← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المتفرِّد بعظمته وكبريائه، المقدَّس بصفاته وأسمائه، لا يعزبُ عنه مثقال ذرَّةٍ في أرضه ولا سمائه، أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأَسْبل من عطائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدَّخرها ليوم لقائه، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله خاتَمُ أنبيائه، وصفوة رسله وأُمنائه، رفع الله ذكره فلا يُذكر إلا ذُكِر معه، وجعل شريعته ناسخةً للشرائع فلو كان موسى حيًّا لاتبعه، بُعث للعالمين وكان النبي يُبعث لقومه، صاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن ولده ووالده وأمِّه. أما بعد؛ فمن المعلوم بجلاء، أن صحابة رسول الله ﷺ نجوم الغبراء،

стр. 2

كما أن الكواكب نجوم السماء، رَسَمَ معالمَ مكانتهم ودافع عنهم كتابُ الله، وشهد على عدالتهم الصادقُ رسولُ الله؛ ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃﴾ (١)، ما انقطع الوحي حتى تاب الله عليهم وأكرمهم، وشاع في الخافقين ذكرُهم والثناءُ عليهم، فليس لأحد أن يغمزهم بعد قول الله: ﴿ثم تاب عليهم﴾ (٢)، وليس لأحد أن يتقصدَّهم بسوء بعد أن أكَّد رسول الله ﷺ فضلهم: «خير أُمَّتي - وفي لفظ: خير الناس -: قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣)، ونهى عن سبِّهم وأذيتهم: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً؛ ما بلغ مُدَّ أحدهم» (٤). ومع ذا: فلا يخلو زمان من هؤلاء، الذين يجيدون الطعن والتشويه والافتراء، يبتلي الله بهم العباد ليخرج ما في صدورهم، فيثبِّت طائعهم، ويزيغ مفتونهم، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٥).

стр. 3

يقول أبو المعالي الجويني: «قد كثرت المطاعن على أئمَّة الصحابة، وعظم افتراء الرافضة وتخرُّصهم، والذي يجب على المعتقد أن يلتزمه: أن يعلم أن جلَّة الصحابة كانوا من رسول الله ﷺ بالمحلِّ المغبوط، والمكان المحوط، وما منهم إلا وهو منه ملحوظ محظوظ، وقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم، والرضا عن جملتهم، بالبيعة بيعة الرضوان، ونصِّ القرائن على حسن الثناء على المهاجرين والأنصار» (١). ولعلَّ هذا السبَّ والافتراء من إرادة الله الخير لهم، حتى يجرى عليهم الأجر، وإن كان انقضى العمر! يقول الشافعيُّ: «ما أرى أن الله تعالى لا يمنع الناس عن شتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم ثواباً عند انقطاع أعمالهم» (٢). وقد اختلفت أنصبة الصحابة ﵁ من هذه التهم والافتراءات، والشتائم والترَّهات، فالقليل منهم من ألسنة هؤلاء الكذابين: ناجٍ مُسلَّم، وكثيرٌ منهم ناجٍ مخدوش، وثلَّةٌ -ليست هيِّنة- مَكْدُوسةٌ في نار الكذب والتدليس والافتراء! ومن هذه الثلة الأخيرة، بل لا يكاد يُعرف أحدٌ من الصحابه ناله هذا القسط الكبير من التشويه، والافتراء، والبغي كما ناله هو؛ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان! فقد تتابعت عليه سهام المغرضين تَتْرى، حاملةً من الافتراءات والسموم ما لا يكاد يُعدُّ ولا يُحصى، وأَجْمعَتْ فرق أهل البدع على الحطِّ منه وذمِّه، مع تواصٍ غريب فيما بينهم، وإن تباعدت أزمانهم وأماكنهم!

стр. 4

فهذا أحد رؤوس المعتزلة وشيوخهم، وأبرز متكلميهم وحاملي لواءهم؛ أبو عمرو الجاحظ (ت: ٢٥٥ ه) يصل به الطعن إلى تكفير معاوية ﵁، فيقول عنه: «ثُمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتى ردَّ قضية رسول الله ﷺ ردَّاً مكشوفاً، وجحد حكمه حجداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجتماع الأمة أنَّ سمية لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وأنه إنما كان بها عاهراً (١)، فخرج بذلك من حكم الفجَّار إلى حكم الكفَّار» (٢)! إلى أن قال: «على أنَّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربتْ عليهم نابتةُ عصرنا، ومبتدعةُ دهرنا؛ فقالت: لا تسبُّوه، فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أنَّ من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة» (٣). ونقل أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ ه) عن الخوارج أيضاً أنهم: «يكفِّرون معاوية» (٤).

стр. 5

وشيخ الرافضة في زمانه جمال الدين الحسين بن يوسف بن المطهّر الحلّي (١) (ت: ٧٢٦ ه) يقول عنه في كتابه (منهاج الكرامة): «إنَّ رسول الله ﷺ لعن معاوية الطليق ابن الطليق، اللعين ابن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» (٢). إلى آخر ما قاله هناك (٣). وأما في زماننا: فلا تسل عن كمِّ المؤلَّفات والمقالات، والحوارات والحلقات، التي تَلُوك عرض معاوية ﵁، في جهل من البعض وعدم دراية بصحيح الأخبار من سقيمها، ولا بعدالة وخُلُق من يتحدَّثون عنه (٤)، أو عن عمدٍ وقصدٍ من آخرين، من خلال خطة ممنهجة لإسقاط عدالة الصحابة (٥)؛ مبتدئين بمعاوية. ومع انتشار ذلك كله: بدأ يغشى رمدُ الحيرة الثقافية الإسلامية تجاه الصحابة عيونَ بعض أبناء هذه الأمة! لأجل هذا: شمَّر علماء أهل السنة عن ساعد الجدِّ، للدفاع عن عرض معاوية ﵁، وسلُّوا سيوفهم لردِّ ذلك العدوان، ودفع تلك الغارات، التي تحاول النَيْل من هذا الصحابي الكريم، وهيهات!

стр. 6

وكان من إبداع العلماء في رد تلك الافتراءات: أن نوَّعوا أساليب المواجهة، وعدَّدوا جبهات الدفاع، فلم يتركوا ثغراً من ثغور هذا الميدان إلا ووقفوا عليه، بل وتقدموا -أحياناً- بالهجوم، فدخلوا معاقل أفكار المعتدين، ودكُّوا حصونها، وأتوا على بنيانها من القواعد؛ فخرَّ السقف على رؤوس أصحابها. ففريق من هؤلاء الأفذاذ: يتولَّى الكلام عن فضائل الصحابة عامَّةً، مُذكِّراً القارئ بأنَّ معاويةَ داخلٌ في حد الصحبة، فله نصيبه من تلك الفضائل العامَّة. وآخرون: يُذكِّرون بفضائل معاوية الخاصَّة، عبر كتبٍ وأجزاءَ مُفردَة؛ كما فعل أبو بكر ابن أبي عاصم في كتابه: (فضائل معاوية) (١)، وابنُ أبي الدنيا في كتابه: (حلم معاوية) (٢)، وغيرهما. وفريقٌ ثالث: يصنِّف في ردِّ الشُّبهات، وتزييف التُّهم الباطلات، كما فعل ابنُ العربي المالكي في كتابه: (العواصم من القواصم)، وشيخ الإسلام ابن تيْميَّة في كتابه: (منهاج السنة النبوية)، وغيرهما. ولا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد؛ بل نجد من هؤلاء العلماء من ضمَّن تصنيفه في العقائد بيان عقيدة أهل السنة في هذا الجيل الرباني الفريد، بوجهٍ عام، كما فعل الطحاويُّ في كتابه: (العقيدة الطحاويَّة)، وابن تيْميَّة في كتابه: (العقيدة الواسطيَّة)، ومن هؤلاء المصنِّفين في العقيدة من ضمَّن تصنيفه شيئا من فضائل معاوية بوجهٍ خاص؛ كما فعل الخلَّال في كتابه: (السُّنَّة)، والآجري في كتابه (الشريعة)، وغيرهما (٣).

