قوله: وجاز أخذ شاتها البيت، معناه أن ضالة الغنم إذا وجدها في الفلوات والمهامه التي يخاف عليها فيها من الذئاب أو العطش ونحوه، وعسر عليه حملها للعمران، كان له أكلها، ولا ضمان عليه لظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " هي لك أو لأخيك أو للذئب " (١) فإن لم يعسر حملها إلى العمران حملها وجوبا إلى البلد، وعرفها به، وكذلك إذا وجدها بقرب العمران، وأما ضالة البقر فإن كانت بموضع يخاف عليها من السباع والذئاب، فهي كالغنم، وإن كانت لا تخاف عليها السباع والذئاب، فهي كالإبل، وذلك لأن الحديث أناط إباحة الأكل بظن التلف، حيث قال في الغنم " هي لك أو لأخيك أو للذئب " وأناط حرمته بظن عدمه حيث قال في الإبل: " ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وترعى الشجر، حتى يلقاها ربها " والله أعلم.
١٦٢٠ - ومن يكن أتلف مالا لزما ... ضمانه قيمته إن قُوما
١٦٢١ - إلا فمثله وقيل الكل ... إتلافه يلزم فيه المثل
١٦٢٢ - وهكذا الغاصب في ما قد غصب ... ضمانه القيمةَ والمثل وجب
١٦٢٣ - ما لم يرده بلا تغير ... إلا فربه على التخير
١٦٢٤ - إن شاء أخْذ قيمة وإن شا ... أخَذ عينَ شيئه والارشا
стр. 737
قوله: ومن يكن أتلف مالا البيتين، معناه أن من أتلف مالا لغيره عامدا أو مخطئا ضمن قيمته إن كان مقوما، ومثله إن كان مثليا معروف القدر، وإن لم يكن معروف القدر ضمن قيمته بالاجتهاد، كصبرة طعام، وقيل يضمن المثل مطلقا، حكاه الباجي عن مالك - رحمهما الله تعالى - وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي كما في ابن ناجي، ووجه الأول اختلاف الأغراض في المقومات مع العمل، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: الأمر عندنا في من استهلك شيئا من الحيوان بغير إذن صاحبه أن عليه قيمته يوم استهلكه، ليس عليه أن يؤخذ بمثله من الحيوان، ولا يكون له أن يعطي صاحبه في ما استهلك شيئا من الحيوان، ولكن عليه قيمته يوم استهلكه، القيمة أعدل ذلك في ما بينهما في الحيوان والعروض، وقال في من استهلك شيئا من الطعام: إنما يرد على صاحبه مثل طعامه بمكيلتهمن صنفه، وإنما الطعام بمنزلة الذهب والفضة، إنما يرد من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، وليس الحيوان بمنزلة الذهب في ذلك، فرق بين ذلك السنة والعمل المعمول به.
ولعل وجه الضعيف الاعتبار بالقرض والله أعلم.
قوله: وهكذا الغاصب إلخ، معناه أن الحكم كذلك في الغاصب إذا أفات ما اغتصبه، والمعول اعتبار القيمة يوم الغصب، وقال ابن وهب وأشهب وعبد الملك بن عبد العزيز يضمن بأرفع القيم ما بين زمني الغصب والتلف، واختاره الشيخ أبو إسحاق، وإن كان المغضوب قائما لا تغير فيه رده، وإن تغير في ذاته كان ربه بالخيار إن شاء أخذ قيمته وتركه، وإن شاء أخذه مع أرش النقص الحادث فيه، وقال أشهب وسحنون ربه بالخيار بين أخذه بغير أرش، وبين أخذ قيمته يوم الغصب.
١٦٢٥ - وفي التعدي الحكم هو ما ذُكِر ... على اختلاف عنهمُ فيه أُثِرْ
стр. 738
التعدي عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: التصرف في شيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه، وإذا أحدث المتعدي في السلعة نقصا فإن كان يسيرا أصلحه، ولربه ما نقص من قيمته بعد إصلاحه، وإن كان كثيرا خير بين تغريم قيمته أو أخذه مع أرش النقص، خلافا لأشهب حيث قال يخير بين تغريم قيمته وأخذه ناقصا بلا أرش، وفي معنى الكثير اليسير المفيت للمقصود كقطع ذنب دابة ذي هيئة.
١٦٢٦ - وليردد الغاصب كل ما استغل ... مما به انتفع أو له أكل
١٦٢٧ - وإن يجامع أمة فالحدُّ ... وما به تحمل منه عبد
١٦٢٨ - وربح ما اغتصب لا يطيب ما ... لم يعط عنه ربه ما لزما
١٦٢٩ - بل بعض صاحب مالك قال الاحب ... له التصدق بما منه كسب
قوله: وليردد الغاصب البيت، معناه أن الغاصب يلزمه رد غلة المغصوب، سواء أكلها أو انتفع بها، سواء كان المغصوب ربعا أو غيره، سواء سكن أو آجر، وهذه رواية أشهب وعلي بن زياد، قال في الجواهر: وذكر القاضي أبو الحسن عكسها، وهو أنها لا تضمن على الإطلاق، وروى ابن القاسم أن الغاصب يضمن غلة الرباع والإبل والبقر والغنم، ولا يضمن غلة العبيد والداوب، وقال أيضا يغرم ما استعمل، وقال ابن المعذل يغرم غلة ما لا يسرع إليه التغير، كالدور والأرضين والنخل، ولا يغرم غلة ما يسرع إليه التغير كالعبيد والحيوان، وقال القاضي أبو بكر الصحيح أن المنافع مال، وأنها مضمونة، سواء تلفت تحت اليد العادية أو أتلفها المتعدي.
قوله: وإن يجامع أمة البيت، معناه أنه إذا غصب أمة فوطئها فهو زان، فيحد ولا يلحق به الولد، وهو عبد لسيدها.
قوله: وربح ما اغتصب البيت، معناه أن الغاصب إذا اتجر بما غصب وربح فالربح لا يطيب له حتى يرد إلى المغصوب منه رأس المال، ومقتضاه أنه إذا رد الأصل طاب له الربح
قوله: بل بعض صحب مالك البيت، معناه أن بعض أصحاب مالك وهو أشهب - رحمهما الله تعالى - استحب له أن يتصدق بما ربح منه، وفي التبصرة استحسان الفرق بين أن يكون المغصوب منه ممن يتجر وأن يكون ممن لا يتجر، فيكون له الربح في الأول، وإن لم يتجر بها الغاصب على تفصيل في قدر ما يجب منه.
стр. 739
باب في أحكام الدماء والحدود
١٦٣٠ - لا تقتل النفس بنفس إلا ... بشاهدين يثبتان القتلا
١٦٣١ - أو اعتراف جان أو قسامة ... منَ اَولياء الدم إن لزمت
١٦٣٢ - وهي خمسون يمينا بالولا ... بتا لَزيدٌ خالدا قد قتلا
١٦٣٣ - وشرط من يحلف في التعمد ... وصفُ الرجولة مع التعدد
١٦٣٤ - فإن يك الولاة خمسين انحتم ... حلفُ كلِ واحد منهم قسم
١٦٣٥ - ووزع الخمسين حيث الكل ... كانوا عن الخمسين شخصا قلوا
١٦٣٦ - وليس يقتص بها منَ اَكثرِ ... من واحد عند اتهام نفر
قوله: لا تقتل النفس البيتين، معناه أنه لا يجوز قتل النفس على وجه القصاص حتى يثبت عليها القتل، ولا يثبت إلا بواحد من ثلاثة أمور، الأول البينة، والثاني الإقرار، ولا خلاف بين أهل العلم في الثبوت بهما، والثالث القسامة في محل اللوث، وسيأتي بيانه إن شاء الله ، والقسامة: أن يحلف أولياء القتيل خمسين يمينا متوالية بتا أن فلانا الذي قامت القرينة على كونه القاتل هو القاتل، قال في المواهب: قال ابن رشد في نوازله في كيفية قسامة قام بها أبو المقتول وأخوه: بأن يقسما خمسين يمينا، ترد عليهما يمينا يمينا، أنه هو الذي قتله، يقول الأب في يمينه بمقطع الحق قائما مستقبل القبلة، إثر صلاة العصر من يوم الجمعة، على ما مضى عليه عمل القضاة: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لقد قتل هذا - ويشير إلى القاتل - ابنه فلانا بالجرح الذي أصابه به، ومات منه على سبيل العمد بغير حق، وكذلك يقسم الأخ، إلا أنه يقول: لقد قتل أخي، فإذا استكملا خمسين يمينا على هذه الصفة، أسلم برمته إليهما، فاستقادا منه بالسيف مجهزا، على ما أحكمه الشرع في القصاص في القتل.
قوله: وشرط من يحلف البيت، معناه أنه لا يحلف في القسامة على القتل عمدا أقل من رجلين، فلا دخول للنساء في القسامة على القتل العمد، ولا يكفي الرجل الواحد، قال في المقدمات: وإن كان ولي الدم الذي له العفو رجلا واحدا، فلا يستحقه بقسامة، إلا أن يجد من العصبة، أو العشيرة، من يقسم معه، من داناه إلى أب معروف، فإن وجد رجلا واحدا حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليهم لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ما بينه وبين خمس وعشرين يمينا، ولا يجوز له ان يحلف أكثر من ذلك.
стр. 740
قال: والأصل في ذلك قول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأخي المقتول بخيبر وبني عمه: " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم " (١) فجمعهم في الأيمان، ولم يفرد الأخ بها دون بني عمه، ومن جهة المعنى لما كان لا يقتل بأقل من شاهدين لم يستحق دمه إلا بقسامة رجلين، قال أشهب - رحمه الله تعالى -: وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنى يمينا من الزوج في لعانه، قال ابن الماجشون - رحمه الله تعالى -: ألا ترى أن النساء لا يقسمن في العمد لما كن لا يشهدن فيه.
