← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القول الثالث: أنَّه أسلم قُبَيْل الفتح (بعد الحديبية، وقبل الفتح): عن عمر بن عبد الله العنسي قال: قال معاوية بن أبي سفيان: «لما كان عام الحديبية صَدَّتْ قريشٌ رسولَ الله ﷺ عن البيت ودافعوه بالراح وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرتُ ذلك لأمِّي هند بنت عتبة فقالت: إيَّاك أنْ تخالف أباك، أو أن تقطع أمراً دونه فيقطع عنك القوت، فكان أبي يومئذٍ غائباً في سوق حباشة، قال: فأسلمتُ وأخفيتُ إسلامي، فوالله لقد دخل رسول الله ﷺ من الحديبية إنِّي مُصدِّقٌ به، وأنا على ذلك أكتمه من أبي سفيان، ودخل رسول الله ﷺ مكة عام عمرة القضية وأنا مسلمٌ مُصدِّقٌ به، وعلم أبو سفيان بإسلامي فقال لي يوماً: لكنْ أخوك خيرٌ منك، فهو على ديني، قلتُ: لم آل نفسي خيراً، وقال: فدخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح فأظهرتُ إسلامي ولقيته فرحَّب بي، وكتبتُ له» (١). وقال الذهبيُّ: «قيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح» (٢). لكنَّ الحافظ ابن حجر أبدى اعتراضاً على هذا القول؛ فقال: «وحكى الواقديُّ أنه أسلم بعد الحديبية، وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، وأنَّه كان في عمرة القضاء مسلماً، وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح (٣)، عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال في العمرة في أشهر الحج: فعلناها، وهذا يومئذ كافر.

стр. 37

ويحتمل إن ثبُت الأول أن يكون سعدٌ أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله، ولم يطَّلع على أنَّه كان أسلم لإخفائه لإسلامه» (١). وحاصل هذه الأقوال كلها: أنَّ معاوية ظهر إسلامُه عام الفتح، سنة ثمانٍ من الهجرة، وهذا لا نزاعَ فيه، ولكن يبقى النِّزاع قائماً فيما إذا كان أسلم قبل ذلك وأخفى إسلامه لهذا الوقت، أم أنَّ هذا كان بداية إسلامه. والأمر في ذلك قريب، لأنه حتى إن ثبُت إسلامه قبل الفتح؛ فهو لم يلحق بالنبي ﷺ ولم يصحبه إلا بعد الفتح، وهذا ما يهمنا هنا. معاوية ﵁ مع النبي ﷺ - (٢): أولاً: مع النبي ﷺ في جهاده: بعد قليل من مُكْث النبيِّ ﷺ بمكة عام الفتح، خرج للقاء هَوازِن وثَقِيف في يوم حُنينٍ، وبعدها توجَّه للطَّائف (٣)، وقد شهد معاوية ﵁ المشهدَيْن معه. قال محمدُ بن عمر الواقديُّ: «وشَهِد معاوية بن أبي سفيان مع رسول الله ﷺ حُنَيْناً، والطائفَ، وأعطاه رسولُ الله ﷺ من غنائم حنينٍ مائةً من الإبل، وأربعين أوقيةً، وَزَنَها له بلال» (٤).

стр. 38

وقال عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيْميَّة: «شهد مع رسول الله ﷺ حُنيناً، والطَّائف، وتبوك» (١). ثانياً: مع النبيِّ ﷺ في نُسُكه: عن عبد الله بن عباس، عن معاوية ﵃؛ قال: «قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَة» (٢). وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وحجَّ مع النبي ﷺ حجَّة الوداع» (٣). ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي ﷺ -: لا يكاد يخلو مصدرٌ من مصادر ترجمته ﵁ من ذكر هذه المنقبة له، وهي: أنه كان كاتباً بين يدي النبي ﷺ ، بل عدَّ بعضهم هذا من الأمور المتواترة عن معاوية ﵁. يقول شيخُ الإسلام ابن تيْميَّة: «فإنَّ معاويةَ ثبت بالتواتر أنه أَمَره النبي ﷺ كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده- يكتب له الوحي، وما اتَّهمه النبيُّ ﷺ في كتابة الوحي» (٤). وفيما يلي بعضُ نصوص العلماء -على اختلاف أزمانهم وأماكنهم- في هذه المسألة:

стр. 39

قال المعافى بن عمران (١): «معاوية ﵁ كاتبه، وصاحبه، وصهره، وأمينه على وحي الله » (٢). وقال خليفةُ بن خيَّاط: «تسمية من كَتَبَ له ﷺ : زيد بن ثابت كاتب الوحي، وقد كتب له معاوية بن أبي سفيان» (٣). وقال الإمامُ مُسلمٌ: «أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، كاتب رسول الله ﷺ » (٤). وقال الطبريُّ: «ذِكْرُ من كان يكتب لرسول الله ﷺ : وكَتَبَ له معاوية بن أبي سفيان» (٥). وقال أبو نعيمٍ: «كان من الكَتَبَة الحَسَبَة الفَصَحَة» (٦). وقال ابنُ حزمٍ -وهو يتحدَّثُ عن كُتَّابه ﷺ : «وكان زيد بن ثابت من ألزم النَّاس لذلك، ثُمَّ تلاه مُعاويةُ بعد الفتح، فكانا مُلازِمَيْن للكتابة بين يديه ﷺ في الوحي وغير ذلك، لا عمل لهما غير ذلك» (٧). وقال ابنُ عبد البرِّ: «وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ » (٨). وقال الخطيبُ البغداديُّ: «واستكتبه النبيُّ ﷺ » (٩). وقال ابنُ عساكرٍ: «كاتبُ وحي ربِّ العالمين» (١٠).

стр. 40

وقال الشيخ عبدُ الله السعد: «وكون معاوية ﵁ كاتباً لرسول الله ﷺ أمرٌ مشهورٌ عند أهل العلم, واتِّخاذ سيد الخلق له كاتباً لوحي الله منقبةٌ عظيمةٌ لمعاوية ﵁» (١). إلا أنه قد رُوي أن كتابته للنبي ﷺ كانت خاصة بالمراسلات بينه وبينه العرب، وقد ورد ما يردُّ هذا القول. قال الذهبيُّ: «وذكر المفضَّل الغلابي: أنَّ زيد بن ثابت كان كاتب وحي رسول الله ﷺ ، وكان معاوية كاتبه فيما بينه وبين العرب. كذا قال! وقد صحَّ عن ابن عباس قال: كنت ألعب، فدعاني رسول الله ﷺ وقال: ادع لي معاوية، وكان يكتب الوحي (٢)» (٣). ولما نقل ابن تيْميَّة قولَ ابن المطهِّر عن أهل السنة: «وسمُّوه: كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمةً من الوحي»؛ أجاب عن ذلك فقال: «فهذا قولٌ بلا حجةٍ, فما الدليلُ على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي, وإنما كان يكتب له الرسائل؟» (٤).