стр. 7

وهم في فعلهم هذا كله: مؤتمُّون بنصوص الكتاب والسنة، وأقوال المشهود لهم بالعلم والفضل من أكابر هذه الأمَّة، غير متعصبِّين ولا مُتشدِّدين، ولا بالعصمة للصحابة مُدَّعين، ولا لبعض النصوص -كما فعل خصماؤهم- تاركين، فرضي الله عنهم ورحمهم أجمعين. واستمراراً لمسيرة هذا الركب المبارك، الذي يبعثه الله بين فترةٍ وأخرى على مدار الأيام، ليظهر بهم ما اندثر من تراث الأئمَّة السابقين، ويعيد نشر الفضائل للسابقين بين الحين والحين، ورغبةً مني في أن أُنظَم في سلك هؤلاء المدافعين عن خير هذه الأمة بعد المرسلين؛ جاء هذا الكتاب: «فتحُ المنَّان بسيرة معاوية بن أبي سفيان ﵁». جمعتُ فيه شتات ما تفرَّق من سيرته، وبيَّنتُ فيه شيئاً من فضله ومكانته، مع ردِّ أشهر الأباطيل والافتراءات التي تُكلِّم بها في عرضه، وغُضَّ بها من قدره، علَّ هذا أن يكفَّ بأس المبتدعة الذين لا يزالون يتناسلون، ويهدي بعض الحيارى الذين وقعوا في شِباك الشبهات المنتشرة فهم تائهون يتساءلون، وأن يكون مُعيناً لكل باحث عن الحقِّ، في سيرة رجل من أصحاب خير الخلق ﷺ . وإذا كان معاويةُ ﵁ قد وقع بينه وبين بعض إخوانه من الصحابة كعليِّ بن أبي طالب ﵁ بعض نزاعٍ وشقاقٍ، ومال بعض الناس إلى طرف على حساب طرفٍ آخر، فمن فضل الله علينا أن أَوْجدنا في بيئةٍ وزمانٍ وضح فيه الحقُّ، وتبينت مآخذ كلِّ طرف من الطرفين، فلم نُربَّ أو نُنشَّأ على بغض طرف منهما، أو المغالاة في محبة أحدهما، وهذا مُعينٌ بإذن الله -بعد عون الله- على تحرِّي الإنصاف والحق. يقول الذهبيُّ: «وخَلَفَ معاويةَ خلقٌ كثيرٌ يحبُّونه ويتغالون فيه، ويفضِّلونه، إمَّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإمَّا قد وُلدوا في الشام على حبِّه، وتربَّى أولادهم على ذلك.

стр. 8

وفيهم جماعةٌ يسيرةٌ من الصحابة، وعددٌ كثيرٌ من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النَّصب -نعوذ بالله من الهوى-. كما قد نشأ جيش عليٍّ ﵁ ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبِّه، والقيام معه، وبغض من بغى عليه، والتبرِّي منهم، وغلا خلقٌ منهم في ذلك. فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالياً في الحب، مُفْرطاً في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتَّضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصَّرنا، فعذرنا، واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحَّمنا على البغاة بتأويلٍ سائغٍ في الجملة، أو بخطأٍ -إن شاء الله- مغفور، وقُلنا كما علَّمنا الله: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾ (١)» (٢).

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ منهج العمل في الأبحاث لا ريب أنَّ نزول ميدانٍ كميدان السِّيَرِ والأخبار والمغازي يعجُّ بمئات المرويات، والتي لم تلتئم على بعضها، أو تَأْرِز إلى مكانٍ واحدٍ يجمعها، بل آثرت الفرقة، وعزَّت معظم الروايات المقبولة بنفسها، فضنَّت بما فيها على كل باحثٍ عجول، أو قارئٍ يكتفي بالمشهور، وإنما اختارت أن تبقى بمنأى يُحوج طالبها إلى صبر لاستخراجها، وسعيٍ حثيثٍ للوصول إليها، أضف إلى ذلك كثرة المؤلَّفات في هذا الباب؛ كل هذا لا يجعل المهمة سهلةً ميسورة، إلا بتأنٍّ وتتبُّعٍ، بعد عون الله . وقد حاولنا -قدر الاستطاعة- أن نتخيَّر خُطة عمل تُحكم الأبحاث، وتُخرجها أقرب ما تكون إلى الدِّقة التي يرجوها كلُّ منصفٍ وباحثٍ عن الحق؛ فاهتدينا إلى ما يلي: أولاً: جعلنا كتاب: (تاريخ الطبري) أصلاً لمادة هذا البحث، يُضاف إليه ويُجمع عليه ما يُحتاج إليه من تتمَّات وزيادات لإكمال مشهد، أو تفصيل مُجمَل، أو إزالة شُبهة وإشكال. وسبب اختيارنا له: ما تمتَّع به صاحبه من سيرةٍ حسنةٍ، وعدالةٍ مشتهرةٍ، إضافةً إلى شموليته في كثيرٍ من الأحداث، فقد استوعب كثيراً مما كُتب قبله، فصار عمدةً لكل من جاء بعده (١)، حتى أنَّ أبا الحسن ابن الأثير (ت: ٦٣٠ ه) حينما أراد أن يُصنِّف كتابه في التاريخ؛ جعل كتاب الطبري أصلاً لكتابه، بل في بعض الأحداث -كالفتنة التي وقعت بين الصحابة ﵃ اكتفى بكلام الطبري، ولم يُضف عليه شيئا! يقول ﵀: «وقد جمعتُ في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتابٍ واحد، ومن تأمَّله علم صحة ذلك.

