← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقوله: وقدم اليمين، أشار به إلى أنه يندب أن يقدم مسح الخف الأيمن على الخف الأيسر، كغسل الرجلين، وأشار بقوله: وضع يمناك، إلى قوله: هكذا افعلا، إلى صفة المسح المستحبة، قال في الجامع: قال ابن القاسم: أرانا مالك - رحمهما الله تعالى - المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه اليمنى، ووضع اليسرى تحت أطراف أصابعه من باطن خفه، فأمرهما إلى مواضع الوضوء، وحذو الكعبين، وقال أبو محمد: وكذلك يده اليسرى من فوق رجله اليسرى، ويده اليمنى من تحتها، قال ابن حبيب: وهكذا أرانا مطرف وابن الماجشون، قالا: فإن مالكا أراهما كذلك، قال: وإن ابن شهاب وصف له هكذا، وإلى هذا أشار بقوله: لكن هنا يد البيت، ثم قال في الجامع: وقال ابن شبلون: بل يجعل اليمنى من فوق القدمين جميعا، وهو ظاهر المدونة. ووجه تفريق الشيخ أن ما وصفه أمكن في اليسرى، ووجه قول أبي القاسم بن شبلون أنه لو كان بينهما فرق لنبه عليه. وقيل يبدأ في مسح أسفل الخفين من الكعبين، ويمر يده من تحت الخف، إلى أطراف أصابعه، ويبدأ في مسح أعلاهما من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وإلى هذا أشار بقوله: وقيل يبدأ من الكعبين البيت. ونظر في التوضيح هل يجري على هذه الصفة أيضا اختلاف الشيخ وأبي القاسم بن شبلون -رحمهم الله تعالى جميعا -. وقال في التبصرة: وإذا مسح اليمنى لم يمسح اليسرى حتى يغسل اليد التي مر بها تحت الخف. وأشار بالبيت الأخير إلى أنه لا يجوز المسح على حائل، كطين وزبل، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لأن المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه، كما لو لف على الخف خرقة لم يجز المسح عليها، لأنه كالماسح على غير الخف، نقله في التاج. وتستثنى من ذلك المهاميز، كما أفتى به سحنون -رحمه الله تعالى -لحاجة الناس إليها، قال ابن عبد السلام -رحمه الله تعالى -: ويفترق ما في أعلى الخف مما في أسفله بالوجوب والندب، ابن الحاجب: ولو خص أعلاه بالمسح أجزأه، ويعيد في الوقت، وأسفله لم يجزه أشهب: يجزئه فيهما، ابن نافع لا يجزئه فيهما، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ. والله أعلم.

стр. 142

باب في أوقات الصلاة وأسمائها ١٧٦ - وأهل طيبة صلاةَ الفجر ... يرونها الوسطى التي في الذكر ١٧٧ - ووقتها من صادق الفجر إلى ... مجيء الاِسفار الذي قد انجلى ١٧٨ - بحيث إن سلم منها تطلع ... ألشمس، فالجميع وقت واسع ١٧٩ - وأول الوقت له فضل جسيم ... فمن يؤخرْ فاته خير عظيم ١٨٠ - ومن زوال أول الظهر إذا ... في الازدياد الظل كان آخذا ١٨١ - إلى مزيده بقامة على ... ما كان في وقت الزوال حاصلا ١٨٢ - وندبوا تأخيرها بقدر ... ذراع الابهام زمان الحر ١٨٣ - وقيل لا يندب للمنفرد ... ذلك بل يختص بالمساجد ١٨٤ - وقيل في اشتداد حر يُبرد ... ندبا بها الأقوام والمنفرد الأوقات: جمع وقت، وهو جمع قلة، ويجمع في الكثرة على وقوت كفلوس، والوقت قال في التوضيح: مأخوذ من التوقيت وهو التحديد، والوقت أخص من الزمان، لأن الزمان مدة حركة الفلك، والوقت هو ما قال المازري: إذا اقترن خفي بجلي، سمي الجلي وقتا، نحو جاء زيد طلوع الشمس، فطلوع الشمس هو وقت المجيء، إذا كان الطلوع معلوما والمجيء خفيا، ولو خفي طلوع الشمس بالنسبة إلى أعمى أو مجنون مثلا، لقلت له: طلوع الشمس عند مجيء زيد، فيكون المجيء وقت الطلوع. والصلاة لغة لها معان، من أشهرها الدعاء، ومنه قوله: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما، فإن لجنب المرء مضطجعا واصطلاحا عرفها ابن عرفة -رحمه الله تعالى -بقوله: قربة فعلية ذات إحرام وتسليم، أو سجود فقط.

стр. 143

وطيبة: اسم من أسماء المدينة المنورة بأنواره - صلى الله تعالى عليه وسلم - زادها الله عزا وشرفا وأمنا، والفجر قال عياض - رحمه الله تعالى -: الضياء المعترض في الأفق من نور الشمس أول النهار، ويسمى بذلك لتفجره وانتشاره، والفجر فجران، فالأول منهما أبيض مستدير مستطير صاعد إلى الأفق، وهو الفجر الكاذب، وهو كذنب السرحان، سمي بذلك لدقته، والسرحان: الذئب، وهذا لا حكم له في صلاة ولا صوم، والثاني الأبيض الساطع، وهو الصادق، وهو المستطيل، أي: المنتشر، وهو ذاهب في الأفق عرضا حتى يعم الأفق، وتعقبه الحمرة، وهو الذي يتعلق به حكم الصلاة عند جميع الأمة، وحكم الصوم عندنا وعند أكثر الفقهاء، نقله في شفاء الغليل. والوسطى: مؤنث الأوسط، ووسط الشيء: خيره، والذكر: اسم من أسماء القرآن العظيم، والإسفار قال عياض - رحمه الله تعالى -: البيان والكشف، وسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، وهو يقع أولا على انصداع الفجر وبيانه، وعليه يحمل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " (١) أي: صلوها عند استبانة الصبح، ولأول ظهوره لكم، والإسفار الثاني هو قوة الحمرة والضياء قبل طلوع الشمس، وذلك آخر وقت صلاة الصبح، الذي ليس بعده إلا ظهور قرصها، وقد اختلف هل هو وقت أدائها أو وقت ضرورة، وعليه حمل أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الحديث المتقدم، نقله في الشفاء. وانجلى معناه: تبين وظهر، والزوال: بداية ميل الشمس إلى جهة الغروب، وبه فسر دلوك الشمس المذكور في الآية الكريمة. والظهر بضم الظاء قال ابن عبد السلام: مشتقة من الظهور، لأنها ظاهرة وسط النهار، وله أسماء أربعة، هذا، والأولى، والهجيرة، والهاجرة، ويقال له ظهير.

стр. 144

والظل: الاسم من أظل، وهو نقص النور في كنف جسم كثيف، وضده الضح، ويكون الظل من الصباح إلى الظهر، كما يكون الفيء من الظهر إلى المساء. فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق ويستعمل الظل أيضا فيهما جميعا، وقامة الإنسان: قدره، وهي سبعة أقدام بقدمه، وأربعة أذرعة بذراع إبهامه، وقد جرت عادة الفقهاء بالتحديد بقامة الإنسان لأنها لا تتعذر، وإلا فكل قائم يشاركها في ذلك المعنى، وبذلك وقع التعبير في الحديث الشريف " ظل كل شيء " فرضت الصلاة ليلة الإسراء، وكانوا يصلون قبل ذلك ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ووجوب الصلوات الخمس مما علم من الدين ضرورة، فمن جحدها أو بغضها فهو كافر مرتد، ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها، فقيل فاسق يقتل حدا، إذا لم يبق من الوقت إلا ما يسع ركعة، وقيل هو كافر، والأول هو المشهور من المذهب، وقد نظم الشيخ آد في بيان عظم مكانتها نظما في غاية الحسن، يقول فيه: أم الدعائم عماد الدين ... صلةُ بين العبد والمتين وقد جاء في الحديث أنها أول ما يحاسب به العبد، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل لم ينظر في شيء من عمله، (١) وكتب عمر -رضي الله تعالى عنه -إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع (٢).

стр. 145

أشار بالبيت الأول إلى أن أهل المدينة يذهبون إلى أن صلاة الصبح هي الصلاة الوسطى المذكورة في الآية الكريمة، وممن ينسب له ذلك من الصحابة ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وهو قول مالك، وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر لحديث " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر (١) " وممن ينسب له ذلك من الصحابة ? رضي الله تعالى عنهم - علي وعائشة وغيرهما، وإليه ذهب أبو حنيفة وابن حبيب، وذهب قوم إلى أنها المغرب، وممن ينسب له ذلك قبيصة بن ذؤيب، وذهب قوم إلى أنها الظهر، وممن ينسب له ذلك زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - وذهب قوم إلى أنها صلاة العشاء، وذهب قوم إلى أنها صلاة الجمعة، وذهب قوم إلى أنها صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، وذهب قوم إلى أنها مجموع الصلوات الخمس، وذكر بعض المفسرين أن من نكت ذكر الأمر بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى في غضون أحكام النساء، أن لا يتشاغل بهن عنها، والله أعلم. وأشار بقوله: ووقتها من صادق الفجر ... البيتين، إلى وقت الصبح، فذكر أن أوله انصداع الفجر الذي تقدم بيانه، وذكر أن آخره الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس، قال ابن شاس: ويمتد الاختيار لها إلى الإسفار الأعلى على قول، وإلى طلوع الشمس في قول آخر، قال القاضي أبو الوليد: ولمالك مسائل يؤخذ منها القولان، وقال القاضي أبو بكر: الصحيح عن مالك أن وقتها يمتد إلى طلوع الشمس، ولا وقت ضرورة لها.

