← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قوله: وتارك الحج البيت، معناه أن من اعترف بوجوب الحج ولم يحج ترك، لأن وجوبه مشروط بالاستطاعة، ولا يمكن تحققها، فقد يظن بالمرء اليسار وهو غير موسر، وقد تظن به القوة على الأسفار وهو غير قادر عليها، وقد تظن به الصحة وهو مريض. ١٧٣٦ - ومن بجانب نبي نطقا ... بالسب حدا اقتلنْه مطلقا ١٧٣٧ - لو كان ذميا إذا بغير ما ... كفرانُه به دُري قد شتما ١٧٣٨ - وهكذا كلامه بجنب ... ألرب جل وعلا بسب ١٧٣٩ - ومال مرتد لبيت المال ... يُدفع إن لم يك ذا مآل قوله: ومن بجانب البيت، معناه أن من سب نبيا مجمعا على نبوته - عياذا بالله من ذلك ومن كل شر - أو تنقصه بأي وجه، في نفسه، أو خصاله، أو غير ذلك، تصريحا أو تعريضا، أو سب ملكا مجمعا على ملكيته كذلك، يقتل ولا يستتاب، وقدحكى عياض - رحمه الله تعالى - الإجماع على ذلك، وحكاه غيره، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله " (١) صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، فإن أنكر الساب ما ثبت عليه من السب، أو تاب كان قتله حدا، وكان ماله لوارثه، وإلا فللمسلمين، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، وتستر عورته، ويوارى، كما يفعل بالكفار، وأما المختلف في نبوته، أو ملكيته، فيشدد الأدب على من تنقصهم، قال عياض - رحمه الله تعالى -: وأما إنكار كونهم من الملائكة أو النبيئين فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل، نقله في التاج

стр. 772

ويشدد الأدب أيضا على من سب أحدا من آله صلى الله تعالى عليه وسلم مع العلم بذلك، أو أزواجه، أو صحابته، ولا يسقط حق آله صلى الله تعالى عليه وسلم بالفسوق، وإنما يسقط بالكفر، ولا يقرون على معصية كغيرهم، قال في المواهب: ولما نال جعفر من مالك ما نال حتى حمل مالك - رضي الله تعالى عنه - إلى داره مغشيا عليه، دخل الناس على مالك، فأفاق، وقال: أشهدكم أني جعلت جعفرا في حل، فسئل عن ذلك، فقال: خفت أن أموت فألقى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأستحيي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي، وقيل إن المنصور أقاده من جعفر، فقال مالك - رحمه الله تعالى - أعوذ بالله تعالى والله ما ارتفع منها سوط من جسمي إلا وقد جعلته في حل، لقرابته من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -. قوله: لو كان ذميا البيت، معناه أن الذمي إذا صدر منه تنقيص بغير الوجه الذي كفر به يقتل صاغرا، إلا أن يسلم، فيترك على المشهور، قال ابن القاسم: وليس يقال له: أسلم، ولكن يقتل، إلا أن يسلم طائعا، وكذلك قال مالك - رحمهما الله قاله في التاج. وقيل يقتل ولو سب بما يعلم كفره به. قوله: وهكذا كلامه البيت، معناه أنه إذا تكلم في جهة الذات العلية ـ عياذا بالله من كل شر ـ بما يتضمن نقصا في التقديس والتنزيه قتل صاغرا. قوله: ومال مرتد البيت، معناه أن المرتد عن الإسلام ـ عياذا بالله من ذلك ومن كل شر ـ إذا لم يتب قتل، وكان ماله للمسلمين، ولا يورث، وإن تاب ترك له ماله. ١٧٤٠ - ولا يجوز العفو عمن حاربا ... إن لم يجئ من قبل أخذ تائبا ١٧٤١ - فذاك عنه مسقط للحد ... لكن لحق الادمي يؤدي ١٧٤٢ - ولو دما، وحدها قد فُصلا ... فيه، فإن يكن بها قد قتلا ١٧٤٣ - تعين القتل ولو عفا الولي ... واجتهدنْ فيه إذا لم يقتل ١٧٤٤ - بقدر ما ركِب من طغيان ... وما بها مكث من زمان ١٧٤٥ - بقتله فقط وصلبه معهْ ... وإن تشأ فمن خلاف قطِّعه

стр. 773

١٧٤٦ - أو انفيَنْه لبلاد اُخرى ... معْ سَجنه إذا يكون حرا ١٧٤٧ - وإن على حرابة يتفقِ ... قوم فكل ضامن عمن بقي الحرابة: عرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: الحرابة الخروج لإخافة سبيل، أو لأخذ مال محترم، بمكابرة قتال، أو خوفه، أو إذهاب عقل، أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة، أو نائرة، ولا عداوة، قال: فيدخل قوله: والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون، الباجي عن ابن القاسم: قتل الغيلة حرابة، وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله، قال وفي العتبية والموازية: من خرج لقطع السبيل لغير مال فهو محارب، كقوله: لا أدع هؤلاء يخرجون إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى مكة المكرمة، وكذلك كل من حمل السلاح على الناس وأخافهم من غير عداوة ولا نائرة. قوله: ولا يجوز العفو إلى قوله: ولو دما، معناه أن المحارب إذا ظفر به لا يجوز العفو عنه، إذ ليس للإمام أن يعفو عن حد من حدود الله ، فإن جاء تائبا قبل أن يقدر عليه، سقط عنه الحد، لقوله : (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) ولا يسقط عنه بذلك حق الآدمي، مالا أو دما، إذ لا أثر للتوبة فيه.

стр. 774

قوله: وحدها إلى قوله: إذا يكون حرا، معناه أن حد الحرابة أربعة أمور: القتل، أو الصلب والقطع من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والنفي إذا كان حرا ذكرا إلى بلد أقل بعده مسافة القصر، ويسجن فيه حتى تظهر توبته وإنابته، وإن طال حبسه، وروى مطرف أن المراد بالنفي السجن، فيضرب ويسجن في البلد، وعليه فالحد به جار في النساء المحاربات والأرقاء، ومعنى ذلك أن يجتهد السلطان في حد المحارب بواحد من هذه الوجوه، بحسب ما ارتكب من الفساد، وطول زمان حرابته وقصره، وشدة مكره، وعظم بأسه، وخبث تدبيره ورأيه، فيجتهد في ما يرتفع به ضرره، وينزجر به من تسول له نفسه مثل فساده، ويستشير في ذلك أهل العلم والرأي. وهذا ما لم يقتل أحدا، فإن قتل تعين قتله، قال اللخمي: لم يختلف فيه قول مالك - رحمه الله تعالى - سواء كان القتيل مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، وإن لم يقتل ولكن أخذ المال كان التخيير في قتله، أو صلبه، أو قطعه من خلاف، ولا يقتصر فيه على النفي، واختلف في معنى الصلب، فقال أشهب المراد به أن يقتل ثم يصلب، وقال ابن القاسم: المراد أن يصلب حيا ويقتل على الخشبة، وهو المعول، واختلف على هذا في الصلاة عليه، فقال أصبغ: لا بأس أن يخلى أهله ينزلونه ويصلى عليه ويدفن، وقال سحنون: إذا قتل وصلب أنزل من ساعته ودفع لأهله للصلاة عليه ودفنه، وقال أيضا: إن رأى الإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة لما رأى من تشديد أهل الفساد فذلك له، ولكن ينزله فيغسله أهله ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى إعادته إلى الخشبة أعاده، وقال ابن الماجشون: لا يمكن أهله من إنزاله، ويبقى حتى يفنى على الخشبة، أو تأكله الكلاب، نقله ابن عرفة.

стр. 775

قال في التبصرة: وأما الصبي يحارب فإن لم يحتلم ولا أنبت عوقب، ولم يقم عليه حد الحرابة، واختلف فيه إذا أنبت الإنبات البين، وأن لا يقام عليه ذلك أحسن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (١) وأما المجنون فيعاقب لينزجر عن مثل ذلك، إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف فيقام عليه الحد، وإن كان يجن ويفيق، فحارب في حال إفاقته، ثم جُن، فإنه يؤخر حتى يفيق، فيقام عليه الحد. قوله: وإن على حرابة يتفق البيت، معناه أنه إذا اجتمع قوم على الحرابة فأخذ أحدهم غرم جميع ما أخذوه، لتقوي بعضهم ببعض، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إذا اجتمع القوم في الغصب، أو السرقة أو الحرابة، فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه، لأن بعضهم قوي ببعض، كالقوم يجتمعون على قتل رجل فيقتل جميعهم به، وإن ولي القتل أحدهم، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، نقله في المواهب. ١٧٤٨ - ويُرجم الزاني إذا ما اُحصنا ... بحجر معتدل إلى المَنى ١٧٤٩ - وهْو الذي وطئ وطأً قدُ اُبيح ... مكلفا حرا عن النكح الصحيح ١٧٥٠ - وغيره بكر وفيه الجلدُ ... بمائة السياط هو الحدُّ ١٧٥١ - معْ سَجنه عاما بنحو خيبرا ... من طيبة إن كان حرا ذكرا ١٧٥٢ - والعبد عنه نصف ذلك سقط ... كذا الإما فاجلده خمسين فقط الزنى عرفه خليل - رحمه الله تعالى - بقوله: الزنى وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدا، وإن لواطا، أو إتيان أجنبية بدبر.

