← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قوله: لا تتنفس البيت، معناه أنه ينهى عن التنفس في الآنية أثناء شربه منها، للنهي عن ذلك كما في الصحيح، (١) فإن ضاق به النفس نحى القدح وتنفس، ثم عاد للشرب، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم للذي قال: لا أروي من نفس واحد، (٢) وذلك لخوف التقذير، لما يخشى أن يطير مع نفسه في الآنية، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وفي النسائي ما يدل لاستحباب الشرب في ثلاثة أنفاس، يسمي عند كل مرة ويحمد عليها. (٣)

стр. 982

قوله: والماء مصه، معناه أن شرب الماء يطلب أن يكون مصا، وينهى عن عبه، لأنه لا يروي، فيوجب الإكثار منه، وقد تقدم النهي عن السرف في الشرب، وجاء في بعض الأخبار أن شربه عبا يضر بالكبد، (١) والعب هو شرب الماء بلا تنفس، بأن يواصل بلعه، وينهى عن عب غير الماء أيضا من جهة الأدب إن لم ينه عنه من جهة الطب، وفي جامع ابن أبي زيد: قال مالك - رحمهما الله تعالى -: ولا بأس بالشرب من فم السقاء، وما بلغني فيه نهي، قيل: فمن ثلمة القدح وما يلي الاذن؟ قال: قد سمعت سماعا، وما علمت فيه بشيء، كأنه يضعفه. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ومن المعلوم أن السنة شرب الماء بالمص، واللحم بالنهش، والخبز بالقرض، إلا لعذر فيجوز غير ذلك. قوله: ولك طعامك ومضغا أنعم، معناه أنه يطلب أن يلوك طعامه، بأن يديره في فمه، مجيدا مضغه، ليلين ويمتزج بالريق، فينحدر إلى معدته سهل الهضم، مع ما في ذلك من الاستمتاع بطعمه، وهذا يستلزم تصغير اللقمة مثلا، ويكره التصويت بالمضغ، والارتشاف، واللعق، فيفعل ذلك كله برفق، ويروض نفسه على ذلك. قوله: ونظفن فاك، معناه أنه يؤمر بتنظيف فمه بعد الفراغ من الطعام، بأن يتمضمض، لأن عدم تنظيفه بعده يؤدي إلى تغير رائحته، خاصة في اللحم ونحوه، ويؤدي إلى تسوس الأسنان، وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شرب لبنا فمضمض، وقال: " إن له دسما " (٢) فإذا كان الأمر كذلك في اللبن مع يسارة دسومته، فما بالك باللحم والودك ونحو ذلك.

стр. 983

قوله: كذا من الغمر البيت، معناه أنه يؤمر بالتمضمض بعد شرب اللبن وما فيه دسومة، سواء أراد صلاة أو لا، للحديث المتقدم، وكذلك يستحب غسل اليد مما فيه دسومة تعلق باليد، وقد جاء في الخبر " إذا نام أحدكم وفي يده ريح غمر فلم يغسل يده فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه " (١) والغمر فسره الجوهري بريح اللحم والسمن، وفسره عياض بالودك، وهو أقرب إلى لفظ الخبر المتقدم، فلعله مشترك، قوله: وخللن ما بين الاسنان بقي البيت، معناه أنه يؤمر بتخليل ما يبقى بين أسنانه من الطعام بعود ونحوه، بالاولى من المضمضة والسواك قوله: والأكل بالشمال ذر كذا الشراب، معناه أنه لا ينبغي أن يأكل الآكل بشماله، ولا أن يشرب بها من غير عذر، وقد جاء في الحديث " ليأكل أحدكم بيمينه، ويشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، ويعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله " (٢) قوله: وفيهما لا تنفخن كذا الكتاب، معناه أنه ينهى عن النفخ في الطعام والشراب للأخبار في ذلك، (٣) وذلك لما تقدم في التنفس في الآنية من خوف التقذير، وفي الموطإ أن رجلا قال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فإني أرى القذاة فيه - يعني الشراب - قال: " فأهرقها " (٤) وأما الكتاب فالنهي عن النفخ فيه مخافة أن يصيبه ريق، فهو قذر تجل عنه الكتب، ومخافة أن ينمحي منه بذلك شيء. ٢١٧٧ - وناول إن شربت من كان على ... ناحية اليمين منك مسجلا

стр. 984

٢١٧٨ - والشربَ في آنية النقد ذرِ ... للنهي عنه في صحيح الخبر ٢١٧٩ - وجاز شربك من القيام ... دون كراهة لدى الإمام ٢١٨٠ - ومن لكُراثٍ أو الثُّوم أكل ... والكل نِيءٌ وكذلك البصل ٢١٨١ - لا ينبغي دخوله المساجدا ... ونحوها على الذي قدُ اُيدا ٢١٨٢ - ولتأكلنْ من جانب الثريد لا ... وسَطِه فالنهي عن ذا نُقلا ٢١٨٣ - وجاز في التمور والمماثل ... أكلك من غير الذي لك يلي ٢١٨٤ - لا تأكلنْ متكئا لا تَقرنِ ... من بين تمرتين إن لم يُؤذَن ٢١٨٥ - وقيل ذا في الشركا، والاهلُ ... ونحوُهم ذا معهم يحل قوله: وناول إن شربت البيت، معناه أنه يطلب إذا شرب أن يناول الآنية من على يمينه، وفي الموطإ أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أُتِي بلبن قد شيب بماء البئر وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: " الأيمن فالأيمن " (١) وفيه أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أُتِي بشراب فشرب منه وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: " أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا، والله يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في يده. (٢)

стр. 985

قوله: والشرب في آنية النقد ذر البيت، معناه أن الشراب في آنية النقد حرام، لما جاء فيه من الوعيد الشديد، وكذلك الأكل فيها، ففي الصحيح أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، (١) وألحق بالأكل والشراب ما سواهما من أنواع الاستعمال، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وجعل ابن رشد - رحمه الله تعالى - العلة التشبه بالأعاجم والأكاسرة المتكبرين المتجبرين، قال: وأما الحلقة من الذهب والفضة تكون في القدح، والتضبيب في شفته، فقياسه قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك - رحمه الله تعالى - وأجازه جماعة من السلف، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه أجازه على قدر الأصبعين والثلاث والأربع، ووقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال الباجي - رحمه الله تعالى -: ولا يتعدى التحريم إلى الياقوت والفيروزج وشبه ذلك من الجواهر النفيسة لمجرد نفاستها، وقال الأبهري: ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان أولى بالتحريم من الذهب والفضة، ولابن سابق يكره.