стр. 41

وقال عنه في موطنٍ آخر: «وكان يكتب الوحي، فهو ممن ائتمنه النبيُّ ﷺ على كتابة الوحي، كما ائتمن غيره من الصحابة» (١). وتذكر إحدى الروايات أن الذي طلب من النبي ﷺ استكتاب معاوية هو: والده أبا سفيان. فعن ابن عباس، قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبيَّ الله! ثلاثٌ أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمِّرني حتى أقاتلَ الكفار كما كنتُ أقاتل المسلمين، قال: نعم» (٢).

стр. 42

وهذه الرواية -على مافيها من كلام- أصحُّ بكثيرٍ من هذه الروايات الواهية التي ساقها ابن عساكر في ترجمة معاوية ﵁ (١)، والتي في بعضها أنَّ تكليفه بالكتابة جاء بوحيٍ من السماء (٢)!

стр. 43

رابعاً: روايتُه الحديث عن النبي ﷺ -: لم يكن معاوية ﵁ من المكثرين في رواية الحديث، فعن أبي إدريس الخولاني قال: «سمعت معاوية على المنبر يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وكان قليل الحديث عنه» (١). وربما يرجع ذلك لتأخُّر إسلامه، ولِقِصَرِ الفترة التي صاحب فيها النبيَّ ﷺ ، فقد ظهر إسلامه في عام الفتح -كما تقدَّم-. وربما رجع ذلك أيضاً لاحتياطه في الرواية عنه ﵊، فقد كان بعض الصحابة يتهيَّبون الحديث عن رسول الله ﷺ ، خاصة من بلغه حديثُ إثم الكاذب عليه ﷺ . فعن عبد الله بن الزبير، قال: «قلتُ للزبير: إني لا أسمعك تحدِّثُ عن رسول الله ﷺ كما يحدِّث فلانٌ وفلان؟ قال: أمَا إني لم أفارقه، ولكن سمعتُه يقول: من كذَبَ عليَّ فليتبوأ مقعده من النار» (٢). قال أبو الحسن القابسيُّ -مُعلِّقا على هذا الحديث-: «فمن أجل هذا هَابَ بعض من سمع الحديث أن يُحدِّث الناس بما سمع، وهو بيِّنٌ في اعتذار الزبير» (٣). فلا مانع أن يكون معاوية من هؤلاء الذين كانوا يحتاطون لأنفسهم، خاصَّةً وقد ثبت عنه أنه كان يحذِّر من التهاون في أحاديث النبي ﷺ . فعن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: سمعت معاوية يقول: «إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ ؛ إلا حديثاً كان في عهد عمر، فإنَّ عمر كان يُخيف الناسَ في الله » (٤).

стр. 44

ثم وجدتُ عثمان الدارميَّ قد رجَّح هذا الاحتمال الأخير؛ فقال: «كان معاويةُ معروفاً بقلَّة الرواية عن رسول الله ﷺ , ولو شاء لأكثر، إلا أنه كان يتقي ذلك, ويتقدَّم إلى الناس ينهاهم عن الإكثار على رسول الله ﷺ , حتى إنه كان ليقول: اتقوا من الروايات عن رسول الله ﷺ إلا ما كان يُذكر منها في زمن عمر , فإنَّ عمر كان يُخوِّف الناس في الله تعالى» (١). فالحمد لله على توفيقه. ومع ذا: فقد روى معاويةُ ﵁ قدراً لا بأس به من الأحاديث. قال النوويُّ: «رُوي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا (٢)، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. رَوَى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو الدرداء، وجرير بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وأبو أمامة بن سهل. ومن التابعين: ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن، وغيرهما» (٣). ولذا قال ابنُ كثيرٍ: «ورَوَى عن رسول الله ﷺ أحاديثَ كثيرة، في الصحيحين، وغيرهما من السنن، والمسانيد، ورَوَى عنه جماعة من الصحابة والتابعين» (٤). وأمَّا ابنُ الوزير اليماني فله إحصاءٌ آخر لأحاديثَ معاوية ﵁، من خلال الكتب الستة، ومسند أحمد؛ فقال: «وبعد هذه القواعد أذكرُ لك ما يصدِّقها من بيان أحاديث معاوية التي في الكتب الستة لتعرف ثلاثة أشياء: عدم انفراده فيما رَوَى، وقِلَّةَ ذلك، وعَدَمَ نكارته.

стр. 45

فأقول: جملة ما في الجامعين (البخاري، ومسلم) من حديثه: ثلاثة عشر حديثاً، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، وجملة ما روي فيهما وفي السنن الأربع من حديثه خمسة أقسام: ... » (١). ثم ذكر أحاديث معاوية ﵁، وبيَّن من تابعه من الصحابة على روايتها، ثم قال: «فهذا جميع ما لمعاوية في الكتب الستة، ومسند أحمد، حسب معرفتي، وجملتها ستون حديثاً، ما صح عنه وما لم يصح، المتفق على صحته عنه أربعة، ..... ، وأرجو أن لا يكون فاتني من ذلك شيء إن شاء الله تعالى»، إلى أن قال: «وهو مُقِلٌّ جداً بالنظر إلى طول مدته، وكثرة مخالطته، وليس فيما صحَّ عنه بوفاق شيء يوجب الريبة والتهمة» (٢). وقال في مصنَّفٍ آخر له: «المرويُّ في الكتب السّتّة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثاً» (٣)، ثم بيَّنها، وبيَّن من تابعه من الصحابة على روايتها، ثم أتبعها بذكر أحاديث أُخر خارج الأحكام، وبعض الآثار الموقوفة، ثم قال: «فهذا جملة ما له في جميع دواوين الإسلام السّتّة, لا يشذّ عنّي من ذلك شيء, إلا ما لا يُعصم عنه البشر من السّهو، وليس في حديثه ما ينكر قطّ, على أنّ فيها ما لم يصحّ عنه، أو ما في صحّته عنه خلاف, وجملة ما اتّفق على صحّته عنه منها كلّها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة.

