أشار بهذا إلى صفة مسح الرأس الذي هو الفريضة الثالثة من الفرائض المذكورة في الآية الكريمة المجمع عليها بين أهل العلم، فذكر أنه يأخذ الماء بيده اليمنى ويفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يرسله جميعا حتى لا يبقى فيهما إلا البلل، وإن شاء غمسهما في الماء، والأول أفضل عند ابن القاسم، والثاني أفضل عند مالك - رحمهما الله تعالى - كما نقله سيدي زروق - رحمه الله تعالى - ثم يمسح بهما رأسه، ويبدأ بمقدمه، قال المازري - رحمه الله تعالى -: لأنه قياس سائر الأعضاء، وقد جرى العمل بالبداية بأوائلها، وأول الفعل يجب أن يكون في أول العضو، مع ما جاء في صفة وضوئه صلى الله تعالى عليه وسلم، وحكم البدء بالمقدم الندب، وقيل الاستنان، نقله ابن ناجي عن ابن رشد، وهو وجيه مع حد السنة، قال المازري: وقد وسع في البداية بوسطه لقوله في حديث زيد بدأ بمقدم رأسه فأقبل بيديه وأدبر، اتباعا لظاهر هذا الحديث، وأول الرأس من المقدم: أول منابت شعر الرأس المعتاد، وظاهر الشيخ أنه لا يمسح معه شيئا من الوجه، والمشهور الوجوب، ولعله لم يرد ذلك لما سبق له في المرفقين، وإنما أراد بيان الرأس الواجب بالأصالة، خاصة مع ما ذكره من أنه يقرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه، جاعلا إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، ويمر إبهاميه خلف أذنيه، كما فعل أولا سائرا بهما إلى صدغيه، وإلى هذه الصفة الإشارة بالأبيات الثلاثة الأولى، وأخذ الماء لمسح الرأس بوجهيه لا خلاف في المذهب أنه لا بد منه كما قال المازري، قال: ولكنه إن لم يفعل ومسحه ببلل الماء الذي غسل به ذراعيه فإنه يتخرج على قولين في الوضوء بالماء الذي قد توضئ به، وقد احتج للإجزاء هنا بما روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستأنف الماء لمسح رأسه (١)
стр. 107
وإذا نفد بلل يديه قبل أن يستوعب رأسه مسحا، جدد لهما الماء، كما قال مالك في المجموعة، وذكره عنه ابن حبيب في مسح المرأة، وحمل عليه الشيخ في النوادر وعبد الحق قول ابن القاسم: إن مسحه بأصبع واحدة أجزأه، وقال القاضي إسماعيل: لا يجدده نقله في المواهب، وتمسح المرأة على دلاليها، وتدخل يديها من تحت عقاص شعرها في ردها للمسح، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: لتمسح ما غاب عنها وما والى ذلك من دلاليها، وكذلك الرجل، وهل إدخال اليدين تحت العقاص منوط بالوجوب لتمام المسح، أو بالرد، لم أقف على شيء في ذلك، وهو مشكل فانظره.
وبالأول قال علي الأجهوري وتلامذته، وصوب الشيخ محمد بن الحسن البناني خلافه، قال ونصوص الأئمة كالمدونة، والرسالة، وعبد الوهاب، وابن يونس، واللخمي، وعياض، وابن شاس، وابن الحاجب، وابن عرفة، وغيرهم، كلها ظاهرة في ما ذكرناه، وليس في واحد منهم إشعار بما ذكره الأجهوري أصلا، وقد قالوا: إن الظواهر إذا كثرت بمنزلة النص، ويدل على ذلك أيضا أنهم عللوا الرد من أصله في مسح الرأس، بأنه يحصل به مسح باطن الشعر.
هذا ونقل في المواهب عن سند ما يقتضي أن ظاهر الشعر الذي يجب مسحه هو ظاهره حال السدل، وهذا يقتضي وجوب سدله عند المسح، ونصه: قال صاحب الطراز: فلو رفعت الضفائر من أجناب الرأس وعقصت الشعر في وسط الرأس، وهو لو ترك انسدل عن الرأس، فالظاهر أنه لا يجزئ مسحه، لأنه حائل دون ما يجب مسحه، قال بعض أصحاب الشافعي: هو كالعمامة لا يجوز المسح عليه، ونقله في الذخيرة وقبله، والله أعلم.
стр. 108
وانظره مع ما نقله من مختصر الواضحة، ونصه: وسنة وضوء المرأة كسنة وضوء الرجل سواء، غير أنها إذا مسحت رأسها بدأت من أصل شعر قصتها، فتذهب بيديها على جميع شعر قصتها وأدلتها وجميع شعر رأسها، مضفورا كان أو غير مضفور، مجموعا كان أو مسدولا على ظهرها، حتى تبلغ إلى آخره، ثم تدخل يديها من تحته، فتحوله حتى ترد يديها به، أو بضفائرها المرسلة، إلى مقدم رأسها مرة واحدة، لا بد لها من ذلك.
قوله في البيت الثاني: وأوعبن الشعر، أشار به إلى وجوب استيعاب الشعر المسترخي بالمسح، سواء استرخى إلى جهة القفا أو الأذنين أو الصدغين أو غير ذلك، اعتبارا بمنبته، وهذا هو المشهور، ويجري فيه الخلاف السابق ذكره في ما طال من شعر اللحية.
قوله: وكيف ما عممت رأسك كفى، معناه أن الصفة المذكورة في مسح الرأس غير واجبة، بل مندوبة، وإنما الواجب التعميم، وقد علم أن الرأس طولا أوله من أول منابت شعر الرأس المعتاد، وآخره طرف شعر رأسه مما يلي قفاه، وعرضا ما بين الأذنين، فيجب مسح البياض الذي فوق الأذن، والبياض الذي خلفها، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى دخول الأذنين في الرأس، وذهب بعض إلى دخولهما في الوجه، وذهب بعض إلى أن الوجه الموالي للرأس منه، والوجه الموالي للوجه منه، والمذهب أنهما حد لعرض الوجه، وحد لعرض الرأس.
وعلم من هذا البيت أن الاقتصار على بعض الرأس غير مجزئ، قال ابن عرفة: ابن مسلمة يجزئ ثلثاه، أبو الفرج ثلثه، الباجي عن أشهب مقدمه.
واختلف هل الخلاف في الواجب ابتداء، أو في الاجتزاء بعد الوقوع؟
ونقل في الجواهر عن القاضي أبي محمد أنه قال: وهذه الأقوال مذاهب لأصحابه لا أنها تخريج على مذهبه قال: فأما مذهبه فهو الإيعاب كما تقدم.
стр. 109
قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: والدليل لمالك قوله : (وامسحوا برؤوسكم (فهو كقوله في التيمم: (وامسحوا بوجوهكم (فلما لم يجز أن يقتصر على بعض الوجه بالاتفاق، وجب أن لا يقتصر على مسح بعض الرأس، وكقوله : (ولْيَطَّوَّفوا بالبيت العتيق) الذي لا يجوز الاقتصار فيه على بعض الطواف في الطواف، لأن الباء إنما دخلت للإلصاق، إلى أن قال: وليس كما زعموا أنها دخلت للتبعيض، دليلنا أن الاستثناء يصح في ما ذكرنا، ولا يصح في ما كان للتبعيض، لو قلت: امسح برأسك إلا بعضه جاز، ولا يجوز امسح ببعض رأسك إلا بعضه، لأنك استثنيت مجهولا من مجهول، ولو صح أنها تصلح للمعنيين، وأشكل ذلك، فقد رفع الإشكال فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه توضأ ومسح جميع رأسه، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "
وأما حديث المسح على الناصية فقال المازري: دوفع عنه بأنه لما مسح على الناصية استكمل بقية الرأس بالمسح على العمامة، فلو كان الاقتصار جازيا ما تكلف المسح على حائل.
وقوله: ولا يجوز المسح فوق ساتر ... البيت، معناه ظاهر، قال ابن عرفة: وفيها إن كان معقوصا مسحت على ضفرها، ولا تمسح على حناء أو خمار أو غيره، الطراز: إن كان الحناء بباطن الشعر لم تمنع كالتلبيد، ابن حبيب: إن كثرت شعرها بصوف أو غيره، لم يجز مسحه حتى تنزعه، وتجدد الماء لمسحه.
١٩ - ثم بالابهامين والسبابتين ... من بعد ذا امسحنَّ وجهي الاُذُنَيْنْ
أما الإبهام فقد تقدم الكلام عليها في الأبيات المتقدمة، وأما السبابة فقال في تنبيه الطالب: هي الأصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنهم يشيرون بها إلى السب في المخاصمة ونحوها، ويقال لها: المسبحة -بكسر الباء -لأنها يشار بها إلى التوحيد، فهي مسبحة منزهة، قال ابن العربي: وتسمى مدية الشيطان، نقله في شفاء الغليل.
стр. 110
أشار بهذا إلى الأمر بمسح الأذنين وصفته، وقد ذكر الشيخ أنه يفرغ على سبابتيه وإبهاميه، وإن شاء غمسهما في الماء، وقد اختلف في حكم التجديد، فقيل مستحب، قاله مالك، وقال ابن حبيب: تركه كتركهما، وقال ابن مسلمة إن شاء جدد، وإن شاء لم يجدد، وقد تقدم حديث ابن زيد في التجديد.
وصفة مسحهما أن يمسح ما يلي الرأس منهما بإبهاميه، وما يلي الوجه بسبابتيه، ويدخل سبابتيه في صماخيه، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وكيفية مسحهما مطلق في الروايات، وفي الموطإ: كان ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه، فقال عيسى: يقبض أصابع يديه سوى سبابتيه يمرهما ثم يمسح بهما داخلهما وخارجهما، الباجي: يحتمل أنه يأخذ الماء بأصبعين من كل يد، لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما" - باطنهما بالسبابة، وظاهرهما بالإبهام (١) " قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - ونقل الشيخ عن ابن حبيب: يأخذ الماء بأصبعيه يمسحهما مرة، ظاهرهما وباطنهما، يحتمل الوجهين.