стр. 986

قوله: وجاز شربك البيت، معناه أن الشرب من قيام جائز عند مالك - رحمه الله تعالى - بلا كراهة، وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شرب قائما، (١) وجاء في الموطإ عن عمر وعلي وعثمان وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - أنهم كانوا يشربون قياما، وجاء فيه أن عائشة وسعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنهما - كانا لا يريان به بأسا، وجاء في الصحيح أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن الشرب قائما، (٢) والمتجه الجمع بحمل الشرب من قيام على حال العذر كالاستعجال ونحوه، خصوصا وقد جاء عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنهم كانوا يشربون قياما ويأكلون مشاة. (٣) قوله: ومن لكراث البيتين، معناه أن من أكل من هذه الأشياء ينهى عن شهود الصلاة في المسجد، لتأذي الناس برائحته، وفي الصحيح " من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم " (٤) وذلك ما لم تذهب الرائحة بالطبخ، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى - أن النهي نهي تنزيه، وظاهر ابن رشد - رحمه الله تعالى - أو صريحه أنه نهي تحريم، نظرا إلى التعليل بالأذية وهي غير جائزة، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال عياض - رحمه الله تعالى -: ذكر بعض فقهائنا أن الحكم كذلك في مجالس العلم، والولائم، وحلق الذكر. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وقال ابن المرابط - رحمه الله تعالى -: من به داء البخر كآكل الثوم في النهي.

стр. 987

وقد نصوا في غسل الجمعة أنه واجب لمن به صنان ونحوه، وقال الحطاب - رحمه الله تعالى - في حاشيته: قال الباجي - رحمه الله تعالى - في المنتقى: فإن دخل المسجد من أكله أخرج، وانظر هل يجوز أن يدخلها من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد، والظاهر أنه لا يجوز، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم " ... ولم ير مالك - رحمه الله تعالى - النهي بذلك عن الخروج إلى السوق، ولعل ذلك للضرورة إليها، وإمكان التحفظ من أن يقترب من غيره. قوله: ولتأكلن من جانب الثريد البيت، معناه أنه ينهى عن الأكل من رأس الثريد ونحوه، لما جاء من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أُتي بقصعة من ثريد فقال: " كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها " (١) قوله: وجاز في التمور البيت، معناه أنه يجوز إذا اختلف الطعام كالتمر والفاكهة أن يأكل من غير ما يليه، بأن تجول يده في الآنية، وقد تقدم ذلك. قوله: لا تأكلن متكئا، معناه أن الأكل متكئا مكروه لما جاء من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن ذلك، وفي الصحيح أنه قال: "لا آكل متكئا " (٢) وفي جامع ابن أبي زيد أنه قيل لمالك - رحمهما الله : أفيأكل ويده يضعها على الأرض؟ قال: إني أتقيه، وما سمعت فيه بشيء.

стр. 988

وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال القاضي عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: والمنع من ذلك للعجب والخيلاء، ولأنه من فعل الأعاجم والجبابرة، وقال الباجي - رحمه الله تعالى -: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ومن السنة الأكل جالسا على الأرض على هيئة يطمئن عليها، ولا يأكل مضطجعا على بطنه، ولا متكئا على ظهره، لما فيه من البعد عن التواضع، والتشبه بالأعاجم، ووقت الأكل وقت تواضع وشكر لله على نعمه. قوله: لا تقرن إلخ، يشير به إلى ما جاء في الحديث الشريف من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن القران في التمر، بأن يأخذ تمرتين أو ثلاثا في مرة، إلا أن يستأذن أصحابه، (١) وقيل إن النهي عن ذلك خاص بالشركاء، وأما الرجل يأكل مع أهله، أو يكون هو الذي أطعم القوم فلا بأس أن يقرن، قال ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في جامعه: قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا خير في القران في التمر، وقال في موضع آخر: لأنهم شركاء فيه، وروى ابن نافع - رحمه الله تعالى - أنه إن كان أطعمهم فنعم، وفي رواية ابن وهب - رحمه الله تعالى - أن ذلك ليس بجميل، قال غيره: وكذلك التين. وقيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أيأكل الرجل من طعام لا يأكله أهله وعياله ورقيقه ويلبس غير ما يكسوهم؟ قال: إي والله، وأراه في سعة من ذلك، ولكن يحسن إليهم، قيل: فحديث أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه -؟ (٢) قال: كان الناس يومئذ ليس لهم هذا القوت، قيل: فمن أكل مع أهله وولده أيتناول ما يليهم؟ قال: لا بأس به، قيل: فالقوم في مثل الحرس يأكلون فيأكل بعضهم من بين يدي بعض، وهم يوسعون له في ذلك؟ قال: لا خير في ذلك، وليس من الأخلاق التي تعرف عندنا.

стр. 989

وفي حاشية الحطاب - رحمه الله تعالى -: قال الشيخ يوسف بن عمر ﵀ : ويكره اليمين على الطعام، وإنما جاء عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه كان يقول: " كل " ثلاثا " وقيل يجوز الحلف بالله ، فإن حلف فلا يبر فيه، إلا أن يأكل حتى يشبع، قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: لعل هذا إذا كانت نيته ذلك، أو دل عليه بساط اليمين، والله أعلم. ٢١٨٦ - وليس غسل اليد من قبل الغذا ... بسنة إن لم يكن بها أذى ٢١٨٧ - وبالنخالة وبالطعام ... يكره غسلها على المعتام ٢١٨٨ - وليمة النكاح من لها دُعي ... غيابه عنها من الممتنع ٢١٨٩ - إلا للهوٍ ثَم لم يخِفَّا ... أو منكرٍ تحريمه لا يخفى ٢١٩٠ - ومثل ذاك كثرة الزحام ... وترك الاكل ليس بالحرام قوله: وليس غسل اليد البيت، أشار به إلى أن غسل اليد قبل الطعام إذا لم يكن بها أذى، مكروه عند مالك - رحمه الله تعالى - قال: وأراه من فعل العجم. والأحاديث الواردة بالأمر به متكلم فيها، ولا ينافي هذا أنه حسن من ناحية الطب ... قوله: وبالنخالة البيت، معناه أن غسل اليدين بالنخالة والطعام مكروه عند مالك - رحمه الله تعالى - ونقل منعه عن سحنون - رحمه الله تعالى - قال ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في جامعه: قيل: أيغسل يده بالدقيق؟ قال: - يعني مالكا - غيره أحب إلي منه، ولو فعل لم أر به بأسا، وقد تمندل عمر - رضي الله تعالى عنه - بباطن قدمه، وروى ابن وهب في الجلبان والفول وشبه ذلك، أنه لا بأس أن يتوضأ به، ويتدلك به في الحمام، وقد يدهن جسده بالسمن والزيت من الشقاق، وفي رواية أشهب - رحمه الله تعالى - وسئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول؟ قال: لا علم لي به، ولم يتوضأ به؟ إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: إياكم وهذا التنعم، وأمر الأعاجم.