قوله: فإن يك الولاة البيتين، معناه أنه إذا كان أولياء القتيل خمسين رجلا وزعت عليهم الأيمان، فيحلف كل واحد منهم يمينا واحدة على نحو ما تقدم، وإن طاع اثنان منهم أن يحلف كل منهما خمسا وعشرين يمينا جاز ذلك عند ابن القاسم، وهو المشهور، وقال أشهب وابن الماجشون لا بد من حلف الخمسين عند وجودهم، وعدم حلف بعضهم يعد نكولا، وإن كانوا أقل من خمسين وزعت عليهم.
قوله: وليس يقتل البيت، معناه أن القسامة لا يقتص بها من أكثر من واحد، فإن كان المتهم واحدا فلا إشكال، وإن تعدد أقسموا على واحد منهم يختارونه وقتل، وقال أشهب لهم أن يقسموا على الجماعة ثم يختاروا واحدا للقتل، ويضرب كل واحد ممن سواه مائة سوط ويسجن سنة، وقال المغيرة لهم قتل الجماعة بالقسامة كالبينة.
١٦٣٧ - ووجبت بقول ميْت مسلم ... مكلف حر لدى زيد دمي
١٦٣٨ - أو شاهد معاين للقتل ... والعدلتان هاهنا كالعدل
١٦٣٩ - أو شاهديْ جرح وراءه أكل ... أو نحو ذا مما على الحياة دل
١٦٤٠ - وحيث ما نكل مدعوا الدم ... حلف من قد ادُّعِي عليهم
١٦٤١ - يحلف كل منهمُ خمسينا ... ومن أبى خلدته سجينا
١٦٤٢ - والفرد بالولاة إن شاء استعان ... وقيل أيضا لا يجوز أن يعان
стр. 741
قوله: ووجبت بقول الأبيات الثلاثة، معناه أن اللوث الذي تجب به القسامة أمران أحدهما قول المقتول: دمي عند فلان، إن كان به أثر جرح أو ضرب، وكان مسلما حرا مكلفا، ولو كان مسخوطا أو امرأة، فلا قسامة في كافر ولا عبد، ولا عبرة بكلام الصبي، ووجه اعتبار قول القتيل عند مالك وأصحابه - رحمهم الله تعالى جميعا - ما جاء في القرآن الكريم في بقرة بني إسرائيل، قال ابن ناجي: قال ابن العربي في أحكام القرآن الكريم: فإن قيل: كان ذلك آية ومعجزة لموسى ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ قلنا الآية والمعجزة إنما كانا في إحياء الميت، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الآدميين كلهم في القبول والرد.
ونقل في الموطإ اجتماع الأئمة على ذلك في القديم والحديث، وهذا كاف، واحتج له القاضي في الإشراف بما في الصحيح من أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: والعرب كانت تقسم مع قول المقتول.
وقاله ابن رشد - رحمه الله تعالى -.
قال: وأيضا فإنه ليس المبتغى في إيجاب القسامة القطع والبت، وإنما المبتغى شبهة تنضاف إلى دعوى الولاة تقويها، وتلطخ المدعى عليه.
وأما الاستدلال بقصة البقرة فلا يخلو من دقة، فقد كان الثبوت فيها بمجرد قول القتيل، دون قسامة ولا غيرها، فاقتضى ذلك أن الثبوت كان من جهة كون ذلك خارقا للعادة، والله أعلم.
стр. 742
الأمر الثاني شهادة من لا يثبت القتل بشهادته من العدول كالشاهد الواحد بأنه قتله أو جرحه، وفي معناه شهادة المرأتين العدلتين، واختلف في شهادة غير العدل، والمشهور لغوها، وكشاهدين بجرح أو ضرب لم ينفذ مقتلا ولم يمت منه فورا، بأن حصل منه بعده ما يدل على الحياة، ويقسم الولاة مع شهادة الشاهدين بذلك على أمر واحد، وهو موته من ذلك الجرح أو الضرب، وأما إن أنفذ منه مقتلا، أو مات وقت الجرح أو الضرب، فقد ثبت قتله إياه بشهادتهما ولا قسامة، ويقسمون مع الشاهد بالقتل على أمر واحد أيضا، وهو أن المتهم قتل وليهم، ويقسمون في شهادته على الجرح أو الضرب على أمرين أنه جرحه أو ضربه، وأنه مات من ذلك.
قوله: وحيث ما نكل الأبيات، معناه أنه إذا نكل ولاة القتيل عن الخمسين يمينا على التفصيل المتقدم، حلف المدعى عليه خمسين يمينا، وإن كان المدعى عليه واحدا كان له أن يستعين بعصبته على المشهور، وروى مطرف أنه لا يجوز أن يحلف معه أحد، بل يحلف الخمسين كلها وحده، وإذا كان المدعى عليه متعددا حلف كل واحد منهم على حدته خمسين يمينا، واختلف إذا كانوا أكثر من خمسين رجلا هل يحلفون جميعا خمسين خمسين وهو ظاهر الموطإ، أو يكتفى بخمسين رجلا، يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، وإذا حلف المدعى عليه واحدا أو متعددا الأيمان كلها، ضرب مائة، وسجن سنة، وإن نكل عن بعضها أو كلها سجن حتى يحلف أو يموت، وفي الجلاب: إن طال حبسه ترك، وقال أشهب - رحمه الله تعالى -: إن نكل المدعى عليه كانت عليه دية القتيل، قال في التبصرة: وأرى أن يكون الأولياء بالخيار فإن أحبوا حبس أبدا حتى يحلف، أو يأخذوه بالدية، ويضرب مائة ويسجن عاما.
стр. 743
قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق، أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يلتمس الخلوة، قال: فلو لم تكن القسامة إلا في ما تثبت فيه البينة، ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق، هلكت الدماء، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدؤون بها فيها ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول.
ومن هذا المعنى جاء اعتبار شهادة الصبيان في ما يقع بينهم من الجنايات على ما يأتي بيانه إن شاء الله ، وشهادة النساء في ما لا يشهده غيرهن عادة، كما سيأتي إن شاء الله ، وقد تقدم الكلام في اللقطة على استحقاقها بالقرائن.
١٦٤٣ - وهي في الخطا على الوراث ... ذكرانا أو لا حسب الميراث
١٦٤٤ - وكمل اليمين إن تنكسر ... عندئذ على النصيب الاكبر
١٦٤٥ - وإن يغب بعض فما للحاضر ... بدٌّ منَ اَن يحلف حظَّ السافر
١٦٤٦ - ثم إذا حضر ذاك أقسما ... بقدر ما يرثه تحتما
١٦٤٧ - وأوجبوا قيام حالف وهل ... إن يأب عن ذاك يكن كمن نكل
١٦٤٨ - وفي القسامة اجلبنْ من بعمل ... مكة أو مدينة النبي حل
١٦٤٩ - أوِ اِيليا لها وليس يُجلب ... لغيرٍ اِلا من إليه يقرب
قوله: وهي في الخطا على الوراث البيتين، معناه أن أيمان القسامة في قتل الخطإ، يحلفها الورثة كلهم، الرجال والنساء، كل بحسب ما يرث من الدية، وإن انكسرت يمين حلفها من ينوبه الكسر الأكبر إذا اختلفت الكسور، قال في التاج: من المدونة: إن لزم واحدا نصف اليمين، وآخر ثلثها، وآخر سدسها، حلفها صاحب النصف، فصورت ببنت وأم وزوج وعاصب.
وقيل يحلفها أكثرهم نصيبا من الأيمان، وهو الذي في الموطإ.
وإن استوت الكسور حلف كل واحد يمينا عن الكسر الذي ينوبه على المشهور.
стр. 744
قوله: وإن يغب بعض البيتين، معناه أنه إذا حضر بعض الورثة وغاب بعضهم، أو كان صغيرا، حلف من حضر منهم كبيرا خمسين يمينا، وأخذ حظه من الدية، قال في الموطإ: وذلك أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يمينا، ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم.
وإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي، حلف من الخمسين بقدر ما يرث، وأعطي نصيبه، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: وهذا أحسن ما سمعت.
قوله: وأوجبوا قيام حالف الأبيات، أشار به إلى أن اليمين في القسامة وكذلك اللعان، وما بلغ ربع دينار، تغلظ بالقيام مع استقبال القبلة، كما رواه ابن الماجشون، كما في الجواهر
واختلف إذا امتنع من القيام هل يكون ذلك نكولا، وهو ظاهر كلام الشيخ، وهو ظاهر رواية ابن القاسم - رحمهما الله تعالى - قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: فلو حلف جالسا لم يجزه، وقد تقدم عن ابن رشد - رحمه الله تعالى - أنها تغلظ بالزمان، فتكون يوم الجمعة، لأنه أشرف الأيام، وتكون بعد العصر، وقد جاء في تفسير قوله : (تحبسونهما من بعد الصلاة) أنها صلاة العصر، وفي الصحيح " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد أَعطى بها أكثر مما أَعطى، وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر، ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله : " اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك " (١) وتغلظ بالمكان، فيحلفها إذا كان بالمدينة المنورة أو عملها عند منبره صلى الله تعالى عليه وسلم، قال مالك - رحمه الله تعالى -: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين، نقله في الجواهر.
стр. 745
وقد روى في الموطإ عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " من حلف على منبري آثما تبوأ معقده من النار " (١) وإذا كان بمكة المكرمة أو عملها حلف عند الحجر الأسود، وإذا كان بالقدس وعملها حلف في المسجد، ولا يجلب إلى هذه المواطن من خرج عن أعمالها، ولا يجلب إلى جوامع الأمصار إلا من قرب منها.
