وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه، وقال: كل ما أشرتم به عليَّ قد سمعتُ، ولكل أمر بابٌ يُؤتَى منه، إن هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمة كائنٌ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيُكَفْكَفُ به: اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحدٌ أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيءٌ فرفق، فذاك والله ليفتحن، وليست لأحدٍ عليَّ حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيراً، ولا نفسي، ووالله إنَّ رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس، وهَبُوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تُعُوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها» (١).
وتذكر الرواية نفسها أن: «معاوية قال لعثمان غداة ودَّعه وخرج: يا أمير المؤمنين! انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَلَ لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي، قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابتْ المدينة أو إياك، قال: أنا أُقتِّر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة؟! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتغتالنَّ أو لتغزينَّ، قال: حسبي الله ونعم الوكيل» (٢).
ولقد حدث كلُّ ما توقعه معاوية، فجاءت جموع أهل الفتنة لتحاصرَ عثمان ﵁ وتغتاله في النهاية. وحين جاء هؤلاء الثوَّار من مختلف الأقاليم لا نجد من بينهم جماعة من أهل الشام (٣).
стр. 72
ومن كل ما سبق نجد أننا أمام والٍ كبيرٍ، يشق طريقه بجدارة من بين الولاة إلى ما هو أبعد من الولاية، فقد استطاع أن يجعل من إقليم الشام الإقليم المهيَّأ لقيادة بقية الأقاليم في الدولة الإسلامية بما عمَّق فيه من حسن الطاعة للقيادة، وبما ثبَّت فيه من دعائم الاستقرار، وقطعه لأسباب الفتنة وعوامل الفرقة فيه، وهذا ما لا نجده في غيره من الأقاليم (١).
فلما رأى معاوية رفض عثمان لما عرض عليه، لم يملك بعد ذلك إلا أن يوصي الصحابة في المدينة به خيراً من بعده.
فعن موسى بن طلحة، قال: «أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه، فخرجتُ معه حتى دخل على عثمان، وإذ علي وسعد والزبير وعثمان ومعاوية، فحمد الله معاوية وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وخيرته في الأرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحدٌ غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبةٍ ولا طمع، وقد كبرت سنه، وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم كان قريبا، مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشت قالةٌ خِفتُها عليكم، فما عتبتم فيه من شيءٍ فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبداً إلا إدباراً» (٢).
ولقد قام الصحابة رضوان الله عليهم بما يمكن أن يقوموا به للدفاع عن عثمان، إلا أن الخليفة الراشد ﵁ لم يكن يحب أن تهراق قطرة دم بسببه، فكان يرد من جاء من أصحابه للدفاع عنه، حتى استطاع الثوار المتمردون أن يتسوَّرُوا عليه بيته، ويتكالبوا عليه، ويقتلوه في شهر ذي الحجة، من سنة خمسٍ وثلاثين من الهجرة.
стр. 73
قال النوويُّ: «وأمَّا عثمان ﵁: فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتِل مظلوماً، وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة، ولم يَجْرِ منه ﵁ ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحدٌ من الصحابة، وإنما قتله همجٌ ورعاعٌ من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه ﵁» (١).
وصول الخبر إلى معاوية:
عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «لما قُتِل عثمان، كتبتْ نائلةُ بنت الفرافصة إلى معاوية كتاباً تصف فيه كيف دُخل على عثمان، وكيف قُتل، وبعثتْ إليه بقميصه الذي قُتل وهو عليه فيه دمه، فقرأ معاوية الكتاب على أهل الشام، وأمر بقميص عثمان فطِيف به في أجناد الشام، ونُعي إليهم عثمان، وأخبرهم بما أتي إليه واستُحِلَّ من حرمته، وحرَّضهم على الطلب بدم عثمان، فبايعوه على الطلب بدم عثمان» (٢).
стр. 74
وعن محمد بن عبد الله، وطلحة بن الأعلم؛ قالا: «قدم على أهل الشام النعمان بن بشير بقميص عثمان ﵁ الذي قُتل فيه مُخضَّبا بدمه، وبأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم، إصبعان منها وشيء من الكف، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام، فوضع معاوية القميص على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، وآلى الرجال من أهل الشام ألا يأتوا النساء، ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيءٍ، أو تفنى أرواحهم» (١).
معاوية مع عليِّ بن أبي طالب ﵄ -:
لما كان أهل الشورى الذين سمَّاهم عمر قد آل أمر الاختيار بينهم إلى رجلين: عثمان وعليّ، ولما استقر الأمر على تقديم عثمان، ولما كان عثمان قد قُتِل غدرا دون أن يَستخلف؛ كان الترتيب المنطقي أن تؤول الخلافةُ إلى عليِّ بن أبي طالب، فقد كان هو أحقَّ الناس بها في ذلك الوقت، ولذا بايعه الصحابة.
قال الزهريُّ: «لما قُتِل عثمان: برز عليُّ بن أبي طالب للناس ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وهذا لأن سائر من بقي من أصحاب الشورى كانوا قد تركوا حقوقهم عند بيعة عثمان، فلم يبق أحدٌ منهم لم يترك حقه إلا علي، وكان قد وفَّى بعهد عثمان حتى قُتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحدٌ أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبدَّ بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى» (٢).
стр. 75
وقال الحافظ ابن حجر: «وكانت بيعةُ عليٍّ بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان» (١).
ولا يُفهم من هذا الكلام أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام امتنعوا عن مبايعة علي لأنهم يرون معاوية أو غيره أحق بالخلافة، لا، ولكنهم أرادوا الثَّأر أَوَّلاً لدم عثمان قبل مبايعة علي، خاصة معاوية، فهو ابن عم عثمان، ويرى أنه أحق من يطالب بدمه لأنه وليه، ومن هنا نشأ الخلاف، وشبَّت الفتنة بين علي ومعاوية.
عن عُبيد بن أبي أمية الإيادي، قال: «جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليَّاً! أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليَّاً أفضل مني، وأنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلوماً؟ وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليَّاً فكلموه بذلك؛ فلم يدفعهم إليه» (٢).