стр. 10

فابتدأتُ بالتاريخ الكبير الذي صنَّفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو الكتاب المعوَّل عند الكافَّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذتُ ما فيه من جميع تراجمه، لم أخلَّ بترجمةٍ واحدةٍ منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث رواياتٍ ذواتِ عدد، كل رواية منها مثل التي قبلها، أو أقلّ منها، وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه، فقصدتُ أتمَّ الروايات فنقلتها، وأضفتُ إليها من غيرها ما ليس فيها، وأودعتُ كلَّ شيءٍ مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة -على اختلاف طرقها- سياقاً واحداً على ما تراه. فلما فرغتُ منه: أخذتُ غيره من التواريخ المشهورة فطالعتُها، وأضفتُ منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعت كلَّ شيء منها موضعه، إلا ما يتعلَّق بما جرى بين أصحاب رسول الله ﷺ فإني لم أُضفْ إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً؛ إلَّا ما فيه زيادة بيانٍ، أو اسم إنسانٍ، أو ما لا يُطعن على أحد منهم في نقله، وإنما اعتمدتُ عليه من بين المؤرِّخين إذ هو الإمام المُتقنُ حقَّاً، الجامعُ علماً وصحةَ اعتقادٍ وصدقاً. على أنِّي لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحَّة ما دوَّنوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي» (١). قُلنا: وقريبٌ من منهج ابن الأثير، اخترنا لهذه الأبحاث أن تسير، فجعلنا كتاب الطبري أصلاً، لكن مع تعديل وتغيير. فالطبريُّ يورد الأحداث مرتَّبة على السنين، وهذا لم نلتزم به، وإنما وضعنا كُل حادثة في مكانها الذي نراه لائقاً، وفق ترتيب كل بحث. فبعض الأحداث تُنقل من نسقها عند الطبري لتُوضع في فصل خاص بالفضائل، أو الشبهات، أو غير ذلك، بحسب ما نرى الحدث ملائماً لمكانه في ترتيب البحث الذي يختاره الباحث.

стр. 11

أيضاً: اختار الطبريُّ لنفسه أن يُورد الرواياتِ التي يختارها في الحدث بسندها إلى قائلها وناقلها، تاركاً مسألة الحكم على الإسناد للقارئ والباحث من بعده، مُحذِّراً أن يُحمِّله أحدٌ نكارة رواية، أو بشاعة نقل؛ فقال: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنَّا إنَّما أدَّينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا» (١). وعلى هذا فروايات الطبري جامعة بين الغثِّ والسَّمين، والصَّحيح والسَّقيم، وهنا يتحتَّم علينا أن نبيِّن الفرق بين هذه المرويَّات، وما يصلح للاحتجاج وما لا يصلح إلا أن يكون في الموضوعات، ولكن لما كان التبيين لصحة كلِّ ما ذُكر، وإظهار علَّة كلِّ خبر، مما يطول به حجم الكتب والأبحاث، ولربما بعث الملل في نفس القارئ والباحث لشبهته عن جواب؛ فقد آثرنا أن نقنِّن الأمر كما يلي في: ثانياً: قمنا باستخراج جميع المرويات التي ورد فيها ذكر الشخصية صاحبة البحث (أبوبكر، عمر، عثمان، علي، معاوية) في الكتاب، سواءٌ في خلافته أم قبلها، وما صحَّ منها أدرجناه في البحث في موطنه اللائق به وفق ترتيب الأحداث -الذي يذكره كل باحث في مُقدِّمة بحثه-، وأمَّا ما لم يصح من هذه المرويات فهو على قسمين:

стр. 12

- القسم الأول: احتِيج إليه لاستكمال صورة الأحداث، ووصل الحلقات ببعضها البعض، فمثل هذا لا مفرَّ من إيراده، وهو عين ما فعله الطبريُّ حينما أورد الأخبار الضعيفة في ثنايا كلامه عن بعض الأحداث، وإن كان الطبريُّ أحال القارئ على السَّند؛ فإننا لن نوقعه في ذلك العَنَت، بل سنبيِّن -إن شاء الله- عند كل روايةٍ ضعيفةٍ أوردناها ضعفها، وسبب وهائها، فثقافة النظر في الأسانيد قبل قبول المتن؛ لم تعد منتشرةً بين أبناء هذا الزمان، كما كانت منتشرةً في زمان الطبري، الذي تعامل معهم من هذا المنطلق، فأحالهم على الإسناد. وهذا القسم يتميز عن لاحقه بأنَّ ضعفه ليس شديداً، ونكارته ليست ظاهرة. - القسم الثاني: لم نجد ثمَّ احتياجٌ لإيراده، خاصة مع نكارة متنه، بل في بعضها ما يكون ذكره مُحدثاً فتنةً لعقول وقلوب بعض القارئين، فمثل هذه الروايات ضربنا صفحاً عن ذكرها، رغبةً في إماتتها، وإخمال نشرها، وهذا الفعل مِنِّا قد سبق إليه الطبريُّ، فمع ما أورد في كتابه من ضعيفٍ وموضوعٍ، ومع أنه أسند كلَّ قولٍ إلى قائله؛ إلَّا أنَّه أعرض عن ذكر بعض الأخبار، رغم استحضاره لها، وتمكُّنه من عزوها لقائلها وإسنادها؛ وذلك لأنَّه رأى أن فيما ذكر كفاية، وأيضاً: حفاظاً على عقول وقلوب العامة. قال الطبريُّ: «وذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: وحدثني يزيد بن ظبيان الهمداني، أن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما ولي، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة» (١). فانظر كيف أَعْرضَ الطبريُّ عن ذكر بعض الروايات، لما رأى أنها لا تضيف جديداً، وأنَّها قد تتسبَّب في فتنة بعض العامة في زمانه، فكيف لو ذُكرت لأهل زماننا؟!

стр. 13

ومن هنا: أعرضنا عن ذكر بعض هذه الروايات لاجتماع الشَّرَّيْن فيها: ضعف الإسناد من جهة، ونكارة المتن التي لا تُتحمَّل من جهة أخرى، وإن كان الطبريُّ رأى تحمُّلها في زمانه. والذي ينبغي أن يطمئنَ إليه القارئ، وهو ما التزمناه -بحمد الله- أثناء هذه الأبحاث؛ أنَّا لا ندع روايةً صحيحةً من كتاب الطبريِّ، وفيها ذكرٌ لصاحب البحث تندُّ عن هذا الكتاب، ونحسب تلك كافيةً للمُنْصِف -إن شاء الله-. ثالثاً: لم نكتفِ بما ورد في تاريخ الطبري فقط، إذ كان هناك بعض الأحداث تستلزم توسُّعاً للتوضيح والتكميل، فهنا نُضيف ما نراه نافعاً من التواريخ الأخرى وكتب التراجم والطبقات، كتاريخ ابن عساكر، وتاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، وطبقات ابن سعد، وغير ذلك. رابعاً: لم نتوسَّع في تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الأبحاث، لأن هذا مما يطول به حجم الكتاب، فاقتصرنا على ذكر أهمِّ المصادر، إلا إذا قام داعٍ لغير ذلك. خامساً: حكمنا على كل إسناد بما نُراه له مستحقَّاً، صحةً أو ضعفاً، وإن نزل الحديث أو الأثر عن الصحة؛ بيَّنَّا سبب ذلك، وِفق قواعد أهل الحديث المبثوثة في كتبهم، والمعلومة من خلال تطبيقاتهم وعملهم. ولعله من المفيد هنا أن نذكِّر بشيءٍ من منهجهم في التعامل مع هؤلاء الرواة الأخباريين، ونقلة السير والمغازي المشهورين، حتى لا يظنَّ أحدٌ أننا ابتعدنا عن منهجهم، أو تساهلنا في تطبيق قواعدهم. فنقول: إنَّ الرواة هم عمود الإسناد، وأصله وسلسلته الفقرية التي لا قَوَام له إلا بها، فكلَّما قوي أمرهم؛ قوي الإسنادُ وصار صلباً في ميدان الاحتجاج والاستشهاد، والعكس أيضا.