стр. 146

وأشار بقوله: وأول الوقت البيت، إلى أن التغليس بالصبح أفضل، لما سبق من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " خلافا لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كما تقدم، قال المازري - رحمه الله تعالى -: ودليلنا على استحباب التغليس قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: كان النساء يخرجن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس، (١) وهذا فيه إثبات الفضل في التغليس، لأن قولها - رضي الله تعالى عنها -: كان، إشارة إلى المداومة على هذا الفعل، إلى أن قال: وأيضا فإنها إنما خُصت بالأذان قبل وقتها لما كانت إقامتها في أول وقتها أفضل، فقدم الأذان على الوقت ليتأهب الناس للصلاة، حتى يدركهم أول الوقت وهم متأهبون، وأيضا فإن الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان ينتظر الناس في صلاة العشاء إذا أبطؤوا، وأما الصبح قال الراوي: كانوا أو كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -يصليها بغلس، (٢) قيل معنى أو أي، إلى أن قال: فأشار إلى أنه كان لا ينتظرهم في الصبح، وينتظرهم في العشاء، وهذا يقتضي فضيلة أول الوقت. وقد كتب عمر -رضي الله تعالى عنه -إلى عماله أن يصلوا الصبح والنجوم بادية مشتبكة، (٣) وقد روى أبو داود وصححه الخطابي، وحسنه النووي، عن أبي مسعود البدري - رضي الله تعالى عنه -أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر.

стр. 147

قال ابن رشد في المقدمات: وأول الوقت في الصلوات كلها أفضل، قال الله ﵎: (والسبقون السبقون أولئك المقربون في جنت النعيم) وقال الله : (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) ومعلوم أن من بادر إلى طاعة ربه أفضل ممن تأخر عنها وتأنى عنها، وقد سئل رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -أي الأعمال أفضل؟ فقال: " الصلاة لأول وقتها " (١) وروي أن الصلاة في أول الوقت رضوان الله تعالى، وفي وسطه رحمة الله تعالى، وفي آخره عفو الله تعالى، (٢) فكان أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - يقول: رضوان الله تعالى أحب إلي من عفوه، هذا هو المنصوص عن مالك المعلوم من مذهبه، في كتاب ابن المواز وغيره، وقد تأول بعض الشيوخ على مذهبه في المدونة أن أول الوقت وأوسطه وآخره في الفضل سواء، من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد أن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم وأفضل من ماله وأهله، (٣) وهذا بعيد لأنه إنما أنكره لأن ظاهره يوجب أن من فاته بعض الوقت كمن فاته جميعه، على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتر أهله وماله. (٤)

стр. 148

وأشار بقوله: ومن زوال ... البيتين، إلى وقت الظهر، فذكر أن وقتها من زوال الشمس الذي تقدم أنه ابتداء انحطاطها عن نهاية ارتفاعها، وعلامته أن يأخذ الظل في الزيادة جهة المشرق، حتى يصير ظل كل شيء مثله، زيادة على ظله الموجود وقت الزوال، قال المازري - رحمه الله تعالى -: واختلف أصحابنا في معنى القول أن آخر وقت الظهر زيادة الظل مثله، فذهب بعضهم إلى أن المراد به أن تنقضي صلاة الظهر عند زيادة الظل مثله، وبه قال الشافعي - رحمه الله تعالى - وقال آخرون المراد به أن يفتتح صلاة الظهر عند زيادة الظل مثله، وسبب هذا الاختلاف ما وقع في حديث صلاة جبريل ﵇ بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني عند زيادة الظل مثله، (١) وفي بعض طرقه إنما صلاها لوقت العصر بالأمس، ثم أشار إلى اعتضاد الأول بما في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما ـ " ما لم تحضر العصر " (٢). وأشار بقوله: وندبوا تأخيرها ... الأبيات، إلى أنه يندب تأخير صلاة الظهر قدر ذراع صيفا، وهذا قول ابن حبيب، واستحب مالك -رحمهما الله تعالى -ذلك صيفا وشتاء، لكتاب عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -إلى عماله الذي له حكم الإجماع، وقيل إنما يستحب التأخير المذكور في المساجد خاصة ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له، وهذا القول لابن حبيب وابن عبد الحكم، وبه قال البغداديون، واختاره اللخمي قائلا: وكذلك حكم الجماعة إذا لم ينتظروا غيرهم، نقله ابن ناجي وقيل إذا اشتد الحر فالأفضل الإبراد بها مطلقا، للجماعة والفذ، وإذا لم يشتد فالأفضل التقديم مطلقا، عزاه ابن عرفة لرواية أبي الفرج، لكن من غير تعرض لذكر الفذ إلا أنه أحروي.

стр. 149

قال المازري - رحمه الله تعالى -: أما الإبراد بالظهر فمأمور به لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (١) وأيضا فإن شدة الحر تقطع عن استيفاء حق الصلاة، وتقتضي استعجال المصلي إلى طلب السكون والراحة، فاستحب ترك إيقاع الصلاة فيه، ألا ترى أن الشرع جاء بنهي الحاقن عن الصلاة، لما كانت الحقنة تمنعه من استيفاء الصلاة، وهذا التعليل يوجب أن يستوي الفذ والجماعة في الأمر بالإبراد، إلى أن قال: فإذا ثبت أن الإبراد مأمور به، قال ابن حبيب: منتهاه إلى وسط الوقت وبعده بقليل، وقال بعض الشيوخ يؤخر إلى الذراع لأجل الجماعة، وإلى نحو الذراعين لأجل الإبراد، وقال محمد بن عبد الحكم: يؤمر بالتأخير، ولكن لا يخرج عن الوقت فأشار إلى أن الإبراد ينتهي لآخر الوقت، والأصح عندي مراعات حال يومه، فإذا فتر الحر القاطع عن استيفاء الصلاة، أمر بإيقاع الصلاة حينئذ، إذا حان الوقت المختار، فإن لم يفتر حتى خيف فوات الوقت، لم تؤخر عن الوقت، فإذا ثبت تعلق الاختيار بزمن ما، وكان التأخير عنه لعذر، فمتى ارتفع العذر تمسكنا بالاختيار، وارتفاع الحر يختلف باختلاف البلاد، واختلاف الرياح، ولكن رأى أصحابنا تحديده بما ذكرناه عنهم، ليكون الحكم عاما، وترجع إليه العامة التي لا تضبط تفاصيل الاجتهاد، فذلك طريق في النظر. وتعقب ابن عرفة -رحمه الله تعالى -اختيار المازري النظر إلى حر يومه المعين، بأنه يوجب اختلاف الوقت على الجماعة. وقال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: إن سنة الجمعة في الشتاء والصيف أن تصلى في أول الوقت، حين تزول الشمس، أو بعد أن تزول بقليل، قال: وكذلك قال مالك، نقله في عقد الجواهر الثمينة. وقد روى البخاري عن أنس -رضي الله تعالى عنه -أنه قال كان النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -يصلي الجمعة حين تميل الشمس.

стр. 150

وقد قلت: وما من التأخير في الظهر أمَرْ ... وُلاتَه به الخليفة عمر فهْو به عن جُمْعةٍ قد خُصَّا ... كما عليه ابن حبيب نصا ففعلها عند الزوال أو ورا ... ءه قليلا شأن من قد غبرا والله أعلم. ١٨٥ - وأول العصر انتهاء الظهر ... لقامة تزيد أيضا يجري ١٨٦ - ىـ وبمسامتة شمسٍ بصرا ... معتدلِ الرأس قياما قُدِّرا ١٨٧ - ووصْف مالك الذي عنه ورد ... بصفرة الشمس لمنتهاه حَدْ ١٨٨ - وحاجب الشمس إذا ماغرَبا ... فصلينَّ عند ذاك المغربا ١٨٩ - ليس لها وقت سوى ما ذُكِرا ... فلا تكن عنه لها مؤخرا ١٩٠ - وربما تُدعى صلاةَ الشاهد ... إذ سافر بها كمثل القاعد العصر قال عياض -رحمه الله تعالى -: العشي، وبه سميت صلاة العصر، وفي الحديث " إحدى صلاتي العشي " (١) وقيل سميت بذلك لأنها في آخر طرفي النهار، والعرب تسمي كل طرف من النهار عصرا، وتسمي الغداة والعشي عصرين، وفي الحديث " حافظ على العصرين صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها (٢) " يريد الصبح والعصر، وقيل سميت بذلك لتأخيرها، نقله في شفاء الغليل. والمسامتة: المقابلة، وحاجب كل شيء: حرفه، وغَرَب الكوكب غُروبا: غاب، والمغرب قال عياض -رحمه الله تعالى -: سميت بذلك لكونها عند غروب الشمس، والمراد غروب شخصها وقرصها، لا ضوئها، وهذا اسمها المختص بها، ولا يقال لها العشاء، لا لغة ولا شرعا، وقد جاء في الصحيح النهي عن تسميتها عشاء، نقله في شفاء الغليل.