стр. 46

وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر, وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذّابين -خذلهم الله تعالى-, ولو لم يدلّ على ذلك إلا أنّ معاوية لم يرو شيئاً قطّ في ذمّ عليّ ﵁ , ولا في استحلال حربه, ولا في فضائل عثمان, ولا في ذمّ القائمين عليه, مع تصديق جنده له, وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدّة, لا في حياة عليّ ولا بعد وفاته, ولا تفرّد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد, ولهذا روى عن معاوية غير واحد من أعيان الصحابة والتابعين» (١). معاوية مع أبي بكر الصدِّيق ﵄ -: بعد وفاة رسول الله ﷺ وتولِّي أبي بكر ﵁ الخلافة، ظلَّ معاوية على ما كان عليه، من خدمته لدينه، وجهاده وسعيه مع إخوانه للذبِّ عنه ونشره. ومن ذلك: أنه شارك في معركة اليمامة، والتي كانت في أوائل عهد أبي بكر ﵁، وأبلى فيها المسلمون بلاءً حسناً، وثبَّتهم الله حتى قُتل مسيلمةُ الكذاب (٢). قال ابنُ كثيرٍ عنه: «وشهد اليمامة، وزعم بعضهم أنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، حكاه ابن عساكر، وقد يكون له شركٌ في قتله، وإنما الذي طعنه وحشي، وجلَّله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف» (٣). وذكر الطبريُّ في أحداث سنة ثلاث عشرة من الهجرة، عندما بدأ أبو بكر الصديق ﵁ إرسال الجيوش إلى بلاد الشام، أنه أرسل معاوية أميراً على مددٍ أرسله إلى يزيد بن معاوية بالشام (٤).

стр. 47

كذلك لم تتوقَّف يمينُ معاوية عن الكتابة والخط بموت النبي ﷺ ، بل استكتبه أيضا أبو بكر ﵁، وهذا مزيد دليلٍ على أمانته. فعن عروة بن الزبير قال: «دخلتُ على معاوية فقال لي: ما فعل المسلول؟ قال: قلتُ: هو عندي. فقال: أنا والله خططته بيدي، أَقْطَعَ أبو بكر الزبير ﵁ أرضاً فكنت أكتبها، قال: فجاء عمر، فأخذ أبو بكر - يعني الكتاب - فأدخله في ثني الفراش، فدخل عمر ﵁ فقال: كأنكم على حاجة؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، فخرج، فأخرج أبو بكر الكتاب فأتممته» (١). وظلَّ معاوية ﵁ على هذا الحال، من الغزو والجهاد ونشر الدين، حتى لحق الصدِّيق ﵁ بربه، بعد أن عهد إلى عمر بن الخطَّاب ﵁ بالخلافة من بعده. معاوية مع عمر بن الخطَّاب ﵄ -: على نفس منوال أبي بكر ﵁ في استعمال معاوية ﵁ في الغزو والجهاد، نَسَجَ الخليفة الجديد عمر ﵁، وفي المقابل: فإن معاوية لم يألُ جهداً في خلافة عمر في السمع والطاعة، والبذل والحركة، وساعده على ذلك ما كان فيه من نشاط الشباب وحماسه. ففي سنة خمس عشرة من الهجرة (٢)،

стр. 48

بعث عمر ﵁ إلى يزيد بن أبي سفيان أن يُسرِّح معاوية إلى قيسارية، وأرسل إلى معاوية بكتابٍ، جاء فيه: «أما بعد، فإنِّي قد ولَّيتُك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير». وامتثل معاوية ﵁، وسار في جنده حتى نزل على أهل قيسارية، وعليهم أبنى، فهزمه وحصره في قيسارية، ثم إنَّهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مرة إلا هزمهم وردَّهم إلى حصنهم، ثم زاحفوه آخر ذلك، وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا في حفيظة واستماتة، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفاً، وكملها في هزيمتهم مائة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضبيب، ثم خاف منهما الضعف، فبعث عبد الله بن علقمة الفراسي، وزهير بن الحلاب الخثعمي، وأمرهما أن يتبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان. وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر، فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلاً، فحمد الله وقال: لتحمدوا الله على فتح قيسارية، وجعل معاوية قَبْل الفتح وبعده يحبس الأسرى عنده، ويقول: ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، ففطمه عن العبث بأسرى المسلمين حتى افتتحها» (١). وفي سنة سبع عشرة أمَّر عمرُ معاويةَ على الأردن (٢).

стр. 49

عمرُ يولِّي معاويةَ الشام: اجتاح طاعون عمواس الشهير بلاد الشام، فاقتنص عدداً كبيراً من الصحابة والتابعين والمجاهدين، وكان ممن اقتنصهم: يزيدُ بن أبي سفيان (١). قال محمد بن إسحاق: «ولما انتهى إلى عمر مصابُ أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، أمَّر معاوية بن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها، وأمَّر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها» (٢). وعن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص: «أنَّ عمر دعا أبا سفيان يعزِّيه بابنه يزيد، فقال له أبو سفيان: من جعلتَ على عمله يا أمير المؤمنين؟ قال: جعلتُ أخاه معاوية، وابناك مصلحان، ولا يحل لنا أن ننزع مُصلحاً» (٣). وفي رواية أخرى أنَّ عمر هو الذي ذهب إلى أبي سفيان لتعزيته: فعن الزهري قال: «توفي يزيد بن أبي سفيان بدمشق، فكُتب إلى عمر بن الخطاب بنعيه، فجاء عمر بن الخطاب إلى أبي سفيان، فإذا هند بنت عتبة امرأته تهني أهبة لها في المنيئة، فقال: أين أبو سفيان؟ فقالت هند: ها هو ذا، وكان ناحية من البيت، فقال: احتسبا واصبرا. قالا: منْ يا أمير المؤمنين؟ قال: يزيد بن أبي سفيان. فقالا: من استعملتَ على عمله؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، قالا: وصلتْكَ رحمٌ، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

стр. 50

قال الزهريُّ: إنما ولَّاه عمل يزيد ولم يُفرد له الشام، حتى كان عثمان فأفرد له الشام» (١). قال محمد بن عمر الواقديُّ -مُعلِّقاً على قول الزهري-: «هذا الأمر المجتمع عليه عندنا، لا اختلاف فيه، وقد رَوى لنا ابن أبي سبرة، عن إسماعيل بن أمية: أن عمر أفرد معاوية بالشام، ورزقه ثمانين ديناراً في كل شهر. والأول أثبت» (٢). قلتُ (أحمد): وما رجَّحه الواقديُّ هنا هو ما اعتمده ابن عساكر (٣)، والذهبيُّ (٤)، وابن كثير (٥).