стр. 990

قوله: وليمة النكاح البيتين، معناه أن وليمة النكاح تجب على من دعي إليها على التعيين الإجابة على المشهور، لما في الحديث، (١) وقيل تندب فقط، وقال اللخمي - رحمه الله تعالى -: تجب إذا كان بين الداعي والمدعو معنى خاص، كقرابة وجوار ونحو ذلك، وإلا فإن لم يحضر من الناس ما تحصل به شهرة النكاح ندبت الإجابة، وإلا كانت جائزة فقط، قال في الجواهر نقلا عن الباجي - رحمهما الله : وصفة الدعوة التي تجب لها الإجابة أن يلقى صاحب العرس الرجل فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلانا بعينه، فإن قال: ادع لي من لقيت، فلا بأس على من دعي بمثل هذا أن يتخلف. ومحل الأمر بإجابة الدعوة إلى الوليمة إذا لم يكن هناك منكر بين، كاختلاط الرجال والنساء، وفرش الحرير، والمزامير، ولم يكن هناك لهو كثير مشتهر مع إباحته، وإلا كره حضورها، خصوصا في حق ذوي الهيئات، وأما اللهو الخفيف كالدف واللعب الخفيف فتجب الإجابة معه، ولم يكن هناك زحام، فإن كان فالتخلف واسع عند مالك - رحمه الله تعالى - للمشقة.

стр. 991

قوله: وترك الأكل ليس بالحرام، أشار به إلى أن المشهور أن أكل المفطر مندوب، وليس بواجب، فالأمر بالأكل في الحديث الشريف عند مالك - رحمه الله تعالى - على الندب، وقد جاء في حديث آخر " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك " (١) وأما الدعوة إلى غير الوليمة فلا تجب إجابتها، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والدعوات إلى الأطعمة تنقسم على خمسة أقسام، منها ما يجب على المدعو إليها إجابة الداعي إليها، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر، وهي دعوة الوليمة التي أمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بها وحض عليها، وأمر بإجابة الداعي إليها، ومنها ما تستحب الإجابة إليها، وهي المأدبة التي يفعلها الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه على حسن العشرة، وإرادة التودد والألفة، ومنها ما يجوز إجابة الداعي إليها، ولا حرج في التخلف عنها، وهي ما سوى دعوة وليمة العرس، من الدعوات التي تصنع على ما جرت به العادة، دون مقصد مذموم، كدعوة العقيقة، والنقيعة، والوكيرة، والخرس، والإعذار، وما أشبه ذلك، ومنها ما يكره إجابة الداعي إليها، وهو ما يقصد به منها قصدا مذموما، من تطاول، أو امتنان، وابتغاء محمدة وشكر، وما أشبه ذلك، لا سيما لأهل الفضل والهيئات، لأن إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتعاون، وإخلاف للهيبة عند دناءة الناس، وسبب للإذلال، فقد قيل: ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له، ومنها ما تحرم الإجابة إليها، وهي ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هبته، كأحد الخصمين للقاضي وبالله التوفيق.

стр. 992

باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر ٢١٩١ - والرد للسلام حتم، والبِدا ... ءَةُ به استنانها تأكدا ٢١٩٢ - كفايةً برأي الاكثرينا ... وبعض الاحناف يراه عينا ٢١٩٣ - ولفظه الأفضل عند الابتدا ... وردِّه على الذي قد عُهدا ٢١٩٤ - ومن يقل برده سلام ... عليكمُ كالباد لا يلام ٢١٩٥ - وكرهت إضافة السلام ... لاسم الجلالة لدى الأعلام ٢١٩٦ - وكرهت عندهمُ كذلكه ... فيه الزيادة وراء البركه ٢١٩٧ - وليبدإِ الراكب ماشيا ومن ... مشى على القاعد بدؤه حسن ٢١٩٨ - واستحسنوا تصافحا عند اللقا ... ومالك قد كره التعانقا ٢١٩٩ - وهكذا التقبيل لليد قَلى ... وابن عيينة العناق حللا قوله: والرد للسلام البيت، معناه أن الابتداء بالسلام عند التلاقي سنة مؤكدة، لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم بإفشاء السلام (١) ولعمله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما رده ففريضة لقوله : (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا) والأمر في الموضعين على الكفاية عند جمهور أهل العلم، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " يسلم الراكب على الماشي، (٢) وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم " وجاء عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن الأمر فيه على الأعيان ابتداء وردا، وفي حاشية الحطاب عن الأقفهسي - رحمهما الله : أنه قال: قوله: من الجماعة، وقوله: إن رد واحد منهم، يؤخذ منه إذا سلم واحد من غيرهم، أو رد واحد من غيرهم أنه لا يسقط عنهم الفرض، وهو مأخذ صحيح، إلى أن قال: ويؤخذ من قوله: أجزأ عنهم، أن الكمال أن يردوا كلهم، أو يبتدئوا كلهم.

стр. 993

ويؤمر بالسلام أيضا عند القيام من المجلس، وفي الخبر " ليست الأولى بأحق من الآخرة " (١) قوله: ولفظه الأفضل البيت، معناه أن الأفضل في السلام أن يقول المبتدئ: السلام عليكم، ويقول الآخر: وعليك السلام، وذلك هو المراد بقوله: على الذي قد عهدا، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - كان يقول في سلامه وفي رده سواء: السلام عليكم. وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ويجوز الابتداء بلفظ الرد، والرد بلفظ الابتداء ... وفي التلقين: وإن زاد لفظ الرد على الابتداء أو نقص جاز، ويشترط في امتثال الأمر ـ ابتداء وردا ـ الجهر، بحيث يسمع المقصود كما نقله الحطاب عن القرطبي - رحمهما الله وتكفي عن اللفظ ابتداء وردا الإشارة باليد، أو الرأس، في حال البعد.