стр. 151

أشار بالأبيات الثلاثة الأولى إلى أن أول وقت العصر آخر وقت الظهر، كما تقدم، واختلف هل تشترك مع الظهر بقدر ما توقع به إحداهما، وعلى الاشتراك فهل هو في القامة الأولى أو الثانية، قال ابن رشد: المشهور الاشتراك، ويظهر أنه في الأولى لا في الثانية، ويستمر وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه في أحد قولي مالك - رحمه الله تعالى - من رواية ابن عبد الحكم، وبه قال ابن المواز وابن حبيب، وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم غير منكس رأسك ولا مطأطئ فإن نظرت إلى الشمس ببصرك فقد دخل الوقت، وإن لم ترها ببصرك فالوقت لم يدخل، وإن نزلت عن بصرك فقد تمكن دخول الوقت، قال زروق - رحمه الله تعالى -: وقوله: وقيل إذا استقبلت الشمس إلى آخره، ميزان يتعرف به الوقت، وقد تعقبه ابن الفخار بأنه لم يوجد قائله، بل قال: لم يقل بهذا أحد، وهذا خطأ، وصرح عن الشيخ بإلغائه، وقال عبد الوهاب: يمكن هذا إذا اعتبر، وقال ابن رشد: لا يصح لأن الشمس تكون مرتفعة في الصيف، منحطة في الشتاء، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: بل التجربة تعطي أنه يقرب، وإن كان لا يوصل إلى التحقيق، والله أعلم. وروى ابن القاسم عن مالك أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس، والتعبير في حده بالقامتين وبالإصفرار وردت به الأخبار الصحيحة. قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى - وفي كون أفضله في مسجد الجماعة أوله، أو تأخيرها قليلا كنحو ما استحب في الظهر، أو لذراع، قول الجمهور والقاضي وأشهب، الشيخ عن ابن حبيب: استحب تعجيلها يوم الجمعة أكثر من تعجيلها في غيرها، لرفق الناس لأنهم يهجرون، ابن القاسم: ذكرته لمالك، فقال: ما سمعته من عالم، وهم يفعلونه، وهو واسع.

стр. 152

وأشار بقوله: وحاجب الشمس ... الأبيات، إلى أن وقت المغرب من غروب قرص الشمس إجماعا، ويقدر بفعلها بعد شروطها، وما يؤمر به لها من نحو أذان وإقامة، وذلك لأن جبريل ﵇ صلى بالنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -في اليومين في وقت واحد، وبهذا قال البغداديون، وهو روايتهم عن مالك، وقيل يمتد وقتها إلى الشفق، (١) قال ابن رشد: وهو ظاهر قول مالك -رحمه الله تعالى -في موطئه إلا أن أول الوقت أفضل، قال: فحصل الإجماع في المغرب على أن المبادرة لها عند الغروب أفضل. وقيل يمتد وقتها إلى قدر إيقاعها بعد الشفق، وبه قال أشهب في مدونته، كما في التبصرة. وتسمى صلاة المغرب صلاة الشاهد، قيل لأن المسافر لا يقصرها، فهو فيها كالشاهد، أي: الحاضر، وقيل لأن نجما يطلع عند الغروب يسمى الشاهد، وهو أصوب، والله أعلم. ١٩١ - وللعشاء من مغيب الشفق ... وهكذا ما ثلث اليل بقي ١٩٢ - وشفق بحمرة تبقى ورا ... مغيب شمس مغربا قد فُسّرا ١٩٣ - وليس فيه للبياض يُنظر ... كما عنَ اَقوام هناك يؤثر ١٩٤ - وصلينْها أول الوقت ولا ... تؤخرنْ لغير عذر شغلا ١٩٥ - نعم لأهل المسجد التأخير ... نزرا للاجتماع لا يضير ١٩٦ - ويكره الكلام لا لشغل ... من بعدها كنومه من قبل

стр. 153

العشاء قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى -: بكسر العين ممدود: أول الظلام، وهذا اسمها في القرآن، وجاء اسمها في الحديث العتمة، بقوله: " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا " (١) وجاء أيضا النهي عن تسميتها عتمة، (٢) وسميت بذلك من عتمة اليل، وهي ثلثه، وأصله تأخيرها، يقال: أعتم القوم إذا ساروا حينئذ، والعتمة الإبطاء، نقله في شفاء الغليل. أشار بالأبيات الثلاثة الأولى إلى أن وقت العشاء، من غيبوبة الشفق، والشفق هو الحمرة الباقية في جهة المغرب، من بقايا شعاع الشمس، فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة، فقد دخل وقت العشاء، ويستمر إلى ثلث اليل، وقال ابن حبيب: إلى النصف، وقد وقع ذكر كل من الحدين في الصحيح (٣). وأشار بقوله: وصلينها أول الوقت البيتين، إلى أن الأفضل للفذ تقديمها في أول وقتها، ويجوز لأهل المسجد التأخير قليلا ليجتمع الناس، وروى العراقيون أن تقديمها أفضل، وقال ابن حبيب: تؤخر شيئا قليلا في الشتاء، وفوقه في رمضان، وقال اللخمي: تأخيرها أفضل إن تأخروا، وتقديمها أفضل إن تقدموا، لحديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه -أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي العشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر.

стр. 154

وهذه الأوقات التي تكلم عليها الشيخ هي أوقات الاختيار، ويأتي بعده الوقت الضروري، ويمتد في الصبح عند من حد مختارها بالإسفار، إلى طلوع الشمس، ويمتد في الظهر والعصر، إلى غروب الشمس، ويمتد في المغرب والعشاء، إلى طلوع الفجر، وللعصر ضروري آخر في حق المسافر وبعض أصحاب الأعذار، أوله الزوال بعد أداء الظهر، وللعشاء مثل ذلك أيضا من الغروب بعد أداء المغرب، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. فإذا طلعت الشمس فقد خرج وقت الصبح كله، وكانت قضاء، وكذلك إذا غربت بالنسبة للظهرين، وكذلك طلوع الفجر بالنسبة للعشاءين، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم. قوله: ويكره الكلام لا لشغل من بعدها، يعني به أن الكلام بعد صلاة العشاء مكروه، إذا لم يكن لمصلحة متأكدة، وقد جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة، فتقول: ألا تريحون الكتاب؟ (١) ووجه ذلك كما قيل أن الصلاة قد كفرت خطايا المصلي لينام على سلامة، فلا ينبغي أن يتعقب ذلك ويختم صحيفة يومه باللغو، مع ما في ذلك من كونه سببا للاستغراق في النوم، وعسر الانتباه منه، ونقل عن بعض السلف أنهم كانوا يرونه أشد من النوم قبلها، الذي أشار إلى النهي عنه بقوله: كنومه من قبل، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -وسمع ابن القاسم كراهة النوم قبلها، قيل: فبعد الصبح؟ قال: ما أعلمه حراما. وجاء في كتاب عمر -رضي الله تعالى عنه -إلى عماله في ذكر وقت العشاء: فمن نام فلا نامت عينه، كررها ثلاثا، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: وظاهر كلام الشيخ -رحمه الله تعالى - أنه يكره ولو وكل من يوقظه، وحديث الوادي يدل على جوازه. وانظر ذلك. وجاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما -أنه كان ينام قبلها ويوكل من يوقظه، والله أعلم. (٢)

стр. 155

باب في الأذان والإقامة ١٩٧ - وللمساجد الاذان وجبا ... وهكذا الجمع الذي ترتبا ١٩٨ - ورجل منفرد اِنَ اَذَّنا ... لنفسه فعل أمرا حسنا ١٩٩ - أما الإقامة فلا بد، وإن ... أقامت المرأة سرا فحسن ٢٠٠ - ولا تؤذنْ قبل وقت ما عدا ... صبح، فمن سدس ليلٍ جُوِّدا ٢٠١ - وهْو مثنى كله، ورجِّعا ... تشهديه هكذا أيضا معا ٢٠٢ - واستثنينْ من طلب التكرير ... هيللةً تقع في الأخير ٢٠٣ - وزد بصبح الصلاة خيرُ ... إلخ، وثنِّيَنَّها لا غيرُ ٢٠٤ - وأفرد الألفاظ في الإقامة ... إلا لدى التكبير لا قد قامت الأذان قال الجوهري -رحمه الله تعالى -: الإعلام، وأذان الصلاة: الإعلام بأوقاتها، والأذين مثله، وقد أذّن أذانا، والمِئذنة: المنارة، والأذين: المؤذن، فعيل بمعنى مُفَعِّل، والأذين: الكفيل، وقال قوم: الأذين: المكان الذي يأتيه الأذان من كل ناحية. قال في المواهب: واشتقاقه من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع، وقال ابن قتيبة: أصله من الأذن بالضم، كأنه أودع ما علمه أذن صاحبه، ثم اشتهر في عرف الشرع بالإعلام بأوقات الصلاة، فاختص ببعض انواعه، كما اختص لفظ الدابة والقارورة والخابية ببعض أنواعها. وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم ": لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " (١) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمعَ النداء، فإذا قُضي النداء أقبل، حتى إذا ثُوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى " ... (٢)