стр. 51

تهنئةُ النَّاس هند بولاية معاوية: لم تزلْ فراسة هند في معاوية مصاحبةً لها، لا تفارق خيالها، ولا تغيب عن خاطرها، فهي لا تزال ترى فيه الفتى المنتَظَر، الخليق بالملك والإمارة، وأنَّ الناس لم يقدروه قدره، وقد تجلَّى ذلك في ردِّها على بعض من هنَّؤها بولايته بعد أخيه يزيد. فعن أبي الحسن الهاشمي إسحاق بن حمزة بن إسحاق قال: «لما عُزِّيت هند على يزيد بن أبي سفيان -ولم يكن منها (١) - قيل: إن الله تعالى قد جعل معاوية خلفاً من يزيد وغيره، فقالت: أو مثل معاوية جُعل خلفاً من أحد؟! فوالله لو أن العرب اجتمعت متوافرة، ثم رُمِي به (٢) فيها لخرج من أيِّ أعراضها (٣) شاء» (٤). كِتَابُ عمر إلى معاوية: وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أنَّ عمر استعمل معاوية بن أبي سفيان على عمل أخيه، وكتب إليه: إنِّي قد ولَّيتُك عمل يزيد بن أبي سفيان الذي كان يلي. في كتاب طويل أمره فيه بتقوى الله، وما يعمل به في عمله، فكتب إليه معاوية جواب كتابه، فلم يزل معاوية والياً لعمر حتى قُتِل عمر واستُخْلِف عثمان بن عفان» (٥).

стр. 52

ثناءُ عمر على معاوية: لا شكَّ أنّ استعمال عمر لمعاوية، وإبقاءه عليه طول مدة خلافته؛ هو تزكيةٌ عاليةٌ من رجل عُرف عنه الانتقاء والاصطفاء في اختيار العمال والولاة والأمراء، خاصَّة مع ما كان عليه عمر من عزل مَنْ يحب ويستأمن لأقل شكوى ترد من رعيته فيه، كما وقع منه مع سعد بن أبي وقاص ﵁ (١). وقد وردت -إضافةً لذلك، ولسنا في حاجة إليها لما تقدَّم- بعضُ الروايات التي تصرِّح بثناء عمر على معاوية؛ ومنها: أن معاوية ذُكر يوماً عند عمر، وكأنَّ بعضهم قد ذمَّه، فقال عمر: «دعونا من ذمِّ فتى قريش وابن سيدها، من يضحك في الغضب، ولا يُنال إلا على الرضى، ومن لا يأخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه» (٢). ولما قدم عمر الشام ورأى معاوية قال: «هذا كسرى العرب» (٣). وكان معاوية قد تلقَّاه في موكبٍ عظيمٍ، فلمَّا دنا منه قال له عمر: «أنت صاحب الموكب العظيم؟» قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: «مع ما يبلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟» قال: مع ما يبلغك من ذاك. قال: «ولم تفعل هذا؟» قال: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير، فيجب أن نُظهر من عزِّ السلطان ما نرهبهم به؛ فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت.

стр. 53

فقال عمر: «يا معاوية، ما أسألك عن شيءٍ إلا تركتني في مثل رواجب الضرس! لئن كان ما قلت حقاً؛ إنه لرأي أريب، ولئن كان باطلاً؛ إنها لخدعة أديب». قال: فمرني يا أمير المؤمنين. قال: «لا آمرك ولا أنهاك». فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه، فقال عمر: «لحسن مصادره وموارده جشَّمناه ما جشَّمناه» (١). ومع ذلك، فلم يخلُ الأمر من مرَّات يُعاتِب فيها عمرُ معاويةَ على بعض ما لا يرضاه، بل ويشتدُّ عليه أحياناً.

стр. 54

فعن أسلم مولى عمر قال: «قدم عليه معاوية بن أبي سفيان، وهو أبيض وأبضّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، فكان عمر بن الخطاب ينظر إليه، فيعجب له، ثم يضع أصبعه على متنه، ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخٍ بخٍ، نحن إذاً خير الناس إن جُمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، سأحدِّثك إنَّا بأرض الحمامات والريف، فقال عمر: سأحدِّثك ما بك، إلطافك نفسك بأطيب الطعام، وتصبحك حتى تضرب الشمس متنك، وذوو الحاجات وراء الباب، قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حُلَّةً فلبسها، فوجد عمر منها ريحاً كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجاً تفلاً حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمه، أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما، فقال معاوية: إنما لبستهما لأن أدخل فيهما على عشيرتي أو قومي، والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام، والله يعلم لقد عرفت الحياء فيه، ونزع معاوية الثوبين، ولبس ثَوْبَيْه اللذين أحرم فيهما» (١). وفي المقابل: كان معاويةُ يعرف لعمر قَدره، ولا تمنعه هذه الشدَّةُ أن يثني عليه بما هو أهله.

стр. 55

فعن عمران بن سوادة، قال: «صلَّيتُ الصبح مع عمر، فقرأ: سبحان وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال: فالْحَقْ، قال: فلحقتُ، فلما دخل أذِن لي، فإذا هو على سريرٍ ليس فوقه شيءٌ، فقلتُ: نصيحة، فقال: مرحباً بالناصح غُدوَّاً وعشيَّاً، قلتُ: عابتْ أمَّتُك منك أربعاً، قال: فوضع رأس دَرَّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هات، قلتُ: ذكروا أنَّك حرَّمت العمرة في أشهر الحج، ولم يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وهي حلالٌ، قال: هي حلالٌ، لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم، فكانت قائبة قوب عامها، فقرع حجهم، وهو بهاء من بهاء الله، وقد أصبت، قلتُ: وذكروا أنك حرَّمت متعة النساء، وقد كانت رخصةً من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث. قال: إن رسول الله ﷺ أحلَّها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت، قال: قلتُ: وأعتقت الأمة أن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها، قال: ألحقت حرمة بحرمة، وما أردت إلا الخير، وأستغفر الله، قلتُ: وتشكوا منك نهر الرعية وعنف السياق، قال: فشرع الدرة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد- وكان زامله في غزوه قرقره الكدر- فوالله إني لأرتع فأشبع، وأسقي فأروي، وأنهز اللفوت، وأزجر العروض، وأذب قدري، وأسوق خطوي، وأضم العنود، وألحق القطوف، وأكثر الزجر، وأقل الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد، لولا ذلك لاغدرت.