стр. 994

قوله: ومن يقل برده سلام البيت، معناه أنه يجوز في الرد أن يقول: سلام عليكم بالتنكير، إذا كان المبتدئ قال مثل ذلك، للآية الكريمة (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: يؤخذ من كلام المصنف أنه يجوز التعريف والتنكير، لأنه قال بعد هذا: ويقول الراد: وعليكم السلام، أو يقول: سلام عليكم كما قيل له، وإذا كان المبتدئ ابتدأ السلام معرفا، فالأولى في الرد التعريف، وفي تفسير القرطبي - رحمه الله تعالى -: وفي حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها يعني قولها حين أخبرها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن جبريل ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ يقرأ ﵍: وعليه السلام ورحمة الله تعالى وبركاته (١) - من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد، كما يرد عليه إذا شافهه، وجاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إن أبي يقرئك السلام، فقال: " عليك وعلى أبيك السلام ". (٢)

стр. 995

وقال الحطاب - رحمه الله تعالى -: وفي الحديث الثاني أنه يسلم على المرسل وعلى الرسول، فأما المرسل فظاهر كلام القرطبي أنه يجب رد السلام عليه، لقوله: فعليه، وهو كذلك، وأما الرسول فلم أر حكم الرد عليه إلا في كلام النووي - رحمه الله تعالى - فإنه جعله مستحبا، وهو ظاهر لكونه ليس بمسلم، إنما هو ناقل، قال: وفي باب السلام من مختصر المدونة لابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: فالرجل يكتب إلى الرجل: أقرأ السلام فلانا، قال: أرجو أن يكون في سعة، وقد يكون له عذر ... قوله: وكرهت إضافة البيت، معناه أنه يكره أن يقول في الرد: سلام الله عليك، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والظاهر أنه إنما نهي عنه لإيهامه الإخبار عن تحقق السلام من الله ، أو طلب السلام من الله عليه، وهي تحية النبوءة، وقد قال جل من قائل: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ... ولا تختص كراهة ذلك بالرد كما هو مقتضى العلة، وهو صريح الشيخ في جامعه نقلا عن مالك - رحمهما الله ونصه: ولا ينبغي أن يقال في السلام: سلام الله عليك، ولكن عليك السلام أو السلام عليكم. قوله: وكرهت عندهمُ كذلكه البيت، معناه أن الزيادة في السلام على البركة مكروهة، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - فدخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا، قال ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره -: من هذا؟ قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، قال: فقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: إن السلام انتهى إلى البركة.

стр. 996

قوله: وليبدإ الراكب البيت، أشار به إلى ما جاء في حديث الصحيح من أمر الراكب بالسلام على الماشي، والماشي بالسلام على القاعد، (١) والصغير بالسلام على الكبير، والقليل بالسلام على الكثير، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومعنى ذلك إذا التقيا فإن كان أحدهما راكبا والآخر ماشيا، بدأ الراكب بالسلام، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير بالسلام، وأما المار بغيره أو الداخل عليه فهو الذي يبدأ بالسلام، وإن كان ماشيا، والذي يمر به راكبا أو صغيرا، وكذا السائر في الطريق إذا لحق بغيره فتقدمه، وجب عليه أن يبدأه بالسلام، وإن كان صغيرا أو راكبا وهو ماش. قوله: واستحسنوا تصافحا البيتين، معناه أن المصافحة عند التلاقي مستحبة على المشهور، لحديث الموطإ " تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء " وجاء عن مالك - رحمه الله تعالى - أيضا أنه كرهها، قال ابن أبي زيد: وسئل مالك - رحمهما الله عن المصافحة، فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فلا أفعله وفي حاشية الحطاب ﵀ : قال الأقفهسي: المصافحة وضع بطن كف على كف أخرى عند التلاقي، مع ملازمة لهما قدر ما يفرغ من السلام، ومن سؤال عن غرض لهما، أو كلام، وأما اختطاف اليد بأثر التلاقي، فذلك مكروه، وهل يشد كل واحد منهما على يد صاحبه قولان، وعزى للزناتي منع تصافح الرجل والمرأة، وإن كانت متجالة، قال: لأنها من المباشرة.

стр. 997

وانظر ما معنى هذا، فقد أشكل علي، لأنه إن أراد المرأة التي ليست بمحرم فهو غريب، إذ لا يجوز مس شيء من بدنها على أي وجه، دون ضرورة داعية لذلك، وإن أراد المحرم أشكل أيضا لما هو معلوم في غير موضع من جواز ذلك، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك، وقال أيضا: لا بأس أن يقبل خد ابنته، قيل: أفترى أن تقبله ختنتُه أو تعانقه وهي متجالة؟ فكره ذلك. وقد جاء في حديث التيمم أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - جاء إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - وعاتبها وجعل يطعن بيده في خاصرتها، قالت: فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على فخذي (١) قوله: ومالك قد كره التعانقا، معناه أن مالكا - رضي الله تعالى عنه - كره أن يعانق الرجل الرجل، وقال: قال الله : (وتحيتهم فيها سلام) وأجازه ابن عيينة - رحمه الله تعالى - وقيل يجوز إن كان عن طول غيبة، وجاء أن سفيان بن عيينة قدم على مالك - رحمهما الله فصافحه، وقال له: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لجعفر - رضي الله تعالى عنه - حين قدم من أرض الحبشة، (٢) فقال مالك - رحمه الله تعالى -: كان ذلك خاصا بجعفر، وكأنه راعى في ذلك عدم العمل به، ورآه سفيان عاما، قاله ابن أبي زيد في جامعه، قال: وأجازه مالك في رسالته لهارون الرشيد - رضي الله تعالى عنه - أن يعانق قريبه يقدم من سفره، قال: وقيل إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك.

стр. 998

وأما قوله: وهكذا التقبيل لليد قلى، معناه أن مالكا - رحمه الله تعالى - كره تقبيل اليد في السلام، قال ابن أبي زيد في جامعه: وسئل مالك - رحمهما الله تعالى - عن الرجل يقبل يد الوالي، أو رأسه، أو المولى يفعل ذلك لسيده؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، وهو من عمل الأعاجم، قيل: فيقبل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا، وسئل في رواية أخرى هل يقبل يد أبيه أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك، قيل: فالمرأة تبالغ في بر زوجها، فتلقّاه فتنزع ثيابه، ونعليه، وتفليه، وتقف حتى يجلس؟ قال: أما تلقيها ونزعها فلا بأس، وأما قيامها حتى يجلس فلا، وهذا فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ينتظرونه، فإذا طلع قاموا إليه، فليس هذا من أمر الإسلام، ويقال إن عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه - فعل ذلك به أول ما ولي حين خرج إلى الناس، فأنكره، وقال: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين. ٢٢٠٠ - لا تبتدئ أهل الكتاب بالسلام ... فقد نهى عن ذاك سيد الأنام ٢٢٠١ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ٢٢٠٢ - والاستقالة بها لا يؤمر ... فهْي لما وقع ليست تجبر ٢٢٠٣ - ولتقلنَّ وعليكم حيث ما ... عليك بعض هؤلاء سلما ٢٢٠٤ - وإن تقل عليكم السلام ... بالكسر فالبعض له يعتام قوله: لا تبتدئ أهل الكتاب بالسلام البيت، معناه أنه لا ينبغي أن يبدأ المسلم اليهود والنصارى بالسلام، للنهي عن ذلك في حديث الصحيح، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لأن السلام تحية وإكرام، وقد قال الله : (تحية من عند الله مباركة طيبة) فيجب أن لا يكون الكافر أهلا لها.