стр. 776

فخرج بقوله: وطء، ما دونه، فلا يجب به حد، كما في حديث " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " (١) وخرج بقوله: مكلف، الصبي والمجنون، لرفع القلم عنهما، وخرج بقوله: مسلم، زنى الكافر، وخرج بقوله: فرج، الوطء في ما سوى الفرج، كالعُكُن، وخرج بقوله: آدمي، إتيان البهيمة، وخرج بقوله: لا ملك له فيه، إتيان من تحل له، ومثل الملك شبهته كإتيان الوالد أمة ولده، وكإتيان الشريك الأمة المشتركة، وخرج بقوله: باتفاق، إتيان المختلف في حليتها، كالزوجة في الأنكحة الفاسدة المختلف في فسادها، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وخرج بقوله: تعمدا، الغلط بامرأة يشبهها بزوجته أو أمته، ولا فرق في ما ذكر بين الفاعل والمفعول به، فمن تحققت فيه هذه الصفات منهما فهو زان، ومن لا فلا. قوله: ويرجم الزاني البيتين، معناه أن حد الزاني المحصن الرجم بالحجارة المتوسطة حتى يموت، قال مالك - رحمه الله تعالى -: يرمى بالحجارة التي يرمى بمثلها، فأما الصخور العظام فلا يستطاع الرمي بتلك، قال في التبصرة: ولا يرمى بالصخور وإن كانت مما يستطاع الرمي بها، لأنها تشوه، وإنما الرمي بالحجارة، ولا تكون صغارا مما تؤدي للعذاب، ولا تجمر، ولا يختص الظهر بالرجم، ويختص به المواضع التي هي مقاتل الظهر وغيره، ومن السرة إلى ما فوق، ويجتنب الوجه، ولا يضرب في رجليه إذا لم يحفر له، ولا في ساقيه ولا يديه، لأن ذلك تعذيب، وليس ذلك بمقتل، ويجرد أعلا الرجل، ولا تجرد المرأة. ولا يجلد المحصن قبل الرجم، وما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - من الجمع بين الجلد والرجم منسوخ كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - بما جاء في رجم ماعز، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في قصة العسيف: " واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها (٢).

стр. 777

والمحصن هو الذي حصل منه وطء مباح في نكاح صحيح، مع الإسلام والحرية والتكليف، رجلا كان أو امرأة، فالوطء الحرام كالوطء في حيض أوصوم أو إحرام لا يحصن على المشهور، والوطء بالتسري لا يحصن، والوطء في النكاح الفاسد الذي لا يقر عليه لا يحصن، وكذلك الذي يقر عليه قبل حصول ما يقر لأجله، وحصول ذلك قبل الإسلام لا يحصن، وكذلك حصوله في الرق أو الصبوة أو الجنون، وإلى هذا الإشارة بقوله: وهو الذي البيت. قوله: وغيره بكر البيت، معناه أن غير المحصن هو البكر، وحده جلد مائة سوط، وتغريب عام، ويكون الجلد بسوط بين سوطين، لحديث الموطإ أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - دعا بسوط لجلد رجل اعترف على نفسه بالزنى، فأتي بسوط مكسور، فقال: " فوق هذا " فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمَرَته، فقال: " دون هذا " فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به فجلد، ثم قال: " أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله . قال في التبصرة: ويتولى الضرب رجل بين الرجلين، لا بالشديد ولا بالضعيف، ويضرب ضربا بين الضربين، لا بغاية قوة، ولا بأقلها، ويخص بالضرب الظهر. قوله: مع سجنه البيت، أشار به إلى أن البكر ينفى بعد جلده نحو فدك وخيبر من المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم، ويختص التغريب بالرجل الحر، لما في تغريب المرأة من التعريض للفساد، ولما في تغريب العبد من ضياع حق سيده، وقد يكون التغريب أحب إلى العبد من البقاء مع سيده، فلا يكون تغريبه عقوبة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: الذي أدركت أهل العلم عليه أنه لا نفي على العبيد إذا زنوا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: قال في الموازية: وكراؤه في مسيره عليه في ماله في الزاني والمحارب، فإن لم يكن له مال ففي مال المسلمين، وقاله أصبغ.

стр. 778

قوله: والعبد البيت، معناه أن الرقيق يجلد خمسين جلدة فقط، على النصف من الحر، لقوله : (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وروى مالك في الموطإ عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - أمره في فتية من قريش فجلدوا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنى. ١٧٥٣ - ويثبت الزنى بالاقرار ولـ ... ـكن أيضا إن رجع عنه قبلا ١٧٥٤ - كذا بحمل وشهود أربعه ... معدَّلين عاينوا المجامعه ١٧٥٥ - يراه كل واحد كالمرود ... بمُكحُل وذا بوقت واحد ١٧٥٦ - وإن يُتم الوصف بعض دونا ... بعضهمُ حُد المتممونا ١٧٥٧ - وما على الصبي حد مطلقا ... رمى زنى شرب لاط سرقا ١٧٥٨ - ومن يطأ أمة والد يُحَد ... بعكس والد يطا ملك الولد ١٧٥٩ - وقومنَّها عليه مسجلا ... إذ وطؤها على بنيه انحظلا قوله: ويثبت الزنى البيتين، معناه أن الزنى يثبت بواحد من ثلاثة أمور، أحدها الإقرار، ولا يشترط فيه التكرار، لظاهر الأحاديث الصحيحة خلافا لمن اشترط تكرره أربع مرات، وإذا رجع قُبِل رجوعه بلا خلاف إن كان رجوعه لوجه وشبهة، وعلى المشهور إن رجع لغير شبهة، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الملك، وعن مالك رواية أيضا أنه لا يقبل، وقد أعرض صلى الله تعالى عليه وسلم عن الذي أقر على نفسه حتى أكثر عليه، وقال: " لعلك كذا ولعلك كذا " وقد روى مالك عن أبي واقد الليثي أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أتاه وهو في الشام رجل، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلا، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي - رضي الله تعالى عنهما - إلى امرأته يسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها، فذكر لها الذي قال زوجها لعمر، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع، فأبت أن تنزع، وتمت على الاعتراف، فأمر بها عمر فرجمت.

стр. 779

الأمر الثاني الحمل في غير المتزوجة وذات السيد المقر بوطئها، وقد جاء في الموطإ عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - أنه أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر، فأمر بها أن ترجم، فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -: ليس ذلك عليها، إن الله ﵎ يقول في كتابه الكريم: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وقال جل من قائل: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها، فبعث عثمان في أثرها فوجدها قد رجمت. والأمر الثالث شهادة أربعة شهود، وقد تكرر ذكر عددهم في آيات من القرآن الكريم، ويشترط تصريحهم بحصول ما يوجب الحد، بأن يقولوا إنهم رأوا فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر، ولا بد أن يكون ما شهدوا عليه فعلا واحدا، فلو شهد بعضهم على فعل ذلك في وقت، وشهد بعضهم على فعله في وقت آخر لم تقبل شهادتهم، إذ لم تثبت واحدة من المرتين، والشهادة لا تلفق في الأفعال، وقد جاء في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " لو كنت راجما أحدا بغير بينة، رجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها " (١). قوله: وإن يتم الوصف البيت، معناه أنه إذا أكمل الوصف المذكور بعض الشهود دون بعض، سقط حد الفاحشة، ووجب حد القذف على من أتم الوصف المذكور، وقضاء بعض الخلفاء الراشدين بذلك مشهور. قوله: وما على الصبي البيت، معناه أنه لا حد على الصبي مطلقا، لأن التكليف شرط في الحدود كلها، وقد رفع عنه القلم. قوله: ومن يطأ أمة والد يحد، معناه أن من وطئ أمة مملوكة لأبيه حد، إذ لا شبهة له في مال أبيه، وحكي عن بعض أصحاب مالك - رحمه الله تعالى - أنه لا يحد، واختاره اللخمي - رحمه الله تعالى -.

стр. 780

قوله: بعكس والد إلخ، معناه أن الوالد إذا وطئ أمة ابنه لا يحد، لما له في ماله من الشبهة، وتقوم عليه، لأنها حرمت على الابن بذلك. ١٧٦٠ - وأدب الشريك حيث جامعا ... معْ علمه بأن ذاك امتنعا ١٧٦١ - ويضمن القيمة حيث أيسرا ... وخَيِّرِ إن لم تك حبلى الاخَرا ١٧٦٢ - فإن يشأ بحظه تماسكا ... وإن يشأ قومها كذلكا ١٧٦٣ - وحامل تزعم الاستكراها ... على الزنى لا تسمعنْ دعواها ١٧٦٤ - إلا إذا أثبتت احتمالا ... وغيبة كرها فلا إشكالا ١٧٦٥ - أو استغاثت وقت ذاك الظلم ... أو فوره جاءت وهي تدمي قوله: وأدب الشريك الأبيات الثلاثة، معناه أن الشريك إذا وطئ الأمة المشتركة لم يحد للشبهة، ويؤدب إن كان عالما بالحرمة، زجرا له عن مثل ذلك ولأمثاله من ضعفاء الدين، ويقوم عليه قسط شريكه إن حملت وكان موسرا، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: وعلى هذا الأمر عندنا، وإن كان معسرا بيعت في ذلك، وهي إحدى المسائل التي تباع فيها أم الولد، وإن لم تحمل خير شريكه بين التقويم، وبقائه شريكا فيها، وإلى ذلك أشار بقوله: وخير إن لم تك حبلى الاخرا البيتين، وقيل لا يخير في ذلك، وله نصف ما نقص بالوطء، وقيل تقوم على كل حال.

