Полный текст (633 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَأما مَا ذكره الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي أَصْنَاف الرَّحْمَة فَلَا ريب أَن الرَّحْمَة أَصْنَاف متنوعة كَمَا ذكره وَلَيْسَ فِي الحَدِيث رَحْمَة من عنْدك وَإِنَّمَا فِيهِ فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن مَقْصُوده أَن يشبه هَذِه بقوله وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَقد جعل هَذِه الْمَغْفِرَة من عِنْده سُبْحَانَهُ مغْفرَة مَخْصُوصَة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة كَمَا أَن الرَّحْمَة الخصوصة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة
وَهَذَا الككلام فِي بعضه نظر وَهُوَ كَغَيْرِهِ من المصنفين فِي كَلَامه مَرْدُود ومقبول فَلَيْسَ فِي قَوْله ﷺ مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن فِي قَول الراسخين هَب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَنَحْو ذَلِك لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص هَذَا الشَّخْص دون غَيره وَإِلَّا لما سَاغَ لغيره أَن يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ خلاف الاجماع أَو تَفْسِير اللَّفْظ بِمَا لَا يدل عَلَيْهِ
وَقد قَالَ زَكَرِيَّا هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة وَلم تكن الذُّرِّيَّة مُخْتَصَّة بِهِ وَلَا بالأنبياء بل الله يخرج الْأَنْبِيَاء من الْكفَّار إِذا شَاءَ وَلَكِن بمشيئته وَالله أعلم أَنه إِذا قَالَ من عنْدك وَمن لَدُنْك كَانَ مَطْلُوبا بِغَيْر فعل العَبْد
فَإِن مَا يُعْطِيهِ الله العَبْد على وَجْهَيْن مِنْهُ مَا يكون بِسَبَب فعله كالرزق الَّذِي يرزقه الله بِكَسْبِهِ والسيئات الَّتِي يغفرها الله بِالْحَسَنَاتِ الماحية وَالْولد الَّذِي يُعْطِيهِ الله بِالنِّكَاحِ الْمُعْتَاد وَالْعلم الَّذِي يَنَالهُ بالتعلم
وَمِنْه مَا يُعْطِيهِ للْعَبد ولايحوجه إِلَى السَّبَب الَّذِي ينَال بِهِ فِي غَالب الْأُمُور كَمَا أعْطى زَكَرِيَّا الْوَلَد مَعَ أَن امْرَأَته كَانَت عاقرا وَقد بلغ هُوَ من الْكبر عتيا فَهَذَا وهبه لَهُ الله من لَدنه لَيْسَ بالاأسباب الْمُعْتَادَة وَكَذَلِكَ الَّذِي علمه الْخضر من لَدنه لميكن بالتعلم الْمَعْهُود وَكَذَلِكَ الرَّحْمَة الْمَوْهُوبَة وَلِهَذَا قَالَ إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب وَقَوله مغْفرَة من عنْدك لم يقل فِيهِ من لَدُنْك بل من عنْدك وَمن النَّاس من يفرق بَين لَدُنْك وعندك كَمَا يفرق بَين التَّقْدِيم
стр. 107
وَالتَّأْخِير فَإِن لم يكن بَينهمَا فرق فقد يكون المُرَاد اغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك لَا أطلبها بِأَسْبَاب لِأَنَّهَا من عزائم الْمَغْفِرَة الَّتِي يغْفر لصَاحِبهَا كَالْحَجِّ وَالْجهَاد وَنَحْوه بل اغْفِر لي مغْفرَة توجبها لي وتجود بهَا على بِلَا عمل يَقْتَضِي تِلْكَ الْمَغْفِرَة
وَمن الْمَعْلُوم أَن الله قد يغْفر الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ وَقد يغفرها بِالْحَسَنَاتِ أَو بالمصائب وَقد يغفرها بِمُجَرَّد اسْتِغْفَار العَبْد وسؤاله أَن يغْفر لَهُ فَهَذِهِ مغْفرَة من عِنْده
فَهَذَا الْوَجْه إِذا فسر بِهِ من عنْدك كَانَ أحسن وأشبه مِمَّا ذكر من الِاخْتِصَاص
وَأما قَوْله والأشياء كلهَا من عِنْده فَيُقَال
الْأَشْيَاء وَجْهَان مِنْهَا مَا جعل بِسَبَب من العَبْد يُوفيه عمله وَمِنْهَا مَا يَفْعَله بِدُونِ ذَلِك السَّبَب بِلَا حَاجَة لسؤاله إحسانا إِلَيْهِ وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي هَذَا الْمَعْنى مُنَاسِب دون تَخْصِيص لبَعض النَّاس دون بعض
فَإِن قَوْله من عنْدك دلَالَته على الأول أبين وَلِهَذَا يَقُول الرجل لمن يطْلب مِنْهُ أَعْطِنِي عَن عنْدك لما يَطْلُبهُ مِنْهُ بِغَيْر سَبَب بِخِلَاف مَا يَطْلُبهُ من الْحُقُوق الَّتِي عَلَيْهِ كَالدّين وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة فَلَا يُقَال من عنْدك وَالله تَعَالَى أعلم وَإِن كَانَ الْخلق لَا يوجبون عَلَيْهِ شَيْئا فَهُوَ قد كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم الظُّلم على نسه وَأوجب بوعده مَا يجب لمن وعده إِيَّاه فَهَذَا قد يصير وَاجِبا بِحكم إِيجَاب وعده بِخِلَاف مَا لم يكن كَذَلِك
فاستعمال من عنْدك يُرَاد بِهِ أَن تكون مغْفرَة تجود بهَا أَنْت لَا تحوجني فِيهَا إِلَى خلقك وَلَا أحتاج إِلَى أحد يشفع فِي أَو يسْتَغْفر لي
وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي مثل هَذَا مَعْرُوف كَمَا فِي حَدِيث كَعْب ابْن مَالك ﵁ لما قَالَ رَسُول الله ﷺ أبشر بِخَير يَوْم
стр. 108
مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك فَقَالَ من عنْدك أم من عِنْد الله تَعَالَى فَقَالَ بل هُوَ من عِنْد الله وَأخْبرهُ أَنه تَابَ عَلَيْهِ من عِنْده
وكلا الْوَجْهَيْنِ فِي قَول مَرْيَم عَن رزقها هُوَ من عِنْد الله فَلَمَّا كَانَ الرزق لَا يَأْتِي بِهِ بشر وَلم تسع فِيهِ السعى الْمُعْتَاد قَالَت هُوَ من عِنْد الله
فَهَذَا الْمعَانِي وَمَا يُنَاسِبهَا هِيَ الَّتِي يشْهد لَهَا اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ
وَإِن قَالَ قَائِل وَكَذَلِكَ كَلَام الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَرَادَ بِهِ مثل هَذَا كَانَ مُحْتملا وَقد قَالَ عمر ﵁ احْمِلْ كَلَام أَخِيك على أحْسنه حَتَّى يَأْتِيك مَا يَغْلِبك مِنْهُ وَالله أعلم
وَالتَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار قد يكونَانِ من ترك الْأَفْضَل والذم والوعيد لَا يكونَانِ إِلَّا على ذَنْب
وَمن سمع الْمُؤَذّن وَهُوَ فِي صَلَاة أتمهَا وَلَا يَقُول مثل مَا يَقُول عِنْد الْجُمْهُور كَمَا لَو سمع غَيره يقْرَأ سَجْدَة لم يسْجد فِي الصَّلَاة عِنْد الْجُمْهُور
وَقَول لَيْسَ رلا الله وَمَا ثمَّ رلا الله مُجمل يحْتَمل حَقًا وباطلا
فصل
روى أَبُو ذَر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يرْوى عَنهُ ربه ﵎ أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظلموا الحَدِيث
فَقَوله حرمت الظُّلم على نَفسِي فِيهِ مَسْأَلَتَانِ كبيرتان كل مِنْهُمَا ذَات شعب وفروع
стр. 109
إِحْدَاهمَا أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله ونفاه نَفسه بقوله وَمَا ظلمنَا لَهُم وَقَوله ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ ﴿وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ ﴿فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾
فقد تنَازع النَّاس فِي معنى هَذَا الظُّلم تنَازعا صَارُوا فِيهِ بَين طرفين ووسط بَينهمَا وَخير الْأُمُور أوسطها
وَذَلِكَ بِسَبَب الْبَحْث فِي الْقدر ومجامعته للشَّرْع إِذا الْخَوْض فِيهِ بِغَيْر علم تَامّ أوجب ضلال عَامَّة الْأُمَم وَلِهَذَا نهى النَّبِي ﷺ أَصْحَابه عَن التَّنَازُع فِيهِ فَذهب الكذبون بِالْقدرِ الْقَائِلُونَ بِأَن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد وَلم يرد أَن يكون رلا مَا أَمر بِأَن يكون وغلاتهم المكذبون بِتَقْدِيم علم الله وَكتابه سَيكون من أَفعَال الْعباد من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم إِلَى أَن الظُّلم مِنْهُ تَعَالَى هُوَ نَظِير الظُّلم من الْآدَمِيّين بَعضهم لبَعض وشبهوه ومثلوه فِي الْأَفْعَال بزفعال الْعباد حَتَّى كَانُوا هم ممثلة الْأَفْعَال وضربوا لله الْأَمْثَال ولميجعلوا لَهُ الْمثل الْأَعْلَى بل أوجبوا عَلَيْهِ وحرموا مَا رَأَوْا أَنه يجب على الْعباد وَيحرم بقياسه على الْعباد
قَالُوا إِذا أَمر العَبْد وَلم يعنه بِجمع مَا يقدر بِهِ عَلَيْهِ من وُجُوه الْإِعَانَة كَانَ ظَالِما لَهُ والتزموا أَنه لَا يقدر أَن يهدي ضَالًّا كَمَا قَالُوا إِنَّه لَا يقدر أَن يضل مهتديا وَقَالُوا إِذا أَمر اثْنَيْنِ بِأَمْر وَاحِد وَخص أَحدهمَا باعانته على فعل الْمَأْمُور كَانَ ظلما إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي هِيَ من بَاب الْفضل وَالْإِحْسَان جعلُوا تَركه لَهَا ظلما
وَكَذَلِكَ ظنُّوا أَن التعذيب لمن كَانَ فعله مُقَدرا ظلم لَهُ وَلم يفرقُوا بَين التعذيب لمن قالم بِهِ سَبَب اسْتِحْقَاق ذَلِك وَمن لم يقم بِهِ سَببه وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِحْقَاق لحكمة أُخْرَى عَامَّة أَو خَاصَّة
وَهَذَا الْموضع زلت فِيهِ أَقْدَام وضلت فِيهِ أفهام
стр. 110
فعارض هَؤُلَاءِ آخَرُونَ من أهل الْكَلَام المثبتين للقدر وَقَالُوا لَيْسَ الظُّلم مِنْهُ حَقِيقَة يُمكن وجودهَا بل هُوَ من الْأُمُور الممتنعة لذاتها فَلَا يجوز أَن يكون مَقْدُورًا وَلَا أَن يُقَال إِنَّه تَارِك لَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وقلب الْقَدِيم مُحدثا ورلا فمهما قدر فِي الذِّهْن وَكَانَ وجوده مُمكنا فَالله قَادر عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم مِنْهُ سَواد فعله أَو لم يَفْعَله
وتلقى هَذَا القَوْل عَن هَؤُلَاءِ طوائف من أهل الاثبات من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَمن شرح الحَدِيث وفسروا هَذَا الحَدِيث بِمَا يَنْبَنِي عَليّ هَذَا القَوْل وَرُبمَا احْتَجُّوا بظواهر أَقْوَال مآثورة كَمَا روينَا عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ مَا ناظرت بعقلي كُله أحدا رلا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا لاظلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك أَو تتصرف فِيمَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شئ
وَلَيْسَ هَذَا من إِيَاس إِلَّا ليبين أَن التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة فِي مكله تَعَالَى فَلَا يكن ظلما بِمُوجب حَدهمْ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ بَين أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُم متفقون مَعَ أهل الْإِيمَان بِالْقدرِ على أَن كل مَا فعله الله فَهُوَ عدل