стр. 999

قوله: والاستقالة بها لا يؤمر البيت، معناه أن من ابتدأ ذميا بالسلام على وجه الخطإ، بأن اعتقد أنه مسلم مثلا لا يؤمر أن يستقيله، بأن يقول لم أسلم عليك عن قصد، قال ابن ناجي: قال عبد الوهاب - رحمهما الله تعالى -: لا فائدة في استقالته، لأنه لا يخرج بذلك عن أن يكون قد بدأه بالتحية، والاستقالة إنما تكون في أمر يمكن استدراكه، فيعود المقول كأنه لم يفعل وكما يكره السلام على الكافر يكره على الآكل والملبي، والمؤذن، وقاضي الحاجة، والمصلي، والمبتدع، والشابة، والعاري، وأهل الباطل، وأهل اللهو حالتلبسهم به، ولاعب الشطرنج، نقله الحطاب في حاشيته عن المسائل الملقوطة. قوله: ولتقلن وعليكم البيتين، معناه أنه إذا سلم عليك اليهودي أو النصراني، فلتقل في جوابه: وعليك، لأنهم يقولون السام عليكم، كما جاء في حديث الموطإ وغيره، (١) ورواه مالك في الموطإ بلا واو، (٢) وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى – في بيان معنى رواية الواو: لأنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، وجعل محل هذا إذا تيقنت أنه كسر السين أو قال السام بلا لام، والسام: الموت، قال: وإن لم تتحقق ذلك قلت: وعليك، قالوا: ولأنك إن قلت عليك بغير واو، وكان هو قد قال: السلام عليك - يعني بفتح السين - كنت قد نفيت السلام عن نفسك ورددته عليه. وظاهر الحديث حملهم عند الشك على ما غلب من أمرهم من الشر والله أعلم. قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ومن قال - يعني في الرد عليهم -: عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك. ٢٢٠٥ - واستأذن إن ترد دخول منزل ... غيرٍ، فترك ذاك لم يحلل ٢٢٠٦ - ولا تزد على الثلاثة، ولا ... تدخلْ إذا لم يأذنوا أن تدخلا ٢٢٠٧ - ودون واحد تناجي اثنين ... أو ملإٍ يكره دون إذن

стр. 1000

٢٢٠٨ - عيادة المريض مما أمرا ... ندبا به والاجر فيه غزرا ٢٢٠٩ - لكن بآداب إذا بها تُخِلْ ... فربما تصير مما ينحظل قوله: واستأذن إن ترد البيتين، معناه أنه لا يجوز لك أن تدخل بيت غيرك - أجنبيا كان أو قريبا - حتى تستأذنه، للآية الكريمة، وصفة الاستئذان أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له في الدخول دخل، وإن قيل له: ارجع رجع، وإن لم يجيبوا كرر ثلاثا، فإن لم يجيبوا انصرف، لحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - " الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل، وإلا فارجع " (١) إلا أن يستيقن أنهم لم يسمعوا فقال مالك - رحمه الله تعالى -: لا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن، وإذا قيل له: من أنت؟ فليقل: فلان بن فلان، ونحوه مما يتميز به، ولا يقول: أنا، وينبغي أن لا يؤذن له إذا لم يسلم، وإذا كان الباب مفتوحا تياسر عنه أو تيامن، ولا يقف أمامه، وإن كان مقفلا وقف حيث شاء، ولا يجوز له أن ينظر إليهم من شقوقه، ولا أن يستمع لحديثهم، ويتنزل دق الباب منزلة الاستئذانويكون الدق خفيفا بحيث يسمع، وفي الخبر أن أبواب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كانت تقرع بالأظافير، (٢) وإن دقه ثلاثا ولم يجيبوا انصرف إلا أن يعلم أنهم لم يسمعوا كالاستئذان بالقول، ويستأذن الرجل على أمه وأخته، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم للذي سأله أيستأذن على أمه؟ فقال له: نعم، فقال: إني معها في البيت، إني خادمها: " استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: " فاستأذن عليها " (٣) قوله: ودون واحد البيت، معناه أنه لا ينبغي تناجي الاثنين أو الجماعة دون الواحد، لما في الحديث من النهي عن ذلك، (٤)

стр. 1001

لما يحصل له به من الحزن، سواء كان ذلك في سفر أو حضر، خلافا لمن خص ذلك بالسفر، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فإذا خشي المتناجيان دون صاحبهما أن يظن بهما أنهما يتناجيان في عورة، فلا يحل لهما أن يتناجيا دونه، كان ذلك في سفر أو حضر، وإذا أمن من ذلك فهو مكروه لهما في الحضر والسفر، من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، وبالله التوفيق لا رب غيره. وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: وسئل عن أربعة هل يتناجى ثلاثة دون واحد؟ فقال: نهي أن يتركوا واحدا، ولو كانوا عشرة، اجتناب سوء الظن، والحسد، والكذب، وقيل: إذا كان ذلك بإذنه فلا بأس به. وفي معنى التناجي كلامهما عنده بلسان لا يفهمه. قوله: عيادة المريض البيتين، معناه أن عيادة المريض مرغب فيها، وقد تقدم الكلام عليها في الكلام على حقوق المسلم، وفي الحديث الشريف أن من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبعا فإن الله يعافيه من ذلك المرض. (١) ٢٢١٠ - واظب على الذكر، فذكر الله جل ... وعز من عذابه أنجى عمل ٢٢١١ - ولكن الذكر لدى الأوامر ... والنهي بالفضل على هذا حري ٢٢١٢ - واعْنَ بما من الدعاء في الصحاح ... أتى كأذكار المساء والصباح ٢٢١٣ - والنوم والخروج والخلاء ... وسفر وضد هؤلاء ٢٢١٤ - وبالتعوذ كذلك اعتنِ ... من المخوف كله والفتن ٢٢١٥ - ويكره العمل في المساجد ... إذ لم تُرَدْ لما سوى التعبد ٢٢١٦ - والغسل لليدين فيه يقلى ... واكره به كذاك أيضا الاكلا ٢٢١٧ - إلا الذي خف فذا لا بأس به ... واكره به كذاك قص شاربه ٢٢١٨ - وقلمَه ظفُرَه لو أخذا ... بثوبه ما قد تساقط إذا ٢٢١٩ - وللبراغيث به لا تقتل ... وما لها شابه مثل القمل

стр. 1002

قوله: واظب على الذكر البيت، معناه أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله فقد قال : (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) وقال : (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) وقال : (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) وقال : (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) وقال : (ولذكر الله أكبر) وفي الحديث الشريف " مثل البيت الذي يُذكَر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت " (١) وفيه " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله " (٢) وفي الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " (٣) قوله: فذكر الله جل البيت، أشار به إلى ما جاء عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - من أنه قال: ما عمل امرؤ من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ، (٤) وروي مرفوعا إلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ (٥).