стр. 156

والإقامة: مصدر أقام، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى -: ومعنى الإقامة، أي: إلى الصلاة، لأن المؤذن يقيمهم إلى أدائها بدعوته، وإعلامه بدخول الوقت، ومعنى قد قامت الصلاة، أي: استقامت عبادتها، وآن الدخول فيها، وقد يكون المعنى قد آن القيام لها، والمراد القائمين، أي جماعة أهل الصلاة، وقد يكون أيضا معنى قامت الصلاة: دامت وثبتت، نقله في الشفاء. أشار بالبيت الأول إلى أن الأذان واجب في المساجد، والجماعات الراتبة، قال في المواهب -ممثلا للجماعة التي تؤمر بالأذان -: كالجوامع والمساجد، وكعرفة، ومنى، والعدد الكثير يكون في السفر، قال في المدونة: وكذلك إمام المصر يخرج إلى الجنازة فتحضر الصلاة فيصلي بأذان وإقامة. وما ذكره الشيخ من الوجوب نحوه في الموطإ، فمنهم من حمله على ظاهره كالشيخ، ومنهم من حمله على السنة المؤكدة، كالقاضي عبد الوهاب، قال في الإكمال: قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجب في الجملة على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام، قال بعض شيوخنا: أما لهذا الوجه ففرض على الكفاية، وهو أكثر مقصود الأذان، إذ كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا غزا فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار، (١) فإذا قام به على هذا واحد في المصر وظهر الشعار سقط الوجوب، وبقي المعنى الثاني بتعريف الأوقات، وهو المحكي الخلاف فيه عن الأئمة، والذي اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه، فقيل معناه وجوب السنن المؤكدة، كما في غسل الجمعة والوتر وغيرهما، وقيل هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية، إذ معرفة الأوقات فرض، وليس كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأول هذا قول الآخرين: سنة، أي: ليس من شرط صحة الصلاة، كقولهم في ستر العورة، وإزالة النجاسة، نقله في المواهب.

стр. 157

والأذان من خصائص هذه الأمة المرحومة، وكان لغيرهم الناقوس، والبوق، والنار. وقوله: ورجل منفرد البيت، أشار به إلى أن الرجل في خاصة نفسه يستحب له الأذان، ولا يجب، ولا يسن، وهذا ظاهر في المسافر ومن أدركته الصلاة بفلاة فقد استحب له مالك وابن حبيب الأذان، لحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه - (١) وسعيد بن المسيب، (٢) وروى أشهب إن تركه مسافر عمدا أعاد صلاته، وأما الفذ بمنزله والجماعة المنفردة، فقال ابن حبيب: لا أذان عليهم، وقال مالك: إن أذنوا فحسن، وقال مرة: لا أحبه، فقال اللخمي والمازري: خلاف. نقله ابن عرفة. قوله: أما الإقامة فلا بد، يعني به أن الإقامة سنة مؤكدة في حق كل مصل ذكر مكلف، جماعة أو فذا، كانت الصلاة مؤداة أو مقضية، قال في المواهب: الإقامة سنة، ولا خلاف أعلمه في عدم وجوبها، وقال ابن عبد السلام: لم يذكروا فيه خلافا في المذهب، وإن وقع الاستغفار لتاركها، ووقع فيها وفي الأذان الإعادة في الوقت، وقال ابن ناجي في شرح المدونة: قال في الإكمال: روي عندنا إعادة الصلاة لمن تركها عمدا، فحمله بعضهم على القول بوجوبها، وليس بشيء، إذ لو كانت واجبة لاستوى فيه العمد والنسيان، وكافة شيوخنا قالوا إنما ذلك لأن الاستخفاف بالسنن وتركها عمدا، مؤثر في الصلاة، إلى أن قال: وحكى صاحب الطراز عن ابن حبيب ما يقتضي أن الإقامة في حق المنفرد مستحبة. وأشار ببقية البيت إلى أن إقامة المرأة مستحبة على المشهور، وروى الطراز عدم استحبابها، إذ لم يرو عن أزواج النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -أنهن كن يُقمن، وعزى في الجواهر القول بذلك لابن عبد الحكم. ومثل المرأة في استحباب الإقامة الصبي.

стр. 158

وأما الإسرار بالإقامة فمندوب للمنفرد مطلقا، ويشترط في الإقامة أن لا يفصل بينها وبين الإحرام فصلا طويلا جدا، ويجوز الكلام بينهما لحاجة، قال في مختصر الواضحة: لا بأس بالكلام بين الإقامة والصلاة، قال عبد الملك: وحدثني ابن الماجشون عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، قال كانت الصلاة تقام ورسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -يناجي الرجل طويلا قبل أن يكبر، وإنما جعل العود الذي في القبلة لكي يتوكأ عليه انتهى نقله في المواهب. قال في المدونة: وينتظر الإمام بعد الإقامة قليلا قدر ما تسوى الصفوف، ثم يكبر ويبتدئ القراءة، ولا يكون بين القراءة والتكبير شيء، وكان عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما -يوكلان رجلين بتسوية الصفوف، فإذا أخبراهما أن قد استوت كبرا، نقله ابن يونس في جامعه. وأشار بقوله: ولا تؤذن قبل وقت البيت، إلى أنه لا يجوز أن يؤذن لصلاة قبل أن يدخل وقتها إلا الصبح، قال في المدونة: لا ينادى لصلاة قبل وقتها، لا جمعة ولا غيرها، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ونقل القرافي عن ابن حبيب جواز أذان الجمعة قبل الزوال لا أعرفه، بل قول الشيخ عنه: يؤذن للصبح وحدها قبل الوقت، وقال ابن الحارث: اتفقوا على منعه قبل الوقت إلا الصبح. وإذا ظهر أن المؤذن أذن قبل الوقت، أعاد الأذان بعد دخول الوقت، لأن الأذان الأول لم يجز، وليعلم أهل الدور أنه كان قبل الوقت، فيعيد من كان قد صلى منهم، وهذا إذا ظهر على ذلك قبل الصلاة، وأما لو صلوا في الوقت، ثم علموا أن الأذان قبل الوقت، فلا يعيدون الأذان، قاله في المواهب.

стр. 159

وأما الصبح فيستحب أن يؤذن لها قبل طلوع الفجر، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم " (١) قال ابن وهب في العتبية: لا يؤذن لها إلا سحرا، قيل له: وما السحر عندك؟ قال: السدس الآخر، وأجاز ابن حبيب الأذان لها من نصف اليل، نقله في الجامع. وقيل يجوز أن يؤذن لها بعد العشاء، وقال ابن عبد الحكم من ثلث اليل الأخير، نقله في التوضيح. وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: الطراز: الأحسن في آخر اليل دون تحديد، وإليه أشار في الموطإ. قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: والفرق بين الصبح عندنا وبين غيرها أن الصبح تدرك الناس نياما، فيحتاجون إلى التأهب لها، وإدراك فضيلة الجماعة، وفضيلة التغليس، وفي سائر الصلوات تدرك الناس متصرفين في أشغالهم، فلا يحتاجون أكثر من إعلامهم بوجوبها. وأشار بقوله: وهو مثنى كله الأبيات الثلاثة، أشار به إلى لفظ الأذان، قال الشيخ: والأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد، فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح، زدت هاهنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مرة. قال في التوضيح: ودليلنا ما رواه مسلم والترمذي وصححه أبو داود والنسائي وابن ماجه أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -علم أبا محذورة الأذان كذلك، مثنى التكبير مرجع الشهادتين، وفيه تثنية الصلاة خير من النوم.

стр. 160

وقال المازري - رحمه الله تعالى -: اختلف فقهاء الأمصار في تربيع التكبير المفتتح به الأذان، فقال مالك - رحمه الله تعالى - يثنى ولا يربع، وقال أبو حنيفة والشافعي بل يربع، وسبب الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في الأذان، ويرجح مالك ما أخذ به من الأخبار بعمل أهل المدينة، ولا يكاد مع تكرر ذلك عليهم، واشتهاره فيهم يخفى عليهم ما استقر عليه العمل في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وزمن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ثم قال: أما الشهادتان فإن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - يقتصر فيهما على التثنية، وقد روي عن مالك - رحمه الله تعالى - أن المؤذنين لما كثروا خففوا فصار لا يربع منهم إلا المؤذن الأول، وحمل بعض أشياخي على أن هذه الرواية مذهب عنه خلاف المشهور من القول بالتربيع، والمشهور عن مالك تربيع الشهادتين، وهو مذهب الشافعي - رحمهما الله تعالى - وسبب الاختلاف اختلاف الأخبار، ويرجح مالك ما أخذ في المشهور عنه باستمرار العمل به. وقال في الجامع: قال ابن وهب: قال عطاء بن أبي رباح وقد أدرك أبا محذورة مؤذن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: ما علمت أن تأذين أبي محذورة مؤذن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولا تأذين من مضى يخالف تأذينهم اليوم، قال موسى بن هارون وكذلك كان أذان بلال وسعد القرظي، وعليه إجماع أهل المدينة. وتثنية الصلاة خير من النوم هي المشهور من المذهب، وقال ابن وهب يقولها مرة واحدة، واختلف في الذي يؤذن لنفسه، والمشهور أنه يأتي بها، وحكى الشيخ أبو إسحاق عن مالك أنه قال من كان في ضيعته منتحيا عن الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة، قاله في الجواهر.

