في المسكن
٢٢٤٦ - أو فرس وبعضهم قد نصا ... أن كل ذلك بمعنى خُصا
стр. 1026
يشير به إلى ما جاء في الصحيح من أن الشؤم إن كان ففي ثلاثة، وذكر المرأة والمسكن والفرس، (١) وقد اختلف أهل العلم في معناه، فمنهم من تأوله على أن المراد أنه لو قدر وجود الشؤم الذي تزعمه العرب، لكان في هذه المذكورات، لكثرة وقوع ما يكره الإنسان من جهتها، إن كانت على وجه لا يلائم لملازمته لها، إلا أنه غير واقع، لما في الحديث من نفي الطيرة، (٢) ومنهم من قال: المراد بالشؤم عدم الموافقة والملاءمة لمعنى ظاهر، لا الشؤم بمعنى الطيرة، قال القاضي عياض ﵀ : قد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم منه من معنى التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع، كما جاء في الحديث الآخر " سعادة ابن آدم في ثلاثة، وشقوة ابن آدم في ثلاثة، فمن سعادته المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الصالح، ومن شقاوته المسكن السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء " (٣)
стр. 1027
ومنهم من قال: المراد أنه إذا وقع في نفس المرء عدم البركة في هذه الأشياء كان في سعة من تركها من غير أن يعتقد لها تأثيرا، قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها، لملازمتهم إياها فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو مع امرأة يكرهها بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله هو الفعال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود انتهى وقال ابن العربي - رحمه الله تعالى -: حصر الشؤم في الدار والمرأة والفرس، وذلك حصر عادة لا خلقه، فإن الشؤم قد يكون بين اثنين في الصحبة، وقد يكون في السفر، وقد يكون في الثوب يتخذه العبد، ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا لبس أحدكم ثوبا جديدا فليقل: اللهم إنا نسألك من خير ما صنع له ". (١)
٢٢٤٧ - وكره النبي من الأعلام ... سيئها كحرب أو جذام
٢٢٤٨ - وهكذا كان النبي يحب أن ... يقع صدفة له الفأل الحسن
٢٢٤٩ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
стр. 1028
قوله: وكره النبي البيت، معناه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يكره الأسماء السيئة، وكان يغيرها، غير اسم عاصية بنت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - إلى جميلة، (١) وغير حزن إلى سهل، (٢) وغير أصرم إلى زرعة، (٣) وغير شهاب إلى هشام، وغير حرب إلى سلم، وغير المضطجع إلى المنبعث، وغير عتلة إلى عتبة، وغير أبا الحكم إلى أبي شريح، ولا يختص هذا ببني آدم، فقد غير أيضا أسماء بعض البقاع، فغير اسم بلاد كانت تسمى عفرة، وسماها خضرة، وسمى شعب الضلالة شعب الهدى، (٤) وفي الحديث " إن أحب أسمائكمإلى الله تعالى، عبد الله وعبد الرحمن " (٥) وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة " وفي الحديث أيضا " أغيظ رجل عند الله يوم القيامة، وأخبثه رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". (٦)
стр. 1029
قوله: وهكذا كان البيت، معناه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يعجبه الفال الحسن (١) فكان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد ويا نجيح، (٢) وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أنه قال للقحة تُحلب: من يحلب هذه؟ فقام رجل، ... فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما اسمك؟ فقال له الرجل: مرة، فقال له رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اجلس، ثم قال: " من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " ما اسمك؟ فقال: حرب، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " اجلس " ثم قال: " من يحلب هذه " فقام رجل فقال له رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " ما اسمك؟ " قال: يعيش، قال: " احلُب " وفي الموطإ أيضا أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جمرة، فقال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، فقال: ممن؟ قال: من الحُرَقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال أدرك أهلك فقد احترقوا، قال: فكان كما قال عمر - رضي الله تعالى عنه - وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم غير اسم جويرية من برة إلى جويرية، كراهية أن يقال خرج من عند برة، (٣) ونهى أن يسمي الرجل غلامه يسارا، أو رباحا، أو أفلح، أو نافعا، (٤) وفي حاشية الحطاب عن القلشاني - رحمهما الله أنه قال: وقصد سماع الفال ليعمل على ما يسمع من خير أو شر لا يجوز، وكذلك أخذ الفال من المصحف.