стр. 1003

قوله: ولكن الذكر أشار به إلى ما جاء عن عمر - رضي الله تعالى عنه - من أنه قال: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه، ومعناه أن امتثال الواجبات، وترك المحرمات، أفضل من الذكر باللسان، فأفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه أداء ما افترض عليه.

стр. 1004

قوله: واعن بما من الدعاء الأبيات الثلاثة، معناه أنه ينبغي للمرء أن يعتني بالأذكار الواردة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في أوقات معينة، وأحوال مخصوصة، كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، والخروج من المنزل ودخوله، ودخول الخلاء والخروج منه، والسفر والأوبة منه، وما جاء من التعوذ من المخاوف والفتن، فذلك أمان من شرور الدنيا والآخرة، وسبب لصلاح الحال في الدنيا والآخرة، وقد سئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به الإنسان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلا ونهارا، كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، ومما جاء عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يدعو به صباحا " اللهم بك نُصبِح وبك نُمسي، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور " (١) ويقول مثل ذلك في المساء، إلا أنه يقدم نمسي على نصبح، ويبدل النشور بالمصير، ورواية الأكثرين بلفظ الماضي " أصبحنا " و " أمسينا " (٢) وبالمصير في الصباح والنشور في المساء، (٣) وبالمصير فيهما، (٤) وبالنشور فيهما، (٥)

стр. 1005

وجاء أيضا عنه أنه كان يدعو " أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر ما في هذا اليوم وشر ما بعده، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر " ويقول مثل ذلك في المساء، إلا أنه يبدل " أصبحنا وأصبح الملك " بأمسينا وأمسى الملك، ويبدل اليوم بالليلة، (١) وجاء عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يقول: اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة ونورا يهدي، ورحمة تنشرها، ورزقا تبسطه، وضرا تكشفه، وبلاء ترفعه، وفتنة تصرفها، (٢) وجاء عنه غير ذلك مما يطلب من كتب الأدعية، وقد ذكر سيدي زروق ﵀ أن أول الصبح طلوع الفجر، ولكن المرغب فيه ما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، والمرغب فيه مساء عند اصفرار الشمس أو قربه يسيرا أو بعده إلى النوم.

стр. 1006

وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول عند النوم: " باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفَظها بما تحفَظ به عبادك الصالحين (١) " " باسمك اللهم أموت وأحيا " (٢) " اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنيك الذي أرسلت " (٣) " اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك " (٤) يقولها واضعا يده اليمنى تحت خده، ومما جاء أنه كان يدعو به عند الاستيقاظ " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور " (٥) ومما جاء أنه يدعى به عند الخروج من المنزل " بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، " (٦) " اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِلّ أو أُزَلّ، أو أَظلِم أو أُظلَم، أو أَجهَل أو يُجهَل علي " (٧) ومما جاء أنه يدعى به عند دخول المنزل قبل السلام على الأهل " اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا " (٨) ومما جاء أنه يدعى به عند دخول الخلاء " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " (٩) ومما جاء أنه يدعى به عند الخروج منه " غفرانَك " (١٠)

стр. 1007

ومما جاء أنه يدعى به في السفر ما في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره كبر ثلاثا، ثم قال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّنْ علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد " وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن " آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون " (١) وفي الصحيح أن من قال:" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير " مائة مرة في يوم، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك (٢) وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة، فقال له رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من أي شيء؟ " فقال: لدغتني عقرب، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك " (٣) وفي الخبر أن من قالها حين ينزل منزلا لم يضره شيء حتى يرتحل، (٤)

стр. 1008

وجاء أن من قال: " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم " ثلاثا صباحا وثلاثا مساء لم تصبه فجأة بلاء، (١) وجاء أن من قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر في ليلة بعث الله له سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يصبح، وإن قالها نهارا فكذلك حتى يمسي، (٢)

стр. 1009

وفي الموطإ أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأى ليلة أسري به عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رآه، فقال له جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -: أفلا أعلمك كلمات تقولهن، إذا قلتهن طفيت شعلته، وخر لفيه؟ فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " بلى " فقال جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -: فقل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، وشر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان " وفيه أيضا عن كعب الأحبار أنه قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا، فقيل له: وما هن؟ فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها، ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق، وبرأ، وذرأ، قال مالك - رحمه الله تعالى -: يستحب للرجل إذا دخل منزله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهو في كتاب الله ، يعني قوله : (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) قوله: ويكره العمل الأبيات، معناه أن العمل في المساجد مكروه، كالخياطة ونحوها، فقد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد جاء أن أعرابيا أنشد في المسجد جملا، فقال رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له " (١)

стр. 1010

ونهى مالك - رحمه الله تعالى - عن قلم الأظافر، وقص الشارب، وقتل البراغيث ونحوها فيها، وإن جمع ما يقع من ذلك، ورفعه خارج المسجد، وكره أن يتسوك فيه، من أجل ما يخرج من السواك من فيه، قال: ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج لفعل ذلك، وكره الوضوء فيه، وإن جمعه في طست، وكان بعضهم إذا أراد أن يبصق من كوته لم يبصق حتى يخرج رأسه، مخافة أن يتطاير شيء من ريقه في المسجد، وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عن الذي يأكل اللحم في المسجد؟ فقال: أليس يخرج يغسل يديه؟ قيل: بلى، قال: فليخرج ليأكل مثل هذا. وقوله: إلا الذي خف، أشار به إلى قول مالك - رحمه الله تعالى - حين سئل عن الأكل فيه: أما الشيء الخفيف مثل السويق، ويسير الطعام، فأرجو، ولو خرج إلى باب المسجد لكان أعجب إلي، وأما الكثير فلا يعجبني ولا في رحابه.