١٦٥٠ - وليس في الجرح قسامة ولا ... من ليس بالحر إذا ما قتلا
١٦٥١ - وهكذا الكتابِ حيث يُدعى ... أنْ قتلُه من مسلم قد وقعا
١٦٥٢ - وهكذا القتيل في تقاتل ... صفين مسلمين عن تأول
١٦٥٣ - كذاك من وُجِد بين دور ... قوم بعينهم على المشهور
١٦٥٤ - والعفو في الغيلة ليس نافعا ... ولو من القتيل كان واقعا
١٦٥٥ - أما القتيل لا بغيلة فله ... في العمد أن يعفو عمن قتله
١٦٥٦ - وعفوه عن مخطئ وصيه ... لقاتل أو عاقل بالديه
قوله: وليس في الجرح البيتين، معناه أن القسامة إنما تكون في قتل الحر المسلم خاصة، لأنها في ذلك وردت، وهي على خلاف الأصل، فلا يدخلها القياس، قال في المواهب: قال أشهب: القسامة سنة لا رأي لأحد فيها.
فلا تثبت في جرح، ولا عبد، ولا كافر، قال في المدونة: ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح ـ عمدا أو خطأ ـ فليحلف معه يمينا واحدة، ويقتص في العمد، ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ قال: قد كلمت مالكا في ذلك، فقال: إنه شيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئا، وقال مالك - رحمه الله تعالى -: في نصراني قام على قتله شاهد واحد عدل مسلم، يحلف ولاته يمينا واحدة، ويستحقون الدية على قاتله ـ مسلما كان أو نصرانيا ـ نقله في التاج.
стр. 746
وقال في الموطإ: الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ، ثم جاء سيده بشاهد، حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبيد قسامة في عمد ولا خطإ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك.
قوله: وهكذا القتيل البيت، معناه أنه لا قسامة في من قُتل بين الصفين، قال في الجواهر: قال سحنون في المستخرجة عن ابن القاسم: لا قسامة في من قتل بين الصفين، وإن شهد على قتله شاهد، أو على إقراره، قال محمد: رجع ابن القاسم عن هذا إلى أنه يقتل بالقسامة من ادعى عليه المقتول، قال: وهو قول مالك وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ، قال القاضي أبو محمد: هذا كله إذا كان القتل من غير تأويل دين، فإن كان بخلاف ذلك فلا قسامة ولا دية ولا قود.
وقال في التاج: قال عياض: هذا كله في صف العصبية والبغي المستويين في ذلك، فلو كان أحدهما باغيا، والآخر مظلوما، أو متأولا، طلب الآخرون الذين ليس القتيل منهم بعقله، ولو كان من صف الباغين كان هدرا، ولو تعين قاتله، وكذلك لو كان القاتلون متأولين، أو كلا الصفين متأولا، فمن قتل الآخر منهما هدر.
قوله: كذاك من وجد البيت، معناه أن وجود القتيل في محلة قوم ليس بلوث، لأن ذلك مظنة لكون القاتل من غيرهم، لأن الغالب في القاتل أن يرميه بحيث لا يتوهم أنه الذي قتله، وهذا كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - حيث لم يكن الأمر في ذلك على مثل قصة يهود مع عبد الله بن سهل، ونصه في المقدمات: كانت خيبر دار يهود، وكانت محضة لا يخالطهم غيرهم، وكان العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل، فمثل هذا يغلب على ظن من سمعه أنه لم يقتله إلا اليهود، ولو وقع مثل هذا في زماننا لوجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره.
стр. 747
قوله: والعفو في الغيلة البيت، معناه أنه ليس للقتيل ولا لأوليائه العفو عن القاتل إذا كان قتله إياه غيلة، والغيلة: أن يخدع إنسانا ليدخل معه موضعا يقتله فيه، ليأخذ ما معه من المال، وإنما لم يصح عفوهم لأن الغيلة من قبيل الحرابة، فقتله حد من حدود الله ، ولذلك لم يشترط فيه المكافأة، فيقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، ولا عفو كذلك في الجرح غيلة، بل أمر الجارح إلى السلطان، ولا فرق في ذلك كله بين الرجل والمرأة.
قوله: أما القتيل لا بغيلة البيتين، معناه أن القتيل بغير غيلة له إذا أنفذ مقتله أن يعفو عن قاتله عمدا، فيسقط عنه القصاص، وكذلك وليه على ما يأتي في الأبيات التالية - إن شاء الله وأما عفو القتيل عن القاتل خطأ فهو من قبيل الإيصاء بالدية لمن تجب عليه من قاتل أو عاقلته، على ما يأتي بيانه - إن شاء فينفذ من الثلث على التفاصيل المتقدمة.
١٦٥٧ - ولا قصاص حيث ما عفا ولد ... مكلف لو دون إخوة عدد
١٦٥٨ - ولهمُ إذاً على من قد جنى ... نصيبهم من دية تعينا
١٦٥٩ - وليس للبنات عفوٌ دونا ... ولدٍ إن كان هنا بنونا
١٦٦٠ - والقاتل العامد حيث عُفيا ... عنه عن الوطن عاما نُفيا
١٦٦١ - معْ سَجنه هنا وراء ضربه ... مائة سوط لعظيم حوبه
قوله: ولا قصاص حيث ما البيتين، معناه أنه إذا عفا أحد أولاد القتيل عن القاتل سقط القصاص، وكان لمن بقي منهم نصيبه من دية عمد، إن كانوا ذكرانا، أو ذكرانا وإناثا، فإن عفا الذكور كلهم دون الإناث فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنه لا شيء للإناث من الدية، وروى أشهب أن حق الإناث باق، قاله ابن ناجي، قال: وقال ابن المواز: وبالقول الأول قال من أدركناه من أصحاب مالك، وهو أصله في موطئه، قال الباجي: وهذا إذا عفا الرجال في فور واحد، وأما إن عفا أحدهم، ثم بلغ الآخر فعفا، فلا يضر ذلك من كان معهما من أخت أو غيرها، لأنه مال ثبت بعفو الأول، قاله محمد.
стр. 748
ومثل الأبناء غيرهم من العصبة كالإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم، فإذا عفا رجل من أقرب الرجال من عصبة القتيل سقط القتل، وكان لمن بقي نصيبهم من دية عمد.
وإذا كان في أولاد القتيل إناث فلا كلام لهن، لا في عفو ولا في قصاص، وإنما الكلام للأولاد الذكور خاصة، وإلى هذا أشار بقوله: وليس للبنات عفو البيت، وكذلك الكلام في الأخوات مع الإخوة، وإن كانت النساء أقرب من الرجال كالبنات مع الإخوة فلا يسقط القصاص حتى يعفو من كل من الطائفتين فرد فأكثر، بأن يعفو أخ وبنت، فإن عفا الإخوة كلهم دون البنات، أو البنات كلهن دون الإخوة لم يسقط القصاص، ولا كلام لمن لا يرث من النساء مطلقا كالعمة وبنات الأخ.
قوله: والقاتل العامد البيتين، معناه أن من ثبت عليه قتل العمد ببينة، أو إقرار، أو قسامة، ولم يقتص منه لعفو، أو عدم تكافؤ، يجلد مائة سوط، ويسجن سنة، كان القاتل رجلا أو امرأة، مسلما أو ذميا، حرا أو عبدا، لمسلم أو ذمي، والمقتول مسلم أو ذمي، وكذلك إذا قام موجب القسامة ونكل ولاة الدم وحلف المدعى عليه وبرئ، والأصل في هذا عمل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على ما قال ابن الفاكهاني، وروي فيه حديث تكلم فيه، قال في المواهب: ولا يجوز أن يضرب المدعى عليه الدم بالتهمة، وإنما يحبس بها إذا كان ممن يليق به التهمة الشهر ونحوه، رجاء أن تقوم عليه بينة، وإن قويت عليه التهمة بما يشبه عليه مما لم يتحقق تحقيقا يوجب القسامة حبس الحبس الطويل، قال ابن الحاجب: حتى يتبين براءته أو يأتي عليه السنون الكثيرة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والتهمة، حتى إن أهله ليتمنون له الموت من طول السجن، فإن لم يتهم وكان مجهول الحال حبس اليوم واليومين والثلاثة، وإن لم يتهم وكان معروفا بالصلاح لم يحبس ولو يوما واحدا.
