Полный текст (570 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة مفتي الْمذَاهب رحْلَة الطلاب نَسِيج وَحده وفريد عصره شيخ الْإِسْلَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أبي المفاخر مُفْلِح بن مفرج الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ تغمده الله برحمته وَكَانَ قد صنف هَذَا الْكتاب قبل سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَتُوفِّي لَيْلَة يسفر صباحها عَن يَوْم الْخَمِيس ثَانِي رَجَب الْفَرد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله تصانيف باهرة فِي فنون مَشْهُورَة وَهَذَا الْكتاب اسْمه النكت والفوائد السّنيَّة على مُشكل الْمُحَرر للشَّيْخ مجد الدّين بن تَيْمِية تغمده الله برحمته
стр. 2
= كتاب الطَّهَارَة
قَوْله فِي الْمُحَرر وَيتَخَرَّج التَّطْهِير بِإِضَافَة مَا دون الْقلَّتَيْنِ فيهمَا يعْنى إِذا كَانَ المَاء النَّجس قَلِيلا أَو كثيرا فأضيف المطهر إِلَى كثير نجس فَأكْثر الْأَصْحَاب على أَنه لَا يطهر وَذكر بَعضهم تحريجا وَبَعْضهمْ وَجها وَبَعْضهمْ فِي بعض مصنفاته وَجها وَفِي بَعْضهَا تخريجا وأيا مَا كَانَ فأصله مَسْأَلَة زَوَال التَّغَيُّر بِنَفسِهِ وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب بِهَذَا القَوْل وَعلله بِأَنَّهُ لَو زَالَ بطول الْمكْث طهر فَأولى أَن يطهر بزواله بمخالطته لما دون الْقلَّتَيْنِ فَخَالف فِي هَذِه الصُّورَة أَكثر الْأَصْحَاب كَمَا أَنه قطع فِي الصُّورَة الثَّانِيَة بِمَا قطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب فِي أَنه لَا يطهر وَإِن أضيف الْقَلِيل المطهر إِلَى قَلِيل نجس وَبلغ الْمَجْمُوع قُلَّتَيْنِ فَأكْثر الْأَصْحَاب أَو كثير مِنْهُم لم يحك فِي هَذِه الصُّورَة خلافًا فِي أَنه لَا يطهر وأظن مِنْهُم الشَّيْخ مجد الدّين صَاحب الْمُحَرر فِي شرح الْهِدَايَة وَذكر بَعضهم لما حَال وُقُوع النَّجَاسَة فِي الصُّورَة الأولى فقد حكى فِي عُمُوم خبر الْقلَّتَيْنِ بِخِلَاف هَذِه الصُّورَة وَجها وَبَعْضهمْ تخريجا أَنه يطهر إِلْحَاقًا وَجعلا لكثير بالانضمام كالكثير من غير انضمام وحرروه قِيَاسا فَقَالُوا لِأَنَّهُ مَاء كثير غير متغير بِالنَّجَاسَةِ فَكَانَ طَاهِرا كَمَا لَو وَقعت فِيهِ ابْتِدَاء وَهُوَ كثير وَلم تغيره أَو زَالَ تغيره بِنَفسِهِ وَاحْتَجُّوا بِخَبَر الْقلَّتَيْنِ وعَلى هَذَا قد يخرج طَهَارَة قلَّة نَجِسَة إِلَى مثلهَا وَقد يفرق بَينهمَا وأظن بعض الْأَصْحَاب صرح بِهِ وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد ﵀ أَنه لَا تطهر قله نَجِسَة إِلَى مثلهَا وَذكر فِي الْكَافِي تَخْرِيج طهاررة قلَّة نَجِسَة إِلَى مثلهَا
стр. 3
قَالَ لما ذَكرْنَاهُ وَإِنَّمَا ذكر الْخلاف فِي الْقَلِيل المطهر إِذا أضيف إِلَى كثير نجس وَهَذَا فِيهِ نظر وَاحْتج الْأَصْحَاب للراجح فِي الْمَذْهَب وَالْجَوَاب عَن خبر الْقلَّتَيْنِ والاحتجاج بِهِ هُنَا يطول ذكره فليطلب فِي كَلَامهم فَأَما إِن لم يبلغ الْمَجْمُوع قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَكَذَا فِي الْمُحَرر فِيهِ إِطْلَاق فَإِن كَانَ مُرَاده وَبلغ الْمَجْمُوع قُلَّتَيْنِ وَردت هَذِه الصُّورَة على كَلَامه وَإِن كَانَ مُرَاده أَن التَّخْرِيج يجْرِي فِي هَذِه الصُّورَة أَيْضا فَقَالَ بَعضهم يكون التَّخْرِيج من رِوَايَة إِن المَاء لَا ينجس إِلَّا بالتغيير وَفِيه نظر لِأَن التَّفْرِيع إِنَّمَا هُوَ على الْمَذْهَب فَأَما على رِوَايَة إِن المَاء لَا ينجس إِلَّا بالتغيير فَلَا إِشْكَال والقليل كالكثير فتطهيره بِزَوَال تغيره على أَي وَجه كَانَ وَإِضَافَة مَاء إِلَيْهِ قل أَو كثر
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن المَاء مطهر للْمَاء النَّجس وَإِن لم يبلغ هَذَا الْقدر الْمَخْصُوص إِذا غمره لِأَنَّهُ عين للْمَاء أثر فِي تطهيرها فأثر وَإِن لم يبلغ الْقدر الْمَخْصُوص كَسَائِر الْمحَال وَهَذَا للْمَاء طهر الْمحل وأزال النَّجَاسَة من غير انْفِصَال فَيكون حكمه حكم مَا انْفَصل غير متغير بعد زَوَال النَّجَاسَة لَا فَارق بَينهمَا إِلَّا الِانْفِصَال وَلَا أثر لَهُ هُنَا لعدم اعْتِبَاره كَمَا نقُول فِي المَاء الْكثير أَو فِي نَجَاسَة الأَرْض فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر فِي تطهيرها الِانْفِصَال
وَقَوْلهمْ مَاء لَا يدْفع النَّجَاسَة عَن نَفسه فَعَن غَيره أولى إِن أَرَادوا
стр. 4
لَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه فِيمَا إِذا كَانَت وَارِدَة عَلَيْهِ فَمُسلم وَعَلِيهِ يدل خبر الْقلَّتَيْنِ لَكِن لَا يحصل الْمَقْصُود وَإِن أَرَادوا مُطلقًا فَمَمْنُوع وَلَا يَقُولُونَ بِهِ وَحمل كَلَام صَاحب الْمُحَرر على هَذَا أَو مَا أشبهه أولى لَكِن يستبعد هَذَا من جِهَة أَنِّي لم أجد أحدا ذكره فَيَنْبَغِي أَن يتَأَمَّل هَذَا وَينظر هَل قَالَ بِهِ أحد أم لَا فَإِن كَانَ قد قيل بِهِ فقد لَا يبعد حمل كَلَامه عَلَيْهِ وَإِن كَانَ هُوَ لم يُصَرح بِهِ
فَإِن أضيف إِلَى المَاء النَّجس غير المَاء فَهَل يطهره كَلَام الْأَصْحَاب فِيهِ مَشْهُور وَسَيَأْتِي كَلَامه فِي الْمُحَرر فِي المَاء وَأَنه الَّذِي يطهر المَاء النَّجس لَا غَيره وأظن أَنه لم يحك فِي إِضَافَة غَيره خلافًا فِي شرح الْهِدَايَة فِي أَنه لَا يطهر وَهَذَا ظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب كَابْن عقيل وَهَذَا مُتَوَجّه فِيمَا إِذا كَانَ المَاء النَّجس قَلِيلا أما إِذا كَانَ كثيرا فَلَا فرق إِذا كَانَ لَا يستر النَّجَاسَة وَلَا يُغير رائحتها وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب بِأَن غير المَاء لَا يطهر المَاء النَّجس
قَوْله وَمن خفى عَلَيْهِ مَوضِع النَّجَاسَة غسل مَا يستيقن بِهِ غسلهَا أطلق الْعبارَة كَغَيْرِهِ وَمرَاده فِي غير الصَّحرَاء قطع بذلك الْأَصْحَاب وَعَن أَحْمد مَا يدل على التَّحَرِّي فِي غير الصَّحرَاء قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد سَأَلت أَحْمد عَن الْمَذْي يُصِيب الثَّوْب وَلَا يعلم مَكَانَهُ قَالَ إِن علم بمكانه غسله وَإِن أشكل عَلَيْهِ ذَلِك نضح الْمَكَان الَّذِي يظنّ أَنه أَصَابَهُ أما الصَّحرَاء فَلَا يُمكن حفظهَا
стр. 5
من النَّجَاسَة وَلَا يُمكن غسلهَا إِلَّا بِمَشَقَّة شَدِيدَة وَله أَن يُصَلِّي فِيهَا بِلَا تحر فِي ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَصرح بِهِ بَعضهم وَيَنْبَغِي أَن يسْتَحبّ مُبَالغَة فِي تَحْصِيل شَرط الْعِبَادَة قَالَ فِي الرِّعَايَة ويجتنب مَا ظن نَجَاسَته وَهَذَا صَحِيح لِأَنَّهُ كالمتلاعب كَمَا لَو أقدم على الْعِبَادَة ظَانّا عدم دُخُول الْوَقْت وكالصلاة وَالصَّوْم فِي حق من اشتبهت عَلَيْهِ الْأَشْهر وَكَذَا لَو دفع الزَّكَاة إِلَى من يظنّ عدم اسْتِحْقَاقه فَتبين بِخِلَافِهِ
стр. 6
قَوْله وَإِن اشْتبهَ طَاهِر بِطهُور تَوَضَّأ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ صلى
стр. 7
كَذَا عبر جمَاعَة من الْأَصْحَاب وتبعهم وَكَذَا تَبِعَهُمْ فِي مَسْأَلَة اشْتِبَاه الثِّيَاب الطاهرة بالنجسة وَهَذَا الْإِطْلَاق يَقْتَضِي أَن الحكم كَذَلِك مَعَ الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال مَاء طهُور بِيَقِين أَو ثوب طَاهِر وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْده على مَا ذكره فِي شرح الْهِدَايَة وَكَذَا لم أجد أحدا من الْأَصْحَاب صرح بالْقَوْل بِمُقْتَضى هَذَا الْإِطْلَاق