стр. 1011

وقد جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن " (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وقد بنى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رحبة بناحية المسجد، تسمى البطيحاء، وقال: من أراد أن يلغط، أو ينشد شعرا، ويرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، (٢) وكان عطاء بن يسار إذا مر به من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه في المسجد، قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة، وبالله التوفيق وجاء في الأخبار أن عمر - رضي الله تعالى عنه - سمع رجلا صوت في المسجد، فقال: ما هذا الصوت؟! أتدري أين أنت؟! وجاء أن خَلَف بن أيوب كان جالسا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء، فقام وخرج من المسجد وأجابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا، وقد قال : (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) وقال : (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وأنكر مالك - رحمه الله تعالى - القصص في المسجد، وقال: لا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة، وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب، وكان ابن المسيب - رحمه الله تعالى - وغيره يتحلقون والقاص يقص، وقال: نهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا، وأكره التابوت الذي يجعل في المسجد للصدقة، وأكره المراوح التي في مقدم المسجد، التي يروح بها الناس، وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد. ٢٢٢٠ - ومن يكن ضيفا ببدو حلا ... بياته بمسجد قد حلا ٢٢٢١ - لا تَقْرَ في الحمام إلا النزرا ... وجوزوا لراكب اَن يقرا

стр. 1012

٢٢٢٢ - وهكذا مضطجع، والراجل ... بين القرى ذاك له محلل ٢٢٢٣ - وكرهوا لمن مشى للسوق ... قراءةَ القرآن بالطريق ٢٢٢٤ - وبعضهم إن يك ذا تعلم ... فاعل ذاك للجواز يعتمي قوله: ومن يكن ضيفا ببدو حلا البيت، معناه أن مالكا - رحمه الله تعالى - أرخص في مبيت الغرباء بمسجد البادية، وأكلهم فيها. وقوله: لا تقر في الحمام إلا النزرا، معناه أنه لا ينبغي أن يقرا القرآن في الحمام، لأنه من المواضع الدنيئة، فيعظم القرآن الكريم عن أن يقرأ فيه، وقد قال مالك - رحمه الله تعالى - حين سئل عن القراءة فيه: ليس الحمام بموضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات فما بذلك بأس، وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: لا يقرأ فيه القرآن إلا للتعوذ ونحوه، وذلك بالآيات اليسيرة، والزيادة مكروهة، كما أن الجنب لا يقرأ إلا كذلك، وإلا فقد فعل حراما. قوله: وجوزوا لراكب إلخ، معناه أن قراءة الراكب والمضطجع جائزة بلا كراهة، وكذلك الذي يخرج إلى قريته ماشيا، وأما الماشي في القرية إلى السوق فلا ينبغي أن يقرأ القرآن الكريم، إلا الآيات اليسيرة، لغلبة النجاسة والأقذار، وقيل بتخفيف ذلك في حق المتعلم لضرورة الاستحضار. ٢٢٢٥ - وختمك القرآن كلَّ جمعه ... مستحسن فاجتهد أن لا تدعه ٢٢٢٦ - وجعلوا تدبر اليسير ... أفضل من قراءة الكثير ٢٢٢٧ - وقد رُوي أن الرسول المنتقى ... لم يختمنْ قبل الثلاث مطلقا قوله: وختمك القرآن البيت، معناه أن ختم القرآن الكريم كل أسبوع حسن، قال السيوطي - رحمه الله تعالى - في الإتقان: وهو فعل الأكثرين من الصحابة وغيرهم.

стр. 1013

وفي الصحيح أن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال لي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " اقرأ القرآن في كل شهر " قلت: إني أجد قوة، قال: " فاقرأه في عشرين ليلة " قال: قلت: إني أجد قوة، قال: " فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " (١) وذكر أن بعضهم كان يختم أكثر من مرة في اليوم والليلة، وذكر سيدي زروق - رحمه الله تعالى - أن أبا مدين - رحمه الله تعالى - كان يختم بين الباب وطرف الحجر ختمات كثيرة، وقد جاء في الصحيح " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار " (٢) وجاء عن الإمام ابن لب - رحمه الله تعالى - أنه قال: خطر لي خاطر خير، والعاصي قد يخطر له خاطر خير، فأردت أن أجعل على نفسي وظيفة، من ذكر، أو تلاوة، وترددت في أي ذلك أفضل، فأُنشدت في النوم: إذا الأحباب فاتهم التلاقي ... فما صلة بأنفع من كتاب فلما استيقظت علمت أن قراءة القرآن الكريم أفضل.

стр. 1014

قوله: وجعلوا تدبر اليسير البيت، معناه أن قراءة اليسير مع التدبر، أفضل من قراءة الكثير دون تدبر، فقراءة جزء بترتيل، أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، فقد قال : (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) وقال جل من قائل : (أفلا يتدبرون القرآن) قال السيوطي - رحمه الله تعالى -: وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه في ما مضى، اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة، استبشر وسأل، أو عذاب، أشفق وتعوذ، وتنزيه، نزه وعظم، أو دعاء، تضرع وطلب، أخرج مسلم عن حذيفة - رضي الله تعالى عنهما - قال: صليت مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح، سبح، وإذا مر بسؤال، سأل، وإذا مر بتعوذ، تعوذ. (١) قوله: وقد روي أن الرسول البيت، معناه أنه جاء في بعض الأخبار أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يختم القرآن الكريم في أقل من ثلاث، (٢) وقد جاء أنه قال: " لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " (٣) قال النووي - رحمه الله تعالى -: المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولا بنشر العلم، أو فصل الحكومات، أو غير ذلك من مهمات الدين، والمصالح العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليكثر ما أمكنه، من غير خروج إلى حد الملل، والهذرمة في القراءة.

стр. 1015

٢٢٢٨ - ولا تسافرنْ إلى بلدان ... الاعدا كراهة أو السودان ٢٢٢٩ - وقطعة من العذاب السفر ... صح بذا عن النبي الخبر ٢٢٣٠ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ٢٢٣١ - فلا تكن لغير داع ذا سفر ... وعجل الأوبَ إذا نلت الوطر ٢٢٣٢ - وسفر المرأة دون محرم ... يوما وليلة من المحرم ٢٢٣٣ - ومالك بحجة الفرض معا ... رفقة إن تؤمنْ لها قد وسعا ٢٢٣٤ - والحنفي ذاك من الممتنع ... برأيه وهو قول النخعي قوله: ولا تسافرن إلى بلدان البيت، معناه أن السفر إلى بلاد الكفر ـ سواء كان أهلها سودانا أو غيرهم ـ منهي عنه، وذلك لجري أحكامهم عليه، وعدم السلامة من رأي عوراتهم، والاضطرار إلى أطعمتهم، مع عدم أمن النجاسة، وغير ذلك من الأمور، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى - وفي المدونة: شدد مالك - رحمه الله تعالى - الكراهة في التجارة إلى أرض الحرب، لجري أحكام المشركين عليهم، عياض: إن تحقق ذلك حرم، ويختلف إذا لم يتحقق، وتؤولت المدونة بالكراهة والتحريم.