стр. 76
ويقول شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «لما طلب علي من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أنَّ عليَّاً أفضل وأحق، ولكن طلبوا من عليٍّ أن يقيم الحد على قتلة عثمان، وكان عليٌّ غيرَ متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إمَّا لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم عليٌّ لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية» (١).
وقال في موطن آخر: «وكذلك معاوية لم يبايعه أحد لما مات عثمان على الإمامة، ولا حين كان يقاتل عليَّاً بايعه أحد على الإمامة، ولا تسمَّى بأمير المؤمنين، ولا سمَّاه أحدٌ بذلك، ولا ادَّعى معاوية ولاية قبل حكم الحكمين.
وعليٌّ يسمي نفسه أمير المؤمنين في مدة خلافته، والمسلمون معه يسمونه أمير المؤمنين. لكن الذين قاتلوه مع معاوية ما كانوا يقرون له بذلك، ولا دخلوا في طاعته، مع اعترافهم بأنه ليس في القوم أفضل منه، ولكن ادعوا موانع تمنعهم عن طاعته.
ومع ذلك فلم يحاربوه، ولا دعوه وأصحابه إلى أن يبايع معاوية، ولا قالوا: أنت وإن كنت أفضل من معاوية لكنَّ معاوية أحق بالإمامة منك، فعليك أن تتبعه وإلا قاتلناك» (٢).
стр. 77
وقال ابنُ حجرٍ الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة؛ للإجماع على أحقيتها لعلي، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من عليٍّ تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع عليٌّ، ظنَّاً منه أن تسليمهم إليهم على الفور -مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي- يؤدي إلى اضطرابٍ وتزلزلٍ في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام، سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها، فرأى علي ﵁ أن تأخير تسليمهم أصوب، إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة، ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها، ويتم له انتظام شملها، واتفاق كلمة المسلمين، ثم بعد ذلك يلتقطهم واحداً فواحداً ويسلمهم إليهم» (١).
وبهذا يتبين نكارة كثير من الروايات -فضلاً عن وهاء سندها- التي تُصوِّر معاوية ﵁ محارباً لأجل الخلافة والولاية، وأنَّ الأمر دائرٌ صراعه، وقائمةٌ حروبه وخلافاته على أمرٍ دنيويٍّ، وليس عن اجتهاد شرعي، يبغي كل طرف فيه الوصول إلى الحق الذي ينشده، وفيما يلي -بإذن الله- مزيد بيان لأحوال الصحابة والناس في تلك الفتنة.
انقسام الصحابة والناس بعد مقتل عثمان ﵁ -:
منذ مقتل عثمان ﵁ وبدأت الفتن تلوح في الأفق، وتلقي بظلالها على من عاصرها، ويرجع أصل النزاعات والحروب التي قامت في هذا الوقت إلى الخلاف الواقع حول مسألة الثَّأر لدم عثمان، والانتصار من قاتليه، فهذه المسألة وإن كان متَّفقا عليها بين الجميع، إلا أن الخلاف وقع بينهم في: متى تكون؟
ففريق يرى أن هذا الأمر مُقدَّمٌ على غيره، وهذا الفريق انقسم لقسمين:
стр. 78
القسم الأول: بايع عليَّاً واعترف له بالخلافة، لكنه كان يرى أنَّ أول واجب على عليّ: أن يثأر من القتلة قبل أيِّ شيء، وأن يُعجِّل بالقصاص منهم. وهذا القسم يُمثِّلُه الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، ومن معهما، وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ يوم الجمل.
القسم الثاني: امتنع عن مبايعة عليٍّ حتى يتمَّ الثأرُ لدم عثمان، وهذا القسم يُمثِّلُه معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ يوم صفِّين.
وأما الفريق الآخر: فيرى أنَّ الثأر لدم عثمان حقٌ وواجب، ولكن الأمر في الدولة الإسلامية في هذا الوقت غير مستقرٍّ، والمطالبة بالثأر الآن ليست في قدرة الخليفة ولا في استطاعته، فقتلة عثمان منتشرون ومتغلغلون داخل الجيش، فالتأنِّي الآن والتريُّث هو الأسلم للمسلمين. وهذا الفريق يُمثِّلُه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
يقول ابنُ حزمٍ -في معرض دفاعه عن موقف عليٍّ ومن معه-: «أما قولهم: إن أخذ القَوَد واجبٌ من قتلة عثمان، المحاربين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، الساعين في الأرض بالفساد، والهاتكين حرمة الإسلام والحرم والأمانة والهجرة والخلافة والصحبة والسابقة؛ فنَعَم، وما خالفهم قط عليٌّ في ذلك، ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عدداً ضخماً جمَّاً، لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن عليٍّ ما لا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج، ولا فرق، قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم»، ولو أن معاوية بايع عليَّاً لقَوِيَ به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصحَّ أن الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم» (١).
стр. 79
وهناك فريقٌ ثالثٌ اشتبه عليه الأمر، ولم يستطع الترجيح، فاعتزل الفتنة كلها، ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، وسعيد بن زيد، ﵃ جميعا (١).
وبهذا التلخيص يتبيَّن لنا أنَّ كلاً من هؤلاء الصحابة الأفاضل قد اجتهد، وهم جميعاً أهل لهذا الاجتهاد، فيكون للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجرٌ، ولا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.
يقول النوويُّ: «وأمَّا معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء، والصحابة النجباء ﵁، وأما الحروب التي جرتْ فكانت لكل طائفةٍ شبهةٌ اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول ﵃، ومتأوِّلون في حروبهم وغيرها، ولم يُخرج شيءٌ من ذلك أحداً منهم عن العدالة، لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحدٍ منهم.
واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهةً، فلشدَّة اشتباهها اختلف اجتهادهم، وصاروا ثلاثة أقسام:
قسمٌ ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغٍ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه، ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
وقسمٌ عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
وقسمٌ ثالثٌ اشتبهتْ عليهم القضية وتحيَّرُوا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلمٍ حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه؛ لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه.
стр. 80
فكلهم معذورون ﵃، ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم، ﵃ أجمعين» (١).
تلخيصٌ لما حدث في معركة الجمل (سنة ٣٦ هـ) (٢):
نعود الآن إلى القسم الأول من الفريق الأول، الذي بايع عليَّاً، لكنه طلب بتعجيل القصاص من قتلة عثمان، فهم يرون الآن أنَّ الأشهر تمر، وعليٌّ لم يفعل شيئاً بعدُ في شأن هؤلاء القتلة. عندها بدأوا يفكرون في حلولٍ بديلة.