١٢٠ - وبعد ذلك اغسل الرجلينِ ... وابتدئنْ في ذاك باليمين
١٢١ - صُبَّ قليلا وقليلا، واعركا ... بيدك اليسرى خلال ذلكا
١٢٢ - وثلثنْ، وخلل الأصابعا ... فذاك أطيب، وتركٌ وُسِّعا
١٢٣ - واجتهدنَّ في وصول الما إلى ... ما عنه يَنْبُو، كالشقوق مثلا
١٢٤ - (ويل للاعقاب من النار) على ... تساهل بمثل ذاك حُملا
стр. 111
أشار بهذا إلى الفريضة الرابعة المذكورة في القرآن الكريم، والمجمع عليها بين أهل العلم، وهي غسل الرجلين، وصفته أن يبدأ برجله اليمنى ندبا كما تقدم في اليدين، ويتناول الماء بيده اليمنى، ويصبه عليها قليلا قليلا، مع العرك بيده اليسرى خلال ذلك، والعرك: الدلك، ويبالغ في دلك ما لا يكاد يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق، مع صب الماء، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " ويل للأعقاب من النار " (١) وذلك حين رأى ناسا يتوضؤون وقد بقيت في أعقابهم بقع لم يصبها الماء، ويعمم كعبيه على نحو ما تقدم في المرفقين من الخلاف، والمراد بالكعبين الكعبان المرتفعان الواقعان عند مفصلي الساقين، وقد حكى في ذلك ابن عطية وابن فرحون الإجماع، مصرحين بأن غير ذلك مما قيل به في تفسير الكعب لا قائل بإجزاء الانتهاء إليه، وأن ذلك خلاف لغوي، وقال ابن غازي هما محجوجان بقبول فحول المذهب، كالباجي وابن رشد وعياض وغيرهم رواية القاضي عبد الوهاب فقها، وإن كانت مرجوحة نقله الرهوني.
ويخلل أصابع رجله ندبا، كما قال ابن شعبان، وهو المشهور، وقيل وجوبا، وروى أشهب عن مالك -رحمهما الله تعالى -إنكاره، ومنهم من أباحه، ويرد عليه ما تقدم في البسملة، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: والخامس تخليل ما بين الإبهام والذي يليه خاصة، وبه كان شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي يفتي إلى أن مات، ووجهه أنه لا حرج فيه لانفراجه، بخلاف بقية الأصابع، لأن تخليلها من باب الحرج المسقوط عن هذه الأمة، وبقول شيخنا هذا أقول.
стр. 112
ونقل كنون عن اليسيتني أنه قيد بذلك الخلاف في تخليل أصابع اليدين، ونصه: قال الشيخ ميارة: وقد كنت قيدت عن شيخنا الإمام العالم المحقق أبي الحسن البطوءي عن شيخه الفقيه الأجل قاضي الجماعة بفاس سيدي عبد الواحد الحميدي، عن شيخه الإمام العالم سيدي محمد اليسيتني، أن هذا الخلاف إنما هو في ما عدا ما بين السبابة والإبهام، لشبهه بالباطن، أما ما بينهما فلا خلاف في وجوب تخليله، لأنه من جملة ظاهر اليد الواجب غسله اتفاقا.
قال في التوضيح: ورجح اللخمي وابن بزيزة وابن عبد السلام الوجوب في تخليل أصابع اليدين والرجلين، لما روي أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان يخلل أصابع رجليه بخنصره، (١) وذكر ابن وهب أنه سمع مالكا -رحمهما الله تعالى -ينكر التخليل، قال: فأخبرته بالحديث فرجع إليه.
وقد تقدم كلام ابن ناجي في ذلك، وكأن الحطاب رأى مثل ذلك في احتجاج خليل المذكور، فقال بعد نقله: وروى الترمذي من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما - عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم " ـ إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " وقال: حديث حسن غريب.
وإذا أوعب رجله على ما ذكرنا فقد سقط الوجوب، ويطلب بإيعابها مرتين على نحو ما ذكر، كما سبق في الوجه واليدين، وهذا ما صدر في التوضيح بتشهيره، قال: وزعم بعض الشيوخ أنه لا فضيلة في تكرار غسل الرجلين، قال: لأن المقصود من غسلهما الإنقاء، لأنهما محل الأقذار غالبا، ونحوه رواه ابن حبيب عن مالك، نقله في النوادر.
ونقل في المواهب عن ابن راشد -بمد الراء - أنه قال: أخبرني من أثق به من الأشياخ أن فرضهما الإنقاء، قال: وهو المشهور، ويؤيده حديث عبد الله بن زيد في صحيح مسلم قال في آخره: وغسل رجليه حتى أنقاهما، ومن جهة المعنى أن الوسخ يعلق بهما كثيرا، والمطلوب فيهما المبالغة في الإنقاء، وقد لا يحصل بالثلاث.
стр. 113
قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: والصواب أنهما يرجعان إلى قول واحد، وأن معنى قول الشيخ ومن ذكر معه إذا كانتا نقيتين، ومعنى قول غيرهما إذا كانتا وسختين، لقول الإمام المازري -رحمه الله تعالى -في شرح الجوزقي: إذا كانتا نقيتين فكسائر الأعضاء، يطلب فيهما التكرار، وإلا فلا تحديد إجماعا.
وذكر سيدي زروق عن أشهب -رحمهما الله تعالى -أنه أوجب المرة الثانية في الرجلين وغيرهما من الوجه واليدين إلى المرفقين.
١٢٥ - وادع لدى ختم الوضو بما ورد ... من التشهدين عن خير معَدْ
١٢٦ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
١٢٧ - وغسْل الاعضاء ثلاثا في الوضو ... ليس من الأمر الذي يُفْتَرض
١٢٨ - فموعب بدونها إذا اقتصر ... عنها فما عليه في ذاك ضرر
١٢٩ - واستشعرنَّ بالوضو تأهبا ... تنظفا لفعل ما قد وجبا
١٣٠ - وللمناجات، والاحتسابُ ... بكل ذاك حكمه الإيجاب
اشتملت هذه الأبيات على ثلاث مسائل:
الأولى: الدعاء بعد الوضوء
والثانية: جواز الاقتصار في الأعضاء المغسولة على المرة الواحدة الموعبة.
والثالثة: الاحتساب بالوضوء
أما المسألة الأولى فذكر الشيخ فيها حديث " من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " قال: وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " وأصل الحديث في صحيح مسلم، قال ابن ناجي: المراد بقوله: فأحسن الوضوء، تحصيله بفرائضه وسننه وفضائله.
ويشهد لهذا لفظ مسلم " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ".
وزيادة" ثم رفع طرفه" التي ذكر الشيخ ضعيفة، وكذلك زيادة تكرير ذلك ثلاث مرات، وأما زيادة " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " فهي عند الترمذي وهي صحيحة.
стр. 114
وقوله: وقد استحب بعض العلماء، قال ابن ناجي: سمعت بعض من لقيته يذكر أن الشيخ أراد بقوله بعض العلماء ابن حبيب، وكذلك مهما ذكره، وما ذكره نص عليه التادلي في باب ما يفعل بالمحتصر، وفي نفسي منه شيء فتأمله.
وروى الحاكم أبو عبد الله أن " من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة "
وقال النووي في الأذكار: وقد روى النساءي وصاحبه ابن السني في كتابيهما عمل اليوم والليلة، بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه -قال: أتيت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -بوضوء فتوضأ، وسمعته يدعو يقول: " اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي " فقلت يا نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: " هل تركن من شيء " انتهى
وروي الدعاء به مطلقا من غير توقيت.
وأما المسألة الثانية فقد تقدم الكلام عليها.
وأما المسألة الثالثة فهي عائدة إلى النية، ومعنى الاحتساب الإخلاص، بأن يكون الباعث على الوضوء امتثال أمر الله ، وطلب الأجر والمثوبة، وهذا عام في القرب كلها، قال جل من قائل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)
قال في مطهرة القلوب:
ورسْم إخلاصِ عبادة الشكور ... إفراده بها ولو بلا حضور
وقد تقدم الكلام على وجوب النية وصفتها والحمد لله رب العالمين.
стр. 115
وقول الشيخ: وتطهيره من الذنوب به، يشير به إلى الأحاديث الواردة في تكفير الوضوء الذنوب وهي كثيرة، منها الوارد في مطلق الوضوء، ومنها الوارد في الوضوء المسبغ، ومنها الوارد في المسبغ على المكاره، ومنها الوارد في الوضوء والصلاة، والمعول أن الذنوب التي يكفرها الوضوء إنما هي الصغائر خاصة، ولا يقال: إن قوله: " كل خطيئة نظر إليها بعينه " نص في عموم الذنوب، لنصوصيته في الاستغراق، لأن الأحاديث الأخرى صريحة في اختصاص ذلك بالصغائر، كحديث " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر (١) " ومعلوم أن الصلاة تستلزم الوضوء غالبا، مع احتمال عدم تناول الخطيئة للكبيرة، ويختص التكفير أيضا بغير ما هو حق للعباد، لحديث الموطإ عن أبي قتادة، قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أرأيت إن قتلت في سبيل الله تعالى صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، أيكفر الله سبحانه و تعالى عني خطاياي؟ فقال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -: نعم " فلما أدبر ناداه رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -أو أمر به فنودي، فقال له رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -: " كيف قلت؟ " فأعاد عليه قوله، فقال: " نعم، إلا الدين " (٢) وقد حكى ابن العربي وغيره الإجماع على ذلك.