стр. 1016

وفي الحديث " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " قالوا: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولم؟ قال: " لا تراءى ناراهما " (١) قوله: وقطعة من العذاب السفر الأبيات الثلاثة، أشار به إلى حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نَهمته من وجهه فليعجل إلى أهله " (٢) ولا ينبغي أن يسافر الرجل وحده، وفي حديث الموطإ " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب " (٣) وفيه أيضا أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم " ويندب أن يدخل في صدر النهار، ولا يأتي أهله طروقا، فيمهل حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة، ويندب أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، كما جاء من فعله صلى الله تعلى عليه وسلم، (٤) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن من طالبته أمه بالمبيت عندها يوم قدومه، وطلبته زوجته بذلك، فقال: يبيت عند زوجته، لأن حقها في مقابلة أمر، بخلاف أمه ... قوله: وسفر المرأة دون محرم البيت، معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر يوما وليلة إلا مع زوجها، أو ذي محرم منها، لحديث الصحيح " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها " (٥) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: اليوم والليلة مظنة تهيئ المكروه من الأجنبي لها، ومطاوعتها له، فلذلك منع وتهيؤ ذلك في ما دون ذلك مع الناس بعيد.

стр. 1017

وهذا التعليل يقتضي أن العبرة بالزمن، فلو كانت تقطع مسافة كثيرة في أقل من ذلك لم يكن ممنوعا والله أعلم. قال في المقدمات: وهذا معناه في الشابة، وأما المتجالة التي انقطعت حاجة الناس منها فلا بأس أن تسافر مع غير ذي محرم، بدليل قول الله : (والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) وفي ما عدا الهجرة إلى بلد الإسلام من بلد الكفر، إذا أسلمت فيه، وفي ما عدا السفر إلى حج الفريضة، لأن هجرتها إلى بلد الإسلام مخصصة من عموم الحديث بالإجماع، والسفر إلى الحج مخصص منه بالقياس على الإجماع. وقد يقال إن القياس في ذلك غير بين، لأن سفر المهاجرة مع الرفقة ارتكاب لأخف الضررين، وقوله في المتجالة: لا بأس أن تسافر مع غير ذي محرم، يعني حيث لا تكون خلوة.

стр. 1018

قوله: ومالك بحجة الفرض البيت، معناه أن مالكا - رحمه الله تعالى - أجاز لها السفر في حج الفريضة خاصة مع الرفقة المأمونة، وظاهر نقل الشيخ - رحمه الله تعالى - في جامعه أنه إنما ذكر ذلك في المتجالة خاصة، وهو خلاف ما سبق في كلام ابن رشد من اختصاص الحديث بالشابة، وأن الشابة هي التي لا تخرج إلا في سفر الفرض، ونقله النووي عن الباجي - رحمهما الله وقال: لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفل الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز، لغلبة شهوته، وقلة دينه انتهى ونقل بعضهم أن الجمهور على استواء الشابة والمتجالة في ذلك، واقتصر عليه سيدي خليل - رحمه الله تعالى - في منسكه، ونقل في المواهب عن القاضي عبد الوهاب وغيره عدم اختصاص جواز السفر في الرفقة المأمونة بحج الفريضة، وأنه جار في الأسفار الواجبة كلها، ونقل عن الباجي - رحمهما الله تعالى - أنه قيد التفصيل المذكور بالعدد القليل، قال: وأما القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد، يصح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم، ونقل عن الزناتي أنه نقل عن القابسي الاتفاق على ذلك. قال: وهل يشترط في المحرم البلوغ أو يكفي فيه التمييز ووجود الكفاية، لم أر فيه نصا، والظاهر أنه يكفي في ذلك وجود الكفاية.

стр. 1019

باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك ٢٢٣٥ - وجاز الاسترقاء من كالعين معْ ... تعوذ، كذا التعالج اتسع ٢٢٣٦ - والشرب للدوا، وفصد، كيُّ ... فليس في جميع ذاك نهي ٢٢٣٧ - واستحسنت حجامة والكحلُ ... لرجل تداويا يحلُّ ٢٢٣٨ - وليس جائزا لغير داء ... إذ هو من تزين النساء ٢٢٣٩ - وبكلامه علا وجلا ... يُرقى، وطيب الكلام كلا ٢٢٤٠ - وجائز تعليق حرز لو على ... بعض كتاب الله جل اشتملا قوله: وجاز الاسترقاء من كالعين، معناه أن الاسترقاء من العين وغيرها جائز، وقد جاء في الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين، (١) وجاء أنه دخل على أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - فوجد عندها جارية بوجهها سفعة، فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (٢) وقد تقدم حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - في رقية أمير الحي، وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم وقالوا: كانت عندنا رقيا نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى فعرضوها عليه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " ما أرى بها بأسا فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه " (٣) وفي الموطإ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دُخل عليه بابني جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - فقال لحاضنتهما: " ما لي أراهما ضارعين " فقالت: إنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين " (٤) وفيه أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - رُقِي من العقرب. قوله: مع تعوذ، معناه أن التعوذ جائز أيضا، قال سيدي زروق ﵀ : وهو التحصن من الآفات بأذكار تقال وتكتب وتعلق.

стр. 1020

وقد تقدم ذكر بعض ذلك قريبا، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا مرض أحد أهله نفث عليه بالمعوذتين، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ وأمسح بيده رجأء بركتها، (١) وجاء أنه كان يعوذ الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - فيقول: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " (٢) وجاء أنه قال لعثمان بن أبي العاص لما أتاه وبه وجع قد كاد يهلكه: " ضع يدك على الذي تَألَّمَ من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " (٣) قال: فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم، قوله: كذا التعالج اتسع، معناه أن تعالج المريض جائز، وقد جاء في الموطإ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لرجلين من أنمار: " أيكما أطب؟ فقالا: أو في الطب خير؟ فقال: " أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء " وجاء أنه كوى سعدا - رضي الله تعالى عنه - في أكحله مرتين، (٤) وفي الموطإ أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - اكتوى من اللقوة، وفي البخاري أن أبا طلحة كوى أنسا ـ رضي الله تعالى عنهما ـ من ذات الجنب في حياة النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وفي الصحيحين أن خبابا ـ رضي الله تعالى عنه ـ اكتوى في بطنه سبع كيات.
следующие страницы →