وَوجه عدم القَوْل بِهِ أما فِي مَسْأَلَة الثِّيَاب فلعدم الْجَزْم بِالنِّيَّةِ من غير حَاجَة وَأما مَسْأَلَة الْوضُوء من الطَّاهِر وَالطهُور عِنْد الِاشْتِبَاه مَعَ الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال طهُور غير مشتبه فَإِن تَوَضَّأ وضوءين لم يَصح لما تقدم وَهُوَ إخلاله بِالْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ من غير حَاجَة وَإِن كَانَ وضُوءًا وَاحِدًا غرفَة من هَذَا وغرفة من هَذَا لكل وضوء إِلَى كَمَال الطَّهَارَة صَحَّ لجزمه بِالنِّيَّةِ
وتشاغله فِي خلال الطَّهَارَة بِمَا لَيْسَ مِنْهَا بِشَيْء يسير لَا يطول الْفَصْل بِهِ وَلَا يُؤثر قَوْله يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة ثمَّ ذكر بعد هَذَا أَنه لَا يفعل كَذَا وَلَا كَذَا قد يُقَال فِيهِ إِشْعَار بِأَن هَذِه الْأُمُور غير مُحرمَة لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ التَّحْرِيم ثمَّ صرح بِهِ وَلَو أوضح حكم ذَلِك بِالتَّحْرِيمِ أَو الْكَرَاهَة كَانَ أَجود
وَبَيَان ذَلِك أما اسْتِصْحَاب مَا فِيهِ ذكر الله تَعَالَى فمكروه صرح بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يكره ذكرهَا الشريف وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب بِأَن إِزَالَة ذَلِك أفضل وَهَذَا قَول ثَالِث وَلَعَلَّه أقرب
وَأما قَوْله وَلَا يتَكَلَّم فَكَذَا عبر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ
стр. 8
وَلم أجد أحدا مِنْهُم ذكر التَّحْرِيم مَعَ أَن دليلهم يَقْتَضِيهِ وَعَن الإِمَام أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ قَالَ صَالح سَأَلت أبي عَن الْكَلَام فِي الْخَلَاء قَالَ يكره وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سَأَلت أَحْمد عَن الْكَلَام فِي الْخَلَاء قَالَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَكَلَّم
قَوْله وَلَا يمْكث فَوق الْحَاجة كَذَا عبر جمَاعَة وَعبر جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ مَسْأَلَة كشف الْعَوْرَة خلْوَة لغير حَاجَة وفيهَا ثَلَاث رِوَايَات التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَالْجَوَاز لَكِن هُنَا يتَعَيَّن نفي الْجَوَاز لأمر اخْتصَّ بِهِ هَذَا الْموضع وَبِه يعرف قُوَّة الْكَرَاهَة أَو التَّحْرِيم
قَوْله وَلَا يسْتَقْبل الشَّمْس وَلَا الْقَمَر كَذَا عبر جمَاعَة وَعبر جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَلم يذكر بَعضهم هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ شهرتها فَلَعَلَّهُ لم يرهَا وَالْكَرَاهَة تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه وَظَاهر قَول النَّبِي ﷺ وَلَكِن شرقوا أَو غربوا يدل على عدمهَا وَقطع أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْإِيضَاح بِالتَّحْرِيمِ
قَوْله وَلَا يَبُول فِي شقّ وَلَا سرب كَذَا عبر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَلَا فرق بَين أَن يكون فَم بالوعة أَو غَيرهَا صرح بِهِ الْأَزجيّ فِي النِّهَايَة وَفِي الرِّعَايَة
стр. 9
قَوْله وَلَا طَرِيق وَلَا ظلّ نَافِع كَذَا ذكر جمَاعَة وَشرط غير وَاحِد فِي الطَّرِيق أَن يكون مأتيا وَلم يُقيد غير وَاحِد الظل بالنفع وَصرح فِي الْمُبْهِج وَالْكَافِي وَالشَّرْح للمقنع وَغَيرهَا بِالْكَرَاهَةِ وَصرح فِي المغنى بِالتَّحْرِيمِ وَقطع بِهِ ابْن تَمِيم
قَوْله وَلَا تَحت شَجَرَة مثمرة كَذَا ذكر جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِالْكَرَاهَةِ وَصرح ابْن تَمِيم بِالتَّحْرِيمِ وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب وَالنِّهَايَة بِأَنَّهُ لَا يَبُول تَحت شَجَرَة مثمرة وَلَا غير مثمرة
стр. 10
قَوْله الرَّابِع لمس الرجل للْمَرْأَة الْمَرْأَة للرجل بِشَهْوَة فينفضيوضوء اللامس وَفِي الملموس رِوَايَتَانِ أطلق الْخلاف وَمرَاده مَعَ الشَّهْوَة من
стр. 11
الملموس لِأَنَّهُ فرع على مَا قدمه وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب فَإِن قيل بِاعْتِبَار الشَّهْوَة من اللامس فَهَل يلْحق الملموس بِهِ مَعَ الشَّهْوَة فِيهِ رِوَايَتَانِ وَإِن قيل لَا تعْتَبر الشَّهْوَة من اللامس لم تعْتَبر فِي الملموس وَفِي إِلْحَاقه بِهِ الرِّوَايَتَانِ وَلِهَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو الحسنين الملموس هَل ينْتَقض وضوءه فِي الْموضع الَّذِي ينْتَقض فِيهِ وضوء اللامس على رِوَايَتَيْنِ وَعَن الشَّافِعِي كالروايتين انْتهى كَلَامه
أما اعْتِبَار الشَّهْوَة من اللامس وَعدم اعْتِبَارهَا من الملموس فَلَا وَجه لَهُ لِأَن غَايَة حكم الملموس أَن يُسَاوِي حكم اللامس لِأَنَّهُ فَرعه وَغَايَة الْفَرْع مساواته لأصله وَلِهَذَا صحّح جمَاعَة عدم نقض وضوءه الملموس مُطلقًا وَإِن قُلْنَا ينْقض وضوء اللامس مِنْهُم المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة والأزجي فِي النِّهَايَة وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَنه أظهر الرِّوَايَتَيْنِ وَلم أجد أحدا صحّح خلاف هَذَا غير ابْن عقيل وَمذهب مَالك اعْتِبَار الشَّهْوَة من الملموس كاللامس فَإِن وجدت لزمَه الْوضُوء وَإِلَّا فَلَا
قَالَ المُصَنّف وَيجب أَن تحمل رِوَايَة النَّقْض عندنَا على ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة إِذا قُلْنَا بِالنَّقْضِ اعْتبرنَا الشَّهْوَة فِي الْمَشْهُور كَمَا نعتبرها فِي اللامس حَتَّى ينْتَقض وضوءه إِذا وجدت الشَّهْوَة فِيهِ دون اللامس وَلَا ينْتَقض إِذا لم تُوجد فِيهِ وَإِن وجدت فِي اللامس انْتهى كَلَامه
стр. 12
وَقَول ابْن تَمِيم وَلم يعْتَبر أَصْحَابنَا الشَّهْوَة فِي الملموس هَذَا يجب أَن يكون اكْتِفَاء مِنْهُم بِبَيَان حكم اللامس وَأَن الشَّهْوَة مُعْتَبرَة مِنْهُ وَأَن من الْوَاضِح أَن حكم الملموس مُفَرع عَلَيْهِ لَا أَنَّهَا تعْتَبر مِنْهُ وَإِن اعْتبرت من اللامس وَلم أجد أحدا صرح بِهَذَا وَيُؤْخَذ من كَلَامه أَن الممسوس فرجه لَا ينْتَقض وضوءه رِوَايَة وَاحِدَة وَصرح بِهِ غير وَاحِد وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ مَعَ أَن مَذْهَبهمَا نقض وضوء الملموس كاللامس على أَصلهمَا لِأَن الْمُلَامسَة تَقْتَضِي الْمُشَاركَة إِلَّا مَا خرج بِدَلِيل وَهنا ورد بِلَفْظ الْمس والممسوس لم يمس
وَمن أَصْحَابنَا من ذكر فِي الممسوس فرجه وَجْهَيْن وَمِنْهُم من ذكر رِوَايَتَيْنِ وَذكر القَاضِي فِي شَرحه أَن مس الْمَرْأَة لفرج الرجل أَو الرجل لفرج الْمَرْأَة هَل هُوَ من قبيل مس النِّسَاء أَو من قبيل مس الْفرج على وَجْهَيْن وَالْأَظْهَر أَنه ينْتَقض وضوء الماس مِنْهُمَا لفرج الآخر وَإِن لم يكن بِشَهْوَة والممسوس فرجه لَا ينْتَقض وضوءه فِي ظَاهر الْمَذْهَب إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ شَهْوَة فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ
قَوْله فَإِن تيقنهما وَشك فِي السَّابِق مِنْهُمَا كَانَ على عكس حَاله قبلهمَا إِلَّا أَن يتيقين أسبق فعلَيْهِمَا فَيكون على مثل حَاله قبلهمَا هَكَذَا ذكر الْأَصْحَاب
стр. 13
قبله هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ وتبعهم وَتكلم عَلَيْهِمَا فِي شرح الْهِدَايَة كلَاما حسنا وَهَذَا كَلَامه أَو مَعْنَاهُ
أما الْمَسْأَلَة الأولى فصورتها أَن يتيقين أَنه على طَهَارَة فِي وَقت وَزنه أَنه مُحدث فِي وَقت آخر وَلَا يتَيَقَّن ابتدائها فَإِنَّهُ يكون على خلاف حَاله قبلهمَا لِأَن الْحَالة السَّابِقَة زَالَت يَقِينا لمخالفتهما من الْحَالين الْمَشْكُوك فيهمَا وَأما الْمُوَافقَة لَهَا فَيحْتَمل أَن تكون هِيَ بِعَينهَا وَقد استمرت إِلَى أَن زَالَت بالمخالفة وَيحْتَمل أَنه بعد الْمُخَالفَة بِسَبَب متجدد فَحِينَئِذٍ لَا نزيل يَقِين الْحَالة الْمُخَالفَة بِأَمْر مَشْكُوك فِيهِ