خرج طلحة والزبير أوَّلاً إلى مكة، فالتقيا هناك بأمِّ المؤمنين عائشة، واتفقوا جميعاً على ضرورة التعجيل بالثأر لدم عثمان، وساعدهم على التحرك لهذا الغرض: أنْ تواجد في مكة في هذا الوقت عبد الله بن عامر، وكان أمير البصرة في عهد عثمان، وكذلك تواجد يعلى بن أمية، الذي كان قد خرج من اليمن لإعانة الخليفة، وكِلا الرجلين يحثُّ على الخروج، ويعرض المعونة المادية.
واتفقوا بعد تشاور بينهم على أن يبدأوا الحركة من البصرة، ثم يتوجهوا إلى الكوفة، ويستعينوا بأهلها على قتلة عثمان منهم أو من غيرهم، ثم يدعون أهل الأمصار الأخرى لذلك، حتى يُضيِّقوا الخناقَ على قاتلي عثمان الموجودين في جيش عليّ، فيأخذونهم بأقل قدرٍ ممكنٍ من الضحايا (٣).
وكانت مطالبهم في ذلك الخروج واضحة، وهي: الثَّأرُ لدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا المطلب هو لإقامة حد من حدود الله، وأنه إذا لم يُؤخذْ على أيدي قتلة عثمان فسيكون كل إمام مُعرَّضاً للقتل من أمثال هؤلاء (٤).
стр. 81
ولما وصلوا إلى البصرة، خرج إليهم عثمان بن حنيف، والي عليٍّ على البصرة، فقال لهم: «ماذا تريدون؟» قالوا: نريد قتلة عثمان. فقال لهم: «حتى يأتي عليٌّ»، ومنعهم من الدخول.
ثم خرج إليهم حُكيم بن جَبَلة، وهو أحد الذين شاركوا في قتل عثمان، فقاتلهم في سبعمئة رجلٍ فانتصروا عليه، وقتلوا كثيراً ممن كان معه، وانضم كثيرٌ من أهل البصرة إلى جيش طلحة والزبير وعائشة (١).
بلغ عليَّاً أنَّ ثمة قتالٍ وقع بين عثمان بن حنيف، وبين جيش طلحة والزبير، عندها جهَّز جيشاً قوامه عشرة آلاف، وخرج من المدينة إلى الكوفة. وهنا يظهر لنا جليَّاً أنَّ عليَّ بن أبي طالب هو الذي خرج إليهم ولم يخرجوا عليه، ولم يقصدوا قتاله كما تدَّعِي بعض الطوائف ومن تأثَّر بهم، ولو كانوا يريدون الخروج على عليٍّ لذهبوا إلى المدينة مباشرة، وليس إلى البصرة (٢).
ولما وصل عليٌّ إلى البصرة، أرسل القعقاع بن عمرو للتفاوض مع طلحة والزبير، واتفق الجميع على عدم القتال، والانتظار لحين استقرار الأمر، حتى يتسنَّى لعليٍّ تنفيذُ القصاص. بَيْد أن هذا الاتفاق لم يصادف قبولاً عند قتلة عثمان الذين تغلغلوا في جيش عليٍّ، فقد رأَوْا في هذا الاتفاق تمهيداً للقضاء عليهم، فباتوا ليلتهم يفكرون في كيفية إشعال الفتنة والحرب بين الجيشين، فاستقر رأيهم على أن تخرج جماعة منهم لتهجم على جيش طلحة والزبير، وتقتل بعض الأفراد منهم، ثم يُولوا هاربين، وفي ظلام الليل نفَّذوا ما اتفقوا عليه.
فوجئ جيشُ طلحة بهجومٍ عليه، وقَتْلٍ في أفراده، فظنُّوا أن جيش عليٍّ غدر بهم، فناوشوا جيش عليّ في الصباح، فظنَّ جيشُ عليٍّ أنَّ جيش طلحة والزبير قد غدر، فاستمرت المناوشات بين الفريقين حتى كانت الظهيرة؛ فاشتعلت المعركة.
стр. 82
وعلى الرغم من محاولة عليٍّ لتهدئة الموقف من جهة، والزبير وطلحة من جهة أخرى؛ إلا أن نداءاتهم لم تجد آذاناً صاغية، كما يقول ابنُ تيميَّة: «والفتنة إذا وقعتْ عجز العقلاءُ فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر ﵃ عاجزين عن إطفاء الفتنة وكفِّ أهلها، وهذا شأن الفتن» (١).
وساعد قتلةُ عثمان على إذكاء نار الحرب وتهييجها، حتى كثر القتل في الطرفين، وسالت الدماء، وتناثرت الأشلاء، وعُقر جمل أمِّ المؤمنين عائشة، والذي سُمِّيت الموقعة باسمه، واستبسل الناس في الدفاع عنها، وقُتِل طلحة والزبير ﵄ في ذلك اليوم، وردَّ عليٌّ أمَّ المؤمنين عائشة ﵂ إلى المدينة مُعزَّزَة مُكرَّمَة (٢).
الرسائل بين عليٍّ ومعاويةَ ﵄:
بعد أن بُويع لعليٍّ ﵁ بالخلافة، بدا له عزلُ معاوية لعدم مبايعته له ودخوله تحت طوعه، فأرسل سهلَ بنَ حُنيف ليكون والياً على الشام بدلاً منه، وذلك في سنة ست وثلاثين من الهجرة.
وخرج سهل حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أيِّ شيء؟ قال: على الشام، قالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع! قال: أو ما سمعتم بالذي كان؟! قالوا: بلى، فرجع إلى عليّ (٣).
وعند ذلك بدأ إرسال الرسل والمكاتبات بين علي ومعاوية.