١٦٦٢ - ومائة منِ اِبل هي الديه ... إن كان من يدون أهل باديه
стр. 749
١٦٦٣ - وهي في تعمد مربعه ... من حقة ربعها كالجذعه
١٦٦٤ - كذاك من بنت المخاض يُدفع ... أيضا ومن بنت اللبون الربع
١٦٦٥ - وهي في الخطإ من كل تكون ... عشرين معْ عشرين من نجل اللبون
١٦٦٦ - وثلثنْ برمي والد ولد ... بقاتل ولم يك القتل قصد
١٦٦٧ - بأربعين حاملا وما بقِي ... من جذَعات نصفه كالحِقَق
١٦٦٨ - يدفعها الأب وقيل العاقله ... وقيل عاقلة من لا مال له
١٦٦٩ - وألف دينار على أصحاب ... حضر إن كانوا ذوي أذهاب
١٦٧٠ - إلا فضعف ذلك اثني عشرا ... من الدراهم لها تقررا
стр. 750
معنى الأبيات أن دية النفس الواجبة على أهل العمود مائة من الإبل، وقد ودى صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن سهل بمائة ناقة، (١) وتكون في العمد إذا عفا بعض من يسقط بعفوه القصاص، أو عفوا جميعا على دية مبهمة مربعة خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وقد روى ذلك في الموطإ عن ابن شهاب، وهو مما لا يقال بالرأي، وتنجم على الجاني في ثلاث سنين، وقيل تكون حالة عليه، وتكون في الخطإ مخمسة، عشرون ابن لبون، ومن كل ما تقدم عشرون، وقد جاء الخبر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك، (٢) وروى محمد أن دية العمد مخمسة أيضا كدية الخطإ، وتغلظ الدية في قتل الوالد ولده، أو الأم ولدها، برميه بحديدة ونحوها، مما يوجب القصاص على غيره، بالتثليث، أربعون خلفة في بطونها أولادها، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، ويكون ذلك حالا عليه في ماله، ولا يرث منه شيئا، لقضاء عمر - رضي الله تعالى عنه - في المدلجي، (٣) وقال أشهب وعبد الملك تجب على العاقلة حالة، وقال مطرف بالأول إن كان له مال، وبالثاني إن لم يكن له مال، وإنما لم يقتل به لما له من تأديبه وما جبل عليه من الشفقة والحنان مما يستبعد معه أنه قصد قتله، وأصل ذلك قصة المدلجي، فلو أضجعه وذبحه، أو شق بطنه، أو نحو ذلك مما يعلم به أنه قصد قتله اقتص منه كغيره.
стр. 751
والدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم، وقد ذكر في الموطإ أن ذلك كان بتقويم من عمر - رضي الله تعالى عنه - قال في الجواهر: وفي تغليظ الدية على أهل الذهب والورق روايتان، فإذا قلنا تغلظ، فروي تؤخذ قيمة الإبل المثلثة ما بلغت، إلا أن تنقص عن ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، وروي ينظر ما بين دية الخطإ وبين المغلظة من الإبل فيجعل ذلك جزءا من دية الذهب والورق ويزاد عليهما.
والمشهور أنها تغلظ عليهم بزيادة نسبة ما بين المثلثة والمخمسة من القيمة، قال في الموطإ: والأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب والورق، ولا من أهل الذهب الورق، ولا من أهل الورق الذهب.
وقال في المقدمات: ولا تؤخذ في الدية عند مالك وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير والدراهم، وقد روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشياه ألف (١) شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل البرود مائتي حلة، وهو قول عطاء وقتادة، وروي ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -.
١٦٧١ - ودية المرأة نصف ما غبر ... ومثلها الكتابِ إن كان ذكر
١٦٧٢ - وفي الكتابية ليس لازما ... أكثر من ربُع ما تقدما
١٦٧٣ - أما المجوسي فثلْث الخمْس ... كذا المجوسية خمْس السدْس
١٦٧٤ - وتجب الدية في اليدين ... كذاك في الرجلين والعينين
١٦٧٥ - ونصف دية لفرد ما ذكر ... لو لم يكن سواه غير من عوِر
١٦٧٦ - فعينه يقضى لها بالكل ... كمارن الأنف وسمع عقل
١٦٧٧ - لسان ناطق وثديي المره ... وهكذا الصلب إذا ما كسره
١٦٧٨ - وقطع الانثيين قط دون الذكر ... أو ذكر فقط كذا قطع الكمر
١٦٧٩ - والقطع للسان غير الناطق ... فيه حكومة إذا الصوت بقي
стр. 752
قوله: ودية المرأة نصف ما غبر، معناه أن دية المرأة الحرة المسلمة نصف ما تقدم على تفاصيله المتقدمة، وقد روى مالك عن ابن شهاب وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أنهم كانوا يقولون في المرأة إنها تعاقل الرجل إلى ثلث دية الرجل، فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت إلى النصف من دية الرجل.
قوله: ومثلها الكتابي إن كان ذكر، معناه أن دية الكتابي الحر الذكر نصف ما تقدم كالمرأة، وهو خمسون بعيرا، وخمسمائة دينار، وستة آلاف درهم، وذكر مالك - رحمه الله تعالى - أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بذلك، ودية المرأة الحرة الكتابية نصف ذلك خمسة وعشرون بعيرا، ومائتان وخمسون دينارا، وثلاث آلاف درهم، ودية المجوسي الحر الذكر ثلث خمس دية الحر المسلم، وهو ثمان مائة درهم، رواه مالك عن سليمان بن يسار قال: وهو الأمر عندنا، ودية المجوسية الحرة أربعمائة درهم، سدس خمس دية الحر المسلم.
وإلى هذا أشار بقوله: وفي الكتابية البيتين.
стр. 753
قوله: وتجب الدية في اليدين إلى قوله: بالكل، معناه أن في قطع اليدين أو الرجلين أو العينين الدية كاملة، وكذلك كل زوج من الإنسان كما ذكر مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أنه بلغه، وذلك كالأذنين، والشفتين، والأنثيين، وثديي المرأة، وأليتيها، وشفريها، وفي أحد ذلك نصف الدية، لكتاب عمرو بن حزم، (١) وإن لم يكن له غيره إلا عين الأعور، ففيها الدية كاملة للآثار الواردة بذلك، ولأنه يبصر بها ما يبصره غيره بعينيه، بخلاف الرجل الواحدة فإنه لا يسعى بها سعي ذي الرجلين، واليد الواحدة فإنه لا يعمل بها عمل ذي اليدين، وتجب الدية كاملة أيضا في مارن الأنف إذا أُوعي جدعا كما في كتاب ابن حزم المذكور، وإن قطع بعضه فبحسابه، وتجب في المنفعة كالسمع، والبصر، والشم، والذوق، وإن ذهب بعض ذلك فبحسابه، وتجب في العقل، ولسان الناطق كله مطلقا، أو بعضه إن منع الكلام، وإلا فبحساب ما ذهب من كلامه على الأحرف، وقيل بالاجتهاد، وتجب في كسر الصلب، أو الصدر، وإبطال القيام والجلوس، وقطع الذكر، وقطع الحشفة، وفي قطع بعضها بحسابه منها لا من أصل الذكر، وفي لسان الأخرس حكومة إن بقي الصوت، فإن ذهب فالدية كاملة، والحكومة أن يقوم على تقدير رقه سالما من ذلك ويقوم به، فيعطى بنسبة ما بين القيمتين من ديته، وإلى هذا الإشارة ببقية الأبيات، قال مالك - رحمه الله تعالى -: الأمر عندنا أن الرجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته فذلك له إذا أصيبت يداه، ورجلاه، وعيناه، فله ثلاث ديات.
وتستثنى من ذلك المنفعة بمحلها، فلو قطع أذنيه فذهب سمعه فدية واحدة.
стр. 754
١٦٨٠ - وخمسة منِ اِبل تلزم من ... موضحة كذاك أيضا قلع سن
١٦٨١ - وعشرة للاصبع المستأصله ... وثلث منها لقطع الانمله
١٦٨٢ - إلا منِ اِبهام فليس يكفي ... عنها على الصحيح دون نصف
١٦٨٣ - وعُشُرا ونصفَه معْه اجعله ... عقلا عن الجراحة المنقله
١٦٨٤ - وفسروا موضحةً بمظهر ... عظم وإن قدر رؤوس الابر
١٦٨٥ - أما المنقِّلة فالمطير ... فَراش عظمه لها تفسير
١٦٨٦ - إن لم يصل إلى الدماغ واجعلا ... مأمومة ما للدماغ وصلا
١٦٨٧ - وعقلها ثلث دية كذا ... جائفة جرح لجوف نفذا
قوله: وخمسة من ابل تلزم من موضحة، معناه أن الموضحة خطأ، يجب فيها نصف عشر الدية، وهو في حق الحر المسلم - ذكرا أو أنثى - خمس من الإبل كما في كتاب عمرو بن حزم، وهي مخمسة كغيرها من الجراح، وفي حق الكتابي على النصف من ذلك، وفي حق المجوسي بنسبة نصف العشر من ديته، وهو أربعون درهما، وهكذا العمل في سائر الجراح، والموضحة لا تكون عند مالك - رحمه الله تعالى - إلا في الرأس، وهي ما أوضح العظم وإن قدر رأس إبرة، كما أشار له بقوله في بقية الأبيات: وفسروا موضحة البيت.
قوله: كذاك أيضا قلع سن، معناه أن في قلع السن خطأ أيضا، نصف العشر، كما في كتاب ابن حزم، ولا فرق في ذلك بين الأسنان والأضراس، وألحقوا بالقلع ما ماثله في الشين عرفا، من السواد والحمرة والصفرة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي سماع ابن القاسم: قال ابن القاسم: إن اصفرت السن ففيها بقدر شينها، لا يكمل عقلها حتى تسود، لا بتغيرها، ابن رشد: هذا يبين مذهبه في المدونة إذ لم يجد فيها جوابا بينا، ومثله قول أصبغ له: في اخضرارها أكثر مما في احمرارها، وفي احمرارها أكثر مما في اصفرارها، وعزى اللخمي هذا لأشهب في الموازية، قال ابن القاسم: إن كان تغيرها مثل الاسوداد فقد تم عقلها، وإلا فعلى حساب ما نقص، والأول أحسن إلا في الخضرة.
стр. 755
قوله: وعشرة في الأصبع البيتين، معناه أن في قطع الأصبع خطأ، عشر الدية، كما في كتاب ابن حزم، ولو كانت زائدة إذا كانت قوية، وفي الأنملة ثلث العشر، إلا الإبهام ففي الأنملة منها نصف العشر، قال في التاج: قال سحنون: ورجع مالك - رحمهما الله تعالى - إلى أن في الإبهام ثلاث أنامل، وأخذ أصحابه بقوله الأول، الباجي: وجه قوله الأول أنه لو لزم في بقية الإبهام الذي في الكف دية، للزم في سائر الأصابع أن يكون لها في مثل ذلك دية أنملة رابعة.