واعلم أن قيد اجتناب الكبائر، راجع إلى تكفير جميع الذنوب، وأما الصغائر فمكفرة بتلك الأعمال وإن غشيت الكبائر، بقرينة ما في الآية من أن اجتناب الكبائر وحده مكفر للصغائر، كما صرحوا به، والله أعلم.
стр. 116
ويتجه أن يكون التكفير المذكور في الوضوء واقعا في التيمم أيضا، كما صرحوا بمثله في الغرة والتحجيل، وقد يفهم ذلك من كلام بعض المفسرين عند قوله : (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) ويشهد له حديث " حبسهم العذر " (١) بعد قوله: ما فعلتم كذا ولا فعلتم كذا، فقد دل عده صلى الله تعالى عليه وسلم لتلك الأشياء على أن صاحب العذر تكتب له تفاصيل العمل، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، هذا والمراد باستواء المعذور وغيره، الاستواء في الجملة لا الاستواء من كل حيثية، كما هو صريح قوله : (فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القعدين درجة)
وظاهر الحديث (٢) أن المريض والمسافر يكتب له ما كان يعمله صحيحا مقيما، على نحو ما كان يعمله، فإذا اعتاد عدم إسباغ الوضوء، أو عدم تطويل الركوع والسجود -مثلا -أو أن يصلي فذا، أو غير مستاك، أو نحو ذلك، لم يكتب له إلا نحو ما كان يعمله، والله أعلم.
стр. 117
باب في الغسل
١٣١ - ومن يرد تطهرا توضَّا ... بدءا، وإن ترك جاز أيضا
١٣٢ - ويبتدي بغسْل ما من الاذى ... عليه، ثم يتوضا بعد ذا
١٣٣ - وهو في الرجلين ذو تخيير ... في الغسل بالوضو وفي التأخير
١٣٤ - وبللنْ يديك ثم خلل ... أصولَ رأسك بذاك البلل
١٣٥ - وبثلاث غرفات يُغسل ... وهكذا النساء أيضا تفعل
١٣٦ - لكنها مأمورة بضَغْث ... عُقُص رأسها بدون نكْث
الضغث: الجمع، والعقائص: جمع عقيصة، والعقيصة: الخصلة من الشعر تضفر وترسل، والنكث: الحل والنقض.
стр. 118
أشار بالأبيات الثلاثة الأولى، إلى أنه يندب تقديم أعضاء الوضوء في الغسل بعد غسل الأذى عن جسده، إن كان على جسده أذى، كأثر مني أو جماع أو حيض أو نفاس، وبعد غسل فرجه بنية الجنابة مثلا.
وقول الشيخ: وضوءه للصلاة، يحتمل أنه مثله في الجملة، ويحتمل أن مراده أنه يتوضأ بالتفاصيل المتقدم ذكرها في الوضوء، وقد اختلف في بعض ذلك، ومنه تثليث الأعضاء، وظاهر كلام غير واحد كظاهر الشيخ، وهو صريح أحاديث الصحيح، وقال بعض الشيوخ: لا فضيلة فيه، ومنها مسح الرأس، ومثلها الأذنان، كما قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى - وهو ظاهر، فمن رأى تقديم الرجلين، مسح عملا بحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - (١) ولفظه عند مالك - رحمه الله تعالى - كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله.
ومن رأى تأخيرهما عملا بحديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها - (٢) غسل، وقد وفق بينهما باختلاف محل الاغتسال، وروى ابن زياد عن مالك -رحمهما الله تعالى -أن العمل على حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها -وهو المشهور في المذهب، وروى عنه ابن وهب أن الأمر في ذلك واسع، ونقل سيدي زروق -رحمه الله تعالى - عن بعض الشيوخ أنه قال:
لا يؤخر رجليه في غسل الجمعة، لأن الوضوء واجب، والغسل تابع مندوب، فيكون فاصلا، قال: وفيه بحث فتأمله.
стр. 119
وأشار بقوله: وبللن يديك البيتين، إلى أنه يؤمر إذا أراد غسل رأسه أن يغمس يديه في الماء، ويرفعهما غير قابض بهما شيئا، فيخلل بهما أصول شعره، ثم يغرف بهما على رأسه ثلاث غرفات، غاسلا له بهن، وتفعل المرأة كذلك، ولا تؤمر بنقض عقائصها، بل تجمعها كما جاء في الموطإ عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -وتحكها حين صب الماء عليها حتى يداخلها الماءوذلك لحديث أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها قالت: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: " لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " (١) وهذا حيث كانت العقائص رخوة، بحيث يدخل الماء وسطها، وإلا وجب نقضها، فإن لم تنقضها كان غسلها باطلا، قاله ابن ناجي.
ومثله قول القرطبي في المفهم: لا يفهم من التخفيف في ترك حل الضفر، التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر، كما يأتي في حديث أسماء بنت شكل، (٢) ولما صح من حديث علي -رضي الله تعالى عنه -مرفوعا، نقله في اللوامع.
وتثليث الرأس مستحب على المشهور، وقال ابن حبيب: لا أحب أن ينقص عن الثلاث، ولو عم بواحدة زاد الثانية والثالثة، إذ كذلك فعل ﵊، ولو اجتزأ بالواحدة أجزأته، وإن لم تكف الثلاث زاد إلى الكفاية، والله أعلم.
عياض: يفرق الثلاث على الرأس، لكل جانب واحدة، والثالثة للوسط، وقيل الكل للكل، وكل جائز، نقله سيدي زروق.
стр. 120
وقال ابن ناجي: وقول الشيخ غاسلا له، يحتمل أن يعم بكل غرفة غرفة، وهو ظاهر كلام أهل المذهب، وبه الفتوى، وقال الباجي: يحتمل أن يكون لما ورد في الطهارة من التكرار، أو لأن الغرفة الواحدة لا تكفي في الرأس، وقال غيره: الثلاث غرفات مستحبة، والتكرار غير مشروع في الغسل، فيحتمل أن تكون اثنتين لشقي الرأس، والثالثة لأعلاه، ويدل لهذا قوله في الحديث: أخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فأفرغ على رأسه، وكلاهما نقله ابن هارون، قال ابن ناجي: والصواب الجزم بهذا الاحتمال.
والتخليل واجب في نفسه، وكونه بهذه الهيئة مندوب، فإن حصل بها التخليل اللازم فظاهر، وإلا كان واجبا عليه أن يخلله حتى يصل الماء إلى أصوله.
١٣٧ - ثم اغسلنْ شِقَّ اليمينِ وادلكا ... ثم اغسل اليسار مثلَ ذلكا
١٣٨ - ثم اغسلنْ رجليك إن أخرتا ... وأوعبَنْ ما فيه قد شككتا
١٣٩ - وأوعب الخفيَّ مثلَ العُمْق ... من سرة، كذاك تحت الحلق
١٤٠ - ورُكَب، وبين الَالْيتينِ ... والرُّفغ، معْ أسافل الرجلين
١٤١ - ولا تمس بعدَ أعضاء الوضو ... الايرَ فذاك للوضوء ينقض
١٤٢ - فإن فعلتَ فاغسلنْها ناويا ... فرضَ الوضو بغسلهنَّ ثانيا
شِق الإنسان: جانبه، والعمق: البعد إلى أسفل، والأليتين: تثنية ألية بفتح الهمزة، وهي الكفل والعجيزة، والرفغ: أصل الفخذ من داخله، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ: وقيل: كل مغابن الجسد رفغ، وقيل: هو ما بين السبيلين.
أشار بقوله: ثم اغسل الشق اليمين وادلكا، إلى أنه يغسل بعد رأسه -يعني وعنقه -شقه الأيمن، بأن يصب الماء عليه شيئا فشيئا مع التدلك، وقد تقدم الكلام عليه في الوضوء، وظاهر الشيخ أنه يغسله جميعا قبل الشق الأيسر، فيكون تقديم الأعالي خاصا بالشق الواحد، وظاهره أنه يغسل في الشق شق الظهر والصدر والبطن، وبه صرح الاقفهسي على ما نقل عنه.
стр. 121
قوله: ثم اغسل اليسار مثل ذلك، يعني أنه إذا فرغ من غسل الشق الأيمن، أتبعه بالشق الأيسر، على نحو ما فعل في الأيمن، وقد تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعجبه التيمن في طهوره وفي شأنه كله.
قوله: ثم اغسل الرجلين إن أخرتا، يعني أنه يختم غسله برجليه إذا لم يغسلهما في الوضوء.
قوله: وأوعبن ما فيه قد شككتا إلخ، أشار به إلى أنه يعاود ما شك في وصول الماء إليه، حتى يتحقق أنه غسله، ولا يكتفي بغلبة الظن، كما قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -ونقل ابن ناجي عن بعضهم خلافه.
وإلى أنه يجب عليه التثبت عند المواطن التي من شأنها أن يخطئها الماء، كعمق سرته، وتحت ذقنه، وتكاسير رفغيه وإبطيه، وتحت الركبتين، وفوقهما، وجانبيهما، وبطون قدميه، وعرقوبيه، وعقبيه، وغير ذلك من مغابن جسده، وليخلل أصابع يديه ورجليه، وعامة شعر جسده، كيف كان، وليتحفظ من مس ذكره بعد غسل أعضاء وضوئه، أو بعضها، فإن فعل أعاد غسلها ناويا بذلك الوضوء، ولا يكفي أن يعيده دون نية عند الشيخ، وقال الشيخ أبو الحسن القابسي: يكفي دون نية، ويشهد له ظاهر قول المدونة: من مس ذكره في غسله من جنابته، أعاد وضوءه، إذا فرغ من غسله، إلا أن يمر بيديه على مواضع الوضوء في غسله، فيجزيه، نقله ابن ناجي.
