Полный текст (570 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تبطل فِي اخْتِيَار ابْن حَامِد وَالْقَاضِي وَأبي الْخطاب وَأكْثر الْأَصْحَاب وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وللحنفية قَولَانِ وعَلى هَذَا تكون إِحَالَة الْمَعْنى فِي غير الْفَاتِحَة مَانِعا من صِحَة إِمَامَته إِذا لم يتعمده وَقطع بِهِ فِي الشَّرْح وَالْقَوْل بِالْبُطْلَانِ قَول أبي إِسْحَاق بن شاقلا ككلام النَّاس إِذا أَتَى سَهوا أَو جهلا وَاسْتدلَّ فِي شرح الْهِدَايَة على عدم الْبطلَان قَالَ لِأَن قصارى لحنه أَن يَجْعَل مَا قَرَأَهُ كَالْعدمِ وَذَلِكَ لَا يضر لِأَن مازاد على المجزئ سنة انْتهى كَلَامه وَتَقْدِير هَذَا الْمَوْجُود مَعْدُوما مَمْنُوع وَهِي دَعْوَى مُجَرّدَة
وَهَذِه الْمَسْأَلَة تشبه مَسْأَلَة مَا إِذا سبق لِسَانه بتغيير نظم الْقُرْآن بِمَا هُوَ مِنْهُ على وَجه يحِيل مَعْنَاهُ مثل أَن يقْرَأ إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ إِن الْمُتَّقِينَ فِي ضلال وسعر أَلا إِن حزب الله هم الخاسرون وَنَحْو ذَلِك وَهل تبطل فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا تبطل لِأَنَّهُ لم يبْق قُرْآنًا لتغيير نظمه وَمَعْنَاهُ وَالثَّانيَِة لَا تبطل وَلَا يسْجد لسَهْوه لِأَنَّهُ قصد الْمَشْرُوع فِي الصَّلَاة فَلم تبطل بتغيير نظمه سَهوا كالأركان وَلِأَنَّهُ قصد إتْمَام الأول بِمَا يَلِيق بِهِ وَبِنَاء الثَّانِي على مَا يَلِيق بِهِ فَقَدمهَا بترك مَا بَينهمَا فَأشبه مَا إِذا كنى فِيهَا عَن آيَة أَو عَن خبر مُبْتَدأ وَلذَلِك لم يسْجد للسَّهْو لِأَن الْبلوى بِهِ تعم لَا سِيمَا فِي التَّرَاوِيح والأوراد بِخِلَاف كَلَام الْآدَمِيّين وعَلى هَذَا لَا يبْقى قُرْآنًا فِي الاحتساب والاعتداد بِهِ لَا فِي الْإِبْطَال بِهِ وَهَذَا قَول الْحَنَفِيَّة مَعَ قَوْلهم إِن النَّاسِي تبطل صلَاته
وَقطع الشَّيْخ مجد الدّين بِأَنَّهُ لَا يسْجد للسَّهْو وَفِيه نظر لِأَن عمده مُبْطل فَوَجَبَ السُّجُود لسَهْوه كَغَيْرِهِ وَقد قَالَ بَعضهم هُوَ كالناسي وَالنَّاسِي على
стр. 72
قَوْلنَا تصح صلَاته وَيسْجد للسَّهْو
وَقَوله على الرِّوَايَة الأولى تبطل صلَاته يَنْبَغِي أَن يكون على قَوْلنَا تبطل صَلَاة كل مُتَكَلم فَأَما على قَوْلنَا إِن الْمَعْذُور لَا تبطل صلَاته فَهَذَا أَيْضا لَا تبطل صلَاته وَيسْجد للسَّهْو لِأَن غَايَة المأتي بِهِ أَن يكون كلَاما غير سَائِغ على سَبِيل الْعذر
قَوْله فِي الْكَلْب الْأسود البهيم إِنَّه يقطع صلَاته
الْأسود البهيم هُوَ الَّذِي لَا لون فِيهِ سوى السوَاد قطع بِهِ جمَاعَة وَقطع غير وَاحِد بِأَنَّهُ إِذا كَانَ بَين عَيْنَيْهِ نكتتان مخالفتان لَونه فَلَا يخرج بهما عَن كَونه بهيما وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه إِذا كَانَ بَين عَيْنَيْهِ بَيَاض أَن حكمه حكم البهيم فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح وَالثَّانيَِة لَا وَإِن كَانَ الْبيَاض مِنْهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَلَيْسَ ببهيم رِوَايَة وَاحِدَة
قَوْله وَفِي الْمَرْأَة وَالْحمار رِوَايَتَانِ
قَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل أَهلِي وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَن الصَّغِيرَة الَّتِي لَا يصدق أَنَّهَا امْرَأَة لَا تبطل الصَّلَاة بمرورها وَهُوَ ظَاهر الْأَخْبَار وعَلى هَذَا يحمل مُرُور زَيْنَب بنت أم سَلمَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ بِتَقْدِير صِحَّته وَبِتَقْدِير صغرها وَهُوَ الظَّاهِر وَإِلَّا امْتنعت من الْمُرُور لَا سِيمَا مَعَ إِشَارَته وَالْأَصْل الصغر وَلِأَن الأَصْل أَن لَا تبطل الصَّلَاة بمرور شئ خُولِفَ فِيمَا نَص الشَّارِع عَلَيْهِ يبْقى مَا عداهُ على عُمُوم الدَّلِيل واستدلال غير وَاحِد من الْأَصْحَاب بِخَبَر زَيْنَب لرِوَايَة عدم بطلَان الصَّلَاة بمرور الْمَرْأَة يدل على اشتراكهما
стр. 73
فِي هَذَا الحكم كَمَا اشْتَركَا فِي تنقيص الصَّلَاة وَلَا يجيبوا عَنهُ فَصَارَت الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن وَقد يُقَال هَذِه تشبه خلْوَة الصَّغِيرَة بِالْمَاءِ هَل تلْحق بخلوة الْمَرْأَة على وَجْهَيْن
وَاسم الْحمار إِذا أطلق إِنَّمَا ينْصَرف إِلَى الْمَعْهُود المألوف فِي الِاسْتِعْمَال وَهُوَ الأهلي هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَمن صرح بِهِ من الْأَصْحَاب فَالظَّاهِر أَنه صرح بِمُرَاد غَيره فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ كَمَا يُوهم كَلَامه فِي الرِّعَايَة
قَوْله وَيكرهُ أَن يتخصر أَو يتروح
التخصر وضع يَده على خاصرته وَمرَاده بالتروح التروح على وَجهه بشئ فَإِن كَانَ لحَاجَة كغم شَدِيد لم يكره فَأَما المراوحة بَين رجلَيْهِ فِي الْفَرْض وَالنَّفْل حَال قِيَامه فَقطع جمَاعَة بِأَنَّهُ يسْتَحبّ زَاد بَعضهم إِذا طَال قِيَامه وَلَا يسْتَحبّ الْإِكْثَار مِنْهُ فَأَما التَّطَوُّع فَإِنَّهُ يطول وَذكر فِي الْكَافِي وَغَيره أَنه يكره كَثْرَة التمايل لِأَن فِيهِ تشبها باليهود
قَوْله وَيكرهُ أَن يُصَلِّي حاقنا أَو تائقا إِلَى طَعَام بِحَضْرَتِهِ
تبع جمَاعَة على هَذِه الْعبارَة وَعبارَة جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْخطاب وَتَبعهُ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي الْخُلَاصَة وَيكرهُ أَن يدْخل فِي الصَّلَاة وَهُوَ يدافع الأخبثين أَو حِين تنازعه نَفسه إِلَى طَعَام وَقد صَحَّ عَنهُ ﵊ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَحضر الْعشَاء فابدءوا بالعشاء وَصَحَّ عَنهُ أَيْضا إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَوجد
стр. 74
أحدكُم الْخَلَاء فليبدأ بالخلاء وَهَذَا تَقْيِيد يقْضِي على إِطْلَاق قَوْله ﷺ لَا صَلَاة بِحَضْرَة طَعَام وَلَا هُوَ يدافعه الأخبثان وَلم أجد أحدا صرح بِكَرَاهَة صَلَاة من طَرَأَ لَهُ ذَلِك فِي أَثْنَائِهَا وَلَعَلَّ من أطلق الْعبارَة رأى أَن اسْتِدَامَة الصَّلَاة لَيست صَلَاة لَكِن قد احْتَجُّوا أَو بَعضهم على أَن الطَّائِف يقطع طَوَافه لإِقَامَة الصَّلَاة بقوله ﷺ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَالطّواف صَلَاة فَيدْخل فِي عُمُوم النَّهْي قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْن مشيش وَسُئِلَ عَن الرجل يتَطَوَّع فِي الْمَسْجِد فتقام الصَّلَاة هَل يدْخل مَعَ الإِمَام فَقَالَ يتم ثمَّ يدْخل مَعَ الإِمَام فَقيل لَهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِك أَن لَا يَبْتَدِئ بِصَلَاة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة انْتهى كَلَامه
فَجعلُوا اسْتِدَامَة الصَّلَاة صَلَاة وَيَنْبَنِي على هَذَا مالو حلف وَعقد الْيَمين وَهُوَ مصل أَن لَا يُصَلِّي وَنسي أَنه فِي صَلَاة وَقُلْنَا لَا تبطل صلَاته فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فاستدام أَو حلف لَا يُصَلِّي فابتدأ الصَّلَاة نَاسِيا وَقُلْنَا لَا يَحْنَث ثمَّ ذكر فِيهَا واستدام وَقد قطع ابْن عقيل بِأَنَّهُ إِذا حلف لاصلى وَلَا صَامَ فاستدام لم يَحْنَث ولأصحابنا وَجْهَان فِي مَسْأَلَة الصَّوْم وَلَعَلَّ مَا أخذهما أَن الصَّوْم هَل يَقع على الاستدامه وَلَعَلَّ مَسْأَلَة الصَّلَاة كَذَلِك لهَذَا سوى ابْن عقيل بَينهمَا
قَوْله وَله رد من مر أَمَامه يَعْنِي بَينه وَبَين سترته وبالقرب مِنْهُ إِذا لم تكن ستْرَة والقرب ثَلَاثَة أَذْرع وَمَا زَاد عَلَيْهَا بعيد نَص عَلَيْهِ
стр. 75
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي لِأَن ذَلِك مُنْتَهى الْمسنون فِي وضع الستْرَة وَعنهُ مَاله الْمَشْي إِلَيْهِ لحَاجَة كَقَتل حَيَّة أَو فتح بَاب وَحَكَاهُ بَعضهم وَجها لِأَنَّهُ صلى عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يدْفع الْمَار أَمَامه مُطلقًا فَخرج مِنْهُ بِالْإِجْمَاع من كَانَ على بعد تبطل صلَاته بمشيه إِلَيْهِ فَيبقى مَا عداهُ على الظَّاهِر وَقيل مُقَيّد بِالْعرْفِ فَإِن كَانَ الْمَكَان ضيقا أَو يتَعَيَّن طَرِيقا أَو يمشي النَّاس فِيهِ وَنَحْو ذَلِك لم يردهُ قطع بِهِ بَعضهم وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فِيمَا إِذا لم يجد الْمَار مساغا غَيره قَالَ وَيكون الْمُصَلِّي مسيئا إِن كَانَ تعمد الصَّلَاة فِي مجازات النَّاس وَجعله قِيَاسا على مَا ذكره من نَص أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب يكره أَن يُصَلِّي فِي مَوضِع يكثر الاجتياز فِيهِ فَإِن فعل لم يجز لأحد أَن يمر بَين يَدَيْهِ وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر يَقْتَضِي هَذَا وَفِيه نظر وإطلاقه أَيْضا يَقْتَضِي أَنه لَا فرق بَين الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره وَقدمه غير وَاحِد للْعُمُوم وَعنهُ لَا كَرَاهَة وَلَا منع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقطع بِهِ
стр. 76
المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقَالَ نَص عَلَيْهِ لفعله ﵊ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ الْمطلب بن أبي ودَاعَة وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم وَلِأَن الطّواف صَلَاة فَصَارَ هَذَا الْمُصَلِّي كمصل بَين يَدَيْهِ صف يصلونَ وَلِأَن النَّاس يكثرون هُنَاكَ ويضيق الاجتياز فِي جِهَة بِعَينهَا وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين أَن حكم الْحرم حكم الْمَسْجِد الْحَرَام وَلم أجد أحدا من الْأَصْحَاب قَالَ بِهِ
وَقد احْتج على أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه بمرور ابْن عَبَّاس رَاكِبًا على حمَار بَين يَدي بعض الصَّفّ وَالنَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنى وَهَذَا الِاحْتِجَاج مِنْهُ على اخْتِيَار الْأَصْحَاب لَا على اخْتِيَاره وَظَاهر كَلَامه فِي جَوَاز رد الْمَار فَقَط لقَوْله وَله رد الْمَار وَكَذَا عبارَة جمَاعَة وَصرح الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره باستحباب الرَّد وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رسَالَته فِي الصَّلَاة رِوَايَة مهنا وَمَا يتهاون النَّاس بِهِ فِي صلَاتهم بتركهم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي وَقد جَاءَ الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للْمُصَلِّي أدأره فَإِن أَبى فَلَطَمَهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان فَلَو كَانَ للمار بَين يَدي الصَّلَاة رخصَة مَا أَمر النَّبِي ﷺ بلطمه وَإِنَّمَا ذَلِك لعظم الْمعْصِيَة من الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي وَالْمَعْصِيَة من الْمُصَلِّي إِذا لم يدرأه وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سَأَلت أَبَا عبد الله
стр. 77
قلت أيدفع الرجل من يمر بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة قَالَ شَدِيدا ورأيته دفع غير وَاحِد مروا بَين يَدَيْهِ فَلم يدعهم
وَهَذَا معنى كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لِأَنَّهُ قَالَ وَلَا يَنْبَغِي للمصلى ترك الرَّد إِن أمكنه لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ وَهُوَ يُنْهِي عَن مُنكر وَقد جَاءَ أَن الْمُرُور ينقص الصَّلَاة فروى البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ ممر الرجل يضع نصف الصَّلَاة
قَالَ الإِمَام أَحْمد هُوَ يضع من صلَاته وَلَا يقطعهَا وَقَالَ القَاضِي هَذَا مَحْمُول على من أمكنه الرَّد فَلم يرد فَأَما من غلب عَلَيْهِ فَأَجره تَامّ لَا ينقص أجره بذنب غَيره انْتهى كَلَامه
وَظَاهر مَا قدم فِي الرِّعَايَة أَن الْمُرُور إِذا لم تكن ستْرَة محرم كَمَا سبق قطع بِهِ جمَاعَة وَقَالَ القَاضِي يكره وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَقيل النَّهْي عَن ذَلِك مُخْتَصّ بِمَا بَينه وَبَين سترته وَحكى ابْن حزم الِاتِّفَاق على إثمه فِي هَذِه الصُّورَة
وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر رد الْمَار فِي الْفَرْض وَالنَّفْل آدَمِيًّا كَانَ أَو غَيره وَصرح بِهِ جمَاعَة وَعَن الإِمَام أَحْمد يردهُ فِي الْفَرْض فَقَط
قَوْله وَيجب سُجُود السَّهْو لكل مَا تصح بِهِ الصَّلَاة مَعَ سَهْوه دون عمده
سُجُود السَّهْو نَفسه تصح الصَّلَاة مَعَ سَهْوه على الْمَذْهَب دون عمده
стр. 78
الَّذِي قبله بِالسَّلَامِ على الْمَذْهَب وَالَّذِي بعده أَيْضا على قَول وَلَا يجب لسَهْوه سجودا آخر وَكَذَا أَيْضا لَا يسْجد لسَهْوه فِي سُجُود السَّهْو نَص عَلَيْهِ الامام أَحْمد وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَلم أجد فِيهِ خلافًا فِي الْمَذْهَب لِأَنَّهُ مَظَنَّة التسلسل وَلِأَنَّهُ جَابر غَيره وَنَفسه كَمَا تجزي الشَّاة عَن أَرْبَعِينَ هِيَ أَحدهَا وَكَذَا الحكم إِذا سَهَا بعد سَجْدَتي السَّهْو قبل سلامهما فِي السُّجُود بعد السَّلَام لِأَنَّهُ فِي الْجَائِز فَأَما السُّجُود قبل السَّلَام فَلَا يسْجد لَهُ أَيْضا فِي أقوى الْوَجْهَيْنِ لِأَن سُجُود السَّهْو لَو لم يجْبر كل نقص قبل السَّلَام لأجزأ عَنهُ كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَلِأَن السَّهْو بذلك فِي غَايَة الندرة فَلم يفرد بِحكم وَلِأَنَّهُ لَو سجد لَهُ لسجد للسَّهْو بعد الجابر وتسلسل
وَوجه الْوَجْه الثَّانِي أَنه نقص لم يقارنه وَلم يسْبقهُ جَابر فَأشبه الْمَسْبُوق إِذا سجد مَعَ إِمَامه ثمَّ سجد فِيمَا يقْضِي وَذكر فِي الرِّعَايَة أَنه إِذا سَهَا بعْدهَا قبل السَّلَام هَل يسْجد لَهُ على وَجْهَيْن وَلم يفرق وَكَذَا الْوَجْهَيْنِ فِيمَن سجد لسَهْوه ثمَّ ذكر أَنه لم يسه وَذكر غير وَاحِد أَن الْكسَائي كَانَ يتقوى بِالْعَرَبِيَّةِ على كل علم فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُف عِنْد ذَلِك بِحَضْرَة الرشيد عَن هَذِه الْمَسْأَلَة هَل يسْجد للسَّهْو فِي سُجُود السَّهْو فَقَالَ لَا يسْجد لِأَن المصغر لَا يصغر
стр. 79
قَوْله فِيمَن نسي ركنا من رَكْعَة فَإِن لم يعلم حَتَّى سلم فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَة فيبني مالم يطلّ الْفَصْل إِلَّا أَنه يسْجد قبل السَّلَام نَقله عَنهُ حَرْب
كَذَا قطع بِهِ هُنَا وَفِي شرح الْهِدَايَة وَلم يحْتَج لَهُ بِشَيْء
وَلَفظ الإِمَام أَحْمد قَالَ حَرْب سمعته يَقُول السَّهْو على خَمْسَة أوجه السَّهْو فِي التَّحَرِّي على حَدِيث ابْن مَسْعُود وَيسْجد بعد السَّلَام وَالتَّشَهُّد وَفِي حَدِيث زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد سجدهما قبل السَّلَام وَلَا يتَشَهَّد
وَفِي حَدِيث ابْن بُحَيْنَة سجدها قبل السَّلَام وَلَا يتَشَهَّد وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن فِي التَّسْلِيم من ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاث سجد بعد التَّسْلِيم ويتشهد فيهمَا وَقَالَ كل سَهْو يدْخل عَلَيْهِ سوى هَذَا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ قبل السَّلَام لِأَنَّهُ أصح فِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ ترك سَجْدَة أَو فَاتِحَة الْكتاب انْتهى كَلَامه
وَقد ثَبت أَن سُجُود السَّهْو قبل السَّلَام عُمُوما واقتصرنا على مورد النَّص فِيمَن سلم من ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاث وَظَاهر كَلَام أَكثر الْأَصْحَاب أَنه يسْجد فِي كل نقص قبل السَّلَام وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَة قولا إِلْحَاقًا لمحل النزاع بِمحل الْوِفَاق كالعلة الجامعة وَهِي النَّقْض فسوينا بَينهمَا فِي عدم الْبطلَان فِي الْمَنْصُوص من الرِّوَايَتَيْنِ لعِلَّة النَّقْض فَإِن اقْتصر على مورد النَّص هُنَا فليقتصر عَلَيْهِ فِي عدم الْبطلَان وَيُقَال فيبطلان صَلَاة من سلم عَن ترك ركن وَقَالَ الإِمَام أَحْمد
стр. 80
فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ خمس رَكْعَات فَسجدَ بعد التَّسْلِيم قَالَ إِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا سجدها بعد التَّسْلِيم قَالَ حَرْب فَذهب أَبُو عبد الله إِلَى أَن النَّبِي ﷺ لم يذكرهما إِلَّا بعد مَا تكلم انْتهى كَلَامه
وَظَاهر هَذَا أَنه اعْترض على حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه ﵊ إِنَّمَا سجد بعد التَّسْلِيم لِأَنَّهُ لم يذكرهُ وَإِلَّا لسجد قبل السَّلَام فعلى هَذَا كل سُجُود السَّهْو قبل السَّلَام إِلَّا إِذا سلم عَن نقص وَهَكَذَا قَالَ القَاضِي فِي مَوضِع قَالَ وَظَاهر كَلَامه أَن مَا عدا السَّلَام عَن نقص يسْجد لَهُ قبل السَّلَام وَفِي الْمَسْأَلَة رِوَايَات مَشْهُورَة
قَوْله وَلَا يسْجد الْمُؤْتَم لسَهْوه كَذَا ذكر الْأَصْحَاب وَظَاهره مُطلقًا وَزَاد فِي الرِّعَايَة وَلَو أَتَى بِمَا تَركه بعد سَلام إِمَامه وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة فَإِن كَانَ الإِمَام يُصَلِّي بمأموم وَاحِد لَا غير فَشك الْمَأْمُوم فَلم أجد فِيهَا نصا عَن أَصْحَابنَا وَقِيَاس الْمَذْهَب لَا يُقَلّد إِمَامه لِأَن قَول الْوَاحِد لَا يَكْفِي فِي مثل ذَلِك بِدَلِيل مَا لَو كَانَ الإِمَام هُوَ الشاك فسبح بِهِ الْمَأْمُوم الْوَاحِد فَإِذا ثَبت أَنه لَا يُقَلّد إِمَامه فَإِنَّهُ يَبْنِي على الْيَقِين كالمنفرد لَكِن لَا يُفَارِقهُ قبل سَلَامه
стр. 81
لِأَنَّهُ لم يتقين خطأه فَلَا يتْرك مُتَابَعَته بِالشَّكِّ فَإِذا سلم أَتَى بالركعة الْمَشْكُوك فِيهَا وَسجد للسَّهْو لِأَنَّهُ أدّى آخر رَكْعَة من صلَاته على الشَّك مُنْفَردا وَسجد لسهو إِمَامه إِن سجد فَإِن نسي إِمَامه أَن يسْجد لم يسْجد وَعنهُ يسْجد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا إِذا لم يسه الْمَأْمُوم فَإِن سَهوا مَعًا وَلم يسْجد الإِمَام سجد الْمَأْمُوم رِوَايَة وَاحِدَة لِئَلَّا تَخْلُو الصَّلَاة عَن جَابر فِي حَقه مَعَ نَقصهَا مِنْهُ حسيا وَأطلق صَاحب الْمُحَرر الْعبارَة وَمرَاده غير الْمَسْبُوق فَأَما الْمَسْبُوق إِذا سَهَا إِمَامه فِيمَا أدْركهُ الْمَسْبُوق مَعَه كَذَا قَيده ابْن عقيل وَلَا عمل عَلَيْهِ فَيلْزمهُ السُّجُود بعد فعل مَا فَاتَهُ رِوَايَة وَاحِدَة وَذكره غير وَاحِد إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ لم يُوجد جَابر من إِمَامه وَسُجُوده لَا يخل بمتابعة إِمَامه وَفِي مَعْنَاهُ إِذا انْفَرد لعذر فَإِنَّهُ يسْجد وَإِن لم يسْجد إِمَامه مَعَه قطع بِهِ غير وَاحِد مِنْهُم صَاحب الرِّعَايَة وَإِن سجد إِمَام الْمَسْبُوق فَهَل يلْحقهُ حكم سَهْو إِمَامه فَيسْجد مَعَه كَمَا هُوَ الْمَذْهَب أَو لَا يلْحقهُ فَيسْجد إِذا قضى فِيهِ رِوَايَتَانِ فعلى الْمَذْهَب هَل يُعِيد السُّجُود إِذا قضى فِيهِ رِوَايَتَانِ أصَحهمَا لَا يُعِيد وَإِن أدْرك الْمَأْمُوم الإِمَام بعد سُجُود السَّهْو وَقبل
