Полный текст (633 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لَكِن استفدنا من تقديرهم الْعلم بالحكم فَقَط على تَقْدِير وجوده كَمَا يقدرُونَ مسَائِل يعلم أَنَّهَا لَا نفع لتحرير الْقَوَاعِد وتمرير الأذهان على ضَبطهَا
وَبِكُل حَال فالمخبر بذلك قد يكون غالطا أَو فَاسِقًا لَكِن إِذا تواطأوا على ذَلِك لَا يكَاد يخطىء وَبِكُل حَال فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم شَرْعِي فَإنَّا لَا نصلي صلَة الخسوف والكسوف إِلَّا إِذا شاهدنا ذَلِك
وَقد أخبر الصَّادِق ﷺ أَنَّهُمَا آيتان من آيَات الله يخوف الله بهما عباده
وَهَذَا بَيَان أَنَّهُمَا سَبَب لنزول الْعَذَاب فَأمر النَّبِي ﷺ بِمَا يزِيل الْخَوْف من الصَّلَوَات وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق حَتَّى ينْكَشف مَا بِالنَّاسِ وَصلى بِالْمُسْلِمين صَلَاة طَوِيلَة
وَقد رُوِيَ فِي صَلَاة الْكُسُوف أَنْوَاع لَكِن الَّذِي استفاض عِنْد أهل الْعلم بِسنة رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك استحبه أَكثر أهل الْعلم كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه صلى بهم رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان يقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا طَويلا دون الْقِرَاءَة ثمَّ يقوم فَيقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة دون الْقِرَاءَة الأولى ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا دون الرُّكُوع الأول ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ طويلتين
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه كَانَ يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا
وَالْمَقْصُود أَن تكون صَلَاة الْكُسُوف إِلَى أَن يتجلى فان فرغ قبل التجلى ذكر الله وَدعَاهُ إِلَى أَن يتجلى والكسوف يطول زَمَانه تَارَة وَيقصر أُخْرَى
стр. 142
فصل
وَهَذِه النُّجُوم من آيَات الله الدَّالَّة عَلَيْهِ المسبحة لَهُ الساجدة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب﴾
وَهَذَا التَّفْرِيق يبين أَنه لم يرد سجودها لمُجَرّد مَا فِيهَا من الدّلَالَة على ربوبيته كَمَا يُقَال ذَلِك طوائف من النَّاس إِذْ هده الدّلَالَة يشْتَرك فِيهَا جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَهُوَ قد فرق فَعلم أَن ذَلِك قدر زَائِدَة على الدّلَالَة وَمَعَ ذَلِك فقد جعلهَا مَنَافِع لِعِبَادِهِ وسخرها لَهُم
وَمن مَنَافِعهَا الظَّاهِرَة مَا جعله سُبْحَانَهُ بالشمس من الْحر وَالْبرد وَاللَّيْل وَالنَّهَار وإنضاج الثِّمَار وَخلق الْحَيَوَان والنبات والمعادن والترطيب والتيبيس وَغير ذَلِك من الْأُمُور المشهودة كَمَا جعل فِي النَّار الْإِشْرَاق والإحراق وَفِي المَاء التَّطْهِير والسقي وأمثال ذَلِك من نعمه الَّتِي يذكرهَا فِي كِتَابه
وَقد أخبر الله فِي غير مَوضِع أَنه يحيى بعض مخلوقاته بِبَعْض كَمَا قَالَ ﴿لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾
وَمن قَالَ من أهل الْكَلَام إِنَّه يفعل ذَلِك عِنْده لَا بِهِ فعبارته مُخَالفَة لكتاب الله والأمور الْمَشْهُورَة كَمَا أَن من زعم أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِالْفِعْلِ فَهُوَ شرك مُخَالف لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَمن قَالَ إِن لَهَا تَأْثِيرا وعني بذلك مَا قد علم بالحس مِمَّا جعله الله تَعَالَى فِيهَا مِمَّا ذكره سُبْحَانَهُ فَهُوَ حق وَلَكِن قد أَمر الله وَرَسُوله الْعباد بِمَا يدْفع سَبَب الْعَذَاب الْحَاصِل بهَا مثل صَلَاة الْكُسُوف وَالذكر عِنْد الرّيح مثل قَوْله اللَّهُمَّ
стр. 143
إِنَّا نَسْأَلك خير هَذِه الرّيح وَخير مَا أرْسلت بِهِ ونعوذ بك من شَرها وَشر مَا أرْسلت بِهِ
فَهَذِهِ هِيَ السّنة فِي أَسبَاب الْمخبر وَالشَّر أَن يفعل العَبْد عِنْده هَذِه الْأَسْبَاب مَا علمه الله وَرَسُوله ﷺ
أما الْأَسْبَاب الَّتِي تخفى فَلَيْسَ العَبْد مَأْمُورا بِأَن يتَكَلَّف مَعْرفَتهَا بل يَتَّقِي الله وَيفْعل مَا أمره بِهِ فان فعل كَفاهُ الله مُؤنَة الشَّرّ وَيسر لَهُ أَسبَاب الْخَيْر قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ وَفِي سنَن أبي دَاوُد من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم فقد اقتبس شُعْبَة من السحر
وَالسحر محرم بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَذَلِكَ أَن النُّجُوم الَّتِي هِيَ من السحر نَوْعَانِ
أَحدهمَا على وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بحركات النُّجُوم على الْحَوَادِث من جنس الاستسقام بالأزلام
وَالثَّانِي عَمَلي وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ إِنَّه تَأْثِير القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم وَنَحْوهَا وَهَذَا من أرفع أَنْوَاع السحر
وكل مَا حرمه الله وَرَسُوله فضرره أعظم من نَفعه
فَالثَّانِي وَإِن نوهم المتوهم أَن فِيهِ تقدمة للمعرفة بالحوادث وَأَن ذَلِك ينفع فالجهل فِي ذَلِك أظهر ومضرة ذَلِك أعظم
وَلِهَذَا فقد علم بالتواتر أَن مَا يحكم بِهِ المنجمون يكون الْكَذِب فِيهِ أَضْعَاف الصدْق وهم فِي ذَلِك من نوع الْكُهَّان
وَلما ناظرت بِدِمَشْق من حضرني من رُؤَسَائِهِمْ وبينت لَهُ فَسَاد صناعتهم بالأدلة قَالَ وَالله إِنَّا لنكذب مائَة كذبة حَتَّى نصدق فِي وَاحِدَة وَذَلِكَ أَن مَبْنِيّ علمهمْ على أَن الحركات العلوية هِيَ السَّبَب فِي الْحَوَادِث وَالْعلم بِالسَّبَبِ يُوجب الْعلم بالمسبب وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا علم السَّبَب التَّام
وَهَؤُلَاء أَكثر مَا يعلمُونَ إِن علمُوا جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب الْكَثِيرَة
стр. 144
وَلَا يعلمُونَ بَقِيَّة الْأَسْبَاب وَلَا الشُّرُوط وَلَا الْمَوَانِع مثل من يعلم أَن الشَّمْس فِي الصَّيف تعلو الإرض حِين يشْتَد الْحر فيريد أَن يعلم من هَذَا مثلا أَنه حِينَئِذٍ أَن الْعِنَب الَّذِي فِي الأَرْض الْفُلَانِيَّة يصير زبيبا بِنَاء على أَن هُنَاكَ عنبا وَأَنه ينضج وينشره صَاحبه فِي الشَّمْس وَقت الْحر فيزبب
وَهَذَا وَإِن كَانَ كثيرا لَكِن أَخذ هَذَا من مُجَرّد حر الشَّمْس جهل عَظِيم إِذْ قد يكون هُنَاكَ شجر عِنَب وَقد لَا يكون وَقد يُثمر ذَلِك الشّجر وَقد لَا يُثمر وَقد يُؤْكَل عنبا وَقد يسرق
والأدلة على فَسَاد هَذِه الصِّنَاعَة وتحريمها كَثِيرَة جدا
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من أَتَى عرافا فَسَأَلَهُ لم يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا
والعراف اسْم للكاهن والمنجم والرمال وَنَحْوهم مِمَّن يتَكَلَّم فِي تقدمة الْمعرفَة بِهَذِهِ الطّرق
وَأما إِنْكَار بعض النَّاس أَن يكون شَيْء من حركات الْكَوَاكِب وَغَيرهَا من الْأَسْبَاب فَهُوَ أَيْضا قَول بِلَا علم بل النُّصُوص تدل على خلاف ذَلِك كَمَا فِي السّنَن أَن النَّبِي ﷺ نظر إِلَى الْقَمَر فَقَالَ يَا عَائِشَة تعوذي بِاللَّه من شَرّ هَذَا يَعْنِي الْقَمَر فَهَذَا الْفَاسِق إِذا وَقب وَحَدِيث الْكُسُوف حَيْثُ أخبر أَن الله يخوف بهما عباده وأنهما لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ وَإِن كَانَ موت بعض النَّاس قد يَقْتَضِي حُدُوث أَمر فِي السَّمَوَات كَمَا فِي الصَّحِيح إِن عرش الرَّحْمَن اهتز لمَوْت سعد بن معَاذ ﵁
وَأما كَون الْكُسُوف أَو غَيره قد يكون سَببا لحادث فِي الأَرْض من عَذَاب يَقْتَضِي موتا أَو غَيره فَهَذَا قد أثْبته الحَدِيث وَلَا يُنَافِي ذَلِك كَونه الْكُسُوف لَهُ وَقت محدد يكون عِنْد أَجله يَجعله الله سَببا لما يَقْضِيه من عَذَاب وَغَيره كَمَا أَن تَعْذِيب الله لمن عذبه بِالرِّيحِ الشَّدِيدَة كَمَا فِي لوقت الْمُنَاسب وَهُوَ آخر الشتَاء وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا رأى مخيلة وَهُوَ السَّحَاب الَّذِي يخال فِيهِ الْمَطَر
стр. 145
أقبل وَأدبر وَتغَير فَقَالَت عَائِشَة ﵄ إِن النَّاس إِذا رَأَوْهُ اسْتَبْشَرُوا فَقَالَ وَمَا يؤمنني وَقد رأى قوم عَاد الْعَذَاب فَقَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾
وَكَذَلِكَ الْأَوْقَات الَّتِي تنزل فِيهَا الرَّحْمَة كالعشر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَالْأولَى من ذِي الْحجَّة وكجول اللَّيْل وَغير ذَلِك هِيَ أَوْقَات محدودة تنزل فِيهَا الرَّحْمَة مَالا تنزل فِي غَيرهَا
واعتقاد أَن نجما من النُّجُوم السَّبْعَة هُوَ الْمُتَوَلِي لسعد فلَان ونحسه اعتقادا فَاسد وَإِن اعْتقد أَنه هُوَ الْمُدبر لَهُ فَهُوَ كَافِر وخصوصا إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك دعاؤه والاستغاثة بِهِ كَانَ كفرا وشركا مَحْضا
وَغَايَة من يَقُول ذَلِك يبنيه على أَن هَذَا الْوَلَد ولد بِهَذَا الطالع وَهَذَا الْقدر يمْتَنع أَن يكون وَحده هُوَ الْمُؤثر فِي أَحْوَال هَذَا الْمَوْلُود بل غَايَته أَن يكون جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب وَهَذَا الْقدر لَا يُوجب مَا ذكر بل مَا علم حَقِيقَة تَأْثِيره فِيهِ مثل حَال الْوَالِدين والبلد الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِن ذَلِك سَبَب محسوس فِي أَحْوَال الْمَوْلُود وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا سَببا مُسْتقِلّا