стр. 83
كتب عليٌّ إلى معاوية، وكان رسوله إليه: سبرة الجهني، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء، ولم يجبه، وردَّ رسوله، وجعل كلما تنجَّز جوابه لم يزد على قوله:
أَدِمْ إدامة حِصنٍ أو خدا بيدي ... حرباً ضروساً تشبُّ الجزل والضرما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيبت الأصداغ واللمما
أعيا المسود بها والسيدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما
стр. 84
وجعل الجهنيُّ كلما تنجَّز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات، حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، دعا معاوية برجل من بني عبس، ثم أحد بني رواحة يُدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً مختوماً، عنوانه: من معاوية إلى علي، فقال: «إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار»، ثم أوصاه بما يقول، وسرَّح رسولَ عليٍّ، وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرته، فلما دخلا المدينة رفع العبسيُّ الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض، ومضى حتى يدخل على علي، فدفع إليه الطومار، ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة، فقال للرسول: «ما وراءك؟» قال: آمِنٌ أنا؟ قال: «نعم، إن الرسل آمنة لا تقتل»، قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود، قال: «ممّن؟» قال: من خيط نفسك (١)، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق، فقال: «مني يطلبون دم عثمان؟! ألست موتوراً كترة عثمان! اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمراً أصابه، اخرج». قال: وأنا آمن؟ قال: «وأنت آمن». فخرج العبسى (٢).
ولم تتوقف المحاولات من ناحية علي ﵁ عند هذا، بل أرسل إلى معاوية من يتمثَّل فيهم الرشد والحكمة، محاولا إيجاد طريق لرأْبِ الصدع، وإنهاء الفتنة.
стр. 85
ففي سنة ست وثلاثين، كما يقول عوانة بن الحكم: «وجَّهَ عليٌّ عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من الجمل جريرَ بن عبد الله البجليَّ إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكان جريرٌ حين خرج عليٌّ إلى البصرة لقتال من قاتله بها بهمذان عاملاً عليها، كان عثمان استعمله عليها، وكان الأشعث بن قيس على أذربيجان عاملاً عليها، كان عثمان استعمله عليها، فلما قدم علي الكوفة منصرفاً إليها من البصرة، كتب إليهما يأمرهما بأخذ البيعة له على من قبلهما من الناس، والانصراف إليه ففعلا ذلك، وانصرفا إليه.
стр. 86
فلما أراد عليٌّ توجيه الرسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله: ابعثني إليه، فإنه لي ودٌّ حتى آتيه فأدعوه إلى الدخول في طاعتك، فقال الأشتر لعلى: لا تبعثه، فو الله إني لأظن هواه معه، فقال عليٌّ: دعه حتى ننظر ما الذي يرجع به إلينا، فبعثه إليه، وكتب معه كتاباً يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير، وما كان من حربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته، فشخص إليه جرير، فلما قدم عليه ماطله واستنظره، ودعا عَمْراً فاستشاره فيما كتب به إليه، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام، ويلزم عليَّاً دم عثمان، ويقاتله بهم، ففعل ذلك معاوية، فلما قدم جرير بن عبد الله على عليٍّ فأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان، ويقولون: إن عليَّاً قتله، وآوى قتلته، وأنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه؛ فقال الأشتر لعلي: قد كنت نهيتك أن تبعث جريراً، وأخبرتك بعداوته وغشه، ولو كنت بعثتني كان خيراً من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع باباً يرجو فتحه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثَمَّ لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان ﵁، فقال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعيني جوابهم، ولحملتُ معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر، ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور.
стр. 87
فخرج جرير بن عبد الله إلى قرقيسياء، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه» (١).
ولما باءت هذه الرسائل والمحاولات بالفشل؛ عزم عليٌّ ﵁ على التوجُّه بجيشه إلى معاوية بالشام للقتال، حتى ينقادَ الجميع إليه، فلما علم معاوية بذلك؛ خرج للقائه بصفِّين.
وقد كان هناك من آل البيت وممن ناصروا عليَّاً وظاهروه، من يرغب في ألَّا يواجه عليٌّ معاوية، وأن يترك له مسألة الثأر والدم؛ كعبد الله بن عباس.
فعن زهدم الجرمي قال: كنا عند ابن عباس يوماً فقال: «والله لأحدِّثنَّكم بحديثٍ ما هو بسرٍّ ولا علانية، ما هو بسرٍّ فأكتمكموه، ولا علانية فأخطب به، وإنه لما وُثب على عثمان فقُتل، قُلتُ لابن أبي طالب: اجتنبْ هذا الأمر فستُكفاه، فعصاني، وما أراه يظفر، وايم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان، لأن الله قال: ﴿ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليِّه سلطاناً﴾» (٢).
стр. 88
موقعة صفِّين (سنة ٣٧ هـ) (١):
كان معاوية - كما قدَّمنا - من القسم الثاني من الفريق الأول، والذي امتنع عن مبايعة عليٍّ حتى يتمَّ القصاص من قتلة عثمان، فرأى عليٌّ بعد معركة الجمل أنه يجب على معاوية وأصحابه طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفةٌ واحد، ورأى أنهم خارجون عن طاعته، يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة؛ عندها رأى أن يقاتلهم حتى يؤدُّوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة (٢).
ولذا أعدَّ عليٌّ جيشه، وخرج به إلى صفِّين في الشام. ولما علم معاوية بخروج عليٍّ إليه، جهَّز جيشا وخرج به لملاقاة عليٍّ ومن معه، مُصِرَّاً بذلك على موقفه من عدم المبايعة؛ لحين تسليمه قتلة عثمان.
وكان ذلك في سنة سبعٍ وثلاثين.
قال يعقوب بن سفيان: «كانت وقعةُ صفِّين في شهر ربيع الأول، سنة سبع وثلاثين» (٣).
واستخلف عليٌّ على الكوفة: أبا مسعود البدري.
стр. 89
قال عبد العزيز بن رفيع: «لما خرج عليٌّ إلى صفِّين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو، وأما الشام فكان بها معاوية بن أبي سفيان» (١).
تعداد الجيشين:
عن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية قال: «فصل معاوية من الشام إلى صفِّين في سبعين ألفاً، قال وسألت زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، قلتُ: في كم كان عليٌّ؟ قال: في مِئة ألف» (٢).