стр. 82
السَّلَام لم يسْجد قطع ابْن الْجَوْزِيّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَقَالَ فِي التَّلْخِيص إِذا تمت صَلَاة الْمَأْمُوم قبل الإِمَام وَكَانَ الإِمَام سَهَا فَهَل يسْجد الْمَأْمُوم يتَخَرَّج على رِوَايَتَيْنِ قَالَ وأصلهما هَل سُجُود الْمَأْمُوم تبعا أَو لسهو الإِمَام فِيهِ رِوَايَتَانِ
قَوْله وَيجوز التَّطَوُّع جَالِسا
وَظَاهره أَنه لَا يجوز مُضْطَجعا قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهُوَ ظَاهر قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة لعُمُوم الْأَدِلَّة على افتراض الرُّكُوع وَالسُّجُود والاعتدال عَنْهُمَا وَالثَّانِي الْجَوَاز وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَهُوَ مَذْهَب حسن لقَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَمن صلى نَائِما فَلهُ مثل نصف أجر الْقَاعِد وَلَا يَصح حمله على الْمَرِيض وَغَيره مِمَّن لَهُ عذر لِأَن أجره مثل أجر الصَّحِيح الْمُصَلِّي قَائِما انْتهى كَلَامه
وَالْخَبَر الْمَذْكُور رَوَاهُ البُخَارِيّ والخمسة وَقَالَ غير وَاحِد فِي صِحَة التَّطَوُّع
стр. 83
مُضْطَجعا وَجْهَان فَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَل لَهُ الْإِيمَاء فِيهِ وَجْهَان وَقَالَ إِسْحَق ابْن إِبْرَاهِيم فِي مسَائِله وَسُئِلَ يَعْنِي الإِمَام أَحْمد عَن رجل يُصَلِّي مُحْتَبِيًا أَو مُتكئا تَطَوّعا قَالَ لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَمعنى هَذَا الحَدِيث يَعْنِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ حَدِيث عمرَان عِنْد بعض أهل الْعلم فِي صَلَاة التَّطَوُّع حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن قَالَ إِن شَاءَ الرجل صلى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِما وجالسا ومضطجعا
وَقَالَ الْخطابِيّ لَا أحفظ عَن أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة فَإِن التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود جَائِز كَمَا يجوز للْمُسَافِر أَن يتَطَوَّع على رَاحِلَته
وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وَالأَصَح عندنَا جَوَاز النَّفْل مُضْطَجعا للقادر على الْقيام وَالْقعُود للْحَدِيث الصَّحِيح وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية التَّطَوُّع مُضْطَجعا لغير عذر لم يجوزه إِلَّا طَائِفَة قَليلَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد وَهُوَ قَول شَاذ لَا أعرف لَهُ أصلا فِي السّلف وَلم يبلغنَا عَن أحد مِنْهُم أَنه صلى مُضْطَجعا بِلَا عذر وَلَو كَانَ هَذَا مَشْرُوعا لفعلوه كَمَا كَانُوا يتطوعون قعُودا والْحَدِيث الَّذِي ذَكرُوهُ بَين فِيهِ أَن المضطجع لَهُ نصف أجر الْقَاعِد وَهَذَا حق وَذَلِكَ لَا يمْنَع أَن يكون مَعْذُورًا فَإِن الْمَعْذُور لَيْسَ لَهُ بِالْعَمَلِ إِلَّا على مَا عمله فَلهُ بِهِ نصف الْأجر وَأما مَا يَكْتُبهُ الله تَعَالَى لَهُ من غير عمل ليثيبه إِيَّاه فَذَلِك شَيْء آخر كَمَا قَالَ ﷺ كتب لَهُ من الْعَمَل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم فَلَو لم يصل النَّافِلَة الَّتِي كَانَ يُصليهَا لكتبت لَهُ وَلَا يُقَال إِنَّه صلى
قَوْله وَالسّنة أَن يتربع نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَقطع بِهِ جماعات
стр. 84
وَقَالَ فِي رِوَايَة إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة جَالِسا قَالَ متربعا أحب إِلَيّ وَمَا خف عَلَيْهِ فعله قَالَ وَرَأَيْت أَيْضا إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي قَاعِدا يجلس ينصب الْيُمْنَى ويفترش الْيُسْرَى وَيكبر كَمَا هُوَ قَاعد أَو يسْجد كَمَا هُوَ وَذكر فِي الْوَسِيلَة رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يتربع إِلَّا أَن يكثر رُكُوعه وَسُجُوده فَلَا يتربع فَهَذِهِ أَربع رِوَايَات
قَوْله وَيرْفَع يَدَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَقَالَ ابْن عقيل وَقَالَ شَيخنَا نَخْتَار رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الانحطاط عَن هَذَا الدُّعَاء وَعلل بِأَنَّهُ حكم يطول فَهُوَ كالقراءة انْتهى كَلَامه
فعلى الأولى يرفعهما إِلَى صَدره لِأَن ابْن مَسْعُود فعله ذكره فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَة وَقَالَ فِي التَّلْخِيص فِي بَاب صفة الصَّلَاة هَل يرفعهما كرفع الرُّكُوع أَو ليمسح بهما وَجهه على رِوَايَتَيْنِ
стр. 85
قَوْله اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت الخ
ظَاهره أَن كل مصل يَقُول هَكَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الإِمَام إِذا قنت أَتَى بنُون الْجمع فَيَقُول اللَّهُمَّ اهدنا الخ لِئَلَّا يخص نَفسه دونهم ومجموع هَذَا الدُّعَاء ذكر الْأَصْحَاب أَنه يَقُوله كَمَا ذكر المُصَنّف وَقَالَ ابْن عقيل فِي الْفُصُول وَالْمُسْتَحب عندنَا مَا رَوَاهُ الْحسن بن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اهدني الحَدِيث مَشْهُور قَالَ فَإِن ضم إِلَيْهِ مَا روى عَن عمر ﵁ اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك الخ فَلَا بَأْس
قَوْله وَالْمَأْمُوم يُؤمن وَعنهُ يَدْعُو زَاد بَعضهم فِي حِكَايَة هَذِه الرِّوَايَة يجْهر بِهِ وَعنهُ يُتَابِعه فِي الثَّنَاء ويؤمن على الدُّعَاء وَعنهُ يُخَيّر فِي الدُّعَاء بَين الْمُوَافقَة والتأمين وَمن الْأَصْحَاب من حكى رِوَايَة التَّخْيِير مُطلقًا
وَظَاهر كَلَام صَاحب الْمُحَرر أَن الْخلاف سَوَاء جهر الإِمَام أم لَا وَكَذَا ظَاهر كَلَام غَيره وَقطع بعض الْأَصْحَاب أَن الْخلاف إِن كَانَ يسمع دُعَاء الإِمَام وَأَنه إِن لم يسمع دُعَاء نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد
стр. 86
ثمَّ الْخلاف قيل هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّة وَقيل بل فِي الْكَرَاهَة
قَوْله وَمن ائتم بِمن يقنت فِي الْفجْر تَابعه فأمن أَو دَعَا
مُرَاده أَن حكمه حكم الْمَأْمُوم فِي الْوتر على الْخلاف السَّابِق وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يُتَابِعه وَهُوَ قَول أبي حنيفَة قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَهِي الصَّحِيحَة عِنْدِي لقَوْل ابْن عمر أَرَأَيْتكُم قيامكم بعد فرَاغ الإِمَام من الْقِرَاءَة هَذَا الْقُنُوت إِنَّه وَالله لبدعة مَا فعله رَسُول الله ﷺ إِلَّا شهرا ثمَّ تَركه رَوَاهُ أَبُو حَفْص العكبري بِإِسْنَادِهِ
قَوْله وَسنة التَّرَاوِيح عشرُون رَكْعَة
مُرَاده وَالله أعلم أَن هَذَا هُوَ الْأَفْضَل لَا أَن غَيره من الْأَعْدَاد مَكْرُوه وعَلى هَذَا كَلَام الإِمَام أَحْمد فانه قَالَ لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ على عشْرين رَكْعَة
وَكَذَا ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه لَا يكره شَيْء من ذَلِك وَأَنه قد نَص على ذَلِك غير وَاحِد من الْأَئِمَّة كأحمد وَغَيره قَالَ وَالْأَفْضَل يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال الْمُصَلِّين فَإِن كَانَ فيهم احْتِمَال لطول الْقيام وَالْقِيَام بِعشر رَكْعَات وَثَلَاث بعْدهَا هُوَ الْأَفْضَل وَإِن كَانُوا لَا يحْتَملُونَ فالقيام بِعشْرين هُوَ الْأَفْضَل وَقد روى الإِمَام أَحْمد مَا يدل على التَّخْيِير فِي الْأَعْدَاد المروية وَقد يدل لما اخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَإِنَّهُ قَالَ روى فِي هَذَا ألوان وَلم يقْض فِيهِ بِشَيْء وَقَالَ عبد الله رَأَيْت أبي يُصَلِّي فِي رَمَضَان مَالا أحصي
стр. 87
قَوْله وَيسن لَهَا وللوتر بعْدهَا الْجَمَاعَة
وَظَاهره اسْتِحْبَاب الْجَمَاعَة خَاصَّة وَكَذَا كَلَام أَكثر الْأَصْحَاب إِلَّا أَن كَلَام جمَاعَة مِنْهُم فِي أَدِلَّة الْمَسْأَلَة يدل على اسْتِحْبَاب الْمَسْجِد أَيْضا وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب فَقَالَ وَمن السّنة المأثورة فعلهَا جمَاعَة فِي الْمَسَاجِد وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين تنَازع الْعلمَاء فِي قيام رَمَضَان هَل فعله فِي الْمَسْجِد جمَاعَة أفضل أم فعله فِي الْبَيْت أفضل على قَوْلَيْنِ مشهورين هما قَولَانِ للشَّافِعِيّ وَأحمد ثمَّ بحث الْمَسْأَلَة
قَوْله وَتجب الْجَمَاعَة على الرِّجَال للمكتوبة
ظَاهره الْقطع بِوُجُوبِهَا على العَبْد وَفِيه نظر بل يُقَال لَا تجب عَلَيْهِ وَإِن وَجَبت عَلَيْهِ الْجُمُعَة لتكررها بِخِلَافِهَا أَو يكون فِيهَا رِوَايَتَانِ كَالْجُمُعَةِ كَمَا حكاهطائفة كَابْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَلَا على العَبْد إِذا لم نوجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة وَأولى من قبل أَنَّهَا تَتَكَرَّر فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة
وَظَاهر قَوْله للمكتوبة وُجُوبهَا للفائتة وَإِن لم تجب للمنظورة وَهُوَ أَيْضا ظَاهر كَلَام جمَاعَة وَلَيْسَ بِبَعِيد وَلم أَجِدهُ صَرِيحًا فِي كَلَام الْأَصْحَاب بل ذكر غير وَاحِد فِي وُجُوبهَا لَهما وَجْهَيْن وَلَعَلَّ هَذَا أوجه على الْمَذْهَب كَمَا سوينا بَينهمَا فِي فعلهَا وَقت نهي فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَقد قطع بِهِ فِي الْمُحَرر لوجوبهما جَمِيعًا وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى الْفرق وَهِي مَذْهَب أبي حنيفَة لتأكد الْوَاجِب بِأَصْل الشَّرْع وَقطع غير وَاحِد مِنْهُم الشَّيْخ مجد الدّين بِعَدَمِ وُجُوبهَا لَهما
стр. 88
فعلى هَذَا ظَاهر كَلَامه وُجُوبهَا حضرا وسفرا وَقد صرح بِهِ غَيره وَظَاهر كَلَامه وُجُوبهَا فِي حَالَة شدَّة الْخَوْف وَيُؤَيِّدهُ أَن المُصَنّف احْتج فِي هَذِه الصُّورَة بعمومات النُّصُوص فِي صَلَاة الْجَمَاعَة
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب فِي بَاب جمل من الْفَرَائِض وَصَلَاة الْخَوْف وَاجِبَة أَمر الله بهَا وَهُوَ فعل يستدركون بِهِ فضل الْجَمَاعَة
قَوْله وفعلها فِي الْمَسْجِد فرض كِفَايَة وَعنهُ فرض عين
لم أجد أحدا من الْأَصْحَاب قَالَ بِفَرْض الْكِفَايَة قبل الشَّيْخ مجد الدّين وَكَلَامه فِي شرح الْهِدَايَة يدل على أَنه هُوَ لم يجد احدا مِنْهُم قَالَ بِهِ وَزَاد غير وَاحِد على أَنَّهَا فرض عين على الْقَرِيب مِنْهُ وَقطع بِهِ فِي الرِّعَايَة وَدَلِيل هَذَا وَاضح وَذكر الشَّيْخ مجد الدّين أَنه إِذا صلى فِي بَيته صحت فِي ظَاهر الْمَذْهَب قَالَ وَيتَخَرَّج أَن لَا تصح بِنَاء على أَن الْجَمَاعَة شَرط لِأَنَّهُ ارْتكب النَّهْي قَالَ وَالْأولَى اخْتِيَار الْأَصْحَاب يَعْنِي أَن لَهُ فعلهَا فِي بَيته فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَهِي عِنْدِي بعيدَة جدا إِن حملت على ظَاهرهَا
ثمَّ شرع يسْتَدلّ لاختياره أَنَّهَا فرض كِفَايَة بِأَنَّهَا من أكبر شَعَائِر الدّين وَقَول ابْن مَسْعُود لَو صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ
وَيَنْبَغِي أَن يعرف أَن اشْتِرَاط الْجَمَاعَة رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد حَكَاهُ ابْن الزَّاغُونِيّ قَالَ بِنَاء على أَن الْوَاجِب هُوَ الْفَرْض وتغليبها على الْجُمُعَة
وَحَاصِل هَذَا أَن ابْن الزَّاغُونِيّ خرج رِوَايَة بالاشتراط من مَسْأَلَة الْفَرْض وَالْوَاجِب وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ كَيفَ يخرج من قَاعِدَة عَامَّة شَيْء بِخِلَاف نَص
стр. 89
الإِمَام وَلِهَذَا لم أجد أحدا ساعد على هَذَا التَّخْرِيج وَوَافَقَ عَلَيْهِ وَقد قَالَ الشريف أَبُو جَعْفَر وَغَيره من الْأَصْحَاب لَا نَص عَن صاحبنا فِي كَونهَا شرطا
وَقَالَ ابْن عقيل وَعِنْدِي أَنه إِذا تعمد تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة لم تصح بِنَاء على أصلنَا الْمَعْمُول عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْغَصْب وَهُوَ نهي لَا يخْتَص الصَّلَاة فَكيف هَهُنَا وَهُوَ نهي يخْتَص الصَّلَاة وَترك مَأْمُور يخْتَص الصَّلَاة
وَقَالَ أَيْضا فِي الْفُصُول وَهل تبطل الصَّلَاة بِتَرْكِهَا اخْتلف أَصْحَابنَا على وَجْهَيْن أصَحهمَا عِنْدِي تبطل لِأَنَّهُ وَاجِب فبطلت الصَّلَاة بِتَرْكِهِ عمدا كَسَائِر وَاجِبَات الصَّلَاة ثمَّ ذكر معنى كَلَامه الْمُتَقَدّم وَقد قَالَ صَالح فِي مسَائِله قَالَ أبي الصَّلَاة جمَاعَة أخْشَى أَن تكون فَرِيضَة وَلَو ذهب النَّاس يَجْلِسُونَ عَنْهَا لتعطلت الْمَسَاجِد رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس من سمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ
وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الِاشْتِرَاط وَاحْتج الْأَصْحَاب بتفضيل الشَّارِع عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْمُنْفَرد وَلَا يَصح حمل ذَلِك على الْمَعْذُور لِأَنَّهُ يكْتب لَهُ أجر مَا كَانَ يَفْعَله لَوْلَا الْعذر كَمَا دلّت عَلَيْهِ نُصُوص صَحِيحَة وَلِأَنَّهَا لَا يشْتَرط لَهَا بَقَاء الْوَقْت فَكَذَا الْجَمَاعَة كالفائتة بعكس الْجُمُعَة وَوُجُوب الْجَمَاعَة لَهَا لَا يُوجب أَن لَا تصح عِنْد عدمهَا كواجبات الْحَج وكترك وَقتهَا عمدا فَإِنَّهَا تصح بعده وَإِن كَانَت قَضَاء
وَأجَاب الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن قَوْلهم لَا يَصح حمله على الْمَعْذُور بِأَن الْمَعْذُور يَنْقَسِم على قسمَيْنِ مَعْذُور من عَادَته فِي حَال صِحَّته الصَّلَاة جمَاعَة ومعذور عَكسه فَالْأول هُوَ الَّذِي لَا ينقص أجره عَن حَال صِحَّته وَهُوَ مُرَاد الشَّارِع
стр. 90
وَلِهَذَا قَالَ إِلَّا كتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل مُقيما صَحِيحا وَهَذَا من التَّفْضِيل وَالْخَيْر لِأَنَّهُ لما كمل الْخدمَة فِي حَال الصِّحَّة ناسب أَن يكمل لَهُ الْأجر فِي حَال الْعَجز
وَهَذَا بِخِلَاف الْقسم الثَّانِي من الْمَعْذُور وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّارِع بالتفضيل
وَأما قياسها على الْفَائِتَة فَإِن لم نقل بِوُجُوب الْجَمَاعَة لَهَا فَلَا إِشْكَال كالنافلة وَإِن قُلْنَا بِهِ فَلَا أَظن الْمُخَالف يُسَلِّمهَا وَلِهَذَا لم أجد أحدا قَاس عَلَيْهَا إِلَّا من قطع بِعَدَمِ وجوب الْجَمَاعَة لَهَا أَو رَجحه وَهَذَا القائس أوهم بالفائتة وَإِلَّا لَو قَاس على النَّافِلَة كَانَ أوضح للحق وَلِهَذَا لما احْتج ابْن عقيل على عدم الِاشْتِرَاط قَالَ لِأَنَّهَا صَلَاة لم يشْتَرط لَهَا الْوَقْت فَلم يشْتَرط لَهَا الْعدَد كالنوافل وَعَكسه الْجُمُعَة وَلما كَانَ دَلِيل الِاشْتِرَاط عِنْد ابْن عقيل قَائِما وَفَسَاد هَذَا الْقيَاس وَاضحا اسْتغنى عَن إفساده وَأما اعْتِبَار وَاجِبَات الصَّلَاة فِيهَا بواجبات الْحَج ففساده أوضح لِأَنَّهُ لَا صِحَة للصَّلَاة مَعَ ترك الْوَاجِب فِيهَا عمدا من غير نزاع لنا غير مَحل النزاع وَعَكسه وَاجِبَات الْحَج لقِيَام الدَّلِيل على جبرانها وَأما إيقاعها بعد وَقتهَا عمدا فَلم يخل بترك وَاجِب فِيهَا إِنَّمَا أوقع الْعِبَادَة بعد فعل محرم خَارج عَنْهَا فَهُوَ كَغَيْرِهِ من الْمُحرمَات بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا على أَنه لَو ترك الْجَمَاعَة مَعَ الْقُدْرَة ثمَّ عجز عَن إيقاعها جمَاعَة صحت مِنْهُ مُنْفَردا وَإِن كَانَ قد فعل محرما
وَقد اعْترف الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن هَذِه الأقيسة لِلْقَوْلِ بِعَدَمِهِ لَيست مَانِعَة من عمل الدَّلِيل الْمُقْتَضِي للقائل بِهِ أَن يعْمل عمله لِضعْفِهَا قَالَ وَكَونهَا شرطا أَقيس وَعَدَمه أشبه بِدلَالَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَقد تقدم ذَلِك قَالَ وَهُوَ مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد وَهَذَا صَحِيح وَالله أعلم
وَقد يُجَاب عَمَّا تقدم من جَوَاب الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِأَن فِيمَا ذكره قصر اللَّفْظ الْعَام على صُورَة قَليلَة نادرة فِي حَال زمن الْمُتَكَلّم لِأَن الْمَعْذُور الْمُنْفَرد الَّذِي
стр. 91
لَيْسَ من عَادَته فِي حَال صِحَّته إِيقَاع الصَّلَاة جمَاعَة قَلِيل ونادر فِي ذَلِك الزَّمَان بِلَا إِشْكَال وَلِهَذَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ لقد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق قد علم نفَاقه أَو مَرِيض وَإِن كَانَ الْمَرِيض ليهادى بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ فَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود الْمَعْرُوف بَينهم فِي ذَلِك الزَّمَان بل كَلَام ابْن مَسْعُود يدل على أَنه لم يكن يتَخَلَّف عَنْهَا صَحِيح لَكِن مَعْذُور أَو مُنَافِق وَهَذَا إِن كَانَ وَاقعا فِي ذَلِك الزَّمَان فَلَا ريب فِي قلته وندرته وَلَا يخفى بعد قصر الْعَام على الْأُمُور النادرة والوقائع الْبَعِيدَة وَقد صرح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره بِعَدَمِ جَوَازه وَقد كتبت كَلَامه فِي شَهَادَة الشُّرُوطِي وَغَيره وَلَا يمْتَنع مُسَاوَاة هَذَا الْمَعْذُور بعادم الْعذر فِي أَن صلاتهما مفضولة للصَّلَاة جمَاعَة بِقدر معِين وَاخْتلف فِي سُقُوط الْإِثْم بالعذر
قَوْله وَمن أم فِي مَسْجِد قبل إِمَامه لم يجز
كَذَا عبر جمَاعَة وَبَعْضهمْ أطلق النَّهْي فعلى الأولى لَو صلى يَنْبَغِي أَن لَا تصح وَقَالَ فِي الرِّعَايَة فَإِن اتَّسع الْوَقْت وَصلى بِلَا إِذْنه وَلَا عذر لَهُ فِي تَأْخِيره صحت مَعَ الْكَرَاهَة وَيحْتَمل الْبطلَان بِالنَّهْي وَعبارَته كعبارة من أطلق النَّهْي فَقَالَ وَلَا يؤم فَإِن كَانَ أَرَادَ بِالنَّهْي الْكَرَاهَة أَو التَّحْرِيم فَيَنْبَغِي أَن يفرع عَلَيْهِ وَأما هَذِه الْعبارَة فَفِيهَا نظر على كل حَال فَلَا بطلَان مَعَ الْكَرَاهَة وَكَانَ فِي الْمَسْأَلَة وَجْهَان حرج عَلَيْهِمَا الصِّحَّة وَعدمهَا
وَقَوله أَو يخْشَى فَوَات الْوَقْت
يَعْنِي الْوَقْت الشَّرْعِيّ الَّذِي يحرم التَّأْخِير عَنهُ
стр. 92