стр. 781

قوله: وحامل تزعم الأبيات، معناه أن غير ذات الزوج والسيد المقر إذا ظهر بها حمل تحد، ولا تصدق إذا ادعت الاستكراه، إلا لبينة أنها احتملت وغيب عليها، وكذلك إذا جاءت مستغيثة عند حدوث الاغتصاب، أو جاءت تدمي، ونحو ذلك من القرائن، فلا حد عليها للشبهة، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: الأمر عندنا في المرأة توجد حاملا ولا زوج لها فتقول: قد استكرهت، أو تقول: تزوجت، أن ذلك لا يقبل منها، وأنها يقام عليها الحد، إلا أن يكون لها على ما ادعت من النكاح بينة، أو على أنها استكرهت، أو جاءت تدمي إن كانت بكرا، أو استغاثت حتى أتيت وهي على ذلك الحال، أو ما أشبه هذا من الأمر الذي تبلغ فيه فضيحة نفسها، قال: فإن لم تأت بشيء من هذا أقيم عليها الحد، ولم يقبل منها ما ادعت من ذلك.

стр. 782

قال في التبصرة: إلا أن تكون المرأة معروفة بالخير، ولا يطعن عليها بشيء، فقالت: كنت كتمت ذلك رجاء أن لا يكون حمل ولا أكشف نفسي، أو رجاء أن يسقط، فتعذر بذلك، ومثله لو لم تسم من استكرهها، وقالت: رجوت ستر ذلك وهي معروفة بالخير، فلا أرى أن تحد، وهذا الذي آخذ به في ذلك، وقد روي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت وقالت: كنت نائمة فما أيقظني إلا الرجل وقد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى الموسم هي وناس معها من قومها، فسألهم عنها فأثنوا عليها خيرا، فلم ير عليها حدا وكساها، وأوصى بها أهلها، إلى أن قال: وقد جاءت في هذا الأصل مسائل متقاربة المعنى حمل في بعضها على الوطء، وفي بعضها على عدمه، فقالوا إذا شهد أربعة على رجل أنهم رأوه على امرأة بين فخذيها أنه لا يحمل على الوطء، ولو وجد الماء لإمكان أن يكون أصابها بين فخذيها، وإن ظهر بها حمل حمل على أنه الوطء في الفرج، ويقام عليها الحد، مع إمكان أن يكون ذلك خارج الفرج، ثم وصل الماء، إلا أن يقال إنما حدت لأنها سلمت أنه كان في الفرج وادعت الاستكراه، وأنها لو ادعت أن الإصابة كانت خارج الفرج فوصل الماء فحملت لصدقت، كما يصدق من شهد عليه أن كان بين فخذيها، وفي حديث عويمر أنه لاعن وادعى عليها الزنى، ولم يقل رأيت فرجا في فرج، فلاعن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بينهما على ذلك، (١) ولا أمره أن يثبت ذلك في لعانه، وقد أخذ مالك - رحمه الله تعالى - بهذا مرة في الزوج خاصة دون الشهادة، فقال: إذا قذف امرأته، أو نفى حملا، لاعن، ولم يسأل عن شيء، اتباعا للحديث. ١٧٦٦ - ويقتل الذمي بغصب المسلمه ... وظاهر الشيخ ولو كانت أمه ١٧٦٧ - وجاز للسيد أن يحدا ... حدَّ الزنى أمتَه والعبدا ١٧٦٨ - ما لم تك الأمة زوجَ حر ... أو تك زوجة لعبد غير ١٧٦٩ - وذاك حيث اعترفا أو يثبت ... عليهما بمن سواه العنت

стр. 783

١٧٧٠ - على الذي من الشروط قُدما ... كذا إذا ظهر حمل بالإما ١٧٧١ - أما اللواط فارجمنَّ فاعله ... كذاك مفعول به قد قبله ١٧٧٢ - لا فرق بين محصَن والبكر ... وإن يكن رقيقا أو ذا كفر قوله: ويقتل الذمي بغصب المسلمه البيت، معناه أن الذمي إذا اغتصب المسلمة كان ناقضا للعهد، فيقتل، وظاهر الشيخ ولو كانت المسلمة أمة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الشيخ عن محمد: وإن استكره أمة لم يقتل، كما لو قتلها، وفيه اختلاف، وهذا أحب إلي لما جاء " لا يقتل حر بعبد " (١) قال مالك - رحمه الله تعالى -: وعليه في الأمة ما نقصها في البكر والثيب. واختلف إذا زنى بالحرة طائعة، قال ابن عرفة: قال ربيعة: هو نقض، وسماع عبد الملك ابن وهب: تضرب المرأة الحد، ويضرب النصراني ضربا يموت منه، وإن اغتصبها نفسها صلب. قوله: وجاز للسيد أن يحدا الأبيات الأربعة، معناه أنه يجوز للسيد أن يقيم الحد على أمته إن كانت غير متزوجة، أو متزوجة بعبد يملكه، فإن كانت متزوجة بغير مملوكه لم يكن له حدها، وإنما يحدها الإمام، وكذلك القول في العبد، فلسيده إقامة الحد عليه إن لم يكن متزوجا بغير ملك سيده، وفي الصحيح " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناهافليبعهاولو بحبل من شعر " (٢) ولا يحد السيد رقيقه بعلمه، إذ لا يجوز للسلطان أن يقيم الحد بعلمه، وإنما يحده بالبينة أو الحمل في الأمة، ويحضر للحد أربعة، فإن شهد معه ثلاثة رفعه للإمام ولم يحده، ومثل حد الزنى حد القذف والشرب، فللسيد أن يقيم الحد فيها على رقيقه إذا ثبتت بغيره، قال ابن عرفة: قال مالك: من وجد عبده سكران لم يجلده حتى يشهد على سكره، ويحضر جلده رجلان.

стр. 784

وقوله: على الذي من الشروط قدما، يشير به إلى قوله: يراه كل واحد كالمرود البيت قوله: أما اللواط البيتين، معناه أن حد اللائط الرجم، محصنا أو بكرا، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، لا فرق في ذلك بين الفاعل والمفعول به، ولا يثبت اللواط إلا بالإقرار أو شهادة أربعة كالزنى، قال سيدي زروق: قال مالك - رحمهما الله : الرجم هي العقوبة التي أنزل الله بقوم لوط - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - ولم يميز بين محصن ولا غيره، فيجب أن يكون حد اللائط رجمه، إلى أن قال: ووجد رجل معه صبي في كساء بحيث لم يشكوا في المنكر فأمر مالك - رحمه الله تعالى - أمير المدينة بسجنه، فسجنه سنة، ثم ضربه أربعمائة سوط، فانتفخ منها ومات، ولم يحفل به، وكان أبوه في مدة سجنه يقول: اتق الله يا مالك، فوالله ما خلقت النار باطلا، فيقول: من الباطل ما فعله ولدك، فاعرف ذلك. واختلف في إتيان الأجنبية بدبرها هل هو زنى أو لواط، وأما المساحقة - وهي إتيان المرأة المرأة - ففيها الأدب باجتهاد الحاكم. ١٧٧٣ - والقاذفَ الحرَّ اجلدنَّه ثما ... نين فحسب كافرا أو مسلما ١٧٧٤ - والعبد نصفَها وقذفُ العبد ... وكافرٍ ليس به من حد ١٧٧٥ - وهكذا الصبي، والصغيره ... إن يؤت مثلها فكالكبيره ١٧٧٦ - ومن نفى نسب حر مسلم ... حُد له كلستَ نجلَ سالم ١٧٧٧ - والحد في التعريض أيضا قد وجب ... كلستُ بالزاني أو الواهي النسب ١٧٧٨ - ومثل ذاك من بفعل قوم ... سيدنا لوط عفيفا يرمي ١٧٧٩ - ومن رمى جماعة تعددوا ... كفاه للجميع حد واحد القذف في اللغة: الرمي، سميت به النسبة إلى المكروه مجازا، لأنها إصابة بالشر عن بعد، والقذف الموجب للحد عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفا مسلما بالغا، أو صغيرة تطيق الوطء لزنى، أو قطع نسب مسلم.

стр. 785

قال ابن عرفة: والعفاف قال ابن شاس: قال الأستاذ أبو بكر: أن لا يكون معروفا بالقيان ومواضع الفساد والزنى، قال ابن عرفة: وظواهر نصوص المذهب خلافه. ثم قال - رضي الله تعالى عنه -: مسائل المدونة وغيرها واضحة بأنه السلامة من فعل الزنى قبل قذفه وبعده، ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه. واختلف إذا علم المقذوف من نفسه ما قذف به، فأجاز له مالك - رحمه الله تعالى - القيام به، وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز له، وقال ابن القاسم في سماع أبي زيد: واستحسنه بعض الشيوخ لقوله : (والذين يرمون المحصنات) وهذا ليس بمحصن. قوله: والقاذف الحر البيت، معناه أن القاذف إذا كان حرا يجلد ثمانين جلدة للآية الكريمة، والحرية شرط في الثمانين لا في الحد، فالقاذف لا يشترط في حده إلا البلوغ والعقل، فيحد الكافر، والعبد، والمرأة، والرجل، لقوله : (والذين يرمون) فعم ذلك كله، وخرج الصبي والمجنون بما تقرر من رفع القلم عنهما. قوله والعبد نصفها، معناه أن الرقيق يجلد أربعين جلدة فقط، لما تقدم في حد الزنى، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنهما - والخلفاء هلم جرا فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين. قوله: وقذف العبد البيت، معناه أنه لا حد على قاذف الرقيق أو الكافر، لأن حد القذف إنما ذكر في المحصنات خاصة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والإحصان الذي يوجب الحد في القذف هو الإحصان بالحرية والإسلام الذي يوجب جلد مائة في الزنى. قوله: وهكذا الصبي، معناه أنه لا حد على قاذف الصبي لعدم لحوق المعرة، بخلاف الصبية إذا كانت مطيقة، فلها حكم الكبيرة لاستوائها معها في المعرة التي هي السبب، وإلى ذلك أشار ببقية البيت.