стр. 90
النزاع على الماء:
عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: «لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفِّين، وجدناهم قد نزلوا منزلاً اختاروه، مستوياً بساطاً واسعاً، أخذوا الشريعة فهي في أيديهم، وقد صفَّ أبو الأعور السلمي عليها الخيل والرجال، وقد قدم المرامية أمام من معه، وصفَّ صفَّاً معهم من الرماح والدرق، وعلى رؤوسهم البيض، وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماء، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبَّرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صوحان فقال له: ائت معاوية، وقل له: إنا سرنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفُّ عنك حتى ندعوَك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حِلتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء، ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا، فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفان ﵁، حصروه أربعين صباحاً يمنعونه برد الماء، ولين الطعام، اقتلهم عطشاً، قتلهم الله عطشاً! فقال له عمرو بن العاص: خلِّ بينهم وبين الماء، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريَّان، ولكن بغير الماء، فانظر ما بينك وبينهم.
فأعاد الوليد بن عقبة مقالته، وقال عبد الله بن أبي سرح: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، ولو قد رجعوا كان رجوعهم فَلَّاً، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفسقة وشربة الخمر، ضربك وضرب هذا الفاسق-يعني: الوليد بن عقبة- قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه، فقال معاوية: كُفُّوا عن الرجل فإنه رسول.
стр. 91
فرجع صعصعة إلينا فحدثنا عمَّا قال لمعاوية، وما كان منه وما رد، فقلنا: فما ردَّ عليك؟ فقال: لما أردت الانصراف من عنده قلتُ: ما تردُّ علي؟ قال معاويه: سيأتيكم رأيي، فوالله ما راعنا إلا تسريته الخيل إلى أبي الأعور ليكفَّهم عن الماء، قال: فأبرزنا علي إليهم، فارتمينا ثم أَطْعَنَّا، ثم اضطربنا بالسيوف، فنُصرنا عليهم، فصار الماء في أيدينا، فقلنا لا والله لا نسقيهموه، فأرسل إلينا عليٌّ: أن خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخلوا عنهم، فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم» (١).
وأصحُّ من هذه الرواية السابقة ما ذكره حُجْر بن عنبس، حيث قال: «قيل لعليٍّ يوم صفِّين: قد حِيل بيننا وبين الماء, قال: فقال: أرسلوا إلى الأشعث، قال: فجاء، فقال: ائتوني بدرع ابن سهر -رجل من بني براء- فصبها عليه، ثم أتاهم فقاتلهم حتى أزالهم عن الماء» (٢).
وقد وردت روايةٌ تردُّ القتال على الماء من الأصل:
стр. 92
فعن أبي الصلت سليم الحضرمي: «شهدنا صفِّين، فأنا لعلى صفوفنا، وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء، فأتانا فارس على برذون، مقنعا بالحديد، فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك، قال: فأين معاوية؟ قلنا: هو ذا، فأقبل حتى وقف، ثم حسر عن رأسه، فإذا هو أشعث بن قيس الكندي، رجلٌ أصلعٌ ليس في رأسه إلا شعرات، فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ ، هبوا أنكم قتلتم أهل العراق، فمن للبعوث والذراري؟ أم هبوا أنا قتلنا أهل الشام، فمن للبعوث والذراري؟ الله الله، فإن الله يقول: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله﴾، فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: نريد أن تخلُّوا بيننا وبين الماء، فوالله لتخلُنَّ بيننا وبين الماء، أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا، ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه، فقال معاوية لأبي الأعور عمرو بن سفيان: با أبا عبد الله خل بين إخواننا وبين الماء» (١).
لكن الرواية التي قبلها أصحُّ سنداً منها، والله أعلم.
стр. 93
المراسلات بين علي ومعاوية:
قال الطبريُّ -متحدِّثاً عن أحداث سنة سبع وثلاثين-: «فكان في أول شهر منها- وهو المحرم- موادعة الحرب بين علي ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعاً في الصلح» (١).
وقد جاءت عدة روايات تفيد أن ثمَّة مراسلات تمت بين الطرفين، ابتدأها علي ﵁، في محاولة لتجنُّب القتال، إلا أن هذه المحاولات باءتْ في النهاية بالفشل (٢)!
وهذه الروايات جميعها ليس فيها ما يصلح للاستشهاد به، ففضلا عن ضعف إسنادها (٣)؛ ففي متونها نكارة شديدة (٤).
يقول الحافظ ابن كثيرٍ: «ثُمَّ ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر، فإن في مطاوي ذلك الكلام من كلام عليٍّ ما يَنتقص فيه معاوية وأباه، وإنهم إنما دخلوا في الإسلام كرها، ولم يزالا في تردد فيه، وغير ذلك، وأنه قال في غضون ذلك: لا أقول إن عثمان قُتِل مظلوما ولا ظالما! فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل: إن عثمان قُتل مظلوما. وخرجوا من عنده، فقال علي: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين* وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾. ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجدِّ في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم، وهذا عندي لا يصحُّ عن عليٍّ ﵁» (٥).
على كل حالٍ: فخلاصة الروايات -مع ضعف سندها، ونكارة متنها- أن الصلح لم يقع بين الطرفين، وآل الأمر في نهايته إلى القتال، وهذا لا خلافَ عليه.
قال الطبريُّ: «ثم لم تزل الرسل تتردد بين عليٍّ ومعاوية، والناس كافُّون عن القتال، حتى انسلخ المحرم من هذه السنة، ولم يقع بينهم صلح» (٦).
стр. 94
تنظيم الجيوش وبداية القتال:
عن حُجر بن عنبس: «ثم التقى الناس يوم الأربعاء، لسبعٍ خَلَوْن من صفر، سنة سبعٍ وثلاثين، ولواءُ عليٍّ مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وفي ميسرة علي: ربيعة، وعليهم ابن عباس، وفي ميمنة علي: أهل اليمن، عليهم الأشعث بن قيس، وعليٌّ في القلب في مضر البصرة والكوفة، ولواء معاوية مع المخارق بن الصباح الكلاعي، وفي ميسرة معاوية: مضر، عليهم ذو الكلاع، وفي ميمنته: أهل اليمن، ومعاوية في الشهباء أصحاب البيض والدروع» (١).
وعن زيد بن وهب الجهني قال: «وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشدِّ القتال يومهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عند الليل وكلٌّ غير غالب، فأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلَّس بالصلاة أشدَّ التغليس، ثُمَّ بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، وقُرَّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار، ومعه من خزاعة عددٌ حسنٌ، ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة.