وفي بعض الأنملة بحسابه منها.
قوله: وعشرا ونصفه الأبيات، معناه أن في المنقلة عمدا أو خطأ - لأنها من المتالف - عشرا ونصف عشر من الدية، كما في كتاب عمرو بن حزم، والمنقلة هي التي من شأنها أن ينقل الطبيب العظام الصغار في مداواتها، ليلتئم الجرح، إن لم يصل إلى الدماغ، وذلك الفتات هو الفراش - بفتح الفاء - ومن ضبطه بالكسر أراد به العظم الناشئ الذي يكون مفروشا على العظم الصلب الذي يشبه قشر البصل، وإلى ذلك أشار بقوله: أما المنقله إلى قوله: الدماغ.
وإن وصل إلى الدماغ فهي المأمومة، وفيها ثلث الدية، كما في كتاب عمرو بن حزم، ومثلها الجائفة كما في الكتاب المذكور أيضا، وهي الجرح المفضي إلى الجوف، ولا تكون إلا في الظهر والبطن، ويتعدد الثلث بتعددها.
١٦٨٨ - وما من الجراح قبل الموضحه ... حيث بَرِي بصفة مستقبحه
١٦٨٩ - فيه حكومة، وما لم يَشِنِ ... منها فذا هبَ اَنه لم يكن
١٦٩٠ - وهكذا الجراح أيضا في الجسد ... إذ لم يرد بها عن الشارع حد
١٦٩١ - وقُد من الجارح إن تعمدا ... ما لم يك الجرح مظنة الردى
١٦٩٢ - كالكسر للعنق أو للصدر ... أو فخذ أوُ اُنثيين ظهر
١٦٩٣ - مأمومة جائفة منقله ... فدِ جميعَ ذا وأدب فاعله
стр. 756
قوله: وما من الجراح قبل الموضحه الأبيات الثلاثة، معناه أن ما قبل الموضحة من شجاج الرأس لا شيء فيه إذا كان خطأ، إلا إذا برئ على شين، ففيه حكومة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: الأمر عندنا أنه ليس في ما دون الموضحة من الشجاج عقل، حتى تبلغ الموضحة، وإنما العقل في الموضحة فما فوقها، وذلك أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم، فجعل فيها خمسا من الإبل، ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث في ما دون الموضحة بعقل.
وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى - في المقدمات: وقد روي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنهما - من رواية مالك عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن المسيب أنهما قضيا في المِلْطا - وهي السمحاق - بنصف دية الموضحة، وهو يقول في موطئه: ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث عندنا في ما دون الموضحة بعقل، فتوجيه هذا أن يحمل قضاء عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - في الملطأة على وجه الحكومة بالاجتهاد، لا على وجه التوقيت، كما قالوا في قضاء زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - بمائة دينار في العين القائمة، وقد روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية، خرجه أبو داوود، وروي عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة، وفي الموضحة خمسة، يريد إذا كانت في الرأس، وهو قول حسن، إلا أن مالكا لم يره ولا أخذ به، وقال الفقهاء السبعة في ما دون الموضحة الخطإ أجرُ المداوي.
ولا شيء أيضا في جراح الجسد إذا برئت على غير شين، غير الجائفة، وإلا فحكومة.
стр. 757
قوله: وقد من الجارح الأبيات، معناه أن الجارح عمدا يقتص منه، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " كتاب الله تعالى القصاص " (١) إلا الجروح التي يخشى منها الهلاك، فلا قصاص فيها، ككسر العنق، أو الصدر، أو الفخذ، أو الأنثيين، أو الظهر، كالمأمومة، والجائفة، والمنقلة، وإنما يجب فيها المال على التفاصيل المتقدمة، ووجيع الأدب مع ذلك في العمد.
١٦٩٤ - وما على عاقلة بقتل ... وقع عن تعمد من عقل
١٦٩٥ - كذاك إن ثبت قتل الخطإ ... بالاعتراف خشية التواطإ
١٦٩٦ - ومن لنفسه كذاك يقتل ... عن خطإ كجرحه لا تحمل
١٦٩٧ - وحملت من الجراح ما وصل ... ثلث دية فأعلى لا أقل
١٦٩٨ - وحملت جائفة العمد وما ... مُومَتَه مطلقا أو اِنَ اَعدما
١٦٩٩ - وأدتِ الدية في ثلاث ... سنين أنجُما على الأثلاث
١٧٠٠ - والثلث في عام فقط ويكفي ... عامان في أدائها للنصف
١٧٠١ - والجرح قبل البرء لا يُدى ولا ... يُقاد خوف أن يكون قاتلا
قوله: وما على عاقلة البيتين، معناه أن العاقلة لا تحمل دية قتل العمد، ولا تحمل دية قتل الخطإ إذا لم يثبت إلا باعتراف الجاني، بل تكون على الجاني خاصة، وقيل تحملها العاقلة بقسامة، وقيل غير ذلك، ووجه المشهور خوف التواطإ من المعترف وورثة المقتول على العاقلة.
قوله: ومن لنفسه البيت، معناه أن جناية المرء على نفسه خطأ لا تحملها العاقلة، بل هي هدر، سواء كانت قتلا أو جرحا.
قوله: وحملت من الجراح البيت، معناه أن العاقلة تحمل جراح الخطإ إذا بلغت ثلث دية الجاني أو المجني عليه، وما دون ذلك فهو في مال الجاني، قال في الجواهر: وذلك لما روى ربيعة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عاقل بين قريش والأنصار فجعل على العاقلة ثلث الدية فصاعدا.
قوله: وحملت جائفة البيت، معناه أن العاقلة تحمل مأمومة العمد وجائفته وما بلغ من المتالف ثلث الدية، وقيل إنما تحمله إذا كان الجاني عديما، وإلا فعليه، والمشهور الأول.
стр. 758
قوله: وأدت الدية البيتين، معناه أن دية الخطإ تنجم على العاقلة في ثلاث سنين سواء كان القتيل رجلا أو امرأة مسلما أو كافرا، تدفع عند كل آخر سنة ثلثا، وقد حكي في ذلك الإجماع، والمعول أن ما كان دون الدية ينجم على حساب ذلك، فالثلث في سنة، والثلثان في سنتين، وكذلك النصف يدفع منه الثلث في آخر السنة الأولى والسدس في آخر السنة الثانية، واختلف في دية العمد هل تنجم على الجاني، أو تكون حالة عليه وهو المشهور، والعاقلة: العصبة ثم الموالي ثم بيت المال، وألحق بعصبته أهل ديوانه بجامع التناصر، والمشهور البدء بالعصبة قبل الديوان الأقرب فالأقرب، وقال أشهب - رحمه الله تعالى - إنما يحمل عنه أهل الديوان إذا كان العطاء قائما، وإلا فأهله، ويشترط في من يضرب عليه أن يكون حرا مكلفا ذكرا موافقا للجاني في الدين موسرا، ولا حد لما يؤخذ إلا أنه لا يضرب على أحد ما يضر به، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: ولا يعقل أهل البدو مع أهل الحضر، وإن كانوا قبيلة واحدة، لأنه لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين، وروى ابن وهب في كتاب ابن سحنون أنهم يعقلون، وقاله أشهب وعبد الملك، قال ابن القاسم: وأهل مصر لا يعقلون مع أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل العراق، وإن كانوا أقرب إلى الجاني ممن معه في أفقه، بل يعد من كان في غير أفقه كالمعدوم، ويضم إلى من في أفقه من يليهم من القبائل، وإن كانوا أبعد من الخارج من أفقه، نقله في الجواهر.
وقال في التبصرة: القول إنها تكون على أهل الديوان ضعيف، وإنما يراعى قبيل القاتل وهم عاقلته، لأن لهم شبهة في القيام بالدم لو كان القتيل منهم، وشبهة الميراث.
стр. 759
قوله: والجرح قبل البرء البيت، معناه أن الجرح لا يقتص منه إلا بعد برئه، إذ قد يترامى إلى النفس، وكذلك القول في العقل، إذ لا يعلم هل يجب فيه شيء أو لا، إذا كان من جراح الحكومة، ولا يعلم قدر ما يجب فيه، كان من جراح الحكومة أو جراح العقل، ولا على من يجب.
١٧٠٢ - وعقل جرح مرأة كالرجل ... قدرا إذا لثلث لم يصل
١٧٠٣ - فإن يصله فاردُدَنَّها إلى ... نصف كما في النفس قبلُ قد خلا
١٧٠٤ - ويقتل القوم الكثيرون بفر ... د وكذا المرأة أيضا بالذكر
١٧٠٥ - ورجل بها كذا السكران ... يقتل لا المجنون والصبيان
١٧٠٦ - فعمد هؤلا إذا ما وصلا ... ثلْثا فأعلى يلزم العواقلا
١٧٠٧ - وجرح أنثى ذكرا كالعكس ... يقاد عمده كما في النفس
١٧٠٨ - وليس في الجراح بين حر ... وغير حر من قصاص يجري
١٧٠٩ - وهكذا الكلام أيضا في الجرا ... ح بين مسلم ومن قد كفرا
قوله: وعقل جرح مرأة البيتين، أشار به إلى ما تقدم من أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فتعود لديتها، وقد روى ذلك مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - قال: وتفسير ذلك أنها تعاقله في الموضحة، والمنقلة، وما دون المأمومة والجائفة، وأشباههما مما يكون فيه ثلث الدية فصاعدا، فإذا بلغت ذلك كان عقلها في ذلك النصف من عقل الرجل.
وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل، قلت: كم في أصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: كم في ثلاثة؟ قال: ثلاثون من الإبل، فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟!
فقال سعيد: أعراقي أنت؟! فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي.
стр. 760
قوله: ويقتل الجمع الكثيرون بفرد، معناه أن الجماعة تقتل بالواحد ولو كثرت، إذا قتلوه بفعل واحد، كما لو ألقوا عليه صخرة، أو كانوا متمالئين، وإن لم يباشر قتله إلا أحدهم، لقول عمر - رضي الله تعالى عنه -: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، فإن لم يكونوا متمالئين وتعدد الفعل، قدم الأقوى فعلا، قال ابن ناجي: واختلف قول ابن القاسم إذا أنفذ رجل مقاتل رجل، وأجهز عليه آخر، فقال مرة في سماع يحيى: يقتل الأول ويعاقب الثاني، وقال مرة في سماع أبي زيد بعكسه، وبالأول قال أشهب واختاره غير واحد كابن رشد، قال ابن عبد السلام: ولكن قد يلزم عليه أمور شنيعة، وهو أنه إذا كان يتعين على الأول القصاص لأنه هو الذي قتله حقيقة، فهو من حينئذ كالميت، فلا تجوز وصاياه، وقد ذهب إلى ذلك أصبغ، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة، ويلزم ألا يخاطب بالصلاة على ذلك، وقد أوصى عمر - رضي الله تعالى عنه - وصلى على تلك الحالة، وأنفذ المسلمون وصاياه، وأشار إلى لزوم الصلاة له حينئذ بقوله: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وأشار بعض الشيوخ يعني ابن رشد إلى أنه لو قيل بقتلهما معا ما كان بعيدا.
وهذه بحوث ضعيفة جدا، فإسناد القتل لمنفذ المقاتل لا يلزم عليه منه أن يكون المجني عليه من حينئذ له حكم الميت من كل وجه، وقد اتفقوا على اعتباره في معنى الحي في هذه الأشياء، مع الحكم له بحكم الميت في عدم توجه القسامة على أوليائه في حال انفراد الجاني والله أعلم
стр. 761
قوله: وكذا المرأة أيضا بالذكر ورجل بها، معناه أن المرأة تقتل بالرجل والرجل يقتل بها، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء، وذلك أن الله ﵎ قال في كتابه الكريم: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) فذكر الله ﵎ أن النفس بالنفس فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر وجرحها بجرحه.
وإلى القصاص بينهما في الجراح أشار بقوله: وجرح أنثى ذكرا البيت.
قوله: كذا السكران، معناه أن السكران يقتص منه إذا قتل، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: الباجي: وهذا في المختلط الذي معه بقية من عقله، وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا يفرق بين الرجل والمرأة فلا خلاف أنه كالمجنون في أقواله وأفعاله.
وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - يذكر أنه أتي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اقتله.
والفرق بينه وبين المجنون أنه أدخل ذلك على نفسه اختيارا فكان كالمتعمد لما يترتب عليه، ولو لم يقتص منه لتذرع الناس بالسكر إلى القتل.
قوله: لا المجنون والصبيان فعمد هؤلا البيت، معناه أنه لا قصاص على من جنى وهو مجنون أو صبي، فحكم عمدهم حكم الخطإ، لرفع القلم عنهم، فجنايتهم على العاقلة إن كانت ثلثا فأعلى، وإلا فهي في مالهما، فإن كان لهما مال أخذ منه، وإلا فدين عليهما، وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - أنه أتي بمجنون قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اعقله، ولا تُقِد منه، فإنه ليس على مجنون قود.
стр. 762
قوله: وليس في الجراح، البيتين، معناه أنه لا قصاص في الجراح بين الحر والعبد، ولا بين المسلم والكافر، وهذا هو المشهور، وقيل بالقصاص، وقيل به في النصراني دون العبد، وقيل بالتخيير فيهما بين القصاص والعقل.
١٧١٠ - والعبد إن قتل حرا قُتلا ... به وأما الحر بالعبد فلا
١٧١١ - وهكذا المسلم لو رقيقا ... بكافر وإن يكن عتيقا
١٧١٢ - ويقتل الكافر حيث قَتلا ... من ليس بالكافر أيضا مسجلا
١٧١٣ - وسائق البعير والذي ركب ... وقائد مضمنون ما عطب
١٧١٤ - ما لم يكن من فعل غيرهم حصل ... إتلاف ما أتلفه فهو طل
١٧١٥ - وما ببئر دون فعل من بشر ... أو بمعادنَ يموت فهدر
قوله: والعبد إن قتل الأبيات، معناه أن العبد - مسلما أو كافرا - يقتل بالحر المسلم، ولا يقتل الحر المسلم بالعبد - مسلما أو كافرا - ولا يقتل الحر المسلم بالحر الكتابي لحديث الصحيح " لا يقتل مسلم بكافر " (١) ولا يقتل العبد المسلم بالكافر - حرا أو عبدا - للحديث أيضا، واختلف في الحر الكتابي يقتل عبدا مسلما، فقال ابن القاسم: أرى قتله به، وقال مالك: ليس بينهما قود في نفس ولا جرح، لأن في هذا حرية، وفي هذا إسلاما، نقله في التاج.
والمعول الأول وهو ظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى -.
стр. 763
قوله: وسائق البعير البيتين، معناه أن سائق البعير مثلا ضامن ما وطئه فأتلفه، وكذلك قائده وراكبه، فإن اجتمع الثلاثة بأن كان له قائد من أمامه، وسائق من ورائه، وراكب على ظهره، فالضمان من السائق والقائد، دون الراكب، حيث لم يتسبب فيه، لقدرتهما على إمساكه وضبطه، إلا أن يتسبب الراكب في ذلك، فيكون الضمان منه خاصة، كما أنه إذا تسبب في ذلك القائد أو السائق اختص عن غيره بالضمان، وما أتلفت بغير فعلهم جميعا - كأن أتلفته وهي واقفة لغير فعلٍ فُعل بها - فهو هدر لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " العجماء جبار " (١) وإذا تعدد الراكب ولم يكن لها سائق ولا قائد، فالضمان من المقدم، ما لم يكن ذلك من فعلٍ فعله الرديف بها، فيكون الضمان منه.
قوله: وما ببئر البيت، معناه أن ما مات بسبب وقوعه في بئر، من غير فعل أحد، فهو هدر، إذا لم يكن حافرها متعديا، وإلا ضمن، ولا شيء أيضا في من مات بمعدن من غير فعل أحد، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " البئر جبار والمعدن جبار " (٢) قال القاضي أبو محمد في الإشراف: من حفر بئرا بفنائه، أو أحدث شيئا له أن يحدثه، ثم تلف به إنسان أو بهيمة لم يضمن.
١٧١٦ - ودية القتيل تورث حسب ... ما في الذي قد كان يملك وجب
١٧١٧ - وفي الجنين إن يكن لحره ... عشُر ما في أمه أو غره
١٧١٨ - وليدة أو عبد أيضا عادلا ... عشُرَ عقلها الذي قد فصلا
١٧١٩ - وهو موروث على الفرائض ... على الذي من خلفهم قد ارتضي
١٧٢٠ - كذا جنين أمة تخلقا ... حرا كمن بسيد قدُ اُلحقا
١٧٢١ - إلا فمن قيمة أمه العشر ... يلزم عنه قل ذاك أو كثر
١٧٢٢ - وقيمة الرقيق عبدا أو أمه ... من قتله لمالكيه لازمه
١٧٢٣ - ويقتل الجمع بفرد بحِرا ... بةٍ وفي غيلته لو كفرا
стр. 764
قوله: ودية القتيل البيت، معناه أن الدية تورث عن القتيل على الفرائض كماله، سواء كانت عن خطإ أو عمد، وتنفذ منها وصيته إن عاش بعد سببها ما يمكنه أن يغير في وصيته ولم يفعل، ولا يرث القاتل من دية الخطإ أو شبه العمد شيئا.
قوله: وفي الجنين الأبيات الأربعة، معناه أن جنين الحرة، يجب فيه على من أسقطه خاصة دون عاقلته على المشهور غرة: عبد أو وليدة، لقضاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الهذلية التي رمتها امرأة بحجر فطرحت جنينها، (١) أو عشر دية أمه نقدا، وهو خمسون دينارا أو ستمائة درهم، قاله مالك، قال ابن رشد: وذلك استحسان عنده ليس كالسنة الثابتة.
الخيار للجاني، قال في الجواهر: واختلف في المأخوذ من أهل الإبل، فقال أشهب: تؤخذ منهم الإبل، وهي خمس فرائض، بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقة، وجذعة، وقال ابن القاسم: ليس للإبل فيها مدخل، لأن أصلها الغرة ثم قومت بالذهب وبالدراهم، وليست الإبل بقيمة.
قال في التبصرة: قال ابن فارس: غرة كل شيء أكرمه، والوسط من الأعلى يجزئ، وليس الوسط من العبيد والإماء، ومحمل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الوليدة أنها الأعلى مما يراد للخدمة ليس للفراش.
والمراد بالجنين ما تكون به الأمة أم ولد إذا أسقطته من سيدها، وقد تقدم بيانه.
стр. 765
ولا فرق في وجوب الغرة في الجنين بين العمد والخطإ، واشترط مالك - رحمه الله تعالى - في الغرة أن تكون بقيمة عشر دية الأم، وهو ظاهر ما نقله في الموطإ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واختار اللخمي - رحمه الله تعالى - عدم اشتراط ذلك، قال: لأن الأصل الذي أقامه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الغرة من غير اعتبار قيمة، وأثمان العبيد تختلف في البلدان وتتغير في أثمانها الأسواق بالزيادة والنقص، فإن وجدت بموضع الغرة بثلاثين دينارا، أو بعشرين دينارا، لم يلزم بأكثر من ذلك، وإن كان ثمنها ستين أو سبعين أجبر على إحضارها، ولو أحب أن يدفع خمسين دينارا لم تقبل منه لأنها دون الغرة.
قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: ولم أسمع أحدا يخالف في أن الجنين لا تكون فيه الغرة حتى يزايل بطن أمه، ويسقط من بطنها ميتا، وسمعت أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه حيا ثم مات أن فيه الدية كاملة، قال: ولا دية لجنين إلا بالاستهلال، فإذا خرج من بطن أمه فاستهل ثم مات ففيه الدية كاملة، ونرى أن في جنين الأمة عشر ثمن أمه.
وإلى ما ذكر في الأمة الإشارة بقوله: إلا فمن قيمة البيت.
و هذا ما لم يتخلق على الحرية، كجنينها من سيدها، فيكون له حكم جنين الحرة.
وأشار بقوله: وهو موروث البيت، إلى أن دية جنين الحرة موروثة على الفرائض عند مالك وأكثر أصحابه ﵏ جميعا - فلأمه الثلث إن لم يكن له إخوة، وإلا فالسدس، والباقي في الوجهين لأبيه، وقال ربيعة: هو للأم كجرح بها، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة والمغيرة وابن دينار هو للأبوين على الثلث والثلثين، وأيهما خلا به كان له كلا، وكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول بهذا أولا، ثم رجع إلى الأول.
стр. 766
قوله: وقيمة الرقيق البيت، معناه أن الواجب في قتل الرقيق قيمته بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر، وقد جاء ذلك عن عمر وعلي - رضي الله تعالى عنهما - سواء كان قتله خطأ أو عمدا، حيث لا تكافؤ، وإلا فيخير سيده.
قوله: ويقتل الجمع البيت، معناه أن الجماعة تقتل بالواحد في الغيلة والحرابة، وإن لم يباشر قتله إلا أحدهم، وكذلك القول في القصاص على التفصيل المتقدم، وقد تقدم قول عمر - رضي الله تعالى عنه -: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وتقدم أنه لا عفو للقتيل ولا لأوليائه، وتقدم أن الغيلة هي القتل لأخذ المال، والحرابة أعم من ذلك، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله .
١٧٢٤ - والقاتل المخطئ بالتكفير ... يؤمر حتما وهْو بالتحرير
١٧٢٥ - مثل الذي لدى الظهار قد خلا ... وليصم إن عجز شهرين ولا
١٧٢٦ - وندبت لعامد لم يُقتل ... لعفو أو لعدم التماثل
١٧٢٧ - وليس مأمورا بها إن يكن ... أعني الذي هلك غير مؤمن
معنى الأبيات أن القاتل خطأ تجب عليه الكفارة، وهي عتق رقبة على نحو ما تقدم بيانه في رقبة الظهار، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين على نحو ما تقدم أيضا، فإن عجز عن ذلك انتظر القدرة على أحد الأمرين، ولا يكفر هنا بالإطعام، والخطاب بها إنما هو للحر المسلم، وصرح ابن شاس في جواهره بعدم اشتراط التكليف، فأوجبها على الصبي والمجنون
قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ولم أجده لغيره من أهل المذهب نصا بل من وجيز الغزالي.
стр. 767
وإنما تجب إذا كان المقتول حرا مسلما، فإن كان عبدا ندبت ولم تجب، كما لا تجب على العبد إذا كان هو القاتل، وذلك أن الذي في الآية الكريمة إنما هو قتل الحر للحر بقرينة ذكر الدية وتسليمها إلى أهله، وإذا كان المقتول كافرا لم يؤمر بها أصلا لنص الآية الكريمة، وتندب في إسقاط الجنين، وللعامد إذا عفي عنه، أو لم يكن القتيل مكافئا له، كما يندب له الاستكثار من الاستغفار، وأفعال الخير كلها، وإنما لم تجب عليه لأن جنايته أعظم من الكفارة، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال الأبهري: ألا ترى أن الكبائر لا كفارة فيها كعقوق الوالدين.
وقد علم ما جاء في القتل من قوله : (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) قال في المقدمات: ومن توبة القاتل أن يعرض نفسه على أولياء المقتول، فإن قادوا منه، وإلا بذل لهم الدية، وصام شهرين متتابعين، أو أعتق رقبة إن كان واجدا، أو أكثر من الاستغفار، ويستحب أن يلازم الجهاد، ويبذل نفسه لله ، روي هذا كله عن مالك - رحمه الله تعالى -.
١٧٢٨ - ويقتل الزنديق وهْو المسْتَسِر ... بالكفر إن على نفاقه ظُهر
١٧٢٩ - ما لم يجئ قبل ظهور الامر ... معلنَ توب وكذا ذو السحر
١٧٣٠ - واستَتِب المرتد أياما ثلا ... ثةً فإن تاب وإلا قُتلا
١٧٣١ - ومن أبى أن يفعل الصلاة معْ ... إقراره بأن تركها امتنع
١٧٣٢ - فلانقضا وقت صلاة أمهله ... فإن يفت ولم يصل فاقتله
١٧٣٣ - وتؤخذ الزكاة كرها إن أبى ... عن دفعها معترفا أن وجبا
١٧٣٤ - وتاركَ الحج دعَنْ لعله ... يعلم ما يسقط عنه فعله
١٧٣٥ - وجاحد فرض الصلاة مثلا ... ذلك مرتد وحكمه خلا
стр. 768
قوله: ويقتل الزنديق البيتين، معناه أن الزنديق - وهو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفر، وهو المنافق على عهد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا ظهر على زندقته، يقتل ولا يستتاب، والفرق بينه وبين المرتد حيث قبلت توبته، أنه لما كان مسرا للكفر قبل لم يمكن أن يوثق بما يدعيه من التوبة، قال في الجواهر: نقول لم تظهر توبته وتعرف فتقبل، ولا نقول لا تقبل توبته، وإلى هذا أشار مالك - رحمه الله تعالى - بقوله: إن توبته لا تعرف.
وماله لورثته إذا أنكر أو ادعى التوبة، وإلا فلبيت مال المسلمين، وهذا حيث ظهر عليه، فإن لم يظهر عليه وجاء تائبا قبلت توبته على المعول، ووصف في الجواهر مقابله بأنه شاذ بعيد عن المذهب.
والزنديق لفظ فارسي في الأصل، معناه مخفي الكفر.
стр. 769
قوله: وكذا ذو السحر، معناه أن الساحر إذا ظهر عليه قتل من غير استتابة، لما سبق في الزنديق، بخلاف ما إذا جاء تائبا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الشيخ: قال محمد: من قول مالك وأصحابه أن الساحر كافر بالله فإذا سحر هو بنفسه قتل ولم يستتب، والسحر كفر، قال مالك - رحمه الله تعالى - هو كالزنديق، إذا عمل السحر بنفسه قتل ولم يستتب، وقد أمرت حفصة - رضي الله تعالى عنها - في جارية لها سحرتها أن تقتل فقتلت، (١) ابن عبد الحكم وأصبغ: هو كالزنديق ميراثه لورثته المسلمين، وإن كان للسحر والزندقة مظهرا استتيب، فإن لم يتب قتل، وجعل ماله في بيت المال، ولم يصل عليه، ولما ذكر الباجي رواية محمد أن السحر كفر، قال: إن عمله مسلم فهو مرتد، ويحتمل أن معنى قوله أنه كافر أن فعله دليل على الكفر، ولا يقتل الساحر إلا الإمام، قال أصبغ: وليس لسيده قتله، ولا يقتل حتى يثبت أن ما فعله من السحر الذي وصفه الله بأنه كفر، قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعلم حقيقة السحر، ويثبت ذلك عند الإمام، وفي الموازية في الذي يقطع أذن الرجل، أو يدخل السكاكين في جوف نفسه، إن كان سحرا قتل، وإن كان خلافه عوقب، قال أبو عمر: روى ابن نافع في المبسوط في امرأة أقرت أنها عقدت زوجها عن نفسها، أو غيرها، أنها تنكل، ولا تقتل، قال: ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الأظهر أن فعل المرأة سحر، وأن كل فعل ينشأ عنه حادث في أمر منفصل عن محل الفعل أنه سحر.
стр. 770
قوله: واستتب المرتد البيت، معناه أن المرتد عن الإسلام - نعوذ بالله من ذلك ومن كل شر - يستتاب وجوبا ثلاثة أيام من غير تعذيب ولا تجويع، فإن تاب ترك، وفي وجوب الإمهال وندبه روايتان، ووجه الإمهال رجاء زوال ما لعله عرض له من الشبه، وإن لم يتب قتل، وفي الموطإ أن رجلا قدم على عمر من قبل أبي موسى - رضي الله تعالى عنهما - فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قدمناه فضربنا عنقه، قال: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه في كل يوم رغيفا واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله ، ثم قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني.
قال في التاج: وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قول عمر - رضي الله تعالى عنه -: ألا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه في كل يوم رغيفا، فقال: لا بأس به وليس بالمجمع عليه.
قوله: ومن أبى البيتين، معناه أن من أقر بوجوب الصلاة، وامتنع من أدائها، أخر لبقاء ركعة من الضروري، فإن امتنع قتل بالسيف حدا على المشهور، لا كفرا، فيصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ولا يطمس قبره، وقال ابن حبيب إذا قال أصلي ولم يفعل ترك.
وأما من جحد وجوبها فهو مرتد، فيستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك الكلام في جحد الزكاة، والحج، وكل ما علم من الدين ضرورة، وذلك هو قوله: وجاحد فرض الصلاة البيت.