ثمَّ إِن الْأَوَائِل من المنجمين الْمُشْركين الصابئين وأتباعهم قد قيل إِنَّهُم كَانُوا إِذا ولدهم الْمَوْلُود أخذُوا طالع الْمَوْلُود وسموه باسم يدل على الطالع فَإِذا كبر سُئِلَ عَن اسْمه أَخذ السَّائِل حَال الطّلع فجَاء هَؤُلَاءِ الطرقية يسْأَلُون الرجل عَن اسْمه وَاسم أمه ويزعمون أَنهم يَأْخُذُونَ من ذَلِك الدّلَالَة على أَحْوَاله وَهَذِه ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض مُنَافِيَة لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَأما اختباراتهم أَن يَأْخُذُوا الطالع للسَّفر مثلا أَن يكون الْقَمَر فِي شروفه وَهُوَ السرطان وَألا يكون فِي هُبُوطه وَهُوَ الْعَقْرَب فَهُوَ من هَذَا الْبَاب المذموم
وَلما أَرَادَ عَليّ ﵁ أَن يُسَافر لقِتَال الْخَوَارِج عرض لَهُ منجم فَقَالَ لَا تُسَافِر فَإِن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَإنَّك إِن سَافَرت وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب يهْزم
стр. 146
جيشك فَقَالَ بل نسافر ثِقَة بِاللَّه وتوكلا على الله وتكذيبا لَك فسافر فبورك لَهُ فِي هَذَا السّفر وَقتل عَامَّة الْخَوَارِج وَكَانَ ذَلِك من أعظم مَا سر بِهِ حَيْثُ كَانَ قِتَاله لَهُم بِأَمْر النَّبِي ﷺ
وَمَا يذكرهُ بعض النَّاس من أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تسافروا وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب فكذب مختلق بِاتِّفَاق أهل الحَدِيث
وَمن قَالَ إِن هَذِه الصَّنْعَة مَأْخُوذَة عَن إِدْرِيس فَهُوَ قَول بِلَا علم وَلَكِن فِي كتب هَؤُلَاءِ هومس ويزعمون أَنه إِدْرِيس والهرمس عِنْدهم اسْم جنس وَلِهَذَا يَقُولُونَ هرمس الهرامسة
وَبِهَذَا تعلم أَن مَا عِنْدهم يَسْتَحِيل أَن يكون مأخوذا عَن نَبِي من الْأَنْبِيَاء لما فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل
وَلَو فرض أَنه كَانَ مَوْجُودا عَن إِدْرِيس لم يكن لَهُم فِيهِ حجَّة فَإِنَّهُ كَانَ معْجزَة لَهُ وعلما أعطَاهُ الله إِيَّاه فَيكون من الْعُلُوم النَّبَوِيَّة
وَهَؤُلَاء إِنَّمَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بالتجربة وَالْقِيَاس لَا يَقُول أحد من الْأَنْبِيَاء وَلَو كَانَ بعضه مأخوذا عَن نَبِي فَفِيهِ من زياداتهم من الْكَذِب وَالْبَاطِل أَضْعَاف مَا هُوَ مَأْخُوذ عَن ذَلِك النَّبِي
وَمَعْلُوم أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى عِنْدهم من الْعُلُوم الْمَأْخُوذَة عَن الْأَنْبِيَاء مَا هُوَ أقل كذبا من هَؤُلَاءِ فَإنَّا قد تَيَقنا قطعا أَن أصل دينهم مَأْخُوذ عَن الْمُرْسلين ثمَّ أخبرنَا الله أَنهم قد حرفوا وكذبوا وكتموا
فَإِذا كَانَ هَذَا حَال الْوَحْي الْمُحَقق الَّذِي هُوَ أقرب إِلَيْنَا من إِدْرِيس ﵇ فَمَا الظَّن بِهَذَا الْقدر إِن كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مَنْقُول عَن إِدْرِيس
فَإنَّا نعلم أَن فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل أعظم مِمَّا فِي عُلُوم أهل الْكتاب
وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنه قَالَ إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم فَكيف تَصْدِيق هَؤُلَاءِ السَّحَرَة فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه مَأْخُوذ عَن إِدْرِيس مَعَ أَنَّهَا أبعد من أهل الْكتاب
стр. 147
وَأما علم الْحساب من معرفَة أقدار الأفلاك وَالْكَوَاكِب وصفاتها ومقاديرها فَهَذَا فِي الأَصْل علم صَحِيح لَا ريب فِيهِ كمعرفة الأَرْض وصفاتها لَكِن جُمْهُور الدَّقِيق مِنْهُ كثير التَّعَب قَلِيل الْفَائِدَة كَالْعلمِ بمقادير الدقائق والثواني والثوالث فِي حركات السَّبْعَة الْمُتَحَيِّرَة ﴿بالخنس الْجوَار الكنس﴾ فَهَذَا يُمكن أَن يكون أَصله عَن إِدْرِيس وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك كَمَا يَقُول نَاس إِن أصل الطِّبّ مَأْخُوذ عَن بعض الْأَنْبِيَاء
وَأما الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ من جنس السحر فَمن الْمُمْتَنع أَن يكون نَبِي من الْأَنْبِيَاء كَانَ ساحرا وهم يذكرُونَ أنواعا من السحر وَيَقُولُونَ هَذَا يصلح لعمل النواميس أَي الشَّرَائِع وَالسّنَن وَمِنْهَا مَا هُوَ دُعَاء للكواكب وَعبادَة لَهَا وأنواع من الشّرك الَّذِي يعلم كل من آمن بِاللَّه وَرَسُوله بالاضطرار أَن نَبينَا من الْأَنْبِيَاء محَال أَن يَأْمر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا علمه وَإِضَافَة ذَلِك إِلَى نَبِي من الْأَنْبِيَاء كاضافة من أضَاف ذَلِك السحر إِلَى سُلَيْمَان ﵇ لما سخر الله لَهُ الْجِنّ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كفر سُلَيْمَان وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا﴾
وَكَذَلِكَ الِاسْتِدْلَال على الْحَوَادِث بِمَا يستدلون بِهِ من الحركات العلوية على اخْتِيَار أَوْقَات الْأَعْمَال كل هَذَا مِمَّا يعلم قطعا أَن نَبينَا من الْأَنْبِيَاء لم يَأْمر قطّ بِهِ إِذْ فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل مَا ينزه عَنهُ الْعُقَلَاء الَّذين هم دون الْأَنْبِيَاء
قَالَ إِمَام هَؤُلَاءِ أَبُو نصر الفارابي مَا مضمونه إِنَّك لَو نقلت أوضاع المنجمين فَجعلت مَكَان السعد نحسا وَمَكَان النحس سَعْدا أَو مَكَان الْحَار بَارِدًا وَمَكَان الْبَارِد حارا أَو مَكَان الذّكر مؤنثا وَمَكَان الْمُؤَنَّث مذكرا وحكمت لَكَانَ حكمك من جنس أحكامهم تصيب تَارَة وتخطىء أُخْرَى وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المثابة فهم ينزهون عَنهُ بقراط وأفلاطون وإرسطو وَأَصْحَابه الفلاسفة المشاءين الَّذِي يُوجد فِي كَلَامهم من الْبَاطِل مَا هُوَ أبطل مِمَّا يُوجد فِي كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى
فاذا كَانُوا ينزهون عَنهُ هَؤُلَاءِ الصابئين وأتباعهم الَّذين هم أقل مرتبَة
стр. 148
وَأبْعد عَن معرفَة الْحق من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَكيف يجوز نِسْبَة ذَلِك إِلَى نَبِي كريم
وَنحن نعلم من أَحْوَال أمتنَا أَنه قد أضيف إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَلَيْسَ هُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء مَا هُوَ من جنس هَذِه الْأُمُور مِمَّا يُعلمهُ كل عَالم بِحَال جَعْفَر أَن جَعْفَر مَكْذُوب عَلَيْهِ حَتَّى نسبوا إِلَيْهِ أَحْكَام الحركات السفلية كاختلاج الْأَعْضَاء وحوادث الجو من الرَّعْد والبرق والهالة وقوس الله الَّذِي يُقَال لَهُ قَوس قزَح وأمثال ذَلِك وَالْعُلَمَاء يعلمُونَ أَنه بَرِيء من ذَلِك كُله
وَكَذَلِكَ ينْسب إِلَيْهِ الْجَدْوَل الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ الضلال طَائِفَة الرافضة وَهُوَ كذب افتعله عَلَيْهِ عبد الله بن مُعَاوِيَة الْكذَّاب
وَكَذَلِكَ أضيف إِلَيْهِ كتاب الجفر والنظافة والهفت حَتَّى أضييف إِلَيْهِ رسائل إخْوَان الصَّفَا وَهَذَا فِي غَايَة الْجَهْل فَإِن هَذِه الرسائل إِنَّمَا وضعت بعد مَوته بِأَكْثَرَ من مِائَتي سنة فَإِنَّهُ توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهَذِه الرسائل وضعت فِي دولة بني بويه فِي أثْنَاء الْمِائَة الرَّابِعَة فِي أَوَائِل دولة بني عبيد الَّذين بنوا الْقَاهِرَة وَضعهَا جمَاعَة وَزَعَمُوا أَنهم جمعُوا بهَا بَين الشَّرِيعَة والفلسفة فضلوا وأضلوا
وَكَذَلِكَ كثير مِمَّا ينْسبهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ إِلَى جَعْفَر فِي كتاب حقائق التَّفْسِير هُوَ من الْكَذِب الَّذِي لَا يشك أحد فِي كذبه
وَكَذَلِكَ كثير من الْمذَاهب الْبَاطِلَة الَّتِي يحكيها عَنهُ الرافضة وَهِي من أبين الْكَذِب عَلَيْهِ
وَأول من ابتدع الرافض عبد الله بن سبأ كَانَ منافقا زنديقا أَرَادَ بذلك فَسَاد دين الْمُسلمين كَمَا فعل بولص صَاحب الرسائل الَّتِي بأيدي النَّصَارَى حَيْثُ ابتدع لَهُم بدعا أفسد بهَا دينهم وَكَانَ يَهُودِيّا فأظهر النَّصْرَانِيَّة نفَاقًا لقصد إِفْسَاد ملتهم
وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن سبأ يَهُودِيّا فقصد بذلك وسعى فِي الْفِتْنَة وَلم يتَمَكَّن
стр. 149
لَكِن حصل بِسَبَبِهِ بَين الْمُؤمنِينَ تحريش وفتنة قتل فِيهَا عُثْمَان ﵁ وَللَّه الْحَمد فَلم تَجْتَمِع هَذِه الْأمة على الضلال بل لَا تزَال طَائِفَة مِنْهُم ظَاهِرين على الْحق حَتَّى تقوم السَّاعَة
وَلما حدثت بدع الشِّيعَة فِي خلَافَة عَليّ ﵁ ردهَا وَكَانَت ثَلَاث طوائف غَالِيَة وسبئية ومفضلة فَحرق على الغالية لما خرج إِلَيْهِم من بَاب كِنْدَة فسجدوا لَهُ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا أَنْت هُوَ الله فَخدَّ الأخاديد وأضرم فِيهَا النَّار ثمَّ قذفهم فِيهَا وَقَالَ
لما رَأَيْت الْأَمر أمرا مُنْكرا ... أحجت نَارِي ودعوت قنبرا
وَأما السبئية فَلَمَّا بلغ عليا أَن ابْن سبأ أَبَا بكر وَعمر ﵄ طلبه ليَقْتُلهُ فهرب إِلَى قريسيا وَكَانَ عَليّ ﵁ يُدَارِي أمراءه لِأَنَّهُ لم يكن مُتَمَكنًا وَلم يَكُونُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي كل مَا يَأْمُرهُم بِهِ
وَأما المفضلة فَقَالَ لَا أُوتِيَ بِأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفترى
وأضافت إِلَيْهِ القرامطة والباطنية والخرمية والمزدكية والاسماعيلية والنصيرية مذاهبها الَّتِي هِيَ من أفسد مَذَاهِب الْعَالم وَادعوا أَن ذَلِك من الْعُلُوم الموروثة عَنهُ