مِثَاله إِذا قَالَ أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال مرّة مُحدثا وَمرَّة متطهرا وَلَا أعلم السَّابِق مِنْهُمَا إِلَى حَالَة قبل الزَّوَال فَإِن كَانَ متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن تِلْكَ الطَّهَارَة المتيقنة قبل الزَّوَال زَالَت بِيَقِين الْحَدث بعد الزَّوَال وَأما الطَّهَارَة المتيقنة بعد الزَّوَال فَجَائِز أَن تكون هِيَ السَّابِقَة وَقد استمرت إِلَى مَا بعد الزَّوَال وَجَائِز أَن تكون طَهَارَة مستأنفة فَلَا نزيل يَقِين الْحَدث بِالشَّكِّ
وَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر لماسبق من الِاسْتِدْلَال
وَهَذَا كَمَا لَو علمنَا لزيد على عَمْرو ألف دِرْهَم فَأَقَامَ عَمْرو بَينه بِالْأَدَاءِ أَو الْإِبْرَاء فَأَقَامَ زيد بَيِّنَة أَن عمرا أقرّ لَهُ بِأَلف دِرْهَم مُطلقًا لم تثبت لَهُ هَذِه الْبَيِّنَة شَيْئا لاحْتِمَال أَن الْألف الَّذِي أقرّ بِهِ هُوَ الأف الَّذِي علمنَا وُجُوبه وَقَامَت الْبَيِّنَة ببراءته فَلَا تشتغل ذمَّته بِالِاحْتِمَالِ وَقَالَ الْأَزجيّ من أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين فِي كتاب النِّهَايَة لَهُ لَو قيل إِنَّه يجب عَلَيْهِ الطَّهَارَة لَكَانَ لَهُ وَجه لِأَن يَقِين الطَّهَارَة قد عَارضه يَقِين الْحَدث وَإِذا تَعَارضا سقطا وَوَجَب عَلَيْهِ الْوضُوء احْتِيَاطًا
стр. 14
للصَّلَاة فَإِنَّهُ يكون مُؤديا فَرْضه بِيَقِين وَالْأول أصح فَلَو لم يعرف مَا كَانَ قبلهمَا لزمَه الْوضُوء لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من طَهَارَة متيقنة أَو مظنونة أَو مستصحبة وَلَيْسَ هُنَا شَيْء فَوَجَبَ الْوضُوء
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فصورتها أَنه ابْتَدَأَ نقض الطَّهَارَة وفعلها عَن حدث فِي وَقت بِعَيْنِه وَشك فِي السَّابِق مِنْهُمَا رَجَعَ إِلَى حَاله قبلهمَا
مِثَاله إِذا قَالَ فعلت ذَلِك بِيَقِين بعد الزَّوَال وَلَا أعلم السَّابِق قُلْنَا مَا كنت قبله فَإِن قَالَ متطهرا فَهُوَ الْآن متطهر لِأَنَّهُ تَيَقّن أَنه نقض تِلْكَ الطَّهَارَة ثمَّ تَوَضَّأ إِذْ لَا يُمكن أَن يتَوَضَّأ عَن حدث مَعَ بَقَاء تِلْكَ الطَّهَارَة وَنقض هَذِه الطَّهَارَة الثَّانِيَة مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يَزُول عَن الْيَقِين بِالشَّكِّ وَجَعَلنَا الْحَدث بَين الطهارتين تَحْقِيقا لقَوْله إِذْ لَو كَانَ بعد الثَّانِيَة لكَانَتْ تجديدا لَا يُزِيلهُ الْحَدث
فَإِن قيل بل يُمكن ذَلِك بِأَن يكون قد أحدث بَينهمَا حَدثا آخر وأنسيه قيل الأَصْل عدم ذَلِك
وَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن قَوْله إِنَّمَا يتَحَقَّق بِجعْل الطَّهَارَة بَين الحدثين إِذْ لَو كَانَت بعد الثَّانِي لم يكن قد نقض طَهَارَة وَاحْتِمَال طَهَارَة أُخْرَى بَين الحدثين لَا يبْنى عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل عدم ذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين من أَصْحَابنَا فِي شرح الْهِدَايَة لَهُ هَذَا إِذا كَانَ الْوَقْت لَا يَتَّسِع لَهما وَلَو اتَّسع الْوَقْت لَهما لكَانَتْ الْمَسْأَلَة بِعَينهَا وَيصير
стр. 15
هَذَا كتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ إِذا شهدتا بتاريخ وَاحِد سقطتا لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْعَمَل بهما انْتهى كَلَامه
وَالْأول أصح وَهَذِه الصُّورَة هِيَ مُرَاد صَاحب الْمُحَرر وَإِن كَانَ كَلَامه يدْخل فِيهِ مَا لَو تَيَقّن فعلَيْهِمَا وَلم يتَيَقَّن أَن الطَّهَارَة عَن حدث وَلَا الْحَدث عَن طَهَارَة وَهِي مَسْأَلَة فقد الِابْتِدَاء وَهِي ثَلَاث صور
إِحْدَاهَا فقدانه فيهمَا
مِثَاله أَن يَقُول أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال تَوَضَّأت وضُوءًا لَا أَدْرِي عَن حدث كَانَ أَو تجديدا وَإِنِّي أحدثت وَلَا أَدْرِي كنت حِين الْحَدث مُحدثا أَو متطهرا وَلَا أعلم السَّابِق من الْفِعْلَيْنِ فَهَذَا يكون على عكس حَاله قبل الزَّوَال فَإِن قَالَ كنت قبل الزَّوَال متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن الطَّهَارَة السَّابِقَة زَالَت بِالْحَدَثِ يَقِينا وَأما الْوضُوء الثَّانِي فَيحْتَمل أَنه تَجْدِيد قبل الْبَوْل وَيحْتَمل أَنه رفع الْحَدث بعده فَلَا يزِيل الْحَدث الْمُتَيَقن بِالشَّكِّ وَلَو قَالَ كنت قبل الزَّوَال مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر لِأَن الْحَدث السَّابِق زَالَ يَقِينا بِطَهَارَة متيقنة بعده إِمَّا بِالْوضُوءِ الَّذِي ذكره إِن كَانَ رَافعا وَإِمَّا بِوضُوء تقدمه إِن كَانَ تجديدا وَالْحَدَث الْمُتَيَقن يحْتَمل أَنه قبل هَذِه الطَّهَارَة وَيحْتَمل أَنه بعْدهَا وَلَا يزيلها بِالشَّكِّ هَكَذَا ذكره الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ورن جهل فاعلهما حَالهمَا وأسبقهما أَو عين لَهما وقتا لَا يسعهما فَهَل هُوَ بعدهمَا كحالة قبلهمَا أَو بضده فِيهِ وَجْهَان وَقيل رِوَايَتَانِ
стр. 16
وَمَسْأَلَة جهل فاعلهما حَالهمَا هِيَ هَذِه الصُّورَة وَمَسْأَلَة تعْيين وَقت لَا يسعهما كَلَامه فِي الرِّعَايَة فِيهِ إِطْلَاق يدْخل فِيهِ تحقق الِابْتِدَاء وفقدانه وَلَعَلَّ مُرَاده مَعَ تحقق الِابْتِدَاء فَتكون الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الَّتِي خَالف فِيهَا أَبُو الْمَعَالِي
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب الْمَسْأَلَة الأولى الَّتِي خَالف فِيهَا الْأَزجيّ ثمَّ قَالَ فَإِن تَيَقّن فعلهمَا فِي وَقت لَا يَتَّسِع لَهما تعَارض هَذَا الْيَقِين وَسقط وَكَانَ على حَاله قبل ذَلِك من طَهَارَة أوجدت وَلم يزدْ على ذَلِك
وأظن أَن الشَّيْخ وجيه الدّين أَخذ اخْتِيَاره من هَذَا وَنزل كَلَام من أطلق من الْأَصْحَاب عَلَيْهِ
الصُّورَة الثَّانِيَة أَن يفقد الِابْتِدَاء فِي فعل الْحَدث وَحده
مِثَاله أَن يَقُول أتيقن أَنِّي بعد الزَّوَال تطهرت عَن حدث وَأَنِّي أحدثت وَلَا أعلم أَنِّي كنت حِين الْحَدث طَاهِرا أَو مُحدثا وَشك فِي السَّابِق من الْفِعْلَيْنِ فَهَذَا متطهر سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال مُحدثا أَو متطهرا لِأَنَّهُ إِن كَانَ متطهرا قبله فقد زَالَت طَهَارَته بِالْحَدَثِ الَّذِي تطهر عَنهُ بعد الزَّوَال وَإِن كَانَ مُحدثا فطهارة هَذِه تزيل كل حدث قبلهَا وَأما الْحَدث الْمُتَيَقن فَيحْتَمل أَنه كَانَ قبل هَذِه الطَّهَارَة وَيحْتَمل أَنه بعْدهَا فَلَا يزيلها بِالشَّكِّ
الصُّورَة الثَّالِثَة أَن يفقد الِابْتِدَاء فِي فعل الطَّهَارَة
مِثَاله إِذا قَالَ أتحقق أَنِّي بعد الزَّوَال أحدثت حَدثا صَادف طَهَارَة وَأَنِّي تَوَضَّأت وضُوءًا لَا أَدْرِي تجديدا كَانَ أَو رَافعا زَاد صَاحب الرِّعَايَة وعادته التَّجْدِيد غاليا فَإِنَّهُ يكون مُحدثا سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال مُحدثا أَو متطهرا للتَّعْلِيل فِي الصُّورَة قبلهَا
قَوْله وَمن قَامَ من نَومه فَوجدَ بللا لم يتيقنه منيا لزمَه الْغسْل إِلَّا أَن
стр. 17
يتقدمه لمس وتفكر أَو يكون بِهِ برد فَلَا غسل
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَعنهُ لاغسل عَلَيْهِ مُطلقًا وَعنهُ عَكسه كَذَا ذكر الْمَسْأَلَة جمَاعَة