стр. 786

قوله: ومن نفى نسب حر البيت معناه أن نفي نسب الحر المسلم، كبيرا أو صبيا، ذكرا أو أنثى، وإن كانت أمه أمة، أو كافرة، أو ملاعنة فيه، كقذفه بالفاحشة في إيجاب الحد سواء كان ذلك تصريحا أو تعريضا، والمدرك الثابت في ذلك العرف في الاستعمال، والقرائن، فإن لم يكونا فالوضع، وقد فرقوا في قوله لمن أمه أمة أو كافرة يا ابن الزانية، بين تعريف الزانية وتنكيرها، فاوجبوا الحد في التنكير لأنه قطع لنسبه، إذ معناه تخلقه من زنى، وأسقطوه في التعريف لأنه قذف لأمه وهي غير محصنة. قوله: والحد في التعريض البيت، معناه أنه لا فرق في القذف ونفي النسب بين التصريح والتعريض، والتصريح كأن يقول: زيد زان، أوليس ابن عمرو الملحق به، ولا يقبل منه في التصريح أنه لم يرد مقتضى اللفظ، إلا أن تنتصب على دعواه قرينة بينة، والتعريض كل ما دل على القذف، أو نفي النسب بقرينة بينة، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر - رضي الله تعالى عنه - فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر - رضي الله تعالى عنه - ثمانين. قوله: ومثل ذاك من بفعل البيت معناه أن القذف باللواط كالقذف بالزنى، فيجب الحد في التصريح به والتعريض

стр. 787

قوله: ومن رمى البيت، معناه أن من قذف جماعة كفى في حده حد واحد، سواء قذفهم في كلمة واحدة، أو متفرقين، أو قذف بعضا ونفى نسب بعض، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ويدخل تحت قوله : (المحصنات) الرجال والنساء، لأنه لما كانت لا تزني امرأة إلا برجل اكتفى الله بذكر المحصنات عن المحصنين، وهو أمر متفق عليه، إلى أن قال: وهذا المعنى يدل على أن قاذف الجماعة يحد حدا واحدا، لأن قاذف المحصنة قاذف للذي زنى بها، ولم يوجب الله عليه إلا حدا واحدا، مع قوله أيضا: (والذين يرمون المحصنات) وهن جماعة. ١٧٨٠ - وهكذا من لزنى قد كررا ... أو شُربٍ، أو قَذَف ثم سَكِرا ١٧٨١ - كما عن الحدود قتلٌ قد كفى ... إلا بحق من لشخص قذفا ١٧٨٢ - وشارب المسكر لو لم يسكر ... لقلة يُجلد جلد المفتري ١٧٨٣ - وجردنْ من كل ثوب الذكر ... في الحد غير ما لعورة ستر ١٧٨٤ - وجردنْ من واقٍ الضربَ النسا ... ويجلد المحدود كلا جالسا ١٧٨٥ - وأخرنْ للوضع ذاتَ الحمل ... ولوجود مرضع للطفل ١٧٨٦ - كذا مريض لزوال السقَم ... وأدبنَّ واطئ البهائم قوله: وهكذا من لزنى البيت، معناه أن من كرر الزنى، أو الشرب، أو القذف لواحد، أو جماعة، كفى حده مرة واحدة، وقد حكوا في هذا الإجماع، وذلك لقاعدة أن السبب إذا تكرر واتحد موجَبه كفى فيه مسبب واحد، وهذا إذا كان التكرر قبل فعل المسبب، فإن تخلل المسبب الأسباب تعدد قطعا، وقد وهم في هذا بعض، فأجرى عليه تكرر حكاية الأذان، والصواب أن السقوط للحرج، واختلف في من قذف وشرب، والمشهور كفاية حد واحد، واختلف في من زنى وقذف، والمشهور أن يقام عليه الحدان معا، وهو قول مالك وابن القاسم - رحمهما الله تعالى - كما في التبصرة، وقال عبد الملك: يحد مائة للزنى ويدخل الشرب والفريةفي ذلك، نقله في التبصرة.

стр. 788

قوله: كما عن الحدود قتل قد كفى البيت معناه أن القتل تندرج فيه الحدود من قطع وجلد، إلا حد القذف فلا يندرج، بل يقام عليه قبل القتل ليندرئ العار عن المقذوف، وقيل إنه يندرج في القتل كغيره، قال في التبصرة: ولو قتل رجلا وزنى وهو محصَن رجم، ويسقط مقال أولياء المقتول، وإن كان غير محصَن قتل للقصاص ولم يجلد للزنى، ولو قتل رجلا لعداوة، وآخر في حرابة أو غيلة، قتل للحرابة وللغيلة، ولم يكن لأولياء المقتول مقال في عفو ولا دية، وإن زنى وهو محصَن، أو قتل في حرابة، وافترى على رجل، حُد للفرية ليدفع عنه معرة القذف، ثم قتل، وإن قطع يمين رجل قتل للحرابة ولم يقطع، هذا قول ابن القاسم، وأرى أن يقطع ثم يقتل، ليشتفي بالقطع من قطعت يمينه، وإن زنى وهو بكر، ثم زنى وهو محصن رجم ولم يجلد، وهو قول ابن القاسم، والقياس أن يجلد ثم يرجم، لأن الغرض الأول أن يؤلم بالضرب، وهو جنس غير الآخر، فيقام عليه ثم يرجم، إلى أن قال: إذا وجب حد ما دون القتل كقطع لسرقة أو قصاص، أو ضرب بكر في الزنى، أو جلد لشرب خمر أو قذف في شدة حر أو برد، وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك، أخر لوقت آخر يؤمن عليه فيه، وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان يقام عليه افترق الجواب، فأما القطع عن السرقة فيسقط، ويعاقب ويسجن، وإن كان القطع عن قصاص رجع فيه إلى الدية، واختلف هل يكون ذلك في مال الجاني أو على العاقلة، وإن كان ضرب لقذف، كان من حق المقذوف أن يفرق الضرب عليه وقتا بعد وقت، حتى يستكمل حقه في ذلك، وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يكمل ما وجب عليه فيه، وإن اجتمع على رجل حدان جميعا لله ، أو لآدمي، أو أحدهما لله والآخر لآدمي، فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه، وإن كان فيه محمل لأحدهما وهما جميعا لله بدئ بآكدهما، كالجلد عن الزنى وشرب الخمر، فيجلد عن الزنى، إلا أن يخاف عليه في المائة، ولا

стр. 789

يخلف عليه في الثمانين، وإن كان الخوف لشدة حر أو برد، أقيم عليه الثمانون وأخر بالمائة، وإن كان الخوف لضعف بنية ابتدئ بالجلد عن الزنى، وأقيم عليه منه ما يؤمن عليه معه، ثم يستكمل وقتا بعد وقت، فإذا أكملت المائة ضرب للشرب، وإن كان الحقان لآدمي لأنه قطع يد هذا، وقذف هذا، اقترعا أيهما يبدأ بإقامة حقه من غير مراعاة للآكد، وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأدنى من غير قرعة، وإن كان أحدهما لله والآخر لآدمي بدئ بما هو لله ، إلا أن لا يكون فيه محمل إلا لما هو لآدمي، فيقام عليه، ويؤخر ما كان لله لوقت لا يخاف عليه، وإن كان الخوف في أي وقت أقيم عليه، وكان الحق الذي هو لله جلدا، ابتدئ به متفرقا، ويقام عليه ما كان للآدمي. قوله: وشارب المسكر البيت، معناه أن من شرب مسكرا يجلد ثمانين جلدة إذا كان حرا، وأول من فعل ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - بعد أن استشار في ذلك، ويجلد العبد أربعين، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - من فعل عمر وعثمان وعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -. قال مالك - رحمه الله تعالى -: والسنة عندنا أن كل من شرب شرابا مسكرا فسكر أو لم يسكر فقد وجب عليه الحد. قوله: وجردن البيتين، معناه أن الرجل يجرد في الحد من الثياب إلا ما يستر عورته، وأما المرأة فإنما تجرد مما يمنع ألم الضرب، ويجلد المحدود قاعدا، ويضرب على الظهر والكتفين، دون سائر الأعضاء، ولا يربط ولا يمد، وتخلى له يداه يتقي بهما، وبلغ مالكا - رحمه الله تعالى - أن بعض الأئمة أقعد المرأة في قفة فأعجبه ذلك، والقفة: آنية كالحوض من الخوص ونحوه.