فَرَأى إِيَاس أَن هَذَا الْجَواب المطابق لحدهم خَاصم لَهُم وَلم يدْخل مَعَهم فِي التَّفْصِيل الَّذِي يطول
وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن لغيلان حِين قَالَ لَهُ غيلَان نشدتك الله أَتَرَى الله يحب ان يَعْصِي فَقَالَ ربيعَة نشدتك الله أرى الله يعْصى قسرا فَكَأَنَّمَا ألقمه حجرا فَإِن قَوْله يحب أَن يَعْصِي لفظ فِيهِ إِجْمَال وَقد لَا يَأْتِي فِي المناظرة تَفْسِير المجملات خوفًا من لدد الْخصم فَيُؤتى بالواضحات كَمَا ألزمهُ بِالْعَجزِ الَّذِي هُوَ لَازم للقدرية وَلمن هُوَ شَرّ مِنْهُم من الدَّهْر والفلاسفة
стр. 111
وَغَيرهم فَقَوله لَا يخَاف ظلما وَلَا هضما قَالَ أهل التَّفْسِير لَا يخَاف أَن يظلم فَيحمل عَلَيْهِ سيئات غَيره وَلَا يهضم فينقصه من حَسَنَاته
وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا الظُّلم هُوَ شَيْئا مُمْتَنعا غير مَقْدُور عَلَيْهِ فَيكون التَّقْدِير فَلَا يخَاف مَا هُوَ مُمْتَنع لذاته خَارج عَن الممكنات والمقدورات فَإِن مثل هَذَا إِذا لم يكن وجوده مُمكنا حَتَّى يَقُولُوا إِنَّه غير مَقْدُور وَلَو أَرَادَهُ كخلق الْمثل فَكيف يعقل وجوده فضلا عَن أَن يتَصَوَّر خَوفه حَتَّى ينفى خَوفه ثمَّ أى فَائِدَة فِي نفي خوف هَذَا وَقد علم من سِيَاق الْكَلَام أَن الْمَقْصُود بَيَان أَن هَذَا الْعَامِل لَا يجزى على إحسانه بالظلم والهضم
فَعلم أَن الظُّلم المنفى يتَعَلَّق بالجزاء كَمَا ذكره أهل التَّفْسِير وَأَن الله لَا يجْزِيه رلا بِعَمَلِهِ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب أَن الله لَا يعذب رلا من أذْنب
وَكَذَا قَوْله وَمَا رَبك بظلام للعبيد يدل الْكَلَام على أَنه لَا يظلم محسنا فينقصه من حَسَنَاته أَو يَجْعَلهَا لغيره وَلَا يظلم مسيئا فَيحمل عَلَيْهِ إساءة غَيره بل لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا أكتسبت وَهَذَا كَقَوْلِه ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فَلَيْسَ على أحد وزر غَيره وَلَا يسْتَحق أحد إِلَّا ماسعاه وكلا الْقَوْلَيْنِ حق على ظَاهره
وَكَذَلِكَ قَوْله فِيمَن عاقبهم وَمَا ظلمناهم كَانُوا هم الظَّالِمين بَين أَن عِقَاب الْمُجْرمين عدل لذنوبهم واخاذهم الْآلهَة الَّتِي لَا تغنى عَنْهُم شَيْئا لَا لأَنا ظلمناهم فعاقبناهم لغير ذَنْب وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾
بَين أَن هَذَا الْعقَاب لم يكن ظلما بل هُوَ لاستحقاقهم ذَلِك
وزيضا فَالْأَمْر الَّذِي لَا يُمكن الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا يصلح أَن يمدح الممدوح بِعَدَمِ
стр. 112
إِرَادَته وَفعله وَإِنَّمَا يكون الْمَدْح بترك الْأَفْعَال إِذا كَانَ الممدوح قَادِرًا عَلَيْهَا فَعلم أَنه قَادر على مَا نزه نَفسه عَنهُ من الظُّلم وَأَنه لَا يَفْعَله
وَبِذَلِك يَصح قَوْله إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي فَلَا يجوز أَن يكون فِيمَا هُوَ مُمْتَنع لذاته فَلَا يصلح أَن يُقَال حرمت أَو منعت نَفسِي من خلق مثلي أَو من جعل الْمَخْلُوقَات خالقه وَنَحْو ذَلِك من المحالات الَّتِي يعلم كل أحد أَنَّهَا لَيست مرَادا للرب
وَالَّذِي قَالَه النَّاس إِن الظُّلم وضع الشئ فِي غير مَوْضِعه يتَنَاوَل هَذَا الْمَقْدُور دون ذَاك الْمُمْتَنع كَقَوْل بَعضهم الظُّلم إِضْرَار غير الْمُسْتَحق فَالله لَا يُعَاقب أحدا بِغَيْر حق
وَكَذَلِكَ من قَالَ هُوَ نقص الْحق كَقَوْلِه ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا﴾ وَمن قَالَ هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر فَلَيْسَ بمطرد وَلَا منعكس فقد يتَصَرَّف الإسنان فِي ملك غَيره بِحَق وَلَا يكون ظلما وَقد يتَصَرَّف فِي ملكه بِغَيْر حق فَيكون ظلما وظلم العَبْد نَفسه كثير فِي الْقُرْآن
فصل
فَتبين بِمَا قدمْنَاهُ الْوسط وَهُوَ الْحق أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله عَليّ نَفسه مثل أَن يتْرك حَسَنَات المحسن فَلَا يجْزِيه بهَا ويعاقب البرئ على مالم يَفْعَله من السَّيِّئَات ويعاقب هَذَا بذنب غَيره أَو يحكم بَين النَّاس بِغَيْر الْقسْط وَنَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَنْهَا لقسطه وعدله وَهُوَ قَادر عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اسْتحق الْحَمد وَالثنَاء لِأَنَّهُ ترك هَذَا الظُّلم وَهُوَ قَادر عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة للنَّاس فِي أَفعَال الله بِاعْتِبَار مَا يصلح مِنْهُ وَيجوز وَمَا لَا يجوز
стр. 113
لَهُ حَتَّى وضعُوا لَهُ شَرِيعَة التَّعْدِيل والتجويز لَا يمعنى أَن الْعقل آمُر لَهُ وناه فَإِن هَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل بِمَعْنى أَن تِلْكَ الْأَفْعَال مِمَّا علم بِالْعقلِ وُجُوبهَا وتحريمها وَلَكِن أدخلُوا فِي ذَلِك من النكرات مَا بنوه على بدعتهم من التَّكْذِيب بِالْقدرِ وتوابع ذَلِك
الطّرف الثَّانِي الغلاة فِي الرَّد عَلَيْهِم وهم الَّذين قَالُوا لَا ينزه الرب عَن فعل من الْأَفْعَال وَلَا يعلم وَجه امْتنَاع الْفِعْل مِنْهُ إِلَّا من جِهَة خَبره أَنه لَا يَفْعَله المطابق لعلمه بِأَنَّهُ لَا يَفْعَله فَهَؤُلَاءِ منعُوا حَقِيقَة مَا أخبر تَعَالَى بِهِ أَنه كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم على نَفسه الظُّلم
الطّرف الثَّالِث القَوْل الْوسط أَنه سُبْحَانَهُ عَليّ كل شئ قدير وَله الْخلق وَالْأَمر وَأَنه مَعَ ذَلِك حرم على نَفسه أَشْيَاء وَأخْبر أَنه لَا يَفْعَلهَا وَهِي مقدورة لَهُ وَيتْرك أَشْيَاء مَعَ قدرته عَلَيْهَا لِأَنَّهُ عَادل لَيْسَ بظالم كَمَا ينزه نَفسه عَن عُقُوبَة الْأَنْبِيَاء وكما ينزه نَفسه أَن يحمل البرئ ذنُوب الْمُعْتَدِينَ
وَقَوله لَا تظالموا فِيهِ كل الدّين
فالجملة الأولى قَوْله إِنِّي حرمت الظُّلم عَليّ نَفسِي يجمع حل مسَائِل الصِّفَات إِذا أَعْطَيْت حَقّهَا من التَّفْسِير وَهَذِه تَتَضَمَّن الدّين كُله فَإِن كل مانهى الله عَنهُ واجع إِلَى اظلم وكل مَا أَمر بِهِ رَاجع إِلَى الْعدْل
وَلما ذكر مَا أوجبه من الْعدْل وَحرمه منالظلم عَليّ نَفسه وَعلي عباده ذكر إحسانه إِلَى عباده مَعَ غناهُ عَنْهُم وفقرهم رليه وَأَنَّهُمْ لَا يقدرُونَ على جلب مَنْفَعَة لأَنْفُسِهِمْ وَلَا دفع مضرَّة رلا أَن يكون هُوَ سُبْحَانَهُ الميسر لذَلِك وَأمر الْعباد بِأَن يسألوه ذَلِك وَأخْبر أَنهم لَا يقدرُونَ عَليّ نَفعه وَلَا ضره مَعَ عظم مَا يوصله إِلَيْهِم من النعماء وَمَا يدْفع عَنْهُم من الْبلَاء
وجلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة إِمَّا أَن يكون للدّين أَو الدُّنْيَا فَصَارَت أَرْبَعَة أَقسَام
стр. 114
الْهِدَايَة وَالْمَغْفِرَة وهما جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فِي الدّين وَالطَّعَام والسكوة وهما جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فِي الدُّنْيَا
وَإِن شِئْت قلت الْهِدَايَة وَالْمَغْفِرَة متعلقتان بِالْقَلْبِ الَّذِي ملك الْبدن وَهُوَ الأَصْل فِي الْأَعْمَال الإرادية
وَالطَّعَام وَالْكِسْوَة متعلقتان بِالْبدنِ الطَّعَام لجلب الْمَنْفَعَة وَالْكِسْوَة لدفع الْمضرَّة وَفتح الْأَمر كُله بالهداية فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت الْهِدَايَة النافعة هِيَ الْمُتَعَلّقَة بِالدّينِ فَكل أَعمال النَّاس تَابِعَة لهداية الله إيَّاهُم قَالَ وَالَّذِي قدر فهدى وهديناه النجدين إِنَّا هديناه اليسبيل وَلِهَذَا قيل إِن الْهِدَايَة النافعة أَرْبَعَة أَقسَام
أَحدهَا الْهِدَايَة إِلَيّ مصَالح الدُّنْيَا
الثَّانِي الْهِدَايَة بِمَعْنى دُعَاء الْخلق إِلَى مَا يَنْفَعهُمْ وَأمرهمْ بذلك
الثَّالِث الَّذِي لاا يقدر عَلَيْهِ رلا الله وَهُوَ جعل الْهدى فِي الْقلب لقَوْله تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي﴾ وَهُوَ لذِي يُسَمِّيه بَعضهم بالإلهام والإرشاد وَهَذَا يُنكر الْقَدَرِيَّة أَن يكون الله هُوَ الْفَاعِل لَهُ بل يَزْعمُونَ أَن العَبْد يهدي نَفسه وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم حَيْثُ قَالَ فاستهدوني أهدكم بعد قَوْله ﴿كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته﴾
وَعِنْدهم لَا يقدر الله على شئ من الْهدى رلا مَا فعله من إرْسَال الرُّسُل وَنصب الْأَدِلَّة وإزاحة الْعِلَل وَلَا مزية للْكَافِرِ عَليّ الْمُؤمن فِي هِدَايَة الله وَلَا نعْمَة لله على الْمُؤمن عِنْدهم أعظم من نعْمَته على الْكَافِر فِي بَاب الْهدى
وَالْقسم الرَّابِع الْهدى فِي الآخر كَمَا قَالَا لله تَعَالَى ﴿وهدوا إِلَى الطّيب من القَوْل وهدوا إِلَى صِرَاط الحميد﴾
وَأما قَوْله ﴿كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وكلكم عَار إِلَّا من كسوته﴾ فَيَقْتَضِي أصلين عظيمين
أَحدهمَا وجوب التَّوَكُّل عَليّ الله فِي الرزق واللباس وَأَنه لَا يقدر أحد
стр. 115
غير الله ذَلِك قدرَة مُطلقَة وَالْقُدْرَة الَّتِي تحصل لبَعض الْعباد تكون على بعض أَسبَاب ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات مَا هُوَ وَحده سَبَب تَامّ لحُصُول الْمَطْلُوب فَمن ظن الِاسْتِغْنَاء بِالسَّبَبِ عَن التَّوَكُّل فقد ترك الْوَاجِب عَلَيْهِ من التَّوَكُّل وأخل بِوَاجِب التَّوْحِيد وَلِهَذَا يخذل هَؤُلَاءِ كَمَا أَن من دخل فِي التَّوَكُّل وَترك مَا أَمر بِهِ من الْأَسْبَاب فَهُوَ جَاهِل ظَالِم عَاص لله يتْرك مَا أمره بِهِ فان فعل الْمَأْمُور بِهِ عبَادَة الله قَالَ الله ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾
وَفِي هَذَا رد على من جعل الْأَخْذ بِالسَّبَبِ نقصا أَو قدحا فِي التَّوْحِيد والتوكل وَأَن تَركه من كَمَال التَّوَكُّل وَهُوَ ملبوس عَلَيْهِم وَقد يقْتَرن بذلك اتِّبَاع الْهوى وميل النَّفس إِلَى البطالة وَلِهَذَا تجدعامة هَذَا الضَّرْب يتعلقون بِأَسْبَاب دون ذَلِك إِمَّا بالخلق رَغْبَة وَرَهْبَة وَإِمَّا أَن يتْركُوا وَاجِبَات أَو مستحبات أَنْفَع لَهُم من ذَلِك كمن يصرف همته فِي توكله إِلَى شِفَاء مَرضه بلادواء أَو نيل رزقه بِلَا سعى فقد يحصل لَهُ ذَلِك وَلَكِن كَانَت مُبَاشرَة الدَّوَاء وَالسَّعْي الْيَسِير وَصرف الهمة فِي عمل صَالح أَنْفَع لَهُ
وَفَوق هَؤُلَاءِ من يَجْعَل التَّوَكُّل والدعاد نقصا وانقطاعا عَن الْخَاصَّة أَن مُلَاحظَة مَا فرغ مِنْهُ فِي الْقدر هُوَ حَال الْخَاصَّة فقد قَالَ هَذَا ﴿كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وكلكم عَار إِلَّا وَكسوته فاستطعموني أطْعمكُم واستكسوني أكسكم﴾ وَإِنَّمَا غلطوا لظنهم أَن سبق التَّقْدِير بِمَنْع أَن يكون بِالسَّبَبِ الْمَأْمُور بِهِ كمن يتزندق فَيتْرك الْأَعْمَال الْوَاجِبَة بِنَاء على زن الْقدر قد سبق بِأَهْل السَّعَادَة والشقاوة أَو لم يعلم أَن الْقدر سبق بالأمور على ماهي عَلَيْهِ بِأَسْبَاب بهَا
وَطَائِفَة تظن أَن التَّوَكُّل إِنَّمَا هُوَ من مقامات الْخَاصَّة المتقربين بالنوافل وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي أَعمال الْقلب وتوابعها من الْحبّ والرجاء وَالْخَوْف وَالشُّكْر
стр. 116
وَنَحْوه وَهَذَا ضلال مُبين بل جَمِيع هَذِه الْأُمُور فرض على الْأَعْيَان بِاتِّفَاق أهل الْإِيمَان
وقله ﴿يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون باليل وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ فالمغفرة الْعَامَّة نَوْعَانِ
أَحدهمَا الْمَغْفِرَة لمن تَابَ وَهَذِه عَامَّة فِي جَمِيع الذُّنُوب على الصَّحِيح خلافًا لمن يسْتَثْنى بعض الذُّنُوب كتوبة الداعية إِلَى الْبدع لَا تقبل بَاطِنا وكتوبة الْقَاتِل وَنَحْوه لِأَن الله قد ذكر أَنه يَتُوب على أَئِمَّة الْكفْر الَّذِي هُوَ أعظم من الْبدع وَغَيرهم وَالتَّوْبَة الْعَامَّة كَمَا فِي قَوْله تعال ي ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾
النَّوْع الثَّانِي من الْمَغْفِرَة الْعَامَّة الَّتِي دلّ عَلَيْهَا قَوْله ﴿يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ الْمَغْفِرَة بِمَعْنى تَخْفيف الْعَذَاب أَو تَأْخِيره إِلَى أحل مُسَمّى وَهَذَا عَام مُطلقًا وَلِهَذَا شفع النَّبِي ﷺ فِي زبي طَالب مَعَ مَوته على الشّرك فَنقل من غنرة النَّار حَتَّى جعل فِي ضحضاح يغلى مِنْهَا رَأسه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بِمَا كسبوا مَا ترك على ظهرهَا من دَابَّة﴾ ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾
وَأما قَوْله ﴿إِنَّكُم لن تبلغوا ضرى فتضروني وَلنْ تبلغو نفعي فتنفعوني﴾ فَإِنَّهُ بَين بذلك إِنَّه لَيْسَ هُوَ بمستعيض فِيمَا يحسن بِهِ إِلَيْهِم من إِجَابَة الدعْوَة وغفران الذُّنُوب بذلك جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة كَمَا يَفْعَله الْخلق مَعَ بَعضهم لبَعض فَقَالَ ﴿إِنَّكُم لن تبلغوا ضرى فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعى فتنفعوني﴾ فلست إِذا هديتكم وأطعمتكم وكسوتكم بِالَّذِي أطلب أَن تنفعواني وَلَا إِذا غفرت خَطَايَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار أتقى بذلك أَن تضروني فَإِنَّكُم لن تبلغوا ذَلِك بل عاجزون عَن ذَلِك كُله بل لَا تقدرون رلا عَليّ مَا أقدره لكم وأريده وَكَذَلِكَ مَا يَأْمُركُمْ
стр. 117
بِهِ من الطَّاعَات وَمَا يَنْهَاكُم عَنهُ من السيذات فَإِنَّهُ لَا يتَضَمَّن استجلاب نَفعه كأمر السَّيِّد لعَبْدِهِ وَالْوَالِد لوَلَده وَلَا دفع مضرتهم كنهى هَؤُلَاءِ وَغَيرهم فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن لُحُوق نفعهم وضرهم فَلهَذَا ذكر هذَيْن الْأَصْلَيْنِ بعد ذَلِك
فَذكر أَن برهم وفحورهم وطاعتهم ومعصيتهم لَا تزيد ملكه وَلَا تنقص وَأَن مَا يعطيهم غَايَة مَا يسألونه نسبته إِلَيّ مَا عِنْده أدنى نِسْبَة فَقَالَ ﴿يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم على أفجر قلب رجل وَاحِد مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا وَلَو أَن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كَانُوا على أتقى قلب رجل مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا﴾
إِذْ ملكه قدرته عَليّ التَّصَرُّف فَلَا تزيد وَلَا تنقص كَمَا تزداد قدرَة الْملك بِكَثْرَة المطعين لَهُ وتنقص بقلة المطيعين فرن ملكه سُبْحَانَهُ مُتَعَلق بِنَفسِهِ وَهُوَ خَالق كل شئ وربه يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وينزعه مِمَّن شاد
ثمَّ ذكر حَالهم فِي النَّوْعَيْنِ سُؤال بره وَطَاعَة أمره اللَّذين ذكرهمَا فِي الحَدِيث وَذكر الاستهداء والاستطعام والاستكساء وَذكر الغفران وَالْبر والفجور فَقَالَ ﴿لَو أَن أولكم وأخركم وإنسكم جنكم قَامُوا فِي صَعِيد وَاحِد فسألوني فَأعْطيت كل وَاحِد مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي أَلا كَمَا ينقص الْمخيط أذا أَدخل الْبَحْر﴾
فَذكر أَن جَمِيع الْخَلَائق إِذا سَأَلُوهُ وهم فِي مَكَان وَاحِد وزمان وَاحِد فَأعْطى كل وَاحِد مَسْأَلته لم ينقص ذَلِك مماعنده رلا كَمَا ينقص الْمخيط وَهِي الإبرة إِذا غمس فِي الْبَحْر
وَقَوله لم ينقص مِمَّا عِنْدِي فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا يدل على أَن عِنْده أمورا مَوْجُودَة
стр. 118
وعَلى هَذَا فَيُقَال لفظ النَّقْص على حَاله لِأَن الْإِعْطَاء من الْكثير وَإِن كَانَ قَلِيلا فَلَا بُد أَن ينقص شَيْئا مَا
وَمن رَوَاهُ لم ينقص من ملكي يحمل عَليّ مَا عِنْده
وَقد يُقَال الْمُعْطى إِن كَانَ أعيانا قَائِمَة فقد تنقل من مَحل إِلَى مَحل فَيظْهر النَّقْص وَإِن كَانَ صِفَات فَلَا تنقل من محلهَا وَإِنَّمَا يُوجد نظيرها فِي مَحل آخر كَمَا يُوجد نَظِير علم الْمعلم فِي قلب المتعلم من غير زَوَال علم الْمعلم وكما يتَكَلَّم الْمُتَكَلّم بِكَلَام الْمُتَكَلّم قبله من غير انْتِقَال كَلَام الأول إِلَى الثَّانِي
وعَلى هَذَا فالصفات لَا تنقص مِمَّا عِنْده شَيْئا وَهِي من المسؤل كالهدى
وَقد يُجَاب عَن هَذَا بِأَنَّهُ من الْمُمكن فِي بعض الصِّفَات أَن لَا يثبت مثلهَا فِي الْمحل الثَّانِي حَتَّى تَزُول عَن الأول كاللون وكالروائح الَّتِي تعبق بمَكَان وتزول كَمَا دَعَا النَّبِي ﷺ عَليّ حمى الْمَدِينَة أَن تنْتَقل إِلَيّ الْجحْفَة
وَهل هَذَا الِانْتِقَال بانتقال عين الْعرض الأول أَو بِوُجُود مثله من غير انْتِقَال عينه فِيهِ للنَّاس قَولَانِ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن النَّقْص هُنَا كالنقص الَّذِي فِي حَدِيث مُوسَى وَالْخضر فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ لمُوسَى وَقد وَقع عُصْفُور على قاب السَّفِينَة فَنقرَ فِي الْبَحْر فَقَالَ مَا نقص علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا نقص هَذَا العصفور من هَذَا الْبَحْر وَمَعْلُوم أَن نفس علم الله الْقَائِم بِهِ لَا يَزُول مِنْهُ شئ بتَعَلُّم الْعباد
وَإِنَّمَا الْمَقْصُود أَن نِسْبَة علمي وعلمك إِلَى علم الله كنسبة مَا علق بمنقار العصفور إِلَى الْبَحْر
وَمن هَذَا الْبَاب كَون الْعلم يُورث وَكتاب يُورث
وَتَحْقِيق الْأَمر مَا أحَاط علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا ينقص هذطا العصفور نِسْبَة هَذَا كنسبة هَذَا إِلَيّ هَذَا وَإِن كَانَ الْمُشبه بِهِ جسما ينْقل من مَحل إِلَيّ مَحل يَزُول عَن مَحل وَلَيْسَ الْمُشبه كَذَلِك
стр. 119
فَهَذَا الْفرق يُعلمهُ المستمع من غير التباس
ثمَّ خَتمه بتحقيق مَا بَينه فِيهِ من عدله وإحسانه فَقَالَ ﴿إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أَو فِيكُم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن رلا نَفسه﴾
فَبين أَنه محسن رلى عباده فِي الجزاءأ على أَعْمَالهم إحسانا يسْتَحق بِهِ الْحَمد لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنعم بِالْأَمر بهَا والارساد إِلَيْهَا والإعانة عَلَيْهَا ثمَّ إحصائها ثمَّ توفيه جزائها فَكل ذكل فضل مِنْهُ وإحسان فَكل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل وَإِن كَانَ ذَلِك أوجبه عَليّ نَفسه فَلَيْسَ هُوَ كوجوب حُقُوق النَّاس بَعضهم على بعض لكَون إِحْسَان بعض النَّاس إِلَى بعض لحق الْمُعَاوضَة ورجاء الْمَنْفَعَة وَقد تبين عدم ذَلِك فِي حَقه فَلَيْسَ لأحد من جِهَة نَفسه عَلَيْهِ حق بل هُوَ الَّذِي أَحَق الْحق على نَفسه بكلماته فَهُوَ المحسن بِالْإِحْسَانِ وباحقاقه وكتابته على نَفسه فَهُوَ محسن إحسانا مَعَ إِحْسَان
ثمَّ بَين أَنه عَادل فِي الْجَزَاء عَليّ السَّيِّئَات فَقَالَ ﴿وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه﴾ كَمَا تقدم ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾
وَهَذِه نُكْتَة مختصرة تنبه الْفَاضِل على مَا فِي الْحَقَائِق من لجوامع والفوارق الَّتِي تفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي هَذِه المضايق
وَالله ينفعنا وَسَائِر إِخْوَاننَا بِمَا علمنَا ويعلمنا مَا ينفعنا ويريدنا علما وَلَا حول وَلَا قُوَّة رلا بِاللَّه وَعَلِيهِ التكلان
стр. 120
فصل
وَقَوله ﵊ دَعْوَة أخي ذِي النُّون لَا إِلَه رلا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين مَا دَعَا بهَا مكروب رلا فرج الله تَعَالَى كربته
اعْلَم أَن لفظ الدُّعَاء والدعوة يتَنَاوَل معنين دُعَاء الْعِبَادَة ودعاد الْمَسْأَلَة وكل عَابِد سَائل وكل سَائل عَابِد فأحد الاسمين يتَنَاوَل الآخر عِنْد تجرده عَنهُ وَإِذا جمع بَينهمَا فَإِنَّهُ يُرَاد بالسائل الَّذِي يطْلب جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة بصيغ السُّؤَال والطلب وَيُرَاد بالعابد من يطْلب ذَلِك بامتثال الْأَمر وَإِن لم يكن هُنَاكَ صِيغَة سُؤال وَلَا طلب
وَلَا يتَصَوَّر زن يَخْلُو دَاع لله دُعَاء عبَادَة أَو دُعَاء مَسْأَلَة من الرغب والرهب وَالْخَوْف والطمع
