Полный текст (570 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْمُؤَذّن بِتَكَرُّر سَماع الْأَذَان للصَّلَاة الْوَاحِدَة وَفِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ للْعُلَمَاء وَيَنْبَغِي تَقْيِيد الْأَذَان الثَّانِي بِكَوْنِهِ مَشْرُوعا وَذَلِكَ لظَاهِر حَدِيث أبي سعيد الذُّكُور وَلِأَن الظَّاهِر من حَال السامعين أَذَان ابْن أم مَكْتُوم إجابتهم لَهُ بعد سماعهم أَذَان بِلَال وإجابتهم لَهُ وَلِأَنَّهُ أَذَان مَشْرُوع فاستحب إجَابَته كالأذان الأول وكالأذانين لصلاتي وَقْتَيْنِ
وَصفَة إجابه الْأَذَان مَا ذكره هُنَا عِنْد أَكثر الْأَصْحَاب لِأَن فِي حَدِيث عمر فَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه رَوَاهُ مُسلم وَهُوَ أخص من حَدِيث أبي سعيد فَيقدم قَالَ فِي المغنى أَو يجمع بَينهمَا وَحكى المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة اسْتِحْبَاب الْجمع بَينهمَا عَن بعض الْأَصْحَاب
وَقَالَ الْخرقِيّ وَجَمَاعَة يسْتَحبّ لمن سمع الْمُؤَذّن أَن يَقُول كَمَا يَقُول وَلم يستثنوا شَيْئا
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه وَظَاهر كَلَامه وَكَلَام غير وَاحِد أَنه يَقُول الصَّلَاة خير من النّوم كَقَوْل الْمُؤَذّن وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه لَا يَقُوله بل يَقُول صدقت وبالحق نطقت وَنَحْوه وعَلى الْوَجْه الآخر يجمع بَينهمَا وعَلى غَيره يَقُول صدقت وبررت وَهل يَقُوله مَعَه فِيهِ وَجْهَان وَقَوله فِي كلمة الْإِقَامَة أَقَامَهَا الله وأدامها لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُوله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف زَاد جمَاعَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض قَالَ فِي التَّلْخِيص الحبير وَهل يَقُول كَمَا يَقُول مَعَ ذَلِك فِيهِ وَجْهَان وَيَقُول كل ذَلِك خُفْيَة
стр. 37
وَظَاهر كَلَامه إِنَّه إِذا سمع الْأَذَان وَهُوَ يقْرَأ قطع الْقِرَاءَة وأجابه فَإِذا فرغ عَاد إِلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تفوت وَهَذَا صَحِيح قَالَ المُصَنّف وَغَيره وَكَذَا إِذا دخل الْمَسْجِد والمؤذن يُؤذن وَافقه ثمَّ أَخذ فِي التَّحِيَّة نَص عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تفوت بِالتَّأْخِيرِ الْيَسِير وَعلل غَيره بِأَن فِيهِ جمعا بَين الفضيلتين وَعنهُ لَا بَأْس
وَظَاهر كَلَامه أَن الْقَاعِد لَا يقوم للصَّلَاة بل يشْتَغل بالإجابة حَتَّى يفرغ الْأَذَان وَهَذَا صَحِيح قَالَ بَعضهم وَلَا يقوم الْقَاعِد حَتَّى يفرغ أَو يقرب فَرَاغه
نَص الإِمَام أَحْمد على معنى ذَلِك لِأَن الشَّيْطَان ينفر حِين يسمع الْأَذَان وَظَاهر كَلَامه أَيْضا أَنه إِن سَمعه فِي الصَّلَاة أَجَابَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك لم أجد فِيهِ خلافًا وَأَن الأولى أَن يكف عَن الْإِجَابَة ويشتغل بِصَلَاتِهِ لِأَن فِي الصَّلَاة شغلا
قَالَ جمَاعَة فَإِذا فرغ من الصَّلَاة أَجَابَهُ فَإِن أَجَابَهُ بجيعلة بطلت لِأَنَّهُ خطاب آدَمِيّ وَإِلَّا لم تبطل لِأَنَّهُ ذكر وثناء على الله تَعَالَى مَشْرُوع مثله فِيهَا وَقد ذكر طَائِفَة كَابْن الْجَوْزِيّ أَنه إِذا أَتَى بقول مَشْرُوع فِي غير مَوْضِعه عمدا هَل تبطل صلَاته على وَجْهَيْن وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا فِي الذّكر كَمَا ذكر غَيره قَالَ وَإِن ذكر الحيعلة وَعلم أَنَّهَا دُعَاء إِلَى الصَّلَاة بطلت وَإِن لم يعلم فَهُوَ ككلام الساهي فِي الصَّلَاة وَفِيه رِوَايَتَانِ ثمَّ قَالَ وَهَذَا إِذا نوى بِهِ الذّكر فَإِن نوى بِهِ الْأَذَان وَإِقَامَة الشعار والإعلام بِدُخُول الْوَقْت بطلت
وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا أَنه يجِيبه على قَضَاء الْحَاجة وَالظَّاهِر أَن هَذِه الصُّورَة تَحْتَهُ وَهَذَا أولي وَإِذا سقط رد السَّلَام فِي هَذِه الْحَال مَعَ وُجُوبه فَهَذَا أولى وَفِيه نظر لكَرَاهَة الْبدَاءَة بِالسَّلَامِ فِي هَذِه الْحَال وَقد ذكر غير وَاحِد أَنه لَو عطس وَهُوَ على قَضَاء الْحَاجة حمد الله وَذكر غير وَاحِد رِوَايَة أَنه يحمد
стр. 38
لفظا ومسألتنا تشبه هَذِه وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَصْحَاب وَكَذَلِكَ يخرج فِي إِجَابَة الْمُؤَذّن وَيتَوَجَّهُ على قَوْلنَا لَا يجِيبه فِي هَذِه الْحَال أَن يجِيبه وَحدهَا
فصل
ذكر هُوَ وَغَيره أَن ستر الْعَوْرَة شَرط وَذكروا مِقْدَار الْعَوْرَة وَالْخلاف فِيهَا وَكَلَامهم يَقْتَضِي أَنه يجب سترهَا من جَمِيع الْجِهَات وَصرح بِهِ بَعضهم لعُمُوم الْأَدِلَّة وَحَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع وَغَيره وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُجزئهُ ستر الْعَوْرَة بِمَا قابلها وَلَا اعْتِبَار بالطرفين من فَوق وأسفل فَإِن السّتْر من أَسْفَل الْإِزَار والذيل لَا يجب فَكَذَلِك من فَوق قِيَاسا لأحد الطَّرفَيْنِ على الآخر
قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي فِي شرح الْهِدَايَة بعد أَن ذكر هَذَا عَن أبي حنيفَة وَاحْتج بِحَدِيث سَلمَة فِي رده قَالَ فالمرعى فِي السّتْر من الجوانب وَمن فَوق أما من أَسْفَل فَلَا يُمكن الِاطِّلَاع عَلَيْهِ إِلَّا بمعاناة وتكلف فَإِن وقف على طرف سطح وَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى قَمِيص وَاحِد وَهُوَ معرض للرياح تعبث بذيله فَفِيهِ للفكر مجَال وَالْأَظْهَر عدم الْجَوَاز ليستتر النّظر فَأشبه فَوق لِأَنَّهُ لَا يعد ساترا فِي الْعرف أصلا إِلَّا أَن يكون الذيل ملتفا بالساق انْتهى كَلَامه
فقد ظهر من هَذَا أَنه هَل يجب ستر الْعَوْرَة من أَسْفَل أم لَا يجب أم يفرق بَين يسير النّظر وَعَدَمه فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
قَوْله وكل الْحرَّة عَورَة إِلَى آخِره أطلق وَلم يُقيد وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن المراهقة كالأمة وَاحْتج لَهُ وَقطع بِهِ أبن تَمِيم أَيْضا وَقطع بِهِ فِي المغنى فِي كتاب النِّكَاح وَاحْتج بِمَا احْتج بِهِ المُصَنّف وَنَحْوه وَقَالَ عَن الْعَوْرَة
стр. 39
فِي النّظر يحْتَمل أَن يكون حكمهَا حكم ذَوَات الْمَحَارِم كَقَوْلِنَا فِي الْغُلَام الْمُرَاهق وَكَلَام كثير من الْأَصْحَاب يقتضى أَنَّهَا كالبالغة فِي عَورَة الصَّلَاة كَمَا نقُول فِي الْمُرَاهق والمراهقة انهما كالبالغين فِي عَورَة النِّكَاح فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
قَوْله وَمن صلى فِي ثوب غصب أَو حَرِير أَو بقْعَة غصب لم يُجزئهُ وَعنهُ يحزئه مَعَ التَّحْرِيم
هَذِه الرِّوَايَة ذكر فِي الْوَسِيلَة أَنَّهَا اخْتِيَار الْخلال وَهِي مَذْهَب الثَّلَاثَة وتعليل الْمَسْأَلَة مَشْهُور وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن النَّافِلَة تخرج صِحَّتهَا على الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ أَن كَلَام صَاحب الْمُحَرر وَغَيره أَعم وَقد جعل المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الصَّلَاة فِي الستْرَة النَّجِسَة أصلا لعدم صِحَة الصَّلَاة فِي الستْرَة الْمَغْصُوبَة وَكَذَا جعل الصَّلَاة فِي الْموضع النَّجس أصلا لعدم صِحَّتهَا فِي الْموضع الْمَغْصُوب بِجَامِع التَّحْرِيم
وَقد ذكر ابْن الزَّاغُونِيّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إِعَادَة الْفَرْض وَقَالَ فَإِن قُلْنَا لَا يُعِيد صلى النَّافِلَة وَإِن قُلْنَا يُعِيد لم يصلها لِأَن الْمَقْصُود شغل الْوَقْت كَمَا نقُول فِيمَن لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا
وَذكر غَيره أَن الْفَرْض وَالنَّفْل سَوَاء وَقيل يَصح النَّفْل
стр. 40
وَذكر أَبُو الْخطاب فِي بحث الْمَسْأَلَة أَن النَّافِلَة لَا تصح بالِاتِّفَاقِ فَهَذِهِ ثَلَاث طرق فِي النَّفْل وَقد عرف من هَذَا أَنه هَل يُثَاب على الْفَرْض إِذا صححناه على قَوْلَيْنِ
وَذكر القَاضِي فِي بحث مَسْأَلَة وُصُول القربات إِلَى الْمَيِّت أَنه لَا يُثَاب على الْفَرْض إِذا صححناه على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَكَذَا عِنْد الْمُخَالف
قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ قَالَ جَمَاهِير أَصْحَابنَا إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة لَا ثَوَاب فِيهَا
وَرَأَيْت فِي فتاوي أبي نصر بن الصّباغ الَّتِي نقلهَا عَنهُ ابْن أَخِيه القَاضِي أَبُو مَنْصُور قَالَ الْمَحْفُوظ من كَلَام أَصْحَابنَا بالعراق أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة يسْقط بهَا الْفَرْض وَلَا ثَوَاب فِيهَا
قَالَ أَبُو مَنْصُور وَرَأَيْت أَصْحَابنَا بخراسان اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ لَا تصح الصَّلَاة قَالَ وَذكر شَيخنَا فِي الْكَامِل أَنه يَنْبَغِي أَن تصح وَيحصل الثَّوَاب على الْفِعْل فَيكون مثابا على فعله عَاصِيا بالْمقَام فِي الْمَغْصُوب فَإِذا لم يمْتَنع من صِحَّتهَا لم يمْتَنع من حُصُول الثَّوَاب قَالَ أَبُو مَنْصُور وَهَذَا هُوَ الْقيَاس على طَرِيق من صححهما وَالله أعلم