стр. 790

قوله: وأخرن إلى قوله: السقم، معناه أن الحامل تؤخر إقامة الحد عليها حتى تضع، وتؤخر المرضع لوجود مرضع، أو الفطام، كما في خبر الغامدية، ويؤخر المريض حتى يصح، كما في خبر الأمة النفساء التي بعث إليها النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ عليا ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فقال: " أحسنت " (١) وتؤخر المتزوجة حتى تستبرأ بحيضة إذا احتمل حملها. قوله: وأدبن واطئ البهائم، معناه أن واطئ البهيمة يؤدب ولا حد عليه، ولا شيء في البهيمة، وهي كغيرها من البهائم في الأكل ونحوه. ١٧٨٧ - وسارق من الدراهم ثلا ... ثة أو الذي لها قد عادلا ١٧٨٨ - من العروض كلها أو ربعا ... دينار إن كانت بحرز قُطعا السرقة الموجبة للحد عرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: السرقة: أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره، أو مالا محترما لغيره نصابا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد، خفية، لا شبهة له فيه، فيخرج أخذ غير الأسير مال حربي، وما اجتمع بتعدد إخراج وقصد، والأب مال ولده، والمضطر في المجاعة.

стр. 791

ومعنى البيتين أن من سرق من حرز ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو عرضا، قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم، في مرة واحدة، أو في مرات بقصد واحد، اتحد مالكه أو تعدد، قطع، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم، (١) والمجن: الترس، وأن عثمان - رضي الله تعالى عنه - قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، وأن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ما طال عليَّ وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا، (٢) قال في المقدمات: الدراهم والدنانير كل واحد منها أصل في نفسه، لا يرد إليه صاحبه، لأنهما جميعا أثمان للأشياء، وقيم للمتلفات، واختصت السرقة بالتقويم بالدراهم، دون الدنانير، من سائر المتلفات للسنة المذكورة، فلا تقوم السرقة إلا بالدراهم كان البلد تجري فيه الدنانير والدراهم، أو لا يجري فيه أحدهما، وإنما يتعامل الناس فيه بالعروض، هذا مذهب مالك - رحمه الله تعالى - وهو ظاهر قوله في المدونة، ونص ما في كتاب ابن المواز خلاف قول أبي بكر الأبهري، وقال عبد الوهاب إنما تقوم بالأغلب في البلد من الصنفين.

стр. 792

والحرز ما يعد الموضوع فيه عرفا مصونا، قال في الجواهر: وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف به فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه، فمن ذلك أن الدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها، غاب أهلها أو حضروا، وكذلك ظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في الموقف للبيع وإن لم يكن هناك حانوت كان معه أهله أم لا سرقت في ليل أو نهار، وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها محرزة، كان أهلها معها أم لا، فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة، إلا أن يكون معها حافظ، ومن ربط دابة بفنائه، أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه، فإنه حرز لها. وتشترط في المسروق أمور أحدها أن لا يكون مملوكا للسارق، فلو سرق وديعته عند رجل، أو رهْنَه، أو مستأجَرَه، لم يقطع، ولو ورث مسروقه قبل أن يخرجه من الحرز لم يقطع، الثاني أن يكون محترما، فلو سرق خمرا، أو خنزيرا، أو آلة لهو لا تبلغ النصاب إلا من تلك الجهة، لم يقطع، الثالث أن لا يكون السارق شريكا في المسروق إذا لم يحجب عنه، وإن حجب عنه، نظر، فإن زاد ما سرقه على حصته بنصاب، قطع، وإلا فلا، الرابع أن لا تكون له شبهة فيه، فلا يقطع أب ولا أم إذا سرقا من مال ابنهما، ولا يقطع من سرق حقه من مال غريمه المماطل. ١٧٨٩ - ومن يكن أُخذ في الحرز فلا ... يُقطع حيث المال كان داخلا ١٧٩٠ - كسارق من غير حرز كثمر ... يأخذه من فوق أرؤس الشجر ١٧٩١ - وقلب نخل مثلا أو الغنم ... برعيها وإن يك الرعاة ثَم ١٧٩٢ - أما إذا من المراح كان قد ... أخذها فذاك مطلقا يحد ١٧٩٣ - كسارق من الجرين تمرا ... فإنه يقطع لو بصحرا ١٧٩٤ - كسارق من جيب أو أكمام ... أو العمامة أو الحزام ١٧٩٥ - ومَن مِن الهُرْي كذلك سرق ... أو بيت مال أيضا القطع استحق ١٧٩٦ - أو مغنم أو إن على المناب ... قد زاد ما سرق بالنصاب ١٧٩٧ - وما على مختلس أو غاصب ... أو خائن قطع ولكن اَدِّب

стр. 793

١٧٩٨ - كمثل من سرق من بيت لهُ ... منَ اَهله أُذِن أن يدخله قوله: ومن يكن أخذ في الحرز البيت، معناه أن السارق إذا أخذ داخل الحرز قبل أن يخرج السرقة لا يقطع، لأنه مريد سرقة لا سارق، واختلف إذا رمى بالسرقة خارج الحرز وبقي في الحرز حتى أخذ، وأما إذا هرب بالسرقة بعد أخذه في الحرز فلا يقطع، لأنه لم يخرجها على وجه السرقة، وإنما هو مختلس، وكذلك لا قطع على من سرق مالا من غير حرز كالثمر المعلق على رؤوس الشجر، وكقلب النخل، وهو الجمار كعناب، وفي حديث الموطإ " لا قطع في ثمر ولا كثر " (١) والكثر هو الجمار، وهذا في الحوائط، وأما النخلة أو النخلات تكون في الدار، فهي حرز لها، فمن سرق منها نصابا قطع، وكذلك الحوائط المحروسة أو التي عليها غلق، ولا قطع على من سرق من غنم مثلا في رعيها، إذ ليست في حرز، ولو كان معها راع، وذلك لتفرقها، وإنما يقطع إذا سرق منها وهي في مراحها، لأنه حرز لها، سرق منها ليلا أو نهارا، بحضرة صاحبها أو لا، واختلف إذا سرق منها وهي سائرة من المراح إلى المرعى، أو عائدة منه إلى المراح، وروى مالك - رحمه الله تعالى - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل " قال: فإذا آواها المراح، أو الجرين، فالقطع في ما يبلغ ثمن المجن، وإلى هذا أشار بقوله: كسارق من غير حرز الأبيات الأربعة. قوله: كسارق من جيب البيت، معناه أن من سرق نصابا من جيب، أو كم، أو عمامة، أو حزام، يقطع، وهذا ظاهر. قوله: ومن من الهري البيت، معناه أن من سرق نصابا من الهري، أو من بيت المال، يقطع اتفاقا، لضعف الشبهة، والهري: البيت الذي يجعل الإمام فيه الأطعمة، كالقمح ونحوه، مثل بيت المال للعين، جمعه أهراء، كقفل وأقفال.

стр. 794

قوله: أو مغنم أو إن على المناب البيت، معناه أنه إذا سرق أحد المجاهدين من الغنيمة بعد حوزها نصابا، قطع، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وقيل لابن القاسم في كتاب السرقة من المدونة: أليس له فيها حصة؟ قال: قال مالك: وكم تلك الحصة؟ ففهم منه أن القطع إنما هو مع كبر الجيش وقلة الغنيمة، ولو انعكس الفرض لكانت كمسألة الشريكين. وقيل لا يقطع إلا إذا سرق فوق منابه بنصاب، وهل المعتبر في ذلك خصوص جنس المسروق أو عموم الغنيمة احتمالان. قوله: وما على مختلس البيت، معناه أنه لا قطع على مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولكن يؤدب، والاختلاس: الأخذ على وجه المخاتلة، والغصب: الأخذ بالقهر من غير حرابة، والخيانة أن يكون وصوله إلى محل المسروق عن إذن في الجملة، وفي الحديث " لا قطع على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس " ومثل للخائن بقوله: كمثل من سرق البيت، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: الأمر عندنا أنه إذا كانت دار رجل مغلقة عليه ليس معه فيها غيره، فإنه لا يجب على من سرق منها شيئا القطع حتى يخرج به من الدار كلها، وذلك أن الدار كلها هي حرزه، فإن كان معه في الدار ساكن غيره، وكان كل إنسان منهم يغلق عليه بابه، وكانت حرزا لهم جميعا، فمن سرق من بيوت تلك الدار شيئا يجب فيه القطع فخرج به إلى الدار، فقد أخرجه من حرزه إلى غير حرزه، ووجب عليه فيه القطع.