وَمَا يذكر عَن بعض الشُّيُوخ أَنه جعل الْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة فَهَذَا قد يُفَسر مُرَاده بِأَن المقربين يُرِيدُونَ وَجه الله فيقصدون التَّلَذُّذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يتلذذ بِهِ سُبْحَانَهُ
وَهَؤُلَاء يرجون حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب وَيَخَافُونَ حرمانه أَيْضا فَلم يخلوا عَن الْخَوْف والرجاء لككن مرجوهم ومخوفهم بِحَسب مطلوبهم
وَمن قَالَ من هَؤُلَاءِ لم أعبدك خوفًا من نارك وَلَا شوقا إِلَى جنتك فَهُوَ يظنّ أَن الْجنَّة اسْم لما يتمتع بِهِ من الْمَخْلُوقَات وَأَن النَّار اسْم لما لَا عَذَاب فِيهِ سوى ألم الْمَخْلُوقَات
وَهَذَا قُصُور مِنْهُم عَن فهم مُسَمّى الْجنَّة وَمَا فيهم من النَّعيم بل كل مَا أعد الله لأولياذه فَهُوَ من الْجنَّة وَالنَّظَر إِلَيْهِ هُوَ من الْجنَّة وَلِهَذَا كَانَ أفضل الْخلق ﷺ يسْأَل ربه الْجنَّة ويستعيذ بِهِ من النَّار
стр. 121
مسألة وَقد أنكر على من يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك فريق من أخهل الْكَلَام فظنوا أَن الله لَا يتلذذ بِالنّظرِ رلي وَجهه وَأَنه لَا نعيم إِلَّا بمخلوق فغلطوا فِي معنى الْجنَّة كَمَا غلط أُولَئِكَ السائلون لكن أُولَئِكَ طلبُوا مَا يسْتَحق أَن يطْلب وَهَؤُلَاء أَنْكَرُوا ذَلِك
وَأما التألم بالنَّار فَهُوَ أَمر ضَرُورِيّ وَمن قَالَ لَو أدخلني النَّار كنت رَاضِيا فَهُوَ عزم مِنْهُ والعزائم قد تَنْفَسِخ عِنْد وجود الْحَقَائِق وَمثل هَذَا يَقع فِي كَلَام طَائِفَة مثل سمنون الَّذِي قال
فَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ ... فكيفما شذت فامتحني
فَابْتلى بعسر الْبَوْل فَجعل يطوف على صبيان الْمكَاتب وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب
وَبَعض من تكلم فِي علل المقامات وَجعل الْحبّ وَالرِّضَا وَالْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة بِنَاء على مشادة الْقدر وَأَن من نظر إِلَى الْقدر فقد نظر إِلَى تَوْحِيد الْأَفْعَال حَتَّى فنى من لم يكن وبقى من لم يزل يخرج عَن هَذِه الْأُمُور
وَهَذَا كَلَام مُسْتَدْرك حَقِيقَة وَشرعا
وَأما الْحَقِيقَة فَإِن الْحَيّ لَا يتَصَوَّر إِلَّا حساسا محبا لما يائمه مبغضا لما ينافره وَمن قَالَ إِن الْحَيّ يتَصَوَّر عِنْده أَن يستوى جَمِيع المقدورات فَهُوَ أحد رجلَيْنِ إِمَّا جَاهِل وَإِمَّا مكابر معاند لَا يتَصَوَّر مَا يَقُول
فَمن زعم أَن الْمشَاهد لمقام تَوْحِيد الربوبية يدْخل إِلَيّ مقَام الْجمع والفناء فَلَا يشْهد فرقا فَإِنَّهُ غالط غَلطا فَاحِشا بل ال بُد من الْفرق فرنه أَمر ضَرُورِيّ لَكِن إِذا خرج عَن الْفرق الشَّرْعِيّ بقى الْفرق الطبيعي فَيبقى مُتبعا لهواه لَا مُطيعًا لمَوْلَاهُ وَلِهَذَا لما وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بَين الْجُنَيْد وَأَصْحَابه ذكر لَهُم الْفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يفرق بَين الْمَأْمُور والمحظور وَبَين مَا يُحِبهُ الله ويكرهه مَعَ شُهُوده الْقدر الْجَامِع فَيشْهد الْفرق فِي الْقدر الْجَامِع
стр. 122
وَمن لَا يفرق بَين الْمَأْمُور والمحضور فقد خرج عَن دين الْإِسْلَام وَخرج إِلَى وحدة الْوُجُود الَّتِي لَا يفرق معتقدوها بَين الْخَالِق والمخلوق وَلَكِن لَيْسَ كل هَؤُلَاءِ إِلَيّ هَذَا الْإِلْحَاد بل قد يفرقون من وَجه دون وَجه فيطيعون الله وَرَسُوله تَارَة ويعصون الله وَرَسُوله أُخْرَى كالعصاة من أهل الْقبْلَة
ودعوة ذِي النُّون تتَنَاوَل نَوْعي الدُّعَاء
فَقَوله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت اعْتِرَاف بتوحيد الإلهية وتوحيد الألهية يتَضَمَّن أحد نَوْعي الدعاد فَإِن الْإِلَه هُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يدعى عبَادَة وَدُعَاء مَسْأَلَة وهوالله الَّذِي لَا رله رلا هُوَ
وَقَوله إِي كنت من الظَّالِمين اعْتِرَاف بالذنب وَهُوَ يتَضَمَّن طلب الْمَغْفِرَة فَإِن الطّلب تَارَة يكون بِصِيغَة الطّلب وَتارَة يسزل بصسغة الْخَبَر إِمَّا بوص حَاله وَإِمَّا بِوَصْف حَال المسذول وَإِمَّا بِوَصْف الْحَالين وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي يَوْم عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شئ قدير
وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة رَحمَه الله تَعَالَى عَن أفضل الدُّعَاء فَذكر هَذَا الحَدِيث وَأنْشد قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن جدعَان ... أأذكر حَاجَتي أم قد كفاني ... حباؤك إِن شيتك الحباء ... إِذا أثنى عَلَيْك الْمَرْء يَوْمًا ... كَفاهُ من تعرضه الثَّنَاء ...
قَالَ فَهَذَا مَخْلُوق يُخَاطب مخلوقا فَكيف بالخالق تَعَالَى
وأكمل أَنْوَاع الطّلب مَا تضمن وصف حَال الدَّاعِي والمدعو وَالسُّؤَال بالمطابقة كَحَدِيث أبي بكر ﵁ اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا
وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم أَخْرجَاهُ فِي الصحيحن
لَكِن صَاحب الْحُوت مقَامه مقَام اعْتِرَاف فَنَاسَبَ حَاله صِيغَة الْوَصْف وَالْخَبَر
стр. 123
دون صِيغَة الطّلب كَأَنَّهُ قَالَ مَا أصابني الشَّرّ رلا بِسَبَب ذَنبي وَالْمَقْصُود دفع الضَّرَر وَالِاسْتِغْفَار جَاءَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي فَلم يذكر صِيغَة الطّلب لاستشعاره أَنه مسئ ظَالِم وَأَنه هُوَ الَّذِي أَدخل الضَّرَر عَليّ نَفسه فَذكر مَا يرفعهُ من الِاعْتِرَاف بظلمه
وَقَوله سُبْحَانَكَ يتَضَمَّن تَعْظِيم الرب وتنزيهه عَن الظُّلم والعقوبة بِغَيْر ذَنْب يَقُول أَنْت مقدس منزه عَن ظلمي وعقوبتي بِغَيْر ذَنْب بل أَنا الظَّالِم الَّذِي ظلمت نَفسِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَهُوَ الاله الَّذِي يسْتَحق أَن يكون مألوها وَحده مألوه لما يُريدهُ وَيُعْطِيه من الرَّحْمَة وَمَا اتّصف بِهِ من كَمَال الْقُدْرَة وَالْحكمَة وَغير ذَلِك من الصِّفَات الَّتِي تسلتزم أَن سُكُون هُوَ الْحُبُوب غَايَة الجحب المخضوع لَهُ غَايَة الخضوع
وَالْعِبَادَة تَتَضَمَّن غياة الْحبّ بغاية الذل وَلِهَذَا قَالَ ﷺ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول إِنَّه من يُونُس مَتى
فَلَيْسَ لأحد من الْعباد أَن يُبرئ نَفسه عَن هَذَا الْوَصْف لَا سِيمَا فِي مقَام مناجاته لرَبه فَمن ظن أَنه خير من يُونُس بن متي فَهُوَ كَاذِب إِذْ زعم أَنه ليسش عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بظُلْم نَفسه فَمن ادّعى ذَلِك فقد كذب وَلِهَذَا كَانَ سَادَات الخلاذق يعترفون بذلك كإبراهيم وَمُحَمّد ﷺ
فصل
لفظ الْأَيْمَان إِذا أفرد ذخل فِيهِ الْأَعْمَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَقيل الْإِيمَان قَول عمل أَي قَول الْقلب وَاللِّسَان وَعمل الْقلب والجوارح وَمِنْه قَوْله ﷺ الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ أَو بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا قَول ال رله إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة ن الْإِيمَان وَقَوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ الْآيَة
стр. 124
فالإيمان الْمُطلق يدْخل فِيهِ الْإِسْلَام كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لوفد عبد الْقَيْس آمركُم بِالْإِيمَان بِاللَّه أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تُؤَدُّوا خمس مَا غَنِمْتُم
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا فَأَما إِذا اقْترن لفظ الْإِيمَان بِالْعَمَلِ أَو بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يفرق بَينهمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وكما فِي الصَّحِيح لما سزله جِبْرِيل ﵇ عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان فَقَالَ الْإِسْلَام أَن تشهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتى الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت قَالَ فَمَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قَالَ فَمَا الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك
فَفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لما فرق السَّائِل بَينهمَا
وَفِي ذَلِك النَّص أَدخل الْإِسْلَام فِي الْإِيمَان لما أفرده بِالذكر
وَكَذَلِكَ لفظ الْعَمَل فرن الْإِسْلَام هُوَ من الْعَمَل الظَّاهِر هُوَ مُوجب إِيمَان الْقلب وَمُقْتَضَاهُ وَإِذا حصل إِيمَان الْقلب حصل إِيمَان الْجَوَارِح ضَرُورَة وَلَا بُد فِي إِيمَان الْقلب من تَصْدِيق الْقلب وانقياده ورلا فَلَو زعم أَنه صدق قلبه أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ ببغضه ويحسده ويستكبر عَن مُتَابَعَته لم يكن قد آمن قلبه
وَالْإِيمَان وَإِن تضمن التصذيق فَلَيْسَ هُوَ مُرَاد مَا قَالَه فَلَا يُقَال لكل مُصدق بشئ إِنَّه مُؤمن بِهِ فَلَو قَالَ أَنا أصدق بِأَن الْوَاحِد نصف الْإِثْنَيْنِ وَأَن السماد فَوْقنَا وَالْأَرْض تحتنا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُشَاهِدهُ النَّاس لم يقل لهَذَا إِنَّه
стр. 125
مُؤمن بذلك بل لَا يسْتَعْمل رلا فِيمَا أخبر بِهِ عَن شئ من الْأُمُور الغاذبة كَقَوْل إحوة يُوسُف لأبيهم وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا فَإِنَّهُم أَخْبرُوهُ بِمَا غَابَ عَنهُ
وَفرق بَين آمن لَهُ وآمن بِهِ فَالْأول يُقَال للمخبر وَالثَّانِي للمخبر بِهِ كَمَا قَالَ إخْوَة يُوسُف وكما قَالَ تَعَالَى ﴿يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين﴾ فَفرق بَين إيمَانه بِاللَّه وإيمانه للْمُؤْمِنين لِأَن المُرَاد تَصْدِيق إِذا أَخْبرُوهُ وَأما إيمَانه بِاللَّه فَهُوَ من بَاب الْإِقْرَار بِهِ
وَمِنْه قَوْله ﴿أنؤمن لبشرين مثلنَا﴾ أَي نقر لَهما ولصدقهما وَمِنْه ﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم﴾ وَقَوله ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾
وَمن الْمَعْنى الآخر ﴿يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ و ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ﴾ ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه﴾ أَي أقرّ بذلك
فالمقصود أَن لفظ الْإِيمَان إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي بعض الْأَخْبَار وَهُوَ مَأْخُوذ من الْأَمْن كَالْإِقْرَارِ مَأْخُوذ من قر فالمؤمن صَاحب أَمن كَا الْمقر صَاحب إِقْرَار فَلَا بُد فِي ذَلِك من عمل الْقلب بِمُوجب تَصْدِيقه فَإِذا علم أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَلم يقْتَرن بِهِ حبه وَلَا تَعْظِيمه بل كَانَ يحسده فانه لَيْسَ بِمُؤْمِن بل هُوَ كَافِر
وَمن هَذَا الْبَاب كفر إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأهل الْكتاب الَّذين يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم
فمجرد علم الْقلب لَا يَكْفِي بل لَا بُد من عمل الْقلب بِمُوجب علمه مثل محبَّة الْقلب لَهُ واتباعه لَهُ بل أَشد النَّاس عذَابا مالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ كَمَا قَالَ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع
وَلَكِن الْجَهْمِية ظنُّوا أَن مُجَرّد علم الْقلب وتصديقه هُوَ لإيمان وَأَن من دلّ الشَّرْع عَليّ أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن فَإِن ذَلِك يدل على عدم علم قلبه وَهَذَا من أعظم الْجَهْل شرعا وعقلا
стр. 126
وَحَقِيقَة قَوْلهم توجب التَّسْوِيَة بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلِهَذَا أطلق الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهم القَوْل بكفرهم بذلك
فَإِن من الْمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان يعلم بِقَلْبِه الْحق وَقد يبغضه لغَرَض آخر فَلَيْسَ كل مستكبر عَن الْحق يكون غير عَالم بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا بُد من تَصْدِيق الْقلب وَعَمله وَهَذَا معنى قَول السّلف الْإِيمَان قَول وَعمل
ثمَّ إِذا تحقق الْقلب بالتصديق والمحبة التَّامَّة المتضمنة للإرادة لزم وجود الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِن الْإِرَادَة الجازمة إِذا اقْترن بهَا الْقُدْرَة التَّامَّة ازم وجود المُرَاد قطعا
وَأَبُو طَالب وَإِن كَانَ عَالما بِأَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ محب لَهُ فَلم تكن محبته لَهُ كمحبة الله بل لِأَنَّهُ ابْن أَخِيه فَيُحِبهُ لِلْقَرَابَةِ وإدا أحب ظُهُوره فَلَمَّا كَانَ يحصل لَهُ بِهِ من الشّرف والرياسة فَأصل محبوبه الرياسة وَلِهَذَا لما عرض عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ الشَّهَادَة عِنْد الْمَوْت أحب دينه أَكثر من دين ابْن أَخِيه فَم يقر بِهِ لِئَلَّا يَزُول عَن دينه فَلَو كَانَ حبه كحب أبي بكر ﵁ وَغَيره من الْمُؤمنِينَ لنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ قطعا فَلهَذَا كَانَ حبه حبا مَعَ الله لَا حبا لله فَلم يقبل الله مِنْهُ مَا فعله مَعَ الرَّسُول من نصرته ومؤازرته لِأَنَّهُ لم يعمله لله بِخِلَاف أبي بكر الَّذِي فعله ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى
فَهَذَا يُحَقّق أَن الْإِيمَان والتوحيد لَا بُد فيهمَا من أَعمال الْقلب فَلَا بُد من إخلاص الدّين لله وَالدّين لَا يكون دينا رلا بِعَمَل صَالح
وَكَذَا لفظ الْعِبَادَة والتوكل رذا أطلقت الْعِبَادَة دخل فِيهَا التَّوَكُّل وَنَحْوه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَوله ﴿اعبدوا ربكُم﴾ وَإِذا قرنت اخْتصّت كَقَوْلِه ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَوله ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾
وتنوع دلَالَة لفظ الشئ فِي عُمُومه وخصوصه بِحَسب الْإِفْرَاد والاقتران
стр. 127
كثير كَلَفْظِ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر نَحْو يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن النكر فَيدْخل فِي الْمُنكر كل مَا كرهه الله تَعَالَى كَمَا يدْخل فِي الْمَعْرُوف كل مَا يُحِبهُ
وَفِي لفظ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ الآخر وَإِذا اقْترن اخْتصَّ وَكَذَا الْإِلَه والرب مثل قَوْله ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ فَإِن الْإِلَه هُوَ المعبود والرب هُوَ الَّذِي يرب غَيره فيدبره
وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الْإِلَه مُتَعَلق باسم الرب وَلما كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الله جَاءَت الْأَذْكَار الْمَشْرُوعَة بِهَذَا الِاسْم كَلِمَات الْأَذَان الله أكبر وَمثل الشَّهَادَتَيْنِ والتحيات لله وَالتَّسْبِيح والتهليل سُبْحَانَ الله الْحَمد لله وَالله أكبر
وَأما السُّؤَال فكثيرا مَا يَجِيء باسم الرب نَحْو رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين رَبِّي إِنِّي ظلمت نَفسِي رَبنَا إِنِّي أسكت من ذريتي بواد غير ذى زرع الْآيَة
وَقد نقل عَن مَالك أَنه قَالَ أكره أَن يَقُول فِي دُعَائِهِ يَا سَيِّدي ياحنان يَا منان وَلَكِن بِمَا دعت بِهِ الْأَنْبِيَاء رَبنَا رَبنَا نَقله عَنهُ الْعُتْبِي فِي الْغَنِيمَة
فَإِذا سبق إِلَى الْقلب قصد السُّؤَال ناسب أَن يسْأَل باسم الرب وَلَو سَأَلَ باسم الله لتَضَمّنه اسْم الرب كَانَ حسنا وَأما إِذا سبق إِلَيّ الْقلب قصد الْعِبَادَة فاسم الله أولى بذلك
وَلما كَانَ يُونُس المغاضبة ومنازعة الْقدر وَنَوع مُعَارضَة فِي خلقه وَأمره ووساوس فِي حكمته ورجته احْتَاجَ أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك فَيحْتَاج العَبْد أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك وَيعلم أَن الْحِكْمَة وَالْعدْل فِيمَا اقْتَضَاهُ علمه وحكمته فروى أَن يُونُس نَادَى بارتفاع الْعَذَاب عَن قومه بعد أَن أظلهم وَخَافَ أَن ينْسب إِلَيّ الْكَذِب فَنَادَى من الْقدر وَحصل من منازعته الْإِرَادَة مَا يزاحم الإلهية فَنَاسَبَ أَن يجرد الإلهية ويخلصها لله وَحده
стр. 128
وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت﴾ يتَضَمَّن الْبَرَاءَة مِمَّا سوى الله من الْآلهَة الْبَاطِلَة سَوَاء قدر هوى النَّفس أَو طَاعَة الْخلق أَو غير ذَلِك بِخِلَاف آدم فَإِنَّهُ اعْترف أَولا بِذَنبِهِ فَقَالَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شئ من مُنَازعَة الْإِرَادَة لما أَمر الله بِهِ مَا يزاحم الإلهية بل ظن صدق إِبْلِيس فَنَاسَبَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا فيكوننا قبلنَا تغريره بِنَا وَمَا أظهر من نصحنا فَقَصره فَكَانَ مُحْتَاجين إِلَى أَن يربيهما بربوبتيه بِكُل حَال فَلَا يغترا بِمثل ذَلِك فشهدا حاجتهما إِلَى ربهما الَّذِي لَا يقْضِي حاجتهما غَيره
وَهَذَا مبْنى على القَوْل بالعصمة
وَالنَّاس متفقون عَليّ أَن الآنبياء معصومون فِيمَا يبلغون عَن الله فَلَا يقرونَ فِي ذَلِك على خطأ بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن هَل يتَصَوَّر مَا يَسْتَدْرِكهُ الله فَينْسَخ مَا يلقى الشَّيْطَان وَيحكم الله آيَاته فَهَذَا فِيهِ قَولَانِ
والمأثور عَن السّلف يُوَافق الْقُرْآن بذلك
وَأما الْعِصْمَة فِي غير مَا يتَعَلَّق بتبليغ الرسَالَة فللناس فِيهِ نزاع هَل هُوَ ثَابت بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ ومتنازعون فِي الْعِصْمَة من الكباذر والصغاذر أَو من بَعْضهَا وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هِيَ فِي الإفرار عَلَيْهَا لافي فعلهَا أم لَا يجب القَوْل بالعصمة إِلَّا فِي التَّبْلِيغ فَقَط وَهل تجب الْعِصْمَة من الْكفْر والذنُوب قبل الْبعْثَة أم لَا
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور الْمُوَافق للأثر إِثْبَات الْعِصْمَة من الْإِقْرَار على الذُّنُوب مُطلقًا
وَقَول من يجوز إقرارهم عَلَيْهَا وحجج الْقَائِلين بالعصمة إِذا حررت إِنَّمَا تدل عَليّ هَذَا القَوْل وحجج النفاة لَا تدل على وُقُوع ذَنْب أقرّ عَلَيْهِ الأنبياد فَإِن وُقُوع الذَّنب إِذا لم يقر عَلَيْهِ لم يحصل بِهِ تنفير وَلَا نقص فَإِن التَّوْبَة النصوح بِرَفْع اله بهَا صَاحبهَا أَكثر مِمَّا كَانَ أَولا وَكَذَلِكَ التأسي بالأنبياء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أقرُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيل النّسخ وَنَحْوه
стр. 129
وَمن قَالَ إِن إِلْقَاء يُونُس إِلَيّ بطن الْحُوت كَانَ قبل النُّبُوَّة فَلَيْسَ هُوَ من هَذَا الْبَاب
فصل
وَتَصِح التَّوْبَة من ذَنْب مَعَ إصراره عَليّ آخر عِنْد السّلف وَالْخلف
وَقَالَ طَائِفَة من أهل الْكَلَام كَأبي هَاشم لَا تصح رلا بِالتَّوْبَةِ من الْجَمِيع وَحكى القَاضِي وَابْن عقيل هَذَا عَن أَحْمد
وَالْمَعْرُوف الأول وَمَا روى عَنهُ مَحْمُول على أَنَّهَا لَيست تَوْبَة تَجْعَلهُ تَائِبًا مُطلقًا فَإِن الدي ذكر الْمروزِي عَنهُ أَنه سذل عَمَّن تَابَ عَن الْفَاحِشَة ولميتب عَن النّظر فَقَالَ أَي تَوْبَة ذه
هَذَا لَا يعْطى مَا قَالَه عَنهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَيست تَوْبَة عَامَّة يحصل بهَا تَوْبَة مُطلقَة لم يرد أَن هَذَا كالمصر على الْكَبَائِر فَإِن نصوصه المتوتره عَنهُ تنافى ذَلِك فَحمل كَلَامه على مَا يُوَافقهُ أولى لَا سِيمَا إِذا كَانَ القَوْل الآخر مبتدعا لَا يعرف لَهُ سلف
وَأحمد من أَشد النَّاس وَصِيَّة بِاتِّبَاع السّلف وَوَصِيَّة بِالسنةِ والاتباع أَكثر من أَن يحصر
وَمن تَابَ من بعض ذنُوبه فَإِن التَّوْبَة تقتضى مغْفرَة مَا تَابَ مِنْهُ فَقَط
وَمَا علمت فِيهِ نزاعا إِلَّا فِي الْكَافِر إِذا أسلم فَإِنَّهُ إِسْلَامه يغْفر الله لَهُ بِهِ الْكفْر وَهل يغْفر لَهُ الذُّنُوب الَّتِي فعلهَا فِي حَال كفره وَلم يتب مِنْهَا فِي الْإِسْلَام عَليّ قَوْلَيْنِ معروفين