وَيعرف من كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه حَيْثُ أُبِيح اسْتِعْمَال ذَلِك أَن الصَّلَاة تصح وَقد صرح بِهِ غَيره وَظَاهره أَنه لَو انْتَفَى التَّحْرِيم لعَارض جهل أَو نِسْيَان أَن صلَاته تصح وَفِيه رِوَايَة أَنَّهَا لَا تصح وَظَاهره أَنه لَا فرق بَين الْعَالم بِالنَّهْي وَغَيره وَفِيه رِوَايَة بالتفرقة
وَقد ذكر ابْن تَمِيم وَجها غَرِيبا بَعيدا أَن صلَاته فِي ذَلِك تصح مَعَ الْكَرَاهَة
стр. 41
وَهُوَ ظَاهر كَلَام السامري وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه لَا فرق بَين أَن يَلِي الْمحرم عَوْرَته أَولا وَهُوَ أشهر الْوَجْهَيْنِ وتخصيصه الصَّلَاة يدل على أَن غَيرهَا لَيْسَ كَذَلِك وَهُوَ الْمَشْهُور
وَقَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ لَو عقد البيع وَالنِّكَاح فِي مَوضِع غصب فَقَالَ الْمُخَالف يَصح ملزما فَقَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ لَا نسلم هَذَا ونقول البيع وَالنِّكَاح وَسَائِر الْعُقُود الشَّرْعِيَّة بَاطِلَة لِأَنَّهُ قد نقل يَعْقُوب بن بختان عَن الإِمَام أَحْمد وَسُئِلَ إِذا اكترى دكانا غصبا وَهُوَ لَا يعلم فَمَا الَّذِي يصنع بِمَا اشْترى مِنْهُ قَالَ يردهُ فِي الْموضع الَّذِي أَخذه مِنْهُ قَالَ وَإِن سلمنَا ذَلِك فالمكان لَيْسَ بِشَرْط فِيهَا بِخِلَاف الصَّلَاة وَهَذَا معنى مَا ذكر أَبُو الْخطاب وَصرح بِالزَّكَاةِ وَالصَّوْم فِي الْمَكَان الْغَصْب وَكَذَا صرح غَيره بِالْأَذَانِ
فرع
يُؤْخَذ من كَلَام صَاحب الْمُحَرر وَغَيره أَنه لَو طُولِبَ بوديعة وَشبههَا فصلى قبل الْأَدَاء مَعَ الْقُدْرَة أَن صلَاته تصح
وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من كَلَام ابْن الزَّاغُونِيّ فِي أصُول الْفِقْه قَالَ حكى عَن الْمُخَالف أَظُنهُ شافعيا أَنه لَو طُولِبَ بالوديعة أَو الْغَصْب فصلى قبل الْأَدَاء صَحَّ فَرْضه دون نفله
قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ اتّفق أَصْحَابنَا فِي هَذِه الْحَال على التَّسْوِيَة بَين الْفَرْض وَالنَّفْل وَاخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي الحكم فَقَالَت طَائِفَة لَا يَصح مِنْهُ الْفَرْض وَلَا
стр. 42
النَّفْل وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يَصح مِنْهُ الْفَرْض وَالنَّفْل لِأَن النَّهْي لَا يتَعَلَّق بِشَرْط وَلَا ركن وعَلى هَذَا فَالصَّلَاة قربَة ويثاب عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ ذكر فِي النَّافِلَة عِنْد تضيق وَقت الْفَرْض وَجْهَيْن انْتهى كَلَامه
وَهَذِه الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَة تشبه مَا لَو اشْتغل بِالْقضَاءِ حَيْثُ قُلْنَا لَا يجوز الِاشْتِغَال بِهِ وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد أَن الصَّلَاة تصح وَقيل لَا تصح كَذَا ذكره غير وَاحِد
قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ فَإِن قُلْنَا بِوُجُوب التَّرْتِيب مَعَ ضيق الْوَقْت فَإِن اشْتغل بِالْأَدَاءِ حكمنَا بِبُطْلَانِهِ وَيخرج فِي مَسْأَلَة من طُولِبَ بوديعة قَول ثَالِث من صَلَاة الْآبِق بِصِحَّة الْفَرْض فَقَط وَقِيَاس القَوْل بِعَدَمِ صِحَة الصَّلَاة فِي هَذِه الْمسَائِل أَنه لَا تصح صَلَاة من طُولِبَ بدين يقدر على وفائه وَلَا عذر وَكَذَا صَلَاة من وَجَبت عَلَيْهِ الْهِجْرَة فَلم يُهَاجر وَكَذَا صَلَاة من صلى حَامِلا لشَيْء مَغْصُوب وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَن الصَّلَاة تصح مَعَ عِمَامَة حَرِير أَو تكة حَرِير أَو مَغْصُوبَة وَخَاتم ذهب وخف حَرِير فِي الْمَشْهُور قطع بِهِ بَعضهم وقاسه على مَا لَو صلى وَفِي جيبه دَرَاهِم مَغْصُوبَة فَدلَّ على الْمُسَاوَاة
وَاعْتذر المُصَنّف عَن صِحَة صَلَاة من وَجَبت عَلَيْهِ الْهِجْرَة فِي دَار الْحَرْب فَقَالَ إِنَّمَا صحت لِأَن الْمحرم عَلَيْهِ مَا يفوت من فروض الدّين بترك الْهِجْرَة
стр. 43
الْمَقْدُور عَلَيْهَا لَا نفس الْمقَام وَمُطلق التَّصَرُّف فِيهِ فَهُوَ كمن صلى فِي ملكه وَعَلِيهِ فروض لَا يُمكن أَدَاؤُهَا إِلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ
فصل فرع
لَو غصب مَسْجِدا فَهَل يضمنهُ بذلك الْمَشْهُور أَنه لَا يضمنهُ وَسَيَأْتِي فِي بَاب الْغَصْب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهل تصح صلَاته كَلَامه فِي الْمُحَرر يصدق على هَذِه الصُّورَة تكن هِيَ نادرة وَقَالَ ابْن عقيل وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة إِن أَزَال الْآلَة الدَّالَّة على كَونه مَسْجِدا كَانَ كَسَائِر الغصوب فِي صِحَة الصَّلَاة فِيهِ رِوَايَتَانِ وَإِن لم يُغير هيأته لَكِن منع النَّاس الصَّلَاة فِيهِ فاحتمالان
أَحدهمَا تصح قدمه الشَّيْخ وجيه الدّين وَصَاحب الرِّعَايَة لِأَن حركته فِيهِ وَصلَاته لَيْسَ بغاصب وَلَا آثم وَإِنَّمَا هُوَ آثم بِمَنْع النَّاس
وَالثَّانِي لَا تصح كَمَا لَو تغلب على أَمْلَاك النَّاس وكما لَو غصب ستارة الْكَعْبَة وَصلى فِيهَا أَو حصر الْمَسْجِد وَصلى عَلَيْهَا
قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ لَو زحم رجلا عَن مَوْضِعه فِي الْمَسْجِد فَهَل تصح صلَاته على وَجْهَيْن أشهرهما فِي الْمَذْهَب أَنَّهَا تصح لِأَن الْموضع مُشْتَرك الْحق بَينهمَا فَإِن أزاله عَمَّا اسْتَحَقَّه بسبقه إِلَيْهِ جلس فِيهِ وَصلى بِحقِّهِ الَّذِي شَاركهُ فِيهِ فَخرج بِهَذَا عَن أَن يكون غصبا
стр. 44
فرع
هَل تصح صَلَاة من غصب نَفسه وَهُوَ العَبْد الْآبِق قَالَ ابْن عقيل فِي الْفُصُول تصح صلَاته لِأَن العَبْد فِي أَوْقَات الصَّلَاة لَيْسَ لسَيِّده عَلَيْهِ حجر فَهُوَ مُسْتَثْنى فَصَارَ كَصَلَاة الْحر إِذا صلى فِي بَيت يملكهُ فِي دَار غصبهَا فَإِنَّهُ يَصح كَذَلِك صَار ظَاهره أَن النَّافِلَة لَا تصح وَذكر فِي كِتَابه الْوَاضِح هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ آخر كَلَامه وَالَّذِي يتَحَقَّق غصبه لنَفسِهِ فِيهَا من الصَّلَاة تكون عندنَا بَاطِلَة وَهِي النَّافِلَة وَكَذَا قطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة
وَقد ذكر أَصْحَابنَا أَن العَبْد لَا يجوز لَهُ التَّطَوُّع إِلَّا بِإِذن سَيّده وَأَنه إِن خَالف وَأحرم بِحَجّ صَحَّ لِأَنَّهَا عبَادَة بدنية كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم
وَقَالَ ابْن عقيل فِي الْحَج من الْفُصُول وَيتَخَرَّج بطلَان إِحْرَامه بغصبه لنَفسِهِ فَيكون قد حج فِي بدن غصب فَهُوَ أوكد من الْحَج بِمَال غصب
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد ذكره لكَلَام ابْن عقيل فِي الْوَاضِح لكنه غَاصِب للمكان الَّذِي حل فِيهِ مقَامه فِيهِ يحرم كمقام الْغَاصِب فِي ملك الْمَغْصُوب فبطلان الصَّلَاة أقوى انْتهى كَلَامه
فَظهر من ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال الثَّالِث يَصح الْفَرْض فَقَط وَنَظِير مَسْأَلَة العَبْد الْآبِق من أمره سَيّده بالذهاب إِلَى مَوضِع فخالفه وَأقَام وَهِي مَسْأَلَة من وَجَبت عَلَيْهِ الْهِجْرَة فَخَالف وَأقَام وَنَحْو ذَلِك
стр. 45
قَوْله وَلَا تصح الصَّلَاة فِي محجة الطَّرِيق تبع غَيره من الْأَصْحَاب على هَذَا الْإِطْلَاق لظَاهِر النَّهْي وَقطع فِي شرح الْهِدَايَة بِأَنَّهُ إِذا كثر الْجمع واتصلت الصُّفُوف إِلَيْهِ أَن الصَّلَاة تصح فِيهِ لحَاجَة لِأَن الْمُصَلِّين يكثرون فِي الْجمع والجنائز والأعياد وَنَحْوهَا فيضطرون إِلَى الصَّلَاة فِي الطرقات وَهَذَا يدل على أَن الْإِطْلَاق غير مُرَاد عِنْده وَكَذَا قطع غَيره وَقطع بعض الْمُتَأَخِّرين كَابْن تَمِيم بِأَنَّهُ لَا بَأْس بطرق الأبيات القليلة
стр. 46
قَالَ فِي الْمُحَرر وإصابة عين الْكَعْبَة فرض من قرب مِنْهَا وَلم يفرق بَين أَن يكون ثمَّ حَائِل أم لَا
وَالَّذِي قطع بِهِ غير وَاحِد أَنه إِن كَانَ ثمَّ حَائِل فَإِن كَانَ أَصْلِيًّا كجبل ففرضه الِاجْتِهَاد إِلَى عينهَا وَعنهُ إِلَى جِهَتهَا إِن تعذر الْيَقِين وَإِن كَانَ غير أُصَلِّي كالدور فَلَا بُد من الْيَقِين فَإِن تعذر اجْتهد
وَنقل ابْن الزَّاغُونِيّ وَجَمَاعَة فِيهِ رِوَايَة أَن فَرْضه الِاجْتِهَاد وَهَذَا معنى قَول بَعضهم إِن كَانَ غَائِبا عَن الْكَعْبَة بِحَيْثُ يقدر على رؤيتها لكنه مستتر عَنْهَا بالمنازل والجدار فَهَل فَرْضه يَقِين الْقبْلَة أَو التَّوَجُّه إِلَيْهَا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِن قُلْنَا الْيَقِين فَأَخْطَأَ أعَاد وَإِلَّا فَلَا
قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين إِذا كَانَ مَمْنُوعًا بِحَائِل من جبل أَو أكمة فَإِنَّهُ يستخبر من على ذَلِك الْحَائِل من المشاهدين هَذَا إِن كَانَ الْحَائِل من الْأَبْنِيَة المحدثة والجدران المستجدة لِأَنَّهُ لَو كلف حكم الْمُشَاهدَة لَأَدَّى إِلَى تَكْلِيفه بشئ يشق عَلَيْهِ ولأصحاب الشَّافِعِي وَجْهَان أَحدهمَا كمذهبنا فَلَا فرق بَين الْحَائِل الْمُحدث والأصلي وَهُوَ ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي وَالثَّانِي تجب عَلَيْهِ المعاينة وَذَلِكَ الْيَقِين فِي الْحَائِل الْمُحدث لِأَن ذَلِك فَرْضه قبل حُدُوث الْحَائِل وحدوث الْحَائِل لَا يُغير حكم الْموضع وَالْخَبَر يكون عَن مُشَاهدَة أَو عَن علم انْتهى كَلَامه
وَقَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع أما من فَرْضه المعاينة فَأن يكون فِي الْمَسْجِد الْحَرَام يُشَاهد الْكَعْبَة ويعاينها وَأما من فَرْضه الْإِحَاطَة وَالْيَقِين وَإِن لم يعاين فَهُوَ كمن كَانَ بِمَكَّة من أَهلهَا أَو من غَيرهَا لَكِن كثر مقَامه فِيهَا وَلكنه من دون
стр. 47
حَائِل عَن الْكَعْبَة لأمر أُصَلِّي الْخلقَة كالمنازل والتلول لِأَنَّهُ يتَمَكَّن من التَّوَجُّه إِلَى عينهَا قطعا وَإِن كَانَ من دون حَائِل وَهَكَذَا من كَانَ بِالْمَدِينَةِ ففرضه الْإِحَاطَة وَالْيَقِين لِأَنَّهُ يتَوَجَّه إِلَى محراب النَّبِي ﷺ فَيقطع على أَنه مُتَوَجّه إِلَى الْكَعْبَة
وَأما من فَرْضه الْخَبَر فَمن خفى عَلَيْهِ التَّوَجُّه وَهُنَاكَ من يخبر عَن الْكَعْبَة عَن علم ويقين
وَأما من فَرْضه التَّقْلِيد فَمن خفيت عَلَيْهِ الدَّلَائِل وَلم يتَوَصَّل إِلَى الْقبْلَة بِالدَّلِيلِ
وَأما من فَرْضه الِاجْتِهَاد فَمن كَانَ من مَكَّة على مَسَافَة لَا يتَوَصَّل إِلَى المعاينة وَلَا يتَمَكَّن من الْإِحَاطَة وَالْيَقِين وَلَا مِمَّن يُخبرهُ عَن إحاطة ويقين
فَأَما من كَانَ بِمَكَّة أَو بِالْقربِ مِنْهَا من دون حَائِل عَن الْكَعْبَة فَإِن كَانَ الْحَائِل كالجبال والتلول ففرضه الِاجْتِهَاد أَيْضا وَإِن كَانَ لَا من أصل خلقه كالمنازل ففرضه الْإِحَاطَة وَالْيَقِين
وكل من قُلْنَا فَرْضه الْإِحَاطَة أَو الْيَقِين أَو الْخَبَر عمل عَلَيْهِ
وكل من قُلْنَا فَرْضه الِاجْتِهَاد فَهَل عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي طلب الْعين أَو الْجِهَة على رِوَايَتَيْنِ
وَذكر القَاضِي أَن الْمَشْهُور وَالصَّحِيح عَن الإِمَام أَحْمد أَن عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي طلب الْجِهَة وَأَن عَليّ بن سعيد قَالَ إِنَّه مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَكَذَا عِنْد غَيره من الْأَصْحَاب
وَذكره القَاضِي وَغَيره الْفَائِدَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْمُحَرر على الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنه لَو اخْتلف اجْتِهَاد رجلَيْنِ فِي الْجِهَة الْوَاحِدَة لَكِن أَحدهمَا يمِيل يَمِينا وَالْآخر يمِيل شمالا فَهَل لأَحَدهمَا أَن يأتم بِالْآخرِ يَنْبَنِي على ذَلِك
стр. 48
قَوْله أَو من مَسْجِد الرَّسُول ﷺ
لتيقن صِحَة قبلته لعدم إِقْرَاره على الْخَطَأ
قَالَ ابْن عبد الْقوي وَفِي مَعْنَاهُ كل مَوضِع ثَبت أَنه صلى فِيهِ وَضبط جِهَته قَالَ وَكَذَلِكَ مَا اجْتمعت عَلَيْهِ الصَّحَابَة ﵃ كمحراب الْكُوفَة وَهَذَا فِيهِ نظر لأَنهم لم يجمعوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أجمع عَلَيْهِ طَائِفَة مِنْهُم وَلَا يحصل مَطْلُوبه
стр. 49
قَوْله وَيرْفَع يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِير
يسْتَحبّ وَلَا يجب وَهُوَ من تَمام الصَّلَاة نَص الإِمَام على ذَلِك وَيُقَال لمن تَركه تَارِك السّنة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهل يُقَال لتاركه مُبْتَدع قَالَ القَاضِي أطلق القَوْل بِأَن تَاركه مُبْتَدع فَقَالَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي مُوسَى وَقد سَأَلَهُ رجل خراساني إِن عندنَا قوما يأمرون بِرَفْع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة وقوما ينهون عَنهُ قَالَ لَا ينهاك إِلَّا مُبْتَدع فعل ذَلِك رَسُول الله ﷺ قَالَ القَاضِي وَالْوَجْه فِيهِ حَدِيث ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا رأى مُصَليا لَا يرفع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة حصبه
وَهَذَا مُبَالغَة وَلِأَن رفع الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام مجمع عَلَيْهِ هَكَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر قَالَ القَاضِي فَإِذا كَانَ مجمعا عَلَيْهِ فمنكره مُبْتَدع لمُخَالفَة الْإِجْمَاع
وَهل يهجر من تَركه مَعَ الْعلم رُوِيَ عَن الإِمَام أَحْمد فِيمَن تَركه يخبر بِهِ فَإِن لم ينْتَه يهجر ذكره الْخلال وَهَذَا الهجر على سَبِيل الْجَوَاز والاستحباب لعدم وجوب الْمَتْرُوك وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا النَّص بالهجر وَالنَّص بِأَنَّهُ مُبْتَدع بِنَاء على النَّص بِأَنَّهُ تَارِك للسّنة فَأَما على النَّص الآخر أَنه لَا يكون تَارِكًا للسّنة فَلَا يهجر وَلَا يبدع فعلى هَذَا يكون فِي الْمسَائِل الثَّلَاث رِوَايَتَانِ
стр. 50
قَوْله فِي الْفَاتِحَة إِنَّه يقْرؤهَا أطلق الْقِرَاءَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يجب تصوت الإِمَام وَالْمُنْفَرد وَالْمَأْمُوم بِكُل قَول وَاجِب قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْحَنَفِيَّة لِأَنَّهُ لَا يكون كَامِلا بِدُونِ الصَّوْت إِنَّمَا هُوَ مُجَرّد حَرَكَة وَنِيَّة بِلَا حُرُوف كل أحد يعلم صِحَة ذَلِك من نَفسه وَالصَّوْت مَا يَتَأَتَّى سَمَاعه وَأقرب السامعين إِلَيْهِ نَفسه حَتَّى لَو لم يسمعهُ لم يحصل علم وَلَا ظن بِحُصُول شَرط الصَّلَاة فَإِن كَانَ ثمَّ مَانع كطرش وصمم اعْتبر قدر مَا يسمع نَفسه لَو عدم ذَلِك كَمَا يحصل الإِمَام سنة الْجَهْر إِذا لم يسمع من خَلفه لمَانع بِقدر مَا يسمعونه لَوْلَا الْمَانِع
وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه يَكْفِي مُحَصل الْحُرُوف وَإِن لم يسمع نَفسه وَهُوَ قَول الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ فَإِن أسمع نَفسه فَهُوَ عِنْد الْكَرْخِي أدنى الْجَهْر
قَوْله وَجمع سور فِي الْفَرْض تبع بَعضهم على هَذَا التَّقْدِيم وَتَبعهُ أَيْضا بَعضهم وَهُوَ أَجود من تَقْدِيم غير وَاحِد الْكَرَاهَة
وَذكر القَاضِي فِي الْجَامِع الْكَبِير أَن الْجَوَاز أصح الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ نقل ذَلِك الْجَمَاعَة صرح بِأَنَّهُ لَا بَأْس فِي الْفَرِيضَة فِي رِوَايَة ابنيه وحنبل
وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب فِي الرجل يصلى بِالنَّاسِ يقْرَأ سورتين فِي رَكْعَة قَالَ نعم
قَوْله وَيكرهُ قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور فِي الَّذِي يجمع بَين السُّور فِي
стр. 51
رَكْعَة قَالَ لَا بَأْس بِهِ فِي التَّطَوُّع وَأما فِي الْفَرِيضَة فَلَا
وَعَن الإِمَام أَحْمد يكره المداومة وَلَا يكره ذَلِك فِي النَّفْل وَقيل يكره وَهُوَ غَرِيب بعيد وَدَلِيل الْمَسْأَلَة مَشْهُور
قَوْله وَلَا قِرَاءَة على الْمَأْمُوم قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي غير مَوضِع وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَاخْتَارَ الإِمَام أَحْمد الْقِرَاءَة خلف الإِمَام وَأَن لَا يتْرك الرجل فَاتِحَة الْكتاب وَإِن كَانَ خلف الإِمَام
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي تَارِيخه سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد العكبري سَمِعت ابراهيم بن أبي طَالب سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْقِرَاءَة فِيمَا يجْهر بِهِ الإِمَام فَقَالَ يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي مَنَاقِب الإِمَام أَحْمد عَن شَيْخه الْحَاكِم وَقَالَ كَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى هَذَا القَوْل كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فَقَالَ يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَإِن جهر الإِمَام وَحَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي ﷺ يدل على صِحَة مَا رجعا إِلَيْهِ هَذَا كَلَامه وَوجه هَذَا القَوْل عُمُوم الْأَدِلَّة الدَّالَّة على وجوب الْفَاتِحَة بقوله ﷺ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فَإِنَّهَا عَامَّة فِي الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد فِي خُصُوص فَاتِحَة الْكتاب فَيعْمل بعمومها فِي خُصُوص مَا وَردت فِيهِ إِلَى أَن يرد دَلِيل تَخْصِيص وَالْأَصْل عَدمه وَقد اعْتمد فِي التَّخْصِيص على قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ نقل الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الْإِجْمَاع على أَنَّهَا فِي الصَّلَاة وَقَوله ﷺ وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَصَححهُ هُوَ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَوله ﷺ من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءته لَهُ قِرَاءَة وَالصَّحِيح عِنْد الْحفاظ أَنه مُرْسل وَهَذَا الْمُعْتَمد عَلَيْهِ إِنَّمَا يدل على خُصُوص الْمَأْمُوم وَلَا دلَالَة فِيهِ على خُصُوص الْقِرَاءَة وَلَا مُعَارضَة بَينه وَبَين مَا قبله أما لَو دلّ على خُصُوص الْمَأْمُوم
стр. 52