стр. 161

واختلف في رفع الصوت بالتكبير أولا، فذكر ابن الحاجب أن الرفع هو المشهور، قال خليل -رحمه الله تعالى -: كذلك ذكر صاحب الإكمال، وذكر أن عليه عمل الناس، وعبر عنه ابن بشير بالصحيح، وذكر بعضهم أن مذهب مالك ليس إلا الإخفاء كالشهادتين، وذكر في الإكمال أنه اختلف الشيوخ في المدونة على أي المذهبين تحمل، خليل: وظاهرها الإخفاء، وهو ظاهر الرسالة والجلاب والتلقين، والرفع مشهور باعتبار العمل في زماننا، حتى في الأندلس، وقيل هي إحدى المسائل التي خالف فيها أهل الأندلس مذهب مالك -رحمه الله تعالى. - قال المازري - رحمه الله تعالى -: والذي أميل إليه من القولين المبالغة في رفع الصوت بالتكبير، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة (١) " فأمر برفع الصوت، وعموم هذا اللفظ يقتضي المبالغة في رفع الصوت بالتكبير، وقد أشار صلى الله تعالى عليه وسلم للتعليل لرفع الصوت، فقال: " فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن " وهذا التعليل يقتضي رفع الصوت بالتكبير، لجواز أن يكون أحد في البعد من المارين بحيث لو رفع صوته بالتكبير لسمعه وشهد له، وإذا أخفاه لم يسمع، وهذا الذي قدمناه يلزم في مبدإ الشهادة، لزيادته في البعد، هذا الأقرب والأظهر في التعليل، والحرص على سماع من يمكن إسماعه في أول الأذان، أولى من تركه لتقدير آخر.

стр. 162

وما ذكر في التوضيح أن عليه العمل من رفع التكبير أولا، كالترجيع، وخفض الصوت بما بينهما هو الذي في حديث أبي محذورة في تعليم النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ له الأذان حيث قال بعد التكبير: " ترفع بها صوتك " وقال بعد الشهادتين: " تخفض بها صوتك " ثم قال: " ثم ترفع صوتك بالشهادة " (١). وقوله في البيت الثالث: لا غير، يعني لا غير الصبح، فلا تقال في أذان المغرب ولا العشاء مثلا، وإنما تقال في أذان الصبح خاصة، ولا فرق في ذلك بين الواقع منه سحرا، والواقع بعد انصداع الفجر. قوله: وأفرد الألفاظ في الإقامة البيت، أشار به إلى ألفاظ الإقامة، قال الشيخ: والإقامة وتر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وقال في الموطإ: فأما الإقامة فلا تثنى، وذلك الذي لم يزل عليه أهل العمل ببلدنا. وقيل بشفع قد قامت الصلاة، حكاه ابن شعبان في مختصره، وقد رأيته في بعض نسخ الرسالة ولعله زيادة في الطباعة، إذ لم أر من عرج عليه من الشروح، قال المازري -رحمه الله تعالى -: فللمشهور قول الراوي: أمر بلالا -رضي الله تعالى عنه -أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، (٢) فعم سائر ألفاظ الإقامة، ولأنه عمل أهل المدينة، ووجه الرواية الشاذة عنه، ما في بعض الطرق: وأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة، (٣) ولأنه عمل أهل مكة المكرمة. وفي جامع ابن يونس -رحمه الله تعالى -قال مالك -رحمه الله تعالى -: ولا يؤذن إلا من احتلم، لأن المؤذن إمام، ولا يكون من لم يحتلم إماما، وقال ابن أبي زمنين: يعني أن الناس يأتمون به، ويقتدون به في أوقات الصلوات، ولذلك كانوا يختارون للأذان أهل الصلاح والمعرفة بالأوقات، وقال في العتبية: لا يؤذن الصبي ولا يقيم، إلا أن يكون مع النساء، أو بموضع لا يوجد غيره، فليؤذن وليقم. وقال في التبصرة: قال أشهب: ويكون المؤذن من أفضل الحي، وهذا هو الحق، لأنه أمين على الأوقات، يصلى بقوله، ويصام، ويفطر، فينبغي أن يكون فيه خصلتان: الثقة والمعرفة بالأوقات. وقال أيضا: ويستحب أن يكون المؤذن بليغ الصوت، ليبلغ القاصي صوته، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، وفي البخاري قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -للمؤذن: أذن أذانا سمحا، وإلا فاعتزلنا. ولا يؤذن إلا للصلاة المكتوبة المؤداة خاصة، فلا يؤذن لنافلة، ولا سنة، ولا فريضة مقضية، وأما الإقامة فتسن للمكتوبة عامة، مؤداة أو مقضية.

стр. 163

باب في صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن ٢٠٥ - هذا وذا باب به سناتي ... بصفة العمل في الصلاة ٢٠٦ - فأحرمنَّ قائلا: ألله ... أكبر، لا يجزيك ما سواه ٢٠٧ - ولترفعنْ معْ قول ذا يديكا ... بحذو أو بقرب منكبيكا ٢٠٨ - ثم اتل الام جاهرا في الصبح ... ولا تبسملنْ على الأصح ٢٠٩ - كقبل سورة، وأمننْ ورا ... فاتحة، لكن بذا لا تجهرا ٢١٠ - ولا يؤمن الامام إن جهر ... وراءها على الذي قد اشتهر ٢١١ - ثم اقرَ من طوال ما قد فُصِّلا ... بحسب التغليس أو بأطولا ذكر صفة العمل في الصلاة، وأخر الكلام على بيان الفرائض من غيرها لآخر الكتاب، قال في التاج نقلا عن شارح الرسالة: لأن من لم يبين فرضا من سنة، إلا أنه وفى بالصلاة، كما ذكر في هذا الباب برئت ذمته، لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلى الصلاة كاملة، بجميع فرائضها، وسننها، وفضائلها، نص عليه ابن رشد - رحمه الله تعالى - وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي (١) " فلم يروهم سوى بفعل ما رأوا، وإنما يحتاج لتبيين الفرائض من غيرها، لأجل الإخلال، وما يجزئ سجود السهو له وما لا. والإحرام قال القرافي: تكبيرة الإحرام سميت بذلك لأن الإنسان يدخل بها في حرمات الصلاة، فيحرم عليه ما كان قبلها مباحا، كالكلام والأكل والشرب، من قول العرب أصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وأنجد وأتهم إذا دخل نجدا وتهامة، وكذلك أحرم إذا دخل في حرمات الصلاة أو الحج، والداخل يسمى محرما فيهما، فهذه الهمزة للدخول في الشيء المذكور معها، نقله في الشفاء. والحذو بالذال المعجمة، قال في المغرب: حذاء أذنيه، وحذو منكبيه، كلاهما صحيح، ويقال حذوته وحاذيته أي: صرت بحذائه، نقله في الشفاء. قوله: فأحرمن ... البيت، ما ذكره من عدم إجزاء غير هذا اللفظ، ذكر المازري اتفاق أهل المذهب عليه، وذلك لما في الحديث " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " (٢) قال ابن رشد: ولفظ التكبير بإطلاقه لا يقع إلا على " الله أكبر".

стр. 164

ولا خلاف في عدم وجوبها على الأخرس، واختلف في العاجز لعجمته على ثلاثة أقوال، فقال الأبهري يدخل بنيته، وقال أبو الفرج يدخل بالحرف الذي دخل به الإسلام، وقيل يترجم عنه بلغته قاله بعض شيوخ القاضي عبد الوهاب، والإحرام قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: التحقيق أنه مركب من عقد هو النية، وقول هو التكبير، وفعل هو الاستقبال ونحوه. وانظر ذكره للاستقبال. ولا يعارض ما تضمنه الحديث السابق من أنه التكبير فإنما لكل امرئ ما نوى. وأشار بالبيت الثالث، إلى أنه يؤمر أن يرفع يديه مع إحرامه استحبابا على نقل الأكثر، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وحكى ابن يونس قولا بالاستنان، وروى ابن القاسم عدم رفعهما، كما ذكره ابن شعبان، واختلف في حد الرفع، فقال أشهب حذو صدره، وجعله ابن رشد ظاهر المدونة، وقيل إلى المنكبين، وهو المشهور، وإلى القولين أشار الشيخ -رحمه الله تعالى -بالتخيير، وقد ثبتا معا من فعل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- (١). واختلف في صفة رفعهما قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: المازري وشيوخه والعراقيون: قائمتان كفاه حذو منكبيه، وأصابعه حذو أذنيه، سحنون: مبسوطتان بطونهما للأرض، المازري عن بعض المتأخرين: قائمتان مع عطف الأصابع، عياض: وقيل: مبسوطتان بطونهما للسماء. وقال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستسقاء حين عزم عليه الإمام، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض، وقال: إن كان الرفع فهكذا، قال ابن القاسم: يريد في الاستسقاء، وفي مواضع الدعاء، وعرفة، والجمرتين، والمشعر.