стр. 795

وقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الصقلي: تلخيص قولها في الدور أنها على ثلاثة أقسام، الأول المشتركة المأذون فيها لساكنيها فقط، ومن سرق من سكانها من بيت محجور عنه قطع بإخراجه المتاع إلى الساحة، وإن سرق من الساحة لم يقطع، وإن خرج به من جميع الدار، أو سرق من غير سكانها لم يقطع إلا بإخراجه من جميع الدار، سرقه من البيت او من الساحة قاله سحنون، وقال محمد: يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة، وإن سرقه من الساحة لم يقطع حتى يخرجه من جميع الدار، الثاني المشتركة المباحة لكل الناس، بيوتها كبيوت السكة النافذة، وساحتها كالسكة النافذة، من سرق من بيوتها قطع بإخراج السرقة من البيت، كان من سكانها أو من غيرهم، ومن سرق من ساحتها لم يقطع، وإن أخرجه من جميع الدار من سكانها أو من غيرهم، الثالث المأذون فيها الغير مشتركة إن سرق منها من أذن له من بيت حجر عنه فأخذ في الدار أو بعد أن خرج منها لم يقطع، وقيل يقطع إذا أخرجه من البيت. ١٧٩٩ - ولْتقطعنْ يدَ اليمين أولا ... فإن يعدْ بعدُ لما قد فعلا ١٨٠٠ - فرجلَه اليسرى اقطعنْ فيسرى ... الايدي اقطعنْ فالرجل أيضا الاخرى ١٨٠١ - فإن يعد زُجَّ به في السِّجن ... معْ جلده للتوب أو للحَيْن ١٨٠٢ - ومن بها أقر طوعا قُطعا ... وليُترك إن عن ذاك أيضا رجعا ١٨٠٣ - وغرم القيمة إن كانت معه ... وحيث لم تكن لديه اتَّبعه ١٨٠٤ - والعبد إن أقر في ما يلزم ... ببدن كالقطع فهْو لازم ١٨٠٥ - وباطل إقراره بالمال ... وكل ما إليه ذو مآل

стр. 796

قوله: ولتقطعن يد اليمين الأبيات الثلاثة، معناه أن السارق تقطع يده اليمنى أولا من الكوع وتحسم بالنار، لئلا يترامى الأمر إلى غيرها، فإن سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى من المفصل الذي في أصل الساق على المعول، وقيل يقطع تحت الكعبين، ويبقى الكعبان في الساق، وقيل يقطع من المفصل الذي في وسط القدم، ويترك له العقب، فإن عاد قطعت يده اليسرى، فإن عاد قطعت رجله اليمنى، فإن عاد ضرب وحبس حتى يتوب، واختلف إذا لم تكن له يمين، أو كانت شلاء، فقيل تقطع رجله اليمنى، وقيل يده اليسرى، وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عِقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته. قوله: ومن بها أقر البيت، معناه أن من أقر بالسرقة طائعا قطع، إن استمر على إقراره، فإن رجع لم يقطع. قوله: وغرم القيمة البيت، معناه أن رجوعه إنما ينفعه في القطع، وأما المسروق فيغرم قيمته، ويتبع بها إن أعدم، ومثل ذلك ما إذا شهد عليه شاهد وحلف المسروق منه، أو شهد عليه رجل وامرأتان، فإنه يتبع بالمسروق ولا يقطع حتى يشهد عليه شاهدان، أو يصر على الإقرار.

стр. 797

قوله: والعبد إن أقر البيتين، معناه أن العبد مؤاخذ بإقراره حيث لزمه به شيء في بدنه، من حد أو قطع، إذ لا يتهم في ذلك، بخلاف إقراره بمال فلا يلزم، لأنه يتهم في تفويته على السيد، وكذلك ما يؤول إليه كجروح الخطإ التي فيها مال، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: إن على ذلك الأمر المجتمع عليه عندهم. ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، وقد روى ذلك مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن عمر - رضي الله تعالى عنه -. ١٨٠٦ - ولم تجز شفاعة من بعد ... علم الامام مطلقا بحد ١٨٠٧ - إلا بقذف فالامام اختلفا ... مقاله في العفو عمن قذفا ١٨٠٨ - ويدفع السارق ما قد سرقا ... إن لم يفت ولو يكون مملقا ١٨٠٩ - وإن يفت كذاك أيضا اتْبَع ... بقيمة مطلقا إن لم يقطع ١٨١٠ - كذاك إن يقطع وكان ذا ملا ... وذهبت بعسره سبهللا قوله: ولم تجز شفاعة البيتين، معناه أن الشفاعة في الحدود قبل بلوغ الإمام جائزة، وتمنع بعد بلوغه، وقد جاء في الموطإ أن صفوان بن أمية - رضي الله تعالى عنه - نام في المسجد وتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق وجاء به إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن تقطع يمينه، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - هو عليه صدقة، فقال له رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " فهلا قبل أن تأتيني به تركته" (١). وجاء فيه أن الزبير بن العوام - رضي الله تعالى عنه - لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير - رضي الله تعالى عنه - ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير - رضي الله تعالى عنه -: إذا بلغت به السلطان فلعن الله تعالى الشافع والمشفِّع.

стр. 798

واختلف قول مالك - رحمه الله تعالى - في حد القذف، فجعله مرة حقا للمقذوف، فأجاز له العفو قبل بلوغ الإمام وبعده، وجعله مرة حقا لله فلم يجز له العفو وإن لم يبلغ الإمام، وهذا ما لم يرد بالعفو الستر على نفسه، وإلا كان له ذلك قبل الإمام وبعده اتفاقا، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - ذلك في الموطإ من قضاء عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -. قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي الأقضية منها: وإذا سمع السلطان قذفا، فإن كان معه شهود لم يجز فيه عفو الطالب، إلا أن يريد سترا، مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف، قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: فكيف يعرف ذلك؟ قال: يسأل الإمام عن ذلك سرا، فإن أخبر أن ذلك أمر قد سمع أجاز عفوه، الشيخ عن الموازية: يعني إذا أراد سترا، قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديما، فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن، وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد سترا، يعني إذا كان مثله يفعل ذلك، ولا يكلف أن يقول أردت سترا، لأن قول ذلك عار، فأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه، الصقلي عن محمد: وهذا إذا قذفه في نفسه، وإن قذف أبويه أو أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام، وقاله ابن القاسم وأشهب، قال ابن عرفة: وفي النوادر: قال محمد: ويجوز عفو الولد عن الأب عند الإمام قاله مالك - رحمه الله تعالى - قال: ويجوز عفوه عن جده لأبيه عند الإمام كأبيه، وأما عن جده لأمه فلا، قال ابن عرفة: مقتضى قولها في نسبه إلى جده لأمه أنه كنسبه إلى جده لأبيه أنهما سواء.

стр. 799

قوله: ويدفع السارق الأبيات، معناه أن السارق يقضى عليه برد السرقة إذا كانت قائمة مطلقا، قطع أو لم يقطع، أيسر أو أعسر، وإن فاتت فإن لم يقطع اتبع بها أيضا مطلقا، أيسر أو أعسر، وإن قطع اتبع بها إن اتصل يسره بها من السرقة إلى يوم القطع، وإن أعسر بها في ما بين ذلك لم يتبع بها، هذا قول مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة، وهو المشهور، قال في التبصرة: وقال أبو محمد عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: القيمة مع القطع استحسان، والقياس أنه لا يلزمه شيء، لأنه لو لزمه الغرم مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون قد قبض لها ثمنا واختلط بماله، وحكى ابن شعبان قولا رابعا أنه يتبع مع القطع وإن كان معسرا، قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة المنورة، لأن القطع حق لله لا يعفى عنه، وإن تاب السارق وحسنت توبته، والغرم حق لآدمي، وحقوق الله لا تسقط حق الآدمي، كما يجب على الزاني المحصن - يريد إذا اغتصب امرأة - الصداق مع الرجم. ووجه المشهور من عدم الاتباع في العسر ما في اتباعه وهو معسر مع قطعه من اجتماع عقوبتين، وفرق بينه وبين مسألة المحصن بتعدد السبب، قال القاضي عبد الوهاب: لأن هاتين عقوبتان عن سببين نقله في التاج. فالزنى سبب للرجم، والإكراه سبب للمهر، فالفعل وإن كان واحدا إلا أنه في حكم المتعدد بتعدد وصفه، فهو من حيث هو زنى سبب للحد، ومن حيث هو زنى مكره عليه موجب للصداق، لكن هذا المعنى حاصل في السرقة أيضا فانظر ذلك.

стр. 800

باب في الأقضية والشهادات ١٨١١ - وبالشهود المدعِي يُطالَبُ ... وباليمين الخصم إذ يُكذِّب ١٨١٢ - إن تثبت الخُلطة بين ذين ... ونحوها كمثل سبق دين ١٨١٣ - كذا قضى قضاة طيبة الغرر ... وذا لقول الأُمَوِي العدل عمر ١٨١٤ - تُحدث أحكام على نظير ... ما أحدث الناس من الفجور ١٨١٥ - لا تحكمنْ لطالب إن يَنكل ... من ادُّعِي عليه حتى يأتلي ١٨١٦ - إن حقق الدعوى وحيث اتهمه ... فبالنكول دون حلْف غرِّمه قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: الهروب عن القضاء واجب، وطلب السلامة لا سيما في هذا الوقت لازم، وقد روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - دعا رجلا ليوليه فأبى، فجعل يديره على الرضى فيأبى، حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أي ذلك تعلم خيرا لي؟ قال: أن لا تلي، قال: فاعفني، قال: قد فعلت، وقال مالك - رحمه الله تعالى -: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينة المنورة إلا رأيت كآبة القضاء وكراهيته في وجهه إلا قاضيين سماهما، وطلب القضاء والحرص عليه حسرة وندامة يوم القيامة، روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " ستحرصون على الإمارة وتكون حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة " (١) فمن طلب القضاء وأراده وحرص عليه وُكل إليه، وخيف فيه الهلاك عليه، ومن لم يسأله وامتُحن به وهو كاره له خائف على نفسه فيه أعانه الله عليه، روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " من طلب القضاء واستعان عليه وُكِل إليه، ومن لم يطلبه ولا استعان عليه أنزل الله ملكا يسدده " (٢) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تسأل الإمارة فإنك إن تؤتها من غير مسألة تُعَن عليها، وإن تؤتها عن مسألة تُوكل إليها " (٣)

стр. 801

فيجب ألا يولى القضاء من أراده وطلبه، وإن اجتمعت فيه شروط القضاء، مخافة أن يوكل إليه فلا يقوم به، ولا يقوى عليه، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إنا لا نستعمل على عملنا من أراده " (١) ونظر عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى شاب في وفد وَفَد عليه فاستحلاه وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر - رضي الله تعالى عنه -: قد كدت أن تغرنا من نفسك، إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه. وذكر ابن ناجي - رحمه الله تعالى - أن ابن الأغلب بقي يطلب سحنون بن سعيد نحوا من عام وهو يمتنع، حتى حلف له لئن لم تتقدم لأقدمن على الناس رجلا من الشيعة، فتقدم لما تعين عليه. وقال في التاج: ابن عرفة: قبول ولاية القضاء من فروض الكفاية إن كان بالبلد عدد يصلحون لذلك، فإن لم يكن من يصلح لذلك إلا واحد، تعين عليه، وأجبر على الدخول فيه، وقال الباجي: يجب على من هو أهله السعي في طلبه، إن علم أنه إن لم يل ضاعت الحقوق، أو وليه من لا يحل أن يولى، وكذا إن وليه من لا تحل ولايته ولا سبيل لعزله إلا بطلبه، وقيل يستحب طلبه لمجتهد خفي علمه وأراد إظهاره لولاية القضاء، أو لعاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء.