والله أعلم
стр. 122
باب التيمم
١٤٣ - وحيث ماءً المسافرُ عَدِمْ ... معَ الاِياسِ فالتيمم حُتم
١٤٤ - ومثل ذاك خائف من داء ... وعادم مناولا للماء
١٤٥ - وهكذا من خاف لصا إن سعى ... يطلب ماء، أو يخاف سبعا
١٤٦ - ومُوقِن لحوقَ ماً قبل فواتْ ... ألوقت أخر لذلك الصلاتْ
١٤٧ - وأولَ الوقت يصلي من قنط ... والمتردد يصلي بالوسط
١٤٨ - ولا يعيد كل هؤلا عدا ... ذا مرض مناولا قد وجدا
١٤٩ - كذاك من لحق ماء كان في ... لحوقه بالوقت ذا توقف
١٥٠ - وخائف كسبع، وعوْدُ ... ألكل بالوقت فقط لا بعدُ
التيمم قال في التنبيه: أصله من الأم، وهو القصد، يقال: تيممت فلانا، ويممته، وتأممته، وأممته أي: قصدته، وقال الجوهري: يممته: قصدته، وتيممته: تقصدته، وتيممت الصعيد للصلاة، وأصله التعمد والتوخي، من قولهم: تيممتك وتأممتك، قال ابن السكيت: قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا (اقصدوا الصعيد الطيب، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة، حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب، ويممته برمحي تيميما أي: توخيته وقصدته دون من سواه، ويممت المريض فتيمم للصلاة، نقله في شفاء الغليل.
شرع التيمم سنة خمس، أو ست، في غزاة بني المصطلق، ولم يتفق للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -للفريضة، قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل منذ افترضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل، أو معاند انتهى
وإنما تيمم للنوم، ولرد السلام، فقد جاء في الصحيح عن أبي جهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - قال أقبل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇، (١) زاد أبو داود: ثم اعتذر إليه، وقال: " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " أو قال: " على طهارة " نقله كنون، قال: وهذا من استباحة ما ندبت له الطهارة بالتيمم، وهو غير خاص به صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال الحطاب: ينبغي للشخص أن كل فعل تشترط له الطهارة لا يفعله في الحضر بالتيمم إذا خاف فواته، وكل فعل تندب له الطهارة، كقراءة القرآن، والدعاء، والمناجات، والنوم، ونحو ذلك، فينبغي له أن يتيمم إذا لم يجد الماء وخاف فوات ذلك الفعل، لجواز الإقدام على ذلك بغير طهارة، والتيمم لا يزيده إلا خيرا، والله أعلم.
стр. 123
وليس في هذا ونحوه إحداث قول، إنما فيه الخروج من الخلاف، في ما حصل فيه منع من بعض العلماء، وتقليد بعض العلماء في اكتساب فضيلة لا يمنع منها غيره والله أعلم.
ومما يشهد لهذا في الجملة تيمم الجنب للنوم، وكذلك وضوءه عند من يعلله بالطهارة والله أعلم.
قوله: الإياس معناه القنوط، واللص - مثلث -: السارق جمعه لصوص، وألصاص، ولصصة، كفلوس، وأحمال، وقردة، والأنثى لصة، جمعها لصات، ولصائص، كجنات وخزائن، وقنط: فعل ماض من القنوط، وهو انعدام الأمل، والمتردد: الذي لم يترجح عنده طرف، والوسط قال الواحدي: اسم لما بين طرفي الشيء، فأما اللفظ به، وبما أشبهه في لفظه فقال المبرد: ما كان اسما فهو وسط - بالتحريك - كقولك: وسط رأسه صلب، وما كان ظرفا فهو مسكن، كقولك: وسط رأسه دهن، أي: في وسط رأسه دهن، وقال الازهري: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في الساكن الفتح فافهمه، نقله في شفاء الغليل.
واللحوق: مصدر لحق، إذا أدرك، والتوقف المراد به هنا التردد، مجاز، علاقته السببية.
أشار بالأبيات الثلاثة الأولى إلى أن التيمم يجب على المسافر إذا يئس من وجود الماء في الوقت، وأما إذا كان يرجو وجود الماء، أو يتردد في ذلك فسيأتي الكلام عليه، ولا يشترط في السفر أن يكون سفر قصر على المشهور، واختلف هل يشترط فيه أن يكون مباحا، وإليه ذهب القاضي أبو محمد، أو لا يشترط فيه ذلك وعول، والمراد بالسفر السفر بالفعل، بأن يكون في صحراء، فلو كان وقت الصلاة مارا بقرية كان في معنى الحاضر، كما ذكره ابن عاشر -رحمه الله تعالى ـ كما في حاشية كنون.
ويجب التيمم كذلك على من يخاف باستعماله هلاكا، أو شديد أذى، سواء كان ذلك بحضر أو سفر، وله أن يتيمم أيضا على المشهور إذا خاف حدوث مرض لا يخشى منه هلاكا ولا أذى شديدا، كحمى ونزلة، خلافا لما رواه بعض البغداديين، كما في الجواهر
стр. 124
وأما مجرد حصول ألم في الحال، فلا يبيح له التيمم، والمراد بالخوف العلم أو الظن الناشئ عن إخبار طبيب أو تجربة.
ويجب أيضا على الذي لا يقدر على تناوله ولم يجد من يناوله إياه، وكذلك الذي يمنعه منه خوف اللصوص، أو السباع، أو العقارب، أو الحيات، أو العطش، أو نحو ذلك، سواء كان خوفه في مسألة اللصوص أو السباع على نفسه أو ماله، اتفاقا في الأول، وعلى المشهور في الثاني، وسواء كان خوفه في مسألة الخوف على نفس حاصلا على نفسه، أو نفس أخرى محترمة.
وأما الحاضر الصحيح يعدم الماء، فالرواية المشهورة عن مالك أنه يتيمم، قياسا على المسافر، وإنما خص السفر بالذكر لأن شأن الحضر توفر الماء، وشأن السفر قلته، فالمدار على وجود الماء وعدمه، فكما لا يجوز له أن يتيمم في السفر مع وجود الماء، فكذلك يرخص له في التيمم عند فقد الماء حضرا، والتيمم إنما شرع تداركا للوقت، وقد جاء عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: انتقلت بأهلي إلى الربذة، فكنت أجنب وأعدم الماء الخمسة الأيام والستة، فأعلمت بذلك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال: " الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج (١) " قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: فهذا نص بين في المقيم، لأن أبا ذر - رضي الله تعالى عنه - إنما انتقل إلى الربذة للإقامة بها، وهذا أقيس الأقوال.
قال في الجواهر: وروي في غير الكتاب أنه لا يتيمم بحال، قال: وإذا فرعنا على الأول، فهل يعيد، المشهور أنه لا إعادة عليه، وقال ابن عبد الحكم وابن حبيب يعيد أبدا، قال ابن حبيب: وإليه رجع مالك.
стр. 125
واختلف في واجد الماء الذي يخاف باستعماله خروج الوقت، والمشهور أنه يتيمم، لأن التيمم إنما شرع لإدراك الوقت، فكان بخوف خروج الوقت في معنى العادم للماء رأسا، وقيل لا يتيمم، لأن التيمم إنما شرع مع عدم الماء، وهذا واجد للماء، وقد قال : (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (وعلى المشهور اختلف إذا حصل له ذلك في الجمعة، والمشهور أنه يتوضأ ويصلي الظهر، وقيل هي كغيرها يشرع التيمم لإدراكها، وبالغ سند في إنكاره، وقال إنه مخالف للإجماع، نقله عنه في المواهب.
وحكى ابن يونس عن بعض أشياخه - رحمهم الله تعالى -أنه لو قيل بالثاني، ويعيدها ظهرا بوضوء ما بعد، وظاهره اختياره كما قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ.
والمشهور أن المسافر والمريض ومن في حكمه يتيممون للفرائض والسنن والنوافل ومس المصحف، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ويتيمم المسافر ولو لنفل، ومس مصحف، ومنعه ابن أبي سلمة لغير الفرض، المازري واللخمي: والمريض مثله.
وأما الحاضر الصحيح فليس له التيمم لمطلق النفل، واختلف في تيممه للسنن قال ابن عرفة: ثالثها للعينية كالفجر، لا الكفاية كالعيد، لابن سحنون، وابن بشير عنها، واللخمي عن المذهب، وفيها لابن القاسم: يتيمم المسافر والمريض للخسوفين، ولمالك: لا يتيمم محدث في صلاة عيد، والجنازة غير المتعينة كالعيد، والمتعينة قال القاضي: كفرض: وتردد ابن القصار في رواية الصلاة على قبر من فاتته، المازري: قول ابن وهب: إن انتقض وضوءه بعد خروجه لها تيمم، وإلا فلا، لأنه رأى الخارج غير متوضئ كالمختار ترك الماء، وغيره مضطرا لما يخشى فوته دون بدل.
стр. 126
قوله: وموقن البيتين، معناه أن الذي يوقن وجود الماء في الوقت، يحب عليه أن يؤخر حتى يخاف خروج الوقت، وكذلك الراجي، فالمراد باليقين ما يعم الظن، وظاهر كلام الشيخ أن الراجي كالمتردد، وأما الآيس فإنه يصلي أوله، وأما المتردد فيصلي وسطه، هذا هو المشهور، وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - تأخير الجميع لآخر الوقت، وروى ابن عبد الحكم أن المسافر يتيمم أوله مطلقا، وفي المجموعة الراجي آخره، وغيره وسطه، وقيل الجميع آخره إلا الآيس فأوله، والمراد بالوقت الوقت المختار، كما نقله أبو محمد في مختصره عن ابن عبدوس فإن قدم ذو التأخير ثم وجد الماء أعاد في الوقت، وقيل أبدا، قاله ابن عبدوس وغيره، وقيل إن ظن إدراكه ففي الوقت، وإن أيقن فأبدا، قاله ابن حبيب، وإن قدم ذو التوسط، ففي إعادته في الوقت المختار خلاف، ولا يعيد بعده اتفاقا، قاله ابن ناجي.