стр. 56

قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان والله عالماً برعيتهم» (١). فتوحاتُ معاوية في عهد عمر: كان معاويةُ ﵁ بمثابة صمَّام الأمان للدولة الإسلامية من ناحية بلاد الشام، يحمي حماها، ويذود عنها، ولم يتوقف الأمر على الحماية فحسب، بل عمل معاوية على زيادة رقعة الدولة الإسلامية، وبَسْط الإسلام وحكمه بقدر استطاعته. ومن ذلك: دخوله بلاد الروم في عددٍ كبيرٍ من المسلمين، وفَتْحه عسقلان. قال الطبريُّ -وهو يتحدَّث عن أحداث سنة اثنتين وعشرين-: «وزعم الواقدي أنَّ معاوية غزا الصائفة في هذه السنة، ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين» (٢). لكنَّ الطبريَّ رجَّح في موطنٍ آخر أنها كانت سنة ثلاث وعشرين؛ فقال: «وفي هذه السنة- أعني سنة ثلاث وعشرين- غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية، ومعه من أصحاب رسول الله ﷺ عبادة بن الصامت، وأبو أيوب خالد بن زيد، وأبو ذر، وشدَّاد بن أوس. وفيها فَتَح معاوية عسقلان على صلح» (٣).

стр. 57

وتذكر بعض الروايات «أن معاوية ألحَّ في زمانه على عمر بن الخطاب ﵁ في غزو البحر وقرب الروم من حمص، وقال: إنَّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم، وصياح دجاجهم، حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر، فَكَتَبَ عمرُ إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه، فإن نفسي تنازعني إليه، فكتب إليه عمرو: إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلقٌ صغيرٌ، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلةً، والشك كثرةً، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق، فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً» (١). وبقي معاوية عاملاً لعمر على بلاد الشام، حتى مقتله سنة ثلاث وعشرين. قال الطبريُّ: «عمَّال عمر ﵁ على الأمصار: وكان عامل عمر بن الخطاب ﵁ في السنة التي قُتل فيها -وهي سنة ثلاث وعشرين- على مكة: نافع بن عبد الحارث الخزاعي، .... ، وعلى دمشق: معاوية بن أبي سفيان» (٢). معاوية مع عثمان بن عفَّان ﵄ -: بعد أن آلَ أمرُ الخلافة إلى عثمان، ووقع عليه الاختيار من بين النفر الستة الذين رشَّحهم عمر عند موته (٣)؛ سار عثمان مع معاوية مسير عمر في إبقائه على ما هو عليه من أمر الولاية والإمارة، ومع اتساع بلاد الإسلام، وثبوت كفاءة معاوية؛ أفرد عثمان لمعاوية حكم الشام كلها وحده -كما تقدَّم-.

стр. 58

قال محمد بن سعد: «وولَّاه عمر بن الخطاب دمشق عمل أخيه يزيد بن أبي سفيان حين مات يزيد، فلم يزل والياً لعمر حتى قُتِل عمر ﵁، ثم ولَّاه عثمان بن عفان ذلك العمل، وجمع له الشام كلها حتى قُتل عثمان ﵁، فكانت ولايته على الشام عشرين سنة أميراً» (١). فتوحات معاوية وغزواته في عهد عثمان: ليس غائباً عن نظر متصفِّح لتاريخ المسلمين في زمن عثمان ﵁ ما وصلت إليه حدود بلاد المسلمين، واتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهده، وقد كان لمعاوية ﵁ من تلك الفتوحات سهمٌ مشهور. وفيما يلي سردٌ لأهم ما وقفنا عليه من غزواتٍ وفتوحاتٍ على يديه، وتاريخها: ١ - صدُّه الروم عن بلاد الشام، وتقدُّمه إلى بلادهم بعد وصول مددٍ إليه بأمر من الخليفة، فأصاب المسلمون ما شاؤوا من سبي، وملؤوا أيديهم من المغنم، وافتتحوا بها حصوناً كثيرة، سنة أربع وعشرين (٢). ٢ - فتح الحصون، سنة خمس وعشرين (٣). ٣ - غزوه قنسرين، سنة سبع وعشرين (٤). ٤ - فتح قُبْرُس، وغَزْو البحر: مرَّ بنا آنفاً أنَّ بعض الروايات ذكرتْ استئذان معاويةَ عُمَرَ في غزو البحر، وأنَّ هذا الطلب قُوبل بالرفض، إلا أنَّ الفكرة لم تفارق ذهن معاوية، بل ظلَّت ماثلةً في عقله، يترقَّب فرصةً سانحةً لإخراجها مرةً أخرى، وقد واتته تلك الفرصة في عهد عثمان، خاصةً بعد ما زادت ثقة عثمان به، وجمع له الشام كلها وجعلها تحت إمرته.

стр. 59

عن خالد بن معدان، قال: «أوَّلُ من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان عثمان بن عفان، وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له، فلما ولي عثمان لم يزل به معاوية حتى عزم عثمان على ذلك بآخرة، وقال: لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه، ففعل واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بني فزارة، فغزا خمسين غزاة من بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألا يبتليه بمصاب أحد منهم، ففعل» (١). وقال أنسُ بنُ مالك: « ...... أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية» (٢). ونقل الحافظُ ابنُ حجرٍ أنَّ: «معاوية أول من ركب البحر للغزاة، وذلك في خلافة عثمان» (٣). وقد غزا هذه الغزوة مع معاوية ﵁ جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فيهم: أبو ذرٍّ، وعُبادة بن الصامت، ومعه زوجته أمُّ حَرَام، والمقداد، وأبو الدرداء، وشدَّاد بن أوس (٤). وبعد أن تمَّ لمعاوية الظفر على أهل قُبرس، صالحهم على جزيةٍ سنويةٍ، وشروط اشترطها عليهم.