стр. 1030
٢٢٥٠ - ويغسل العائن وجها واليدين ... ومرفقيه وكذاك الركبتين
٢٢٥١ - وطرفيْ رجليه معْ داخلة ... إزاره أيضا لدى أجلة
٢٢٥٢ - ثم يصب ذا على المعِين ... فذاك رافع لضر العين
روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حُنيف - رضي الله تعالى عنهما - يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخْبَأَة، فلُبِط بسهل، فأُتِي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقيل له: هل لك في سهل بن حنيف، والله ما يرفع رأسه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " هل تتهمون له أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عامرا، فتغيظ عليه، وقال: " علام يقتلُ أحدُكم أخاه؟! ألا برَّكت، اغتسل له " فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. (١)
стр. 1031
قال الحطاب - رحمه الله تعالى - في حاشيته: قال أبو عمر - رحمه الله تعالى -: الإزار هو المئزر، فما التصق منه بخصره وسرته، فهو داخلة إزاره، وفي الحديث أن النظر إلى المغتسل مباح إذا لم ينظر إلى عورته، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يلم عامرا إلا على ترك التبريك فقط، لا على النظر، وقد استحب العلماء أن لا ينظر إلى المغتسل، خوف أن تقع عين الناظر على عورته، وفيه ما يدل على أن في طباع البشر الإعجاب بالشيء الحسن، والحسد عليه، وهذا لا يملكه المرء من نفسه، فلذلك لم يعاتبه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على ذلك، وإنما عاتبه على ترك التبريك الذي كان في وسعه، وفيه أن العين حق، وأنها تصرع وتردي وتقتل، وفي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " علام يقتل أحدكم أخاه " دليل على أن العين ربما قتلت، وكانت سببا للمنية، وفي تغيظه صلى الله تعالى عليه وسلم على عامر - رضي الله تعالى عنه - دليل أن تأديب من يحصل منه أو بسببه سوء وتوبيخه مباح، وإن كان الناس يجرون تحت القدر، وكذلك يوبخ كل من كان فيه أو بسببه سوء، وإن كان القدر قد سبق له بذلك، وفي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في غير هذا الحديث " لو كان شيء يسبق القدر سبقته العين " (١)
стр. 1032
دليل على أن العين لا تسبق القدر، ولكنها من القدر، وفي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ألا بركت " دليل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك، فواجب على من أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعى بالبركة صرف المحذور لا محالة، والله أعلموالتبريك: أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، وفيه أن العائن يؤمر بالاغتسال للذي عانه، ويجبر عندي على ذلك إن أباه، لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل عندي والله أعلم.
٢٢٥٣ - ونظر النجوم ما منه يقع ... للاهتدا وعلم وقت اتسع
٢٢٥٤ - وما على ذلك زاد كرها ... أو حرمة عنه لديهم ينهى
стр. 1033
النظر في النجوم يقع على وجوه، فالقدر الذي يستدل به على القبلة، وأجزاء اليل، والاهتداء في البحار والمفاوز، جائز، بل مستحب، وقد قال : (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وقال : (وعلمات وبالنجم هم يهتدون) والنظر في ما زاد على ذلك، منه ما هو مكروه، كالقدر الذي يستدل به على تمام الشهور ونقصانها، وأن الشمس ستكشف يوم كذا، أو القمر، لأنه من الاشتغال بما لا يعني، إذ لا ينبني على ذلك شيء، وينهى صاحبه عن التكلم بهذه الأشياء، لأن الجهلة يحسبونه من علم الغيب، ويؤدب عليه، لأن ذلك من حبائل الشيطان، وأما ما يزعم صاحبه به معرفة الحوادث، فهو ضلال، إذ (لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) ولا يعلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة ﵈ من ذلك إلا ما أطلعهم الله عليه، فإن كان يزعم تأثير النجوم فذلك كفر، فإن كان يستسر بذلك وظُهر عليه قتل بلا استتابة، وإن أظهره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وفي الحديث " وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب " (١) وإن كان يعلم أن هذه الأمور لا أثر لها، وأنه لا فاعل إلا الله ، وإنما هي أمور يخلقها الله عند تلك الأشياء، أدب على ذلك أبدا حتى يتوب، ولا يجوز لأحد أن يصدقه في شيء من ذلك، فهو كاذب آثم، وإن وافق في بعض الأحوال.