стр. 95
ثُمَّ زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قُبَّةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عظم الناس من أهل الشام على الموت، وبعث خيلُ أهلَ دمشق فاحتاطت بقبته، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قُبَّة معاوية عند الظهر» (١).
مَقْتلُ عمَّار بن ياسر ﵁، وظهورُ جيش عليٍّ على أهل الشام:
كان لوجود عمار بن ياسر في جيش علي أثرٌ كبير في اتِّباع الناس له، وانحيازهم إليه، وذلك لما علموه من حديث رسول الله ﷺ في شأن قتل عمَّار خاصَّة، حيث قال: «ويْحَ عمَّار، تقتله الفئة الباغية» (٢).
فعن حبة بن جوين العرني، قال: «انطلقتُ أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحباً بكما، ما خلَّفتُما من قبائل العرب أحداً أحبَّ إلي منكما، فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله، حدِّثنا فإنا نخاف الفتن، فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سمية، إنِّى سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياحٌ من لبن.
قال حبة: فشهدته يوم صفِّين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتي بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال:
اليوم ألقى الأحبَّة ... محمَّداً وحِزْبه
стр. 96
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسل، والجنة تحت البارقة» (١).
يقول النوويُّ: «وكانت الصحابة يوم صفِّين يتبعونه -أيْ: عمَّار- حيث توجَّه؛ لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لهذا الحديث» (٢).
ولذلك ندم ابن عمر -لاحقاً- على عدم القتال مع عليٍّ، لأجل هذا الحديث.
стр. 97
فعن حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه بينا هو جالس مع عبد الله بن عمر جاءه رجل من أهل العراق فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني والله لقد خرجت أن أتسمت بسمتك، وأقتدي بك في أمر فرقة الناس، وأعتزل الشر ما استطعت، وأن أقرأ آية من كتاب الله محكمة، قد أخذت بقلبي، فأخبرني عنها، أرأيت قول الله : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ أخبرني عن هذه الآية. فقال عبد الله بن عمر: «ما لك ولذلك؟! انصرف عني». فقام الرجل فانطلق حتى إذا توارينا سواده أقبل إلينا عبد الله بن عمر فقال: «ما وجدت في نفسي في شيء من أمر هذه الآية إلا ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى» (١).
فلمَّا قُتل عمَّار ﵁ شدَّ ذلك من أزر جيش عليٍّ، وكاد أن يفتَّ في عضد جيش معاوية، لولا ما تأوَّل به معاويةُ هذا الحديث، وانتشر بين أفراد جيشه.
стр. 98
فعن محمد بن عمرو بن حزم، قال: «لما قُتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قُتل عمار، وقد قال رسول الله ﷺ : تقتله الفئة الباغية، فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار، فقال معاوية: قد قُتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: دحضتَ في بَوْلك، أونحن قتلناه؟! إنما قتله عليٌّ وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا» (١).
ردُّ العلماء تأويل معاوية ﵁ وأهلِ الشام للحديث:
مع إعذار العلماء لمعاوية ومن قاتل معه -كما سيأتي لاحقاً إن شاء الله- إلا أنهم لم يرتضوا منهم هذا التأويل للحديث، ورأوه بعيداً عن المراد منه، وهذا من الإنصاف.
قال أبو عبد الله القرطبي: «وقد أجاب عليٌّ ﵁ عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله ﷺ إذاً قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي ﵁ إلزامٌ لا جواب عنه، وحجةٌ لا اعتراض عليها. قاله الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دحية» (٢).
وقال ابن تيْميَّة: «وأما الحديث الذي روي عن النبي ﷺ أنه قال لعمَّار: تقتلك الفئة الباغية، فبعضهم ضعَّفه، وبعضهم تأوَّله، فقال بعضهم: ما يروى عن معاوية ﵁ أنه قال لما ذُكر له هذا الحديث: أونحن قتلناه؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابه حيث ألقوه بين أسيافنا.
стр. 99
ورُوي عن علي ﵁ أنه ذُكر له هذا التأويل، فقال: فرسول الله ﷺ وأصحابه يكونون حينئذ قد قتلوا حمزة وأصحابه يوم أحد؛ لأنه قاتل معهم المشركين.
وهذا القول لا أعلم له قائلاً من أصحاب الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة، ولكن هو قول كثير من المروانية ومن وافقهم» (١).
وقال أيضاً: «ويُروى أن معاوية تأوَّل أن الذي قتله هو الذي جاء به دون مقاتليه، وأن عليَّاً ردَّ هذا التأويل بقوله: فنحن إذاً قتلنا حمزة. ولا ريب أن ما قاله علي هو الصواب» (٢).
وقال ابن القيِّم: «نعم، التأويل الباطل تأويل أهل الشام قوله لعمَّار: تقتلك الفئة الباغية، فقالوا: نحن لم نقتله، إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا! فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره، فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله لا من استنصر به، ولهذا ردَّ عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم؛ فقالوا: فيكون رسول الله ﷺ وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه، لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين» (٣).
وقال ابن كثير: «فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا؛ تأويلٌ بعيدٌ جداً، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدَّمهم إلى سيوف الأعداء» (٤).
ولعلَّ من أقوى ما يردُّ هذا التأويل: فهمَ عبد الله بن عمرو بن العاص للحديث كما فهمه عليٌّ وأصحابه، مع أنه لم يكن في جيشهم.
стр. 100
فعن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: «بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمَّار، يقول: كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطِبْ به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية، قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه. فأنا معكم ولست أقاتل» (١).
فعبد الله بن عمرو مع كونه مع أبيه عمرو ومعاوية، إلا أنه لم يرتضِ تأويل معاوية، وأجرى الحديث على ظاهره، مُقِرَّاً بأن من باشر القتل هو الباغي.
ولكن ثمَّ تأويلٌ آخر، لعل له وجهاً وحظَّاً من النظر، ذكره شيخ الإسلام ابن تيْميَّة، وهو قوله:
«ثم (إنَّ عمَّارا تقتله الفئة الباغية) ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أُريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في العسكر من لم يرض بقتل عمَّار: كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمَّار، حتى معاوية، وعمرو» (٢).