وَظَاهر هَذَا أَنه لَا فرق بَين أَن يذكر احتلاما أَولا وَذكر ابْن تَمِيم وَفِي الرِّعَايَة رِوَايَة أَنه إِذا تقدمه فكر وَنَحْوه لَا غسل عَلَيْهِ وَإِن ذكر احتلاما وَفِي شرح الْعُمْدَة للشَّيْخ تَقِيّ الدّين رِوَايَة أَنه لَا غسل عَلَيْهِ مُطلقًا وَقطع الشَّيْخ
стр. 18
مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِأَنَّهُ يلْزمه الْغسْل إِن ذكر احتلاما سَوَاء تقدم نَومه فكر أَو ملاعبة أَولا قَالَ وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا فِي وَجه للشَّافِعِيَّة أَنه لَا يجب تمّ بحث الْمَسْأَلَة
وعَلى هَذَا ظَاهر مَا فِي الْمُحَرر يحْتَمل أَن يكون مرَادا كَمَا صرح بِهِ غَيره وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده إِذا لم يتقدمه احْتِلَام جمعا بَين كَلَامه وَكَلَام الْمُتَكَلّم الْوَاحِد أَو من فِي حكمه يُقيد بعضه بَعْضًا
وَقد ذكر الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي ابْن المنجي فِي شرح الْهِدَايَة لَهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة شَيْئا لم أجد من الْأَصْحَاب ذكره قَالَ إِن وجد رَائِحَة الطلح
стр. 19
والعجين فَهُوَ منى وَإِن لم يجد الرَّائِحَة وَلم يجد بَيَاضًا وثخنا فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ بِمني قَالَ هُوَ وَالشَّيْخ موفق الدّين وَقد توقف الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَوَاضِع
قَوْله وَمن خَافَ عطشا على نَفسه أَو رفقته أَو بهائمه حبس المَاء وَتيَمّم
стр. 20
ظَاهر كَلَام جمَاعَة أَنه يجوز ذَلِك وقاسوه على خوف الْمَرَض وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه يحرم عَلَيْهِ اسْتِعْمَال المَاء فِي هَذِه الصُّورَة قَالَ أَبُو طَالب سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يَتِيم وَمَعَهُ المَاء الْقَلِيل وَهُوَ يخَاف الْعَطش قَالَ نعم يتَيَمَّم وَلَا يتَوَضَّأ بِهِ وَقَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول إِذا خَافَ على نَفسه تيَمّم وَصلى يعين على نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ قَالَ أَبُو عبد الله إِذا كَانَ مَعَه مَاء أَو كَانَ مَعَه قَلِيل يخْشَى على نَفسه تيَمّم وَصلى وَترك المَاء لشفته إِذا خَافَ على نَفسه وَلَا يُعِيد الصَّلَاة
стр. 21
وَهَذَا ظَاهر كَلَام الْأَزجيّ فِي النِّهَايَة وَغَيره لِأَن حفظ النَّفس وَاجِب حسب الْإِمْكَان
وَخَوف الضَّرَر بالعطش كَذَلِك فِي إِبَاحَة التَّيَمُّم قطع بِهِ ابْن تَمِيم وَغَيره
قَالَ فِي النِّهَايَة يعْتَبر فِي خوف الضَّرَر مَا يعْتَبر فِي خوف الْمَرَض
قَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره يحبس المَاء لخوف الضَّرَر وَالْمَرَض لَا فرق بَينهمَا
وَلَا بُد من قيد الاحترام فَإِن الْحَرْبِيّ وَالْخِنْزِير وَالْكَلب الْأسود البهيم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُبَاح قَتله لَا يجوز صرف المَاء فِي سقيه لم أجد فِيهِ خلافًا فَإِن فعل أَثم وَهُوَ فِي الْإِعَادَة كَمَا لَو أراقه
قَوْله وَيمْنَع الْحيض وجوب الصَّلَاة الخ
стр. 22
ظَاهره أَنه لَا يمْنَع غير ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يمْنَع صِحَة الطَّهَارَة صرح بِهِ غير وَاحِد وَهُوَ ظَاهر
قَوْله وَيجوز التَّمَتُّع بالحائض إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفرج وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجوز ذكرهَا صَاحب الْوَسِيلَة وَقَالَ الْخلال وَالشَّيْخ يَعْنِي القَاضِي بحملانها على الِاسْتِحْبَاب انْتهى كَلَامه
قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد قلت للامام أَحْمد مَا للرجل من إمرأته وَهِي حَائِض قَالَ قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْمر إحدانا أَن تتزر وَاخْتَارَ هَذَا وَرخّص فِيمَا دون الْفرج وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا رِوَايَة بِالْكَرَاهَةِ لِأَن مُخَالفَة الْأَمر توجب ارْتِكَاب الْمَكْرُوه
وَقَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول فِي الْحَائِض تقبل وتلمس وَإِذا جَامعهَا كَانَ بَينهمَا إِزَار إِلَى السُّرَّة وَإِلَى الرّكْبَة ويباشرها
وَهَذِه الرِّوَايَة مُحْتَملَة لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهَا من إِضْمَار
وَقَالَ الْخلال كَأَن فِي مَسْأَلَة جَعْفَر وحنبل أَن أَبَا عبد الله أحب لَهما الْإِزَار فِي وَقت الْجِمَاع وَهُوَ على مَا رَوَت عَائِشَة وَأم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ بَين عَنهُ الْبَاقُونَ أَنه لَا بَأْس بِهِ وَاحْتج فِي ذَلِك وَالْعَمَل فِي مذْهبه أَنه لَا بَأْس أَن يُجَامع بِغَيْر إِزَار إِذا اتَّقى مخرج الدَّم انْتهى كَلَامه
وَلَا إِشْكَال أَن الْمَذْهَب عدم الْكَرَاهَة وَقد صرح فِي رِوَايَة أبي طَالب أَنه لَا بَأْس أَن يَأْتِيهَا دون الْفرج وَصرح قَاطعا صَاحب النِّهَايَة وَغَيرهَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَمَعَ هَذَا فالمستحب تَركه وَظَاهر كَلَام إمامنا وأصحابنا أَنه لَا فرق بَين أَن يَأْمَن على نَفسه مواقعه الْمَحْظُور أَو يخَاف وَقطع الْأَزجيّ فِي نهايته بِأَنَّهُ إِذا لم يَأْمَن على نَفسه من ذَلِك حرم عَلَيْهِ لِئَلَّا يكون طَرِيقا إِلَى مواقعه الْمَحْظُور
стр. 23
وَقد يُقَال يحمل كَلَام غَيره على هَذَا
قَوْله وَإِذا وطئ لزمَه نصف دِينَار كَفَّارَة وَعنهُ لَا يلْزمه
وَقَالَ وَتجب الْكَفَّارَة بِوَطْء النُّفَسَاء وَلم يذكر خلافًا وَظَاهره أَن الْكَفَّارَة تجب بِوَطْء النُّفَسَاء رِوَايَة وَاحِدَة بِخِلَاف وَطْء الْحَائِض وَقد يُؤْخَذ من كَلَام بعض الْأَصْحَاب إِيمَاء إِلَى هَذَا لِأَن دَاعِي الْجِمَاع فِي النّفاس يُقَوي لطول مدَّته غَالِبا فَنَاسَبَ تَأَكد الزاجر بِخِلَاف الْحيض وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام وَالْأَصْحَاب ﵏ أَن وَطْء النُّفَسَاء كَوَطْء الْحَائِض فِي وجوب الْكَفَّارَة لِأَن الْكَفَّارَة إِنَّمَا وَجَبت بِوَطْء النُّفَسَاء قِيَاسا على وَطْء الْحَائِض وَغَايَة الْفَرْع مساواته لأصله وَإِذا لم تجب الْكَفَّارَة فِي الأَصْل انْتَفَى وُجُوبهَا فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا دَلِيل لوُجُوبهَا وَلَعَلَّ صَاحب الْمُحَرر فرع على ظَاهر الْمَذْهَب فِي الْحَائِض
قَوْله وَلَا حيض مَعَ الْحمل نَص على هَذَا فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة الْأَثْرَم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأبي دَاوُد وحمدان بن عَليّ وَغَيرهم فَقَالَ الْحَامِل إِذا رَأَتْ دَمًا تتوضأ وَتصلي وتصوم وَقَالَ أَيْضا كَيفَ يكون حَبل مَعَ الْحيض وَكَيف تَنْقَضِي الْعدة إِذا كَانَ حبلا يَعْنِي مَعَ الْحيض
وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنَّهَا تحيض وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن إمامنا أَحْمد رَضِي الله عَنهُ
стр. 24
= كتاب الصَّلَاة
قَوْله وَمن أخر الصَّلَاة عمدا فَخرج الْوَقْت وَهُوَ فِيهَا أَثم وأجزأته
وَقَوله ورذا أسلم الْمُرْتَد لزمَه قَضَاء مَا تَركه قبل الرِّدَّة من صلَاته
ظَاهره أَن طرآن الْحيض وَالْجُنُون وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من الرِّدَّة غير مسْقط لِأَن الْوُجُوب اسْتَقر بِمَا الْتَزمهُ بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ كحقوق الْآدَمِيّين وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالشَّيْخ وجيه الدّين والأزجي فِي نهايته وَصَاحب الرِّعَايَة فِيهَا
стр. 25