٢٢٥٥ - لا تتخذ كلبا بدُور في الحضر ... أو في البواد فهْو في الكل انحظر
٢٢٥٦ - إلا لحفظ الزرع والمواشي ... والصيد إن أريد للمعاش
٢٢٥٧ - والغنم الخصا بها قد حُللا ... لطيب لحمها به إن فُعلا
٢٢٥٨ - والخيل في خصائها لم يُرْخَص ... إذ ليس في الخيل امتياز للخصي
٢٢٥٩ - والوسم بالنار بوجه يُقلى ... أما سواه فهْو فيه حلا
٢٢٦٠ - وكن بمملوكك ذا ترفق ... ولا تكلفه بما لم يطق
стр. 1034
قوله: لا تتخذ كلبا البيتين، معناه أن اتخاذ الكلب ممنوع حضرا وبدوا، إلا لهذه الأمور الثلاثة، حفظ الزرع، وحفظ الماشية، والصيد للمعاش، وفي الحديث " من اتخذ كلبا إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص من أجره كل يوم قيراط " (١) وفي جامع ابن أبي زيد: قيل لمالك - رحمهما الله : أهل الريف يتخذون كلابا في دورهم لما فيها من الدواب؟ قال: لا أرى ذلك، إنما الحديث لزرع، أو ضرع، ولم أره يشبه الحائط، وما يكون من المواشي في الصحاري، وأما ما جعل في الدور فلا يعجبني، قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: فيخاف اللصوص يقتحمون الباب ويخرجون الدواب، قال: لا يعجبني، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى - إلا أن يكون يسرح معها في الرعي، وينقلب، قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: فالمسافر يتخذ كلبا يحرسه؟ قال: ما يعجبني، قيل: فالنخاسون الذين يرتعون دوابهم فيتخذون الكلاب؟ قال: هي من المواشي، قيل: فيتخذ الحاضر الكلب يصيد به؟ قال: إنما ذلك لمن يتخذه لعيشه لا للهو، قال: ولا بأس باتخاذ الكلب للمواشي كلها، ولكن بغير شراء، وإني لأكره شراءه، قال ابن كنانة وغيره: لا بأس أن يشترى لما يجوز اتخاذه له، وقيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أتقتل الكلاب؟ قال: نعم يقتل ما يؤذي منها، وما يكون منها في موضع لا ينبغي أن يكون فيه، مثل قيروان الفسطاط.
стр. 1035
قوله: والغنم الخصا بها قد حللا البيتين، معناه أن خصاء الغنم جائز، لما هو معلوم من فعل الناس لذلك في عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واشتهاره من غير نكير، وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجوءيين، (١) وذلك لطيب لحمها بذلك، وكذلك البقر والإبل، ويكره إخصاء الخيل، قال سيدي زروق ﵀ نقلا عن التلقين -: لأن نسلها مراد، ولحمها غير مأكول.
وفي جامع ابن أبي زيد عن مالك - رحمهما الله أنه قال: وأكره إخصاء الخيل، وسمعت أن ذلك يكره فيها، ولا بأس أن يخصى ما سواها من البغال والحمير وغيرها، قال: وإذا كَلَبَ الفرس وامتنع، فلا بأس أن يخصى، قيل: إذا خبث الفحل هل ينزى عليه ذكر مثله ليكسره؟ قال: ما أعلم حراما، وما هو بالأمر الحسن.
قوله: والوسم بالنار البيت، معناه أن وسم الدواب جائز ما لم يكن في الوجه فيكره، وذلك لحاجة الناس إلى ما يعرفون به مواشيهم، وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك، (٢) وفي جامع ابن أبي زيد عن مالك - رحمهما الله : ولا بأس به في الأذن للغنم، لأن صوف جسدها يغيب السمة، وأما الإبل والبقر فتوسم في غير ذلك من جسدها، إذ ليست في أوبارها وأشعارها كالضأن والمعز، قيل: أرأيت قوما لهم سمة قديمة فأراد رجل أن يحدث مثلها؟ قال: ليس له ذلك، لأنه يلبس عليهم، وهم يطلبون بها ضوالهم، وما هلك من إبلهم.
стр. 1036
قوله: وكن بمملوكك البيت، معناه أن الإنسان مأمور بالرفق برقيقه، ودابته، ومن له عليه يد، ولا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيق، وفي جامع ابن أبي زيد عن مالك - رحمهما الله : وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " (١)
стр. 1037
قيل لمالك: أكان عمر - رضي الله تعالى عنه - يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل من الرقيق في عمله، ويزيد في رزق من أقل رزقه، قال: نعم، وفي من يعمل من الأحرار ما لا يطيق، وقيل إن الولاة يأمرون أن يخفف عما مر به من بعير أو بغل مثقّل، قال: قد أصابوا، وأكره ما أحدثوا من إجهاد العبيد في عمل الزرانيق، قيل له: فمن له عبيد يحصدون نهارا، أيستطحنهم ليلا؟ قال: أما العمل الذي لا يتعبهم بالمعروف فلا بأس به، وإذا كان في عمل تعب بالنهار، فلا يستطحن باليل، قيل: أكره أحد بالمدينة أن يقول لسيده: يا سيدي، قال: لا، قال الله : (وألفيا سيدها لدا الباب) وقال الله : (وسيدا وحصورا) قيل: يقولون السيد هو الله ، قال: أين هو في كتاب الله ، وإنما في القرآن ربنا ربنا رب اغفر لي ولوالدي، قيل: هل يكره أن يدعو بيا سيدي؟ قال: بما في القرآن الكريم أحب إلي ودعاء الأنبياء، قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا بأس بسرعة السير في الحج على الدابة، وأكره المهاميز، ولا يصلح الفساد، وإذا أكثر من ذلك خرقها، وقد مر بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حمار قد كوي في وجهه فعاب ذلك، وسئل مالك - رحمه الله تعالى - بعد ذلك وقيل له: ينخسها حتى يدميها؟ قال: لا بأس بذلك، قيل: أفيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه؟ ويلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها؟ قال: أراه من ذلك في سعة، ولكن يكسوهم ويطعمهم، قيل: فحديث أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه -؟ قال: كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وأكره أن يسأل الرجل عما أدخله منزله من الطعام.