стр. 802

وقال في المواهب: قال ابن عبد السلام: قيل إن علم القضاء يرجع إلى تعيين المدعي من المدعى عليه، فإذا كان هذا علم القضاء أو لازما له، فلا بد من نصب إنسان يرفع النزاع الواقع بين الناس، وينصف المظلوم من الظالم، ولما كان هذا المعنى يحصل في البلد من واحد، ومن عدد قليل، كان هذا الفرض فيه على الكفاية إذا تعدد من فيه أهلية ذلك، فإن اتحد تعين، ثم قال: وهذه مرتبة القاضي في الدين حين كان القاضي يعان على ما وليه، حتى ربما كان بعضهم يحكم على من ولاه، ولا يقبل شهادته إن شهد عنده، لعدم أهلية الشهادة منه، وأما إذا صار القاضي لا يعان، بل من ولاه ربما أعان عليه من مقصودُه بلوغُ هواه على أي حال كان، فإن ذلك الواجب ينقلب محرما، نسأل الله السلامة، وبالجملة إن أكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة

стр. 803

قوله: وبالشهود المدعي البيت، معناه أن المدعي مطالب بإقامة البينة على ما يدعيه إذا أنكر المدعى عليه، فإن لم تكن له بينة، كانت على المدعى عليه اليمين، وفي الصحيح " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكنَّ اليمينَ على المدعى عليه " (١) والمدعِي هو من تجردت دعواه عن مرجح غير البينة من أصل أو عرف، والمدعى عليه من ترجح قوله بالأصل، أو شهادة العرف، قال في التبصرة: ومن المجموعة: وإذا جلس الخصمان بين يدي الحاكم، فلا بأس أن يقول لهما: ما لكما؟ أو ما خصومتكما؟ أو يتركهما حتى يبتدئانه، فإذا تكلم المدعي، أسكت المدعى عليه، واستمع من المدعي، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطق الآخر، ولا يفرد أحدهما بالسؤال، فيقول له: ما لك؟ أو تكلم، إلا أن يكون علم أنه المدعي، ولا بأس إذا لم يعلم أن يقول: أيكما المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت الآخر ولم ينكر، فلا بأس أن يسأله، وأحب إلي ألا يسأله حتى يقر له الآخر بدعواه، وإن قال أحدهما: هذا المدعي، فلا بأس أن يسأله، فإن قال له: تكلم، فقال: لست بمدع، فأقام على ذلك كل واحد منهما يقول لصاحبه: هذا المدعي، فللقاضي أن يقيمهما عنه حتى يأتي أحدهما إلى الخصومة، قال الشيخ: فإن اختلفا فقال كل واحد منهما: أنا الطالب، وقال الآخر: إنما أحدث الآخر الدعوى عند ما طلبته، فإن علم أن أحدهما أشخص الآخر، وأنه كان يطالبه بدأ به، وإلا صرفهما، فإن أبى أحدهما الخصومة بدأ به، وإن بقي كل واحد منهما متعلقا بالآخر، أقرع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما طلب على الآخر، وتشاحا في من يبتدأ به، أقرع بينهما، وقيل: الحاكم بالخيار، واستحب محمد بن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما.

стр. 804

قوله: إن تثبت الخلطة البيت، معناه أن محل توجه اليمين على المدعى عليه، إذا ثبتت الخلطة والتهمة بينه وبين المدعي، وذلك لما رواه مالك - رحمه الله تعالى - عن جميل بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس، فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا، نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعي عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وعلى ذلك الأمر عندنا، وقد روي نحو ذلك عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال القاضي في الإشراف: ولا يحلف الحاكم المدعى عليه للمدعي إلا لمعنى يزيد على مجرد الدعوى من معاملة تكون بينهما أو مخالطة، ومن أصحابنا من يقول أو يكون المعنى يشبه في العادة أن يدعى مثلها عليه، إلا أن يكونا غريبين، فلا يراعى ذلك فيهما، إلى أن قال: فلو أحلفنا كل مدعى عليه بنفس الدعوى، لتطرق بذلك لكل من يريد إيذاء غيره، وإغرامه شيئا، أن يدعي عليه شيئا، فإذا أنكره أحلفه لتهمته بذلك، أو تدعوه الضرورة إلى أن يصانعه على شيء يفتدي به يمينه، فوجب حسم الباب بأن له الضرر بالمنع منه، إلا أن يكون مع الدعوى شيء يقويها لضعف التهمة. قال في التاج: أصبغ: سبعة تجب عليهم اليمين دون خلطة الصانع، والمتهم بالسرقة، والرجل يقول عند موته: لي عند فلان دين، والرجل يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل، وإن كان المدعى عليه عدلا، وكذلك من ادعى عليه رجل غريب نزل في مدينة أنه استودعه مالا، ابن عرفة: نقل ابن رشد هذه الخمسة غير معزوة كأنها المذهب، الباجي: ومثل الصانع تجار السوق، لأنهم نصبوا أنفسهم للناس، وقال ابن نافع بعدم اشتراط ثبوت الخلطة، قال ابن ناجي: حكاه ابن زرقون ولم يحفظه أكثر شيوخ المذهب كابن حارث وابن رشد قائلا: مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، وبقول ابن نافع قال الأندلسيون واستمر عليه العمل بإفريقية.

стр. 805

قوله: كذا قضى قضاة طيبة الغرر، أشار به إلى ما تقدم في كلام مالك - رحمه الله تعالى - من أن الأمر عندهم على ما روى جميل عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -. قوله: وذا لقول الأموي البيتين، معناه أن القاضي يعامل الخصوم بما يقتضيه وقتهم، من ركوب الحيل المستحدثة، فيجتهد في معاملتهم بما يندفع به فجورهم، ويراعي القرائن المنتصبة مما مردوا عليه من خداع وروغان، بحسب ما تشهد له الأصول، وتشير به القواعد، وتقتضيه المعاني التي بني عليها الباب، ومن هنا استحدث القضاة بعض الأمور التي لم تكن معروفة في الصدر الأول. قوله: لا تحكمن لطالب البيتين، معناه أن المدعي إذا لم تكن له بينة ونكل المدعى عليه عن اليمين، لم يقض للمدعي حتى يحلف على دعواه، وذلك إذا كانت الدعوى دعوى تحقيق، وأما التهمة فقد اختلف في توجه اليمين بها، وفي ردها، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال ابن رشد في أجوبته: واختلف في توجيه يمين التهمة، وفي انقلابها، والأظهر أنها إذا توجهت أن لا ترجع، إذ لا يكلف أحد أن يحلف على ما لا يعرف، قال: والذي أراه في ذلك أن تلحق يمين التهمة إذا قويت، وتسقط إذا ضعفت. ١٨١٧ - وصيغة اليمين شرط ويقف ... شرطا على ما شهروا حال الحلِف ١٨١٨ - وغلظت برُبُع الدينار ... للمدني بمنبر المختار ١٨١٩ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ١٨٢٠ - وغيره بموضع يُعظم ... من جامع المصر هناك يُقسم ١٨٢١ - ويحلف الكافر بالله ولا ... يزيد توحيدا على ما نقلا ١٨٢٢ - يحلفها بموضع مقدس ... لديه كالبيع والكنائس

стр. 806

قوله: وصيغة اليمين البيت، أشار به إلى أن كيفية اليمين في مشهور المذهب أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو، وقيل: يزاد عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، رواه ابن كنانة، وبه قال الشافعي - رحمهما الله تعالى - والصيغة المذكورة شرط، فلو قال: بالله أو والذي لا إله إلا هو، لم يقبل منه ذلك في ما نص عليه أشهب وهو ظاهر المدونة. قوله: وغلظت بربع الدينار الأبيات الثلاثة، معناه أن اليمين تغلظ إذا كان الحق المحلوف فيه ربع دينار فأكثر، ويكون التغليظ بالمكان فيؤمر المدني بالحلف عند منبره صلى الله تعالى عليه وسلم على نحو ما تقدم في الكلام على القسامة، فإن امتنع من الحلف في ذلك المكان فله حكم الناكل، وتغلظ بالقيام أيضا كما تقدم، فإن امتنع كان ناكلا على المشهور. قوله: ويحلف الكافر البيتين، معناه أن الكافر يحلف بالله، ولا يقبل منه الحلف إلا به، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ولا يزاد على قوله والله في مشهور المذهب. قوله: يحلفها بموضع البيت، معناه أنه يؤدي اليمين في ذلك بالمواضع التي يعظمها، كالكنائس بالنسبة للنصارى، وبيوت الصلاة، والبيع، بالنسبة لليهود، وبيت النار بالنسبة للمجوس. ١٨٢٣ - وطالب ألفى شهودا بعد ما ... كان الذي ادُّعيِ عليه أقسما ١٨٢٤ - يقضى له بهم إذا لم يَعلم ... بهم لدى طلبه للقسم ١٨٢٥ - بعكس من كان بهم قد علما ... حينئذ على المقال المعتمى ١٨٢٦ - وشاهد معْ قسم في المال ... يكفي وما إليه ذو مآل ١٨٢٧ - لا بنكاح أو طلاق حدِّ ... ولا بنفس أو جراح العمد ١٨٢٨ - وقيل بالقضاء في الجراح ... به وصحح لدى مِلاح