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الزَّمن الْقَرِيب الَّذِي هُوَ أقل من سَبْعمِائة سنة قد كذب على عَليّ وعَلى أهل بَيته وَأَصْحَابه وَغَيرهم وأضيف إِلَيْهِم من مَذَاهِب الفلاسفة والمنجمين مَا يعلم كل عَاقل براءتهم مِنْهُ ونفق ذَلِك على طوائف كَثِيرَة فنسبه إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ وجود من يبين كذب هَؤُلَاءِ وَيُنْهِي عَن ذَلِك ويذب عَن الْمَسْأَلَة وَالْيَد وَاللِّسَان فَكيف الظَّن بِمَا يُضَاف إِلَى إِدْرِيس وَغَيره من الْأَنْبِيَاء من أُمُور المنجمين والفلسفة مَعَ تطاول الزَّمَان وتنوع الْحدثَان وَاخْتِلَاف الْملَل والأديان وَعدم من يبين حَقِيقَة ذَلِك بِحجَّة أَو برهَان مَعَ اشْتِمَال ذَلِك على مَا لَا يُحْصى من الْكَذِب والبهتان
стр. 150
وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْمُدعى أَن نجم النَّبِي ﷺ بالعقرب والمريخ وَنجم أمته بالزهرة هُوَ من أوضح الهذيان
فَإِن من أوضح الْكَذِب قَوْلهم إِن نجم الْمُسلمين بالزهرة وَنجم النَّصَارَى بالمشتري مَعَ قَوْلهم إِن المُشْتَرِي يَقْتَضِي الْعلم وَالدّين والزهرة تَقْتَضِي اللَّهْو اللّعب
وكل عَاقل يعلم أَن النَّصَارَى أعظم الْملَل جهلا وضلالة وَأَكْثَرهم اشتغالا بالملاهي وتعبدا بهَا والفلاسفة متفقون على أَنه مَا قرع الْعَالم ناموس أعظم من الناموس الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَأمته أكمل الْأُمَم عقلا ودينا وعلما بِاتِّفَاق الفلاسفة حَتَّى فلاسفة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم لَا يرتابون فِي أَن الْمُسلمين أفضل عقلا ودينا من كل أمة
وَإِنَّمَا يصر أحدهم على دينه لهواه أَو ظنا مِنْهُ أَن يجوز التَّمَسُّك بِأَيّ مِلَّة كَانَت وَأَنَّهَا كالمذاهب فَإِن جُمْهُور الفلاسفة من المنجمين وأمثالهم يَقُولُونَ ذَلِك ويجعلونها بِمَنْزِلَة الدول الصَّالِحَة وَإِن كَانَ بَعْضهَا أفضل من بعض فَظهر جهلهم على مُقْتَضى اعْتِقَادهم وصنعتهم فَإِن الْمُسلمين بِاتِّفَاق كل ذِي عقل أولى بِالْعلمِ وَالدّين وَالْعقل وَالْعدْل وأمثال ذَلِك مِمَّا يُنَاسب عِنْدهم آثَار المُشْتَرِي وَالنَّصَارَى أبعد عَن ذَلِك مِمَّا يُنَاسب عِنْدهم آثَار الزهرة
وَبِذَلِك كَانَ مَا ذَكرُوهُ ظَاهر الْفساد حَتَّى إِن كَبِير الفلاسفة الَّذِي يسمونه فيلسوف الْإِسْلَام يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ عمل تيسيرا لهَذِهِ الْأمة وَزعم أَنَّهَا تَنْقَضِي عَام ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَزعم من زعم أَنه استخرج ذَلِك من حِسَاب الْجمل الَّذِي للحروف الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور وَهِي مَعَ حذف المكرر أَرْبَعَة عشر حرفا وحسابها فِي الْجمل الْكَبِير سِتّمائَة وَثَلَاثَة وتعسون
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا ذكر فِي التَّفْسِير أَنه لما نزل آلم قَالَ بعض الْيَهُود بَقَاء هَذِه الْأمة أحد وَثَلَاثُونَ فَلَمَّا نزل آلر والمر قَالُوا خلط علينا
فَهَذِهِ الْأُمُور وأشباهها خَارِجَة عَن دين الْإِسْلَام مُحرمَة فِيهِ يجب إنكارها
стр. 151
وَالنَّهْي عَنْهَا وَاجِب على الْمُسلمين على كل قَادر بِالْعلمِ وَالْبَيَان وَالْيَد وَاللِّسَان فَإِن ذَلِك من أعظم مَا أوجبه الله من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَؤُلَاء وأشباههم هم أَعدَاء الرُّسُل وسوس الْملك وَلَا ينْفق الْبَاطِل فِي الْوُجُود إِلَّا بشوب من حق كَمَا أَن أهل الْكتاب لبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ فَيحصل بذلك فتْنَة فِي الدّين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
بَاب فِي الاسْتِسْقَاء
يحول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل الْقَحْط
من النَّاس من قَالَ إِن الْيَد لَا ترفع إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَتركُوا رفع الْيَدَيْنِ فِي سَائِر الْأَدْعِيَة
وَمِنْهُم من فرق بَين دُعَاء الرَّغْبَة وَدُعَاء الرهبة فَقَالَ فِي دُعَاء الرَّغْبَة يَجْعَل ظَاهر كفيه إِلَى السَّمَاء وباطنهما إِلَى الأَرْض وَفِي الرهبة بِالْعَكْسِ يَجْعَل باطنهما إِلَى السَّمَاء وظاهرها إِلَى الأَرْض
وَقَالُوا الرَّاغِب كالمستطعم والراهب كالمستجير
وَالصَّحِيح الرّفْع مُطلقًا فقد تَوَاتر عَنهُ ﷺ كَمَا فِي الصِّحَاح أَن الطُّفَيْل قَالَ يَا رَسُول الله إِن دوسا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهِم فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اهد دوسا وائت بهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما دَعَا لأبي عَامر رفع يَدَيْهِ
وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ لما دَعَا لأهل البقيع رفع يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ مُسلم
وَفِيه أَيْضا أَنه رفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أمتِي أمتِي وَفِي آخِره ان الله تَعَالَى قَالَ إِنَّا سنرضيك فِي أمتك وَلَا نسوءك
стр. 152
وَفِيه أَنه لما نظر إِلَى الْمُشْركين وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة معد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه فَمَا زَالَت يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه الحَدِيث
وَفِي حَدِيث قيس بن سعد ﵁ فَرفع يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبَادَة
وَبعث جَيْشًا فِيهِ عَليّ ﵁ فَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تمتنى حَتَّى تريني عليا
وَلما كَانَ أُسَامَة بن زيد ﵁ رديفة قَالَ فَرفع يَدَيْهِ يَدْعُو فَسقط خطام الناقلة فتناوله بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافع الْأُخْرَى
وَفِي حَدِيث الْقُنُوت رفع يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
وروى عَنهُ أنس ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يرفع يَدَيْهِ فِي شَيْء من دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى بَيَاض إبطَيْهِ وينحى فِيهِ يَدَيْهِ
وَهَذَا هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ الابتهال وَجعل الْمَرَاتِب ثَلَاثًا الْإِشَارَة بإصبع وَاحِدَة كَمَا كَانَ يفعل يَوْم الْجمع على الْمِنْبَر
وَالثَّانيَِة الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن تجْعَل يَديك حَذْو منكبيك كَمَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث
الثَّالِثَة الابتهال وَهُوَ الَّذِي ذكره أنس ﵁ وَلِهَذَا قَالَ كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطه وَهُوَ الرّفْع إِذا اشْتَدَّ وَكَانَ بطُون يَدَيْهِ مِمَّا يَلِي وَجهه وَالْأَرْض وَظُهُورهمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاء
وَقد يكون أنس ﵁ أَرَادَ بِالرَّفْع على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا فِي مُسلم وَغَيره أَنه كَانَ لَا يزِيد على أَن يرفع إصبعه المسبحة
стр. 153
وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد فِي رفع الْخَطِيب يَدَيْهِ
قيل يسْتَحبّ قَالَه ابْن عقيل وَقيل لَا يسْتَحبّ بل هُوَ مَكْرُوه وَهُوَ أصح
قَالَ إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ هُوَ بِدعَة للخطيب وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِي ﷺ باصبعه إِذا دَعَا
وَأما فِي الاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ لما استسقى على الْمِنْبَر رفع يَدَيْهِ كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ فقد روى فِي الحَدِيث أَنه استسقى بهم يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر فَرفع يَدَيْهِ
وَقد ثَبت أَنه لم يكن يرفع يَدَيْهِ على الْمِنْبَر فِي غير الاسْتِسْقَاء فَيكون أنس أَرَادَ هَذَا الْمَعْنى لَا سِيمَا وَقد كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان أحدث رفع الْأَيْدِي على الْمِنْبَر وَأنس ﵁ أدْرك هَذَا الْعَصْر وَقد أنكر ذَلِك على عبد الْملك عَاصِم بن الْحَارِث فَيكون هُوَ أخبر بِالسنةِ الَّتِي أخبر بهَا غَيره من أَن النَّبِي ﷺ لم يرفع يَدَيْهِ يَعْنِي على الْمِنْبَر إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء
وَهَذَا يبين أَن الاسْتِسْقَاء مَخْصُوص بمزيد الرّفْع وَهُوَ الابتهال الَّذِي ذكره ابْن عَبَّاس ﵄
فالأحاديث تأتلف وَلَا تخْتَلف
وَمن ظن أَن النَّبِي ﷺ فِي الرّفْع المعتدل جعل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ
وَكَذَلِكَ من ظن أَنه قصد بِوَجْهِهِ وَظهر يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ فَإِنَّهُ نهى عَن ذَلِك فَقَالَ إِذا سَأَلْتُم الله فأسألوه ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها أخرجه أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وَهُوَ من غير وَجه عَن مُحَمَّد بن كَعْب كلهَا واهية وروى أَحَادِيث أخر فِي أبي دَاوُد وَغَيره
стр. 154
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا هُوَ الرّفْع الَّذِي استفاضت بِهِ الْأَحَادِيث وَعَلِيهِ الْأَئِمَّة والمسلمون من زمن نَبِيّهم إِلَى هَذَا التَّارِيخ
وَحَدِيث أنس الَّذِي تقدم يدل على أَنه لشدَّة الرّفْع انحنت يَدَاهُ فَصَارَ كَفه مِمَّا يَلِي السَّمَاء لشدَّة الرّفْع لَا قصدا لذَلِك كَمَا جَاءَ أَنه رفعهما حذاء وَجهه وَتقدم حَدِيث أنس ﵁ فَفِيهِ أَنه رَآهُ يَدْعُو بباطن كفيه وظاهرهما
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَنْوَاع فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد
رفع الابتهال يذكر فِيهِ أَن بطونها مِمَّا يَلِي وَجهه وَهَذَا أَشد
وَتارَة يذكر هَذَا وَهَذَا