الصَّحِيح أَنه إِذا لم يتب من الذَّنب بقى عَلَيْهِ حكمه وَلَا يغْفر إِلَّا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى كَغَيْرِهِ من الْمُسلمين الَّذين عمِلُوا الذُّنُوب فِي الْإِسْلَام
стр. 130
فصل
الْإِنْسَان قد يستحضر ذنوبا فيتوب مِنْهَا وَقد يَتُوب تَوْبَة مُطلقَة لايستحضر مَعهَا ذنُوبه لَكِن إِذا كَانَت نِيَّته التَّوْبَة الْعَامَّة فهى تتَنَاوَل كل مَا يرَاهُ ذَنبا لِأَن التَّوْبَة الْعَامَّة تَتَضَمَّن عزما عَاما عَليّ فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور وككذلك تَتَضَمَّن ندما عَاما على كل مَحْظُور والندم سَوَاء قيل إِنَّه من بَاب الاعتقادات أَو من بَاب الإرادات أَو من الْأَلَم الَّذِي يلْحق النَّفس بِسَبَب فعل مَا يَضرهَا فَإِذا استشعر الْقلب أَنه فعل مَا يضرّهُ حصل لَهُ معرفَة بِأَن الَّذِي فعله كَانَ من السَّيِّئَات وَهَذَا من بَاب الاعتقادات أَو كَرَاهِيَة لما كَانَ فعله وَهُوَ من جنس الإرادات أَو حصل لَهُ أَذَى وغم لما كَانَ فعله وَهَذَا من بَاب الآلام كالغموم وَالْأَحْزَان كَمَا أَن الْفَرح وَالسُّرُور هُوَ من بَاب اللَّذَّات لَيْسَ من بَاب الاعتقادات والإرادات
وَمن قَالَ من الفلاسفة إِن اللَّذَّة هِيَ إِدْرَاك الملائم والألم وَهُوَ إِدْرَاك المنافر فقد غلط فَإِن اللَّذَّة والالم حالات يعقبان إِدْرَاك الملائم والمنافر فَإِن الْحبّ لما يلائمه كالطعام المشتهى لَهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
أَحدهَا الْحبّ كالشهوة وَالثَّانِي هُوَ إِدْرَاك المحبوب كَأَكْل الطَّعَام وَالثَّالِث اللَّذَّة الْحَاصِلَة واللذة أَمر مُغَاير للشهوة وللذوق المشتهى بل هِيَ حَاصِلَة بالذوق المشتهى وَلَيْسَت نفس الذَّوْق وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوه كالضرب فان كَرَاهَته شئ وحصوله شئ آخر والألم الْحَاصِل بِهِ شئ ثَالِث
إِذا عرف ذَلِك فَمن تَابَ تَوْبَة عَامَّة كَانَت مقتضية الغفران الذُّنُوب كلهَا وَإِن لم يستحضر أَعْيَان الذُّنُوب إِلَّا أَن يكون بعض الذُّنُوب لَو استحضره لم يتب مِنْهُ لقُوَّة إِرَادَته إِيَّاه أَو لاعْتِقَاده أَنه حسن لَيْسَ قبيحا فَمَا كَانَ لَو استحضره لم يتب مِنْهُ لم يدْخل فِي التَّوْبَة بِخِلَاف مَا لَو كَانَ لَو استحضره لتاب مِنْهُ فَإِنَّهُ يدْخل فِي عُمُوم التَّوْبَة
стр. 131
وَأما التَّوْبَة الْمُطلقَة وَهِي أَن يَتُوب تَوْبَة مجملة وَلَا يلْتَزم التَّوْبَة من كل ذَنْب فَهَذِهِ لَا توجب دُخُول كل فَرد وَلَا تمنع دُخُوله كاللفظ الْمُطلق لَكِن هَذِه تصلح أَن تكون سَببا لغفران معِين كَمَا لَا تصلح أَن تكون سَببا لغفرانه بِخِلَاف الْعَامَّة فَإِنَّهَا مقتضية للغفران الْعَام
فصل
فان قيل مَا السَّبَب فِي أَن الْفرج يَأْتِي عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاء عَن الْخلق وَمَا الْحِيلَة فِي صرف الْقلب عَن التَّعَلُّق بهم وتعلقه بِاللَّه
فَيُقَال سَبَب هَذَا تَحْقِيق تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الالهية
فتوحيد الربوبية أَنه لَا خَالق إِلَّا الله فَلَا بستقل شئ سواهُ بإحاديث أَمر من الْأُمُور بل مَا شاد الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِذا تحقق ذَلِك كَانَ سَببا لِأَن ينَال مَطْلُوبه ويأتيه الْفرج
وَأما من تعلق قلبه بمخلوق فالمخلوق عاججز إِن لم يَجعله الله فَاعِلا لذَلِك وَهَذَا من الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله أَن يَرْجُو العَبْد قَضَاء حَاجته من غير ربه
فَمن أنعم الله عَلَيْهِ من الْمُؤمنِينَ بِنِعْمَة التَّوْحِيد منع حُصُول مَطْلُوبه بذلك الشّرك حَتَّى يصرف قلبه إِلَى التَّوْحِيد وَالله ينزل بِعَبْدِهِ الْمُؤمن من الشدَّة والضر مَا يلجئه إِلَى توحيده فيدعوه مخلصا لَهُ الدّين وَلَا يَرْجُو أحدا سواهُ وَيتَعَلَّق قلبه بِهِ وَحده فَيحصل لَهُ من التَّوَكُّل والإنابة وحلاوة الْإِيمَان وذوق طعمه والبراءة من الشّرك مَا هُوَ أعظم نعْمَة من زَوَال ضرَّة فَإِن مَا يحصل لأهل التَّوْحِيد لَا يُمكن وَصفه من ذَلِك
فَإِن الضّر فِي الدُّنْيَا من الْمَرَض والعسر والألم وَغَيره يشْتَرك فِي زَوَاله وذوق لَذَّة حلاوته الْمُؤمن وَالْكَافِر لِأَنَّهُ من أُمُور الدُّنْيَا بِخِلَاف حلاوة الْإِيمَان فَلَا يُمكن أَن يعبر عَنهُ بمقال
стр. 132
وَلكُل امْرِئ من الْمُؤمنِينَ نصيب بِقدر إيمَانه
فَمن تجرد توحيده لله بِحَيْثُ يجب فِي الله ويوالي فِيهِ ويعادى فِيهِ ويتوكل عَلَيْهِ فَلَا يسْأَل إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَرْجُو غَيره بِحَيْثُ يكون عَن الْحق خلق وَعند الْخلق بِلَا هوى قد فنيت عَنهُ إِرَادَة مَا سواهُ بإرادته ومحبة مَا سواهُ بمحبته وَخَوف مَا سواهُ بخوفه ورجاء مَا سواهُ برجائه وَدُعَاء مَا سواهُ بدعائه هُوَ أَمر لَا بعرفه بالذوق والوجد رلا من لَهُ مِنْهُ نصيب وَمَا من مُؤمن إِلَّا وَله مِنْهُ نصيب
وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام وقطب رحى الْقُرْآن بِهِ بعث الله الرُّسُل وَبِه أنزل الْكتب وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
فصل
أجمع الْمُسلمُونَ على أَن العَبْد الْمُسلم يجوز لَهُ أَن يشتكى إِلَى الله تَعَالَى مَا ينزل بِهِ من الضّر وَلَيْسَ ذَلِك منافيا للصبر بل الشكوى إِلَى الْخلق قد تنافى الصَّبْر
وَمن قَالَ أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء أكله الْقمل فاشتكى إِلَى ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ لذن اختلج هَذَا فِي سرك لأمحونك من ديوَان الْأَنْبِيَاء
فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يحْكى إِمَّا لِأَنَّهُ كذب أَو مُخَالف لشريعة مُحَمَّد ﷺ بل كَانَ الْأَنْبِيَاء يَشكونَ إِلَيّ رَبهم كيعقوب وَأَيوب وذى النُّون ونوح عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء شكوا إِلَيّ رَبهم وكشف الله مَا بهم من الضّر وَالْغَم لَكِن يَنْبَغِي الرضى وَلَيْسَ هُوَ بِوَاجِب فِي أصح قولى الْعلمَاء بل هُوَ مُسْتَحبّ
стр. 133
وَإِنَّمَا الْوَاجِب الصَّبْر وَلَا يُنَافِي الشكوى واختلاج السِّرّ لَا ينافى الرضى بِالْقضَاءِ بافاق الْعُقَلَاء والرضى يكون بعد الْقَضَاء
فصل
أصل الْإِيمَان فِي الْقلب وَهُوَ قَول الْقلب وَعَمله وَهُوَ إِقْرَار الْقلب بالتصديق وَالْحب والانقياد وَلَا بُد أَن يظْهر مُوجبه وَمُقْتَضَاهُ على الْجَوَارِح فالأعمال الظَّاهِرَة من مُوجب إِيمَان الْقلب وَدَلِيل عَلَيْهِ وَشَاهد لَهُ وَشعْبَة من مَجْمُوع الْإِيمَان الْمُطلق وَبَعض لَهُ وَمَا فِي الْقلب أصل لَهَا وَهُوَ الْملك والأعضاء جُنُوده وَقد ظن طوائف أَن الْإِيمَان هُوَ مافي الْقلب خَاصَّة وَمَا على الْجَوَارِح لَا يدْخل فِي مُسَمَّاهُ لَكِن هُوَ من ثَمَرَته ونتائجه حَتَّى آل الْأَمر بغلاتهم كجهم ابْن صَفْوَان وَأَتْبَاعه إِلَى أَن قَالُوا يُمكن أَن يصدق بِقَلْبِه لَا يظْهر بِلِسَانِهِ رلا الْكفْر وَيكون مَا فِي الْقلب إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ
وَإِذا حكم الشَّرْع بِكفْر أحد بِعَمَل أَو قَول فلكونه دَلِيلا على انْتِفَاء مَا فِي الْقلب فتناقض قَوْلهم
فَإِنَّهُ إِذا كَانَ دَلِيلا مستلزما لانْتِفَاء الْإِيمَان من الْقلب امْتنع أَن يكون الْإِيمَان فِي الْقلب مَعَ الدَّلِيل المستلزم نَفْيه وَإِن لم يكن دَلِيلا لم يجزأن يسْتَدلّ بِهِ على المفر الْبَاطِن
فالتحقيق أَن اسْم الْإِيمَان الْمُطلق قد تنَاول الأَصْل مَعَ الْفَرْع وَقد يخص بِالِاسْمِ وَحده وبالاسم مَعَ الاقتران وَقد لَا يتَنَاوَل رلا الأَصْل إِذا لم يخص رلا هُوَ كاسم الشَّجَرَة يتَنَاوَل الأَصْل وَالْفرع إِذا وجد
وَلَو قطعت الْفُرُوع لتناول اسْم الشَّجَرَة الأَصْل وَحده
стр. 134
وَكَذَا اسْم الْحَج يتَنَاوَل كل مَا شرع من ركن وواجب ومستحب وَهُوَ أَيْضا تَامّ بِدُونِ المستحبات وَحج نَاقص بِدُونِ الْوَاجِبَات
والشارع لَا يَنْفِي اسْم الايمان عَن العَبْد لترك مُسْتَحبّ لَكِن لترك وَاجِب
وَلَفظ الْكَمَال يُرَاد بِهِ الْكَمَال الْوَاجِب والكمال الْمُسْتَحبّ فَلَمَّا قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَنَحْو ذَلِك كَانَ المُرَاد أَنه يَنْفِي بعض مَا وَجب فِيهِ لَا يَنْفِي الْكَمَال الْمُسْتَحبّ
وَالْإِيمَان يَتَبَعَّض ويتفاضل النَّاس فِيهِ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ ﵊ يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان ومثقال شعيرَة
وَأما إِذا اسْتعْمل اسْم الْإِيمَان مُقَيّدا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَقَوله ﷺ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وكته وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت
فَهُنَا قد يُقَال إِنَّه متناول لذَلِك وَأَن عطف ذَلِك عَلَيْهِ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾
وَقد يُقَال إِن دلَالَة الإسم متنوعة بِالْإِفْرَادِ والاقتران كَلَفْظِ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا تنَاول الآخر وَإِذا جمع بَينهمَا كَانَا صنفين
وَلَا ريب أَن فروع الْإِيمَان مَعَ أُصُوله كالمعطوفين وَهِي مَعَ جَمِيعه كالبعض مَعَ الْكل
وَمن هُنَا نَشأ النزاع والاشتباه هَل الْأَعْمَال دَاخِلَة الْإِيمَان أم لَا لكَونهَا عطفت عَلَيْهِ فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث
وَقد يعْطف على الْإِيمَان بعض شُعْبَة فَيُقَال هَذَا أرفع الْإِيمَان أَي الْيَقِين وَالْمُؤمن الَّذِي مَعَه يَقِين وَعلم أرفع من الْمُؤمن الَّذِي مَعَه يَقِين وَلَيْسَ مَعَه علم
وَمَعْلُوم أَن النَّاس يتقاضون فِي نفس الْإِيمَان والتصديق فِي قوته وَضَعفه وعمومه وخصوصه وبقائه ودوامه وموجبه ومقتضيه وَغير ذَلِك من أُمُوره
стр. 135