стр. 60

فعن سليمان بن أبي كريمة، والليث بن سعد: «أنَّ صلح قبرس وقع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين في كل سنة، ويؤدون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على ألا يغزوهم، ولا يقاتلوا من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم» (١). وقد اختلف العلماء في تحديد زمن هذه الغزوة على عدَّة أقوال: القول الأول: أنها كانت في سنة خمسٍ وعشرين. قال يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر: «غزا معاوية بن أبي سفيان قبرس سنة خمس وعشرين» (٢). القول الثاني: أنها كانت في سنة سبعٍ وعشرين. قال الحافظ ابن حجرٍ: «وأرَّخها يعقوب بن سفيان في المحرم سنة سبع وعشرين، قال: كانت فيه غزاة قبرس الأولى» (٣). وقد ذكر الطبريُّ هذا القول، ولم يسمِّ قائله (٤). واختاره ابن كثير (٥). القول الثالث: أنها كانت في سنة ثمانٍ وعشرين. وهو قول الواقدي (٦)، وخليفة بن خيَّاط (٧)، واختاره الطبريُّ (٨). وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: «وأرَّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جَزَمَ ابنُ أبي حاتم» (٩). ثم ذكر باقي الأقوال، ورجَّح هذا القول، وقال: «هو أصحُّ» (١٠). القول الرابع: أنها كانت في سنة ثلاث وثلاثين.

стр. 61

وقد نُسب هذا القول إلى أبي مَعْشَر المدني نَجيح بن عبد الرحمن (١). وعلى كل حال، فمهما كان الراجح في هذه الأقوال، فكلها متفقةٌ على أنَّ تلك الغزوة وقعت في زمن عثمان بن عفان ﵁، وأن أميرها كان معاوية ﵁. قال الحافظ ابن حجر: «فتحصَّلنا على ثلاثة أقوال (٢)، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضاً، لأنه قُتل في آخر سنة خمسٍ وثلاثين» (٣). ٥ - غزوة المضيق - يعني: مضيق القسطنطينية-، سنة ثنتين وثلاثين (٤). ٦ - غزوه ملطية. ٧ - غزوه أفريقية. ٨ - غزوه حصن المرأة من أرض الروم. وهذه الثلاث الأخيرة كانت في سنة ثلاثٍ وثلاثين (٥). معاويةُ يرفع أمر الخلافات إلى عثمان بن عفَّان: كان معاويةُ كما أسلفْنا أميراً على بلاد الشام، وكان له اجتهاده كسائر الصحابة، وقد وقع خلافٌ بينه وبين أبي ذر حول تأويل آيةٍ في كتاب الله، وسبب نزولها، فأصرَّ أبو ذرٍّ على رأيه، ولم يشأْ معاويةُ أن يتفاقم الأمرُ، وخشي من وقوع خلاف لا يفهمه عوامُّ الناس في الشام؛ فكتب إلى عثمان بما وقع.

стр. 62

عن زيد بن وهب، قال: «مررت بالرَّبَذَة فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلتُ له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشأم، فاختلفتُ أنا ومعاوية في: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾؛ قال معاويةُ: نزلتْ في أهل الكتاب، فقلتُ: نزلتْ فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان: أن اقدم المدينة فقدمتها، فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئتَ تنحَّيتَ، فكنتَ قريباً. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا علي حبشياً لسمعتُ وأطعتُ» (١). معاوية وفتنة مَقْتَل عثمان ﵁ - (٢): لِعدَّةِ عوامل مجتمعة معاً، كطبيعة التحوُّل الاجتماعيِّ في عهد عثمان (٣)، والرخاء الذي عمَّ على المسلمين من أثر الفتوح والغنائم، ومجيء عثمان بعد عمر، مع ما بينهما من اختلاف الطبائع والسِّمات الشخصية، وبعض الاختلاف في سياسة التعامل مع الصحابة وسائر الناس، وظهور العصبية القبلية المتمثِّلة في استثقال بعض القبائل العربية لرئاسة قريش؛ كان لهذا كله أثرٌ كبيرٌ وواضحٌ في بروز الفتنة التي انتهت بمقتل ذي النورَيْن عثمان ﵁ (٤).

стр. 63

يقول شيخُ الإسلام ابن تيْميَّة: «كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان في السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم، ثُمَّ حدث في أواخر خلافة عثمان أمورٌ أوجبت نوعاً من التفرق، وقام قومٌ من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان» (١). ويقول ابنُ خلدون مؤرِّخاً لبداية هذه الفتنة، ذاكراً أهم أسبابها: «لما استكمل الفتح، واستكمل للملّة الملك، ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر، وكان المختصون بصحابة الرسول ﷺ والاقتداء بهداه وآدابه المهاجرين والأنصار من قريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم، وأما سائر العرب من بني بكر بن وائل وعبد القيس وسائر ربيعة والأزد وكندة وتميم وقضاعة وغيرهم، فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان إلّا قليلاً منهم وكان لهم في الفتوحات قدم، فكانوا يرون ذلك لأنفسهم، مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة من الصحابة ومعرفة حقهم، وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردّد الوحي وتنزل الملائكة، فلما انحسر ذلك العباب، وتنُوسي الحال بعض الشيء، وذلّ العدو، واستفحل الملك؛ كانت عروق الجاهلية تنفض، ووجدوا الرئاسة عليهم للمهاجرين والأنصار من قريش وسواهم، فأنفت نفوسهم منه، ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات، والاستبطاء عليهم في الطاعات، والتجنِّي بسؤال الاستبدال منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان، وفشت المقالة في ذلك من أتباعهم، وتنادوا بالظلم من الأمراء في جهاتهم، وانتهت الأخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة، فارتابوا لها، وأفاضوا في عزل عثمان، وحمله على عزل أمرائه» (٢).

стр. 64

على كل حالٍ، لقد نزلت الفتنة، ووقع عثمان ﵁ في المحنة، وليس من شأن كتابنا هنا أن يخوض غمارها، ويبحث في أسبابها، وأحداثها، وموقف الصحابة ﵃ منها، وإنما يختص فقط بموقف معاوية ﵁ فيها. بداية ظهور الفتنة بالكوفة، ونَفْيُ المتكلمين إلى الشام عند معاوية: كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلا نازلةُ أهل الكوفة ووجوه أهل الأيام وأهل القادسية وقرَّاء أهل البصرة والمتسمِّتون، وكان هؤلاء دَخَلَتَه إذا خلا، فأما إذا جلس للناس: فإنه يدخل عليه كل أحدٍ، فجلس للناس يوماً، فدخلوا عليه، فبينا هم جلوس يتحدثون قال خنيس بن فلان: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد بن العاص: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جواداً، والله لو أنَّ لي مثله لأعاشكم الله عيشاً رغداً، فقال عبد الرحمن بن خنيس- وهو حدث-: والله لوددتُ أنَّ هذا الملطاطَ لك- يعني ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة- قالوا: فضَّ الله فاك! والله لقد هممنا بك، فقال: خنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرته بها، فثار إليه الأشتر وابن ذي الحبكة وجندب وصعصعة وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضائى، فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطراً، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلتنا وخلصنا.