стр. 14

لكنْ: ثمَّ رواة عُرف عنهم التخصص في باب من الأبواب، مع ضعفهم في غيره، فمثلا: حفص بن سليمان الكوفي المقرئ، يقول عنه الحافظ ابن حجر: «متروك الحديث، مع إمامته في القراءة» (١) , فقد انتشرت روايته للقرآن في الآفاق، ولم يقبل منه العلماء حديثاً واحداً، ولم يشفع له إتقانه للقرآن في قبول الحديث، ولم يردَّ ضعفه في الحديث إتقانه للقراءات، وهذا من الإنصاف. ومن هذا الباب أيضاً: رواة المغازي والأخبار، فكثيرٌ منهم يُحتاج إليه في هذا الفن، مع كونه غيرَ مقبولٍ عند العلماء في نقل الأحاديث، ولا يعتبرون بأحاديثه! ويمكننا أن نلحظ بوضوح هذا التفريق والتساهل في تصرُّف أحد المشتغلين بعلوم السنة، وعلامة من علاماتها في زمانه؛ وهو: الحافظ ابن حجر، وذلك من خلال جمعه بين الروايات في كتابه: فتح الباري. فإنه في الوقت الذي يقرر فيه ردَّ رواية محمد بن إسحاق إذا عنعن ولم يُصرِّح بالتحديث، وردِّ أحاديث الواقدي لأنه متروكٌ عند علماء الجرح والتعديل، فضلاً عن غيرهما من الأخباريين الذين ليس لهم رواية في كتب السنة، كأبي الحسن المدائني وعوانة؛ فإنه يستشهد برواياتهم، ويستدلُّ بها على بعض التفصيلات، ويحاول الجمع بينها وبين الروايات الأخرى التي هي أوثق إسناداً! وهذا دليلٌ على قبوله أخبارهم فيما تخصَّصوا فيه من العناية بالأخبار والسير، وهذا هو المنهج الذي نسير عليه هنا. وفيما يلي بعض النماذج لرواة تُكلِّم في روايتهم للحديث، ومع ذلك لم تُهدر أقوالهم في باب الأخبار والسير، لعنايتهم وتخصصهم في هذا الباب، ثم نُتبع ذلك ببعض النماذج العملية من تصرفات العلماء مع مروياتهم في أبواب المغازي والسير.

стр. 15

من نماذج الرواة: - محمد بن عمر الواقدي: اتَّفق علماء الجرح والتعديل على ضعفه، كما نقل ذلك النوويُّ (١)، وقال الذهبيُّ: «استقر الإجماع على وهن الواقدي» (٢)، ومع ذا: نجد ثناء من البعض على علمه بالمغازي والسير خاصة، قال عنه تلميذه محمد بن سعد: «كان عالماً بالمغازي، والسيرة، والفتوح»، وقال عنه الخطيبُ البغداديُّ: «سارتْ الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي، والسير، والطبقات، وأخبار النبي ﷺ والأحداث التي كانت في وقته، وبعد وفاته ﷺ » (٣). وقال عنه الذهبيُّ: «كان إلى حفظه المنتهى في الأخبار، والسير، والمغازي، والحوادث، وأيام الناس، والفقه، وغير ذلك» (٤). وقال في موطن آخر: «وقد تقرَّر أنَّ الواقديَّ ضعيفٌ، يُحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونُورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض، فلا ينبغي أن يُذكر» (٥). وقال عنه الحافظ ابن كثير: «الواقدي عنده زياداتٌ حسنةٌ، وتاريخٌ محرَّرٌ غالباً; فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوقٌ في نفسه مكثار» (٦). وقد استوعب الكلام على عدالة الواقدي ابنُ سيد الناس، ثم قال في معرض الدفاع عنه: «سعة العلم مظنَّةٌ لكثرة الأغراب، وكثرة الأغراب مظنَّةٌ للتهمة، والواقدي غير مدفوعٍ عن سعة العلم، فكثرت بذلك غرائبه» (٧). وقال أيضاً: «وقد رُوِّينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع، وسؤاله من أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم؛ ما يقتضي انفراداً برواياتٍ وأخبار لا تدخل تحت الحصر» (٨).

стр. 16

والذي يظهر من مجموع كلام النقَّاد في الواقدي قبول رواياته في الأخبار والسير، ولكن لا يُعارض بها الروايات الصحيحة، والله أعلم (١). - سيف بن عمر التميمي: نقل الحافظ ابن حجر في ترجمته تضعيفَ العلماء له، وتشبيه بعضهم له -كأبي حاتم الرازي- بالواقدي (٢)، ولما أراد الحافظ أن يُصدر عليه حكماً كلِّياً قال: «ضعيف الحديث، عمدةٌ في التاريخ» (٣). وقد اعتمده الطبريُّ في أخبار الفتوح، وذكر رواياته في الفتنة، وقد أكثر عنه بهذا الإسناد: «كتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف بن عمر»، أو: «حدثني السري، عن شعيب، عن سيف بن عمر»، ومجموع مروياته في تاريخ الطبري: مئتين وستٍّ وستِّين رواية (٤). - أبو الحسن علي بن محمد المدائني: تُرجم له في كُتب الضعفاء (٥)، وقال عنه ابن عدي: «ليس بالقوي في الحديث، وأقلَّ ما له من الروايات المسنَدة» (٦)، ومع ذلك: نجد الطبريَّ يقول عنه: «كان عالماً بأيام الناس، صدوقاً في ذلك» (٧). وكذلك أكثر عنه في تاريخه، وغالب رواياته من طريق عمر بن شبة، وبعضها أخذه من كتبه مباشرة. وقال عنه الخطيب البغدادي: «وكان عالماً بأيام الناس، وأخبار العرب وأنسابهم، عالماً بالفتوح والمغازي ورواية الشعر، صدوقاً فِي ذلك» (٨). وقال أبو العباس أَحمد بن يحيى النحوي: «من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أَبِي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني» (٩).