بِأَن الْمُرْتَدَّة إِذا حَاضَت ثمَّ طهرت وَأسْلمت لَا تقضي الصَّلَاة وَقطع المُصَنّف وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَغَيرهمَا بِأَن الْمُرْتَد لَا تسْقط عَنهُ عبَادَة زمن جُنُونه فِي ردته وَقدمه الْأَزجيّ لِأَن سُقُوطهَا بِالْحيضِ عَزِيمَة وبالجنون رخصَة وَتَخْفِيف وَلَيْسَ من أَهله قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَلَيْسَ هُوَ من أَهله قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين لَو صلى الْمَجْنُون لَا تكون صلَاته مَعْصِيّة بل طَاعَة وَلَو صلت كَانَت مَعْصِيّة قَالَ الْأَزجيّ وَيحْتَمل أَن لَا يجب الْقَضَاء لِأَنَّهُ فِي هَذِه الْحَال غير مُخَاطب بشئ من الْعِبَادَات لفقد آلَة الْخطاب وَهُوَ الْعقل لِأَن الْمعْصِيَة لَا تتمكن من سَبَب الرُّخْصَة حَتَّى تمنع التَّخْفِيف
قَوْله وَمن صلى صَلَاة ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسلم ووقتها بَاقٍ لم تجب إِعَادَتهَا وَيتَخَرَّج أَن تجب كمن حج ثمَّ ارْتَدَّ فَإِن فِي إِعَادَة الْحَج رِوَايَتَيْنِ
وَالرِّوَايَتَانِ فِي مَسْأَلَة الْحَج مشهورتان ذكرهمَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا وَالْقَاضِي وَعَن مَالك أَيْضا رِوَايَتَانِ وَرِوَايَة عدم وجوب إِعَادَته نصرها أَبُو الْخطاب وَغَيره وَهِي ظَاهر مَا قطع بِهِ الشَّيْخ وَغَيره وَقدمه غير وَاحِد وَهِي قَول
стр. 26
الشَّافِعِي وَرِوَايَة الْوُجُوب ذكرهَا القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره أَنَّهَا أصَحهمَا وَهِي قَول أبي حنيفَة
وَأما مَسْأَلَة الصَّلَاة فَلَا أجد أحدا ذكر فِيهَا نصا عَن الإِمَام أَحْمد وَمن الْأَصْحَاب من جعلهَا كَمَسْأَلَة الْحَج كَأبي الْخطاب وَغَيره وَمِنْهُم من يَأْبَى ذَلِك
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى قِيَاس الْمَذْهَب أَن لَا يُعِيد الصَّلَاة وَيُعِيد الْحَج قَالَ أَبُو الْخطاب وَلَا أعرف لذَلِك وَجها قَالَ وَاعْتمد على أَن الصَّلَاة يفعل أَمْثَالهَا فِي الْإِسْلَام الثَّانِي وَالْحج لَا يفعل أَمْثَاله وَتسَمى حجَّة الْإِسْلَام وَلَا بُد فِي هَذَا الْإِسْلَام الثَّانِي من حجَّة قَالَ وَهَذَا ظَاهر الْفساد لِأَنَّهُ إِن كَانَت الْحجَّة فِي الْإِسْلَام الأول بطلت بِالرّدَّةِ فَالصَّلَاة فِي أول وَقت الصَّلَاة تبطل بِالرّدَّةِ وَإِذا أسلم فَإِن لزمَه حجَّة الْإِسْلَام فَيجب أَن يلْزمه هَهُنَا صَلَاة الْوَقْت فَإِن وَقت الْحَج جَمِيع الْعُمر كَمَا أَن وَقت الصَّلَاة مَشْرُوع لَهَا وَتَسْمِيَة حجَّة الْإِسْلَام مثل تَسْمِيَة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر
قَوْله فَإِن بلغ الْوَقْت وَقد صلاهَا أَو ابتدأها أَعَادَهَا
كَذَا ذكر الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ دخل فِيهَا قبل وُجُوبهَا وَوُجُود سَبَب وُجُوبهَا أشبه الْبَالِغ إِذا دخل فِيهَا دُخُول الْوَقْت لِأَنَّهَا من فروع الدّين مَقْصُودَة فِي نَفسهَا أشبه الْحَج وَفِيه احْتِرَاز من الْإِيمَان وَالْوُضُوء وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك
وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَأما الْإِسْلَام فَيجب تجديده وَلم
стр. 27
يزدْ على ذَلِك وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عدم وجوب إِعَادَتهَا وَذكر أَن بَعضهم حَكَاهُ وَجها لنا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وقاس أَبُو الْخطاب على الْحَج
فَقيل لَهُ الْحَج لَو بلغ فِي أَثْنَائِهِ أَجزَأَهُ فَيجب إِذا بلغ فِي أثْنَاء الصَّلَاة أَن تُجزئه فَأجَاب بِأَن كل وَقت من عَرَفَة وُقُوفه يُجزئ فِي الْحَج وَلَيْسَ كل رَكْعَة من الصَّلَاة تُجزئ عَن بَقِيَّة الصَّلَاة فنظيره أَن ينْصَرف من عَرَفَة قبل الْبلُوغ ثمَّ يبلغ فَإِنَّهُ لَا يُجزئهُ حَتَّى يعود فيقف بِعَرَفَة قَالَ وَالصَّحِيح أَن الْحَج مثل الصَّلَاة فعلى الرِّوَايَة الَّتِي تَقول لَا تُجزئ الصَّلَاة نقُول لَا يُجزئ الْحَج إِذا بلغ بعد إِحْرَامه قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا قَول مِنْهُ بروايتين فِي الصَّلَاة قبل وُجُوبهَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَيصير لنا فِي الصَّلَاة وَالْحج جَمِيعًا ثَلَاثَة أَقْوَال وَفِي الصَّوْم رِوَايَتَانِ أَعنِي إِذا بلغ فِي نفس الْفِعْل فَأَما إِذا بلغ بعد الْفِعْل وَبَقَاء الْوَقْت فَلَا خلاف فِي وجوب الْحَج وَيمْتَنع مثل ذَلِك فِي الصَّوْم انْتهى كَلَامه
وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَن هَذَا التَّفْرِيع على قَوْلنَا لَا تجب عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَب وَأَن على رِوَايَة وُجُوبهَا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ قَول أبي الْحسن التَّمِيمِي وَأبي بكر لاإعادة وَيجب عَلَيْهِ إِتْمَامهَا وَلَا يجب عَلَيْهِ إِتْمَامهَا على الأول صرح بذلك القَاضِي وَغَيره وَعَلِيهِ يحمل إِطْلَاق كَلَام غير وَاحِد من الْأَصْحَاب وَهُوَ ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن بختان فِي غُلَام احْتَلَمَ فِي بعض اللَّيْل يُصَلِّي الْمغرب وَالْعشَاء فَقيل لَهُ وَإِن كَانَ قد صلاهما قَالَ نعم أَلَيْسَ صلاهما وَهُوَ مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم قَالَ القَاضِي فقد أوجب الْإِعَادَة بعد الْفَرَاغ مِنْهَا وَجعل الْعلَّة فِيهَا أَنه فعلهَا قبل جَرَيَان الْقَلَم انْتهى كَلَامه
وَصرح بَعضهم على رِوَايَة الْوُجُوب أَنه يقْضِي مَا فَاتَهُ بعد عشر وَهَذَا وَاضح وَيَنْبَغِي أَن يُقَال لَو بلغ عشر سِنِين فِي أثْنَاء صَلَاة أَو بعْدهَا فِي وَقتهَا
стр. 28
لزمَه إِعَادَتهَا على هَذِه الرِّوَايَة كَمَا بلغ خمس عشرَة لتوجه الْخطاب إِلَيْهِ وَيُؤْخَذ هَذَا من تَعْلِيل الإِمَام وَالْأَصْحَاب وَهُوَ وَاضح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
الْمَذْهَب أَن الصَّلَاة لَا تجب على صبي وَعنهُ تجب على من بلغ عشرا وَعنهُ تجب على ابْن أَربع عشرَة سنة قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد فِي ابْن أَربع عشرَة سنة إِذا ترك الصَّلَاة قتل وَقَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة فِي الْمُمَيز وَقد روى عَنهُ أَنه مُكَلّف فَهَذِهِ أَربع رِوَايَات
ذكر فِي الْمُحَرر أَن فِي قَضَاء الْمُرْتَد مَا فَاتَهُ حَال الرِّدَّة من عبَادَة رِوَايَتَيْنِ وَكَذَا الْخلاف مَشْهُور فِي كتب الْأَصْحَاب فِي وجوب الْقَضَاء على الْمُرْتَد مَا تَركه فِي حَال ردته وَظَاهر هَذَا أَن الْخلاف مطرد فِي كل صُورَة وَهُوَ أولى
وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك عِنْد صَاحب الْمُحَرر رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ فِي شرح الْهِدَايَة لَهُ فِي تَارِك الصَّلَاة تهاونا إِذا دعِي إِلَى فعلهَا فَامْتنعَ وحكمنا بِكُفْرِهِ وَقَتله قَالَ وَإِذا عَاد لم تسْقط عَنهُ صَلَاة مُدَّة امْتِنَاعه على الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا وَإِن قُلْنَا تسْقط عَن الْمُرْتَد لَا نكفره بِتَرْكِهَا فَلَو سَقَطت بِهِ لزال التَّكْفِير وَلِأَن أمره بهَا فِي مُدَّة الاستتابة يدل على صِحَّتهَا مِنْهُ وَأَنه مُكَلّف بهَا فَأَشْبَهت نفس الْإِسْلَام فِي حق الْمُرْتَد انْتهى كَلَامه وَهَذَا فِيهِ إِشْكَال
قَوْله وَمن زَالَ عقله بِغَيْر جُنُون قضى كل صَلَاة فَاتَتْهُ
لَو سكرت ثمَّ حَاضَت لم يلْزمهَا قَضَاء أَيَّام الْحيض وَجها وَاحِدًا ذكره الْأَزجيّ وَغَيره لما تقدم فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا قَالَ الْأَزجيّ وَإِن شرب محرما فَسَكِرَ
стр. 29