стр. 65

فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق الله العافية ثم قعدوا وعادوا في حديثهم، وتراجعوا فساءهم وردهم، وأفاق الرجلان، فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، قال: لا يغشوني والله أبدا، فاحفظا عليَّ ألسنتكما ولا تجرِّئا عليَّ الناس، ففعلا ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك قعدوا في بيوتهم، وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم، فقال: هذا أميركم، وقد نهاني أن أحرك شيئاً، فمن أراد منكم أن يحرك شيئاً فليحركه. فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب: «إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية»، فأخرجوهم، فذلوا وانقادوا حتى أتوه- وهم بضعة عشر- فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: «إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خُلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشداً فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم». فلما قدموا على معاوية رحَّب بهم، وأنزلهم كنيسة تسمى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: «إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً، وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وأن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلةً كما كنتم، إن أئمتكم لكم الى اليوم جُنَّة فلا تشذُّوا عن جنتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المئونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم. فقال رجل من القوم: أمَّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجُنَّة فإن الجُنَّة إذا اختُرِقت خُلِص إلينا.

стр. 66

فقال معاوية: «عرفتكم الآن، علمتُ أن الذي أغراكم على هذا قلَّةُ العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلاً، أُعظم عليك أمر الإسلام، وأُذكِّرك به، وتذكرني الجاهلية! وقد وعظتك وتزعم لما يجنك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة، أخزى الله أقواماً أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! افقهوا- ولا أظنكم تفقهون- أن قريشاً لم تُعزّ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ إلا بالله ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدِّهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضاً إلا بالله الذي لا يُستذلُّ من أعزَّ، ولا يُوضعُ من رفع، فبوأهم حرماً آمناً يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيدٍ إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍّ لك ولأصحابك! ولو أنَّ متكلماً غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت، فأمَّا أنت يا صعصعة فإن قريتك شرُّ قرى عربية، أنتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشر، وألأمها جيراناً، لم يسكنها شريفٌ قطُّ ولا وضيعٌ إلا سُبَّ بها، وكانت عليه هجنةٌ، ثُمَّ كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألأمه أصهاراً، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي ﷺ ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمَّان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي ﷺ ، فأنت

стр. 67

شرُّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجاً، وتنزع إلى اللآمة والذلة ولا يضع ذلك قريشاً، ولن يضرهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم لقد علم أنه لا يستطيع أن يردَّ بكم قضاءً قضاه الله، ولا أمراً أراده الله، ولا تدركون بالشر أمراً أبداً إلا فتح الله عليكم شراً منه وأخزى». ثم قام وتركهم، فتذامروا فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: «إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا والله لا ينفع الله بكم أحداً ولا يضره، ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، ولكنكم رجال نكير. وبعد، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، وليسعكم ما وسع الدهماء، ولا يبطرنكم الأنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتبٌ إلى أمير المؤمنين فيكم». فلما خرجوا دعاهم فقال: «إنِّي معيدٌ عليكم: إنَّ رسول الله ﷺ كان معصوماً فولَّاني، وأدخلني في أمره، ثم استُخلف أبو بكر ﵁ فولَّاني، ثم استُخلف عمر فولَّاني، ثم استُخلف عثمان فولَّاني، فلم أل لأحدٍ منهم ولم يولِّني إلا وهو راضٍ عني، وإنما طلب رسول الله ﷺ للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء، ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها، وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي للناس سرائركم، وقد قال : ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾».

стр. 68

وكتب معاوية إلى عثمان: «إنه قدم عليَّ أقوامٌ ليست لهم عقولٌ ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكون أحداً إلا مع غيرهم، فانْهَ سَعيداً ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لاكثر من شغبٍ أو نكير». وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة، فإنهم يشمتون بكم، وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام فأووا إلى الجزيرة، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- وكان معاوية قد ولَّاه حمص وولى عامل الجزيرة حران والرقة- فدعا بهم، فقال: «يا آلة الشيطان، لا مرحباً بكم ولا أهلاً! قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدِّبكم حتى يحسركم، يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة، والله لئن بلغنى يا صعصعة ابن ذل أن أحداً ممن معي دقَّ أنفك ثم امصك؛ لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى». فأقامهم أشهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: «يا بن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر! ما لك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية»! فيقول ويقولون: نتوب إلى الله، أَقِلْنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال: «تاب الله عليكم».

стр. 69

وسرح الأشتر إلى عثمان، وقال لهم: «ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا وخرج الأشتر»، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال: سلمكم الله، وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: «احلل حيث شئت»، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ وذكر من فضله، فقال: «ذاك إليكم»، فرجع إلى عبد الرحمن (١). تفاقُم المِحنة، واستدعاء عثمان معاوية: مع كل ما بذله عثمان ﵁ من محاولاتٍ لردِّ هؤلاء الغوغاء والمتمردين عليه، وسلوكه كل سبيلٍ شرعيٍّ متاحٍ لإسكاتهم، ورد شبههم؛ إلا أنَّ الشرَّ كان قد تمكَّن من نفوسهم، وما تفرَّقوا عنه مرة إلا ليجتمعوا عليه أخرى، ولما أحسَّ عثمان بتفاقم الأزمة، أرسل إلى بعض عمَّاله على الأمصار ليستشيرهم، وكان من هؤلاء: معاوية ﵁. عن محمد بن عبد الله، وطلحة بن الأعلم، وعطية بن الحارث؛ قالوا: «كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلَّطتُ الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يرفع علي شيءٌ ولا على أحدٍ من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حقٌ قبل الرعية إلا متروكٌ لهم، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواماً يُشتمون، وآخرون يُضربون، فيا من ضُرب سراً، وشُتم سراً، من ادَّعى شيئاً من ذلك فليوافِ الموسم فليأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزى المتصدقين، فلما قُرئ في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشرٍّ.