стр. 17

- أبو مِخنف لوط بن يحيى: ضعَّفه عامة أهل الجرح والتعديل (١)، وقال عنه الذهبيُّ: «أخباريٌّ تالفٌ، لا يُوثقُ به» (٢)، ثم قال عنه في موطن آخر: «صاحب تصانيف وتواريخ، .... ، وهو من بابة سيف بن عمر التميمي صاحب «الردَّة»، وعبد الله بن عياش المنتوف، وعوانة بن الحكم» (٣). - محمد بن إسحاق بن يسار المدني: قال عنه الدارقطني: «لا يُحتجُّ به، وإنما يُعتبر به» (٤). وقال عنه الذهبي: «كان في العلم بحراً عجَّاجاً، لكنه ليس بالمجوِّد كما ينبغي» (٥)، وقال: «قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحدٍ من العلماء» (٦). ومع هذا فهو يثني عليه في علم المغازي والسير؛ فيقول: «قد كان في المغازي علَّامةً» (٧). وقال أيضاً عنه: «له ارتفاعٌ بحسبه، ولا سيَّما في السير، وأما في أحاديث الأحكام: فينحطُّ حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذَّ فيه، فإنه يُعدُّ مُنكَراً، هذا الذي عندي في حاله، والله أعلم» (٨). وقد سبقه إلى ذلك: الإمام أحمد، حيث قال -وذكر محمد بن إسحاق-: «أما في المغازي وأشباهه: فيكتب، وأما في الحلال والحرام: فيحتاج إلى مثل هذا، ومدَّ يده وضم أصابعه» (٩). وقال العباس بن محمد: سمعتُ أحمد بن حنبل، وقيل، له: ما تقول في موسى بن عبيدة؟ وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: «أما محمد بن إسحاق: فهو رجل يكتب هذه الأحاديث، كأنه يعني المغازي وما أشبهها، أما موسى بن عُبيدة: فلم يكن به بأس» (١٠).

стр. 18

وقال الشافعيُّ: «من أراد أن يتبحَّر في المغازي؛ فهو عيال على محمد بن إسحاق» (١). إذن بعد هذا: كيف يُتعامل مع هذا الصنف من الرواة؟ لا شكَّ أن انفرادهم برواية حديث، أو واقعة يُستفاد منها تشريعٌ، أو حُكمٌ عقديٌّ، أو تحمل طعناً في أحدٍ ممن ثبتت عدالتهم بيقين؛ لا يقبله من لديه مسحةٌ من علم بأصول القبول والرد، هذا لا يُنازَعُ فيه. أمَّا ما نقلوه من أخبارٍ، تحمل بعض التفاصيل التي لا تتعرَّضُ لشيءٍ مما ذُكر، وإنما يكون فيها زيادةٌ لا تضر، وتفاصيل قد تساعد على تصوُّرٍ أقرب لما كانت عليه الأحداث؛ فهذا لا بأس بإيراده، وعلى هذا يُحمل قول من قَبِل كلامهم من العلماء في أبواب المغازي والسير. ولذا فإذا ما مرَّ بك عزيزي القارئ أثرٌ، ووجدت الحكم بضعف الإسناد مُصدَّراً عليه، وسبب ذلك وجود أحد هؤلاء؛ فتذكَّرْ تلك القاعدة التي تقدَّمت، وهي: أنَّ حالهم في نقل هذه الأخبار، مما لا يترتب عليه شيء من أحكام العقائد والتشريعات؛ مما يُتساهل فيه. وهذه قاعدةٌ وضعها أحدُ أئمَّة الحديث في زمانه، عبدُ الرحمن بن مهدي، حينما قال: «إذا رُويِّنا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام، والأحكام؛ شدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا رُوِّينا في فضائل الأعمال، والثواب والعقاب، والمباحات والدعوات؛ تساهلنا في الأسانيد» (٢). فاجعل هذا الأمر منك على ذكر. وفيما يلي بعض النماذج العمليَّة من تصرفات العلماء مع مرويَّاتهم في هذا الباب:

стр. 19

- صنيع البخاريِّ في صحيحه مع راوٍ كمحمد بن إسحاق، حيث لم يعتمده كرجلٍ من رجاله في الأحاديث، لكنه علَّق عنه في أبواب المغازي كثيراً، من ذلك قوله: «قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي ﷺ : الأبواء، ثم بُواط، ثم العُشيرة» (١). وقوله: «قال ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان، سمعت جابراً، خرج النبي ﷺ إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعاً من غطفان، فلم يكن قتالٌ، وأخاف الناس بعضهم بعضاً، فصلى النبي ﷺ ركعتي الخوف» (٢). وقوله: «باب غزوة بني المصطلق، من خزاعة، وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست» (٣). - ونجد الطبريَّ في كتابه التاريخ أكثر عن مثل هؤلاء الأخباريين المذكورين، بينما في كتابٍ له كتهذيب الآثار، عُني فيه بالأحاديث والاحتجاج بها؛ لا نجدُ ذكراً لهم! - كذلك الحافظ ابن حجر اعتبر بروايات هؤلاء الأخباريين في شرحه لصحيح البخاري، ومن ذلك: أنَّه في أول كتاب المغازي (٤) ذكر عدد غزوات الرسول ﷺ ، وعدد بعوثه وسراياه، وعدد الغزوات التي وقع فيها قتال، فاستشهد بأقوال أهل السير؛ مثل: محمد بن إسحاق، والواقدي، ومحمد بن سعد، وذَكَر خلافهم، وجمع بين أقوالهم وأقوال من هم أوثق منهم من رواة الصحيح، وفعل مثل هذا عند حديثه عن عدد أهل بدر (٥). وفي قصة مقتل أبي جهل يوم بدر، جعل الحافظ رواية ابن إسحاق جامعة بين الروايات، رغم مخالفتها لما في الصحيح (٦)!

стр. 20

كذلك في قصة بني النضير ومتى كان حصارُهم، ذكر ابنُ إسحاق أنها كانت بعد أحدٍ، وبعد استشهاد القرَّاء في بئر معونة، بينما نجد البخاري ينقل في الصحيح عن عروة أنها كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، أي: قبل أحد، وقد مال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح رواية ابن إسحاق رغم إيراده سبباً للغزوة غير ما ذكر ابن إسحاق (١)! وكل هذا الصنيع منهم، ومن غيرهم، يؤكِّد لنا على صحَّة ما قدَّمناه، من التفريق بين روايتهم للأحاديث المرفوعة، وكذلك ما يُستفادُ منه حكمٌ شرعيٌ، أو تأصيلٌ عقديٌّ، أو طعنٌ فيمن ثبتت عدالتهم، وبين الأخبار العامة، وتفاصيل السير المجملة، التي لا تمسُّ شيئاً مما سبق. والله أعلم.