стр. 1038
باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
٢٢٦١ - جزء منَ اَجزاء النبوءة الرُّأى ... إن صلحت وصلح الذي رأى
٢٢٦٢ - وحيث في النوم ترى ما تتقي ... فعن يسارك ثلاثا ابصق
٢٢٦٣ - واستعذنْ مما رأيتَ وعلى ... جنبك الاخر إذا تحولا
٢٢٦٤ - وإن تثاءبت اكظمنْ وفمكا ... باليد سُدَّه خلال ذلكا
٢٢٦٥ - والحمد للعاطس أمر يندب ... تشميت من سمعه موجب
٢٢٦٦ - وللمشمت إذنْ قدُ اُمرا ... ذاك الذي عطس أن يستغفرا
٢٢٦٧ - وبالهدى إن يدع أيضا معْ صلاح ... ألبال في مكان ذا فلا جناح
قوله: جزء من أجزاء النبوءة الرؤى البيت، معناه أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوءة لحديث الموطإ وغيره " الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة " (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والمعنى في ذلك أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا أو في الآخرة لا مدخل فيها للشيطان، وهي من الله من ستة وأربعين جزءا من النبوءة إذا رآها الرجل الصالح، وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من سبعين جزءا من النبوءة، (٢)
стр. 1039
والمعنى في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا التي على هذه الصفة المذكورة في الحديث فيخرج على ما تعبر به، فما يخطأ في تأويله فلا يخرج على ما يعبره يكون جزءا من خمسة وأربعين، أو من ستة وأربعين، أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في الإخبار بالمغيبات، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لن يبقى بعدي من النبوءة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة " (١) فالرؤية الصالحة المبشرة من الله جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها - وإن كانت من الله إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة، ولا من ستة وأربعين، ولا من سبعين.
وفي الحديث " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا " (٢) وينبغي أن لا يحدث بالرؤيا التي يحب إلا من يحب كما في الحديث (٣)
قوله: وحيث في النوم البيتين، معناه أن من رأى في نومه ما يكرهه إذا نفث عن يساره ثلاثا وتعوذ أمن من شرها كما في الحديث، (٤) ويؤمر بالتحول إلى جنبه الآخر، (٥) أو يقوم للصلاة، (٦) وألا يحدث بها، (٧) قال أبو سلمة بن عبد الرحمان - رحمه الله تعالى -: إنه كان يرى الرؤيا أثقل من الجبل فلما سمع هذا الحديث لم يبالها.
стр. 1040
قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: وينبغي أن يعمل بجميع الروايات، فإذا رأى ما يكره نفث عن يساره قائلا: أعوذ بالله من الشيطان ومن شرها وليتحول إلى جنبه الآخر، وليصل ركعتين، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله ... قوله: وإن تثاءبت البيت، معناه أن المتثائب يؤمر بتغطية فيه لحديث الصحيح " إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل " (١) قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: قال في الإكمال: أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بكظم التثاؤب (٢) ورده ووضع اليد على الفم ليلا يبلغ الشيطان العدو أمله في المسلم بكل ما يسوءه ويكره منه من تشويه صورته ودخوله في فمه وضحكه منه وتفله فيه، ولهذا قال والله أعلم أمر المتثائب بالتفل ليطرح ما عساه ألقاه الشيطان في فيه أو لما مسه من ريقه إن كان دخل قوله: والحمد للعاطس الأبيات، معناه أنه يندب أو يسن لمن عطس أن يحمد الله ، ويندب له الجهر به ليسمعه من يشمته، ويؤمر من سمعه يحمد أن يشمته، وكذا إن لم يسمعه وسمع من يشمته، والتشميت أن يقول له: يرحمك الله، فإذا شمته أمر العاطس أن يدعو له بالمغفرة أو الهداية وصلاح البال بأن يقول له: يغفر الله تعالى لي ولكم، (٣) أو يهديكم الله تعالى ويصلح بالكم، (٤)
стр. 1041
كما في الحديث الشريف، وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ أنه كان يقول: يرحمنا الله تعالى وإياكم، ويغفر لنا ولكم، قال القاضي عياض ـ رحمه الله تعالى ـ: اختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله تعالى ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله تعالى لنا ولكم، وقال مالك والشافعي يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما.