بِهِ ثمَّ جن مُتَّصِلا بالسكر فَهَل يلْزمه قَضَاء مَا فَاتَهُ فِي حَال الْجُنُون فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا يلْزمه الْقَضَاء أَيْضا لاتصاله بالسكر لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تعاطى سَببا أثر فِي وجود الْجُنُون وَالثَّانِي لَا يلْزمه لِأَن طرآن الْجُنُون مِنْهُ لَيْسَ من وَلَا هُوَ مَنْسُوب إِلَيْهِ كَمَا فعله لَو وجد ذَلِك ابْتِدَاء وَزَوَال الْعقل بالجنون مسْقط للْقَضَاء فِي حق الْمُسلم فَأَما الْمُرْتَد فَتقدم فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا
قَوْله لِأَن تكفيره بِتَرْكِهَا فَلَو سَقَطت بِهِ لزال التَّكْفِير
لقَائِل يَقُول لَيْسَ الْخلاف فِيمَا نكفره بِتَرْكِهَا لِأَن مَا نكفره بِتَرْكِهَا وَهِي صَلَاة وَاحِدَة أَو وَحَتَّى يتضايق وَقت الْأُخْرَى أَو غير ذَلِك على الْخلاف الْمَعْرُوف فِيهِ وَوَجَب عَلَيْهِ فِي حَال إِسْلَامه قبل الحكم بِوُجُوب قَتله وكفره فَإِذا وجوب قَضَائهَا لَيْسَ وجوب قَضَاء عبَادَة تَركهَا فِي حَال ردته بل وجوب قَضَاء عبَادَة تَركهَا فِي حَال إِسْلَامه وَمَا تَركه بعد الحكم بِوُجُوب قَتله وكفره من الصَّلَوَات لَيْسَ نكفره بِتَرْكِهَا لِأَن الْغَرَض أَنه قد حكم بِكُفْرِهِ وَقَتله قبل ذَلِك
فَإِن قيل مُرَاده إِنَّمَا نكفره بِتَرْكِهَا يجب قَضَاؤُهُ وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخلاف فِي ان تَركه الْمُرْتَد ان ماني حَال إِسْلَامه من عبَادَة هَل يجب قَضَاؤُهَا إِذا عَاد إِلَى الْإِسْلَام أم لَا قيل لَيْسَ هَذَا مُرَاده بل تَتِمَّة كَلَامه وَلِأَن أمره بهَا فِي مُدَّة الاستتابة يدل على صِحَّتهَا مِنْهُ مُدَّة الاستتابة ثَلَاثَة أَيَّام بعد الحكم بِوُجُوب قَتله وكفره وَأَنه قاسها على الْإِسْلَام فِي حق الْمُرْتَد مَأْمُور بِالْإِسْلَامِ وَلِأَنَّهُ قَالَ لم تسْقط عَنهُ صَلَاة مُدَّة امْتِنَاعه وَمَا نكفره بِهِ صَلَاة أَو صلاتان على ظَاهر الْمَذْهَب وَمُدَّة الِامْتِنَاع حَقِيقَتهَا إِلَى زمن التَّوْبَة والمراجعة
قَوْله وَلِأَن أمره بهَا فِي مُدَّة الاستتابة يدل على صِحَّتهَا مِنْهُ
стр. 30
لقَائِل أَن يَقُول من يَقُول إِن الْمُرْتَد لَا يجب عَلَيْهِ قَضَاء مَا تَركه فِي حَال الرِّدَّة يَقُول إِنَّمَا هُوَ مَأْمُور ومكلف بِالْإِسْلَامِ وإيقاع الصَّلَاة من حَيْثُ الْجُمْلَة أَعنِي من حَيْثُ هِيَ صَلَاة لَا هَذِه الصَّلَاة الْمعينَة أَو إِيقَاع الصَّلَاة الْمَحْكُوم بِكُفْرِهِ بِتَرْكِهَا وَلِأَنَّهُ لَا يمْتَنع وجوب الْعِبَادَة على الْمُرْتَد فِي حَال ردته فَإِذا تَابَ بِإِسْلَام صَحِيح سَقَطت عَنهُ ترغيبا فِي الْإِسْلَام وَلِأَن الْأَدِلَّة فِي أَن الْمُرْتَد لَا يقْضِي مَا تَركه فِي حَال الرِّدَّة تعم مَسْأَلَتنَا لَا سِيمَا قِيَاسه على الْكَافِر الْأَصْلِيّ
وَالْأولَى حمل كَلَامه إِن أمكن على مَسْأَلَة مَا تَركه حَال إِسْلَامه وَأَن الْخلاف فِيهَا لَا يَأْتِي هُنَا لكنه يُورد هَذَا الْقَيْد على إِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر فَإِنَّهُ ذكر الْخلاف فِيمَا تَركه زمن إِسْلَامه من غير تَفْصِيل
وَقَول ابْن عبد الْقوي ﵀ بعد أَن ذكر كَلَام صَاحب الْمُحَرر فِي شرح الْهِدَايَة الْمَذْكُور هَذَا يدل على أَنه لَا يكفر وَإِن قتل فحد لَا نعقاد الْإِجْمَاع أَن الْكَافِر غير مُكَلّف بِفعل الصَّلَاة وَإِن قُلْنَا يكلفون بالفروع وَإِنَّمَا فَائِدَته زِيَادَة الْعَذَاب فِي الْآخِرَة وَإِلَّا فَلَا فِيهِ نظر لِأَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ
فصل
قَالَ ابْن عقيل فِي الْفُنُون فِيمَن ترك الصَّلَاة تهاونا وَقيل بِكُفْرِهِ إِذا كَانَ كَافِرًا فيماذا يكون مُسلما بِالشَّهَادَتَيْنِ أم بِفعل الصَّلَاة قَالَ اعْترض بِهِ بَعضهم وَحَكَاهُ غَيره وَهُوَ الكيا الهراسي فِي مفرداته عَن الشَّافِعِي إِن قيل بِالشَّهَادَتَيْنِ فَمَا زَالَ ناطقا بهما لم يرجع عَنْهُمَا وَإِن كَانَ بِالصَّلَاةِ فَصلَاته مَعَ كفره لَا تصح فَكيف يعود بهَا إِلَى الْإِسْلَام
стр. 31
قَالَ ابْن عقيل الْجَواب لَيْسَ لنا كلمة تحكي مَا فِي نَفسه من الايمان إِلَّا الشهادتان وَلَيْسَ بقوله لَهَا حِين ترك الصَّلَاة وَلَا يعْمل بهَا إِذا تَابَ وَنَدم وَهَذَا الَّذِي نسلكه مَعَ الزنديق فِي قبُول تَوْبَته فَإِنَّهُ يتظاهر بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يكون مُؤديا ثمَّ إِذا تَابَ قبلت تَوْبَته وأعدناه إِلَى الْإِسْلَام بِنَفس الْكَلِمَتَيْنِ لَا غير لما ذكرنَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الأصوب أَنه يصير مُسلما بِنَفس الصَّلَاة من غير احْتِيَاج إِلَى إِعَادَة الشَّهَادَتَيْنِ لِأَن هَذَا كفره بالامتناع من الْعَمَل ككفر إِبْلِيس بترك السُّجُود وَكفر تَارِك الزَّكَاة بمنعها والمقاتلة عَلَيْهَا لَا بِكُفْرِهِ بسكوت فاذا عمل صَار مُسلما كَمَا أَن المكذب إِذا صدق صَار مُسلما وَمثل هَذَا الْكَافِر تصح صلَاته كَمَا أَن المكذب تصح شَهَادَته فَإِن صلَاته هِيَ تَوْبَته من الْكفْر أما تصييره مُسلما على أصلنَا بِالصَّلَاةِ فَظَاهر فَإِن الْكَافِر الْأَصْلِيّ وَالْمُرْتَدّ بالتكذيب لَو صلى حكم بِإِسْلَامِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي صِحَة صلَاته قبل تَجْدِيد الشَّهَادَتَيْنِ وَالْمَسْأَلَة مَذْكُورَة فِي الْمُرْتَد لَا سِيمَا وَالْكَافِر يصير مُسلما بِالشَّهَادَةِ لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ بالرسالة لتضمن ذَلِك الشَّهَادَة بِالتَّوْحِيدِ
وَأَيْضًا فَلَو قَالَ أَنا مُسلم صَار مُسلما وَمَا ذكره فِي الزنديق فالأشبه أَيْضا أَن الزنديق إِذا قبلت تَوْبَته فَلَا بُد من أَن يذكر أَنه تائب مِنْهَا فِي الْبَاطِن وَإِن لم يقل فَلَعَلَّ بَاطِنه تغير انْتهى كَلَامه
وَكَلَام ابْن عقيل يَقْتَضِي الحكم بِإِسْلَامِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط كَمَا يَكْتَفِي بهما فِي الزنديق فَيكون كالبينة أَولا
فَظهر من هَذَا ثَلَاثَة أَقْوَال بِالصَّلَاةِ أم بِالشَّهَادَتَيْنِ أم بهما
стр. 32
وَقَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالْمَسْأَلَة مَذْكُورَة فِي الْمُرْتَد قَالَ فِي الْمُرْتَد الْأَصْلِيّ وَهل صلَاته صَحِيحَة قَالَ القَاضِي الصَّلَاة بَاطِلَة وَيحكم بِإِسْلَامِهِ بهَا كالشهادتين إِذا وجدتا حكمنَا بِإِسْلَامِهِ بهما وَلَا يسْتَدلّ بهما على إِسْلَام سَابق وَقَالَ أَبُو الْخطاب هِيَ صَلَاة صَحِيحَة مجزئه فِي الظَّاهِر لأَنا نستدل بِفِعْلِهَا على أَنه كَانَ مُعْتَقدًا للاسلام قبلهَا
ثمَّ أورد على نَفسه أَن الإِمَام أَحْمد نَص على أَن الْمُؤْتَم بِهِ يُعِيد فَقَالَ الأصوب أَنه قَالَ بعد الْفَرَاغ إِنَّمَا فعلتها وَقد اعتقدت الْإِسْلَام قُلْنَا صلَاته صَحِيحَة وَصَلَاة من خَلفه وَإِن قَالَ فعلتها تهزؤا قبلنَا فِيمَا عَلَيْهِ من إِلْزَام الْفَرَائِض وَلم نقبل مِنْهُ فِيمَا يؤثره من دينه وَلِأَن أَحْمد قد قَالَ فِيمَن صلى خلف مُحدث يُعِيد وَلَا يعيدون والمحدث لَيْسَ فِي صلَاته كَذَلِك الْكَافِر لَا يكون فِي صَلَاة من خَلفه صحت صلَاته
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين شَرط الصَّلَاة تقدم الشَّهَادَة المسبوقة بِالْإِسْلَامِ فاذا تقرب بِالصَّلَاةِ يكون بهَا مُسلما وَإِن كَانَ مُحدثا وَلَا يَصح الائتمام لفقد شَرطه لَا لفقد الْإِسْلَام وعَلى هَذَا عَلَيْهِ أَن يُعِيدهَا انْتهى كَلَامه