стр. 165

قال في الواضحة: وهو العمل عندنا بالاستكانة، والخوف، والتضرع، وهو الرهب، وأما عند الرغبة والمسألة، فتبسط الأيدي، وهو الرغب، وهو معنى قوله (يدعوننا رغبا ورهبا (أي: خوفا وطمعا. وقال ابن عرفة عازيا لعياض -رحمهما الله تعالى -: ومقتضى الروايات مقارنة الرفع التكبير، أو مقارنته له، (١) وكره مالك رفع العامة الأيدي لذلك، وفي الدعاء، والتوجه، وتطويل ذلك. وظاهر الشيخ أنه لا يرفع يديه في غير الإحرام، وهو المشهور في المذهب، قال مالك في المدونة: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في رفع ولا في خفض، إلا في افتتاح الصلاة، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: أي لم يعرف العمل به. وذلك لأنه روى في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع، رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (٢). قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وروى ابن عبد الحكم يرفع لرفع الركوع، وابن وهب وغيره وله وإذا قام من اثنتين، أبو عمر: روى ابن خويز منداد لكل خفض ورفع، الباجي لم يشرع لتكبير السجود، ابن رشد كرهه فيها وفي سماع ابن القاسم للركوع ورفعه، وسمع أشهب والسبائي استحسانه، مع توسعة تركه، ورواه ابن وهب دونها، وخيره مرة.

стр. 166

واختلف عن مالك - رحمه الله تعالى - في القبض بيمناه على كوع يسراه تحت صدره، فجاء عنه في العتبية جوازه في الفريضة والنافلة، وروى العراقيون عدم جوازه فيهما، ومذهب المدونة وهو المشهور التفصيل، قال فيها: ولا يضع يمناه على يسراه في فريضة، وذلك جائز في النوافل الطوال، وقيل عنه بتجويزه في النافلة مطلقا، لجواز الاعتماد فيها من غير ضرورة، وعنه في الواضحة استحبابه في الفريضة والنافلة، واختاره اللخمي وابن رشد، ووجهه الأحاديث الواردة به في الموطإ وغيره، ووجه مقابله عمل أهل المدينة، فقد روى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، قال: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عبد الله بن يحيى المعافري، عن حيوة، عن بكر بن عمرو، أنه لم ير أبا أمامة ـ يعني ابن سهل ـ واضعا إحدى يديه على الأخرى قط، ولا أحدا من أهل المدينة، حتى قدم الشام، فرأى الأوزاعي وناسا يضعونه. وأبو أمامة بن سهل من كبار التابعين، فقد بعثه عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ برسالة. وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الكافي: ووضع اليمنى منهما على اليسرى، أو إرسالهما، كل ذلك سنة في الصلاة.

стр. 167

قوله: ثم اتل الاُمّ جاهرا في الصبح، أشار به إلى أنه يشرع بعد إحرامه في قراءة الفاتحة جهرا، وقراءتها واجبة على خلاف، سيأتي لاحقا إن شاء الله ، وهذا بالنسبة للإمام والفذ، وأما المأموم فسيأتي الكلام عليه، ويجب على من لا يحسن الفاتحة أن يأتم بمن يحسنها، فإن لم يجد فقيل تسقط، وقال سحنون يجب عليه بدلها ذكر، لحديث الدارقطني أن رجلا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن، فما يجزئني في صلاتي؟ فقال: تقول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أكبر، ولا إله إلا الله " قال: هذا لله ، فما لي؟ قال: تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني، وقال رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير، وقبض كفيه. (١) والجهر بالقراءة أقله في حق الرجل أن يسمع نفسه ومن يليه، وإن اقتصر على إسماع نفسه سهوا فلا سجود عليه، وأما المرأة فتقتصر على إسماع نفسها، لأن صوتها عورة، وحكم الجهر الاستنان على المشهور، فمن تركه سهوا جبر ذلك بالسجود، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ولأشهب أنه مستحب، فلا سجود على من نسيه، وأخذ الباجي من قول ابن القاسم: تبطل الصلاة بتركه عمدا، أنه يوجبه، قال ابن ناجي: ورد باحتمال كون البطلان لترك السنة عمدا.

стр. 168

وظاهر الشيخ أنه لا يأتي بين الإحرام والقراءة بشيء، من دعاء أو غيره، وهذا هو المشهور، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى - والدليل لمالك -رحمه الله تعالى -قوله صلى الله تعالى عليه وسلم " يكبر ثم يقرأ " (١) وقوله للذي علمه " كبر ثم اقرأ " (٢) وفي حديث أبي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " كيف تقرأ إذا افتحت الصلاة " قال: فقرأت (الحمد لله رب العالمين (٣) فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا. قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى-: وفي قول " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك " (٤) بينهما ومنعه ثالثها يستحب، لرواية ابن شعبان قول مالك مع سماع ابن القاسم: لا بأس بقوله إذا كبر " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك " وروايتها وابن رشد عن رواية السبائي، وخرج اللخمي عليه دعاء " اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد " (٥) وصوبه لثبوته، الباجي: كره مالك دعاء التوجه " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " ابن حبيب: لا بأس به قبل إحرامه، ابن شعبان: روى ابن وهب قوله مالك، والزاهي: حق على كل قائم للصلاة قوله: " سبحان الله العظيم وبحمده ".

стр. 169

قوله: ولا تبسملن على الأصح، يعني أنه لا يأتي قبل الفاتحة بالبسملة، وعد ابن رشد في المقدمات ذلك من مستحبات الفريضة. ووجه ترك البسملة حديث أنس في الصحيحين، والحديث القدسي " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " (١) فالمشهور في المذهب كراهة البسملة، ولأبي عمر عن ابن نافع: لا بأس بها، ولابن رشد عن ابن مسلمة استحبابها، ونقل المازري الوجوب عن ابن نافع، ونقله عياض عن ابن مسلمة، وهذا في الفريضة، وأما في النافلة فقال ابن رشد: في ذلك روايتان، يقرؤها، ولا يقرؤها، ومذهب المدونة التخيير، وفي المدونة: لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة، ويتعوذ في قيام رمضان، ولم يزل القراء يتعوذون، وفي جواز الجهر بالتعوذ وكراهته قولان، وفي كونه قبل الفاتحة أو بعدها قولان، ظاهر المدونة التقديم وجواز الجهر، وفي العتبية كراهة الجهر لأنها ليست من الفاتحة بإجماع، وفي المجموعة محلها بعد أم القرآن إن كان في صلاة، اللخمي: والشأن أن التكبير ينوب عن الاستعاذة، وقد جاء هروب الشيطان منه في الأذان، قاله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ. قوله: كقبل سورة، يعني به أنه لا يبسمل قبل السورة أيضا، وقد رويت لمالك -رحمه الله تعالى -في ذلك ثلاثة أقوال، الاستحباب، والكراهة، والتخيير، كما نقله سيدي زروق عن ابن رشد -رحمهما الله تعالى ـ.

стр. 170

قوله: وأمنن ورا البيت، يعني به أن المصلي يؤمر بالتأمين بعد الفاتحة استحبابا إذا كان فذا أو مأموما، وكذلك الإمام فيما يسر فيه، وأما ما يجهر فيه فروى المدنيون عن مالك أنه يؤمن فيه، وروى المصريون عنه أنه لا يؤمن فيه، قال في التوضيح: المشهور رواية المصريين، ودليلنا ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". ووجه رواية المدنيين ما رواه مالك والبخاري ومسلم عنه ﵊ أنه قال: " إذا أمن الإمام فأمنوا " وهو أظهر، لأن حمله على بلوغ الإمام محل التأمين مجاز، والأصل عدمه، وفي المسألة قول ثالث لابن بكير بالخيار بين التأمين والترك. وإلى المشهور أشار بقوله: ولا يؤمن الإمام إن جهر البيت، ويندب الإسرار بالتأمين، واختار اللخمي جهر الإمام به في الجهر، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -واختار اللخمي جهره به ليسمع، وخيره غيره، وخير ابن العربي الثلاثة في السر والجهر، عياض عن الأبهري: يجهر المأموم. قوله: ثم اقر من طوال البيت، يعني به أنه يقرأ بعد الفاتحة بسورة، والمشهور في قراءة السورة أنها سنة في الفريضة، مستحبة في النافلة، وقيل فضيلة فيهما، وإكمال السورة مستحب، وقيل سنة، ويستحب أن يقرأ في الصبح بسورتين من طوال المفصل، قال الشيخ: وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس، قال في المواهب: قال ابن المُنَيِّر: بالحواميم ونحوها، ما لم يخش الإسفار. وجاء في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة من الآيات، قال في التاج: قال في النوادر: طوال المفصل إلى (عبس (قيل من (الذين كفروا (وقيل من (ص) وقيل من (الرحمن).