فَتبين بذلك أَنه لم يقْصد فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد لَا ظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا لاظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا فَإِنَّمَا كَانَ تَوْجِيه بَطنهَا وَهَذَا فِي الرّفْع الْمُتَوَسّط الَّذِي هُوَ رفع الْمَسْأَلَة الَّتِي يُمكن فِيهَا الْقَصْد وَرفع مَا يخْتَار من الْبَطن وَالظّهْر بِخِلَاف الرّفْع الشَّديد الَّذِي يرى بِهِ بَيَاض إبطَيْهِ فَلَا يُمكن فِيهِ تَوْجِيه بَاطِنهَا بل ينحنى قَلِيلا بِحَسب الرّفْع
فَبِهَذَا تتألف الْأَحَادِيث وَتظهر السّنة
فصل
وَالسَّمَوَات مستديرة عِنْد عُلَمَاء الْمُسلمين حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد مثل أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن جَعْفَر الْمَنَاوِيّ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَأبي مُحَمَّد بن حزم وَابْن الْجَوْزِيّ
والاستسرار اجْتِمَاع القرصين
стр. 155
وَظن طَائِفَة من الْجُهَّال أَنهم يضبطون وَقت طُلُوع الْهلَال بمعرفتهم وَقت ظُهُوره بعد استسراره وبمعرفة بعده عَن الشَّمْس بعد مفارقتها وَقت الْغُرُوب وضبطهم قَوس الرُّؤْيَة وَهَذَا الْخَلْط الْمَفْرُوض مستديرا قطعه من دَائِرَة وَقت الاستهلال فَإِن هَذِه دَعْوَى بَاطِلَة عُلَمَاء الشَّرِيعَة على تَحْرِيم الْعَمَل بذلك فِي الْهلَال فانفق عُلَمَاء الْحساب الْعُقَلَاء على أَن معرفَة الْهلَال لَا تنضبط بِالْحِسَابِ ضبطا صَحِيحا قطّ وَلم يتَكَلَّم فِيهِ إِلَّا قوم من الْمُتَأَخِّرين تَقْرِيبًا وَذَلِكَ ضلال عَن دين الله وتغيير لَهُ شَبيه بضلال الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَمَّا أمروا بِهِ من الْهلَال إِذا باعت الشَّمْس وَقت اجْتِمَاع القرصين وكبس الشُّهُور الْهِلَالِيَّة وَذَلِكَ من النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْعَرَب زِيَادَة فِي الْكفْر
فَمن أَخذ علم الْهلَال بِالْحِسَابِ فَهُوَ فَاسد الْعقل وَالدّين
وَإِذا صَحَّ حِسَاب الحاسب فَأكْثر مَا يُمكنهُ ضبط الْمسَافَة الَّتِي بَين الشَّمْس وَالْقَمَر وَقت الْغُرُوب مثلا وَهُوَ الَّذِي يُسمى بعد الْقَمَر عَن الشَّمْس
أما كَونه يرى أَولا يرى فَلَا يعلم بذلك فَإِن الرُّؤْيَة تخْتَلف بعلو الأَرْض وانخفاضها وصفاء الجو وَكَذَلِكَ لم يتفقوا على قَوس وَاحِد للرؤية بل اضْطَرَبُوا فِيهِ كثيرا وَلَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا مرجعه إِلَى الْعَادة وَلَيْسَ لَهُ ضَابِط حسابي فَمنهمْ من ينقصهُ عَن عشر دَرَجَات وَمِنْهُم من يزِيدهُ عَنْهَا وَفِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص أَقْوَال متقابلة
стр. 156
كتاب فِي ترك الصَّلَاة
الحكم فِيمَن تَركهَا
قَالَ عمر ﵁ الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ من غير عذر من الْكَبَائِر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم والأثر
وتفويت الْعَصْر أعطم من تَفْوِيت غَيرهَا فَإِنَّهَا الْوُسْطَى وَعرضت على من كَانَ قبلنَا فضيعوها وَمن حَافظ عَلَيْهَا فَلهُ الْأجر مرَّتَيْنِ وَلما فَاتَت سُلَيْمَان فعل بِالْخَيْلِ مَا فعل
وَفِي الصَّحِيح من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط عمله وَفِيه فقد وتر أَهله وَمَاله فِي حَدِيث آخر
وَكَذَلِكَ كل من أخر صَلَاة عَن وَقتهَا فقد أَتَى بَابا من الْكَبَائِر
وَكَذَلِكَ من ترك الطَّهَارَة أَو الْقبْلَة أَو ترك من فعلهَا رُكُوعًا أَو سجودا أَو الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة أَو غير ذَلِك مُتَعَمدا فقد فعل كَبِيرَة بل تتوزع فِي كفره إِذا لم يسْتَحل ذَلِك أما لَو استحله فقد كفر بِلَا ريب
وَلَا نزاع أَنه إِذا علم العادم للْمَاء أَنه يجده بعد الْوَقْت يُمكنهُ أَن يفعل ذَلِك كَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت بِحَسب إِمْكَانه
وَمن قَالَ يجوز تَأْخِير الصَّلَاة لمشتغل بشرطها فَهَذَا لم يقلهُ أحد قبله من أَصْحَابنَا بل وَلَا من سَائِر طوائف الْمُسلمين إِلَّا أَن يكون بعض الشَّافِعِيَّة فَهَذَا
стр. 157
شكّ فِيهِ وَلَا ريب أَنه لَيْسَ على عُمُومه وإطلاقه بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا أَرَادَ صُورَة مَعْرُوفَة كَمَا إِذا أمكن الْوُصُول إِلَى الْبِئْر بعد أَن يصنع حبلا يستقى بِهِ لَا يفرغ إِلَّا بعد الْوَقْت أَو أمكن الْعُرْيَان أَن يخيط لَهُ ثوبا لَا يفرغ مِنْهُ إِلَّا بعد الْوَقْت وَنَحْو هَذِه الصُّور
وَمَعَ ذَلِك فالدين قَالُوا هَذَا قد خالفوا الْمَذْهَب الْمَعْرُوف عَن أَحْمد وَأَصْحَابه وَغَيرهم إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ محجوج بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَو دخل الْوَقْت وَأمكنهُ أَن يجد المَاء ويطلبه بعد الْوَقْت لم يجز لَهُ التَّأْخِير بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِن كَانَ مشتغلا بِالشّرطِ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَان لَو أمكنه أَن يذهب إِلَى قَرْيَة يَشْتَرِي لَهُ ثوبا وَلَا يُصَلِّي إِلَّا بعد خُرُوج الْوَقْت لم يجز لَهُ التَّأْخِير بِلَا نزاع
وَكَذَلِكَ من لَا يعلم الْفَاتِحَة إِلَّا بعد الْوَقْت وَالتَّكْبِير وَالتَّشَهُّد إِذا ضَاقَ الْوَقْت وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَة إِذا كَانَ دَمهَا يَنْقَطِع بعد الْوَقْت فَكل هَؤُلَاءِ يصلونَ فِي الْوَقْت بِحَسب الْحَال وَلَا يجوز لَهُم التَّأْخِير
وَأما من يجمع مَا ثَبت الْجمع فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ فَهُوَ لم يُؤَخر عَن الْوَقْت بل لَا يحْتَاج الْجمع إِلَى نِيَّة وَلَا الْقصر فِي إِحْدَى الْقَوْلَيْنِ إِلَى نِيَّة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْجُمْهُور
وَكَذَا صَلَاة الْخَوْف تفعل فِي الْوَقْت بِحَسب الْحَال وَلَا تُؤخر لتفعل تَامَّة وَكَذَا من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة لَا يؤخرها حَتَّى يعلمهَا بعد الْوَقْت بل يُصَلِّي على حسب حَاله بِالِاجْتِهَادِ
وَأما نزاع النَّاس فِيمَا إِذا أمكنه التَّعَلُّم بدلائل الْقبْلَة وَلَكِن يخرج عَن الْوَقْت فَهَذَا هُوَ القَوْل الْمُحدث الشاذ الَّذِي تقدم
وَإِنَّمَا النزاع الْمَعْرُوف فِيمَا اذا اسْتَيْقَظَ النَّائِم فِي آخر الْوَقْت وَلم يُمكنهُ أَن يُصَلِّي قبل خُرُوج الْوَقْت بِوضُوء هَل يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ أَو يتَوَضَّأ وَيُصلي بعد الْوَقْت على قَوْلَيْنِ
стр. 158
الأول قَول مَالك مُرَاعَاة للْوَقْت وَالثَّانِي قَول الْأَكْثَرين
وَمن هُنَا توهم قوم أَن الشَّرْط مقدم على الْوَقْت وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْوَقْت فِي حق الناذم حِين يَسْتَيْقِظ فَلَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط بِخِلَاف المستيقظ
وَقد نَص جُمْهُور الْعلمَاء على أَنه إِذا ضَاقَ الْوَقْت وَلم يصل قتل وَلَو قَالَ أَنا أقضيها كَمَا إِذا قَالَ أَنا أُصَلِّي بِغَيْر وضوء أَو قَالَ أترك فرضا مجمعا عَلَيْهِ قتل وَلَا يقتل حَتَّى يُسْتَتَاب
وَهل هِيَ وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة أَو مُؤَقَّتَة بِثَلَاثَة أَيَّام فِيهِ نزاع
وَهِي يقتل بِصَلَاة أَو بِثَلَاثَة على رِوَايَتَيْنِ
وَهل يشْتَرط ضيق وَقت الَّتِي بعْدهَا أَو يَكْفِي ضيق وَقتهَا على وَجْهَيْن وَوجه ثَالِث الْفرق بَين صَلَاتي الْجمع وَغَيرهَا
وَمن لَا يعْتَقد وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْبَاطِن كَافِر وَيجْرِي عَلَيْهِ فِي الظَّاهِر أَحْكَام الْإِسْلَام كالمنافقين وَإِن لم يكن فِي الْبَاطِن مُكَذبا للرسول لَكِن معرض عَمَّا جَاءَ بِهِ وَلَا يخْطر بِقَلْبِه الصَّلَاة هَل هِيَ وَاجِبَة أَو لَيست وَاجِبَة وَإِن خطر ذَلِك لَهُ أعرض عَنهُ واشتغل بأموره وشهواته عَن أَن يعْتَقد الْوُجُوب ويعزم على الْفِعْل فَهَؤُلَاءِ وَإِن صلوا لم تقبل صلَاتهم
وَإِذا تَابَ فَاعْتقد الْوُجُوب وعزم على الْفِعْل كَانَ بِمَنْزِلَة من تَابَ من الْكفْر فَإِن أصح قولي الْعلمَاء وَأَكْثَرهم لَا يُوجب على من تَابَ من الْكفْر قَضَاء مَا تَركه قبل الْإِسْلَام من صَلَاة وَغَيرهَا وَلِهَذَا لم يكن النَّبِي ﷺ يَأْمر من تَابَ من الْمُنَافِقين بِإِعَادَة مَا فَعَلُوهُ أَو تَرَكُوهُ وَلَا أَمر الْمُرْتَدين الَّذين تَابُوا بِقَضَاء مَا تَرَكُوهُ حَال الرِّدَّة وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الظَّاهِر عَنهُ
وَمذهب الشَّافِعِي الْقَضَاء وَبَنوهُ على أَنه هَل يحبط عمله بِنَفس الرِّدَّة أَو بهَا مَعَ الْمَوْت وَفِيه كَلَام لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
стр. 159
أما الَّذِي تَركهَا تكاسلا مَعَ اعْتِقَاده وُجُوبهَا فَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء عِنْد الْجُمْهُور وَعند بَعضهم لَا يجب إِذا تَابَ بِخِلَاف النَّائِم وَالنَّاسِي فَيَقْضِي بِالْإِجْمَاع
وتارك الصَّلَاة يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا عُوقِبَ عُقُوبَة شَدِيدَة إِلَّا أَن يُصَلِّي بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَأَكْثَرهم يحكم بقتْله إِمَّا كفرا أَو حدا على قَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ
فصل
يجب على الْإِنْسَان أَن يَأْمر بِالصَّلَاةِ كل من يقدر على أمره إِذا لم يقم بِهِ غَيره فَإِن لم يَأْمُرهُ عزّر تعزيرا بليغا وَلم يسْتَحق أَن يكون من جند الْمُسلمين وَيَأْمُر زَوجته ويحضها بالرغبة والرهبة فَإِن أصرت على ترك الصَّلَاة طَلقهَا فِي الصَّحِيح
وَمن ترك الزَّكَاة أخذت مِنْهُ قهرا فَإِن غيب مَاله قَتله فِي أحد قولي الْعلمَاء وَفِي الآخر لَا يزَال يضْرب ضربا مَا بعد ضرب حَتَّى يظْهر مَاله فَيُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة
وَمن عرف حَاله فَيَنْبَغِي أَن يهجره فَلَا يسلم عَلَيْهِ وَلَا يُجيب دَعوته ويوبخه ويغلظ عَلَيْهِ حَتَّى يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة
وَلَا نَفَقَة للزَّوْجَة مُدَّة تَركهَا الصَّلَاة وَإِذا هجرها وَامْتنع من وَطئهَا كَانَ محسنا وَيجوز أَن يُقَال عَنهُ إِنَّه تَارِك للصَّلَاة بل يَنْبَغِي أَن يشاع عَنهُ ذَلِك حَتَّى يُصَلِّي
وكل طَائِفَة ممتنعة عَن شَرِيعَة من شرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة الْمَعْلُومَة يجب قتالها وَلَو تشهدوا مثل أَن لَا يصلوا أَو لَا يزكوا أَو لَا يَصُومُوا أَو لَا يحجوا الْبَيْت أَو قَالُوا نَفْعل هَذَا وَلَا نَدع الْخمر وَلَا الزِّنَا أَو الرِّبَا أَو الْفَوَاحِش أَو لَا نجاهد أَو لَا نضرب الْجِزْيَة على أهل الذِّمَّة أَو نَحْو ذَلِك قوتلوا حَتَّى يكون الدّين كُله لله
стр. 160
كتاب الْجَنَائِز
كَانَ الْمَيِّت على عهد رَسُول الله ﷺ يخرج بِهِ الرِّجَال يحملونه إِلَى الْمقْبرَة لَا يسرعون وَلَا يبطئون بل عَلَيْهِم السكينَة لَا نسَاء مَعَهم وَلَا يرفعون أَصْوَاتهم لَا بِقِرَاءَة وَلَا غَيرهَا وَهَذِه هِيَ السّنة بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَعمل الْعرس للْمَيت من أعظم الْبدع الْمُنْكَرَات وَكَذَلِكَ الضَّرْب بالدف عِنْد الْجِنَازَة لَكِن يضْرب بِهِ عِنْد الْعرس وَكَرِهَهُ بَعضهم مُطلقًا وَالصَّحِيح الْفرق وَكَانَ دفهم لَيْسَ لَهُ صلاصل وَلِهَذَا تنَازع الْعلمَاء فِي دف الصلاصل على قَوْلَيْنِ
وَأما الشَّابَّة فَلم يرخص أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي حُضُورهَا مُجْتَمع الرِّجَال الْأَجَانِب لَا فِي الْجِنَازَة وَلَا فِي الْعرس
وتلقين الْمَيِّت بعد دَفنه قيل مُبَاح وَقيل مُسْتَحبّ وَقيل مَكْرُوه وَفعله وائلة بن الْأَسْقَع وَأَبُو أُمَامَة وَالْأَظْهَر أَنه مَكْرُوه لِأَنَّهُ لم يَفْعَله الرَّسُول ﷺ بل الْمُسْتَحبّ الدُّعَاء لَهُ كَمَا فِي سنَن أبي دَاوُد أَنه كَانَ إِذا مَاتَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يقوم النَّبِي ﷺ على قَبره فَيَقُول اسألوا لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل
فصل
الْقُبُور ثَلَاثَة مُتَّفق على صِحَّته كقبر نَبينَا ﷺ وصاحبيه أبي بكر وَعمر ﵄
وَمِنْهَا مَا هُوَ كذب لَا ريب فِيهِ مثل قبر أبي بن كَعْب بِدِمَشْق
وَكَذَلِكَ اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بِالْمَدِينَةِ فَمن قَالَ إِن
стр. 161
أم حَبِيبَة بِدِمَشْق قد كذب وَلَكِن قبر بِلَال مُمكن فَإِنَّهُ دفن بِبَاب الصَّغِير وَأَسْمَاء بنت يزِيد بن السكن توفيت بِالشَّام صحابية ﵂
وَكَذَلِكَ قبر أويس غربي دمشق كذب وَكذب قبر هود
وَالثَّالِث مُخْتَلف فِيهِ كقبر خَالِد فِي حمص قيل هُوَ خَالِد بن الْوَلِيد بن يزِيد أَخُو مُعَاوِيَة بن يزِيد الَّذِي خَارج بَاب الصَّغِير
وَكَذَلِكَ قبر أبي مُسلم الْخَولَانِيّ بداريا فِيهِ قَولَانِ
وَمن الْكَذِب قطعا قبر الْحُسَيْن بن عَليّ بِمصْر وَكَذَا قبر نوح بجبل بعلبك كذب قطعا وَكَذَلِكَ قبر عَليّ الَّذِي بالنجف فَإِنَّهُ إِنَّمَا دفن بِالْكُوفَةِ بقصر الْإِمَارَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ بقصر الْإِمَارَة بِمصْر وَمُعَاوِيَة بقصر الْإِمَارَة بِدِمَشْق خوفًا عَلَيْهِم من الْخَوَارِج
وَكَذَا قبر جَابر فِي حران كذب إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَدِينَة بالانفاق وقبر عبد الله بن عمر لَيْسَ بالجزيرة بل هُوَ بِمَكَّة اتِّفَاقًا
وَكَذَا قبر رقية وَأم كُلْثُوم ﵄ مِمَّا هُوَ بِالشَّام أَو غَيرهَا فَإِن النَّاس متفقون على أَنَّهُمَا ماتتا فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ تَحت عُثْمَان ﵁ وَبِهِمَا سمي بِذِي النورين وَلَكِن قد يتَّفق اسْم مَعَ اسْم آخر من النَّاس فيظن الْجُهَّال أَنه فلَان مثلا لشهرته وَيكون غَيره
وَكَذَلِكَ الْمَسْجِد الَّذِي بِجَانِب عَرَفَة يُقَال لَهُ مَسْجِد إِبْرَاهِيم فقد يظنّ بَعضهم أَنه إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَإِنَّمَا هُوَ من ولد الْعَبَّاس وَكَانَ بحران مَسْجِد إِبْرَاهِيم فيظن الْجُهَّال أَنه ابراهيم الْخَلِيل وَإِنَّمَا هُوَ ابراهيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس الَّذِي كَانَت لَهُ الدعْوَة العباسية مَاتَ هُنَاكَ فِي الْحَبْس وَأوصى إِلَى أَخِيه السفاح قبل الْمَنْصُور
وَأما قبر الْخَلِيل ﵊ فقد قَالَ الْعلمَاء إِنَّه حق لَكِن كَانَ
стр. 162
مسدودا بِمَنْزِلَة قبر النَّبِي ﷺ فأحدث عَلَيْهِ الْمَسْجِد وَكَانَ أهل الْعلم وَالدّين الْعَالمُونَ بِالسنةِ لَا يصلونَ هُنَاكَ
فصل
وَينزل عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ على المنارة الْبَيْضَاء شَرق دمشق وَيدْرك الدَّجَّال بِبَاب اللد الشَّرْقِي فيقتله وَيَأْمُر الله بعد قَتله أَن تحْشر النَّاس إِلَى الطّور وَيُقَال لَهُ يَا روح الله تقدم فصل بِنَا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم على بعض أَمِير فَيصَلي بِالْمُسْلِمين بَعضهم وَيتم الصَّلَاة وَلَا يحدث فِيهَا
والاستئجار على نفس تِلَاوَة الْقُرْآن غير جَائِز وَإِنَّمَا النزاع فِي التَّعْلِيم وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ مصلحَة تصل إِلَى الْغَيْر وَالثَّوَاب لَا يصل إِلَى الْمَيِّت إِلَّا إِذا كَانَ الْعَمَل لله
وَمَا وَقع بِالْأَجْرِ من النُّقُود وَنَحْوهَا فَلَا ثَوَاب فِيهِ وَإِن قيل يَصح الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ
فَإِذا أوصى الْمَيِّت أَن يعْمل لَهُ ختمة فَيَنْبَغِي أَن يتَصَدَّق بذلك على المحاويج من أهل الْقُرْآن أَو غَيره فَذَلِك أفضل وَأحسن
فصل
والأنبياء أَحيَاء فِي قُبُورهم كَمَا رأى مُحَمَّد مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِمَا وعَلى ساذر الْأَنْبِيَاء فِي قَبره لَيْلَة الأسراء وَقد جَاءَ فِي أَحَادِيث
стр. 163
حسان أَن الْعَمَل الصَّالح يصور لصَاحبه صُورَة حَسَنَة والسيء صُورَة قبيحة ينعم بِهِ صَاحبه أَو يعذب
وَجَاء مَخْصُوصًا بِبَعْض الْأَعْمَال مثل الْقُرْآن وَغَيره وَذَلِكَ فِي البرزخ وَفِي عرصات الْقِيَامَة
وَأما جَزَاء الْأَعْمَال بِالْأَعْمَالِ فَإِن كَانَ الْمَعْنى أَن عبورهم على الصِّرَاط بِحَسب أَعْمَالهم فَهَذَا حق وَأما تَصْوِير الْعَمَل لصَاحبه على الصِّرَاط فَلم يبلغنِي فِيهِ شَيْء
فصل
قَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ من كَانَ مستنا فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أبر هَذِه الْأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اخْتَارَهُمْ الله لصحبة نبيه وَإِقَامَة دينه فاعرفوا لَهُم حَقهم وتمسكوا بهديهم فَإِنَّهُم كَانُوا على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ يَا معشر الْقُرَّاء اسْتَقِيمُوا وخذوا بطرِيق من قبلكُمْ فو الله لَئِن اسْتَقَمْتُمْ لقد سبقتم سبقا بَعيدا وَلَئِن أَخَذْتُم يَمِينا أَو شمالا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا
فَلم يكن من عَادَة السّلف إِذا صلوا أَو صَامُوا أَو حجُّوا تَطَوّعا أَو قرءوا الْقُرْآن أَن يهدوا ثَوَاب ذَلِك للموتى بل كَانَ من عَادَتهم أَن يعبدوا الله بأنواع الْعِبَادَات المشروعات ويدعوا للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات لأحيائهم وأمواتهم فِي صلَاتهم على الْجِنَازَة وَعند زِيَارَة قُبُورهم وَغير ذَلِك
رُوِيَ أَن عِنْد كل ختمة دَعْوَة مستجابة فَإِذا دَعَا عقيب الختمة لنَفسِهِ ولوالديه ولمشايخه وَغَيرهم من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات كل مَشْرُوعا
وَكَذَلِكَ مَوَاطِن الْإِجَابَة كجوف اللَّيْل وَنَحْوه فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَن طريقهم إِلَى طَرِيق المبتدعين وَإِن كَانُوا كثيرين
стр. 164
فصل
يجوز ركُوب الْبَحْر إِذا غلب على طنه السَّلامَة وَلَو مَاتَ غريقا فَهُوَ شَهِيد وَدفن الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن يحدث بِأَحَادِيث مفتعلة ليضحك النَّاس أَو لغَرَض آخر فَهُوَ عَاص لله وَلِرَسُولِهِ مُسْتَحقّ للعقوبة الَّتِي تردعه
وَأما عرض الْأَدْيَان على الْمَيِّت عِنْد الْمَوْت فَلَيْسَ هُوَ أمرا عَاما لكل ميت وَلَا عَدمه أَيْضا أمرا عَاما عَن كل أحد بل قد يعرض على وَاحِد دون غَيره وَقد يعرض قبل الْمَوْت وَذَلِكَ من فتْنَة الْمحيا الَّتِي أمرنَا بالاستعاذة مِنْهَا وَلَكِن روى إِن الشَّيْطَان أَشد مَا يكون عِنْد الْمَوْت يَقُول لأعوانه دونكم إِن فاتكم لم تظفروا بِهِ أبدا
وحكاية الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى مَشْهُورَة
وفتة الْقَبْر عَامَّة إِلَّا لِلنَّبِيِّينَ وَغير الْمُكَلّفين ففيهم خلاف
وَقد تنازعوا فِي الْمُرْتَد هَل كَانَ إيمَانه صَحِيحا يحبط بِالرّدَّةِ أم يُقَال بِالرّدَّةِ تَبينا أَن إيمَانه كَانَ فَاسِدا وَأَن الْإِيمَان الصَّحِيح لَا يَزُول الْبَتَّةَ على قَوْلَيْنِ للنَّاس
وعَلى ذَلِك يَنْبَنِي قَول الْمُسْتَثْنى أَنا مُؤمن إنْشَاء الله
وَهل يعود إِلَى كَمَال الْإِيمَان فِي الْحَال أَو يعود إِلَى الْوَفَاء فِي الْمَآل
وَفِي لحد الرجل للْمَرْأَة نزاع الصَّحِيح أَنه إِن كَانَ من أهل الْخَيْر يلحدها
وَيجوز حجَّة عَنْهَا اتِّفَاقًا وَفِي حجمها عَنهُ نزاع
فصل
وَلَا يسْتَحبّ حفر الْقَبْر قبل الْمَوْت
وَرُوِيَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا
стр. 165
ودعا أَبُو سعيد ﵁ بِثِيَاب جده فلبسها عِنْد الْمَوْت وَقَالَ ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ
فَحمل الحَدِيث على ثِيَابه الَّتِي يقبض فِيهَا لَا على كتفه
فَقيل يبْعَث فِي نفس الثَّوْب الظَّاهِر
وَقيل إِن المُرَاد أَنه يبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ من الْعَمَل كَمَا قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وثيابك فطهر﴾ أَي عَمَلك
يُؤَيّد ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنهم يحشرون حُفَاة عُرَاة غرلًا ثمَّ قَرَأَ ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ قَالَت عَائِشَة ﵂ النِّسَاء وَالرِّجَال ينظر بَعضهم الى بعض قَالَ نعم قَالَت وافضحيتاه قَالَ الْأَمر أَشد من ذَلِك
فصل
إِذا قضيت الْحَاجة عِنْد قبر من قُبُور الْأَوْلِيَاء فَمن أَيْن يعرف أَن قضاءها لأجل الْقَبْر
فقد قَالَ ﷺ إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ الْبَخِيل
وَفِي لفظ النّذر لَا يَأْتِي لِابْنِ بِآدَم بِشَيْء وَلَكِن يلقيه الْقدر فَيعْطى على النّذر مَالا يعْطى على غَيره
فَإِن كَانَ ذَلِك فِي النّذر الَّذِي نقضي أَكثر الْحَوَائِج عِنْده فَكيف يكون عِنْد غَيره نقضي بِهِ الْحَاجة فالحاجة إِمَّا أَن تكون قد قضيت بِغَيْر دُعَائِهِ فَلَا كَلَام وَإِمَّا بدعائه فَيكون قد اجْتهد فِي الدُّعَاء اجْتِهَادًا لَو اجتهده فِي غير تِلْكَ الْبقْعَة أَو عِنْد الصَّلِيب مثلا لقضبت فَيكون السَّبَب اجْتِهَاده فِي الدُّعَاء لَا خُصُوص الْقَبْر وَلِهَذَا قد نقضي حوائج الْمُشْركين عِنْد أوثانهم وصلبانهم وكنائسهم فَهَل يقوم مُسلم إِنَّه يجوز قصد صلبانهم وأوثانهم لذَلِك
стр. 166
وَلَو قيل إِن للقبر تَأْثِير فِي ذَلِك سَوَاء كَانَ باتصال روح الدَّاعِي وروح الْمَيِّت فيقوى بذلك كَمَا يزعمه ابْن سينا وَأَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وأمثالهما فِي زِيَارَة الْقُبُور أَو كَانَ بِسَبَب آخر فَيُقَال لَيْسَ كل سَبَب نَالَ الانسان حَاجته يكون مَشْرُوعا وَلَا مُبَاحا وَإِنَّمَا يكون مَشْرُوعا إِذا غلبت مصْلحَته على مفسدته مِمَّا أذن فِيهِ الشَّرْع
وَمن هَذَا الْبَاب تَحْرِيم السحر مَعَ مَاله من التَّأْثِير وَقَضَاء بعض الْحَاجَات وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من عبَادَة الْكَوَاكِب ودعائها واستحضار الْجِنّ وَالْكهَانَة والاستسقام بالأزلام وأنواع السحريات مَعَ كَونهَا لَهَا نوع كشف وتأثير
وَفِي هَذَا تَنْبِيه على جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي تقضي بهَا الْحَوَائِج
وَأما تَفْصِيل ذَلِك فَلهُ مَوضِع آخر
لكل الْعَاقِل يعلم أَن أمة من الْأُمَم لَا تَجْتَمِع على أَمر بِلَا سَبَب فلأجل ذَلِك اجْتمع نَاس بالسحرة وناس بالشرك وَعبادَة الْأَصْنَام والخليل يَقُول ﴿رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ وَلم يقل أحد إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ إِن الْأَصْنَام تخلق وتحيي وتجلب الرزق بل عبدوها لحاجتهم إِلَيْهَا من حسن قصد الْمُشْركين للقبور المعظمة وَقصد النَّصَارَى لصورة القديسين يتخذونهم شُفَعَاء ووسائط ووسائل
وَيَكْفِي الْمُسلم أَن يعلم أَن الله لم يحرم شَيْئا إِلَّا ومفسدته مَحْضَة أَو غالبة
فصل
تعود الرّوح إِلَى الْمَيِّت وتفارقه وَهل يُسمى ذَلِك موتا فِيهِ قَولَانِ
والنفخ ثَلَاثَة
أَحدهَا الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض﴾
وَنفخ الصَّعق وَالْقِيَام الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ﴾
стр. 167
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا من شَاءَ الله﴾ متناول لأهل الْجنَّة من الْحور وَغَيرهم مِمَّن يُعلمهُ الله تَعَالَى
فصل
ذهب طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين إِلَى جَوَاز إهداء الْأَعْمَال الصَّالِحَة من الصَّدَقَة وَالصَّلَاة وَالْقِرَاءَة إِلَى النَّبِي ﷺ وأزواجه
وَفِي إهداء الْفَرِيضَة وَجْهَان
وَأما السّلف فَلم يَكُونُوا يَفْعَلُونَ شَيْئا من ذَلِك وهم أخلق بالاتباع وَحَدِيث أبي الَّذِي فِيهِ أجعَل صَلَاتي كلهَا عَلَيْك قَالَ إِذا يَكْفِيك الله همك وَيغْفر ذَنْبك
المُرَاد أَنه يَجْعَل لَهُ ربع دُعَائِهِ أَو نصفه أَو ثلثه إِلَى أَن قَالَ كلهَا أَي كل دعائي فَإِن الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء وَلِهَذَا قَالَ لَهُ إِذن يَكْفِيك الله همك وَيغْفر ذَنْبك فَإِنَّهُ إِذا صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله بهَا عَلَيْهِ عشرا
وَمن دَعَا لِأَخِيهِ وكل الله بهَا ملكا يَقُول وَلَك بِمثلِهِ فَإِذا صلى عَلَيْهِ بدل دُعَائِهِ كَفاهُ الله همه وَحصل لَهُ مَقْصُود ذَلِك الدُّعَاء من كِفَايَة همه وغفران ذَنبه وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه فَكيف بِمن يَدْعُو للنَّبِي ﷺ بدل نَفسه إِنَّه لحقيق أَن يحصل لَهُ أَكثر مِمَّا يَطْلُبهُ لنَفسِهِ
وَقد يتَوَهَّم متوهم من قَوْله ﷺ من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا أَنه يحصل للْمُصَلِّي أَكثر مِمَّا يحصل للنَّبِي ﷺ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لَهُ مثل أجر الْمصلى الَّذِي حصل لَهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي علمه وَسن لَهُ ذَلِك فَلهُ على ذَلِك مثل أجره
стр. 168
وَلَيْسَ للْأَب إِلَّا مَا يَدعُونَهُ بِهِ الْوَلَد لَهُ فَظهر معنى قَوْله تَعَالَى ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم﴾ فَهُوَ الْأَب الروحاني وَالْوَالِد الْأَب الجثماني وَهُوَ ﷺ سَبَب السَّعَادَة الأبدية لِلْمُؤمنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْأَب سَبَب لوُجُوده فِي الدُّنْيَا
وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان يجب عَلَيْهِ أَن يُطِيع معلمه الَّذِي يَدعُوهُ إِلَى الْخَيْر ويأمره بِمَا أمره الله وَلَا يجوز لَهُ أَن يطبع أَبَاهُ فِي مُخَالفَة هَذَا الدَّاعِي لِأَنَّهُ يدله على مَا يَنْفَعهُ ويقربه إِلَى ربه وَيحصل لَهُ باتباعه السَّعَادَة الأبدية
فَظهر فضل الْأَب الروحاني على الْأَب الجثماني فَهَذَا أَبوهُ فِي الدّين وَذَلِكَ أَبوهُ فِي الطين وَأَيْنَ هَذَا من هَذَا
وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فِي الْحُرْمَة لَا فِي الحرمية ولهن من الاحترام مَا لَيْسَ للْأُم الوالدة
فصل
لِقَاء الله تَعَالَى قد فسره طَائِفَة من السّلف أَنه الْمُشَاهدَة والمعاينة
وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على رُؤْيَة الله تَعَالَى وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ لِأَن الْإِنْسَان يُشَاهد بنسفه هَذِه الْأُمُور
وَقد قيل إِن الْمَوْت نَفسه يُشَاهد وَيرى ظَاهرا
وَقيل المرئي أَسبَابه
وَقد تنَازع النَّاس فِي الْكفَّار هَل يرَوْنَ رَبهم أول مرّة ثمَّ يحتجب عَنْهُم أم لَا يرونه بِحَال على قَوْلَيْنِ
وَالْأول أصح وَهُوَ قَول أهل الحَدِيث وَأكْثر الْفُقَهَاء
وَالثَّانِي قَول الْمُتَكَلِّمين
стр. 169
فصل
نطق الْكتاب وَالسّنة بمحبته تَعَالَى وَهِي على حَقِيقَتهَا عِنْد سلف الْأمة وائمتها ومشايخها
وَأول من أنكر حَقِيقَتهَا شيخ الْجَهْمِية الْجَعْد بن دِرْهَم فَقتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بواسط يَوْم النَّحْر وَقد فسروا محبته تَعَالَى بمحبة عِبَادَته وطاعته وَلَا ريب أَن الْمُؤمنِينَ يعْرفُونَ رَبهم فِي الدُّنْيَا ويتفاوتون فِي دَرَجَات الْعرْفَان
وَأكل الشَّيْطَان لَو تصور لَكَانَ من أعظم الْمُحرمَات لما فِيهِ من الْخبث وَالْبَغي والعدوان فَمن قَالَ إِن آدم سلقه وَأكله فَمن أقبح الْبُهْتَان
وَأما عرض السُّجُود على إِبْلِيس عِنْد قبر آدم فقد ذكره بعض النَّاس وَأما عرض السُّجُود على إِبْلِيس عِنْد قبر آدم فقد ذكره بعض النَّاس وَأما عرضه عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة فَمَا علمت أحدا ذكره وَكِلَاهُمَا بَاطِل
وَاتفقَ سلف الْأمة وأئمتها على أَن من الْمَخْلُوقَات مَالا يعْدم وَهُوَ الْجنَّة وَالنَّار وَالْعرش وَغير ذَلِك
وَلم يقل بِفنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا طَائِفَة من أهل الْكتاب المبتدعين وَهُوَ قَول بَاطِل
فصل
قَوْله أَنا فِي بركَة فلَان أَو تَحت نظره أَو يَا فلَان مدنِي بخاطرك
فَإِن أَرَادَ أَن نظره أَو خاطرة أَو بركته مُسْتَقلَّة بتحصيل الْمَنَافِع وَدفع المضار فَهُوَ كذب وشرك
وَإِن أَرَادَ أَن فلَانا دَعَا فانتفعت بدعائه أَو أَنه عَلمنِي أَو أَنه أدبني وَأَنا فِي بركَة مَا انتفعت بِهِ من تَعْلِيمه وتأديبه فَهُوَ صَحِيح
стр. 170
وَإِن أَرَادَ أَنه بعد مَوته يجلب الْمَنَافِع أَو يدْفع المضار فَهُوَ كذب محرم وَهُوَ الشّرك الَّذِي حظره الله على عباده وَالَّذِي لَا يغْفر إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ
وَلَا يجوز الدُّعَاء للْوَالِدين إِذا مَاتَا على الشّرك
وَقَول الشَّخْص اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد فِي الْأَوَّلين لَيْسَ هُوَ مأثورا وَالْمرَاد بالأولين من قبل مُحَمَّد ﷺ وبالآخرين أمته قَالَه الْجُمْهُور
وَقيل الْأَوَّلين والآخرين أمته وَالْأول أصح
قيل ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين﴾
وَلَفظ الأول إضافي فَلَا شخص إِلَّا وَقَبله أول وَبعده آخر