قَوْله بَاب الْأَذَان لم يذكر حكم رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ وَظَاهر مَا ذكره حُصُول الْأَذَان الْمَشْرُوع بِدُونِ رفع الصَّوْت وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْأَصْحَاب أَنه يسْتَحبّ رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ الظَّاهِر أَن مُرَادهم الْمُبَالغَة فِي الرّفْع بِحَيْثُ لَا يجْهد
стр. 33
نَفسه فَيكون على هَذَا لَو أذن سرا أَو رفع يَسِيرا لم يحصل الْأَذَان الْمَشْرُوع وَقد قطع بِأَن رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ للْجَمَاعَة غير الْحَاضِرين زَاد فِي الرِّعَايَة أَو الصَّحرَاء ركن فِيهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بِالْأَذَانِ فان أذن لنَفسِهِ أَو لجَماعَة حاضرين فَإِن شَاءَ رفع صَوته قَالَ بَعضهم وَهُوَ أفضل وَإِن شَاءَ خَافت بِالْكُلِّ أَو بِالْبَعْضِ وَالْأَفْضَل رفع مِقْدَار طاقته وَلَا يجْهد نَفسه لِئَلَّا ينضر وَيَنْقَطِع صَوته وَعنهُ التَّوَسُّط أفضل انْتهى كَلَامه
قَالَ القَاضِي قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة يرفع صَوته مَا اسْتَطَاعَ قَالَ الْمَيْمُونِيّ رَأَيْت ابْن حَنْبَل وَهُوَ يُؤذن صَوتا بَين الصوتين وَكَانَ إِلَى خفض الصَّوْت أقرب قَالَ وَظَاهر هَذَا أَنه لَا يرفع رفعا يخرج عَن طبعه قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل رجل ضَعِيف الصَّوْت لَا يرفع صَوته وَلَا يخرج من الْمَسْجِد إِذا كَانَ يسمع أهل الْمَسْجِد وَالْجِيرَان فَلَا بَأْس قَالَ القَاضِي وَظَاهر هَذَا أَنه إِذا لم يسمع الْجِيرَان لم يصب سنة الْأَذَان وَذَلِكَ لِأَن الْقَصْد من الْأَذَان الْإِعْلَام وَدُعَاء النَّاس إِلَى الصَّلَاة وَلِهَذَا الْمَعْنى لم يُؤذن للثَّانِيَة من صَلَاتي الْجمع وَمن الْفَائِتَة لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى جمع النَّاس لأَنهم قد اجْتَمعُوا للأولة فَإِذا لم يسمع الْجِيرَان لم يُوجد الْمَقْصُود فَلم يكن مسنونا فَإِن أذن لنَفسِهِ جَازَ لَهُ أَن يسر لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الْإِعْلَام انْتهى كَلَامه
قَوْله وَيجْعَل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة حَنْبَل وروى جمَاعَة عَنهُ أَنه كَانَ يفعل ذَلِك فَإِن اقْتصر على وَاحِدَة كفى قَالَه القَاضِي وَقَالَ رَأَيْت أَبَا عبد الله إِذا أذن يضع إصبعه على أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَلَعَلَّ جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ رَأَيْت أَبَا عبد الله أذن وَوضع أَصَابِعه على أُذُنَيْهِ فِي
стр. 34
الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَكَذَلِكَ نقل حَنْبَل وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب أحب أَن يَجْعَل يَدَيْهِ على أُذُنَيْهِ على حَدِيث أبي مَحْذُورَة وَضم أَصَابِعه الاربع وَوضع على أُذُنَيْهِ
قَوْله وَيشْتَرط للأذان التَّرْتِيب والموالاة ظَاهر مَا ذكره أَنه لَا يشْتَرط للأذان غير ذَلِك وَالنِّيَّة شَرط لَهُ فَلَو أذن غافلا أَو سَاهِيا أَو لاهيا وَنَحْو ذَلِك لم يَصح أَذَانه وَظَاهر مَا ذكره شرطا للأذان أَنه لَا يشْتَرط للاقامة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ شَرط لَهَا وَكَذَا يُبْطِلهَا مَا يُبطلهُ وَغير ذَلِك
وَقَوله فِي الرِّعَايَة وَيعْتَبر للأذان النِّيَّة قلت وَكَذَا للاقامه فَلَيْسَ هَذَا قَوْله وَحده بل هُوَ قَول غَيره وَإِنَّمَا خص الْأَذَان بِالذكر لِأَن الْإِقَامَة تبع لَهُ فِي الْأَحْكَام إِلَّا فِيمَا يُخَالِفهُ كإحدارها
قَوْله وَيسن لمن سمع الْمُؤَذّن أَن يَقُول إِلَى آخِره فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي سعيد مَرْفُوعا إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول وَظَاهر الْأَمر على
стр. 35
الْوُجُوب وَقد قَالَ بِهِ هُنَا بعض الْعلمَاء وَأَكْثَرهم على الِاسْتِحْبَاب كَقَوْلِنَا وَقد ورد مَا يُؤْخَذ مِنْهُ صرفه عَن ظَاهره وَهُوَ مَا رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم مُسلم عَن أنس أَنه ﵊ كَانَ يُغير إِذا طلع الْفجْر وَكَانَ يستمع الْأَذَان فَإِن سمع أذانا أمسك وَإِلَّا أغار فَسمع رجلا يَقُول الله أكبر الله أكبر فَقَالَ النَّبِي ﷺ على الْفطْرَة ثمَّ قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ خرجت من النَّاس النَّار
وَقد نَص الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم وَغَيره على أَنه لَا يجب إِجَابَة الْمُؤَذّن قَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع الْكَبِير وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو إِمَّا أَن الْأَذَان فِي حق الْمُؤَذّن وَاجِب أَو تطوع فَإِن كَانَ وَاجِبا فِي حَقه فَلَيْسَ بِوَاجِب على غَيره لِأَنَّهُ فرض على الْكِفَايَة وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَأولى أَن يكون على السَّامع تَطَوّعا انْتهى كَلَامه
وَفِيه نظر لِأَن الْإِجَابَة لَيست بِأَذَان ليَكُون وُجُوبهَا مقتضيا وجوب الْأَذَان على الْأَعْيَان وَقد يكون الشَّيْء تَطَوّعا وَيجب رده بِدَلِيل ابْتِدَاء السَّلَام ورده والمؤذن يسْتَحبّ لَهُ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول فِي حَقه نَص عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب يَقُول خُفْيَة مثل مَا يَقُوله من يستمعه وَعَن الإِمَام أَحْمد أَنه كَانَ إِذا أذن فَقَالَ كلمة من الْأَذَان قَالَ مثلهَا سرا
وَلَو قَالَ فِي الْمُحَرر وَيسْتَحب لمن سمع الْأَذَان كَانَ أدل على حكم هَذِه الْمَسْأَلَة وَظَاهر كَلَامه وَكَلَام الْأَصْحَاب أَنه يُكَرر قَوْله مثل مَا يَقُول
стр. 36
الْمُؤَذّن بِتَكَرُّر سَماع الْأَذَان للصَّلَاة الْوَاحِدَة وَفِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ للْعُلَمَاء وَيَنْبَغِي تَقْيِيد الْأَذَان الثَّانِي بِكَوْنِهِ مَشْرُوعا وَذَلِكَ لظَاهِر حَدِيث أبي سعيد الذُّكُور وَلِأَن الظَّاهِر من حَال السامعين أَذَان ابْن أم مَكْتُوم إجابتهم لَهُ بعد سماعهم أَذَان بِلَال وإجابتهم لَهُ وَلِأَنَّهُ أَذَان مَشْرُوع فاستحب إجَابَته كالأذان الأول وكالأذانين لصلاتي وَقْتَيْنِ
وَصفَة إجابه الْأَذَان مَا ذكره هُنَا عِنْد أَكثر الْأَصْحَاب لِأَن فِي حَدِيث عمر فَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه رَوَاهُ مُسلم وَهُوَ أخص من حَدِيث أبي سعيد فَيقدم قَالَ فِي المغنى أَو يجمع بَينهمَا وَحكى المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة اسْتِحْبَاب الْجمع بَينهمَا عَن بعض الْأَصْحَاب
وَقَالَ الْخرقِيّ وَجَمَاعَة يسْتَحبّ لمن سمع الْمُؤَذّن أَن يَقُول كَمَا يَقُول وَلم يستثنوا شَيْئا
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه وَظَاهر كَلَامه وَكَلَام غير وَاحِد أَنه يَقُول الصَّلَاة خير من النّوم كَقَوْل الْمُؤَذّن وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه لَا يَقُوله بل يَقُول صدقت وبالحق نطقت وَنَحْوه وعَلى الْوَجْه الآخر يجمع بَينهمَا وعَلى غَيره يَقُول صدقت وبررت وَهل يَقُوله مَعَه فِيهِ وَجْهَان وَقَوله فِي كلمة الْإِقَامَة أَقَامَهَا الله وأدامها لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُوله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف زَاد جمَاعَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض قَالَ فِي التَّلْخِيص الحبير وَهل يَقُول كَمَا يَقُول مَعَ ذَلِك فِيهِ وَجْهَان وَيَقُول كل ذَلِك خُفْيَة
стр. 37