стр. 21

إدارة الثقافة الإسلامية وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة الكويت فتحُ المنَّان بسيرة أمير المؤمنين مُعاوية بن أبي سُفْيان ﵁ (سِيرتُه- فضائلُه- الشُّبهات المُثَارة حَوْله) جَمَعه وحقَّقه وعلَّق عليه أحمد بن إبراهيم الجابري

стр. 22

منهج العمل في الكتاب: أمَّا المنهج العام للعمل فقد تقدَّمت الإشارة إليه (٣)، وأمَّا عن تقسيم الكتاب هنا: فقد قسمتُه إلى أربعةِ فصولٍ كما يلي: الفصل الأول: معاوية ﵁ قبل الخلافة: تناولتُ فيه الحديث عن سيرته، ابتداءً من اسمه ونسبه ومولده، وحتى انتهاء حروبه مع علي بن أبي طالب ﵁، ومقتل الأخير، وتولِّي ابنه الحسن الخلافة بعده، لأنَّ هذه المرحلة الأخيرة قبل توليه الخلافة. الفصل الثاني: معاوية ﵁ والخلافة: تحدثتُ فيه عن كيفية تولِّيه للخلافة، وأهمِّ الأحداث التي وقعت منذ هذا العهد حتى وفاته، خاتماً الفصل بذكر أهمِّ صفاته وأخلاقه. الفصل الثالث: مناقبُه وثناءُ العلماء عليه:

стр. 23

جمعتُ فيه ما صحَّ في فضله من الأحاديث المرفوعات، والآثار الموقوفات، والأقوال المقطوعات، والتي تبيِّن منزلته ﵁ عند سلف الأمة الصالحين، الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، والتأسِّي بهديهم. الفصل الرابع: شبهاتٌ وردود: أفردتُه لإيراد أبرز وأشهر الشبهات والافتراءات التي قِيلت في حقِّ هذا الصحابيِّ الكريم، مُتَّبِعاً في الإجابة عن هذه الشبهات منهجاً علمياً دقيقاً، أبرزته وأفصحتُ عنه في صدر الفصل المذكور هناك، ليكون بهذا تتمة وخاتمة، نسأل الله حسن الخاتمة. ثم ذيَّلتُ هذا كله بقائمة المصادر والمراجع، مُتْبِعا إيَّاها بفهرسٍ شاملٍ مُفصَّلٍ لمواضيع الكتاب وما حواه، حتى يعين القارئ على الاهتداء إلى موضعِ ما يريد من البحث. وأخيراً: فلا أدَّعِي بعد هذا الجهد عصمةَ عملي من خللٍ وتقصير، أو سهوٍ ونقص في حسن العرض والتقدير، لكنِّي بحسب وسعي وطاقتي اجتهدت، فإن وُفقتُ وأصبت: فالفضل كله لمن بيده الفضل ومقاليد السماوات والأرض، فله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد، وإن أخطأتُ وشططت، أو زللتُ وخُذلت: فمن قِبَلِ نفسي وشيطاني أُتيت، فأستدرك فلا أكابر في خطأ، وأستغفر فلا أصرُّ على ذنب. ولأنَّ شكر أصحاب الفضل من شكر الله ، فأشكر والديَّ اللذين أعاناني على المضيِّ قُدُماً في طريق العلم والدعوة، ولم يقفا أمامي عقبة، أو حَجَر عَثْرة، فضلاً عن رعايتيهما لي صغيراً وكبيراً، فجزاهما الله عني خير الجزاء.

стр. 24

وكذلك الشكر موصول لشيخي المفضال: أبي عبد الله مصطفى بن العدوي -حفظه الله- الذي فتح الله عينيَّ على رؤياه أول ما رأيتُ من أهل العلم، وتعلمتُ على يديه أول ما تعلَّمت، فزرع في نفسي من جميل الخصال، وحسن الفعال، وتعظيم الكتاب والسنة وتقديمهما على جميع الأقوال، ما أترك مكافأته به للكبير المتعال (١). ولا أنسى شكر إخواني الأفاضل الأكابر الذين سبقوني إلى هذا الطريق، فمهَّدوا لي ولغيري ما كان وَعْراً عليهم، ولم يبخلوا بنصحهم أو وقتهم، وأخصُّ بالذكر منهم: الشيخ الفاضل: أبا عمر أحمد بن سالم، والشيخ الكريم: أبا محمد حازم الشربيني. وكذا الشكر لشقيقي وصاحبي أبي البراء وليد الجابري، على صادق نُصحه، وكريم إعانته. والشكر لزوجي أم سميَّة، على صبرها على قطعي الساعات بعيداً عنها بين الكتب والمطالعة، أو التحرك للدعوة، وجَوْرِي على وقتها الخاص بها منِّي، لأوسِّع به ضيق وقتي. والشكر الجزيل موصولٌ للقائمين على إدارة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، والعاملين بها، على سعيهم الحثيث في نفع المسلمين، وتبنِّيهم للأبحاث والمشروعات العلمية الجادَّة، التي تهدف لنشر نور العلم بين أبناء هذه الأمَّة، وتقليص مساحة ظلام الجهل، خاطِين بذلك خُطى ثابتةً رشيدةً نحو تحقيق رؤيتهم الغالية العالية: (الريادة عالميَّاً في العمل الإسلامي). اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا، ولا عَلِمنا ولا تعلَّمنا، ولا كَتبْنا ولا بيَّنا، فأنزلنْ سكينةً علينا، وأحسنن خاتمتنا إذا عليك قدمنا، واجعل ما وفَّقتنا إليه شاهداً لنا لا علينا.

стр. 25

اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تنفعَ بهذا الكتاب صاحبَه، وناشرَه، وقارئه، وأن تجعله باب خير وبركة عليَّ -في الحياة والممات- وعلى سائر المسلمين، وأن ترزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن. اللهم آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وكتبه: أحمد بن إبراهيم الجابريّ E-Mail: Islamtime@Hotmail.Com.

стр. 26

الفصل الأول مُعاويةُ ﵁ قبل الخِلافة اسمُهُ ونسبُهُ وكنيتُهُ ولقبُهُ: هو أمير المؤمنين معاوية (١) بن أبي سفيان (٢) بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب، أبو عبد الرحمن القُرشي الأموي.

стр. 27

وأُمُّه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وبهذا يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس، وأم هند: صعبة بنت أمية بن حارثة بن الأوقص، من بني سليم (١). قال يوسف بن تَغْري بردي: «ولقبُهُ: الناصر لدين الله، وقِيل: الناصر لحق الله، والأول أشهر» (٢).

стр. 28

مولده: قال خليفة بن خيَّاط: «وُلد معاوية ﵁ بمكَّة في دار أبي سفيان بن حرب، ويُقال: في دار عتبة بن ربيعة» (١). وقال الحافظ ابن حجر: «وُلد قبل البعثة بخمس سنين، وقِيل بسبع، وقِيل بثلاث عشرة. والأول أشهر» (٢). اهتمام أمِّه به، وتنبُّؤها بنبوغه: عن أبان بن عثمان بن عفَّان قال: «كان معاوية يمشي وهو غلام مع أمِّه هند، فعثر، فقالت: قُمْ، لا رفعك الله، وأعرابي ينظر إليه، فقال: لم تقولين له؟! فوالله إني لأظنه سيسود قومه، فقالت: لا رفعه الله إن لم يَسُدْ إلا قومه» (٣).

стр. 29

وعن أبي الحسن المدائني: «أن أبا سفيان نظر يوماً إلى معاوية وهو غلام، فقال لهند: إنَّ ابني هذا لعظيم الرأس، وإنَّه لخليقٌ أن يسود قومه. فقالت هند: قومه فقط؟! ثَكلْتُه إن لم يَسُدْ العرب قاطبة» (١). وكانت هند تداعبه وهو صغيرٌ بتلك الكلمات: إن بُنيَّ مُعْرِقٌ كريمْ ... مُحبَّبٌ في أهله حليمْ ليس بفحَّاشٍ ولا لئيمْ ... ولا بطُخرورٍ ولا سؤومْ صخرُ بني فهرٍ به زعيمْ ... لا يُخلفُ الظنَّ ولا يَخيمْ (٢) صِفَتُه الخَلْقية: كان معاوية ﵁ أبيضَ جميلاً، طويلاً، مَهيباً، إذا ضحك انقلبت شفته العليَّاً، أبيض الرأس واللحية، وكان يخضب بالصفرة، كأن لحيته الذهب (٣). وقد أصابته لَقْوةٌ (٤) في آخر عمره، فكان يستر وجهه، ويقول: «رحم الله عبداً دعا لي بالعافية، فقد رُميت في أحسني وما يبدو مني» (٥).