قَوْله وَمن أدْرك الإِمَام رَاكِعا كبر للْإِحْرَام وَسَقَطت تَكْبِيرَة الرُّكُوع نَص عَلَيْهِ
قَالَ القَاضِي نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة لِأَن حَال الرُّكُوع يضيق عَن الْجمع بَين تكبيرتين فِي الْغَالِب فَإِن وجد أماما يُطِيل الرُّكُوع لم يجب اعْتِبَاره وَحمل الْأَمر على الْغَالِب وَأَنه مَتى تشاغل بتكبيرتين رفع الإِمَام فَسَقَطت الثَّانِيَة كَمَا قَالَ من أوجب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام فِي الْجَهْر والإخفات أَنَّهَا تسْقط إِذا أدْركهُ رَاكِعا لِأَن تِلْكَ حَالَة تضيق عَن الْقِرَاءَة فَلَو وجد إِمَامًا يُطِيل الرُّكُوع حَتَّى تمكنه الْقِرَاءَة لم يجب اعْتِبَاره وَسَقَطت وَكَذَلِكَ من قَالَ يقْرَأ فِي سكتاته قَالَ لما كَانَت السكتات لَا تتسع للْقِرَاءَة لم يُوجِبهَا فِيهَا كَذَلِك هُنَا انْتهى كَلَامه
стр. 93
وَظَاهر كَلَام من أوجب الْقِرَاءَة أَنه يقْرَأ مالم يخْش رفع الإِمَام وَقد تقدم فِي قَوْله فَهَذِهِ وَاجِبَات أَنه إِذا ترك تَكْبِيرَة الرُّكُوع عمدا وَجها وَبَعْضهمْ حَكَاهُ رِوَايَة أَن صلَاته لَا تصح وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو خَافَ إِن تشاغل بهَا فَاتَهُ الرُّكُوع فَإِنَّهَا تسْقط للْعُذْر وَقد تقدم هَذَا فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة
قَوْله وَإِذا بطلت صَلَاة الْمَأْمُومين جَمِيعًا أتمهَا الإِمَام مُنْفَردا
وَكَذَا قطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَجعله أصلا لِلْقَوْلِ بِأَن من نوى الْإِمَامَة فَلم يَأْته مَأْمُوم أَو انْصَرف عَنهُ الْمَأْمُوم الْحَاضِر من غير إِحْرَام فَإِنَّهُ يُتمهَا مُنْفَردا وَسَيَأْتِي فِي تَوْجِيه رِوَايَة الْبطلَان فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا إِشَارَة إِلَى وَجه التَّفْرِقَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ
قَالَ أَبُو الْخطاب قد بَينا أَن صَلَاة الإِمَام غير مُتَعَلقَة بِصَلَاة الْمَأْمُوم وَلَا تَابِعَة لَهَا وَصَلَاة الْمَأْمُوم تَابِعَة لَهَا صِحَة وَفَسَادًا وَاسْتدلَّ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَأَن صلَاته لَا تبطل خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك كقولهما فِي الْمَأْمُوم بِأَنَّهُ صَار مُنْفَردا لعذر فَأشبه الْمَسْبُوق المتخلف إِذا أكمل من خَلفه صلَاتهم يَعْنِي فَإِنَّهُم يفارقونه ويسلمون منفردين لم يزدْ على ذَلِك
وَهَذَا فِيهِ نظر وَدَعوى أَنه صَار مُنْفَردا مَمْنُوعَة بل بطلت صلَاته بِبُطْلَان صَلَاة مأمومه وصيرورته مُنْفَردا
فرع
بَقَاء صِحَة صلَاته وَهِي مَحل النزاع واستخلاف الْمَسْبُوق فِيهِ منع وَإِن
стр. 94
سلم فسلامهم منفردين إِذا أَتموا صلَاتهم مَمْنُوع وَإِن سلم فَهِيَ مُفَارقَة الْمَأْمُوم إِمَامه لعذر فنظيره أَن يَنْوِي الإِمَام مُفَارقَة مأمومه لعذر كَمَا لَو حدث خوف فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَنحن نقُول بِهِ وَكَذَا لَو انْفَرد الْمَأْمُوم لعذر فَإِن الإِمَام يُتمهَا مُنْفَردا وَذكر بَعضهم تخريجا بِبُطْلَان صَلَاة الإِمَام بِبُطْلَان صَلَاة الْمَأْمُوم لِأَن كِلَاهُمَا شَرط فِي انْعِقَاد الْجَمَاعَة فَإِذا بطلت صَلَاة أَحدهمَا بطلت صَلَاة الآخر أَو أتمهَا مُنْفَردا تَسْوِيَة بَينهمَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي قطع بِهِ فِي الْمُغنِي قَالَ قِيَاس الْمَذْهَب أَن حكمه حكم الإِمَام مَعَه على مَا فصلناه لِأَن ارتباط صَلَاة الإِمَام بالمأموم كارتباط صَلَاة الْمَأْمُوم بِالْإِمَامِ فَمَا فسد ثمَّ فسد هَهُنَا وَمَا صَحَّ ثمَّ صَحَّ هَهُنَا
وَقَالَ المُصَنّف فِي تَوْجِيه رِوَايَة عدم بطلَان صَلَاة الْمَأْمُوم بِبُطْلَان صَلَاة الإِمَام وَلِأَن الْجَمَاعَة تفْتَقر إِلَى إِمَام ومأموم ثمَّ لَو بطلت صَلَاة كل الْمَأْمُومين لم تبطل صَلَاة الإِمَام كَذَلِك بِالْعَكْسِ
وَهَذَا اعْتِرَاف بالمساواة وَهِي مَانِعَة من التَّفْرِقَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الحكم وَقد جعل ابْن عبد الْقوي بطلَان صَلَاة الْمَأْمُوم بِبُطْلَان صَلَاة الإِمَام وَهَذَا الْجعل وَالِاعْتِرَاف الَّذِي قبله غير خَافَ حكمه
قَوْله وَإِن بطلت صَلَاة الإِمَام لعذر أَو غَيره بطلت صلَاتهم
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة حَكَاهُمَا جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَوجه الْبطلَان وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة مَا يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِذا فَسدتْ صَلَاة الإِمَام فَسدتْ صَلَاة من خَلفه قَالَ المُصَنّف إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لم أَقف عَلَيْهِ رَوَاهُ القَاضِي أَبُو يعلى وَلِأَن حدث الإِمَام معنى يمْنَع انْعِقَاد صَلَاة الْمَأْمُوم إِذا تقدمها فأبطلها إِذا طَرَأَ عَلَيْهَا كحدث الْمَأْمُوم وَهَذَا لِأَن صَلَاة الْمَأْمُوم مندرجة فِي ضمن صَلَاة الإِمَام وتابعة لَهَا حَتَّى نقصت بنقصانها بِدَلِيل حَالَة السَّهْو
стр. 95
فَكَذَلِك تبطل ببطلانها تركنَا هَذَا الْقيَاس إِذا كَانَ الإِمَام مُحدثا فَلم يعلمَانِهِ حَتَّى فرغا للأثر على أَن فِيهِ رِوَايَة بِالْبُطْلَانِ أَيْضا اخْتَارَهَا أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار وَهَكَذَا نقُول على الْمَذْهَب فِيمَن سبقه الْحَدث فَلم يعلم بِهِ وَلَا الْمَأْمُوم حَتَّى فرغا لَا يُعِيد الْمَأْمُوم وَأولى لِأَن الطارىء لم يمْنَع الِانْعِقَاد بِخِلَاف الْمُقَارن
وَوجه عدم الْبطلَان وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي عدم اسْتِخْلَاف مُعَاوِيَة لما طعن وَصلى كل إِنْسَان لنَفسِهِ رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مسَائِل صَالح عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ واستخلاف عمر لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف لما طعن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ القَاضِي إِن بطلت صلَاته بترك فرض كالقراءة بطلت صلَاتهم رِوَايَة وَاحِدَة وَإِن كَانَ بِفعل مَنْهِيّ عَنهُ كَالْكَلَامِ وَالْحَدَث وَالْعَمَل الْكثير فعلى رِوَايَتَيْنِ وَهَكَذَا ذكر الشَّيْخ فَخر الدّين فِي التَّلْخِيص وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين أَنه إِذا اخْتَلَّ من الإِمَام غير الْحَدث من الشُّرُوط كستر الْعَوْرَة واستقبال الْقبْلَة لم يعف عَنهُ فِي حق الْمَأْمُوم لِأَن ذَلِك لَا يخفى غَالِبا بِخِلَاف الْحَدث والنجاسة وَكَذَا إِن فَسدتْ صلَاته بترك ركن فَسدتْ صلَاتهم وَإِن فَسدتْ لفعل يبطل فَإِن كَانَ عمدا فَسدتْ صَلَاة الْجَمِيع وَإِن كَانَ عَن غير عمد لم تفْسد صَلَاة الْمَأْمُوم نَص عَلَيْهِ فِي الضحك من الإِمَام
وَعَن الإِمَام أَحْمد فِيمَن سبقه الْحَدث رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن صَلَاة الْمَأْمُومين تفْسد لترك الشَّرْط فِيهِ وَقد ثَبت الحكم فِي الشَّرْط بِأَن عمر ترك الْقِرَاءَة فِي الْمغرب ثمَّ قَالَ لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة ثمَّ أعَاد وَأعَاد النَّاس قَالَ وَالصَّحِيح الأولى وَاحْتج باستخلاف عمر لعبد الرَّحْمَن وَالشّرط آكِد لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنهُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَاف الْمُبْطل انْتهى كَلَامه
وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين بعد حِكَايَة كَلَام القَاضِي السَّابِق الأول أصح لِأَنَّهُمَا سَوَاء فِي حق الإِمَام فَكَذَلِك فِي حق الْمَأْمُوم وَعند مَالك إِن تعمد
стр. 96
الْمُفْسد فَسدتْ صلَاتهم وَإِن كَانَ لعذر لم تفْسد صلَاتهم كَمَا قُلْنَا فِيمَا إِذا صلى بهم مُحدثا
وَذكر أَبُو بكر عبد الْعَزِيز فِي مَسْأَلَة سبق الْحَدث للْإِمَام أَن صَلَاة الْمَأْمُوم تبطل رِوَايَة وَاحِدَة
وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن هَذَا اخْتِيَارا أَكثر الْأَصْحَاب
قَوْله وَعنهُ لَا تبطل ويتمونها جمَاعَة
وَإِن اسْتخْلف كل طَائِفَة رجلا وأوقعوها جماعات جَازَ
وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي غير الْجُمُعَة وَأما فِي الْجُمُعَة فَلَا يجوز
قَوْله أَو فُرَادَى هَذَا فِي غير الْجُمُعَة أما فِي الْجُمُعَة فَإِن قُلْنَا بِجَوَاز الِاسْتِخْلَاف فَلم يفعل وَأَتمُّوا فُرَادَى لم تجزئهم جمعتهم
قَالَ فِي شرح الْهِدَايَة قولا وَاحِدًا لِأَن مَا اشْترط لأوّل رَكْعَة من صَلَاة الْجُمُعَة وَاعْتبر للثَّانِيَة كَسَائِر الشُّرُوط وَإِن قُلْنَا بِمَنْع الِاسْتِخْلَاف فَأتمُّوا فُرَادَى فَقيل لَا تجزئهم جُمُعَة لِأَن الْجَمَاعَة شَرط وَلم يُوجد فِي جَمِيعهَا فَأشبه اختلال الْعدَد وعَلى هَذَا هَل يتمونها ظهرا أَو يستأنفونها يَنْبَغِي أَن تكون كَمَسْأَلَة اختلال الْعدَد لِأَن الْمَسْأَلَة مُعْتَبرَة وَقد صرح بعض الْأَصْحَاب بِأَنَّهُم يتمونها ظهرا
وَقيل تجزئهم جُمُعَة إِذا كَانُوا قد صلوا مَعَه رَكْعَة كالمسبوق
وَقيل تجزئهم جُمُعَة بِكُل حَال لأَنهم لما منعُوا الِاسْتِخْلَاف دلّ على بَقَاء حكم الْجَمَاعَة
قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين وَالْأول أشبه بمذهبنا والمسبوق أدْرك رَكْعَة من جُمُعَة تمت شرائطها وَصحت فَجَاز الْبناء عَلَيْهَا ومسألتنا بِخِلَافِهِ
стр. 97
قَوْله وَفِي قَضَاء المسبوقين مَا فاتهم جمَاعَة وَجْهَان
حكى بَعضهم رِوَايَتَيْنِ وَصرح فِي الْمُغنِي بِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة تخرج على مَسْأَلَة الِاسْتِخْلَاف وعَلى هَذَا يكون كَلَامه فِي الْمقنع عقيب هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَ لغير عذر لم يَصح أَي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة الِاسْتِخْلَاف لِأَن الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنى وَاحِدَة وَذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَذكر بَعضهم فِي الِاسْتِخْلَاف لغير عذر رِوَايَتَيْنِ وَحكى الشَّيْخ مجد الدّين أَن الصِّحَّة فِي المسبوقين ظَاهر رِوَايَة مهنى عَن أَحْمد وَعدمهَا مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح وَهَذِه الْمَسْأَلَة فِي غير الْجُمُعَة أما فِي الْجُمُعَة فَلَا يجوز قطع بِهِ المُصَنّف تَابعا فِيهِ من تقدمه من الْأَصْحَاب لِأَن الْجُمُعَة إِذا أُقِيمَت مرّة فِي مَسْجِد لم يجز أَن تُقَام فِيهِ مرّة أُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تصلى الْجُمُعَة الْوَاحِدَة جمَاعَة بعد جمَاعَة وَسَائِر الصَّلَوَات بِخِلَافِهِ
قَوْله فِي الْمُحَرر وَمن ائتم فِي فرض بمتنفل أَو مفترض بِغَيْرِهِ لم يَصح وَعنهُ يَصح
قَوْله أَو مفترض بِغَيْرِهِ ظَاهره أَي فرض كَانَ وَلَو اخْتلفَا فِي الْأَفْعَال وَذكره فِي الرِّعَايَة وَصرح بِهِ فِي شرح الْهِدَايَة فَذكر مفرعا على الْجَوَاز فَمَتَى اخْتلف عدد رَكْعَات الصَّلَاتَيْنِ وَصَلَاة الْمَأْمُوم أكثرهما كالظهر وَالْمغْرب خلف مصلي الْفجْر وكالعشاء خلف مصلي التَّرَاوِيح فَإِنَّهُ يَصح نَص عَلَيْهِ وَيتم إِذا سلم إِمَامه كالمسبوق وكالمقيم خلف الْقَاصِر وَإِن كَانَت صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما كالفجر خلف مصلي الظّهْر أَو الْمغرب صَحَّ أَيْضا على مَنْصُوص أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمن أصحابهما من منع الصِّحَّة هُنَا بِخِلَاف عَكسه لتعذر دوَام
стр. 98
الْمُتَابَعَة كَمَا منعنَا من الِاقْتِدَاء بِمن يُصَلِّي الْكُسُوف قَالَ وَهَذَا لَيْسَ بشئ لأننا قد التزمنا مثله فِي اسْتِخْلَاف الْمَسْبُوق وفيمن صلى رَكْعَة مُنْفَردا ثمَّ صَار مَأْمُوما فعلى هَذَا يُفَارق إِمَامه فِي الْفجْر إِذا نَهَضَ الإِمَام إِلَى الثَّالِثَة وَفِي الْمغرب إِذا نَهَضَ إِلَى الرَّابِعَة ثمَّ يتم وَيسلم لِأَنَّهَا مُفَارقَة لعذر وَإِن شَاءَ انتظره حَتَّى يسلم مَعَه كاستخلاف الْمَسْبُوق وَحل كَلَام الرجل بعضه بِبَعْض أولى
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ثمَّ إِذا تمّ فَرْضه قبل فرَاغ إِمَامه هَل ينتظره أَو يسلم قبله أَو يُخَيّر فِيهِ أوجه لَكِن يَنْبَغِي أَن يعرف أَن جمَاعَة من الْأَصْحَاب مُقْتَضى كَلَامهم أَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ عِنْدهم فِيمَا إِذا اتّفقت الْأَفْعَال خَاصَّة وَأَن الأئتمام مَعَ اخْتِلَاف الْأَفْعَال مَانع من الصِّحَّة قولا وَاحِدًا بل صَرِيح كَلَامهم
وَالشَّيْخ موفق الدّين يخْتَار أَيْضا أَن الْخلاف فِيمَا إِذا اخْتلفت وَكَانَت صَلَاة الْمَأْمُوم أَكْثَرهَا عددا كالعشاء خلف التَّرَاوِيح وَصَاحب الْمُحَرر عِنْده الْخلاف فِي ذَلِك وَفِيمَا إِذا كَانَت صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما عددا وَمن أَصْحَابنَا من منع الْمغرب خلف الْعشَاء لإفضائه إِلَى جُلُوس فِي غير مَحَله وَإِن أجَاز الْفجْر خلفهَا
стр. 99
قَوْله وَإِذا ركع الإِمَام فأحس براكع اسْتحبَّ انْتِظَاره
ظَاهره اخْتِصَاص الحكم بالراكع وَكَذَا هُوَ ظَاهر كَلَام جمَاعَة وَصرح جمَاعَة بِأَن حَال الْقيام كالركوع فِي هَذَا وَصرح المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن التَّشَهُّد كالركوع على الْخلاف وَأولى لِئَلَّا يفوتهُ أصل فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَقَالَ فِي التَّلْخِيص وَمهما أحس بداخل اسْتحبَّ انْتِظَاره على أحد الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَة بعد ذكر مَسْأَلَة الرُّكُوع فِي حَال تشهده وَقيل وَغَيره وَجْهَان
قَوْله لَا تصح إِمَامَة الصَّبِي فِي الْفَرْض وَفِي النَّفْل رِوَايَتَانِ وَيتَخَرَّج أَن تصح فيهمَا
هَذَا التَّخْرِيج إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْض أما النَّفْل فَلَا تَخْرِيج فِيهِ لَكِن فِيهِ رِوَايَتَانِ منصوصتان وَلَو ذكر التَّخْرِيج قبل مَسْأَلَة النَّفْل كَانَ هُوَ الصَّوَاب
والتخريج ذكر جمَاعَة أَنه من مَسْأَلَة المفترض خلف المتنفل وَذكره ابْن عقيل فِي ابْن عشر قَالَ بِنَاء على وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي روضته فِي الصَّبِي الْمُمَيز أَنه يُكَلف يَعْنِي عَن الإِمَام أَحْمد
стр. 100
وَهَذِه الْعبارَة إِن حملت على ظَاهرهَا فَفِيهَا نظر وَلم أجد مَا يعضدها وَجَمَاعَة من الْأَصْحَاب يأبون هَذَا التَّخْرِيج وَهُوَ قَول القَاضِي لِأَنَّهُ نقص يمْنَع قبُول شَهَادَته وَخَبره فَهُوَ غير مؤتمن شرعا فَأشبه الْفَاسِق وَلِأَن بِهِ نقصا يمْنَع قبُول الشَّهَادَة وَالْولَايَة فَأشبه الْمَرْأَة وَعكس ذَلِك مَسْأَلَة الأَصْل
وَأطلق الْمُحَرر فِي الْخلاف فِي صِحَة إِمَامَته وَقطع غير وَاحِد بِصِحَّة إِمَامَته بِمثلِهِ مِنْهُم الشَّيْخ فِي الْكَافِي
قَوْله وَإِن ائتم بفاسق من يعلم فسقه فعلى رِوَايَتَيْنِ
قَوْله من يعلم فسقه يَعْنِي إِن جهل فسقه صحت وَهُوَ مَرْجُوح فِي الْمَذْهَب بل الْمَذْهَب الْمَنْصُوص الْإِعَادَة علم أَو لم يعلم وَأَوْمَأَ الإِمَام أَحْمد فِي مَوَاضِع إِلَى أَنه يُعِيدهَا خلف المتظاهر فَقَط قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهَذَا أحسن وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين بِأَن الْجُمُعَة تصلى خلف الْفَاسِق وَهل يُعِيدهَا ظهرا على رِوَايَتَيْنِ قَالَ وتوجيههما بِمَا وجهنا بِهِ غَيرهمَا صِحَة وبطلانا وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين فِي شَرحه أَنَّهَا تُعَاد فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَعَن أَحْمد لَا تُعَاد قَالَ فِي الرِّعَايَة وَهِي أشهر وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن الدَّلِيل على فعلهَا خَلفه وَإِن كَانَ صَحِيحا اقْتضى صِحَّتهَا لمن تَأمله وَألْحق الشَّيْخ بِالْجمعَةِ الْعِيد وَهُوَ مُتَوَجّه
وَذكر فِي الْكَافِي الرِّوَايَتَيْنِ فِي إِمَامَة الْفَاسِق ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل أَن تصح الْجُمُعَة والعيد دون غَيرهمَا وَأطلق هُنَا الرِّوَايَتَيْنِ كَقَوْل بَعضهم وَقطع فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن يحملهَا فِي الْفَرْض ليرد بذلك الْحجَّة على من أمره ﵊ بِإِعَادَة الصَّلَاة خلف أَئِمَّة الْجور بِنَاء مِنْهُ أَنهم كَانُوا يؤخرونها حَتَّى يخرج الْوَقْت بِالْكُلِّيَّةِ وَتبع الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره على هَذَا
стр. 101
وَقد قَالَ صَالح فِي مسَائِله وَسَأَلته عَن الصَّلَاة يَوْم الْجُمُعَة إِذا أَخّرهَا يُصليهَا لوَقْتهَا ويصليها مَعَ الإِمَام وَهَذَا فِيهِ نظر وَلَا يعرف عَن الْأُمَرَاء فِي ذَلِك الزَّمَان وَهُوَ مَا ذكره غير وَاحِد فِي شرح الحَدِيث وعَلى هَذَا لَا حجَّة فِيهِ وَقطع فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن الْجُمُعَة مَحَله هُنَا
قَوْله وَأولى أهل الْإِمَامَة بهَا أقرؤهم إِذا عرف مَا يعْتَبر للصَّلَاة
هَذَا يُعْطي أَنه إِذا تقدم غير الْمُسْتَحق يجوز مَعَ ترك الأولى وَهَذَا معنى كَلَام ابْن عقيل وَغَيره فَإِنَّهُ قَالَ تصح الْإِمَامَة لَكِن يكون تَارِكًا للفضيلة وَقد تقدم كَلَامه فِي رِوَايَة صَالح هُوَ أولى بِالصَّلَاةِ وَكَلَامه مُطلق فِي إِذن الْمُسْتَحق وَغَيرهَا وَكَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة يَقْتَضِي أَن تَقْدِيم غير الْمُسْتَحق من غير إِذن الْمُسْتَحق لَهُ يكره لِأَنَّهُ قَالَ فِي صُورَة الْإِذْن لَهُ جَازَ وَلم يكره نَص عَلَيْهِ
وَهَذَا يقتضى أَنه يكره من غير إِذن وَكَلَامه فِي الْمُغنِي يحْتَمل بَين كَرَاهَة الأولى وَكَرَاهَة التَّنْزِيه وَأَنه قَالَ وَهَذَا تَقْدِيم اسْتِحْبَاب لَا تَقْدِيم اشْتِرَاط وَلَا إِيجَاب لَا نعلم فِيهِ خلافًا فَلَو قدم الْمَفْضُول كَانَ ذَلِك جَائِزا لِأَن
стр. 102
الْأَمر بِهَذَا أَمر أدب واستحباب وَكَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مهنى يدل على أَنه تَقْدِيم إِيجَاب وَأَن النَّاس لَو أَرَادوا تَقْدِيم غير الْمُسْتَحق لم يجز لَهُم فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال فَأَما مَعَ إِذن الْمُسْتَحق فَيجوز من غير كَرَاهَة نَص عَلَيْهِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لقَوْله فِي الْخَبَر إِلَّا بِإِذْنِهِ