стр. 171

٢١٢ - ثمت كبرنَّ في انحطاطكا ... ممكِّنا يديك من رُكَبِكا ٢١٣ - ولتجعل الظهر إذا مستويا ... ولتجعل الرأس له محاذيا ٢١٤ - وجاف عن جنبك أيضا ضبعكا ... واعتقدنْ بكل ذا خشوعكا ٢١٥ - لا تدعونْ فيه وسبح قائلا ... ىسبحان ربي العظيم مثلا ٢١٦ - بدون توقيت بقول اَو زمنْ ... ثم من الركوع رأسك ارفعنْ ٢١٧ - مسمعا إن لم تكن مؤتما ... كما يحمِّد سوى منَ اَما ٢١٨ - ثم اطمئنَّ قائما معتدلا ... ملازما بأمرك الترسلا أشار بهذه الأبيات إلى صفة فريضتي الركوع والرفع منه، فأشار بقوله: ثمت كبرن، إلى قوله: ضبعكا، إلى أنه يكبر في انحطاطه للركوع، ويمكن يديه من ركبتيه، ويسوي ظهره، ويجعل رأسه محاذيا لظهره، فلا يرفعه، ولا يطأطئه، ويبعد عضديه عن جنبيه، والركوع في نفسه واجب، والتكبير سنة، ومقارنته للركوع مستحبة، ووضع اليدين على الركبتين مستحب أيضا، قال ابن ناجي: فإن لم يضعهما عليهما فصلاته مجزئة، نقله ابن يونس عن مالك في المجموعة ولم يحك غيره، وظاهر المدونة وجوب ذلك، ونصها: وإذا أمكن يديه من ركبتيه في الركوع، وإن لم يسبح، وأمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود، فقد تم ذلك إذا تمكن مطمئنا. وتسوية الظهر، ومجافاة العضدين عن الجنبين، كلاهما مندوب، قال الشيخ: وتعتقد الخضوع بذلك في ركوعك وسجودك، وقال في معناه سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: حض على الخشوع.

стр. 172

والمعول في الخشوع أنه فريضة لا تبطل الصلاة بتركها، ويكفي في الفرض حصوله في ركن من الأركان، وإلى هذا الإشارة بقوله: واعتقدن بكل ذا خشوعكا، وأشار بقوله: لا تدعون فيه، إلى أن الدعاء في الركوع مكروه على المشهور، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أما الركوع فعظِّموا فيه الرب " الحديث، (١) وفي حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه ﵊ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي " متفق عليه، قال ابن دقيق العيد: وهذا يقتضي الدعاء في الركوع، ولا يعارضه قوله ﵊: " أما الركوع فعظموا فيه الرب " فإنه يؤخذ من الأول الجواز، ومن الآخر الأولوية، وأجاز اللخمي الدعاء في الركوع، إلى أن قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون النهي للإفراد، والوارد إنما هو مجموع التسبيح والدعاء. وقال في التوضيح: والمعروف من المذهب الكراهة، قال المازري: ووقفت لأبي مصعب على جواز الدعاء في الركوع انتهى قال خليل: ودليل الأول قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أما الركوع فعظموا فيه الرب " فإن قيل الدعاء لا ينافي التعظيم، قيل فهم العلماء منه الأمر بقول " سبحان ربي العظيم وبحمده " فقط.

стр. 173

وأيضا المقابلة بين التعظيم والدعاء، حيث قال: " وأما السجود " إلخ ظاهرة في أن المراد التعظيم بغير الدعاء الذي هو التسبيح، قوله: وسبح، إلى قوله: زمن، أشار به إلى أن التسبيح في الركوع مستحب من غير تعيين ولا توقيت بعدد، قال المازري - رحمه الله تعالى -: الدليل على أن التسبيح في الركوع والسجود مشروع قول عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ركع قال: " سبحان ربي العظيم " ثلاث مرات، وإذا سجد قال: " سبحان ربي الأعلى " (١) وليس بواجب، لأنه لم يعلمه للأعرابي، إلى أن قال: وإذا كان مستحبا فإن مالكا لم يحد فيه حدا، وأنكر في المدونة قول الناس في الركوع " سبحان ربي العظيم " وفي السجود " سبحان ربي الأعلى " وقال: لا أعرفه ولا أحد فيه حدا. وقال في التوضيح: وأنكر مالك التحديد في عدد التسبيحات أو في تعيين لفظها، لاختلاف الآثار في ذلك. قوله: ثم من الركوع، إلى آخر الأبيات، معناه أنه يؤمر بعد إتمام ركوعه، أن يرفع رأسه، ويطمئن قائما معتدلا، ويقول في رفعه: سمع الله لمن حمده، إذا كان إماما أو فذا، ويزيد الفذ اتفاقا: ربنا ولك الحمد، بإثبات الواو بعد ربنا، على رواية ابن القاسم، وبإسقاطها على رواية ابن وهب، قال ابن عبد البر في الكافي: وإدخال الواو هنا أصح من جهة الأثر، وإليه ذهب مالك في اختياره.

стр. 174

واختلف في الإمام، والمشهور من المذهب الاقتصار على التسميع، ووجهه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد (١) " ووجه مقابله وهو رواية ابن شعبان ما في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول: " سمع الله لمن حمده " حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: " ربنا ولك الحمد " (٢) وأما المأموم فإنه يقتصر على التحميد على المشهور، وقيل: يجمعهما، ووجه المشهور الحديث السابق. والرفع من الركوع فريضة على المشهور لحديث المسيء صلاته، وقيل سنة، وكأن قائله ينظر إلى قوله ﵎: (اركعوا واسجدوا) أشار إليه ابن يونس - رحمه الله تعالى - واختلف في الاعتدال قال خليل- رحمه الله تعالى -: اختلف في الاعتدال على ثلاثة أقوال أحدها أنه سنة، ونقل عن ابن القاسم، الثاني أنه واجب، وهو قول أشهب وابن القصار وابن الجلاب وابن عبد البر، وهو المعول، الثالث إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب وحكاه ابن القصار أيضا، ويمكن بناؤه على الاختلاف في الأخذ بأول الاسم وآخره، وظاهر المذهب وجوب الطمأنينة، والواجب منها أدنى لبث، واختلف في الزائد هل ينسحب عليه حكم الوجوب، أو هو فضيلة قولان. والتسميع كالتكبير في الحكم، والتحميد فضيلة ٢١٩ - وبعد ذلك تخر ساجدا ... ولا تكن قبل السجود قاعدا ٢٢٠ - وهاويا كبِّرْ، وضع جبهتَكا ... إذا بالارض وضعنَّ أنفَكا ٢٢١ - وباشرنَّ الارض فيه بيديكْ ... مبسوطة للبيت حذو أُذُنَيْكْ ٢٢٢ - أو دون ذا، والامر في جميعِ ... ذلك حكمه على التوسيع ٢٢٣ - نعم تجنَّبْ افتراش الساعدينْ ... بالارض أو ضمَّك فيه العضدين ٢٢٤ - بل جنِّحَنَّ بهما توسطا ... لا تُفْرِطَنْ فيه ولا تفرِّطا ٢٢٥ - ولْتَنصِبَنَّ فيه للرجلينِ ... واجعل للارض بطن الابهامين ٢٢٦ - وسبحنَّ وادعونْ إن شئتا ... ولم يحددوا هناك وقتا ٢٢٧ - لكنه ليس بذي نقصان ... عن التمكن والاطمئنان

стр. 175

أشار بهذه الأبيات إلى صفة فريضة السجود، فذكر أنه يهوي بعد تمام ركن الرفع ساجدا، ولا يجلس قبل السجود خلافا للشافعي وغيره، حيث ذهب إلى أن الجلوس قبل السجود بوجه خفيف جدا من سنته، قاله سيدي زروق، قال: وقد صح فعله له ﵊ فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها - إنما فعل ذلك في آخر أمره، لأنه بدن أي: ثقلت حركة أعضائه لارتفاع سنه. ويستحب تقديم يديه قبل ركبتيه لحديث " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه " (١) وروى ابن عبد الحكم التخيير في تقديم يديه أو ركبتيه، نقله في التوضيح. ويمكن جبهته وأنفه من الأرض من غير شد، فشدها مكروه، ويباشر الأرض بكفيه مبسوطتين إلى القبلة، وتكشف المرأة عن يديها، قال في الكافي: وينبغي أن يباشر بيديه الأرض، أو ما يسجد عليه، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه. ويجعل يديه حذو أذنيه، أو دون ذلك، ويجنح بعضديه تجنيحا وسطا، ولا يفترش ذراعيه، وتكون رجلاه قائمتين، وبطون إبهاميهما إلى الأرض، ويفرق بين ركبتيه، وبين بطنه وفخذيه، ويسبح على نحو ما تقدم في الركوع، ويدعو هنا وليس لطوله حد سوى أنه لا يجوز أن ينقص عن الاطمئنان على نحو ما تقدم في الركوع، والمشهور أن السجود على الجبهة بخصوصها واجب، خلافا لما روي عن ابن القاسم من إجزاء الاقتصار على الأنف، وأن الواجب السجود على أحدهما، واختلف في السجود على الأنف فأوجبه ابن حبيب مع الجبهة، واختاره ابن العربي، والمشهور إن تركه أعاد بوقت، والسجود على الركبتين وأطراف القدمين، قال ابن القصار: سنة في ما يقوى في نفسي، وظاهر كلام اللخمي وغيره أن ذلك واجب، قاله ابن ناجي.