وما قيل في رجاء الماء وعدمه، يقال أيضا في رجاء القدرة على استعماله، وعدمه.
قوله: ولا يعيد كل هؤلا عدا الأبيات معناه أنه لا إعادة على من تيمم من المذكورين ثم وجد الماء بعد صلاته، سوى المريض الذي تيمم لعدم وجود من يناوله الماء، والخائف من السباع ونحوها، والمسافر يصلي في أول الوقت مع رجاء الماء، وإنما يعيد هؤلاء في الوقت خاصة، على ظاهر المصنف، وقال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: الأصوب أنه الوقت المختار، وقد اختلف في الراجي بنوعيه المتيقن والظان، فقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: لأنه حين حلت الصلاة وجب القيام لها وهو غير واجد للماء، فدخل في قوله : (فلم تجدوا ماء فتيمموا (وإنما أمرناه بالإعادة استحبابا، والوقت قائم، نقله في التاج.
стр. 127
وقيل يعيد أبدا، وفرق ابن حبيب -رحمه الله تعالى -فقال: يعيد المتيقن أبدا، والظان في الوقت، وإنما يؤمر بالإعادة إذا وجد الماء الذي كان يرجوه، فإن وجد غيره فلا إعادة عليه، كما قيد به ابن عبد السلام، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ... -واختار ابن ناجي -رحمه الله تعالى -في المريض الذي لم يجد من يناوله الماء قول ابن نافع، ونصه: والأقرب أنه لا إعادة مطلقا بالنسبة إلى المريض، لأنه إذا لم يجد من يناوله إياه إنما ترك الاستعداد للماء قبل دخول الوقت، وهو مندوب إليه على ظاهر المذهب، وذلك لا يضر فلا إعادة مطلقا.
والمعول إعادته لأنه كالمختار، وأما الذي يجد الماء أثناء الصلاة أو بعد التيمم، فإن ضاق الوقت مضى على ما أراد قبل أن يجد الماء، وإن اتسع فإن كان لم يحرم بطل تيممه قطعا، وإن كان قد أحرم تمادى على المشهور، إلا أن يكون قد نسيه فذكر أثناءها أن معه ماء فيقطع، قال في المدونة: وإن ذكر الماء في رحله وهو في الصلاة قطع، ولو اطلع عليه رجل بالماء وهو في الصلاة، تمادى وأجزأته صلاته، ابن يونس: الذي ذكر الماء في رحله حين قيامه للصلاة، كان واجدا للماء ومالكا له، فلما اجتمع عليه مع ذلك العلم به في حال الصلاة بطلت عليه، لأنه قادر على الماء قبل تمامها، ومالك له حين القيام إليها، بخلاف الذي اطلع عليه بالماء وهو في الصلاة، هو غير واجد للماء، وغير مالك له، فقد دخل في الصلاة بما أمر به، وحصل له منها عمل بإحدى الطهارتين، فوجب أن لا يبطله لقوله : (ولا تبطلوا أعمالكم).
стр. 128
وقال في وجه إعادة الناسي في الوقت: وجه إعادته في الوقت أنه غير عادم للماء، ولم يوجب عليه الإعادة أبدا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (١) فجعل له بهذا حكما بين حكمين وذلك الإعادة في الوقت نقله في التاج.
ونقل في المواهب عن ابن راشد القفصي أنه حكى في الذكر أثناء الصلاة قولا بالتمادي.
واختلف في من أمر بالإعادة في الوقت إذا نسي بعد أن ذكر هل يعيد بعده، قال ابن شاس: المشهور أنه لا يعيد، وهو الأصل، وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بالإعادة عند ابن حبيب، ثم قال: ويجريه في كل من أمر أن يعيد في الوقت، قال لأنه يرى أنه إذا أمر بالإعادة فقد ترتبت في ذمته فلا يبرأ إلا بفعلها كما في الجواهر.
تنبيه
قال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: كل من عمل في وضوئه، أو صلاته بما اختلف أهل العلم فيه، فلا إعادة عليه إلا في الوقت نقله سيدي زروق -رحمهم الله تعالى جميعا ـ.
ولا يخفى أن المراد الخلاف الذي لم يضعف مدركه جدا، والله أعلم.
١٥١ - ولا يصلي بتيمم فريـ ... ـضتين غير دنف لم يقدر
١٥٢ - من مرض لازمه وقيل بل ... ذلك أيضا يتيمم لكل
١٥٣ - وبتيمم فقط كذلكْ ... قضا الفوائت رُوِي عن مالكْ
١٥٤ - ثم التيمم على ما طهرا ... من الصعيد، وهْو ما قد ظهرا
١٥٥ - بوجه الارض مطلقا كمثل ... سَبَخة، وحجر، ورمْل
стр. 129
الدنِف بكسر النون: صفة من الدنف بفتح النون، وهو مصدر دنف بكسر النون إذا ثقل وأشفى على الموت، أو أزمن مرضه، والمرض بفتح الراء: فساد المزاج، وتغير الصحة بعد اعتدالها، وبسكونها: الشك، والصعيد قال ثعلب: وجه الأرض، لقوله : (فتصبح صعيدا زَلَقا (والجمع: صُعُد وصُعُدات، مثل طريق وطرق وطرقات، وقال في المغرب: الصعيد: وجه الأرض، ترابا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك.
ومن قال: هو فعيل بمعنى مفعول أو فاعل من الصعود، ففيه نظر، نقله في شفاء الغليل.
والسبخة محركة ومسكنة: أرض ذات نَزٍّ وملح جمعها سباخ، والنز: ما يتحلب من الأرض من الماء.
أشار بالبيتين الأولين إلى الخلاف في جواز صلاة فريضتين بتيمم واحد، والمشهور من المذهب أنه لا يجوز أن يصلى بالتيمم الواحد فرضان، وقيل يجوز ذلك للمريض الذي لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم، قال الشيخ أبو محمد: أخبرت به عن ابن شعبان، لعدم وجوب الطلب عليه، وعلى المشهور إذا فعل ذلك، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: في إعادة الثانية في الوقت، أو أبدا، ثالثها إن اشتركتا، ورابعها ما لم يطل كاليومين، لأبي عمر عن يحيى عن ابن القاسم، وسماعه أبو زيد، مع الأخوين، وأبي عمر عن أصبغ، مع الباجي عن يحيى عن ابن القاسم، والشيخ عن سحنون.
وروى أبو الفرج جواز قضاء الفوائت بالتيمم الواحد، وهو المشار إليه بالبيت الثالث.
стр. 130
وأشار بالبيتين الأخيرين إلى أنه إنما يتيمم على الصعيد الطاهر، وأن الصعيد هو ما ظهر على وجه الأرض من تراب، أو رمل، أو حجارة، أو سبخة، ونحو ذلك على المشهور، كالشب، والنورة، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، والزاج، وفي الحديث " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (١) قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: فعمم ولم يخص موضعا، وجمع بين الصلاة والتيمم عليها، فكما جازت الصلاة على الجبل، والحصباء، وكلما صعد على الأرض مما هو منها باتفاق، فكذلك يجوز التيمم عليه.
ولا يجوز التيمم بالجير والآجر والجص بعد حرقه، والياقوت، والزبرجد، والرخام، والذهب، والفضة، فإن فقد سوى ما منع وضاق الوقت، تيمم به، نص على ذلك جميع البغداديين، نقله ابن ناجي.
واختلف في الثلج، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وفي الثلج، ثالثها إن عدم الصعيد، ورابعها ويعيد في الوقت بالصعيد، للباجي عن رواية علي، وأشهب، وابن القاسم، واللخمي عن ابن حبيب.
وأفضل ما تقدم التراب، ويجوز التيمم بغيره مما تقدم مع وجوده، على خلاف في بعض ذلك.
فخرج بالصعيد غير الصعيد، كالزرع والخشب، فلا يجوز التيمم على شيء من ذلك على المشهور، وخرج بالطاهر النجس فلا يجوز التيمم عليه، ومن تيمم عليه عالما متيقنا أعاد أبدا، والطاهر هو الطيب المذكور في الآية على المشهور من المذهب، وقيل المنبت.
١٥٦ - ولْتضربنَّ بيديك الارض معْ ... نفض خفيف، إن بها الترب اجتمع
١٥٧ - وعممنْ وجهَك واضرب الارضا ... من بعد ذاك باليدين أيضا
١٥٨ - واجعل اَصابع اليد اليسرى على ... طَرَف ظاهر اليمين مكملا
١٥٩ - يدا مع الذراع أيضا حانيا ... من فوقه لمرفق منتهيا
١٦٠ - ثم انتقل من طي مرفق اِلى ... بطن ذراعك لكوع قافلا
١٦١ - وبعد ذاك أجرينَّ بطنا ... الابهام من فوق بَهِيم اليمنى
١٦٢ - وهكذا اليسار وامسح بطنَ كفْ ... يمناك باليسرى لآخر الطرف
١٦٣ - وكيف ما عممتَ أجزأ، وما ... ذُكر في التعميم هو المعتمى
стр. 131
الترب - بضم التاء -: التراب، وهو ما نعم من الأرض، جمعه أتربة وتربان بكسر التاء، ومنه قولهم: تُربا له، في الدعاء بالهلاك، وطرف كل شيء: حرفه ومنتهاه، والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، والساعد، جمعه أذرع كأفلس، وذرعان كقضبان، والمرفق: موصل الذراع من العضد، وطيه: مكان انعطافه وانثنائه، والكوع كفول، ويقال: كاع كراع: المفصل بين الذراع والكف مما يلي الإبهام، وفي المثل: أحمق يمتخط بكوعه، والإبهام وقع في كلام الشيخ في النسخ التي وقفت عليها كسهل، وهو ظاهر من تعرض له من الشروح، وقد اعترض الفاكهاني على الشيخ التعبير به، وقال: إنه لا يعلم أحدا من أهل اللغة نقل ذلك البناء في الإبهام، وإنما البهم أولاد الضأن: جمع بهمة كثمرة، وبهم كزفر: شجعان، وظاهر الزبيدي أنه بياء بعد الهاء كأمير ووزير، ونصه في تاج العروس: ومما يستدرك عليه البهيم كأمير: اسم للإبهام التي هي الأصبع نقله الأزهري.