فيخص أحد نوعيه باسم يفضل بِهِ على النَّوْع الآخر وَيبقى اسْم الْإِيمَان وَمثل ذَلِك متناول للقسم الآخر كَمَا يُقَال خير الْحَيَوَان وَالْإِنْسَان خير الدَّوَابّ وَإِن كَانَ الْإِنْسَان يدْخل فِي الدَّوَابّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ﴾
فَإِذا عرف ذَلِك فَحَيْثُ وجد تَفْضِيل شَيْء على الْإِيمَان فَإِنَّمَا هُوَ تَفْضِيل خَاص على عُمُومه أَو تَفْضِيل بعض شُعْبَة الْعَالِيَة على غَيرهَا وَاسم الْإِيمَان قد يتَنَاوَل النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَقد يخص أَحدهمَا كَمَا تقدم
وَأكْثر اخْتِلَاف الْعُقَلَاء من جِهَة اشْتِرَاك الْأَسْمَاء
وَالْإِيمَان لَهُ نور فِي الْقلب قَالَ تَعَالَى ﴿مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح﴾ أَي مثل نوره فِي قلب الْمُؤمن كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح إِلَى قَوْله ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ فَسمى الايمان الَّذِي يَهبهُ للْعَبد نورا
وَلَا ريب أَنه يحصل بسبب مثل سَماع الْقُرْآن وتدبره وَمثل رُؤْيَة أهل الايمان وَالنَّظَر فِي أَحْوَالهم وَمَعْرِفَة أَحْوَال النَّبِي ﷺ ومعجزاته وَالنَّظَر فِي آيَات الله والتفكر فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض والتأمل فِي أَحْوَال نفس الْإِنْسَان والضرورات الَّتِي يحدثها الله تَعَالَى للْعَبد يضطره بهَا إِلَى ذكر الله والاستسلام لَهُ واللجأ إِلَيْهِ وَقد يكون هَذَا سَببا لشَيْء من الْإِيمَان وَهَذَا سَببا لشَيْء آخر بل كل مَا يكون فِي الْعَالم فَلَا بُد لَهُ من سَبَب وَسبب الْإِيمَان وشعبه يكون تَارَة من العَبْد وَتارَة من غَيره مثل من يقيض لَهُ من يَدعُوهُ إِلَى لإيمان ويأمره بِالْخَيرِ وينهاه عَن الشَّرّ
ثمَّ قد يكون بعض أَسبَابه أَهْون على بعض النَّاس من بَعْضهَا الآخر
وَمِنْهُم من يكون الْعلم أيسر عَلَيْهِ من الزهرد وَبِالْعَكْسِ
стр. 136
وَمِنْهُم من تكون عَلَيْهِ المبادة أيسر مِنْهُمَا
والمشروع لكل إِنْسَان أَن يفعل مَا يقدر عَلَيْهِ من الْخَيْر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾
وَإِذا ازدحمت شعبه قدم مَا كَانَ أرْضى الله وَهُوَ عَلَيْهِ أقدر فقد يكون على الْمَفْضُول أقد مِنْهُ على الْفَاضِل وَيحصل لَهُ أفضل بِمَا يحصل لَهُ من الْفَاضِل فَالْأَفْضَل لهَذَا أَن يطْلب مَا هُوَ أَنْفَع لَهُ وَهُوَ فِي حَقه أفضل لَا يطْلب مَا هُوَ أفضل مُطلقًا إِذا كَانَ متعسرا عَلَيْهِ إِذْ قد يفوتهُ مَا هُوَ أفضل وأنفع كمن يقدر أَن يقْرَأ الْقُرْآن بِاللَّيْلِ فيتدبره وَينْتَفع بتلاوته وَالصَّلَاة تثقل عَلَيْهِ وَلَا ينْتَفع مِنْهَا بطائل أَو ينْتَفع بِالذكر أعظم مِمَّا ينْتَفع بِالْقِرَاءَةِ فَأَي عمل كَانَ لَهُ أَنْفَع وَللَّه أطوع فَهُوَ أفضل فِي حَقه من عمل لَا يَأْتِي بِهِ على وَجهه
وَمَعْلُوم أَن الصَّلَاة آكِد من الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة أفضل من الذّكر وَالدُّعَاء
وَمَعْلُوم أَن الذّكر فِي وقته الْخَاص كالركوع وَالسُّجُود أفضل من قِرَاءَة الْقُرْآن فِي ذَلِك الْمحل وَأَن الذّكر وَالْقِرَاءَة وَالدُّعَاء عِنْد طُلُوع الشَّمْس وغروبها خير من الصَّلَاة
فصل
والزهد هُوَ ضد الرَّغْبَة وَهُوَ كالبغض الْمُخَالف للمحبة وَالْكَرَاهَة الْمُخَالفَة للارادة
وَحَقِيقَة الْمَشْرُوع مِنْهُ أَن يكون بغضه وحبه وزهده فِيهِ أَو تَابعا لحب الله وكراهته فيحب مَا أحبه الله وَيبغض مَا أبغضه ويرضى مَا يرضاه ويسخط مَا يسخطه بِحَيْثُ لَا يكون تَابعا لهواه بل لأمر مَوْلَاهُ فَإِن كثيرا من الزهاد فِي الدُّنْيَا أَعرضُوا عَن فضولها وَلم يقبلُوا على مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَيْسَ هَذَا
стр. 137
الزّهْد هُوَ الَّذِي أَمر الله بِهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي الْمُشْركين زهاد وَفِي أهل الْكتاب زهاد وَفِي أهل الْبدع زهاد
وَمن النَّاس من يزهد طلبا للراحة من تَعب الدُّنْيَا أَو من مَسْأَلَة أَهلهَا والسلامة من أذاهم أَو لطلب الرِّئَاسَة إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأَنْوَاع الَّتِي لم يَأْمر الله بهَا وَلَا رَسُوله ﷺ
وَأما مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله فَهُوَ أَن يزهد فِيمَا لَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويرغب فِيمَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله فَيكون زهده عَمَّا لم يَأْمر الله بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتِحْبَاب سَوَاء كَانَ محرما أَو مَكْرُوها أَو مُبَاحا وَيكون مَعَ ذَلِك مُقبلا على مَا أَمر الله بِهِ وَلَا يتْرك الْمَكْرُوه بِدُونِ فعل المحبوب
فَإِن الْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الأول فَهُوَ فعل المحبوب وَترك الْمَكْرُوه معِين على ذَلِك فتزكو النَّفس بذلك كَمَا يزكو الزَّرْع إِذا نقى من الدغل
وَطَرِيق الْوُصُول إِلَى ذَلِك هُوَ الِاجْتِهَاد فِي فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور والاستعانة بِاللَّه على ذَلِك
فَمن فعل ذَلِك وصل إِلَى حَقِيقَة الْإِيمَان لقَوْله ﷺ احرص على مَا ينفعك واستعن الله بعد قَوْله الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك بِشَيْء فَلَا نقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان
فصل
لَا ريب أَن الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان أرفع من الَّذين أُوتُوا الْإِيمَان فَقَط كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة
وَالْعلم الممدوح هُوَ الَّذِي ورثته الْأَنْبِيَاء
стр. 138
وَهَذَا الْعلم ثَلَاثَة أَقسَام
علم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَمَا يتبع ذَلِك وَفِي مثله أنزل الله سُورَة الْإِخْلَاص وَآيَة الْكُرْسِيّ وَنَحْوهمَا
وَالْقسم الثَّانِي الْعلم بِمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ مِمَّا كَانَ من الْأُمُور الْمَاضِيَة وَمِمَّا يكون من الْمُسْتَقْبلَة وَمَا هُوَ كَائِن من الْأُمُور الْحَاضِرَة وَفِي مثله أنزل الله الْقَصَص والوعد والوعيد وَصفَة الْجنَّة وَالنَّار
وَالْقسم الثَّالِث الْعلم بِمَا أَمر الله بِهِ من الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بالقلوب والجوارح من الْإِيمَان بِاللَّه وَمن معارف الْقُلُوب وَأَحْوَالهَا الْجَوَارِح وأعمالها وَهَذَا ينْدَرج فِيهِ الْعلم بأصول الْإِيمَان وقواعد الْإِسْلَام وَالْعلم بالأقوال وَالْأَفْعَال الظَّاهِرَة مِمَّا هُوَ فِي كتب الفقة
وَقد يكون الرجل حَافِظًا لحروف الْعلم وَلَا يكون مُؤمنا بل منافقا فالمؤمن الَّذِي لَا يحفظ الْعلم وصوره خير مِنْهُ وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُنَافِق قد ينْتَفع بِهِ الْغَيْر كَمَا ينْتَفع بالريحان فَأَما الَّذِي أُوتِيَ الْعلم وَالْإِيمَان فَهُوَ مُؤمن عليم هَذَا أصل
وأصل آخر وَهُوَ أَنه لَيْسَ كل عمل أورث كشفا أَو تَصرفا فِي الْكَوْن يكون أفضل من الْعَمَل الَّذِي لَا يُورث ذَلِك فَإِن الْكَشْف إِن لم يكن مِمَّا يستعان بِهِ على دين الله وَالْإِيمَان بِهِ كَانَ من مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَقد يحصل ذَلِك للْكفَّار وَإِن لم يحصل لأهل الْإِيمَان
وفضائل الْأَعْمَال ودرجاتها لَا تتلقى عَن مثل من يحصل لَهُ هَذَا بل من الْكتاب وَالسّنة فَأكْرم الْخلق عِنْد الله أنقاهم لله
وتفضيل الْعَمَل قد يكون مُطلقًا وَقد يكون مُفِيدا فِي وَقت أَو زمَان أَو شخص وَقد يَأْتِي الرجل بِالْعَمَلِ الْفَاضِل ويفوت شُرُوطه وَغَيره يَأْتِي بالفضول مكملا فَيكون هَذَا أفضل من ذَلِك
стр. 139
فصل
إِذا قَرَأَ القارىء بِغَيْر حرف ابْن كثير كَانَ تَركه للتكبير هُوَ الْأَفْضَل بل هُوَ الْمَشْرُوع الْمسنون فَإِن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة نقلوا عَن رَسُول الله ﷺ نقل تَوَاتر فَيمْتَنع أَن يَكُونُوا أضاعوا فِيهَا مَا أَمرهم بِهِ رَسُول الله ﷺ لأَنهم أهل تَوَاتر
وأبلغ من ذَلِك الْبَسْمَلَة فَإِن فِي الْقُرَّاء من لَا يفصل بهَا مَعَ كَونهَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف
وَلَيْسَ التَّكْبِير من الْقُرْآن بِاتِّفَاق الْمُسلمين بِخِلَاف الْبَسْمَلَة فَإِن مَذْهَب مَاتَ أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول فِي ذهب أَحْمد وَأبي حنيفَة
وَلَيْسَ لمن يقْرَأ الْقُرْآن وَالنَّاس يصلونَ تَطَوّعا أَن يجْهر جَهرا يشغلهم فَإِنَّهُ ﷺ خرج على أَصْحَابه من السحر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس كلكُمْ يُنَاجِي ربه فَلَا يجْهر بَعْضكُم على بعض فِي الْقِرَاءَة
وَصلَاته النَّافِلَة فِي الْجُمْلَة أفضل من اسْتِمَاع الْقُرْآن لَكِن قد تكون الْقِرَاءَة واستماعها أفضل لبَعض النَّاس
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم﴾ من للتَّبْعِيض بالانفاق
وَقد يكون العابد بِغَيْر علم شرا من الْعَالم الْفَاسِق وَقد يكون الْعَالم الْفَاسِق شرا مِنْهُ
وَأما العابد بِعلم فَهُوَ خير من الْفَاسِق إِلَّا أَن يكون لِلْفَاسِقِ حَسَنَات تفضل على سيئاته بِحَيْثُ يفضل لَهُ أَكثر من حَسَنَات ذَلِك العابد
стр. 140
بَاب الْكُسُوف
الْكُسُوف والخسوف لَهما أَوْقَات مقدرَة كَمَا أَن لطلوع الْهلَال وقتا مُقَدرا وَذَلِكَ مِمَّا أجْرى الله تَعَالَى عَادَته كالليل وَالنَّهَار والشتاء والصيف وَسَائِر مَا يتبع جَرَيَان الشمسو الْقَمَر وَذَلِكَ من آيَات الله تَعَالَى فَكَمَا أَن الْعَادة أَن الْهلَال لَا يستهل إِلَّا لَيْلَة ثَلَاثِينَ أَو إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَن الشَّهْر لاي كَون إِلَّا ثَلَاثِينَ أَو تسعا وَعشْرين فَكَذَلِك أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة أَن الشَّمْس لَا تنكسف إِلَّا وَقت الاستسرار وَأَن الْقَمَر لَا يخسف إِلَّا وَقت الإبدار وللشمس وَالْقَمَر لَيَال مُعْتَادَة من عرفهَا عرف الْكُسُوف والخسوف كَمَا أَن من علم كم مضى من الشَّهْر يعلم أَن الْهلَال يطلع فِي الميلة الْفُلَانِيَّة لَكِن الْعلم بالهلال هُوَ علم عَام للنَّاس وَأما علم الْكُسُوف فَهُوَ لمن يعرف حِسَاب جريانهما