стр. 1042
فإن لم يحمد العاطس فلا يشمت، للنهي عن ذلك في الحديث الشريف، (١) قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: وأقل درجاته أن يكون مكروها عقوبة له على غفلته عن الحمد، ولا خلاف أعلمه أن من لم يحمد الله لا يشمت، نقله الحطاب - رحمه الله تعالى - في حاشيته، وإذا تكرر العطاس ففي مختصر الوقار: وينتهي التشميت إلى الثلاث، فإن جاوز ذلك في فور، حمد الله في نفسه، وسقط عمن سمعه التشميت، وينبغي للعاطس تغطية وجهه حال العطاس، وخفض صوته، (٢) واختلف في حكم التشميت فقيل فرض عين، وهو ظاهر عبارة الشيخ - رحمه الله تعالى - وقيل فرض كفاية، وشهره في الإكمال، وقيل مستحب، وإلى ذلك ذهب القاضي أبو محمد بن نصر - رحمه الله تعالى - ونقل الحطاب في حاشيته عن النووي - رحمهما الله أنه سئل عن الذي يقول الناس عند الحديث إذا عطس إنسان أنه تصديق للحديث، هل له أصل؟ فقال: نعم له أصل أصيل، روى أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد حسن جيد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من حدث حديثا فعطس عنده فهو حق " كل رجال إسناده ثقات متقون إلا ابن الوليد فمختلف فيه، وأكثر الحفاظ والأئمة يحتجون بروايته عن الشاميين، وهو يروي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي.
٢٢٦٨ - ولعب الشطرنج والنرد انحظل ... لكن على لاعبها السلام حل
٢٢٦٩ - أما جلوسك إليه فكُرِهْ ... والكره أيضا هو حكم نظره
٢٢٧٠ - وبالسهام في الرماية يحلْ ... تسابق كالخيل أيضا والابل
٢٢٧١ - لو أخرجا جعلا إذا ما أدخلا ... معَهما عندئذ محللا
٢٢٧٢ - فابن المسيب لذا أحلا ... لا مالك فقد رءاه حظْلا
стр. 1043
٢٢٧٣ - فالجعل في السباق عنده منع ... ما لم يكن من اَجنبي قد دفع
٢٢٧٤ - أو واحد منهم على أنْ إنْ سبق ... غيرٌ يكن لذلك الجعل استحَقْ
٢٢٧٥ - وحيث يسبق الذي دفع كان ... لمن يليه أو لحاضر المكان
لعب النرد غير جائز، للأحاديث الصحيحة الصريحة في منعه، (١) وكره مالك - رحمه الله تعالى - اللعب بالشطرنج، وقال إنه ألهى من النرد، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: اللعب بالشطرنج وما كان في معناه يلهي عن العبادات، ويشغل عن ذكر الله - سبحانه وتعالي - والمحافظة على الصلوات، ويؤدي الإدمان على ذلك إلى القمار، والأيمان الكاذبة، وذلك كله فسوق، فمن أدمن اللعب به كان ذلك قدحا في إمامته وشهادته، فقد كان عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - إذا رأى أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها، وبلغ عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا عندهم نرد، فأرسلت إليهم فيها: لئن لم تخرجوها لأخرجنَّكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم. (٢)
وسئل مالك - رحمه الله تعالى - هل يسلم على القوم يلعبون بها؟ قال: نعم، هم أهل الإسلام، وتأوله ابن رشد - رحمه الله تعالى - على من شأنهم لعبها، وأما المتلبسون بذلك في الوقت فلا يسلم عليهم، لأنهم متلبسون بمعصية، ويتجه مثل ذلك في كراهة الجلوس إليهم والنظر، وظاهر كلامهم أن المراد فيهما اللاعب بالفعل، ووجه بالاختلاف في منع لعبها.
стр. 1044
قوله: وبالسهام في الرماية الأبيات، أشار به إلى أن السباق بجعل جائز عند مالك - رحمه الله تعالى - في الخيل والإبل، وفي الرمي بالسهام، على التفصيل الذي تضمنته الأبيات، وفي الحديث " لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر " (١) ويقع السباق في هذه الأشياء بجعل على وجوه، منها ما هو جائز باتفاق، ومنها ما هو ممنوع باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه، أما المتفق على جوازه فأشار إليه بقوله: فالجعل عنده الأبيات الثلاثة، وأما المختلف فيه فأشار إليه بقوله: لو أخرجا جعلا إذا ما أدخلا البيت، وأشار إلى المتفق على منعه بمفهومه، ومعنى قوله: فالجعل في السباق الأبيات أن مالكا ﵀ إنما يجوز عنده السباق إذا كان مخرج الجعل من غير المتسابقين، بأن أخرجه متبرع، أو أخرجه أحدهما على أنه لا يعود إليه، بل إن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو كان للذي يليه إن كان معهما ثالث، أو لحاضر السباق إن لم يكن معه إلا واحد، وقوله: لو أخرجا جعلا البيتين، معناه أن السباق بجعل يخرجانه جائز عند ابن المسيب - رحمهما الله إذا أدخلا معهما ثالثا يمكن أن يسبقهما، فإن لم يكن معهما ثالث منع باتفاق، واختلف قول مالك ﵀ إذا كان المخرج أحدهما فقط، وأخرجه على أنه إن سبق رجع في جعله، وإن سبق غيره أخذه، وأجاز ذلك ابن المسيب - رحمهما الله .