قال: ولا يقال لها بهام، وقد أنكر شيخنا على ابن أبي زيد القيرواني حين ذكر البهيم في رسالته بمعنى الإبهام، وندد عليه، وقال: لا وجه له، مع أنه موجود في التهذيب وغيره من كتب اللغة انتهى
ولا يتوجه الرد بهذا على الفاكهاني لأنه إنما أنكر البهم بلا ياء.
واليسار: اليد الشمال، قال ابن عبد السلام -رحمه الله تعالى -: بفتح الياء وكسرها، والفتح أفصح عند الجمهور، وخالفهم ابن دريد، نقله في شفاء الغليل.
والكف: اليد، جمعه أكف، وكفوف، وكف كصم.
أشار بهذه الأبيات إلى صفة التيمم، فذكر أنه يضرب الأرض بيديه، والمراد وضعهما على الأرض، ثم إن تعلق بهما شيء من التراب نفضهما نفضا خفيفا، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: عياض: لضرر كثيره بتلويث وجهه، أو دقيق حجر يؤذيه.
стр. 132
وهذا النفض ذكر في المواهب أنه سنة. (١)
وقال ابن حبيب: ينفخ فيهما، وهو نص الحديث، قاله سيدي زروق -رحمه الله تعالى -.
فإن لم يعلق بهما شيء لم يؤمر بنفضهما، ولا ينفضهما حيث علق بهما شيء نفضا قويا، فإن مسحهما بشيء قبل أن يمسح بهما، ففي إجزاء ذلك خلاف، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ولو مسح بيديه بعد الضرب غير محله، ثم مسحه بهما، فقال الطابثي: لا نص ومقتضى معروف المذهب عدم اشتراط التراب الإجزاء، وقال بعض أصحاب عبد الحق لا يجزئ.
وظاهر التوضيح اختيار الثاني، حيث قال -بعد نقل قول ابن عبد السلام: والأظهر أن ذلك لا يضره، إذ النقل غير مشروط -ما نصه: وفيه نظر، لأن تيممه لم يحصل للأعضاء بل للممسوح.
ثم يمسح بهما وجهه، قال في الطراز: وليس على المتيمم تتبع غضون وجهه، وعليه أن يبلغ بيديه حيث يبلغ بهما في غسل الوجه، ويمرهما على شعر لحيته الطويلة، على نحو ما جرى في الوضوء، وما لا يجزيه الاقتصار عليه في الوضوء، لا يجزيه في التيمم، وخفف ابن مسلمة ترك اليسير نقله في المواهب.
ثم يضرب بيديه الأرض مرة ثانية، فيمسح بهما يديه إلى مرفقيه، وقد اختلف هل تستحب في مسحهما صفة معينة، فقال ابن عبد الحكم: لا يستحب في ذلك شيء، والمشهور خلافه، واختلف عليه في الصفة المستحبة، وقد اقتصر الشيخ على رواية الأخوين، وهي أن يمسح يديه وذراعيه إلى باطن الكوعين، ثم يمسح كفه بكفه، وعليها حمل بعضهم المدونة، وروى ابن القاسم أنه يمسح باطن يديه لآخر الأصابع، قال الباجي: واختار أصحابنا رواية ابن القاسم، لأن أعضاء الطهارة مبنية على أنه لا يشرع في تطهير عضو إلا بعد استيفاء الذي قبله، نقله الرهوني.
стр. 133
وصفة المسح أن يبدأ بيمناه فيمسحها أولا، بأن يجعل باطن أصابع يده اليسرى، على أطراف أصابع يده اليمنى، ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه، حانيا أصابعه على ذراعه كالقابض، حتى يبلغ المرفق، وقد اختلف هل يمسح أو يقف عنده، والمشهور الأول، ثم يدير كفه من طي المرفق إلى باطن ذراعه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع، على رواية الأخوين التي اتبع الشيخ، قال الشيخ: ثم يجري باطن بهمه على ظاهر بهم يده اليمنى، ونحوه لابن الطلاع، كما نقله ابن عرفة - رحمه الله تعالى - ونحوه أيضا لأبي عمر في الكافي، ونصه: يبدأ بيمنى يديه فيمسحها باليسرى منهما، ويجري باطن أصابع اليسرى وكفه على ظاهر راحته اليمنى وذراعه إلى مرفقه، ثم يمر باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى.
وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وظاهر الروايات مسح ظاهر إبهام اليمنى مع ظاهر أصابعها.
ونقله ابن ناجي -رحمه الله تعالى -وارتضاه.
ثم يمسح اليسرى باليمنى كذلك، فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أصابعه، قال ابن شعبان: يخلل أصابعه، قال الشيخ أبو محمد: لا أعرفه لغيره، قال ابن ناجي: وعادة الشيخ إذا قال مثل هذا أراد أن المذهب على خلافه، كمن قال: يا فلان فعل الله تعالى بك كذا، قال ابن شعبان: تبطل صلاته، قال الشيخ: لا أعرفه، وقول ابن بكير: من التذ بالفكرة في القلب انتقض وضوءه، وقال أيضا: لا أعرفه، ففهم عنه أهل المذهب ما قلناه.
وقال ابن عبد الحكم: ينزع خاتمه، قال في التوضيح: لا خلاف أنه مطلوب بنزع خاتمه ابتداء، لأن التراب لا يدخل تحته، فإن لم ينزعه فالمذهب أنه لا يجزئه، واستقرأ اللخمي من قول ابن مسلمة الإجزاء.
وهذه الصفة غير متعينة، كما أشار إليه بقوله: وكيف ما عممت أجزأ البيت.
стр. 134
وقد أشار الشيخ في صدر الوضوء في الكلام على الاستنجاء، إلى تعين النية في ما كان من الطهارة من قبيل الحدث، ومما يجب في طهارة الحدث أيضا على المشهور الموالاة، فهذان فرضان لم يتكلم الشيخ عليهما تفصيلا، والوجه في إيجاب الفور أنه المعنى الذي يتبادر من إطلاق الماهية، مع أن الطهارة من الحدث تعبد لم ينقل إلا على هذا الوجه، فلا يخرج به عنه، وأن شأن العبادة الواحدة الاتصال، وقد أخرج أبو داوود من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة (١).
وسيتكلم الشيخ على موالات الوضوء في مباحث الصلاة، إن شاء الله .
ويشترط في التيمم للفريضة خاصة أن يكون بعد دخول الوقت على المشهور، خلافا لابن شعبان.
стр. 135
والصفة التي ذكر الشيخ تشتمل على واجبات، وسنن، ومندوبات، فمن الواجبات الضربة الأولى بلا خلاف، واختلف في الثانية، والمشهور استنانها لثبوت الأخبار في الاكتفاء بالضربة الواحدة، ومنها مسح الوجه واليدين إلى الكوعين للآية الكريمة، واختلف في مسحهما إلى المرفقين، فقيل واجب، وقيل سنة، وهو المشهور، وقيل يجب إلى المنكبين، وقيل يجب إلى الكوعين، ويسن إلى المرفقين، ويستحب إلى المنكبين، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: فوجه قول مالك - رحمه الله تعالى -: إنه يتيمم إلى الكوعين، قوله : (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولم يحد كما حدد في الوضوء إلى المرفقين، وقال : (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولم يحد، فأبانت السنة أن القطع من الكوعين، وأجمعت عليه الناس إذ ليس فيه حد، فأعطي أخص أسماء اليد، وكذلك التيمم، لأن المعقول من اسم اليد والأخص بها من الكوع، وأيد ذلك ما روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تيمم إلى الكوعين، ووجه قوله يتيمم إلى المرفقين، قياسا على الوضوء الذي هو بدل منه، وقد ثبت الحديث بمثله، ووجه قول من قال إلى المنكبين فلأن ذلك يقع عليه اسم اليد، وهذا أضعف الأقوال.
قوله: وقد ثبت الحديث بمثله، ذكر الكاندهلوي في شرح الموطإ عن صاحب نهاية النهاية، أن جابرا ـ رضي الله تعالى عنه ـ روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين " قال: رواه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال العيني: أخرجه البيهقي أيضا والحاكم، من حديث إسحاق الحربي، وقال: صحيح، وقال الذهبي: إسناده صحيح انتهى (١)
стр. 136
وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما -أنه كان يتيمم إلى المرفقين.
والقول بالتيمم إلى المنكبين لابن شهاب كما فسر به سحنون كلام مالك -رحمهم الله تعالى أجمعين -كما في الجامع.
ومن السنن تقديم مسح الوجه على اليدين، ونفض التراب، كما تقدم عن المواهب.
ومن المندوبات تقديم يده اليمنى على يده اليسرى، وتقديم الظاهر على الباطن، ومقتضى كلامهم ندب تقديم أول العضو، والله أعلم.