وَقَوله اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد فِي الْأَوَّلين إِن أَرَادَ بهم من قبل مُحَمَّد أَو من قبل الْمصلى فمحتمل لَكِن يكون المُرَاد بِهِ صل عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلين وَإِن كَانُوا مَاتُوا فَالْمُرَاد أَزوَاجهم فَإِنَّهُنَّ موجودات أَو صل عَلَيْهِ فِي الْمَوْجُودين فَهَذَا مُجمل حسن وَفِي الآخرين أَي فِيمَن يُوجد من الْمُتَأَخِّرين
وَقد يكون المُرَاد صلى عَلَيْهِ فَمن يُصَلِّي عَلَيْهِم من الْأَوَّلين والآخرين وَالْمَلَأ الْأَعْلَى أَي صل عَلَيْهِ فِي كل طَائِفَة صليت عَلَيْهَا فَهُوَ معنى صَحِيح
стр. 171
فصل
روى مَالك فِي موطئِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم عَن أسلم مولى عمر وَفِي لفظ عَن نعيم بن ربيعَة أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ الْآيَة فَقَالَ عمر ﵁ إِن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ إِن الله خلق آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج ذُريَّته فَقَالَ جعلت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُريَّته فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله إِذا خلق الرجل للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل الْجنَّة فَيدْخل بِهِ الْجنَّة وَإِذا خلق الرجل النَّار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل النَّار فَيدْخل بِهِ النَّار
وَفِي حَدِيث الحكم بن سِنَان عَن ثَابت عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قبض قَبْضَة فَقَالَ إِلَى الْجنَّة برحمتي وَقبض قَبْضَة فَقَالَ إِلَى النَّار وَلَا أُبَالِي
وَهَذَا الْمَعْنى مَشْهُور عَنهُ من وُجُوه مُتعَدِّدَة
стр. 172
وَفِيه فصلان
أَحدهمَا الْقدر السَّابِق وَهُوَ أَن الله علم أهل الْجنَّة من أهل النَّار قبل أَن يعملوا الْأَعْمَال وَهَذَا حق يجب الْإِيمَان بِهِ بل قد نَص الْأَئِمَّة كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن من جحد هَذَا فقد كفر بل يجب الْإِيمَان بِهِ فَإِن الله علم مَا سَيكون كُله قبل أَن يكون
كَمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ إِن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ الله وَلَا شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَفِي الْمسند عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِنِّي عِنْد الله لمكتوب خَاتم النَّبِيين وَإِن آدم لَمُنْجَدِل فِي طينته وسأنبئكم بِأول ذَلِك دَعْوَة أبي إِبْرَاهِيم وبشرى أخي عِيسَى ورؤيا أُمِّي رَأَتْ حُسَيْن ولدتني أَنه خرج مِنْهَا نور أَضَاءَت لَهُ قُصُور الشَّام
وَنَحْوه كثير كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَليّ حَدِيث بَقِيع الْغَرْقَد
وَفِي الصَّحِيح قَالُوا يَا رَسُول الله علم الله أهل الْجنَّة من أهل النَّار فَقَالَ نعم قيل فيمَ الْعَمَل قَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وَذَلِكَ أَن الله علم الْأَشْيَاء كَمَا هِيَ عَلَيْهِ وَقد جعل لَهَا أسبابا تكون بهَا وَيعلم أَنَّهَا تكون بِتِلْكَ الْأَسْبَاب
فَلَو قَالَ قَائِل إِذا علم الله أَنه يُولد لي ولد فَلَا حَاجَة لي بِالزَّوْجَةِ كَانَ أَحمَق فَإِن الله يعلم مَا سَيكون بأسبابه بِمَا قدره من الْوَطْء وَغَيره
وَكَذَلِكَ علم مَا سَيكون من أَن هَذَا يشْبع بِالْأَكْلِ وَهَذَا يَمُوت بِالْقَتْلِ
стр. 173
فَلَا بُد من الْأَسْبَاب الَّتِي قد علمهَا الله من الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَغَيره فَلَا ينَال العَبْد شَيْئا إِلَّا بِمَا قدره الله من جَمِيع الْأَسْبَاب وَالله خَالق ذَلِك الشَّيْء وخالق الْأَسْبَاب
وَلِهَذَا قيل الِالْتِفَات إِلَى الْأَسْبَاب شرك فِي التَّوْحِيد ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسبابا نقص فِي الْعقل والاعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع
وَمُجَرَّد الْأَسْبَاب لَا توجب حُصُول الْمُسَبّب بل لَا بُد من تَمام الشُّرُوط وَزَوَال الْمَوَانِع
فَكل ذَلِك بِقَضَاء الله وَقدره
وَكَذَلِكَ أَمر الْآخِرَة فَلَيْسَ بِمُجَرَّد عمل العَبْد ينَال الْإِنْسَان السَّعَادَة بل الْعَمَل سَبَب كَمَا قَالَ ﷺ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ الحَدِيث وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَهَذِهِ بَاء السَّبَب أَي بِسَبَب أَعمالكُم
وَالَّذِي نَفَاهُ النَّبِي ﷺ بَاء الْمُقَابلَة والمعارضة كَمَا يُقَال اشْتريت هَذَا بِهَذَا أَي لَيْسَ الْعَمَل عوضا أَو ثمنا كَافِيا فِي دُخُول الْجنَّة بل لَا بُد مَعَه من عَفوه تَعَالَى وَرَحمته وفضله ومغفرته وفضله ومغفرته فغفرته تمحو السَّيِّئَات وَرَحمته تَأتي بالخبرات وتضاعف الْحَسَنَات
وَهنا ضل فريقان فريق أخذُوا بِالْقدرِ وأعرضوا عَن الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة والأعمال الصَّالِحَة وظنوا أَن ذَلِك كَاف وَهَؤُلَاء يؤول أَمرهم إِلَى الْكفْر بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله
وفريق أخذُوا يطْلبُونَ الْجَزَاء من الله كَمَا يَطْلُبهُ الْأَجِير من الْمُسْتَأْجر متكلين على حَولهمْ وقوتهم وعملهم وهم جهال ضلال فَإِن الله لم يَأْمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ عَن حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهِم وَإِنَّمَا أَمرهم بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ وَلَا نَهَاهُم عَن شَيْء بخلا بل نَهَاهُم عَمَّا فِيهِ فسادهم وكما قَالَ يَا عبَادي لن تبلغوا ضري
стр. 174
فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعونني وَهُوَ مَعَ غناء عَن الْعَالمين أرسل إِلَيْهِم الرُّسُل بفضله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ أوجب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم عَلَيْهَا الظُّلم فَهُوَ وَاقع لَا محَالة وَاجِب بِحكم إِيجَابه ووعده لَا أَن الْخلق يوجبون على الله شَيْئا أَو يحرمُونَ عَلَيْهِ شَيْئا بل هم أعجز من ذَلِك وكل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة من عدل كَمَا فِي قَوْله فِي الحَدِيث فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يلو من إِلَّا نَفسه
فَمن أعرض عَن الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد نَاظرا إِلَى الْقدر فقد ضل وَمن طلب الْمقَام بِالْأَمر وَالنَّهْي معرضًا عَن الْقدر فقد ضل بل لَا بُد من الْأَمريْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فنعبده اتبَاعا لِلْأَمْرِ ونستعينه إِيمَانًا بِالْقدرِ
فَكل عمل يعمله الْعَامِل وَلَا يكون طَاعَة وَعبادَة وَعَملا صَالحا فَهُوَ بَاطِل فَإِن الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لله وَلَو نَالَ بذلك الْعَمَل رياسة ومالا فغاية المترئس أَن يكون كفرعون وَغَايَة المتمول أَن يكون كقارون وَقد ذكر الله فِي سُورَة الْقَصَص من قصتهما مَا فِيهِ عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب
وكل عمل لَا يعين الله العَبْد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يكون وَلَا يَقع فَمَا لَا يكون بِهِ لَا يكون وَمَا لَا يكون لَهُ لَا يَدُوم وَلَا ينفع فَلذَلِك أَمر العَبْد أَن يَقُول ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فِي كل صَلَاة
وَلِلْعَبْدِ حالان حَال قبل الْقدر فَعَلَيهِ أَن يَسْتَعِين بِاللَّه ويتوكل عَلَيْهِ ويدعوه وَحَال بعد الْقدر فَعَلَيهِ أَن يحمد الله فِي الطَّاعَة ويصبر ويرضى فِي الْمُصِيبَة ويستغفر فِي الذَّنب وَفِي الطَّاعَة من النَّقْص ويشكره عَلَيْهَا إِذْ هِيَ من نعْمَته
فَينْظر إِلَى الْقدر عِنْد الْمُصِيبَة بعد وُقُوعهَا ويستغفر عِنْد الْمعْصِيَة قَالَ تَعَالَى لنَبيه ﷺ ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾
стр. 175
فصل
فِي الْأَحَادِيث الَّتِي سُئِلَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ عَن السَّاعَة فَقَالَ إِن يَعش هَذَا الْغُلَام لن يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم السَّاعَة
المُرَاد بذلك سَاعَة الْقرن وَهن مَوْتهمْ فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ الْأَعْرَاب إِذا قدمُوا على رَسُول الله ﷺ سَأَلُوهُ مَتى السَّاعَة فَينْظر إِلَى أحدث إِنْسَان مِنْهُم فَيَقُول إِن يَعش هَذَا الْغُلَام لم يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم عَلَيْكُم سَاعَتكُمْ قَالَ هِشَام يَعْنِي مَوْتهمْ
فَهَذَا يبين تِلْكَ الْأَحَادِيث
وَقد يُرَاد بالقيامة الْمَوْت وَأَن من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته كَمَا قَالَ الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة ﵁ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تَقولُونَ الْقِيَامَة الْقِيَامَة وَإِن من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته
وَلَيْسَ وَاحِد من هذَيْن النَّوْعَيْنِ منافيا لما أخبر الله بِهِ من الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي يقوم فِيهِ النَّاس من قُبُورهم لرب الْعَالمين حُفَاة عُرَاة بعد أَن تُعَاد الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد وَإِنَّمَا يُنكر هَذَا أهل الزندقة من الفلاسفة وَنَحْوهم ويتأولون مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك وَمن ذكر الْقِيَامَة على أَن المُرَاد بهَا الْمَوْت ﴿وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ إِنَّهَا أَعْضَاء الْإِنْسَان وحواسه ﴿وَإِذا الْجبَال سيرت﴾ إِنَّهَا أعضاؤه الْكِبَار الَّتِي يحملهَا الحاملون إِلَى الْقَبْر ﴿وَإِذا العشار عطلت﴾ إِنَّهَا مَا فِي بدنه من الْأَرْوَاح البخارية وقواها