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بعد أَن قطع بِهَذَا وَاحْتج بِهَذَا الْخَبَر قَالَ ويعضده عُمُوم مَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يحل لرجل يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يؤم قوما إِلَّا بإذنهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد انْتهى كَلَامه
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يكره وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رسَالَته فِي الصَّلَاة رِوَايَة مهنى وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِذا أم الْقَوْم رجل وَخَلفه من هُوَ أفضل مِنْهُ لم يزَالُوا فِي سفال إِلَى أَن قَالَ فالامام بِالنَّاسِ الْمُقدم بَين أَيْديهم فِي الصَّلَاة على الْفضل لَيْسَ للنَّاس أَن يقدموا بَين أَيْديهم إِلَّا أعلمهم بِاللَّه وأخوفهم لَهُ ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِم ولازم لَهُم فتزكوا صلَاتهم وَإِن تركُوا ذَلِك لم يزَالُوا فِي سفا وإدبار وانتقاص فِي دينهم وَبعد من الله وَمن رضوانه وجنته هَذَا آخر كَلَامه
قَوْله إِذا عرف مَا يعْتَبر للصَّلَاة
أَي من فرض ومسنون وَلَيْسَ المُرَاد بِهَذَا معرفَة أَحْكَام سُجُود السَّهْو وَنَحْوه هَذَا معنى كَلَامه فِي شرح الْهِدَايَة فَإِنَّهُ قَالَ ولأننا إِنَّمَا نقدم القارىء إِذا كَانَ عَارِفًا بِمَا تحْتَاج إِلَيْهِ الصَّلَاة من الْفُرُوض والواجبات فَحِينَئِذٍ قد تَسَاويا فِيمَا تفْتَقر إِلَيْهِ الصَّلَاة لَكِن امتاز بجودة الْقِرَاءَة وَكَثْرَتهَا وَالْقِرَاءَة مِمَّا يُؤْتى بهَا فِي الصَّلَاة لَا محَالة فرضا وَسنة وامتاز الْفَقِيه بِمَا تنطوي عَلَيْهِ من السَّهْو وَهُوَ متوهم الْوُجُود وَالْأَصْل عَدمه
стр. 103
قَالَ الْأَصْحَاب فِي بحث هَذِه الْمَسْأَلَة وَلِأَن فَضِيلَة الْقِرَاءَة والإكثار مِنْهَا مُتَحَقق وَمَا ينوبه فِي الصَّلَاة من الْحَوَادِث غير مُتَحَقق بل الأَصْل عَدمه مَعَ أَنا قد اعْتبرنَا الْعلم بأحكامه
وَقَالَ ابْن عقيل وَإِنَّمَا يكون القارىء أَحَق من الْفَقِيه إِذا كَانَ يحفظ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة فَأَما إِن كَانَ لَا يحسن ذَلِك قدمنَا الْفَقِيه لحفظ الْأَركان والواجبات وَسُجُود السَّهْو وجبرانات الصَّلَاة انْتهى كَلَامه
وَكَلَامه فِي الْمُحَرر يحْتَملهُ وَلَعَلَّ الْجمع بَين كلاميه أحسن وَفِي اعْتِبَار هَذَا الْقَيْد وَجْهَان وَهُوَ أَن يكون الأقرأ جَاهِلا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة فَإِن كَانَ لَا يُمَيّز مفروضها من مسنونها فَفِي تَقْدِيمه على الْفَقِيه وَجْهَان أَحدهمَا يقدم قَالَ فِي شرح الْهِدَايَة وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد الْمَنْصُوص وَلِأَن الْقِرَاءَة ركن الصَّلَاة بِخِلَاف الْفِقْه وَكَانَ الممتاز بِمَا جنسه ركن للصَّلَاة أولى وَالثَّانِي الْفَقِيه أولى وَإِن لم يحسن غير الْفَاتِحَة اخْتَارَهُ ابْن عقيل لِأَنَّهُ امتاز بِمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي الصَّلَاة وَالْجَاهِل قد يتْرك فرضا ظنا مِنْهُ أَنه سنة قَالَ وَهَذَا الْوَجْه أحسن
وَوجدت فِي كتاب ابْن تَمِيم أَن هَذَا الْوَجْه هُوَ الْمَنْصُوص
قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح يَنْبَغِي للَّذي يقْرَأ الْقُرْآن أَن يتَعَلَّم من السّنة مَا يُقيم بِهِ صلَاته فَهُوَ حِينَئِذٍ أولى بِالصَّلَاةِ
وَقد عرف مِمَّا تقدم أَنه مَعَ علمه أفعالها هَل يعْتَبر الْعلم بِمَا يطْرَأ من السَّهْو وَنَحْوه وَيُؤَيّد مَا تقدم أَن القَاضِي قَالَ فِي الْجَامِع فَإِن كَانَ الْمُؤَذّن فَاسِقًا فَهَل يعْتد بأذانه ظَاهر كَلَام أَحْمد أَنه لَا يعْتد بِهِ قَالَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي الْمُؤَذّن يسكر ينحى وَقَالَ فِي رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي الرجل يُؤذن وَهُوَ سَكرَان لعزل الْمُؤَذّن أَهْون من الإِمَام وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن بنت مُعَاوِيَة بن عَمْرو فِي الْمُؤَذّن يصعد المنارة وَهُوَ سَكرَان لَا وَلَا كَرَامَة لَيْسَ مثله من أذن قَالَ
стр. 104
القَاضِي وَظَاهر هَذَا أَنه لَيْسَ من أَهله لِأَنَّهُ أَمر بصرفه وَعلل بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعدْل قَالَ وَيجب أَن يُقَال فِيهِ مَا فِي إِمَامَة الْفَاسِق وَفِي صِحَّتهَا رِوَايَتَانِ كَذَلِك الْأَذَان
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية فِي تَعْلِيق الْمُحَرر وَفِي أَذَان الْفَاسِق رِوَايَتَانِ أَي فِي الْإِجْزَاء فَأَما تَرْتِيب الْفَاسِق مُؤذنًا فَلَا يَنْبَغِي أَن يجوز قولا وَاحِدًا كَمَا قيل فِي نُفُوذ حكم الْفَاسِق إِذا حكم بِالْحَقِّ وَجْهَان وَإِن لم تجز تَوليته قولا وَاحِدًا
وَقد تَضَمَّنت هَذِه الْمَسْأَلَة صِحَة إِمَامَة الْجَاهِل وعَلى هَذَا تصح ولَايَته وَإِن كَانَ غَيره أرجح لَا سِيمَا إِن رجحناه على القارىء
وَقطع القَاضِي فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أَن من شَرَائِط صِحَة ولَايَة إِمَامَة الصَّلَاة الْعَدَالَة وَالْعلم بِأَحْكَام الصَّلَاة
وَرَأَيْت فِي كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مَا يدل على أَن ولَايَة الْفَاسِق مَبْنِيَّة على صِحَة إِمَامَته وَقَالَ لم يتنازعوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَوليته لَكِن لَعَلَّ القَاضِي فرع على مَشْهُور الْمَذْهَب وَهُوَ عدم صِحَة إِمَامَة الْفَاسِق وَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون حكم ولَايَة الصَّبِي وَنَحْوه
قَوْله ثمَّ أقدمهم هِجْرَة معنى قدم الْهِجْرَة السَّبق إِلَيْنَا بِنَفسِهِ من دَار الْحَرْب فَقَط هَذَا معنى كَلَام جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْفُصُول وَالْمُغني فَلَا يرجح بسبق إِمَامه إِلَى الاسلام على ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَلم أجد فِيهِ
стр. 105
خلافًا وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره بِتَقْدِيم من سبق آباؤه مُهَاجِرين إِلَيْنَا وَعند الْآمِدِيّ يقدم بسبق آبَائِهِ فَقَط لانْقِطَاع الْهِجْرَة بعد الْفَتْح فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد ذكره قَول النَّبِي ﷺ وَالْمُهَاجِر من هجر مَا نهى الله عَنهُ قَالَ فَمن سبق إِلَى هجر السَّيِّئَات بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا فَهُوَ أقدم هِجْرَة فَيقدم فِي الأمامة
وَمعنى الْأَشْرَف أَن يكون قرشيا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَذكره فِي الْمُغنِي أَن الشّرف يكون بعلو النّسَب وبكونه أفضلهم فِي نَفسه وَأَعْلَاهُمْ قدرا وَاحْتج بقول النَّبِي ﷺ قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها
قَوْله وَيكرهُ أَن يؤم قوما أَكْثَرهم لَهُ كَارِهُون
أطلق الْعبارَة وَمرَاده كَرَاهَة تكون لخلل بِدِينِهِ أَو فَضله
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَعُمُوم كَلَام غَيره يَقْتَضِيهِ أَو لشحناء بَينهم فِي أَمر دُنْيَوِيّ وَنَحْو ذَلِك فَأَما إِن كرهوه لأجل سنته أَو دينه فَلَا كَرَاهَة فِي حَقه
قَالَ المُصَنّف وَإِن كَانَ ميلهم إِلَى مُبْتَدع أَو فَاجر فَالْأولى أَن يصبر وَلَا يلْتَفت إِلَى كراهتهم جهده
قَالَ صَالح لِأَبِيهِ مَا تَقول فِي رجل يؤم قوما وَيرْفَع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة ويجهر بآمين ويفصل الْوتر والمأمومون لَا يرضون بذلك وَمِنْهُم من يرضى حَتَّى إِن أحدهم يتْرك الْوتر حَال التَّفْصِيل وَيخرج من الْمَسْجِد فترى أَن يرجع إِلَى قَول الْمَأْمُومين أم يثبت على مَا يَأْمُرهُ أهل الْفِقْه فَقَالَ بل يثبت على
стр. 106
صلَاته وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم وَأطلق اعْتِبَار قَول الْأَكْثَر وَكَذَا غَيره وَمِنْهُم من قَالَ ديانَة
قَالَ القَاضِي وَالْمُسْتَحب أَن لَا يؤمهم صِيَانة لنَفسِهِ فَإِن اسْتَووا فَالْأولى أَن لَا يؤمهم
وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين فِي الشَّرْح قَالَ ابْن عقيل فَإِن اسْتَووا اسْتحبَّ لَهُ إِزَالَة الْخلاف بترك الْإِمَامَة وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب فِيمَا اذا اسْتَويَا وَجْهَيْن
وَاحْتج الْأَصْحَاب حَيْثُ قَالُوا يكره بِمَا يدل على التَّحْرِيم وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَصْحَاب تفْسد صلَاته إِذا تعمد وللشافعية أَيْضا وَجْهَان فِي التَّحْرِيم وَنَصّ الشَّافِعِي على تَحْرِيمه فَقَالَ لَا يحل لرجل أَن يُصَلِّي بِجَمَاعَة وهم لَهُ كَارِهُون
نَقله الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْحَاوِي وَفِي الْأُم مَا يَقْتَضِيهِ وَكَأن الْأَخْبَار لِضعْفِهَا لَا تنهض للتَّحْرِيم وَإِن كَانَت تَقْتَضِيه فيستدل بهَا على الْكَرَاهَة كَمَا يسْتَدلّ بِخَبَر ضَعِيف ظَاهره يَقْتَضِي وجوب أَمر على ندبية ذَلِك الْأَمر وَلَا يُقَال لَعَلَّ هُنَاكَ صارفا عَن مُقْتَضى الدَّلِيل وَلم يذكر لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَأَكْثَرهم يخص الْكَرَاهَة بِالْإِمَامِ كعبارته فِي الْمُحَرر