قوله: وتؤخذ الزكاة كرها البيت، معناه أن من امتنع من أداء الزكاة مع اعترافه بالوجوب تؤخذ منه، وقتال أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - لمانعي الزكاة معلوم، واختلف هل تجزئه في ما بينه وبين الله وهو المشهور أو لا.
стр. 771
قوله: وتارك الحج البيت، معناه أن من اعترف بوجوب الحج ولم يحج ترك، لأن وجوبه مشروط بالاستطاعة، ولا يمكن تحققها، فقد يظن بالمرء اليسار وهو غير موسر، وقد تظن به القوة على الأسفار وهو غير قادر عليها، وقد تظن به الصحة وهو مريض.
١٧٣٦ - ومن بجانب نبي نطقا ... بالسب حدا اقتلنْه مطلقا
١٧٣٧ - لو كان ذميا إذا بغير ما ... كفرانُه به دُري قد شتما
١٧٣٨ - وهكذا كلامه بجنب ... ألرب جل وعلا بسب
١٧٣٩ - ومال مرتد لبيت المال ... يُدفع إن لم يك ذا مآل
قوله: ومن بجانب البيت، معناه أن من سب نبيا مجمعا على نبوته - عياذا بالله من ذلك ومن كل شر - أو تنقصه بأي وجه، في نفسه، أو خصاله، أو غير ذلك، تصريحا أو تعريضا، أو سب ملكا مجمعا على ملكيته كذلك، يقتل ولا يستتاب، وقدحكى عياض - رحمه الله تعالى - الإجماع على ذلك، وحكاه غيره، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله " (١) صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، فإن أنكر الساب ما ثبت عليه من السب، أو تاب كان قتله حدا، وكان ماله لوارثه، وإلا فللمسلمين، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، وتستر عورته، ويوارى، كما يفعل بالكفار، وأما المختلف في نبوته، أو ملكيته، فيشدد الأدب على من تنقصهم، قال عياض - رحمه الله تعالى -: وأما إنكار كونهم من الملائكة أو النبيئين فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل، نقله في التاج
стр. 772
ويشدد الأدب أيضا على من سب أحدا من آله صلى الله تعالى عليه وسلم مع العلم بذلك، أو أزواجه، أو صحابته، ولا يسقط حق آله صلى الله تعالى عليه وسلم بالفسوق، وإنما يسقط بالكفر، ولا يقرون على معصية كغيرهم، قال في المواهب: ولما نال جعفر من مالك ما نال حتى حمل مالك - رضي الله تعالى عنه - إلى داره مغشيا عليه، دخل الناس على مالك، فأفاق، وقال: أشهدكم أني جعلت جعفرا في حل، فسئل عن ذلك، فقال: خفت أن أموت فألقى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأستحيي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي، وقيل إن المنصور أقاده من جعفر، فقال مالك - رحمه الله تعالى - أعوذ بالله تعالى والله ما ارتفع منها سوط من جسمي إلا وقد جعلته في حل، لقرابته من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
قوله: لو كان ذميا البيت، معناه أن الذمي إذا صدر منه تنقيص بغير الوجه الذي كفر به يقتل صاغرا، إلا أن يسلم، فيترك على المشهور، قال ابن القاسم: وليس يقال له: أسلم، ولكن يقتل، إلا أن يسلم طائعا، وكذلك قال مالك - رحمهما الله قاله في التاج.
وقيل يقتل ولو سب بما يعلم كفره به.
قوله: وهكذا كلامه البيت، معناه أنه إذا تكلم في جهة الذات العلية ـ عياذا بالله من كل شر ـ بما يتضمن نقصا في التقديس والتنزيه قتل صاغرا.
قوله: ومال مرتد البيت، معناه أن المرتد عن الإسلام ـ عياذا بالله من ذلك ومن كل شر ـ إذا لم يتب قتل، وكان ماله للمسلمين، ولا يورث، وإن تاب ترك له ماله.
١٧٤٠ - ولا يجوز العفو عمن حاربا ... إن لم يجئ من قبل أخذ تائبا
١٧٤١ - فذاك عنه مسقط للحد ... لكن لحق الادمي يؤدي
١٧٤٢ - ولو دما، وحدها قد فُصلا ... فيه، فإن يكن بها قد قتلا
١٧٤٣ - تعين القتل ولو عفا الولي ... واجتهدنْ فيه إذا لم يقتل
١٧٤٤ - بقدر ما ركِب من طغيان ... وما بها مكث من زمان
١٧٤٥ - بقتله فقط وصلبه معهْ ... وإن تشأ فمن خلاف قطِّعه
стр. 773
١٧٤٦ - أو انفيَنْه لبلاد اُخرى ... معْ سَجنه إذا يكون حرا
١٧٤٧ - وإن على حرابة يتفقِ ... قوم فكل ضامن عمن بقي
الحرابة: عرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: الحرابة الخروج لإخافة سبيل، أو لأخذ مال محترم، بمكابرة قتال، أو خوفه، أو إذهاب عقل، أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة، أو نائرة، ولا عداوة، قال: فيدخل قوله: والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون، الباجي عن ابن القاسم: قتل الغيلة حرابة، وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله، قال وفي العتبية والموازية: من خرج لقطع السبيل لغير مال فهو محارب، كقوله: لا أدع هؤلاء يخرجون إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى مكة المكرمة، وكذلك كل من حمل السلاح على الناس وأخافهم من غير عداوة ولا نائرة.
قوله: ولا يجوز العفو إلى قوله: ولو دما، معناه أن المحارب إذا ظفر به لا يجوز العفو عنه، إذ ليس للإمام أن يعفو عن حد من حدود الله ، فإن جاء تائبا قبل أن يقدر عليه، سقط عنه الحد، لقوله : (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) ولا يسقط عنه بذلك حق الآدمي، مالا أو دما، إذ لا أثر للتوبة فيه.
стр. 774
قوله: وحدها إلى قوله: إذا يكون حرا، معناه أن حد الحرابة أربعة أمور: القتل، أو الصلب والقطع من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والنفي إذا كان حرا ذكرا إلى بلد أقل بعده مسافة القصر، ويسجن فيه حتى تظهر توبته وإنابته، وإن طال حبسه، وروى مطرف أن المراد بالنفي السجن، فيضرب ويسجن في البلد، وعليه فالحد به جار في النساء المحاربات والأرقاء، ومعنى ذلك أن يجتهد السلطان في حد المحارب بواحد من هذه الوجوه، بحسب ما ارتكب من الفساد، وطول زمان حرابته وقصره، وشدة مكره، وعظم بأسه، وخبث تدبيره ورأيه، فيجتهد في ما يرتفع به ضرره، وينزجر به من تسول له نفسه مثل فساده، ويستشير في ذلك أهل العلم والرأي.
وهذا ما لم يقتل أحدا، فإن قتل تعين قتله، قال اللخمي: لم يختلف فيه قول مالك - رحمه الله تعالى - سواء كان القتيل مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، وإن لم يقتل ولكن أخذ المال كان التخيير في قتله، أو صلبه، أو قطعه من خلاف، ولا يقتصر فيه على النفي، واختلف في معنى الصلب، فقال أشهب المراد به أن يقتل ثم يصلب، وقال ابن القاسم: المراد أن يصلب حيا ويقتل على الخشبة، وهو المعول، واختلف على هذا في الصلاة عليه، فقال أصبغ: لا بأس أن يخلى أهله ينزلونه ويصلى عليه ويدفن، وقال سحنون: إذا قتل وصلب أنزل من ساعته ودفع لأهله للصلاة عليه ودفنه، وقال أيضا: إن رأى الإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة لما رأى من تشديد أهل الفساد فذلك له، ولكن ينزله فيغسله أهله ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى إعادته إلى الخشبة أعاده، وقال ابن الماجشون: لا يمكن أهله من إنزاله، ويبقى حتى يفنى على الخشبة، أو تأكله الكلاب، نقله ابن عرفة.
стр. 775
قال في التبصرة: وأما الصبي يحارب فإن لم يحتلم ولا أنبت عوقب، ولم يقم عليه حد الحرابة، واختلف فيه إذا أنبت الإنبات البين، وأن لا يقام عليه ذلك أحسن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (١) وأما المجنون فيعاقب لينزجر عن مثل ذلك، إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف فيقام عليه الحد، وإن كان يجن ويفيق، فحارب في حال إفاقته، ثم جُن، فإنه يؤخر حتى يفيق، فيقام عليه الحد.
قوله: وإن على حرابة يتفق البيت، معناه أنه إذا اجتمع قوم على الحرابة فأخذ أحدهم غرم جميع ما أخذوه، لتقوي بعضهم ببعض، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إذا اجتمع القوم في الغصب، أو السرقة أو الحرابة، فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه، لأن بعضهم قوي ببعض، كالقوم يجتمعون على قتل رجل فيقتل جميعهم به، وإن ولي القتل أحدهم، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، نقله في المواهب.
١٧٤٨ - ويُرجم الزاني إذا ما اُحصنا ... بحجر معتدل إلى المَنى
١٧٤٩ - وهْو الذي وطئ وطأً قدُ اُبيح ... مكلفا حرا عن النكح الصحيح
١٧٥٠ - وغيره بكر وفيه الجلدُ ... بمائة السياط هو الحدُّ
١٧٥١ - معْ سَجنه عاما بنحو خيبرا ... من طيبة إن كان حرا ذكرا
١٧٥٢ - والعبد عنه نصف ذلك سقط ... كذا الإما فاجلده خمسين فقط
الزنى عرفه خليل - رحمه الله تعالى - بقوله: الزنى وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدا، وإن لواطا، أو إتيان أجنبية بدبر.