وَظَاهر كَلَامه إِنَّه إِذا سمع الْأَذَان وَهُوَ يقْرَأ قطع الْقِرَاءَة وأجابه فَإِذا فرغ عَاد إِلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تفوت وَهَذَا صَحِيح قَالَ المُصَنّف وَغَيره وَكَذَا إِذا دخل الْمَسْجِد والمؤذن يُؤذن وَافقه ثمَّ أَخذ فِي التَّحِيَّة نَص عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تفوت بِالتَّأْخِيرِ الْيَسِير وَعلل غَيره بِأَن فِيهِ جمعا بَين الفضيلتين وَعنهُ لَا بَأْس
وَظَاهر كَلَامه أَن الْقَاعِد لَا يقوم للصَّلَاة بل يشْتَغل بالإجابة حَتَّى يفرغ الْأَذَان وَهَذَا صَحِيح قَالَ بَعضهم وَلَا يقوم الْقَاعِد حَتَّى يفرغ أَو يقرب فَرَاغه
نَص الإِمَام أَحْمد على معنى ذَلِك لِأَن الشَّيْطَان ينفر حِين يسمع الْأَذَان وَظَاهر كَلَامه أَيْضا أَنه إِن سَمعه فِي الصَّلَاة أَجَابَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك لم أجد فِيهِ خلافًا وَأَن الأولى أَن يكف عَن الْإِجَابَة ويشتغل بِصَلَاتِهِ لِأَن فِي الصَّلَاة شغلا
قَالَ جمَاعَة فَإِذا فرغ من الصَّلَاة أَجَابَهُ فَإِن أَجَابَهُ بجيعلة بطلت لِأَنَّهُ خطاب آدَمِيّ وَإِلَّا لم تبطل لِأَنَّهُ ذكر وثناء على الله تَعَالَى مَشْرُوع مثله فِيهَا وَقد ذكر طَائِفَة كَابْن الْجَوْزِيّ أَنه إِذا أَتَى بقول مَشْرُوع فِي غير مَوْضِعه عمدا هَل تبطل صلَاته على وَجْهَيْن وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا فِي الذّكر كَمَا ذكر غَيره قَالَ وَإِن ذكر الحيعلة وَعلم أَنَّهَا دُعَاء إِلَى الصَّلَاة بطلت وَإِن لم يعلم فَهُوَ ككلام الساهي فِي الصَّلَاة وَفِيه رِوَايَتَانِ ثمَّ قَالَ وَهَذَا إِذا نوى بِهِ الذّكر فَإِن نوى بِهِ الْأَذَان وَإِقَامَة الشعار والإعلام بِدُخُول الْوَقْت بطلت
وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا أَنه يجِيبه على قَضَاء الْحَاجة وَالظَّاهِر أَن هَذِه الصُّورَة تَحْتَهُ وَهَذَا أولي وَإِذا سقط رد السَّلَام فِي هَذِه الْحَال مَعَ وُجُوبه فَهَذَا أولى وَفِيه نظر لكَرَاهَة الْبدَاءَة بِالسَّلَامِ فِي هَذِه الْحَال وَقد ذكر غير وَاحِد أَنه لَو عطس وَهُوَ على قَضَاء الْحَاجة حمد الله وَذكر غير وَاحِد رِوَايَة أَنه يحمد
стр. 38
لفظا ومسألتنا تشبه هَذِه وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَصْحَاب وَكَذَلِكَ يخرج فِي إِجَابَة الْمُؤَذّن وَيتَوَجَّهُ على قَوْلنَا لَا يجِيبه فِي هَذِه الْحَال أَن يجِيبه وَحدهَا
فصل
ذكر هُوَ وَغَيره أَن ستر الْعَوْرَة شَرط وَذكروا مِقْدَار الْعَوْرَة وَالْخلاف فِيهَا وَكَلَامهم يَقْتَضِي أَنه يجب سترهَا من جَمِيع الْجِهَات وَصرح بِهِ بَعضهم لعُمُوم الْأَدِلَّة وَحَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع وَغَيره وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُجزئهُ ستر الْعَوْرَة بِمَا قابلها وَلَا اعْتِبَار بالطرفين من فَوق وأسفل فَإِن السّتْر من أَسْفَل الْإِزَار والذيل لَا يجب فَكَذَلِك من فَوق قِيَاسا لأحد الطَّرفَيْنِ على الآخر
قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي فِي شرح الْهِدَايَة بعد أَن ذكر هَذَا عَن أبي حنيفَة وَاحْتج بِحَدِيث سَلمَة فِي رده قَالَ فالمرعى فِي السّتْر من الجوانب وَمن فَوق أما من أَسْفَل فَلَا يُمكن الِاطِّلَاع عَلَيْهِ إِلَّا بمعاناة وتكلف فَإِن وقف على طرف سطح وَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى قَمِيص وَاحِد وَهُوَ معرض للرياح تعبث بذيله فَفِيهِ للفكر مجَال وَالْأَظْهَر عدم الْجَوَاز ليستتر النّظر فَأشبه فَوق لِأَنَّهُ لَا يعد ساترا فِي الْعرف أصلا إِلَّا أَن يكون الذيل ملتفا بالساق انْتهى كَلَامه
فقد ظهر من هَذَا أَنه هَل يجب ستر الْعَوْرَة من أَسْفَل أم لَا يجب أم يفرق بَين يسير النّظر وَعَدَمه فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
قَوْله وكل الْحرَّة عَورَة إِلَى آخِره أطلق وَلم يُقيد وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن المراهقة كالأمة وَاحْتج لَهُ وَقطع بِهِ أبن تَمِيم أَيْضا وَقطع بِهِ فِي المغنى فِي كتاب النِّكَاح وَاحْتج بِمَا احْتج بِهِ المُصَنّف وَنَحْوه وَقَالَ عَن الْعَوْرَة
стр. 39
فِي النّظر يحْتَمل أَن يكون حكمهَا حكم ذَوَات الْمَحَارِم كَقَوْلِنَا فِي الْغُلَام الْمُرَاهق وَكَلَام كثير من الْأَصْحَاب يقتضى أَنَّهَا كالبالغة فِي عَورَة الصَّلَاة كَمَا نقُول فِي الْمُرَاهق والمراهقة انهما كالبالغين فِي عَورَة النِّكَاح فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
قَوْله وَمن صلى فِي ثوب غصب أَو حَرِير أَو بقْعَة غصب لم يُجزئهُ وَعنهُ يحزئه مَعَ التَّحْرِيم
هَذِه الرِّوَايَة ذكر فِي الْوَسِيلَة أَنَّهَا اخْتِيَار الْخلال وَهِي مَذْهَب الثَّلَاثَة وتعليل الْمَسْأَلَة مَشْهُور وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن النَّافِلَة تخرج صِحَّتهَا على الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ أَن كَلَام صَاحب الْمُحَرر وَغَيره أَعم وَقد جعل المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الصَّلَاة فِي الستْرَة النَّجِسَة أصلا لعدم صِحَة الصَّلَاة فِي الستْرَة الْمَغْصُوبَة وَكَذَا جعل الصَّلَاة فِي الْموضع النَّجس أصلا لعدم صِحَّتهَا فِي الْموضع الْمَغْصُوب بِجَامِع التَّحْرِيم
وَقد ذكر ابْن الزَّاغُونِيّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إِعَادَة الْفَرْض وَقَالَ فَإِن قُلْنَا لَا يُعِيد صلى النَّافِلَة وَإِن قُلْنَا يُعِيد لم يصلها لِأَن الْمَقْصُود شغل الْوَقْت كَمَا نقُول فِيمَن لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا
وَذكر غَيره أَن الْفَرْض وَالنَّفْل سَوَاء وَقيل يَصح النَّفْل
стр. 40
وَذكر أَبُو الْخطاب فِي بحث الْمَسْأَلَة أَن النَّافِلَة لَا تصح بالِاتِّفَاقِ فَهَذِهِ ثَلَاث طرق فِي النَّفْل وَقد عرف من هَذَا أَنه هَل يُثَاب على الْفَرْض إِذا صححناه على قَوْلَيْنِ
وَذكر القَاضِي فِي بحث مَسْأَلَة وُصُول القربات إِلَى الْمَيِّت أَنه لَا يُثَاب على الْفَرْض إِذا صححناه على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَكَذَا عِنْد الْمُخَالف
قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ قَالَ جَمَاهِير أَصْحَابنَا إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة لَا ثَوَاب فِيهَا
وَرَأَيْت فِي فتاوي أبي نصر بن الصّباغ الَّتِي نقلهَا عَنهُ ابْن أَخِيه القَاضِي أَبُو مَنْصُور قَالَ الْمَحْفُوظ من كَلَام أَصْحَابنَا بالعراق أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة يسْقط بهَا الْفَرْض وَلَا ثَوَاب فِيهَا
قَالَ أَبُو مَنْصُور وَرَأَيْت أَصْحَابنَا بخراسان اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ لَا تصح الصَّلَاة قَالَ وَذكر شَيخنَا فِي الْكَامِل أَنه يَنْبَغِي أَن تصح وَيحصل الثَّوَاب على الْفِعْل فَيكون مثابا على فعله عَاصِيا بالْمقَام فِي الْمَغْصُوب فَإِذا لم يمْتَنع من صِحَّتهَا لم يمْتَنع من حُصُول الثَّوَاب قَالَ أَبُو مَنْصُور وَهَذَا هُوَ الْقيَاس على طَرِيق من صححهما وَالله أعلم
وَيعرف من كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه حَيْثُ أُبِيح اسْتِعْمَال ذَلِك أَن الصَّلَاة تصح وَقد صرح بِهِ غَيره وَظَاهره أَنه لَو انْتَفَى التَّحْرِيم لعَارض جهل أَو نِسْيَان أَن صلَاته تصح وَفِيه رِوَايَة أَنَّهَا لَا تصح وَظَاهره أَنه لَا فرق بَين الْعَالم بِالنَّهْي وَغَيره وَفِيه رِوَايَة بالتفرقة
وَقد ذكر ابْن تَمِيم وَجها غَرِيبا بَعيدا أَن صلَاته فِي ذَلِك تصح مَعَ الْكَرَاهَة
следующие страницы →