стр. 30

زوجاتُه وأولادُه (١): ١ - قَريبَة (٢) بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: وقد نَكَحَها معاويةُ بمكة قبل إسلامه، وكانت قبل ذلك امرأة عمر بن الخطاب ﵁، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم -في حديث صلح الحديبية الطويل- قالا: «وجاء رسولَ الله ﷺ نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾، حتى قوله تعالى: ﴿بعصم الكوافر﴾ (٣)؛ فطلَّق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أمية» (٤). وقال عبد الله بن عباس: «كانت قَرِيبة بنت أبي أمية عند عمر بن الخطاب، فطلَّقها، فتزوَّجها معاوية بن أبي سفيان» (٥). ٢ - مَيْسون بنت بَحدَل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة بن جناب الكلبي: قال عنها الحافظ ابن كثير: «كانت حازمةً، عظيمةَ الشأن، جمالاً، ورياسةً، وعقلاً، وديناً.

стр. 31

دخل عليها معاوية يوماً ومعه خادم خصيٌّ، فاستترت منه، وقالت: ما هذا الرجل معك؟ فقال: إنه خصيٌّ، فاظهري عليه. فقالت: ما كانت المثلة لتُحِلَّ له ما حرَّم الله عليه. وحجبته عنها. وفي رواية أنَّها قالت له: إنَّ مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه» (١). قلتُ (أحمد): وسيأتي بعد قليل -إن شاء الله- ما يدلُّ على رجحان عقلها، ووثوق معاوية برأيها. وَلَدتْ ميسون له يزيد، وكان معاوية يحبه، ويتمثل له وهو ينظر إليه: وإن مات لم تصلح مُزينة بعده ... فنُوطِي عليه يا مزين التمائما (٢) وهو الذي عهد إليه معاوية ﵁ بالخلافة من بعده، وكان يقول: «لولا هواي في يزيد لأبصرتُ طريقي» (٣). وكذلك وَلدت له بنتاً يُقال لها: أَمَةُ الشارق، وقيل: أَمَةُ ربِّ المشارق، ماتت وهي صغيرة (٤). ٣ - نائلة بنت عمارة الكلبية: وهي التي استشار معاوية ﵁ زوجته ميسون في شأنها، واستمع لنصيحتها، وأخذ بمشورتها، وهذا مما يدل على رجاحة عقل ميسون -كما تقدَّم-.

стр. 32

فعن علي بن محمد المدائني قال: «لما تزوَّج معاوية نائلةَ قال لميسون: انطلقي فانظري إلى ابنة عمِّك، فنظرتْ إليها، فقال: كيف رأيتِها؟ فقالتْ: جميلةٌ كاملةٌ، ولكن رأيت تحت سُرَّتها خالاً ليوضعنَّ رأسُ زوجها في حجرها، فطلَّقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن بشير الأنصاري، فقُتِل، ووُضِع رأسُهُ في حجرها» (١). ٤ - أمُّ ولد يُقال لها: فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: وَلَدتْ له عبد الرحمن، وهو الذي كان يُكنى به، ولا عقب له، ونصَّ الطبريُّ على أنَّه مات صغيراً (٢). وكذا ولدتْ له عبد الله، وكان مُحمَّقاً، ضعيفَ العقل (٣). قال عنه ابن سعد: «وهو مبقث (٤)، دَرَج (٥)» (٦).

стр. 33

واختُلف في كنيته، فقيل: أبو الخير (١)، وقيل: أبو سليمان (٢). وكان لعبد الله بن معاوية بنتٌ يُقال لها: عاتكة، تزوَّجها يزيد بن عبد الملك، وبعضهم يجعلها بنت معاوية، وليست نبت ابنه عبد الله (٣). وكذا وَلَدتْ فاختة لمعاوية بنتاً يُقال لها: هند، وقد تزوَّجها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس (٤)، ثم تزوَّجها بعده عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان؛ فماتت عنده (٥). ٥ - كنود (٦) بنت قرظة بن عبد عمرو (أخت فاختة السابق ذكرها): قال ابنُ كثيرٍ: «وقد تزوَّج بأختها -يعني: كنود- منفردة عنها بعدها -أي: بعد فاختة-» (٧). ووَلَدتْ له بنتاً يُقال لها: رملة، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفان، ووَلَدتْ له خالداً، وعثمان (٨).

стр. 34

قال الطبريُّ: «وقد غزا قُبرس (١) وهي معه -يعني: امرأته كنود- فماتت هنالك» (٢). ٦ - أمُّ ولد له: وهذه لم تذكر الكتب التي بين أيدينا اسماً لها، لكن ذكرتْ أنها وَلَدتْ له بنتاً يُقال لها: صفيَّة، تزوَّجها محمد بن زياد بن أبي سفيان (٣). وجديرٌ بالذكر هنا أنَّ كلَّ هؤلاء الأولاد إنَّما وُلدوا لمعاوية ﵁ قبل تولِّيه الخلافة، وأمَّا بعدها فلم يُولد له. قال ابن قتيبة: «ولم يُولد له في خلافته ولدٌ، وذلك أنَّ البريك الصّريمى ضربه على أَلْيته، فانقطع عنه الولد» (٤). إسلامُهُ: اتَّفق العلماء على إسلام معاوية، لكنهم اختلفوا في تحديد وقت إسلامه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّه أسلم عام الفتح: وأكثر مصادر ترجمته على هذا القول، وأنَّه أسلم مع أبيه، وأمِّه، وأخيه يزيد (٥). قال النوويُّ: «أسلم معاوية يوم الفتح، سنة ثمانٍ، هذا هو الصحيح المشهور» (٦).

стр. 35

وبعضهم ينقل أنه أسلم قبل ذلك -كما سيأتي- لكنه لم يُظهر إسلامه إلا عند الفتح. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ -مُعلِّقا على كلام النوويِّ السابق-: «والذي رجَّحه من كون معاوية إنَّما أسلم يوم الفتح صحيحٌ من حيث السند، لكن يمكن الجمع بأنَّه كان أسلم خفيةً وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح» (١). القول الثاني: أنَّه أسلم عام القضيَّة (الحديبية): قال مصعبُ بن عبد الله الزبيري: كان معاويةُ ﵁ يقول: «أسلمتُ عام القضية، لقيتُ النبي ﷺ فوضعتُ إسلامي عنده، فقبل منِّي». وعام القضية سنة ست (٢)، وهو العام الذي صُدَّ النبي ﷺ عن البيت (٣). قال عطاءُ بن دينار: «أسلم معاوية وهو ابن ثمان عشرة سنة» (٤).