стр. 807

قوله: وطالب ألفى شهودا الأبيات الثلاثة، معناه أن المدعي إذا لم يقم بينة، واستحلف المدعى عليه، وحلف، ثم جاء ببينة تشهد له، لم تقبل منه، إن لم يكن له عذر في عدم القيام بها، من نسيان، أو عدم علم بها أصلا حين استحلافه للمطلوب، وذلك لإعراضه عنها، وفي الحديث " شاهداك أو يمينه " (١) وروى ابن نافع أنها تقبل منه، وبه أخذ ابن وهب وأشهب، ولا يستحلف القاضي المطلوب إلا بإذن من الطالب، وقد ذكر عن بعض القضاة أن رجلا ادعى على آخر ثلاثين دينارا، فأنكر المدعى عليه، فاستحلفه القاضي، فقال الطالب: لم آذن في هذه اليمين، ولم أرض بها، ولا بد أن تعاد اليمين، فأمر القاضي غلامه أن يدفع عن المطلوب من ماله ثلاثين دينارا، كراهة أن يكلفه إعادة اليمين التي قضى عليه بها. قوله: وشاهد مع قسم الأبيات، معناه أن من أقام شاهدا في حق مالي وحلف معه قضي له بذلك، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد، (٢) قال مالك - رحمه الله تعالى -: مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، يحلف صاحب الحق مع شاهده ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف، أحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، فإن أبى أن يحلف، ثبت عليه الحق لصاحبه، قال: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ولا يقع ذلك في شيء من الحدود، ولا في نكاح، ولا في طلاق، ولا في عتاقة، ولا في سرقة، ولا في فرية. والمراد بدعوى النكاح دعواه فيحياة المدعى عليه، ولو كان ذلك بعد موته وأقام المدعي شاهدا، فقال ابن القاسم: يحلف مع شاهده، ويستحق الميراث، والصداق، إن كان المدعي امرأة، لأن الدعوى آئلة إلى المال، وقال أشهب: لا يستحق ذلك إلا بشاهدين.

стр. 808

قوله: وقيل بالقضاء في الجراح البيت، يشير به إلى أنه اختلف في القضاء بالشاهد واليمين في جراح العمد، وقد تقدم القول به لمالك في المدونة، وأن ابن القاسم لما قيل له في ذلك قال: قد كلمت مالكا - رحمهما الله تعالى - في ذلك، فقال إنه شيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئا، وروى عنه عبد الملك القضاء بذلك في صغير الجراح دون كبيرها، واختاره سحنون كما قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -. وقال في المواهب: قال ابن يونس: لما كانت النفس تقتل بشاهد واحد مع القسامة، فلذلك اقتص بشاهد مع يمين المجروح، وقاله عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -. ١٨٢٩ - وتشهد النساء في المال معا ... ما كان كالبت إليه راجعا ١٨٣٠ - ومائة منهن كاثنتين ... لشاهد توقف أو يمين ١٨٣١ - كذاك تشهد بالاستهلال ... وكل ما يخفى على الرجال ١٨٣٢ - مثل الولادة والاثنتان ... ألعدلتان فيه تكفيان قوله: وتشهد النساء الأبيات، معناه أن شهادة النساء لا تجوز إلا في الأموال وما لا يطلع عليه الرجال، وذلك أن القرآن الكريم إنما ذكر شهادتهن في المال خاصة، وذكر الشهود في غير ذلك من المواضع بالتذكير، وقد ذكرت الشهادة في القرآن الكريم في خمسة مواضع أخرى، فيقضى في المال وحقوقه، كالأجل، والخيار، والشفعة، والإجارة، وقتل الخطإ، وجروح المال، بشهادة رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو امرأتين ويمين. قوله: ومائة منهن كاثنتين نحوه في المدونة، وحمله اللخمي على المبالغة، وأن المراد أن العدد الذي لا يحصل القطع بخبره منهن إذا كان فيه عدلتان لا بد معه من الشاهد أو اليمين، وأما شهادتهن في ما لا يظهر للرجال فللضرورة، كما قبلت شهادة الصبيان في ما يحدث بينهم من الجنايات، وذلك كالاستهلال والحيض وعيوب النساء، ولا بد فيهما من العدالة، لأن خبر غير العدل كالعدم. ١٨٣٣ - ولم تجز شهادة الخصم ولا ... متهم ولا رقيق مسجلا ١٨٣٤ - وكافر وغير عدل وصبي ... كذاك محدود إذا لم يتب

стр. 809

١٨٣٥ - ومطلقا بما به حُد تُرَدْ ... وهكذا أبٌ اَوُ اُمٌّ للولد ١٨٣٦ - وعكس ذلك، كذا الزوجان ... يُرَد كل منهما للثاني قوله: ولم تجز شهادة الخصم ولا متهم، معناه أن شهادة الخصم على خصمه مردودة، وكذلك المتهم في ما شهد به، وهو أعم مما قبله، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، وذلك لأنها في معنى الدعوى، والتهمة أنواع منها أن يتهم على إيصال نفع له أو دفع ضرر عنه، الأول كشهادته على مورثه المحصن بالزنى، والثاني كشهادة أحد العاقلة بفسق شهود القتل، ومنها أن يتهم على مثل ذلك في من له به صلة قوية، كشهادته بحق لأحد أبويه، أو أبنائه، أو زوجته، أو أبويها، أو صديقه الملاطف، إلا أن يكون مبرزا في الأخير، أو شهادته بجرح شاهد على بعض من ذكر، ومنها أن يتهم على قصد نفع من يحصل له بوصوله إلى المشهود فيه نفع، كشهادته لمدينه، وشهادة المدين لغريمه، والأجير لمستأجره، إلا أن يكون مبرزا، ونحو ذلك، ومنها أن يتهم على إزالة نقص، كشهادته في ما ردت شهادته فيه بعد زوال مانع قبولها، من صبوة، أو رق، أو فسق، ونحو ذلك، ومنها أن يتهم على تخفيف النقص، كشهادة المحدود في ما حد فيه، وكشهادة ابن الزنى في الزنى، وإلى بعض هذه المعاني الإشارة بقوله: ومطلقا بما به حد البيتين.

стр. 810

قوله: ولا رقيق وكافر وغير عدل وصبي، أشار به إلى ما يشترط في الشاهد، فذكر من ذلك الحرية، والإسلام، والبلوغ، وهي شرط باتفاق وقت الأداء، ويشترط العقل أيضا اتفاقا وقت الأداء ووقت التحمل، وتشترط العدالة، وقد عرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة، وما يشينه عرفا، أو معصية، غير قليل الصغائر، فالصغائر الخسيسة مندرجة في ما يشين، ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة عفو، مندرج في قليل الصغائر، لدليل قولها في آخر شهاداتها: مما يجرح به أنه كذاب في غير شيء واحد والأصل في اعتبار العدالة قوله : (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقوله : (ممن ترضون من الشهداء). قوله: كذاك محدود إذا لم يتب، معناه أن المحدود لا تقبل شهادته قبل توبته، وذلك لفسوقه، وقد قال : (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا). ١٨٣٧ - ورُدَّ أيضا من عليه الكذب ... بما يحدث به يجرب ١٨٣٨ - مرتكبا كبيرة ومن يجر ... نفعا لنفس أو يرد ما يضر ١٨٣٩ - كذا وصي ليتيمه وإن ... عليه يشهدْ فقبوله قمن ١٨٤٠ - أما شهادة أخ فأجز ... ظاهره لو كان لم يُبَرِّز ١٨٤١ - ولم يجز تعديل مرأة ولا ... تجريحها على الذي قد عُولا ١٨٤٢ - وصيغة التعديل أن يقولا ... عدل رضى إلا فلا قبولا ١٨٤٣ - والشاهد الواحد لا يعدل ... وهكذا تجريحه لا يقبل قوله: ورد أيضا من عليه الكذب الأبيات الثلاثة، معلوم المعنى مما سبق، فشهادة الكذاب مردودة بإجماع، لانعدام الثقة بالجملة، وكذلك مرتكب الكبيرة، فشهادته مردودة لفسقه، وكذلك المتهم على قصد جر منفعة، وقد تقدم تفصيل ذلك، ومنه شهادة الوصي لليتيم في حجره، والمتهم على دفع مضرة، وقد تقدم تفصيل ذلك أيضا. قوله: وإن عليه يشهد فقبوله قمن، معناه أن من لا تقبل شهادتك له لذلك المعنى، تقبل شهادتك عليه، وجرح شهوده، ومن لا تقبل شهادتك عليه لعداوة مثلا، تقبل شهادتك له، وتعديل شهوده، وهذا ظاهر.
следующие страницы →