١٦٤ - وصاحب الأكبر حيث عدما ... ماء كفى اغتساله تيمما
١٦٥ - وإن يجد ماء تطهر، ولا ... يعيد ما صلاه قبل مسجلا
١٦٦ - ولا يحل وطء من عنها انقضى ... الحيض بالتيمم الذي مضى
١٦٧ - حتى تَطهرَ بماء معَ ما ... كفى لطهر من جنابتهما
أشار بالبيتين الأولين إلى أن الجنب إذا لم يجد ماء كافيا لاغتساله تيمم وجوبا، وكذلك الحائض والنفساء، سواء وجد ما يكفي لوضوئه أو لا، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: عياض: قال من أصحابنا أحمد بن صالح المصري عرف بالطبري من أصحاب ابن وهب: من خاف على نفسه من الغسل أجزأه الوضوء، لحديث عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه -قال ابن أبي دليم: لم يقله فقهاء الأمصار إلا بعض المحدثين.
وإذا وجد الماء اغتسل اتفاقا كما بينه المازري -رحمه الله تعالى -ولا يعيد ما صلاه بالتيمم كما في المدونة.
стр. 137
وأشار بالبيتين الأخيرين إلى أنه لا يجوز لزوج الحائض وطؤها بتيممها للصلاة، بل لا يجوز حتى تغتسل، مع وجود ما يغتسلان به من الجنابة التي هما بصدد الوقوع فيها، قال في الجامع عازيا لمالك - رحمهما الله تعالى -: وإذا طهرت امرأة من حيضتها في سفر فتيممت، فلا يطؤها زوجها حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعا، قال سحنون - رحمه الله تعالى -: يعني ما تغتسل هي به من الحيضة، ثم ما يغتسلان به جميعا من الجنابة، إذ بأول الملاقات ينتقض تيممهما، ثم قال: قال ابن شعبان: وإذا تطهرت بالتيمم لعدم الماء جاز له وطؤها، وقاله ابن بكير، وغيره من البغداديين.
وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى - وفيها منع وطء المسافر وتقبيله امرأته وليس معهما ما يكفيهما لغسلهما ووضوئهما، وليس كذي شجة له الوطء لطول أمره، فقالوا لقرب الأول، وعكسوا حكميهما لعكس وصفيهما، ابن رشد: المنع استحباب، وأجازه ابن وهب، الطراز: منعه ابن القاسم البول، إن خفت حقنته.
ونقله في التاج، وقال عقبه: وانظر هذا مع قولهم في وقت المغرب: يقدر بفعلها بعد شروطها، لعدم وجوب شروطها قبل دخول وقتها، مع ما تقدم لعياض والباجي وأبي عمر.
ويعني بذلك قول أبي عمر: غير واجب حمل الماء للوضوء، وقول الباجي: يجوز السفر في طريق يتيقن فيه عدم الماء، طلبا لمال، ورعي المواشي، ويجوز المقام على حفظ ماله، وإن أدى ذلك إلى أداء الصلاة بالتيمم، قال المواق: ونحو هذا في الإكمال.
وهذا بين لحديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه -السابق.
وهذا الاستشكال إنما يتوجه على غير تفسير ابن رشد -رحمه الله تعالى ـ.
стр. 138
هذا وقال في المواهب: قال البرزلي في مسائل الطهارة: سئل عز الدين عن من لا يمكنه قرب أهله إلا باليل، وإذا فعل أخر أهله الصلاة عن وقتها لتكاسلها، فهل يجوز له فعل ذلك، وإن أدى إلى إخلالها بالصلاة، أم لا، فأجاب بأنه يجوز أن يجامع أهله ليلا، ويأمرها بالصلاة في وقت الصبح، فإن أطاعت فقد سعد وسعدت، وإذا خالفت فقد أدى ما عليه، قال الحطاب: قوله: ليلا، يحتمل أن يكون لفظا مقصودا، إذ لا يجب عليها حينئذ غسل ولا صلاة، فلا يترك ما وجب له لما لم يجب عليها، وهذا نحو مما ذكر الباجي عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في حديث الوادي أنه يجوز للإنسان أن ينام بالليل وإن جوز أن نومه يبقى حتى يخرج وقت الصبح، إذ لا يترك أمرا جائزا لشيء لم يجب عليه، وعلى هذا فلو كان بعد الفجر فلا يمكن من ذلك حتى يخرج وقتها أو يصليها، ويكون كقوله في المدونة: ولا يطأ المسافر زوجته حتى يكون معهما من الماء ما يكفيهما، ويحمل على الوجوب أو الندب خلافا لابن وهب في هذه المسألة، ويحتمل أن يتخرج ذلك في المسألة المذكورة.
ولا يبعد أن يقال إن مسألة السؤال تختلف عن مسألة المدونة من جهة عدم تعذر الغسل، فيكون عليها إثم تكاسلها، كمثل ما قالوا في المحرمة قبل الميقات، وقد تردد الأصحاب في منعه إياها من الصلاة أول الوقت، قال ابن عرفة في كتاب الحج: ابن بشير: ليس له منعها من فرضها إذا تعين، فيتعين باستطاعتها على الفور، وعلى التراخي تردد المتأخرون في تمكينه من منعها، ونزلوا عليه قضاء رمضان، والصلاة أول وقتها، وقول ابن الحاجب: ليس له منعها على الأصح، كالصلاة أول الوقت، وقضاء رمضان، يقتضي الاتفاق عليهما، خلاف نقل ابن بشير، وهو الأصح.
ولعل هذا صريح في موافقة مسألة السؤال خاصة، وأنه سيق في قضية المحرمة قبل الميقات التي قالوا فيها إن له أن يباشرها، والإثم عليها، مع أنها قد دخلت في العبادة، والله أعلم.
стр. 139
باب المسح على الخفين
١٦٨ - والمسح للخفين ما لم ينزعا ... بحضر اَو سفر قد وسعا
١٦٩ - وذاك إن يلبسهما وقد غسل ... رجليه في طهر صلاة قد أحل
١٧٠ - فذاك إن أحدث جاز المسح له ... لدى الوضو ومسح غيره احظله
١٧١ - وقدِّم اليمينَ فيه، وضعِ ... يمناك فوقَ طرفِ الأصابع
١٧٢ - وتحتَها يسراك، وامسحنْ إلى ... كعب، وباليسار هكذا افعلا
١٧٣ - لكن هنا يدَ شمالك اجعلا ... من فوق خف، واليمينَ أسفلا
١٧٤ - وقيل يبدأ من الكعبين ... بمسحه لأسفل الخفين
١٧٥ - والمسح معْ وجود ما يحول لا ... يصح، كالزبل وطين مثلا
أشار بالبيت الأول إلى أن مسح الخفين -عند استجماع الشروط الآتي ذكرها -جائز في الحضر والسفر، للرجل والمرأة، ما لم ينزعا، وكان مالك أولا يرى مسح المقيم والمسافر، ثم قال: لا يمسح المقيم، ثم رجع إلى قوله أولا بالتعميم، على ما نقله ابن نافع وابن وهب والباجي، كما في التوضيح.
وهو المشهور، وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتى سباطة قوم، فبال قائما ومسح على خفيه (١) قال المازري: السباطة: المزبلة، ولا يقال مزبلة قوم إلا في الحضر.
وإذا كان ذلك في الحضر، فالسفر أولى، لأن شأنه الترخيص، وقيل إن المسح مطلوب، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ: ابن الطلاع: رخصة، وقيل سنة، وقيل فرض.
وقد حكى قوم رواية عن مالك -رحمه الله تعالى -بإنكار المسح مطلقا، ورد ذلك المازري -رحمه الله تعالى -وقال: إنما الرواية الثابتة أنه قال: لا أمسح في السفر ولا في الحضر، وكأنه كرهه، فإنما حكى عن نفسه ما يؤثر فعْلَه، وقد يكون الفعل جائزا عند الفقيه ويؤثر تركه، إلى أن قال: وكيف يظن به إنكار المسح أصلا، وقد قال الحسن -رضي الله تعالى عنه -: روى المسح عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم - سبعون نفسا على أنحاء مختلفة.
стр. 140
وما ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى -من عدم التحديد فيه هو المشهور، وروى أشهب أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، ولم يذكر للمقيم وقتا، وروى ابن نافع أن المقيم يمسح من جمعة إلى جمعة، قال القاضي أبو محمد: هذا يحتمل الاستحباب، ثم قال: بل هو مقصوده، ووجهه أنه يغتسل للجمعة قاله ابن شاس في جواهره.
وأشار بالبيت الثاني والثالث إلى شرط المسح على الخف، فذكر أنه إنما يمسح عليهما من لبسهما على طهارة مائية تامة، تحل بها الصلاة -وضوءا كانت أو غسلا -فلا يمسح عليهما من لبسهما على تيمم، صلى به أو لا على المشهور، خلافا لأصبغ إذا لبسه قبل الصلاة، وبناه القاضي أبو محمد على الخلاف في رفعه الحدث، ولا من لبسهما أو أحدهما قبل تمام طهارته، ولا من لبسهما على وضوء من الأوضئة التي لا يرتفع بها الحدث، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم للمغيرة بن شعبة ـ رضي الله تعالى عنه ـ لما أهوى لينزع خفيه: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " (١)
ويشترط أن لا يكون عاصيا بلبسهما، لأن السبب إذا لم يكن مشروعا، لم يعتبر في الرخص، وأن لا يكون مترفها بذلك.
ويشترط في الخف أن يكون جلدا، طاهرا، مخروزا، ساترا لمحل الفرض، يمكن متابعة المشي به، وذلك لأن ما علم أن شرعه على خلاف الأصل في بابه لا يعدل به عن الوجه الذي جاء فيه النص، لا سيما في أبواب التعبد.
قوله: لدى الوضوء، أشار به إلى أنه لا يمسح عليهما في الاغتسال.