٢٢٧٥ - وما بطيبة من الحيات ... يُؤذَن قبل القتل في مرات
٢٢٧٦ - ثلاثة بكل يوم مرَّهْ ... وقيل تُؤذَنُ بكل ظَهْرَهْ
٢٢٧٧ - وإن بغير طيبة من المُدُنْ ... تُؤذَنْ كذلك فذلك حسن
٢٢٧٨ - بعكس ما يظهر في الصحراء ... فذاك يقتل بلا استيناء
٢٢٧٩ - لا تقتلنْ بالنار كَرها قملا ... وذاك في البرغوث أيضا يُقلى
٢٢٨٠ - والنمل إن آذت ولم يقدر على ... ترْك لها مجوز أن تقتلا
стр. 1045
٢٢٨١ - والقتل للضفدع ليس ينبغي ... وأمر النبي بقتل الوزغ
٢٢٨٢ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
قوله: وما بطيبة الأبيات الأربعة، معناه أن ما يظهر من الحيات في المدينة المنورة يؤمر وجوبا أن يؤذن قبل أن يقتل ثلاثا لما في الحديث " إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان " (١) وجاء استثناء ذي الطفيتين والأبتر، لأنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبَل (٢) وجاء عن مالك ﵀ أنه يكفي في الاستئذان أن يقال: أحرج عليكن بالله تعالى واليوم الآخر، ألا تبدوا لنا، ولا تؤذوننا، والمعول أن ذلك في ثلاثة أيام، مرة في كل يوم، وقيل تستأذن في ثلاث خرجات، في كل خرجة مرة، وقيل تستأذن ثلاثا في خرجة واحدة، وأما غير المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم من المدن فيستحب ذلك فيه، لاحتمال الحديث، وأما الحيات التي تظهر بالصحراء فلا يستأذن منها شيء، بل تقتل عند أول ظهرة.
قوله: لا تقتلن بالنار البيت، أشار به إلى أن قتل النمل والبرغوث مكروه عند مالك - رحمه الله تعالى - قال: وهذه مثلة، وسئل ﵀ عن النمل يؤذي السقف، قال: إن قدرتم أن تمسكوا عنها فافعلوا، وإن أضرت بكم ولم تقدروا على تركها فأرجو أن يكون من قتلها في سعة.
стр. 1046
وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد، (١) ودليل قول النملة (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) أنهم لو شعروا بهم لم يفعلوا ذلك، وفي الصحيح أن نبيا من الأنبياء - على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - قرصته نملة، فحرق قرية النمل، فأوحى الله إليه " أفي أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح " (٢) قال سيدي زروق ﵀ : فأخذ منه العلماء جواز حرق النمل إذا آذت، وأن تركها أحسن.
قوله: والقتل للضفدع ليس ينبغي، معناه أنه لا ينبغي قتل الضفدع، وقد جاء في الخبر أن طبيبا سأل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن جعلها في دواء، فنهى عن قتلها (٣) قوله: وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتل الوزغ، معناه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ، (٤) ففي حديث الصحيح " من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية، (٥) وفي الصحيح أنها كانت تنفخ النار على سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -. (٦)
٢٢٨٣ - والفخر بالآباء والتكبر ... كلاهما جهل وأمر منكر
٢٢٨٤ - وما من الأنساب وصْل الرحم ... به يكون علمه قد اعتُمي
٢٢٨٥ - وجهل ما زاد على ذا يسع ... وعلمه ليس بعلم ينفع
٢٢٨٦ - ومالك كره رفْعَه بما ... منه على الإسلام قد تقدما
стр. 1047
قوله: والفخر بالآباء البيت، معناه أن الفخر بالآباء والتكبر بذلك جهالة من فاعله، وأمر محرم، لأنها كبر، وفي الحديث " لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعَل الذي يُدَهْدِهُ الخِراء بأنفه، إن الله تعالى أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنوا آدم وآدم خلق من تراب " (١) وجاء أن أبا ذر - رضي الله تعالى عنه - سابب رجلا أمه أعجمية وعيره بها، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إنك امرؤ فيك جاهلية " (٢) قوله: وما من الأنساب البيت، أشار به إلى ما جاء في الحديث " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل " رواه الحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، (٣) وجاء موقوفا على عمر - رضي الله تعالى عنه -، قال ابن ناجي: قال التادلي - رحمهما الله : يريد وجوبا، لأن صلة الرحم واجبة فوسيلته كذلك.