ليلة الهرير، وآخر أيام القتال:
بعد أن قُتل عمَّار اشتعلتْ نار الحرب مرة أخرى، وأذكى لهيبَها حماسُ جيش علي، بعدما تبين لهم أنهم أولى بالحق من غيرهم، وفي المقابل استمات أهل الشام في المقاومة والدفاع، وبلغ الأمر أن صلَّى عليٌّ في تلك الليلة صلاة الخوف.
قال الشافعيُّ: «وحُفظ عن عليٍّ أنه صلَّى صلاة الخوف ليلة الهرير» (٣).
стр. 101
وقال البيهقيُّ: «ويُذكر عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليَّاً ﵁ صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير» (١).
وقال ابن كثير: «ثم حانت صلاة المغرب، فما صلى عليٌّ بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء، واستمر القتال في هذه الليلة كلها، وهي من أعظم الليالي شراً بين المسلمين، وتُسمى هذه الليلة ليلة الهرير. وكانت ليلة الجمعة تقصَّفتْ فيها الرماح، ونفدتْ النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعلي ﵁ يحرِّض القبائل، ويتقدَّم إليهم، يأمر بالصبر والثبات وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر النخعي، تولَّاها بعد قتل عبد الله بن بديل، عشية الخميس ليلة الجمعة، وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك لما قُتل عمَّار، عرف أهل العراق أن أهل الشام بغاة ليس معهم حق» (٢).
وقال أبو إسحاق ابن ديزيل: «وهو في تلك الليالي هي ليله الهرير، جعل يهرُّ بعضهم على بعض.
والهرير: الصوت يشبه النباح، لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنوا الرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض قد كسروا جفون سيوفهم، واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد، فلا تسمع إلا غمغمة القوم والحديد في الهام، ولما صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس، وثار القتام، وارتفع الغبار، وضلت الألوية والرايات، ومرت أوقات أربع صلوات، لأن القتال كان بعد صلاة الصبح واقتتلوا إلى نصف الليل» (٣).
стр. 102
وقال ابن كثير: «وذكر غير واحدٍ من علماء السير، أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصَّفت، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت، ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي، والرمي بالحجارة، والتراب يعفرونه في الوجوه، ثم تعاضوا بالأسنان، فكان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمز على الآخر ويهرُ عليه، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، لا يمكن أحدهما الفرار من الآخر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وأقبل النصر، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام ; وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة -وكان من الشجعان الأبطال الذين يعرفون الحروب ولا يهابون القتل- فحمل بمن فيها على أهل الشام، وتبعه علي، فانفضت غالب صفوف أهل الشام، ولم يبق إلا الهزيمة والكسرة والفرار» (١).
توقُّف القتال والدعوة إلى التحكيم:
كان لكثرة القتل الذي وقع في الطرفين، مع الإجهاد والإعياء الذي أصاب الجميع أثرٌ في الوصول إلى وقف القتال، والدعوة إلى التحكيم.
يقول محمد بن سيرين: «بلغ قتلى صفِّين سبعين ألفاً» (٢).
وقال خليفة بن خيَّاط: «وكان ممن قُتِل مع معاوية: ذو كلاع، وحوشب، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعمرو بن الحضرمي، وحابس بن سعد الطائي، وعروة بن داود الدمشقي، في جماعة كثيرة.
وقُتِل من أصحاب علي: عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الله بن كعب المرادي، وعبد الرحمن بن كلدة الجمحي، في جماعة كثيرة» (٣).
стр. 103
وعن عبد الرحمن بن أبزي، قال: «شهدنا مع علي ثمان مائة، فاقتتلوا يوم الأربعاء، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت، ثم رفعت المصاحف ودعوا إلى الصلح» (١).
وكان الداعون إلى التحكيم ووقف القتال: أهلَ الشام، ووافقهم عليٌّ على ما ذهبوا إليه.
فعن حبيب بن أبي ثابت، قال: «أتيتُ أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان، فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحل قتالهم، قال: كنا بصفِّين فلما استحرَّ القتل بأهل الشام اعتصموا بتلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ بمصحف، وادعه إلى كتاب الله، فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله، ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم، وهم معرضون﴾، فقال عليٌّ: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارج، ونحن ندعوهم يومئذ القرَّاء، وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التلِّ ألا نمشي إليهم بسيوفنا، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فتكلم سهل بن حنيف، فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا» (٢).
стр. 104
قال الطبريُّ: «فكُتب كتاب القضية بين علي ومعاوية- فيما قيل- يوم الأربعاء، لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان، مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه» (١).
مرويَّاتُ قصة التحكيم:
كثُر الكلام حول قصة التحكيم، وتداولها المؤرخون والكتَّاب على أنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، فهم ما بين مُطيل ومختصر في سياقها، وشارح ومستنبط للدروس وبانٍ للأحكام على مضامينها، وقلَّما نجد أحداً وقف عندها فاحصاً مدققاً!
وقد أحسن ابن العربي في ردها إجمالاً، وإن كان غير مفصل، فقال: «وقد تحكم الناس في التحكيم، فقالوا فيه ما لا يرضاه الله، وإذا لحظتموه بعين المروءة -دون الديانة- رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدمُ الدين، وفي الأقل جهلٌ متين» (٢).
والراجح من ناحية الحكم العلمي على الروايات: أن جميع متون قصة التحكيم لا تثبت (٣)، ولا تقوم لها قائمة أمام معيار النقد والتقييم العلمي، وذلك من وجوه:
أولاً: أن جميع طرقها ضعيفة، وأقوى طريق وقفنا عليه لها: ما صحَّ عن الزهري -مرسلاً- أنه قال:
«فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكَّموا الحكمين، فاختار أهلُ العراق أبا موسى الأشعريَّ، واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فتفرَّق أهل صفِّين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد ﷺ ، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.