وخصوص الْقِرَاءَة كَانَ مُعْتَمدًا صَحِيحا فِي التَّخْصِيص وَهَذَا عِنْد التَّأَمُّل على النّظر الصَّحِيح
واعتمدوا على قِيَاس وَهُوَ أَنه مَأْمُوم صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بإمامه فِي رَكْعَة فَلم تلْزمهُ قرَاءَتهَا كَمَا لَو أدْركهُ رَاكِعا وَقد ثَبت الأَصْل بِحَدِيث أبي بكرَة وأصل هَذَا الْقيَاس وَهُوَ الْمَسْبُوق الْمدْرك للرُّكُوع إِن قيل لَا تسْقط عَنهُ الْفَاتِحَة كَمَا هُوَ قَول طَائِفَة من الْعلمَاء وَاخْتَارَهُ من الشَّافِعِيَّة ابْن خُزَيْمَة وَصَاحبه أَبُو بكر الضبعِي فَهُوَ مَمْنُوع وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه لَا تدْرك الرَّكْعَة بِإِدْرَاك الرُّكُوع لَكِن ضعفه ابْن عبد الْبر وَالصَّحِيح عَنهُ كَقَوْلِه الْجَمَاعَة وَقَالَ الْحَاكِم فِي تَارِيخه أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَق بن أَيُّوب الإِمَام الْمُفْتِي الْمُتَكَلّم الْمَغَازِي الرئيس الْوَلِيّ وَأحد عصره سمعته وَقد سَأَلَهُ الرئيس أَبُو الْحُسَيْن عَن الرجل يدْرك الرُّكُوع وَلم يقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب فِي تِلْكَ الرَّكْعَة فَقَالَ يُعِيد تِلْكَ الرَّكْعَة قَالَ الْحَاكِم وَقد صنف الشَّيْخ أَبُو بكر هَذِه الْمَسْأَلَة ويروي عَن أبي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة من السَّابِقين أَنهم قَالُوا يُعِيد الرَّكْعَة وَالله أعلم
وَيُجَاب عَن حَدِيث أبي بكرَة بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه قَرَأَ الْفَاتِحَة بِسُرْعَة أَو لم يَقْرَأها وَلم يعلم النَّبِي ﷺ بِتَرْكِهِ لَهَا فَهُوَ قَضِيَّة فِي عين فَلَا حجه فِيهِ وَإِن قيل تسْقط عَنهُ كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْقَائِلين بِوُجُوب الْفَاتِحَة على الْمَأْمُوم وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه أوجبهَا على الْمَأْمُوم وَقَالَ أجمع النَّاس على أَن من أدْرك الرُّكُوع فقد أدْرك الرَّكْعَة وَكَذَا نقل غَيره الْإِجْمَاع
إِن قيل بِهَذَا قيل الدَّلِيل الشَّرْعِيّ قد دلّ على وُجُوبهَا على الْمَأْمُوم وَعدم سُقُوطهَا عَنهُ بِخِلَاف الْمَسْبُوق وَالدَّلِيل مُتبع وَكَون الشَّيْء وَاجِبا أَو ركنا وَغير ذَلِك أُمُور اصطلاحية فَجَمِيع مَا دلّ دَلِيل على وُجُوبه فَالْأَصْل عدم سُقُوطه مُطلقًا فَإِن دلّ دَلِيل على سُقُوطه فِي مَوضِع قيل بِهِ عملا بِالدَّلِيلِ
стр. 53
وَكَانَ الْبَاقِي على أصل الدَّلِيل وعَلى هَذَا لَا يتَوَجَّه النَّقْض بالأركان على من أوجبهَا أَو أسقطها عَن الْمَسْبُوق
وَلَو أدْركهُ فِي الرُّكُوع فَأتى بتكبيرة الْإِحْرَام فَقَط صحت صلَاته مَعَ تَركه تَكْبِيرَة الرُّكُوع وَهَذَا وَاجِب سقط للْعُذْر كَذَا فِي مَسْأَلَتنَا
وَلَو قَامَ الإِمَام عَن التَّشَهُّد الأول فَذكره بعد شُرُوعه فِي الْقِرَاءَة أَو قبلهَا وَقُلْنَا لَا يرجع وَالْمَأْمُوم جَالس قَامَ وَتَبعهُ وَهَذَا وَاجِب سقط للْعُذْر وَهُوَ مُتَابعَة الإِمَام
وَمن أَدِلَّة وُجُوبهَا على الْمَأْمُوم عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ الصُّبْح فَثقلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي أَرَاكُم تقرءون وَرَاء إمامكم قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله إِي وَالله قَالَ لَا تَفعلُوا إِلَّا بِأم الْقُرْآن فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
حَدثنَا عباد حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مَكْحُول عَن مَحْمُود بن الرّبيع عَن عبَادَة وَقَالَ حَدِيث حسن وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مَكْحُول وروى أَيْضا حَدثنَا أبي عَن بن إِسْحَاق حَدِيث مَكْحُول فَذكره وَلم أجد أَحْمد رَوَاهُ من غير حَدِيث أبي الْخفاف عَن مُحَمَّد بن أبي عَاصِم عَن صَحَابِيّ وَعَن أبي معَاذ كَمَا سَيَأْتِي بعد ذَلِك وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن ابْن خُزَيْمَة حَدثنَا مُؤَمل بن هِشَام الْيَشْكُرِي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن علية عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي مَكْحُول وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إِسْنَاده حسن وَفِي لفظ لَا تقرءوا بِشَيْء من الْقُرْآن إِذا جهرت بِهِ إِلَّا بِأم الْقُرْآن
رَوَاهُ النَّسَائِيّ أخبرنَا هِشَام بن عمار عَن صَدَقَة عَن زيد بن وَاقد عَن حزَام ابْن حَكِيم عَن نَافِع بن مَحْمُود بن ربيعَة عَن عبَادَة
стр. 54
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن وَاقد وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إِسْنَاد حسن وَرُوَاته ثِقَات كلهم وَعِنْده أَنه سمع عبَادَة بن الصَّامِت وَلِحَدِيث عبَادَة غير طَرِيق وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي غير الصَّحِيح وَصَححهُ وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم وَقد ضعف الإِمَام أَحْمد حَدِيث عبَادَة من قبل ابْن إِسْحَاق وَقَالَ لم يرفعهُ غير ابْن إِسْحَاق وَاعْتمد ابْن الْجَوْزِيّ على هَذَا وَابْن إِسْحَاق لم ينْفَرد بِهِ وَالظَّاهِر أَن الإِمَام أَحْمد لم يَقع لَهُ غير طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَلهَذَا قَالَ هَذَا وَابْن إِسْحَاق مُخْتَلف فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه ثِقَة إِذا صرح بِالسَّمَاعِ كَمَا هُوَ هُنَا فَالصَّوَاب حسن حَدِيثه لزوَال التَّدْلِيس الَّذِي يخْشَى مِنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وروى هَذَا الحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مَحْمُود بن الرّبيع عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب قَالَ وَهَذَا أصح
وَالظَّاهِر أَن مُرَاده أَن هَذَا أصح إِسْنَادًا من حَدِيث ابْن إِسْحَاق فَإِنَّهُ قد حسن حَدِيث ابْن اسحاق وَلَو كَانَ ضَعِيفا لم يُحسنهُ وَضعف أَيْضا من قبل زيد بن وَاقد فَإِن أَبَا زرْعَة قَالَ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْء كَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَتَبعهُ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن زيد بن وَاقد هَذَا دمشقي من أَصْحَاب مَكْحُول وَثَّقَهُ الإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَلم يقل فِيهِ أَبُو زرْعَة لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا قَالَ فِي زيد بن وَاقد الْبَصْرِيّ الَّذِي يروي عَن حميد وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي نَافِع بن مَحْمُود هُوَ مَجْهُول وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يروي عَنهُ غير وَاحِد من الثِّقَات وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالثَّانِي سديد فِي الرِّجَال وَقد أخرج لَهُ وَلم أجد فِيهِ جرحا
وَهَذِه إِشَارَة إِلَى حَدِيث عبَادَة وَمن نظر فِيهِ ظهر لَهُ حسنه وَأَنه صَالح
стр. 55
للاحتجاج بِهِ وَهُوَ فِي خُصُوص الْمَأْمُوم وخصوص الْقِرَاءَة وَقد احْتج بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ على خَصمه الْحَنَفِيّ فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة إِذا لم يجْهر
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة ثمَّ لَو صَحَّ فَحَدِيث إِذا قَرَأَ الإِمَام فأنصتوا أصح مِنْهُ إِسْنَادًا فَهُوَ مقدم عَلَيْهِ
وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ بِتَقْدِير صِحَّته يجب تَقْدِيمه على حَدِيث إِذا قَرَأَ فأنصتوا لخصوصه وَهَذَا ظَاهر
قَالَ ثمَّ يحمل قَوْله إِلَّا بِأم الْقُرْآن فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بهَا على الْفَضِيلَة والاستحباب لَا اسْتثِْنَاء من قَوْله فَلَا تَفعلُوا وَالْمرَاد بِهِ اسْتِحْبَاب التّرْك
وَهَذَا فِيهِ نظر أَيْضا لِأَن الصَّوَاب مذهبا ودليلا أَن حرف النَّفْي إِذا دخل على شَيْء دلّ حَقِيقَة على عدم صِحَّته فالتزام هَذَا الْمَحْذُور الَّذِي ذكره من غير ضَرُورَة ظَاهِرَة بعيد مَعَ أَنه مُخَالف للْمَذْهَب لَا على كَرَاهَة قرَاءَتهَا بل قد ذهب بَعضهم إِلَى الْبطلَان فَإِن كَانَ وَلَا بُد من مُخَالفَته فمخالفته بالمصير إِلَى قَول سلف وَعَلِيهِ جماعات من الْأَئِمَّة أولى لَا سِيمَا وَفِيهِمْ عمر بن الْخطاب ﵁ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام فَقَالَ اقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب قلت وَإِن كنت أَنْت قَالَ وَإِن كنت أَنا قلت وَإِن جهرت قَالَ وَإِن جهرت رَوَاهُ جمَاعَة بِمَعْنَاهُ مِنْهُم سعيد بن مَنْصُور وَالدَّارَقُطْنِيّ وَهَذَا لَفظه وَقَالَ إِسْنَاد صَحِيح
والاستحباب يرْوى عَن اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ
وَقد روى معنى حَدِيث عبَادَة عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن مُحَمَّد بن أبي عَائِشَة عَن رجل من الصَّحَابَة وَرَوَاهُ أَيْضا عبد بن حميد فِي مسنديهما من حَدِيث أبي قَتَادَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث
стр. 56
عبد الله بن عَمْرو وَغير ذَلِك من الْوُجُوه وفيهَا ضعف وَالله أعلم
وَحكى القَاضِي فِي وُجُوبهَا على الْمَأْمُوم فِي صَلَاة السِّرّ وَجْهَيْن
أَحدهمَا تجب وَلَا تجب فِي صَلَاة الْجَهْر مُطلقًا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ وَمَالك وَعَمْرو بن دِينَار وَأحمد وَإِسْحَاق بن سعيد الْمُؤَدب سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام فَقَالَ اقْرَأ إِذا لم يجْهر وَظَاهره وجوب الْقِرَاءَة فِي غير حَالَة الْجَهْر وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن مشيش وَسُئِلَ عَن الْقِرَاءَة قِرَاءَة الإِمَام لَك قِرَاءَة فَقَالَ هَذَا الآخر أقوى يَعْنِي إِذا جهر فأنصت وَإِذا خَافت فاقرأ هَكَذَا فِي مسَائِل ابْن مشيش
فَصَارَ فِي وُجُوبهَا على الْمَأْمُوم أَرْبَعَة أَقْوَال
قَوْله وَيسن لَهُ أَن يستفتح ويتعوذ وَيقْرَأ إِلَّا أَن يسمع إِمَامه فَيكْرَه
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فِي فصل سكتات الإِمَام وعَلى كل حَال فَمَتَى سكت الإِمَام السُّكُوت الْمَذْكُور أَو غَيره لغفلة أَو نوم أَو تَعب أَو اشْتِغَال أَو غير ذَلِك فاغتنام الْقِرَاءَة فِيهِ للْمَأْمُوم مُسْتَحبّ
ظاهة اسْتِحْبَاب الْقِرَاءَة إِذا لم يسمع مُطلقًا فَيدْخل فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقِرَاءَة عِنْد رُؤُوس الْآي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ زين الدّين بن المنجي لِأَنَّهُ الْآن لَا يُسمى قَارِئًا وَيُقَال هُوَ سَاكِت وَقد سكت وَالْأَمر بالإنصات إِنَّمَا هُوَ لاستماع الْقُرْآن وَلَا قِرَاءَة فِي هَذِه الْحَال وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيد إِن لم يُخَالف الْإِجْمَاع
стр. 57
وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِذا كَانَ لَهُ سكتات قَرَأَ الْحَمد وَإِذا لم تكن لَهُ سكتات قَرَأَ عِنْد انْقِطَاع نَفسه
وَاخْتَارَ ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف أَنه يقْرَأ فِي سكتات الإِمَام فَإِن بَقِي من الْفَاتِحَة شَيْء قَرَأَ عِنْد وقفات الإِمَام فَإِن بَقِي شَيْء فَإِذا ركع الإِمَام
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية هَذَا لم يقلهُ أحد من الْعلمَاء
وَقَوله فَيكْرَه هَذَا هُوَ الْمَشْهُور قَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ يقْرَأ فِيمَا لَا يجْهر فِيهِ الإِمَام وَلَا يقْرَأ فِيمَا جهر فِيهِ الإِمَام وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي الْخطاب لَا يقْرَأ فِيمَا يجْهر فِيهِ وَيقْرَأ فِيمَا يسر وَقَالَ فِي رِوَايَة عبد الله يقْرَأ فِيمَا لَا يجْهر بِهِ الإِمَام فَإِن جهر أنصت وَقَالَ فِي رِوَايَة صَالح يقْرَأ فِيمَا لَا يجْهر وَلَا تعجبني الْقِرَاءَة خلف الإِمَام يَعْنِي فِيمَا يجْهر أحب إِلَى أَن ينصت وَقَالَ فِي رِوَايَة يقْرَأ فِيمَا لَا يجْهر وَلَا يُعجبنِي أَن يقْرَأ وَالْإِمَام يجْهر ذكره جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي وَأَبُو الْخطاب وَصَاحب الْمُسْتَوْعب وَهُوَ معنى كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقدم ابْن تَمِيم التَّحْرِيم وَذكر فِي الرِّعَايَة الْكَرَاهَة ثمَّ قولا بِبُطْلَان الصَّلَاة بهَا وَمرَاده وَالله أعلم على هَذَا وَتَكون الْقِرَاءَة مُحرمَة
قَوْله وَإِن انحنى بِحَيْثُ يُمكنهُ مس رُكْبَتَيْهِ بيدَيْهِ أَجزَأَهُ
أطلق الْعبارَة وَصرح جمَاعَة من الْأَصْحَاب فِي حق متوسط النَّاس فِي الْيَدَيْنِ
стр. 58
لَو قدر ذَلِك فِي حق غَيره وَأما اشْتِرَاط مس رُكْبَتَيْهِ بكفيه وَعدم الِاكْتِفَاء بأصابعه فَلم أجد أحدا صرح بالاكتفاء لَكِن ظَاهر كَلَامه وَكَلَام جمَاعَة الِاكْتِفَاء وَقد قَالَ حَرْب قلت لِأَحْمَد مَتى يدْرك الرجل الرُّكُوع مَعَ الإِمَام قَالَ إِذا وضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ وَركع قبل أَن يرفع الإِمَام رَأسه وَقطع جمَاعَة مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْبَنَّا وَصَاحب التَّلْخِيص بِعَدَمِ الِاكْتِفَاء فَإِنَّهُ لَا بُد من مس رُكْبَتَيْهِ بكفيه
فصل
لم يذكر حكم يَدَيْهِ بعد الرّفْع من الرُّكُوع قَالَ الإِمَام أَحْمد إِن شَاءَ أرسلهما وَإِن شَاءَ وضع يَمِينه على شِمَاله وَقطع بِهِ القَاضِي فِي الْجَامِع لِأَنَّهُ حَالَة قيام فِي الصَّلَاة فَأشبه قبل الرُّكُوع لِأَنَّهُ حَالَة بعد الرُّكُوع فَأشبه حَالَة السُّجُود وَالْجُلُوس وَذكر فِي الْمَذْهَب وَالتَّلْخِيص أَنه يرسلهما بعد رَفعه وَذكر فِي الرِّعَايَة أَن الْخلاف هُنَا كحالة وضعهما بعد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام
فصل
ظَاهر كَلَامه أَنه لَا يرفع يَدَيْهِ للسُّجُود وَلَا للرفع مِنْهُ وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب وَالْمَشْهُور وَعنهُ يرفع وَنَصّ على أَنه يرفع فِي كل خفض وَرفع وَذكره القَاضِي وَغَيره
وَإِن قَرَأَ سَجْدَة فَهَل يرفع يَدَيْهِ حِين انحطاطه للسُّجُود فِيهِ رِوَايَتَانِ
стр. 59
ذكرهمَا القَاضِي وَغَيره أنصهما أَنه يرفع وَقدمه جمَاعَة وَالثَّانيَِة لَا يرفع اخْتَارَهُ القَاضِي فِي مَوضِع وَذكر غير وَاحِد أَنه قِيَاس الْمَذْهَب
وَإِذا فرغ من الْقُنُوت فَهَل يرفع يَدَيْهِ للسُّجُود فِيهِ وَجْهَان وَذكر غير وَاحِد أَن الْمَنْصُوص الرّفْع وَقطع بِهِ القَاضِي وَغَيره قَالَ أَبُو دَاوُد رَأَيْت أَحْمد إِذا فرغ من الْقُنُوت وَأَرَادَ أَن يسْجد رفع يَدَيْهِ كَمَا يرفعهما عِنْد الرُّكُوع
وَقَالَ حُبَيْش بن سندي إِن أَبَا عبد الله لما أَرَادَ أَن يسْجد فِي قنوت الْوتر رفع يَدَيْهِ قَالَ القَاضِي وَظَاهر هَذَا أَنه يرفع لِأَن الْقُنُوت ذكر طَوِيل يفصل حَال الْقيام مَقْصُود فَهُوَ كالقراءة وَقد ثَبت أَن التَّكْبِير عقيب الْقِرَاءَة يرفع لَهُ كَذَلِك هَذَا فَهَذَا هُوَ مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَإِن كَانَ عدم الرّفْع فِي هَذَا الْموضع قَوِيا أَو أقوى فِي الدَّلِيل
وَهَذِه الْمَسْأَلَة يعاني بهَا فَيُقَال أَيْن لنا مَوضِع يرفع يَدَيْهِ للسُّجُود فِيهِ
قَوْله وَيجْعَل يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه أَو أُذُنَيْهِ
وَظَاهر هَذَا أَنه يُخَيّر وَقَالَ فِي رفعهما إِذا أَرَادَ الدُّخُول فِي الصَّلَاة إِلَى مَنْكِبَيْه وَعنهُ إِلَى أُذُنَيْهِ وَعنهُ هما سَوَاء يَعْنِي فَيُخَير
стр. 60
وَظَاهر هَذَا أَنه قطع بالتخيير فِي حَالَة السُّجُود وَأَن الْمُخْتَار فِي حَالَة الدُّخُول فِي الصَّلَاة غَيره وَهَذَا فِيهِ نظر
وَقد قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة إِن قَوْلنَا إِنَّه يضع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِنَّه مبْنى على رفعهما حذوهما وَإِن قُلْنَا إِن السّنة رفعهما إِلَى الْأُذُنَيْنِ موضعهما فِي السُّجُود حيالهما قَالَ أَبُو حنيفَة وَهَذَا صَحِيح فعلى هَذَا مُرَاده وَيجْعَل يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه أَو أُذُنَيْهِ يَعْنِي على مَا تقدم من الْخلاف لَيْسَ مُرَاده التَّخْيِير وَمن قَالَ هُنَا يَجْعَل يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه وَاقْتصر على ذَلِك فرع على الْمُخْتَار فِي رفعهما فِي الدُّخُول فِي الصَّلَاة إِن كَانَ ذكر الْخلاف فِيهِ وَإِلَّا فَيكون قد قطع فِي الْمَوْضِعَيْنِ برفعهما حَذْو مَنْكِبَيْه وَهَذِه الْعبارَة أوضح وَلَا إِبْهَام فِيهَا
قَوْله وَلَا يتَعَوَّذ هَذَا أَجود من إِطْلَاق الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ هُوَ الرَّاجِح مذهبا ودليلا
قَالَ القَاضِي نقل الْجَمَاعَة بكر بن مُحَمَّد ومهنا وَأَبُو طَالب وَأحمد بن الْحسن بن حسان وَصَالح لَا يُكَرر انْتهى كَلَامه وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ فِي غير صَلَاة فَسكت بنية الْقِرَاءَة فَإِن الْقِرَاءَة لَا تحْتَاج إِلَى استعاذة اكْتِفَاء بالاستعاذة السَّابِقَة جعلا للقراءتين كالواحدة كَذَا فِي مَسْأَلَتنَا بل أولى لشدَّة ارتباط بعض الصَّلَاة بِبَعْض قَالَ القَاضِي وَلِأَن الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة مَبْنِيَّة على الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى بِدَلِيل أَنه يجمعهما فعل وَاحِد وَهِي الصَّلَاة
стр. 61
الْوَاحِدَة وَالصَّلَاة الْوَاحِدَة حكمهَا فِي حكم الْفِعْل الْوَاحِد بِدَلِيل أَنه يقْتَصر فِيهَا على تحريمة وَاحِدَة وبدليل أَنه إِذا أدْرك من الْوَقْت رَكْعَة كَانَ بِمَنْزِلَة إِدْرَاك جَمِيعهَا وبدليل أَن بِإِدْرَاك رَكْعَة تدْرك فَضِيلَة الْجَمَاعَة كَمَا لَو وَاصل قِرَاءَة السُّور وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا نَهَضَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة استفتح الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلم يسكت
وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر غير مُرَاد فَإِنَّهُ لَو ترك الإستعاذة فِي الأولى أَتَى بهَا فِي الثَّانِيَة صرح بِهِ جمَاعَة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ رِوَايَة وَاحِدَة والاستفتاح بِخِلَاف ذَلِك نَص عَلَيْهِ الإِمَام لِأَنَّهُ يُرَاد لافتتاح الصَّلَاة والاستعاذة للْقِرَاءَة وَقيل يستفتح إِن وَجب وَقيل إِن سنّ
ويعايى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فَيُقَال أَيْن لنا مَوضِع الْمَذْهَب أَنه يَأْتِي بالاستعاذة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من غير خلاف صَرِيح فِي ذَلِك
وَقَوله فِي الْمُحَرر وَعنهُ يتَعَوَّذ نقلهَا جَعْفَر بن مُحَمَّد
قَوْله ويبسط أَصَابِع يَده يَعْنِي الْيُسْرَى كَذَا ذكره أَكثر الْأَصْحَاب وَاحْتج لَهُ المُصَنّف بِأَنَّهُ أَكثر رِوَايَة عَنهُ ﵊ فَيعلم أَنه الْغَالِب
стр. 62
فَيكون أولى وَقطع فِي الْكَافِي بِأَنَّهُ يفعل ذَلِك أَو يلفها على ركبته وَهَذَا مُتَوَجّه لصِحَّة الرِّوَايَة بذلك وَدَعوى مَا ذكر من التَّرْجِيح فِيهِ نظر
قَوْله فِي الْمُحَرر وَمن نوى بسلامه على الْحفظَة وَالْإِمَام والمأمومين صحت صلَاته وَإِن لم ينْو الْخُرُوج نَص عَلَيْهِ وَقيل لَا تصح وَقيل إِن نوى الْخُرُوج صحت وَإِلَّا فَلَا تصح
يَعْنِي أَن من نوى بسلامة على الْحفظَة وَالْإِمَام وَالْمَأْمُوم صحت صلَاته سَوَاء نوى الْخُرُوج من الصَّلَاة أَو لم يُنَوّه وَدَلِيله وَاضح وَقيل لَا تصح صَلَاة من نوى بسلامه على الْحفظَة وَالْإِمَام وَالْمَأْمُوم سَوَاء نوى الْخُرُوج من الصَّلَاة أَو لم يُنَوّه لِأَنَّهُ قصد خطاب مَخْلُوق فَأشبه تشميت الْعَاطِس أَو قَول الْحَمد لله يقْصد بهَا الْقِرَاءَة وتشميت الْعَاطِس وَقيل إِن نوى مَعَ نِيَّة سَلَامه على الْحفظَة وَالْإِمَام وَالْمَأْمُوم نِيَّة الْخُرُوج صحت صلَاته لِأَنَّهُ لم يتمحض خطاب آدَمِيّ وَإِلَّا لم تصح لتمحضه خطاب آدَمِيّ وَلِهَذَا لَو قَالَ لمن
стр. 63
دق عَلَيْهِ الْبَاب ادخلوها بِسَلام آمِنين يقْصد بنيته الْقِرَاءَة لم تبطل فِي الْأَصَح وَلَو لم يقْصد بطلت كَذَا قيل وَفِيه نظر وَالسَّلَام على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد مَحل وفَاق وَهُوَ خطاب مَخْلُوق وَقد ظهر من هَذَا أَنه إِذا نوى الْخُرُوج فَقَط أَن صلَاته تصح وَقَالَ ابْن تَمِيم وَعنهُ لَا يتْرك السَّلَام على الإِمَام فِي الصَّلَاة وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل إِن ترك السَّلَام على الإِمَام بطلت صلَاته وَقد قَالَ سَمُرَة ﵁ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نسلم على أَئِمَّتنَا وَأَن يسلم بَعْضنَا على بعض وَبِتَقْدِير صِحَّته فَهُوَ من بعد حظر الْكَلَام وَقرن بِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَقد عرف مِمَّا تقدم أَنه لَا يُمكن الْخُرُوج من الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمن اعْتبر نِيَّة الْخُرُوج وَهُوَ قَول ابْن حَامِد وَصَححهُ ابْن الْجَوْزِيّ وَلم يذكر ابْن هُبَيْرَة عَن أَحْمد غَيره وَحَكَاهُ بَعضهم رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد وَظَاهر قَوْله أَن نِيَّة الْخُرُوج ركن لِأَنَّهُ قَاس التَّحْلِيل على التَّحْرِيم فِي اعْتِبَار النِّيَّة وَمرَاده نِيَّة الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر لتكبيرة الْإِحْرَام نِيَّة مُفْردَة وَقد عرف من هَذَا ضعف قِيَاسه لِأَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم سَوَاء فِي أَنه لَا يعْتَبر لكل وَاحِد مِنْهُمَا نِيَّة مُفْردَة وَنِيَّة الصَّلَاة تشملهما فهما كَسَائِر أَجْزَائِهَا وَقَالَ الْآمِدِيّ إِذا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَتَركهَا عمدا بطلت صلَاته فَإِن كَانَ سَهوا صحت وَسجد للسَّهْو
стр. 64
قَوْله وَالْفَرْض من ذَلِك الْقيام
لَو قَامَ على أحد رجلَيْهِ لم يُجزئهُ وَلَو اسْتندَ إِلَى شَيْء بِحَيْثُ لَو أزيل مَا اسْتندَ إِلَيْهِ سقط لم يُجزئهُ قطع بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره وَدَلِيله ظَاهر وَكَلَامه صَادِق عَلَيْهَا
قَوْله وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة
هَذَا الْمَذْهَب قَالَ القَاضِي نَص على هَذَا فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فعلى هَذَا إِن تَركهَا من رَكْعَة نَاسِيا بطلت الرَّكْعَة وعَلى هَذَا إِن نَسِيَهَا فِي الأولى وَالثَّانيَِة قَرَأَهَا فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة مرَّتَيْنِ وَسجد للسَّهْو صرح بِهِ بَعضهم وَلَعَلَّ مُرَاد ابْن عقيل بِإِشَارَة أَحْمد إِلَى مَا رَوَاهُ عبد الله عَن أَبِيه إِذا ترك الْقِرَاءَة فِي الْأَوليين قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَسجد للسَّهْو بعد السَّلَام وَإِن ترك الْقِرَاءَة فِي الثَّلَاث ثمَّ ذكر فِي الرَّابِعَة فَسدتْ صلَاته واستأنفها وَإِن نسي الْقِرَاءَة فِي أول رَكْعَة من الْمغرب قَرَأَ فِيمَا بَقِي وَإِن نسي فِي رَكْعَتَيْنِ من الْمغرب فَسدتْ صلَاته وَكَذَلِكَ الْفجْر إِن ترك الْقِرَاءَة فِي آخر رَكْعَة
قَالَ القَاضِي ظَاهر هَذَا أَن فرض الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتَيْنِ من الصَّلَاة وَأَنه يجب الْقِرَاءَة فِي جَمِيع صَلَاة الْفجْر وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ من الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ من الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء
قَالَ الْخلال مَا فسره عبد الله فَهُوَ على معنى فعل عمر فِي الرِّوَايَة الَّتِي لم تصح عِنْده وَقد بَينهَا وَتركهَا وَذهب إِلَى قَول من روى عَن عمر الْقِرَاءَة يَعْنِي الْخلال قَول أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح وَذكر لَهُ حَدِيث عمر أَنه لم يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى من الْمغرب فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة الْحَمد وَسورَة ثمَّ أَعَادَهَا لَا أذهب
стр. 65
إِلَيْهِ وأذهب إِلَى حَدِيث عمر صلى فَلم يقْرَأ فَأَعَادَ الصَّلَاة
قَالَ القَاضِي وَمذهب أبي حنيفَة نَحْوهَا حَكَاهُ عبد الله وَالْأول هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل فِي الْمَذْهَب نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن سعيد وَحرب وَصَالح
وَقد عرف من هَذَا أَنه لَا يَكْتَفِي بِقِرَاءَة الْمَأْمُوم مَعَ ترك الإِمَام الْقِرَاءَة وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن البهلول لَا أَقرَأ فِيمَا جهر الإِمَام لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ وَمَا خَافت قَرَأت فِيهِ لِأَنِّي لست آمن على الإِمَام النسْيَان
قَالَ القَاضِي وَظَاهر هَذَا التَّعْلِيل من أَحْمد يَقْتَضِي أَن الإِمَام إِذا سَهَا عَن الْقِرَاءَة وَوجد من الْمَأْمُوم الْقِرَاءَة أَن صَلَاة الْمَأْمُوم صَحِيحَة وَالْمَنْصُوص عَنهُ خلاف هَذَا وَأَن صَلَاة الْمَأْمُوم لَا تصح انْتهى كَلَامه
وَقَوله وَعنهُ أَيْضا سنة وَأَن الْفَرْض قِرَاءَة آيَة ذكرهَا غير وَاحِد قَالَ حَرْب قلت لأبي عبد الله رجل قَرَأَ بِآيَة من الْقُرْآن وَلم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب قَالَ الصَّلَاة جَائِزَة قلت قَالَ النَّبِي ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب قَالَ على طَرِيق الْفضل لَا على طَرِيق الْإِيجَاب
قَالَ القَاضِي وَهَذَا صَرِيح فِي أَن الصَّلَاة تصح بِغَيْر الْفَاتِحَة وَأَنَّهَا لَا تتَعَيَّن بهَا وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَاعْتبر القَاضِي الْمَسْأَلَة بِالْقِرَاءَةِ فِي الْخطْبَة وَقِرَاءَة الْجنب وفيهَا خلاف وَذكر ابْن هيبرة رِوَايَة عَن أَحْمد أَنَّهَا تصح بِغَيْر الْفَاتِحَة مِمَّا تيَسّر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَظَاهر هَذَا الِاكْتِفَاء بِبَعْض آيَة وَقَالَ غير وَاحِد
стр. 66
إِن لم نقل تتَعَيَّن الْفَاتِحَة اعْتبرنَا أَن يقْرَأ سبع آيَات وَهل يعْتَبر أَن يكون فِي عدد حروفها على وَجْهَيْن وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجب فِي رَكْعَتَيْنِ من الْأَوليين ويسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِأَن الْقِرَاءَة لَو وَجَبت فِي بَقِيَّة الرَّكْعَات لسن الْجَهْر بهَا
وَحكى ابْن هُبَيْرَة الِاتِّفَاق على أَن الْقِرَاءَة فرض فِي رَكْعَتَيْنِ من الرّبَاعِيّة والثلاثية وركعتي الْفجْر وَعند أبي حنيفَة لَا تجب الْقِرَاءَة فِي غير ذَلِك وَذكر الشريف وَأَبُو الْخطاب هَذَا رِوَايَة عَن أَحْمد وَظَاهر هَذَا أَنه لَا يعْتَبر أَن يكون الْأَوليين
فصل
يُؤْخَذ من كَلَامه وَكَلَام غَيره أَن الْإِعَادَة على الْمَأْمُوم لجهله قِرَاءَة إِمَامه وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَإِن جهل مَا قَرَأَ بِهِ إِمَامه لم يضر وَقيل تبطل صلَاته وَهُوَ بعيد وَقيل يُتمهَا وَحده انْتهى كَلَامه
وَقَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع الْكَبِير فرع فِي رِوَايَة أَحْمد بن أَصْرَم فِي رجل صلى خلف إِمَام فَقيل لَهُ مَا قَرَأَ فَقَالَ لَا أَدْرِي عَلَيْهِ إِعَادَة الصَّلَاة
قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي تَعْلِيقه بَيَانهَا عِنْدِي وَالله أعلم إِذا لم يدر هَل قَرَأَ فَاتِحَة الْكتاب أَو غَيرهَا لَا يجْهر فِيمَا يجْهر فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ يمنعهُ مَانع من السماع لِأَن قِرَاءَة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة انْتهى كَلَامه
وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن هَذَا النَّص مُعَلل بِأَن الْمَأْمُوم يجب عَلَيْهِ الْإِنْصَات لقِرَاءَة إِمَامه وَلم يفعل فقد ترك وَاجِبا وَأما علمه بِقِرَاءَة الإِمَام الْفَاتِحَة فَلَا يعْتَبر لِأَنَّهُ لَا يجب على الْمَأْمُوم تَحْصِيل الْعلم بِأَن الإِمَام قد أَتَى بِمَا يعْتَبر للصَّلَاة بل
стр. 67
يَكْفِي الظَّاهِر حملا للأمور على الصِّحَّة والسلامة إِلَى أَن يقوم دَلِيل الْفساد عملا بِحَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي شكهم فِي التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سموا الله أَنْتُم وكلوا وَلما فِي ذَلِك من الْحَرج وَالْمَشَقَّة
قَوْله فَهَذِهِ وَاجِبَات تبطل الصَّلَاة بِتَرْكِهَا عمدا
لَو أدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع فَكبر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام خَاصَّة صحت صلَاته وَلم يضر تَركه لتكبيرة الرُّكُوع قطع بِهِ فِي الْمُحَرر وَقطع بِهِ الْكَافِي وَغَيره وَقدمه غير وَاحِد قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الْمَنْصُوص عَن الإِمَام أَحْمد فِي مَوَاضِع أَنَّهَا لَا تبطل وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك الشَّافِعِي وَحكى المُصَنّف عَن بعض الْأَصْحَاب عدم الصِّحَّة إِذا تَركهَا عمدا بِنَاء على أصلنَا وَحَكَاهُ غَيره رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد وصححها ابْن عقيل وَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن حمدَان وَهُوَ ظَاهر كَلَامه فِي الْمُسْتَوْعب وَالتَّلْخِيص وَغَيرهمَا
قَالَ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر وَزيد بن ثَابت قَالَا إِذا أدْرك الرجل الْقَوْم رُكُوعًا فَإِنَّهُ تُجزئه تَكْبِيرَة وَاحِدَة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الْأَعْلَى وَقَالَ أذهب إِلَى حَدِيث ابْن عمر وَزيد بن ثَابت انْتهى كَلَامه
وَقد روى غير وَاحِد فعلهمَا وَاحْتج بِهِ الإِمَام أَحْمد فِي غير مَوضِع وَقَالَ ابْن مَنْصُور قلت للامام أَحْمد قَالَ سُفْيَان تُجزئه تَكْبِيرَة إِذا نوى بهَا افْتِتَاح الصَّلَاة قَالَ الإِمَام أَحْمد إِي وَالله إِذا نوى ابْن عمر وَزيد بن ثَابت قَالَا ذَلِك وَلِأَنَّهُ يخَاف من اشْتِغَاله بتكبيرة الرُّكُوع فِي محلهَا وَهُوَ الْخَفْض فَوَات الرَّكْعَة
стр. 68
فَكَانَ عذرا فِي سُقُوطهَا وَلِأَن التَّكْبِيرَة شرعت للفصل فِي محَال مُخْتَلفَة فَلَمَّا تعاقب هَهُنَا المحلان من غير فصل حصل الْمَقْصُود بأعلاهما كَمَا لَو طَاف للزيارة عِنْد خُرُوجه فَإِنَّهُ يُجزئهُ عَنهُ وَعَن طواف الْوَدَاع وَلَو قَامَ الإِمَام عَن التَّشَهُّد الأول فَذكر بعد شُرُوعه فِي الْقِرَاءَة أَو قبلهَا وَقُلْنَا لَا يرجع وَالْمَأْمُوم جَالس قَامَ وَتَبعهُ فِي صَحِيح الْمَذْهَب
قَوْله وَمن تكلم فِي صلَاته عمدا أَو سَهوا بطلت وَعنهُ لَا تبطل إِلَّا بالعمد
ظَاهر هَذَا أَنه إِذا تكلم جَاهِلا بطلت وَإِن قُلْنَا لَا تبطل صَلَاة الْمُتَكَلّم سَاهِيا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْجَاهِل هُنَا إِمَّا كالناسي أَو لَا تبطل صلَاته وَإِن بطلت صَلَاة الساهي كَمَا اخْتَارَهُ القَاضِي وَالشَّيْخ مجد الدّين وَكَذَا حكم كل كَلَام من تكلم بإيماء أَو غَلَبَة سعال أَو عطاس وَنَحْوه فَبَان حرفان أَو سبق على لِسَانه كلمة لَا من الْقُرْآن أَو نَحْو ذَلِك وَهَذَا بِخِلَاف كَلَام الْمُكْره على الْكَلَام فِي الصَّلَاة فَإِن الْأَصْحَاب اخْتلفُوا فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ حكمه حكم كَلَام النَّاسِي وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي التَّلْخِيص وَغَيره وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره وَقَالَ القَاضِي لَا تبطل بِخِلَاف النَّاسِي لِأَن أَقْوَاله ملغاة وَصحح الشَّيْخ موفق الدّين الْإِبْطَال بِهِ وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو عَليّ بن الشهَاب العكبري فِي عُيُون الْمسَائِل كَمَا لَو أكره على زِيَادَة فعل وَالنِّسْيَان يكثر فَهَذِهِ ثَلَاث طرق اخْتَار فِي الْمُحَرر أَحدهَا
стр. 69
قَوْله فِي الْمُحَرر واللحن لَا يبطل الصَّلَاة إِذا لم يحل الْمَعْنى فَإِن أَحَالهُ كَانَ عمده كَالْكَلَامِ وسهوه كالسهو عَن كلمة وجهله كجهلها وَالْعجز عَن إِصْلَاحه كالعجز عَنْهَا
اللّحن الَّذِي لَا يحِيل الْمَعْنى تصح مَعَه الصَّلَاة عندنَا قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِنَّه سمع أَحْمد يَقُول إِذا كَانَ الإِمَام يلحن لحنا كثيرا لَا يُعجبنِي أَن يصلى خَلفه إِلَّا أَن يكون قَلِيلا فَإِن النَّاس لَا يسلمُونَ من اللّحن يُصَلِّي خَلفه إِذا كَانَ لحنة أَو لحنتين وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ أَتَى بِأَصْل الْحَرْف على وَجه يُؤَدِّي معنى الْكَلِمَة وَقد يكون من الْإِعْرَاب بِدَلِيل سُقُوطه فِي الْوَقْت ثمَّ هَل يجوز تعمد الْإِتْيَان بِهَذَا اللّحن ظَاهر قَول أَصْحَابنَا هَذَا أَنه لَا يحرم تَعَمّده بل يكره لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يكون أَتَى بِقِرَاءَة مَأْمُور بهَا وَإِن كَانَ صحت صلَاته مَعَ نقص فِيهَا لقَوْله ﵊ من قَرَأَ الْقُرْآن فأعربه فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ عشر حَسَنَات وَمن قَرَأَهُ ولحن فِيهِ فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ حَسَنَة
وَفِي كَلَام الشَّيْخ وَغَيره من الْأَصْحَاب أَنه يلْزمه الْإِتْيَان بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة غير ملحون فِيهَا لحنا يحِيل الْمَعْنى وَظَاهر هَذَا أَنه لَا يلْزمه الْإِتْيَان بِقِرَاءَة خَالِيَة من لحن لَا يحِيل الْمَعْنى وَصرح ابْن عقيل فِي صفة الصَّلَاة من الْفُصُول على قَوْلنَا تتَعَيَّن الْفَاتِحَة أَنه إِذا لحن مَعَ الْقُدْرَة على أَن لَا يلحن إِن كَانَ لحنا يحِيل الْمَعْنى لم تُجزئه قِرَاءَته وَوَجَب إِعَادَتهَا وَإِن لم تحل الْمَعْنى لم تبطل الْقِرَاءَة وَقَالَ فِي الْفُنُون سُئِلَ حَنْبَل عَن الْقِرَاءَة بتلحين فَقَالَ مَكْرُوه إِن لم أبلغ بِهِ التَّحْرِيم وَذكر معنى مليحا فَقَالَ إِن لِلْقُرْآنِ كِتَابَة وتلاوة ثمَّ إِن هَذَا التلحين والترجيع لَو سطر كَانَ خَارِجا عَن كَون هَذَا الْمَكْتُوب مُصحفا لِأَن الترجيع يُعْطي فِي الهجاء حروفا تخرج عَن خطّ الْمَصَاحِف
стр. 70
وَمَا أفْضى إِلَى ذَلِك كَانَ أَكثر من اللّحن الْخَارِج عَن الْعَرَبيَّة انْتهى كَلَامه
وَمرَاده اللّحن الَّذِي لَا يحِيل الْمَعْنى لِأَن الْمُحِيل الْمَعْنى يحرم بِلَا خلاف فعلى هَذَا الْقِرَاءَة بتلحين لَا يحِيل الْمَعْنى مَكْرُوهَة وَأَحَدهمَا أَشد كَرَاهَة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب إِذا لحن لحنا يحِيل الْمَعْنى وَكَانَ قَادِرًا على الصَّوَاب بطلت وَظَاهر هَذَا أَنه لَو لم يحل الْمَعْنى مَعَ قدرته على الصَّوَاب لم تبطل وَاخْتَارَ الشَّيْخ زين الدّين بن منجي أَنه يحرم تعمد الْإِتْيَان بلحن لَا يحِيل الْمَعْنى فَإِن فعل لم تصح صلَاته لاستهزائه وتعديه وَهُوَ قَول حسن وَذكر إِبْنِ عقيل فِي الْإِمَامَة من الْفُصُول أَنه إِن كَانَ اللّحن فِي غير الْفَاتِحَة لم يُؤثر فِي صِحَة إِمَامَته وَإِذا كَانَ عَجزا أَو سَهوا وَتبطل إِذا كَانَ عمدا لِأَنَّهُ يكون مستهزئا بِالْقُرْآنِ وَإِن كَانَ يلحن فِي الْفَاتِحَة فَإِن كَانَ لحنا يحِيل الْمَعْنى لم تصح صَلَاة من لَا يلحن بِمن يلحن وَيصِح الائتمام بِهِ إِذا كَانَ مُسَاوِيا لَهُ وَلم يزدْ على ذَلِك وَعند الشَّافِعِيَّة يحرم فعل ذَلِك فَإِن فعل صحت صلَاته على الصَّحِيح عِنْدهم
واللحن الَّذِي يحِيل الْمَعْنى عمده كَالْكَلَامِ أَي إِن الْمُتَكَلّم بكلمته إِن كَانَ عَامِدًا بطلت صلَاته وَإِن كَانَ نَاسِيا جَاهِلا فَهُوَ على الْخلاف الْمَشْهُور فِيمَن تكلم فِي صلَاته بِكَلِمَة من غَيرهَا سَاهِيا أَو جَاهِلا لِأَنَّهُ بإحالة الْمَعْنى صَار كَغَيْرِهِ من الْكَلَام فَيكون لَهُ حِكْمَة وَالْعجز عَن إِصْلَاحه كالعجز عَن تِلْكَ الْكَلِمَة وَلم يفرق فِي الْمُحَرر بَين الْفَاتِحَة وَغَيرهَا وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب أَن لَهُ قِرَاءَة مَا عجز عَن إِصْلَاحه فِي فرض الْقِرَاءَة وَعند أبي إِسْحَاق ابْن شاقلا لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْآنًا وَإِن قدر على إِصْلَاحه وَالْوَقْت متسع لم تصح صلَاته وَأما مَا زَاد على فرض الْقِرَاءَة فَتبْطل صلَاته إِن تَعَمّده وَيكفر إِن اعْتقد إِبَاحَته وَإِن كَانَ لجهل أَو نِسْيَان أَو آفَة أَو عجمة لم