وقد يقال إنه ليس كل رحم يجب وصلها، فالأوجه حينئذ اختلاف حكمه والله أعلم.
قوله: وجهل ما زاد البيت، معناه أن علم ما زاد على ذلك من الأنساب علم لا ينفع، والجهل به جهل لا يضر، فهو فضول فلا ينبغي الاشتغال به.
стр. 1048
قوله: ومالك كره رفعه البيت، أشار به إلى قول مالك ﵀ : وأكره أن يرفع في النسبة في ما قبل الإسلام من الآباء، وفي الحديث " انتسب رجلان على عهد موسى ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان ـ حتى عد تسعة ـ فمن أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، فأوحى الله إلى موسى ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ " إن هذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثهما في الجنة ". (١)
٢٢٨٧ - ولا يفسر الْمَراءِ جاهل ... تعبيرها فذاك أمر يحظل
٢٢٨٨ - ولا يعبر بخير ما على ... شر يكون عنده مؤولا
٢٢٨٩ - وجائز إنشادك الشعر ولـ ... ـكن حيث ما يخف كان أجملا
٢٢٩٠ - لا تكثرنْ منه ولا تنشغل ... به فليس ذاك شأن الفاضل
стр. 1049
قوله: ولا يفسر المراء البيت، معناه أنه لا يجوز أن يعبر الرؤيا من لا علم له بذلك، ولا يختص ذلك بالرؤيا، فلا يجوز للمرء أن يتكلم في شيء لا علم له به، فقد قال : (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وفي جامع ابن أبي زيد أنه قيل لمالك - رحمهما الله : أيفسر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوءة يلعب؟ وقال: قال مالك ﵀ : لا يعبر الرؤيا إلا من أحسنها، فإن رأى خيرا أخبره، وإن رأى مكروها فليقل خيرا، أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه، لقول من قال: إنها على ما أولت؟ فقال: لا، والرؤيا من أجزاء النبوءة، فيتلاعب بأمر من أمور النبوءة، وقد قال الصديق - رضي الله عنه - في رؤيا عائشة - رضي الله عنها - لما مات رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: هذا أحد أقمارك وهو كبيرها، وتلك العبارة عنده، وكره أن يتكلم أولا، وقال خيرا، ولو كان أحد ينبغي له أن يصرف التأويل إلى غير وجهه، لما يتقي، لصرف ذلك أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بتأويل يقي به رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولكن لم ير ذلك جائزا، وقال: خيرا إن شاء الله ، وسكت وإلى هذا أشار بقوله: ولا يعبر بخير ما على البيت.
стр. 1050
قوله: وجائز إنشادك الشعر البيتين، معناه أن إنشاد الشعر جائز، فقد أنشد بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنشده الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، واستنشدوه، وتمثلوا به، وأعيان التابعين، وأعيان علماء الأمة على مر العصور، وذلك معلوم ضرورة لا يحتاج إلى استشهاد عليه، لكن لا ينبغي الانشغال به والإكثار منه، وفي جامع ابن أبي زيد: سئل مالك - رحمهما الله عن إنشاد الشعر؟ قال: يخفف منه ولا يكثر، ومن عيبه أن الله يقول: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له)
وجاء عن الشافعي ﵀ أنه قال:
لولا الشعر بالعلماء يُزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد
وجاء عن الطرطوشي ﵀ : أنه قال في توجيه الكراهة: لأن أطيبه أكذبه نقله ابن ناجي ﵀ .
وفي الصحيح " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرا ". (١)
٢٢٩١ - والعلم بالدين وبالشرع على ... كل العلوم باتفاق فضلا
٢٢٩٢ - والشغل في تحصيله أزكى عمل ... إن كان ذلك لوجه الله جل
٢٢٩٣ - إذ هو قائد إلى الخيرات ... وهْو الوسيلة إلى النجاة
٢٢٩٤ - والعلما أفضلُهم من كانا ... لربه أشدَّهم خِشيانا
٢٢٩٥ - وفي اللجا إلى الكتاب والخبر ... وعمل الهداة ممن قد غبر
٢٢٩٦ - من الضلال كلِّه والبدع ... مَنجى، وعصمة وخيرُ مَفزع
٢٢٩٧ - وليس بالجائز أن تسلك ما ... خرج عن أقوال من تقدما
стр. 1051
قوله: والعلم بالدين الأبيات الثلاثة، معناه أن الاشتغال بعلوم الشريعة من أفضل القرب، وأعظم الطاعات، وقد تقدم الكلام على ذلك، وقد قال : (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) وقال : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (١) وقال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢) وجاء في الخبر أيضا " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " (٣) وهذا حيث كان طلبه لوجه الله ففي الحديث " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة " (٤)
стр. 1052
قوله: والعلما أفضلهم البيت، معناه أن أفضل العلماء أكثرهم خشية لربه، وكذلك غيرهم، فبالخشية أنيط حصول المقامات العظيمة في الآخرة، قال : (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وقال : (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وكون أقرب العلماء إلى الله أكثرهم خشية، هو الذي شهدت به شواهد السنة، قال الله : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال ابن عطاء الله في الحكم: خير العلم ما كانت الخشية معه، العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا فعليك، قال في لطائف المنن: فشاهد العلم الذي هو مطلوب لله الخشية لله ، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم تكون معه الرغبة فى الدنيا، والتملق لأربابها، والجمع، والادخار، والمباهات، والاستكثار، وإيثار الدنيا، ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا علمه أن يكون من ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قوله: وفي اللجا البيتين، معناه أن الرجوع إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وإجماع الأمة المرحومة، أمان من الزيغ، ونجاة من الأهواء، وعصمة من البدع، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) وجاء عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - أنه قال: سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، من عمل بها مهتديا هدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله تعالى ما تولى.