وَمن كرهت إِمَامَته كره الائتمام بِهِ قَالَ ابْن عقيل تكره لَهُ الْإِمَامَة وَيكرهُ الائتمام بِهِ
قَوْله لَا تصح الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام بِحَال
الِاعْتِبَار بالقدمين فِي الْوُقُوف بِالْأَرْضِ فَإِن شخص الْمَأْمُوم قد يكون أطول فيتقدم رَأسه وَإِن تَأَخّر قدمه فَإِن كَانَ قدم أَحدهمَا أكبر من الآخر فالاعتبار
стр. 107
بمؤخر الْقدَم وَهِي الْعقب وَإِن تقدم رَأس الْقدَم على رَأس الْقدَم كَمَا لَو كَانَ الْقدَم كَذَا ذكره الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجى فِي شرع الْهِدَايَة وَأطلق فِي الْمُحَرر عدم صِحَة الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام وَمرَاده غير حول الْكَعْبَة فَإِنَّهُ إِذا اسْتَدَارَ الصَّفّ حول الْكَعْبَة وَالْإِمَام مِنْهَا على ذراعين والمقابلون لَهُ على ذِرَاع صحت صلَاتهم نَص عَلَيْهِ الامام أَحْمد
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا وَحَكَاهُ الشَّيْخ وجيه الدّين إِجْمَاعًا لِأَن الْقدَم إِنَّمَا يعْتَبر حكمه إِذا اتّحدت جِهَة الإِمَام وَالْمَأْمُوم
فَأَما إِذا تعدّدت فَلَا أَلا ترى أَن الصفين المقابلين بَين جِهَة الإِمَام ومقابلته تصح صلَاتهم وَإِن كَانَا فِي الْجِهَة الَّتِي بَين يَدي الإِمَام حَيْثُ لم يستقبلوها بِوُجُوهِهِمْ وَلَعَلَّ السَّبَب فِي تسويغ ذَلِك كَثْرَة الْخلق فِي الْموقف فَلَو كلفوا الْقيام فِي جِهَة وَاحِدَة لشق ذَلِك وَتعذر وَظَاهر هَذَا أَنه لَا فرق لمن يَكُونُوا عِنْد الْمَسْجِد أَو خَارجه وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين أَن هَذَا إِذا كَانُوا عِنْد الْمَسْجِد وَإِن كَانُوا خَارج الْمَسْجِد فَبين الإِمَام وَبَين الْكَعْبَة مَسَافَة فِي تِلْكَ الْجِهَة وَالَّذين فِي بَقِيَّة الْجِهَات بَينهم وَبَين الْكَعْبَة دون تِلْكَ الْمسَافَة فَفِيهِ وَجْهَان
وَظَاهر مَا قدم فِي الرِّعَايَة أَنه لَا يضر قرب الْمَأْمُوم إِلَى الْجِدَار أَكثر من الإِمَام من اتِّحَاد الْجِهَة وَفِيه نظر فَأَما إِذا تقَابل الإِمَام وَالْمَأْمُوم دَاخل الْكَعْبَة فِي صَلَاة تصح فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا تصح قطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالثَّانِي لَا تصح لِأَنَّهُ مَعَ كَونه قُدَّام إِمَامه مستدبر لبَعض جِهَة الامام فَأشبه مَا لَو كَانَ قفا الْمَأْمُوم فِي وَجه الإِمَام وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا وصلوا حول الْكَعْبَة فَإِنَّهُ لم يستدبر شَيْئا من جِهَة إِمَامه
стр. 108
وَمُرَاد صَاحب الْمُحَرر أَيْضا غير الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف فَإِنَّهَا تَنْعَقِد مَعَ إِمْكَان الْمُتَابَعَة نَص عَلَيْهِ وَهُوَ قَول الْأَصْحَاب وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لعمومات النُّصُوص فِي صَلَاة الْجَمَاعَة ويعفى عَن التَّقَدُّم للْعُذْر كَمَا يُعْفَى عَن الاستدبار وَالْمَشْي فِي صَلَاة الْخَوْف غير الشَّديد وَإِن كَانَ يُمكنهُم أَن يصلوا جماعتين أَو فُرَادَى بِدُونِ ذَلِك مُحَافظَة على تَكْثِير الْأجر بإيقاع جمَاعَة وَاحِدَة والوهن الْحَاصِل فِي قُلُوب الْعَدو بذلك
وَقَالَ ابْن حَامِد لَا تَنْعَقِد الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف وَحَكَاهُ فِي الْمُغنِي احْتِمَالا وَرجحه فَلهَذَا قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين على عدم صِحَة الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام لقَوْل سَمُرَة بن جُنْدُب أمرنَا رَسُول الله ﷺ إِذا كُنَّا جمَاعَة أَن يتَقَدَّم أَحَدنَا حسنه التِّرْمِذِيّ فَأمره بتقدم الإِمَام ينْهَى عَن تقدمهم عَلَيْهِ ومصافتهم لَهُ ترك ظَاهره فِي المصافة لنصوص يبْقى الْبَاقِي على الظَّاهِر وَلِأَن وُقُوفه عَن يسَاره أَو خلف الصَّفّ فَذا أحسن حَالا وَأقرب إِلَى معنى الِاقْتِدَاء والمتابعة من وُقُوفه قدامه ثمَّ صلَاته تبطل هُنَاكَ على أصلنَا فَهُنَا أولى وَلِأَن الأَصْل إِن كَانَ إِنْسَان يُصَلِّي بِنَفسِهِ ويستقل بتأدية فَرْضه وَلَا يحمل غَيره عَنهُ شَيْئا فَحَث الشَّرْع بِالْجَمَاعَة أوجب فعلهَا على مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص وَلم يرد فِي شَيْء مِنْهَا الْوُقُوف بَين يَدي الإِمَام ثمَّ ذكر قِيَاسا ضَعِيفا وَفِي الْمَسْأَلَة أَدِلَّة ضَعِيفَة وَقيل تصح الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام ضَرُورَة فِي عيد أَو جُمُعَة وجنازة فَقَط وَقيل مُطلقًا
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره قَول أَن صَلَاة الْمَأْمُوم تصح قُدَّام الإِمَام مَعَ الْعذر دون غَيره قَالَ وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال وأرجحها وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن ترك الْمُتَقَدّم على الْأَمَام غَايَته أَن يكون
стр. 109
وَاجِبا من وَاجِبَات الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة والواجبات كلهَا تسْقط بالعذر وَإِن كَانَت وَاجِبَة فِي أصل الصَّلَاة وَالْوَاجِب فِي الْجَمَاعَة أولى بالسقوط انْتهى كَلَامه
وَقد يُقَال انْعِقَاد الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف مَعَ الْعَفو عَن التَّقَدُّم للْعُذْر يُقَوي هَذَا القَوْل وَقد تقدم مَا يدل على الْفرق بَينهمَا
وَإِذا بطلت صَلَاة الْمَأْمُوم قُدَّام الامام فَهَل تبطل صَلَاة الامام فِيهِ وَجْهَان ذكره ابْن تَمِيم وَغَيره وَالْأولَى أَن يُقَال إِن نوى الامامة بِمن يُصَلِّي قدامه مَعَ علمه لم تَنْعَقِد صلَاته كَمَا لَو نَوَت الْمَرْأَة الامامة بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ يشْتَرط أَن يَنْوِي الامامة بِمن يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَإِن نوى الْإِمَامَة ظنا واعتقادا أَنهم يصلونَ خَلفه فصلوا قدامه انْعَقَدت صلَاته عملا بِظَاهِر الْحَال كَمَا لَو نوى الامامة من عَادَته حُضُور جمَاعَة عِنْده ثمَّ هَل تبطل صلَاته ذكر المُصَنّف فِي مَسْأَلَة الأَصْل إِذا لم يَأْته أحد وَأحرم إِمَام بحاضرين فانصرفوا عَنهُ قبل أَن يحرموا احْتِمَالَيْنِ وَهَذَا مثله أَحدهمَا تبطل لأَنا تَبينا أَنه نوى الامامة بِغَيْر مَأْمُوم وَالثَّانِي يُتمهَا مُنْفَردا لِأَن احرامه إِمَامًا انْعَقَد لَكِن تَعَذَّرَتْ الامامة فِي الدَّوَام فَأشبه مَا لَو أَحْدَثُوا وَانْصَرفُوا كلهم بعد دُخُولهمْ مَعَه قَالَ وَالْوَجْه الأول أشبه بِكَلَام أَحْمد لِأَنَّهُ قَالَ فِي رجلَيْنِ نوى كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه إِمَام صَاحبه صلاتهما فَاسِدَة وَكَانَ يجب على قِيَاس الثَّانِي أَن تصح صَلَاة الَّذِي أحرم ابْتِدَاء لِأَن الثَّانِي أعرض عَنهُ بَعْدَمَا انْعَقَدت تحريمته إِمَامًا انْتهى كَلَامه
وَالِاسْتِدْلَال بالمنصوص لهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِيهِ نظر لِأَن مَسْأَلَة النَّص لَا ظَاهر فِيهَا يعْمل بِهِ فنظيره مَا لَو نوى الامامة وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أحد وَلَكِن يحْتَمل الْحُضُور وَعَدَمه فَإِنَّهَا لَا تصح بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا فَإِنَّهُ طَرَأَ الْبطلَان وعَلى صَلَاة الْمَأْمُوم
стр. 110
بتقدمه على الامام فَهُوَ كَمَا لَو حدث الْبطلَان بِغَيْرِهِ على مَا تقدم عِنْد ذكر صَاحب الْمُحَرر الْمَسْأَلَة
وَكَلَامهم يتَنَاوَل صَلَاة الْجِنَازَة أَيْضا وَصرح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِيهَا بروايتين وَاخْتَارَ الْجَوَاز
فصل
قد اشْتهر أَن تَسْوِيَة الصُّفُوف أَمر مَطْلُوب للشارع وَعِنْدنَا وَعند عَامَّة الْعلمَاء أَن ذَلِك مُسْتَحبّ وَفِيه إِشْكَال فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس أَنه ﵊ قَالَ سووا صفوفكم فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة وَفِيهِمَا من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أَنه ﵊ قَالَ لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم وَفِي لفظ أقِيمُوا صفوفكم ثَلَاثًا
وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه إِسْنَاده صَحِيح رَوَاهُ الامام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد قيل فِي قَوْله ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم مَعْنَاهُ يمسخها ويحولها عَن صورتهَا كَقَوْلِه فِي الَّذِي يرفع قبل الإِمَام يَجْعَل صورته صُورَة حمَار وَقيل يُغير صفتهَا وَقيل مَعْنَاهُ يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة وَاخْتِلَاف الْقُلُوب لِأَن اخْتِلَاف الظَّاهِر سَبَب لاخْتِلَاف الْبَاطِن وَمُخَالفَة الصُّفُوف مُخَالفَة فِي الظَّاهِر وَهَذَا ظَاهر فِي الْوُجُوب وعَلى هَذَا بطلَان الصَّلَاة بِهِ مَحل نظر
وَقد قَالَ فِي شرح الْأَحْكَام الصُّغْرَى قَوْله من تَمام الصَّلَاة قد يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه مُسْتَحبّ غير وَاجِب لِأَنَّهُ لم يذكر أَنه من أَرْكَانهَا وَلَا من واجباتها
следующие страницы →