стр. 176

ويجري الخلاف أيضا في السجود على اليدين، وحكى عياض قولا بالاستحباب في ما عدا الوجه، قال الرهوني: فتحصل أن في ذلك ثلاثة أقوال الوجوب والسنية والاستحباب، وكل منها له مرجح. ومباشرة الأرض بالكفين والوجه مستحبة، قال ابن حبيب: ولا بأس بحائل لحر أو برد. قاله ابن عرفة. وهو في غيرهما بالخيار، قال ابن يونس في جامعه: قال مالك: وأكره أن يسجد على الطنافس والأدم وثياب القطن والكتان واللبود وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها، ولا شيء على من صلى على ذلك، والصلاة على التراب والحصير أحب إلي، قال مالك: ولا بأس أن يقوم عليها وعلى غيرها، ويركع ويجلس، ويسجد على الأرض، قال ابن حبيب: وهو أقرب للتقوى، ولو لا ذلك ما مضى الأمر على تحصيب المساجد وتحصير غيرها، ويفرشها أهل الطول بأفضل من ذلك، ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما ينبت من الأرض، ويضع كفيه عليها، قال عنه علي: والخمرة إنما تتخذ من الجريد وتظفر بالشراك. واختلف في الموضع الذي يضع فيه الساجد يديه، فقيل لا تحديد في ذلك، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وفيها يوجههما إلى القبلة، ولم يحد أين يضعهما. ولعل ذلك هو مراد الشيخ بالتوسيع، وقيل يضعهما حذو منكبيه، وقيل حذو أذنيه، وقيل حذو صدره، والتجنيح بالعضدين مستحب أيضا، وله وضع ذراعيه على فخذيه في طول سجود النفل كما في المدونة، وافتراش الذراعين مكروه على كل حال، والتفريق بين الركبتين وبين البطن والفخذين مندوب، وروى علي لا تفرج المرأة في ركوع ولا سجود، والتسبيح مندوب على نحو ما تقدم في الركوع، والدعاء مندوب. ٢٢٨ - ثم ارفعنْ مكبرا هامَتَكا ... ورجلَك اليسرى اثْن في جلوسِكا ٢٢٩ - ورجلَك اليمنى انصبنَّ، وضعِ ... بالارض منها أسفل الأصابع ٢٣٠ - ولتجعل اليدين فوق الركبتين ... ثم افعلنْ كذاك أخرى السجدتين ٢٣١ - ثم ارفعنْ مكبرا معتمدا ... على يديك، وهنا لا تقعدا

стр. 177

الهامة -بتخفيف الميم -: الرأس، وقد أشار في هذه الأبيات إلى أربع فرائض: الأولى فريضة الرفع من السجود، وهو واجب بلا خلاف، ويجري في الاعتدال فيه وفي الطمأنينة ما سبق فيهما في الركوع. والثانية الجلوس بين السجدتين، وقيل إنه سنة، حكاه الباجي، ونقل في المواهب عن الشبيبي أنه قال: وأما الجلوس للفصل بين السجدتين فواجب عل على المشهور، وقيل سنة. وحكى ابن جزي -رحمه الله تعالى -الإجماع على وجوبه، قال الحطاب: وسمعت أن عمدته في كتابه هذا الاستذكار لابن عبد البر، وقد حذروا من إجماعات ابن عبد البر، ومن اتفاقيات ابن رشد، ومن خلافيات الباجي. ويستحب أن يجلس ثانيا رجله اليسرى، مفضيا بوركه الأيسر إلى الأرض، ناصبا رجله اليمنى، جاعلا بطون أصابعها إلى الأرض، ويرفع يديه عن الأرض، قال سحنون: إذا لم يرفع يديه عن الأرض بين سجدتيه، قال بعض أصحابنا: لا يجزيه، وخففه بعضهم، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ. ويستحب أن يضعهما على ركبتيه، وقد روى مالك ـ رحمه الله تعالى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. واختلف هل يدعو بين السجدتين، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وروى الشيخ لا دعاء بين السجدتين، ولا تسبيح، ومن دعا فليخفف، اللخمي: لا يدعو بينهما.

стр. 178

وقال في التاج: الكافي: لا بأس بالدعاء بين السجدتين، وفي الحديث كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -إذا رفع رأسه من السجود يقول: " رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني " (١). وقال في المواهب: قال الجزولي: ويستحب الدعاء بين السجدتين، وقد روي أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان يقول بينهما: " اللهم اغفر لي وارحمني واسترني واجبرني وارزقني واعف عني وعافني ". وأشار بقوله: ثم افعلن كذاك أخرى السجدتين، إلى أنه يأتي بعد إتمام ركن الجلوس، بالسجدة الثانية على الوصف المتقدم في السجدة الأولى، وهي كالسجدة الأولى في الوجوب. وأشار بقوله: ثم ارفعن البيت، إلى أنه يقوم من السجدة الثانية معتمدا على يديه مكبرا، ولا يجلس قبل القيام، والقيام في نفسه واجب، والتكبير على ما تقدم من الخلاف هل يسن مجموعه، أو تسن آحاده، وهو المشهور، أو تستحب، واعتماده على يديه مستحب على المشهور، وقيل جائز. ٢٣٢ - ثم اقرأنْ كما مضى أو دون ذاكْ ... واركع كما مضى وقنِّتَنْ هناك ٢٣٣ - إن كنت بالصبح، وإن قنَّتَّا ... قبل الركوع جاز ما فعلتا ٢٣٤ - ثم اسجدنَّ واجلسنَّ بينا ... ألسجدتين مثل ما أسلفنا ٢٣٥ - وفي الجلوس بين سجدتيكا ... أفْضِ للارض يسرى أَلْيتيكا

стр. 179

٢٣٦ - واجتنب القعودَ فوق اليسرى ... وافعل بيمناك كما قد مرَّا ٢٣٧ - وإن حنيتها يسيرا واضعا ... بالارض جانب البهيم اتسعا ٢٣٨ - ولتتشهدنْ هنا، وصليا ... ثم ادعونْ وآثرنْ ما رُوِيا ٢٣٩ - وسلمنَّ بعد ذاك شطرا ... وجهِك مومئا برأس نزرا ٢٤٠ - تسليمةً فقط، على المعتمد ... وذاك في حق الذي لم يقتد أشار بقوله: ثم اقرأن كما مضى أو دون ذاك، إلى أنه يقرأ في الثانية بأم الكتاب وسورة، مثل السورة في الأولى طولا، أو أقصر منها جهرا، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وفي المختصر لا بأس بطول القراءة في ثانية الفرض على الأولى، وفي الواضحة استحباب عكسه. قال ابن ناجي: قول الشيخ: كما قرأت في الأولى، أو دون ذلك، إن أراد أن المسألة ذات قولين كعادته، فالقول الأول من قوليه خلاف ما تقدم، ولا أعرفه. قال في المواهب: قال البرزلي: المشهور عدم كراهة قراءة سورة فوق السورة التي قرأها في الركعة الأولى، وكراهة تكرار السورة في الركعة الثانية، فمن قرأ في الركعة الأولى) قل أعوذ برب الناس (يقرأ في الثانية سورة فوقها، ولا يكررها، وقيل يعيدها، قال: والصواب الأول، لأن المشهور عدم كراهة فعل ذلك، خلافا لابن حبيب، والمشهور كراهة تكرير السورة. وفي التاج: وسمع ابن القاسم لم يزل من عمل الناس أن يقرأ في الركعة الأولى بالشمس، وفي الثانية بالبلد. قوله: واركع إلى قوله: فعلتا، أشار به إلى أنه يركع بعد القراءة، ويقنت في الركعة الثانية بعد الركوع على ما ذكره الشيخ، وهو قول ابن حبيب، وفي المدونة: والقنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي أخذ به مالك في خاصته قبل، قاله ابن ناجي.

стр. 180

والقنوت مندوب على المشهور، وقيل سنة، وهو لابن سحنون وعلي بن زياد، وقال يحيى بن يحيى: لا يقنت، وعلى الأول وهو المشهور إن سجد له بطلت صلاته، وعلى الثاني إن لم يسجد له بطلت صلاته، ولا يرفع يديه فيه على المشهور، ولا يكبر، وروي علي أن مالكا كبر حين قنت، وفي الصحيح عن ابن سيرين، أنه قال لأنس -رضي الله تعالى عنهما -قنت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -في الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيرا (١). وأما لفظه فقال المازري -رحمه الله تعالى -في شرح التلقين: ليس عندنا في القنوت دعاء معين، ولا نوقت فيه قولا، ولا مقدارا من الوقوف، وقد اختلف الناس في ما يختار منه، فذكر القاضي أبو محمد ما في كتابه هذا. وما ذكره القاضي أبو محمد، قريب مما ذكره الشيخ أبو محمد، ولفظ الشيخ: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق. وزاد القاضي في التلقين: اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، لا يذل من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عاديت، تباركت وتعاليت، وقال: هذه الألفاظ وما يقاربها، وإن كان في نفسه حاجة دعا الله بها، وكل ذلك سر. قال المازري -رحمه الله تعالى -: إنما استحب السر في الدعاء في القنوت وما أضاف إليه، لقوله : (ادعوا ربكم تضرعا وخفية (وقد أثنى الله على سيدنا زكرياء على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقال: (إذ نادى ربه نداء خفيا (ولأن الخفاء وضعف الصوت، يدل على استيلاء الهيبة على النفس، فكان أولى أن يستعمل في طلب الحاجات، من الله . وقال في الكافي: ولا بأس برفع الصوت في القنوت.
следующие страницы →