стр. 1053
قوله: وليس بالجائز البيت، معناه أنه لا يجوز أن يخرج في فهم الشريعة عما كان عليه الأولون، فهم أعرف باللسان، وأحرص على الخير، وأقعد بالأمر، وأبعد من الزيغ، وعند الشاهد ما ليس عند الغائب، فعلى طريقهم العمل، وعلى فهمهم المعول، وقد جاء عن النخعي ﵀ أنه قال: لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك، وأنا أقرؤها (إلى المرافق) وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم، وأحرص خلق الله على اتباع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا يظن ذلك بهم إلا ذو ريبة في دينه والله ولي التوفيق.
٢٢٩٨ - والحمد لله الذي أتما ... مرامنا حمدا أريجا جما
٢٢٩٩ - نحمده سبحانه بعَدِّ ... نعمه كلا أتم الحمد
٢٣٠٠ - سبحانه فما لنا من طاقة ... بشكره على إلى دقيقة
٢٣٠١ - وشكره جل على الإيمان ... فحسبُ ما لنا به يدان
٢٣٠٢ - صلى على وسيلة المحتاج ... ملاذنا سراجنا الوهاج
٢٣٠٣ - بيت القصيدة وقطب الدائره ... ركن الندى بحر البحور الزاخره
٢٣٠٤ - شفيع كل سابق وغابر ... قبلة عاف، أمل المنكسر
٢٣٠٥ - صل عليه يا إلاهي أكملا ... ما من صلاتك له قد سئلا
٢٣٠٦ - وسلمنّ هكذا سلاما ... يجري عليه معَها دواما
٢٣٠٧ - والال والأصحاب معْ قُفاة ... آثارهم من سابق وآتي
٢٣٠٨ - واقض به حوجاءنا جميعا ... وصيرنَّه لنا شفيعا
٢٣٠٩ - والحمد لله على الدوام ... صلى على نبيه الختام
أريجا، أي: فائحا بالعطر، والطاقة: القدرة، والدقيقة: جزء من ستين جزءا من الساعة، التي هي جزء من أربعة وعشرين جزءا من ليلة ونهارها، وقوله: يدان، معناه طاقة وقدرة، قال:
حمِّلتُ زفْرات الضحى فأطقتها ... وما لي بزفرات العشي يدان
стр. 1054
والوهاج: الوقاد، وبيت القصيدة: سر الشيء والمقصود منه، وقطب الدائرة: مركزها الذي تدور عليه، وركن الشيء: محل قوته وشدته، والندى بفتح النون: الجود والكرم، والغابر: لفظ مشترك بين السابق والآتي، وهو المراد هنا، فهو من الأضداد، والقبلة: الوجهة، والعافي: طالب الفضل والنوال، والأمل: الرجاء، والمنكسر: الذليل، والقفاة: جمع قاف كغاز وغزاة، وقاض وقضاة، من قفاه إذا اتبعه، والحوجاء: الحاجة، والشفيع: مِن شفع له إذا سعى له، جمعه شفعاء، وهذا آخر ما يسر الله بواسع فضله، وعظيم إحسانه، من هذا الشرح الميمون، وذلك عشية الاثنين، منسلخ رجب، من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف، من هجرته صلى الله تعالى عليه وسلم، الموافق لسبع بقين من أذار، سنة عشرين وألفين، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وأزواجه، وذريته، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
تمت مقابلة هذا الجزء المرة الأولى عشية الأحد الرابع من شهر شوال، وتمت مقابلته المرة الثانية عشية الأحد العاشر من ذي القعدة، من عام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف من هجرته صلى الله تعالى عليه وسلم بمحروسة كيف في ثلاثين مجلسا، والحمد لله رب العالمين.