وأمثال هَذِه التأويلات الَّتِي يذكرونها السهرودي الْمَقْتُول على الزندقة فِي الْأَرْوَاح الْعمادِيَّة ويذكرها من المتفلسفة القرامطة الباطنية
فَإِن الْقِيَامَة الْكُبْرَى مِمَّا علم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام وَمن تدبر الْقُرْآن
стр. 176
وَتَفْسِيره وَالْأَحَادِيث المتواترة عَنهُ ﷺ وَعَن أَصْحَابه وَسَائِر الْأَئِمَّة علم ذَلِك كَمَا يعلم أَن مُحَمَّدًا ﷺ بِالصَّلَاةِ وبالصوم وَحج الْبَيْت الْعَتِيق وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَنَحْو ذَلِك كَمَا فِي أول سُورَة الْوَاقِعَة وَقَالَ فِي آخر السُّورَة فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم فَهَذَا تَفْصِيل لحَال الْمَوْت كَمَا أَن أول السُّورَة لذكر الْقِيَامَة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه﴾ فَجمع عِظَامه هُوَ فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى إِلَى قَوْله ﴿أذا بلغت التراقي وَقيل من راق وَظن أَنه الْفِرَاق﴾ فَبين مَا يَقُوله عِنْد الْمَوْت إِلَى قَوْله ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾
فاستدل سُبْحَانَهُ بقدرته على الْخلق الأول على قدرته على إحْيَاء الْمَوْتَى وَذَلِكَ فِي الْقُرْآن كثير يسْتَدلّ بالنشأة على الْبَعْث فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى وَتارَة يبين الْعَبَث بِبَيَان قدرته على خلق الْحَيَوَان وَتارَة بِخلق النَّبَات كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿وَترى الأَرْض هامدة فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَأَنه يحيي الْمَوْتَى وَأَنه على كل شَيْء قدير وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ وَقَوله ﴿وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا كَذَلِك الْخُرُوج﴾ ﴿كَذَلِك النشور﴾ فَهَذَا كُله بَيَان للقيامة الْكُبْرَى
وَتارَة يسْتَدلّ عَلَيْهَا بقدرته على خلق الْعَالم كَمَا فِي قَوْله فِي سُورَة ق ﴿أفلم ينْظرُوا إِلَى السَّمَاء﴾ إِلَى قَوْله ﴿ونزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿كَذَلِك الْخُرُوج﴾ ثمَّ ذكر الْمَوْت بقوله ﴿وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ﴾ وَقَوله ﴿أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم﴾ وَقَوله ﴿لخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس﴾ وَقَوله تَعَالَى
стр. 177
﴿أَو لم يرَوا أَن الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يعي بخلقهن بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى بلَى إِنَّه على كل شَيْء قدير﴾
وَتارَة يسْتَدلّ بالنشأة الأولى نَحْو قَوْله ﴿وَضرب لنا مثلا﴾ ألايات وَقَوله تَعَالَى ﴿قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا﴾ الْآيَة
وَذكر إحْيَاء الْمَوْتَى فِي غير مَوضِع نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم﴾ وَقَالَ فِيهَا أَيْضا ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى﴾ وَقَالَ فِيهَا ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم﴾ وَقَالَ فِيهَا ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا﴾ وَذَلِكَ أَكثر من أَن يحصر
وَأما أَشْرَاط السَّاعَة الَّتِي ذكر الله تَعَالَى أَنه لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ مثل الدَّجَّال وَالدَّابَّة وطلوع الشَّمْس من معربها وَغير ذَلِك فَهِيَ من أشرط السَّاعَة وَهِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي لَا يعلمهَا أحد إِلَّا الله فَهَذِهِ ابساعة لَا يعلمهَا أحد غَيره سُبْحَانَهُ بِخِلَاف غَيرهَا من موت الْإِنْسَان وانخرام الْقرن فَإِنَّهُ يعرفهُ من الْخلق من شَاءَ الله مِنْهُم وَجُمْهُور الْخلق يعلمُونَ ذَلِك تَقْرِيبًا وَإِن لم يعلموه تحديدا كَمَا يعمون أَن غَالب الْخلق لَا يبقون مائَة سنة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة
وَقد يعلم ذَلِك بطرِيق أُخْرَى مِمَّا لَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْموضع
فَلَا يُقَال فِي تِلْكَ السَّاعَة الصُّغْرَى ﴿لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ ثقلت فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي حفي علمهَا على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقَالَ ﴿إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله﴾ وَقد قَالَ ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير﴾
وَالنَّاس فِي الْمعَاد على أَرْبَعَة أَصْنَاف
стр. 178
فَالَّذِي عَلَيْهِ الرُّسُل وأتباعهم الَّذين لَا بِدعَة فيهم هُوَ الاقرار بمعاد الْأَبدَان والأرواح
وَأكْثر هَؤُلَاءِ الدهرية كذبُوا بالمعاد مُطلقًا
وَبَين هذَيْن طَائِفَتَانِ طَائِفَة من أهل الْكَلَام أقرُّوا بمعاد الْأَبدَان وَالْقِيَامَة الْكُبْرَى وأنكروا أَمر الرّوح فَلم يقرُّوا بِأَنَّهُ بعد الْمَوْت يكون فِي نعيم أَو عَذَاب
وَمِنْهُم من أقرّ بِالْعَذَابِ على الْبدن فَقَط دون الرّوح وَزعم أَن الرّوح هِيَ الْحَيَاة الَّتِي للبدن وَمِنْهُم من يقر بمعاد الرّوح فَقَط
وَطَائِفَة من المتفلسفة أقرُّوا بمعاد الْأَنْفس فَقَط دون الْأَبدَان وَكَفرُوا بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل
وَقد دخل مَعَ أُولَئِكَ من متكلمى الْإِثْبَات جمَاعَة كَالْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب وَأَمْثَاله مِمَّن يزْعم أَن الرّوح لَيست جواهرا قَائِما لَكِنَّهَا عرض من أَعْرَاض الْبدن
وَمِنْهُم من جعل الرّوح جَزَاء من أَجزَاء الْبدن وَهُوَ الرّيح الَّذِي يدْخل الْبدن وَيخرج مِنْهُ البخار الَّذِي من الْقلب وَهَذِه الْأَقْوَال فَاسِدَة
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف أَن الرّوح الَّتِي تقبض بِالْمَوْتِ لَيست هِيَ الْبدن وَلَا جُزْء مِنْهُ وَلَا صفة من صِفَاته بل هِيَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ وَدَلَائِل الْكتاب وَالسّنة على ذَلِك كَثِيرَة جدا
لَكِن هَؤُلَاءِ مَعَ غلطهم وضلالهم أقرب إِلَى الْإِسْلَام مِمَّن قَالَ إِن هَذِه الرّوح لَيست دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا تُوصَف بحركة وَلَا سُكُون وَلَا دُخُول وَلَا خُرُوج وَلَا تحول وَلَا انْتِقَال وَأَن الْمعَاد لَيْسَ إِلَّا لَهَا وَالْبدن لَا يُعَاد فَإِن إِنْكَار معاد الْأَبدَان كفر بَين وَقد علم من دين الْإِسْلَام فَسَاده وَأَن المكذبين بالمعاد مراغمون للرسل مراغمة بَيِّنَة كَمَا قد بسط فِي موصعه وَالله أعلم
стр. 179
فصل
وولدان أهل الْجنَّة خلق الْجنَّة
وَأَبْنَاء الدُّنْيَا إِذا دخلُوا الْجنَّة يكمل خلقهمْ على صُورَة آدم أَبنَاء ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ طول سِتِّينَ ذِرَاعا
وروى أَن الْعرض سَبْعَة أَذْرع
وأرواح الْمُؤمنِينَ تنعم فِي الْجنَّة
وأرواح الْكفَّار تعذب فِي النَّار
وَولد الزِّنَا كَغَيْرِهِ يجازى بِعَمَلِهِ لَا ينْسبهُ وَإِنَّمَا يذم ولد الزِّنَا لمظنة أَن يعْمل خبيثا كَمَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ
وَأكْرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم لله
وَأَوْلَاد الْمُشْركين فيهم عدَّة أَقْوَال أَصَحهَا جَوَاب رَسُول الله ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة الحَدِيث إِلَى قَوْله قيل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت من يَمُوت من أَطْفَال الْمُشْركين فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
يَعْنِي الله أعلم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو عاشوا حَتَّى يبلغُوا الْحلم
وَقد روى أَنهم فِي الْقِيَامَة يبْعَث إِلَيْهِم رَسُول الله فَيظْهر فيهم مَا علم من الطَّاعَة والمصية
وَقد روى أَنهم يحبسن فِي عرصات الْقِيَامَة
وَقد دلّت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن بَعضهم فِي الْجنَّة وَبَعْضهمْ فِي النَّار
وَلَيْسَ فِي الْجنَّة شمس وَلَا قمر وَلَا ليل وَلَا نَهَار وَلَكِن تعرف البكرة والعشية بأنوار تظهر من قبل الْعَرْش
стр. 180
قَاعِدَة
علم الله السَّابِق يُحِيط بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر فَلَا محو فِيهِ وَلَا تَغْيِير وَلَا إِثْبَات وَلَا نقص وَلَا زِيَادَة
وَأما اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ غَيره فَهَل فِيهِ محو وَإِثْبَات على قَوْلَيْنِ
وَأما الصُّحُف الَّتِي بأيدي الْمَلَائِكَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله ﷺ فَيُؤْمَر بكتب رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد فَهَل يصل فِيهَا المحو وَالْإِثْبَات فَإِنَّهُ قد يقدر لَهُ من الْعُمر مُدَّة لم يعْمل شَيْئا يزِيد بِهِ على ذَلِك مِمَّا علمهمْ الله أَن يَفْعَله مثل أَن يصل رَحمَه فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب كَمَا روى التِّرْمِذِيّ إِن الله أرى آدم ابْنه دَاوُد فأعجبه فَسَأَلَ عَن عمر فَقَالَ أَرْبَعِينَ سنة فوهبه آدم من عمره سِتِّينَ سنة وَكتب عَلَيْهِ بذلك كتابا ثمَّ بعد ذلكك أنكر ونسى فَجحد فَجحدت ذُريَّته
فقد علم أَن الله قدر لَهُ أَرْبَعِينَ سنة بِلَا سَبَب وَعلم أَنه يحصل لَهُ سِتُّونَ بِسَبَب هبة أَبِيه لَهُ
وَقَوله تَعَالَى ﴿أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر﴾ فَيكون المُرَاد طول الْأَعْمَار وقصرها
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ الْآيَة
следующие страницы →