стр. 70

وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيداً وعَمْراً -هما: ابنا العاص-، فقال: ويحكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائفٌ أن تكونوا مصدوقاً عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، فقالوا له: ألم تبعث؟! ألم نرجع إليك الخبر عن القوم؟! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشيء؟! لا والله ما صدقوا ولا بروا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنتَ لتأخذ به أحداً فيقيمك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا عليَّ، فقال سعيد بن العاص: هذا أمرٌ مصنوعٌ يصنع في السر، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خيرٌ من أن تدعهم. قال معاوية: قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لِنتَ لهم، وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إنَّ الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شراً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً اللين.

стр. 71

وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه، وقال: كل ما أشرتم به عليَّ قد سمعتُ، ولكل أمر بابٌ يُؤتَى منه، إن هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمة كائنٌ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيُكَفْكَفُ به: اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحدٌ أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيءٌ فرفق، فذاك والله ليفتحن، وليست لأحدٍ عليَّ حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيراً، ولا نفسي، ووالله إنَّ رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس، وهَبُوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تُعُوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها» (١). وتذكر الرواية نفسها أن: «معاوية قال لعثمان غداة ودَّعه وخرج: يا أمير المؤمنين! انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَلَ لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي، قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابتْ المدينة أو إياك، قال: أنا أُقتِّر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة؟! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتغتالنَّ أو لتغزينَّ، قال: حسبي الله ونعم الوكيل» (٢). ولقد حدث كلُّ ما توقعه معاوية، فجاءت جموع أهل الفتنة لتحاصرَ عثمان ﵁ وتغتاله في النهاية. وحين جاء هؤلاء الثوَّار من مختلف الأقاليم لا نجد من بينهم جماعة من أهل الشام (٣).

стр. 72

ومن كل ما سبق نجد أننا أمام والٍ كبيرٍ، يشق طريقه بجدارة من بين الولاة إلى ما هو أبعد من الولاية، فقد استطاع أن يجعل من إقليم الشام الإقليم المهيَّأ لقيادة بقية الأقاليم في الدولة الإسلامية بما عمَّق فيه من حسن الطاعة للقيادة، وبما ثبَّت فيه من دعائم الاستقرار، وقطعه لأسباب الفتنة وعوامل الفرقة فيه، وهذا ما لا نجده في غيره من الأقاليم (١). فلما رأى معاوية رفض عثمان لما عرض عليه، لم يملك بعد ذلك إلا أن يوصي الصحابة في المدينة به خيراً من بعده. فعن موسى بن طلحة، قال: «أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه، فخرجتُ معه حتى دخل على عثمان، وإذ علي وسعد والزبير وعثمان ومعاوية، فحمد الله معاوية وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وخيرته في الأرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحدٌ غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبةٍ ولا طمع، وقد كبرت سنه، وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم كان قريبا، مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشت قالةٌ خِفتُها عليكم، فما عتبتم فيه من شيءٍ فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبداً إلا إدباراً» (٢). ولقد قام الصحابة رضوان الله عليهم بما يمكن أن يقوموا به للدفاع عن عثمان، إلا أن الخليفة الراشد ﵁ لم يكن يحب أن تهراق قطرة دم بسببه، فكان يرد من جاء من أصحابه للدفاع عنه، حتى استطاع الثوار المتمردون أن يتسوَّرُوا عليه بيته، ويتكالبوا عليه، ويقتلوه في شهر ذي الحجة، من سنة خمسٍ وثلاثين من الهجرة.

стр. 73

قال النوويُّ: «وأمَّا عثمان ﵁: فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتِل مظلوماً، وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة، ولم يَجْرِ منه ﵁ ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحدٌ من الصحابة، وإنما قتله همجٌ ورعاعٌ من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه ﵁» (١). وصول الخبر إلى معاوية: عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «لما قُتِل عثمان، كتبتْ نائلةُ بنت الفرافصة إلى معاوية كتاباً تصف فيه كيف دُخل على عثمان، وكيف قُتل، وبعثتْ إليه بقميصه الذي قُتل وهو عليه فيه دمه، فقرأ معاوية الكتاب على أهل الشام، وأمر بقميص عثمان فطِيف به في أجناد الشام، ونُعي إليهم عثمان، وأخبرهم بما أتي إليه واستُحِلَّ من حرمته، وحرَّضهم على الطلب بدم عثمان، فبايعوه على الطلب بدم عثمان» (٢).

стр. 74

وعن محمد بن عبد الله، وطلحة بن الأعلم؛ قالا: «قدم على أهل الشام النعمان بن بشير بقميص عثمان ﵁ الذي قُتل فيه مُخضَّبا بدمه، وبأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم، إصبعان منها وشيء من الكف، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام، فوضع معاوية القميص على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، وآلى الرجال من أهل الشام ألا يأتوا النساء، ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيءٍ، أو تفنى أرواحهم» (١). معاوية مع عليِّ بن أبي طالب ﵄ -: لما كان أهل الشورى الذين سمَّاهم عمر قد آل أمر الاختيار بينهم إلى رجلين: عثمان وعليّ، ولما استقر الأمر على تقديم عثمان، ولما كان عثمان قد قُتِل غدرا دون أن يَستخلف؛ كان الترتيب المنطقي أن تؤول الخلافةُ إلى عليِّ بن أبي طالب، فقد كان هو أحقَّ الناس بها في ذلك الوقت، ولذا بايعه الصحابة. قال الزهريُّ: «لما قُتِل عثمان: برز عليُّ بن أبي طالب للناس ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وهذا لأن سائر من بقي من أصحاب الشورى كانوا قد تركوا حقوقهم عند بيعة عثمان، فلم يبق أحدٌ منهم لم يترك حقه إلا علي، وكان قد وفَّى بعهد عثمان حتى قُتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحدٌ أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبدَّ بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى» (٢).

стр. 75

وقال الحافظ ابن حجر: «وكانت بيعةُ عليٍّ بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان» (١). ولا يُفهم من هذا الكلام أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام امتنعوا عن مبايعة علي لأنهم يرون معاوية أو غيره أحق بالخلافة، لا، ولكنهم أرادوا الثَّأر أَوَّلاً لدم عثمان قبل مبايعة علي، خاصة معاوية، فهو ابن عم عثمان، ويرى أنه أحق من يطالب بدمه لأنه وليه، ومن هنا نشأ الخلاف، وشبَّت الفتنة بين علي ومعاوية. عن عُبيد بن أبي أمية الإيادي، قال: «جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليَّاً! أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليَّاً أفضل مني، وأنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلوماً؟ وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليَّاً فكلموه بذلك؛ فلم يدفعهم إليه» (٢).
следующие страницы →