стр. 141
وقوله: وقدم اليمين، أشار به إلى أنه يندب أن يقدم مسح الخف الأيمن على الخف الأيسر، كغسل الرجلين، وأشار بقوله: وضع يمناك، إلى قوله: هكذا افعلا، إلى صفة المسح المستحبة، قال في الجامع: قال ابن القاسم: أرانا مالك - رحمهما الله تعالى - المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه اليمنى، ووضع اليسرى تحت أطراف أصابعه من باطن خفه، فأمرهما إلى مواضع الوضوء، وحذو الكعبين، وقال أبو محمد: وكذلك يده اليسرى من فوق رجله اليسرى، ويده اليمنى من تحتها، قال ابن حبيب: وهكذا أرانا مطرف وابن الماجشون، قالا: فإن مالكا أراهما كذلك، قال: وإن ابن شهاب وصف له هكذا، وإلى هذا أشار بقوله: لكن هنا يد البيت، ثم قال في الجامع: وقال ابن شبلون: بل يجعل اليمنى من فوق القدمين جميعا، وهو ظاهر المدونة.
ووجه تفريق الشيخ أن ما وصفه أمكن في اليسرى، ووجه قول أبي القاسم بن شبلون أنه لو كان بينهما فرق لنبه عليه.
وقيل يبدأ في مسح أسفل الخفين من الكعبين، ويمر يده من تحت الخف، إلى أطراف أصابعه، ويبدأ في مسح أعلاهما من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وإلى هذا أشار بقوله: وقيل يبدأ من الكعبين البيت.
ونظر في التوضيح هل يجري على هذه الصفة أيضا اختلاف الشيخ وأبي القاسم بن شبلون -رحمهم الله تعالى جميعا -.
وقال في التبصرة: وإذا مسح اليمنى لم يمسح اليسرى حتى يغسل اليد التي مر بها تحت الخف.
وأشار بالبيت الأخير إلى أنه لا يجوز المسح على حائل، كطين وزبل، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لأن المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه، كما لو لف على الخف خرقة لم يجز المسح عليها، لأنه كالماسح على غير الخف، نقله في التاج.
وتستثنى من ذلك المهاميز، كما أفتى به سحنون -رحمه الله تعالى -لحاجة الناس إليها، قال ابن عبد السلام -رحمه الله تعالى -: ويفترق ما في أعلى الخف مما في أسفله بالوجوب والندب، ابن الحاجب: ولو خص أعلاه بالمسح أجزأه، ويعيد في الوقت، وأسفله لم يجزه أشهب: يجزئه فيهما، ابن نافع لا يجزئه فيهما، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ.
والله أعلم.
стр. 142
باب في أوقات الصلاة وأسمائها
١٧٦ - وأهل طيبة صلاةَ الفجر ... يرونها الوسطى التي في الذكر
١٧٧ - ووقتها من صادق الفجر إلى ... مجيء الاِسفار الذي قد انجلى
١٧٨ - بحيث إن سلم منها تطلع ... ألشمس، فالجميع وقت واسع
١٧٩ - وأول الوقت له فضل جسيم ... فمن يؤخرْ فاته خير عظيم
١٨٠ - ومن زوال أول الظهر إذا ... في الازدياد الظل كان آخذا
١٨١ - إلى مزيده بقامة على ... ما كان في وقت الزوال حاصلا
١٨٢ - وندبوا تأخيرها بقدر ... ذراع الابهام زمان الحر
١٨٣ - وقيل لا يندب للمنفرد ... ذلك بل يختص بالمساجد
١٨٤ - وقيل في اشتداد حر يُبرد ... ندبا بها الأقوام والمنفرد
الأوقات: جمع وقت، وهو جمع قلة، ويجمع في الكثرة على وقوت كفلوس، والوقت قال في التوضيح: مأخوذ من التوقيت وهو التحديد، والوقت أخص من الزمان، لأن الزمان مدة حركة الفلك، والوقت هو ما قال المازري: إذا اقترن خفي بجلي، سمي الجلي وقتا، نحو جاء زيد طلوع الشمس، فطلوع الشمس هو وقت المجيء، إذا كان الطلوع معلوما والمجيء خفيا، ولو خفي طلوع الشمس بالنسبة إلى أعمى أو مجنون مثلا، لقلت له: طلوع الشمس عند مجيء زيد، فيكون المجيء وقت الطلوع.
والصلاة لغة لها معان، من أشهرها الدعاء، ومنه قوله:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما، فإن لجنب المرء مضطجعا
واصطلاحا عرفها ابن عرفة -رحمه الله تعالى -بقوله: قربة فعلية ذات إحرام وتسليم، أو سجود فقط.
стр. 143
وطيبة: اسم من أسماء المدينة المنورة بأنواره - صلى الله تعالى عليه وسلم - زادها الله عزا وشرفا وأمنا، والفجر قال عياض - رحمه الله تعالى -: الضياء المعترض في الأفق من نور الشمس أول النهار، ويسمى بذلك لتفجره وانتشاره، والفجر فجران، فالأول منهما أبيض مستدير مستطير صاعد إلى الأفق، وهو الفجر الكاذب، وهو كذنب السرحان، سمي بذلك لدقته، والسرحان: الذئب، وهذا لا حكم له في صلاة ولا صوم، والثاني الأبيض الساطع، وهو الصادق، وهو المستطيل، أي: المنتشر، وهو ذاهب في الأفق عرضا حتى يعم الأفق، وتعقبه الحمرة، وهو الذي يتعلق به حكم الصلاة عند جميع الأمة، وحكم الصوم عندنا وعند أكثر الفقهاء، نقله في شفاء الغليل.
والوسطى: مؤنث الأوسط، ووسط الشيء: خيره، والذكر: اسم من أسماء القرآن العظيم، والإسفار قال عياض - رحمه الله تعالى -: البيان والكشف، وسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، وهو يقع أولا على انصداع الفجر وبيانه، وعليه يحمل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " (١) أي: صلوها عند استبانة الصبح، ولأول ظهوره لكم، والإسفار الثاني هو قوة الحمرة والضياء قبل طلوع الشمس، وذلك آخر وقت صلاة الصبح، الذي ليس بعده إلا ظهور قرصها، وقد اختلف هل هو وقت أدائها أو وقت ضرورة، وعليه حمل أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الحديث المتقدم، نقله في الشفاء.
وانجلى معناه: تبين وظهر، والزوال: بداية ميل الشمس إلى جهة الغروب، وبه فسر دلوك الشمس المذكور في الآية الكريمة.
والظهر بضم الظاء قال ابن عبد السلام: مشتقة من الظهور، لأنها ظاهرة وسط النهار، وله أسماء أربعة، هذا، والأولى، والهجيرة، والهاجرة، ويقال له ظهير.
стр. 144
والظل: الاسم من أظل، وهو نقص النور في كنف جسم كثيف، وضده الضح، ويكون الظل من الصباح إلى الظهر، كما يكون الفيء من الظهر إلى المساء.
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق
ويستعمل الظل أيضا فيهما جميعا، وقامة الإنسان: قدره، وهي سبعة أقدام بقدمه، وأربعة أذرعة بذراع إبهامه، وقد جرت عادة الفقهاء بالتحديد بقامة الإنسان لأنها لا تتعذر، وإلا فكل قائم يشاركها في ذلك المعنى، وبذلك وقع التعبير في الحديث الشريف " ظل كل شيء "
فرضت الصلاة ليلة الإسراء، وكانوا يصلون قبل ذلك ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ووجوب الصلوات الخمس مما علم من الدين ضرورة، فمن جحدها أو بغضها فهو كافر مرتد، ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها، فقيل فاسق يقتل حدا، إذا لم يبق من الوقت إلا ما يسع ركعة، وقيل هو كافر، والأول هو المشهور من المذهب، وقد نظم الشيخ آد في بيان عظم مكانتها نظما في غاية الحسن، يقول فيه:
أم الدعائم عماد الدين ... صلةُ بين العبد والمتين
وقد جاء في الحديث أنها أول ما يحاسب به العبد، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل لم ينظر في شيء من عمله، (١) وكتب عمر -رضي الله تعالى عنه -إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع (٢).
стр. 145
أشار بالبيت الأول إلى أن أهل المدينة يذهبون إلى أن صلاة الصبح هي الصلاة الوسطى المذكورة في الآية الكريمة، وممن ينسب له ذلك من الصحابة ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وهو قول مالك، وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر لحديث " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر (١) " وممن ينسب له ذلك من الصحابة ? رضي الله تعالى عنهم - علي وعائشة وغيرهما، وإليه ذهب أبو حنيفة وابن حبيب، وذهب قوم إلى أنها المغرب، وممن ينسب له ذلك قبيصة بن ذؤيب، وذهب قوم إلى أنها الظهر، وممن ينسب له ذلك زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - وذهب قوم إلى أنها صلاة العشاء، وذهب قوم إلى أنها صلاة الجمعة، وذهب قوم إلى أنها صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، وذهب قوم إلى أنها مجموع الصلوات الخمس، وذكر بعض المفسرين أن من نكت ذكر الأمر بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى في غضون أحكام النساء، أن لا يتشاغل بهن عنها، والله أعلم.
وأشار بقوله: ووقتها من صادق الفجر ... البيتين، إلى وقت الصبح، فذكر أن أوله انصداع الفجر الذي تقدم بيانه، وذكر أن آخره الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس، قال ابن شاس: ويمتد الاختيار لها إلى الإسفار الأعلى على قول، وإلى طلوع الشمس في قول آخر، قال القاضي أبو الوليد: ولمالك مسائل يؤخذ منها القولان، وقال القاضي أبو بكر: الصحيح عن مالك أن وقتها يمتد إلى طلوع الشمس، ولا وقت ضرورة لها.