стр. 36

القول الثالث: أنَّه أسلم قُبَيْل الفتح (بعد الحديبية، وقبل الفتح): عن عمر بن عبد الله العنسي قال: قال معاوية بن أبي سفيان: «لما كان عام الحديبية صَدَّتْ قريشٌ رسولَ الله ﷺ عن البيت ودافعوه بالراح وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرتُ ذلك لأمِّي هند بنت عتبة فقالت: إيَّاك أنْ تخالف أباك، أو أن تقطع أمراً دونه فيقطع عنك القوت، فكان أبي يومئذٍ غائباً في سوق حباشة، قال: فأسلمتُ وأخفيتُ إسلامي، فوالله لقد دخل رسول الله ﷺ من الحديبية إنِّي مُصدِّقٌ به، وأنا على ذلك أكتمه من أبي سفيان، ودخل رسول الله ﷺ مكة عام عمرة القضية وأنا مسلمٌ مُصدِّقٌ به، وعلم أبو سفيان بإسلامي فقال لي يوماً: لكنْ أخوك خيرٌ منك، فهو على ديني، قلتُ: لم آل نفسي خيراً، وقال: فدخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح فأظهرتُ إسلامي ولقيته فرحَّب بي، وكتبتُ له» (١). وقال الذهبيُّ: «قيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح» (٢). لكنَّ الحافظ ابن حجر أبدى اعتراضاً على هذا القول؛ فقال: «وحكى الواقديُّ أنه أسلم بعد الحديبية، وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، وأنَّه كان في عمرة القضاء مسلماً، وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح (٣)، عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال في العمرة في أشهر الحج: فعلناها، وهذا يومئذ كافر.

стр. 37

ويحتمل إن ثبُت الأول أن يكون سعدٌ أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله، ولم يطَّلع على أنَّه كان أسلم لإخفائه لإسلامه» (١). وحاصل هذه الأقوال كلها: أنَّ معاوية ظهر إسلامُه عام الفتح، سنة ثمانٍ من الهجرة، وهذا لا نزاعَ فيه، ولكن يبقى النِّزاع قائماً فيما إذا كان أسلم قبل ذلك وأخفى إسلامه لهذا الوقت، أم أنَّ هذا كان بداية إسلامه. والأمر في ذلك قريب، لأنه حتى إن ثبُت إسلامه قبل الفتح؛ فهو لم يلحق بالنبي ﷺ ولم يصحبه إلا بعد الفتح، وهذا ما يهمنا هنا. معاوية ﵁ مع النبي ﷺ - (٢): أولاً: مع النبي ﷺ في جهاده: بعد قليل من مُكْث النبيِّ ﷺ بمكة عام الفتح، خرج للقاء هَوازِن وثَقِيف في يوم حُنينٍ، وبعدها توجَّه للطَّائف (٣)، وقد شهد معاوية ﵁ المشهدَيْن معه. قال محمدُ بن عمر الواقديُّ: «وشَهِد معاوية بن أبي سفيان مع رسول الله ﷺ حُنَيْناً، والطائفَ، وأعطاه رسولُ الله ﷺ من غنائم حنينٍ مائةً من الإبل، وأربعين أوقيةً، وَزَنَها له بلال» (٤).

стр. 38

وقال عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيْميَّة: «شهد مع رسول الله ﷺ حُنيناً، والطَّائف، وتبوك» (١). ثانياً: مع النبيِّ ﷺ في نُسُكه: عن عبد الله بن عباس، عن معاوية ﵃؛ قال: «قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَة» (٢). وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وحجَّ مع النبي ﷺ حجَّة الوداع» (٣). ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي ﷺ -: لا يكاد يخلو مصدرٌ من مصادر ترجمته ﵁ من ذكر هذه المنقبة له، وهي: أنه كان كاتباً بين يدي النبي ﷺ ، بل عدَّ بعضهم هذا من الأمور المتواترة عن معاوية ﵁. يقول شيخُ الإسلام ابن تيْميَّة: «فإنَّ معاويةَ ثبت بالتواتر أنه أَمَره النبي ﷺ كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده- يكتب له الوحي، وما اتَّهمه النبيُّ ﷺ في كتابة الوحي» (٤). وفيما يلي بعضُ نصوص العلماء -على اختلاف أزمانهم وأماكنهم- في هذه المسألة:

стр. 39

قال المعافى بن عمران (١): «معاوية ﵁ كاتبه، وصاحبه، وصهره، وأمينه على وحي الله » (٢). وقال خليفةُ بن خيَّاط: «تسمية من كَتَبَ له ﷺ : زيد بن ثابت كاتب الوحي، وقد كتب له معاوية بن أبي سفيان» (٣). وقال الإمامُ مُسلمٌ: «أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، كاتب رسول الله ﷺ » (٤). وقال الطبريُّ: «ذِكْرُ من كان يكتب لرسول الله ﷺ : وكَتَبَ له معاوية بن أبي سفيان» (٥). وقال أبو نعيمٍ: «كان من الكَتَبَة الحَسَبَة الفَصَحَة» (٦). وقال ابنُ حزمٍ -وهو يتحدَّثُ عن كُتَّابه ﷺ : «وكان زيد بن ثابت من ألزم النَّاس لذلك، ثُمَّ تلاه مُعاويةُ بعد الفتح، فكانا مُلازِمَيْن للكتابة بين يديه ﷺ في الوحي وغير ذلك، لا عمل لهما غير ذلك» (٧). وقال ابنُ عبد البرِّ: «وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ » (٨). وقال الخطيبُ البغداديُّ: «واستكتبه النبيُّ ﷺ » (٩). وقال ابنُ عساكرٍ: «كاتبُ وحي ربِّ العالمين» (١٠).

стр. 40

وقال الشيخ عبدُ الله السعد: «وكون معاوية ﵁ كاتباً لرسول الله ﷺ أمرٌ مشهورٌ عند أهل العلم, واتِّخاذ سيد الخلق له كاتباً لوحي الله منقبةٌ عظيمةٌ لمعاوية ﵁» (١). إلا أنه قد رُوي أن كتابته للنبي ﷺ كانت خاصة بالمراسلات بينه وبينه العرب، وقد ورد ما يردُّ هذا القول. قال الذهبيُّ: «وذكر المفضَّل الغلابي: أنَّ زيد بن ثابت كان كاتب وحي رسول الله ﷺ ، وكان معاوية كاتبه فيما بينه وبين العرب. كذا قال! وقد صحَّ عن ابن عباس قال: كنت ألعب، فدعاني رسول الله ﷺ وقال: ادع لي معاوية، وكان يكتب الوحي (٢)» (٣). ولما نقل ابن تيْميَّة قولَ ابن المطهِّر عن أهل السنة: «وسمُّوه: كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمةً من الوحي»؛ أجاب عن ذلك فقال: «فهذا قولٌ بلا حجةٍ, فما الدليلُ على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي, وإنما كان يكتب له الرسائل؟» (٤).
следующие страницы →