стр. 105
فلما انصرف عليٌّ خالفتْ الحرورية وخرجتْ- وكان ذلك أول ما ظهرت- فآذنوه بالحرب، وردُّوا عليه أن حكَّم بني آدم في حُكم الله ، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشام، وأبى عليٌّ وأهل العراق أن يوافوا، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحداً من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان؟ قالوا: لا نرى أحداً يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما، فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به، فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمة، قال: أراكم معشر المعتزله خلف الأبرار، وأمام الفجار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبتَ الناس رأياً، فيكم بقية المسلمين، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها، فكتبها أبو موسى، قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلاً يلي أمر هذه الأمة؟ فسمه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك عليَّ أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر
стр. 106
فيمن اعتزل، قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبَّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله : ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدتُ مثل أبي موسى كمثل الذي قال : ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار» (١).
وهذا مع كونه صحَّ عن الزهري، إلا أنه أرسله ولم يسنده لأحد، والمرسل -عامَّةً- لا تقوم به حجة، ومرسل الزهري نفسه -خاصَّةً- عند العلماء من أوهى المراسيل.
قال أحمد بن سنان: «كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حُفَّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء علَّقوه» (٢).
وقال يحيى بن معين: «مراسيل الزهري ليس بشيء» (٣).
فإذا أضفنا لذلك ما في المتن من نكارة، كتصوير عمرو بن العاص بالماكر المخادع، وتصوير أبي موسى الأشعري بالمغفّل، مع سوء الأخلاق التي لا تليق بمن ربَّاهم النبي ﷺ ؛ ازداد ذلك المرسل وَهْنا على وَهْن.
لم يكن الطرفان في حاجة إلى خداع، بل ما كان يريده كل طرف يطرحه على صاحبه، فإن قبله؛ وإلا لم يتفقا. وقد وردت رواية تدل على تلك المصارحة.
стр. 107
فعن مبارك بن فضالة، عن الحسن البصري، قال: «أخبرني الأحنف، أن معاوية كتب إلى علي أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون صلح، فاستشار- وكانت له قبة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم- قال: ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؟ - قال مبارك: يعنى: أمير المؤمنين- قال: برحه الله! فإن رسول الله ﷺ حين وادع أهل مكة كتب: محمد رسول الله، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقلتُ له -أي: الأحنف-: أيها الرجل مالك وما لرسول الله ﷺ ؟ إنا والله ما حابيناك ببيعتنا، وإنا لو علمنا أحداً من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذي بايعت عليه وقاتلتهم لا يعود إليك أبدا.
قال: وكان والله كما قال، قال: قلَّما وُزن رأيه برأي رجل إلا رجح عليه» (١).
فهنا معاوية صرَّح بما أراده من علي، ولم يكل الأمر إلى عمرو ليحتال ويخادع، ولم يكن مطلب معاوية هنا لأجل نزاعه مع علي على الخلافة -كما سيأتي في: رابعاً-، وإنما لأجل أنه لو أقر له بالخلافة؛ تلزمه الطاعة لولي الأمر، وألا يبرم رأياً ولا ينشئ حرباً دون الرجوع إليه، ومعاوية وأهل الشام بالفعل لم يكونوا بايعوا عليَّاً على الخلافة في هذا الوقت، لذلك طلب معاوية منه نزع هذه الصفة عنه، حتى يستطيع أن يشترط ما شاء في وثيقة الصلح.
стр. 108
ثانياً: أهمية هذه القضية في جانب التشريع والأحكام، والعقيدة في الصحابة، ومع ذلك لا نجد لها نَقْلاً بسندٍ صحيحٍ، ولا يُستساغ أن يُطْبِقَ العلماء على إهمالها مع شدَّة الحاجة إليها.
ثالثاً: مع ضعف ونكارة هذه الروايات، فقد ورد ما هو أصحُّ منها، مناقضاً لها:
فعن حُضَين بن المنذر (١): «أن معاوية أرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا -أي: عن عمرو- كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وُليت أنت وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلتُ لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يُستعنْ بكما ففيكما معونة، وإن يُستغنْ عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما» (٢).
فهذه الرواية لم تذكر خدعةً ولا مكراً، ولا توليةً ولا عزلاً، وقول أبي موسى هذا القول: «أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ»، وهو يعلم أنه لم يبق من العشرة المبشَّرين بالجنة إلا سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وقد اعتزل الأوَّلان الفتنة، ولم يرغبا في ولاية ولا إمارة، فلم يبق إذاً إلا علي ﵁.
стр. 109
رابعاً: أن النزاع والتحكيم بين الطرفين لم يكن منشؤه: مَنْ أحقُّ بالخلافة، ومَنْ يُعزَل ومن يُولَّى، وإنما كان لأجل قضية الثأر لدم عثمان، على ما قدَّمنا وبيَّنَّا قبل ذلك.
فعن عُبيد بن أبي أمية الإيادي قال: «جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليَّاً، أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليَّاً أفضل مني، وأنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً؟ وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليَّاً فكلموه بذلك؛ فلم يدفعهم إليه» (١).
خامساً: أن قضية التحكيم وقعت في وقت فتنة، وحالة المسلمين حينها كانت مضطربة، مع وجود خليفة لهم، فكيف ستنتظم حالتهم مع عزل الخليفة؟! لا شك أن هذا مما يزيد الأمور سوءاً، والصحابة أعقل وأحذق من أن يُقدموا على هذا.
سادساً: ذكرتْ هذه الروايات الضعيفة أن أهل الشام بايعوا معاوية بعد التحكيم، والسؤال: ما المسوِّغ الذي جعل أهل الشام يبايعون معاوية، والحكمان لم يتفقا، وليس ثمة مبرر لهذا؟!
وقد قال فقيه أهل الشام، ومفتيهم في زمانه: سعيد بن عبد العزيز التنوخي (٢): «كان عليٌّ بالعراق يُدعى أمير المؤمنين، وكان معاوية بالشام يُدعى الأمير، فلما مات عليٌّ دُعي معاوية بالشام أمير المؤمنين» (٣).
стр. 110
وهذا نصٌّ جليٌّ يبين أنَّ معاوية لم يبايع بالخلافة إلا بعد وفاة عليٍّ ﵁ (١).
خُلاصة الكلام في قصة التحكيم:
تكاد المصادر التاريخية تُجمع على أن القتال بين الطرفين توقَّف، وثمة صلح وتحكيم وقع بينهما، بعد أن استشرى القتل في الفريقين، مع صبر الجميع وشجاعتهم واستبسالهم في القتال.