стр. 71
تبطل فِي اخْتِيَار ابْن حَامِد وَالْقَاضِي وَأبي الْخطاب وَأكْثر الْأَصْحَاب وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وللحنفية قَولَانِ وعَلى هَذَا تكون إِحَالَة الْمَعْنى فِي غير الْفَاتِحَة مَانِعا من صِحَة إِمَامَته إِذا لم يتعمده وَقطع بِهِ فِي الشَّرْح وَالْقَوْل بِالْبُطْلَانِ قَول أبي إِسْحَاق بن شاقلا ككلام النَّاس إِذا أَتَى سَهوا أَو جهلا وَاسْتدلَّ فِي شرح الْهِدَايَة على عدم الْبطلَان قَالَ لِأَن قصارى لحنه أَن يَجْعَل مَا قَرَأَهُ كَالْعدمِ وَذَلِكَ لَا يضر لِأَن مازاد على المجزئ سنة انْتهى كَلَامه وَتَقْدِير هَذَا الْمَوْجُود مَعْدُوما مَمْنُوع وَهِي دَعْوَى مُجَرّدَة
وَهَذِه الْمَسْأَلَة تشبه مَسْأَلَة مَا إِذا سبق لِسَانه بتغيير نظم الْقُرْآن بِمَا هُوَ مِنْهُ على وَجه يحِيل مَعْنَاهُ مثل أَن يقْرَأ إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ إِن الْمُتَّقِينَ فِي ضلال وسعر أَلا إِن حزب الله هم الخاسرون وَنَحْو ذَلِك وَهل تبطل فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا تبطل لِأَنَّهُ لم يبْق قُرْآنًا لتغيير نظمه وَمَعْنَاهُ وَالثَّانيَِة لَا تبطل وَلَا يسْجد لسَهْوه لِأَنَّهُ قصد الْمَشْرُوع فِي الصَّلَاة فَلم تبطل بتغيير نظمه سَهوا كالأركان وَلِأَنَّهُ قصد إتْمَام الأول بِمَا يَلِيق بِهِ وَبِنَاء الثَّانِي على مَا يَلِيق بِهِ فَقَدمهَا بترك مَا بَينهمَا فَأشبه مَا إِذا كنى فِيهَا عَن آيَة أَو عَن خبر مُبْتَدأ وَلذَلِك لم يسْجد للسَّهْو لِأَن الْبلوى بِهِ تعم لَا سِيمَا فِي التَّرَاوِيح والأوراد بِخِلَاف كَلَام الْآدَمِيّين وعَلى هَذَا لَا يبْقى قُرْآنًا فِي الاحتساب والاعتداد بِهِ لَا فِي الْإِبْطَال بِهِ وَهَذَا قَول الْحَنَفِيَّة مَعَ قَوْلهم إِن النَّاسِي تبطل صلَاته
وَقطع الشَّيْخ مجد الدّين بِأَنَّهُ لَا يسْجد للسَّهْو وَفِيه نظر لِأَن عمده مُبْطل فَوَجَبَ السُّجُود لسَهْوه كَغَيْرِهِ وَقد قَالَ بَعضهم هُوَ كالناسي وَالنَّاسِي على
стр. 72
قَوْلنَا تصح صلَاته وَيسْجد للسَّهْو
وَقَوله على الرِّوَايَة الأولى تبطل صلَاته يَنْبَغِي أَن يكون على قَوْلنَا تبطل صَلَاة كل مُتَكَلم فَأَما على قَوْلنَا إِن الْمَعْذُور لَا تبطل صلَاته فَهَذَا أَيْضا لَا تبطل صلَاته وَيسْجد للسَّهْو لِأَن غَايَة المأتي بِهِ أَن يكون كلَاما غير سَائِغ على سَبِيل الْعذر
قَوْله فِي الْكَلْب الْأسود البهيم إِنَّه يقطع صلَاته
الْأسود البهيم هُوَ الَّذِي لَا لون فِيهِ سوى السوَاد قطع بِهِ جمَاعَة وَقطع غير وَاحِد بِأَنَّهُ إِذا كَانَ بَين عَيْنَيْهِ نكتتان مخالفتان لَونه فَلَا يخرج بهما عَن كَونه بهيما وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه إِذا كَانَ بَين عَيْنَيْهِ بَيَاض أَن حكمه حكم البهيم فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح وَالثَّانيَِة لَا وَإِن كَانَ الْبيَاض مِنْهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَلَيْسَ ببهيم رِوَايَة وَاحِدَة
قَوْله وَفِي الْمَرْأَة وَالْحمار رِوَايَتَانِ
قَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل أَهلِي وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَن الصَّغِيرَة الَّتِي لَا يصدق أَنَّهَا امْرَأَة لَا تبطل الصَّلَاة بمرورها وَهُوَ ظَاهر الْأَخْبَار وعَلى هَذَا يحمل مُرُور زَيْنَب بنت أم سَلمَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ بِتَقْدِير صِحَّته وَبِتَقْدِير صغرها وَهُوَ الظَّاهِر وَإِلَّا امْتنعت من الْمُرُور لَا سِيمَا مَعَ إِشَارَته وَالْأَصْل الصغر وَلِأَن الأَصْل أَن لَا تبطل الصَّلَاة بمرور شئ خُولِفَ فِيمَا نَص الشَّارِع عَلَيْهِ يبْقى مَا عداهُ على عُمُوم الدَّلِيل واستدلال غير وَاحِد من الْأَصْحَاب بِخَبَر زَيْنَب لرِوَايَة عدم بطلَان الصَّلَاة بمرور الْمَرْأَة يدل على اشتراكهما
стр. 73
فِي هَذَا الحكم كَمَا اشْتَركَا فِي تنقيص الصَّلَاة وَلَا يجيبوا عَنهُ فَصَارَت الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن وَقد يُقَال هَذِه تشبه خلْوَة الصَّغِيرَة بِالْمَاءِ هَل تلْحق بخلوة الْمَرْأَة على وَجْهَيْن
وَاسم الْحمار إِذا أطلق إِنَّمَا ينْصَرف إِلَى الْمَعْهُود المألوف فِي الِاسْتِعْمَال وَهُوَ الأهلي هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَمن صرح بِهِ من الْأَصْحَاب فَالظَّاهِر أَنه صرح بِمُرَاد غَيره فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ كَمَا يُوهم كَلَامه فِي الرِّعَايَة
قَوْله وَيكرهُ أَن يتخصر أَو يتروح
التخصر وضع يَده على خاصرته وَمرَاده بالتروح التروح على وَجهه بشئ فَإِن كَانَ لحَاجَة كغم شَدِيد لم يكره فَأَما المراوحة بَين رجلَيْهِ فِي الْفَرْض وَالنَّفْل حَال قِيَامه فَقطع جمَاعَة بِأَنَّهُ يسْتَحبّ زَاد بَعضهم إِذا طَال قِيَامه وَلَا يسْتَحبّ الْإِكْثَار مِنْهُ فَأَما التَّطَوُّع فَإِنَّهُ يطول وَذكر فِي الْكَافِي وَغَيره أَنه يكره كَثْرَة التمايل لِأَن فِيهِ تشبها باليهود
قَوْله وَيكرهُ أَن يُصَلِّي حاقنا أَو تائقا إِلَى طَعَام بِحَضْرَتِهِ
تبع جمَاعَة على هَذِه الْعبارَة وَعبارَة جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْخطاب وَتَبعهُ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي الْخُلَاصَة وَيكرهُ أَن يدْخل فِي الصَّلَاة وَهُوَ يدافع الأخبثين أَو حِين تنازعه نَفسه إِلَى طَعَام وَقد صَحَّ عَنهُ ﵊ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَحضر الْعشَاء فابدءوا بالعشاء وَصَحَّ عَنهُ أَيْضا إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَوجد
стр. 74
أحدكُم الْخَلَاء فليبدأ بالخلاء وَهَذَا تَقْيِيد يقْضِي على إِطْلَاق قَوْله ﷺ لَا صَلَاة بِحَضْرَة طَعَام وَلَا هُوَ يدافعه الأخبثان وَلم أجد أحدا صرح بِكَرَاهَة صَلَاة من طَرَأَ لَهُ ذَلِك فِي أَثْنَائِهَا وَلَعَلَّ من أطلق الْعبارَة رأى أَن اسْتِدَامَة الصَّلَاة لَيست صَلَاة لَكِن قد احْتَجُّوا أَو بَعضهم على أَن الطَّائِف يقطع طَوَافه لإِقَامَة الصَّلَاة بقوله ﷺ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَالطّواف صَلَاة فَيدْخل فِي عُمُوم النَّهْي قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْن مشيش وَسُئِلَ عَن الرجل يتَطَوَّع فِي الْمَسْجِد فتقام الصَّلَاة هَل يدْخل مَعَ الإِمَام فَقَالَ يتم ثمَّ يدْخل مَعَ الإِمَام فَقيل لَهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِك أَن لَا يَبْتَدِئ بِصَلَاة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة انْتهى كَلَامه
فَجعلُوا اسْتِدَامَة الصَّلَاة صَلَاة وَيَنْبَنِي على هَذَا مالو حلف وَعقد الْيَمين وَهُوَ مصل أَن لَا يُصَلِّي وَنسي أَنه فِي صَلَاة وَقُلْنَا لَا تبطل صلَاته فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فاستدام أَو حلف لَا يُصَلِّي فابتدأ الصَّلَاة نَاسِيا وَقُلْنَا لَا يَحْنَث ثمَّ ذكر فِيهَا واستدام وَقد قطع ابْن عقيل بِأَنَّهُ إِذا حلف لاصلى وَلَا صَامَ فاستدام لم يَحْنَث ولأصحابنا وَجْهَان فِي مَسْأَلَة الصَّوْم وَلَعَلَّ مَا أخذهما أَن الصَّوْم هَل يَقع على الاستدامه وَلَعَلَّ مَسْأَلَة الصَّلَاة كَذَلِك لهَذَا سوى ابْن عقيل بَينهمَا
قَوْله وَله رد من مر أَمَامه يَعْنِي بَينه وَبَين سترته وبالقرب مِنْهُ إِذا لم تكن ستْرَة والقرب ثَلَاثَة أَذْرع وَمَا زَاد عَلَيْهَا بعيد نَص عَلَيْهِ
стр. 75
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي لِأَن ذَلِك مُنْتَهى الْمسنون فِي وضع الستْرَة وَعنهُ مَاله الْمَشْي إِلَيْهِ لحَاجَة كَقَتل حَيَّة أَو فتح بَاب وَحَكَاهُ بَعضهم وَجها لِأَنَّهُ صلى عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يدْفع الْمَار أَمَامه مُطلقًا فَخرج مِنْهُ بِالْإِجْمَاع من كَانَ على بعد تبطل صلَاته بمشيه إِلَيْهِ فَيبقى مَا عداهُ على الظَّاهِر وَقيل مُقَيّد بِالْعرْفِ فَإِن كَانَ الْمَكَان ضيقا أَو يتَعَيَّن طَرِيقا أَو يمشي النَّاس فِيهِ وَنَحْو ذَلِك لم يردهُ قطع بِهِ بَعضهم وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فِيمَا إِذا لم يجد الْمَار مساغا غَيره قَالَ وَيكون الْمُصَلِّي مسيئا إِن كَانَ تعمد الصَّلَاة فِي مجازات النَّاس وَجعله قِيَاسا على مَا ذكره من نَص أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب يكره أَن يُصَلِّي فِي مَوضِع يكثر الاجتياز فِيهِ فَإِن فعل لم يجز لأحد أَن يمر بَين يَدَيْهِ وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر يَقْتَضِي هَذَا وَفِيه نظر وإطلاقه أَيْضا يَقْتَضِي أَنه لَا فرق بَين الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره وَقدمه غير وَاحِد للْعُمُوم وَعنهُ لَا كَرَاهَة وَلَا منع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقطع بِهِ
следующие страницы →