وَلَيْسَ خير الحاسب بذلك من بَاب علم الْغَيْب بل مثل الْعلم بأوقات الْفُصُول وَمن قَالَ من الْفُقَهَاء إِن الشَّمْس فِي غير وَقت الاستسرار فقد غلط وَقَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم
وَمَا يرْوى عَن الْوَاقِدِيّ من ذكره أَن إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﷺ مَاتَ يَوْم الْعَاشِر وَهُوَ الَّذِي كسفت فِيهِ الشَّمْس فغلط والواقدي لَا يحْتَج بمسانيده فَكيف بمراسيله هَذَا فِيمَا لم يعلم أَنه خطأ فَكيف وَهَذَا فَهُوَ خطأ قطعا
وَأما مَا ذكره طَائِفَة من الْفُقَهَاء من اجْتِمَاع صَلَاة الْعِيد والكسوف فَذكره فِي ضمن كَلَامهم فِيمَا إِذا اجْتمع صَلَاة الْكُسُوف وَغَيرهَا من الصُّور الْمَفْرُوضَة كَمَا قد ذكرُوا اجْتِمَاع الْوتر وَالظّهْر وَذكروا الْعِيد مَعَ عدم استحضارهم هَل ذَلِك مُمكن أم لَا
стр. 141
لَكِن استفدنا من تقديرهم الْعلم بالحكم فَقَط على تَقْدِير وجوده كَمَا يقدرُونَ مسَائِل يعلم أَنَّهَا لَا نفع لتحرير الْقَوَاعِد وتمرير الأذهان على ضَبطهَا
وَبِكُل حَال فالمخبر بذلك قد يكون غالطا أَو فَاسِقًا لَكِن إِذا تواطأوا على ذَلِك لَا يكَاد يخطىء وَبِكُل حَال فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم شَرْعِي فَإنَّا لَا نصلي صلَة الخسوف والكسوف إِلَّا إِذا شاهدنا ذَلِك
وَقد أخبر الصَّادِق ﷺ أَنَّهُمَا آيتان من آيَات الله يخوف الله بهما عباده
وَهَذَا بَيَان أَنَّهُمَا سَبَب لنزول الْعَذَاب فَأمر النَّبِي ﷺ بِمَا يزِيل الْخَوْف من الصَّلَوَات وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق حَتَّى ينْكَشف مَا بِالنَّاسِ وَصلى بِالْمُسْلِمين صَلَاة طَوِيلَة
وَقد رُوِيَ فِي صَلَاة الْكُسُوف أَنْوَاع لَكِن الَّذِي استفاض عِنْد أهل الْعلم بِسنة رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك استحبه أَكثر أهل الْعلم كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه صلى بهم رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان يقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا طَويلا دون الْقِرَاءَة ثمَّ يقوم فَيقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة دون الْقِرَاءَة الأولى ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا دون الرُّكُوع الأول ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ طويلتين
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه كَانَ يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا
وَالْمَقْصُود أَن تكون صَلَاة الْكُسُوف إِلَى أَن يتجلى فان فرغ قبل التجلى ذكر الله وَدعَاهُ إِلَى أَن يتجلى والكسوف يطول زَمَانه تَارَة وَيقصر أُخْرَى
стр. 142
فصل
وَهَذِه النُّجُوم من آيَات الله الدَّالَّة عَلَيْهِ المسبحة لَهُ الساجدة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب﴾
وَهَذَا التَّفْرِيق يبين أَنه لم يرد سجودها لمُجَرّد مَا فِيهَا من الدّلَالَة على ربوبيته كَمَا يُقَال ذَلِك طوائف من النَّاس إِذْ هده الدّلَالَة يشْتَرك فِيهَا جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَهُوَ قد فرق فَعلم أَن ذَلِك قدر زَائِدَة على الدّلَالَة وَمَعَ ذَلِك فقد جعلهَا مَنَافِع لِعِبَادِهِ وسخرها لَهُم
وَمن مَنَافِعهَا الظَّاهِرَة مَا جعله سُبْحَانَهُ بالشمس من الْحر وَالْبرد وَاللَّيْل وَالنَّهَار وإنضاج الثِّمَار وَخلق الْحَيَوَان والنبات والمعادن والترطيب والتيبيس وَغير ذَلِك من الْأُمُور المشهودة كَمَا جعل فِي النَّار الْإِشْرَاق والإحراق وَفِي المَاء التَّطْهِير والسقي وأمثال ذَلِك من نعمه الَّتِي يذكرهَا فِي كِتَابه
وَقد أخبر الله فِي غير مَوضِع أَنه يحيى بعض مخلوقاته بِبَعْض كَمَا قَالَ ﴿لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾
وَمن قَالَ من أهل الْكَلَام إِنَّه يفعل ذَلِك عِنْده لَا بِهِ فعبارته مُخَالفَة لكتاب الله والأمور الْمَشْهُورَة كَمَا أَن من زعم أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِالْفِعْلِ فَهُوَ شرك مُخَالف لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَمن قَالَ إِن لَهَا تَأْثِيرا وعني بذلك مَا قد علم بالحس مِمَّا جعله الله تَعَالَى فِيهَا مِمَّا ذكره سُبْحَانَهُ فَهُوَ حق وَلَكِن قد أَمر الله وَرَسُوله الْعباد بِمَا يدْفع سَبَب الْعَذَاب الْحَاصِل بهَا مثل صَلَاة الْكُسُوف وَالذكر عِنْد الرّيح مثل قَوْله اللَّهُمَّ
стр. 143
إِنَّا نَسْأَلك خير هَذِه الرّيح وَخير مَا أرْسلت بِهِ ونعوذ بك من شَرها وَشر مَا أرْسلت بِهِ
فَهَذِهِ هِيَ السّنة فِي أَسبَاب الْمخبر وَالشَّر أَن يفعل العَبْد عِنْده هَذِه الْأَسْبَاب مَا علمه الله وَرَسُوله ﷺ
أما الْأَسْبَاب الَّتِي تخفى فَلَيْسَ العَبْد مَأْمُورا بِأَن يتَكَلَّف مَعْرفَتهَا بل يَتَّقِي الله وَيفْعل مَا أمره بِهِ فان فعل كَفاهُ الله مُؤنَة الشَّرّ وَيسر لَهُ أَسبَاب الْخَيْر قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ وَفِي سنَن أبي دَاوُد من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم فقد اقتبس شُعْبَة من السحر
وَالسحر محرم بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَذَلِكَ أَن النُّجُوم الَّتِي هِيَ من السحر نَوْعَانِ
أَحدهمَا على وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بحركات النُّجُوم على الْحَوَادِث من جنس الاستسقام بالأزلام
وَالثَّانِي عَمَلي وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ إِنَّه تَأْثِير القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم وَنَحْوهَا وَهَذَا من أرفع أَنْوَاع السحر
وكل مَا حرمه الله وَرَسُوله فضرره أعظم من نَفعه
فَالثَّانِي وَإِن نوهم المتوهم أَن فِيهِ تقدمة للمعرفة بالحوادث وَأَن ذَلِك ينفع فالجهل فِي ذَلِك أظهر ومضرة ذَلِك أعظم
وَلِهَذَا فقد علم بالتواتر أَن مَا يحكم بِهِ المنجمون يكون الْكَذِب فِيهِ أَضْعَاف الصدْق وهم فِي ذَلِك من نوع الْكُهَّان
وَلما ناظرت بِدِمَشْق من حضرني من رُؤَسَائِهِمْ وبينت لَهُ فَسَاد صناعتهم بالأدلة قَالَ وَالله إِنَّا لنكذب مائَة كذبة حَتَّى نصدق فِي وَاحِدَة وَذَلِكَ أَن مَبْنِيّ علمهمْ على أَن الحركات العلوية هِيَ السَّبَب فِي الْحَوَادِث وَالْعلم بِالسَّبَبِ يُوجب الْعلم بالمسبب وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا علم السَّبَب التَّام
وَهَؤُلَاء أَكثر مَا يعلمُونَ إِن علمُوا جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب الْكَثِيرَة
стр. 144
وَلَا يعلمُونَ بَقِيَّة الْأَسْبَاب وَلَا الشُّرُوط وَلَا الْمَوَانِع مثل من يعلم أَن الشَّمْس فِي الصَّيف تعلو الإرض حِين يشْتَد الْحر فيريد أَن يعلم من هَذَا مثلا أَنه حِينَئِذٍ أَن الْعِنَب الَّذِي فِي الأَرْض الْفُلَانِيَّة يصير زبيبا بِنَاء على أَن هُنَاكَ عنبا وَأَنه ينضج وينشره صَاحبه فِي الشَّمْس وَقت الْحر فيزبب
وَهَذَا وَإِن كَانَ كثيرا لَكِن أَخذ هَذَا من مُجَرّد حر الشَّمْس جهل عَظِيم إِذْ قد يكون هُنَاكَ شجر عِنَب وَقد لَا يكون وَقد يُثمر ذَلِك الشّجر وَقد لَا يُثمر وَقد يُؤْكَل عنبا وَقد يسرق
والأدلة على فَسَاد هَذِه الصِّنَاعَة وتحريمها كَثِيرَة جدا
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من أَتَى عرافا فَسَأَلَهُ لم يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا
والعراف اسْم للكاهن والمنجم والرمال وَنَحْوهم مِمَّن يتَكَلَّم فِي تقدمة الْمعرفَة بِهَذِهِ الطّرق
وَأما إِنْكَار بعض النَّاس أَن يكون شَيْء من حركات الْكَوَاكِب وَغَيرهَا من الْأَسْبَاب فَهُوَ أَيْضا قَول بِلَا علم بل النُّصُوص تدل على خلاف ذَلِك كَمَا فِي السّنَن أَن النَّبِي ﷺ نظر إِلَى الْقَمَر فَقَالَ يَا عَائِشَة تعوذي بِاللَّه من شَرّ هَذَا يَعْنِي الْقَمَر فَهَذَا الْفَاسِق إِذا وَقب وَحَدِيث الْكُسُوف حَيْثُ أخبر أَن الله يخوف بهما عباده وأنهما لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ وَإِن كَانَ موت بعض النَّاس قد يَقْتَضِي حُدُوث أَمر فِي السَّمَوَات كَمَا فِي الصَّحِيح إِن عرش الرَّحْمَن اهتز لمَوْت سعد بن معَاذ ﵁
وَأما كَون الْكُسُوف أَو غَيره قد يكون سَببا لحادث فِي الأَرْض من عَذَاب يَقْتَضِي موتا أَو غَيره فَهَذَا قد أثْبته الحَدِيث وَلَا يُنَافِي ذَلِك كَونه الْكُسُوف لَهُ وَقت محدد يكون عِنْد أَجله يَجعله الله سَببا لما يَقْضِيه من عَذَاب وَغَيره كَمَا أَن تَعْذِيب الله لمن عذبه بِالرِّيحِ الشَّدِيدَة كَمَا فِي لوقت الْمُنَاسب وَهُوَ آخر الشتَاء وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا رأى مخيلة وَهُوَ السَّحَاب الَّذِي يخال فِيهِ الْمَطَر
стр. 145
أقبل وَأدبر وَتغَير فَقَالَت عَائِشَة ﵄ إِن النَّاس إِذا رَأَوْهُ اسْتَبْشَرُوا فَقَالَ وَمَا يؤمنني وَقد رأى قوم عَاد الْعَذَاب فَقَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾
وَكَذَلِكَ الْأَوْقَات الَّتِي تنزل فِيهَا الرَّحْمَة كالعشر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَالْأولَى من ذِي الْحجَّة وكجول اللَّيْل وَغير ذَلِك هِيَ أَوْقَات محدودة تنزل فِيهَا الرَّحْمَة مَالا تنزل فِي غَيرهَا
واعتقاد أَن نجما من النُّجُوم السَّبْعَة هُوَ الْمُتَوَلِي لسعد فلَان ونحسه اعتقادا فَاسد وَإِن اعْتقد أَنه هُوَ الْمُدبر لَهُ فَهُوَ كَافِر وخصوصا إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك دعاؤه والاستغاثة بِهِ كَانَ كفرا وشركا مَحْضا
وَغَايَة من يَقُول ذَلِك يبنيه على أَن هَذَا الْوَلَد ولد بِهَذَا الطالع وَهَذَا الْقدر يمْتَنع أَن يكون وَحده هُوَ الْمُؤثر فِي أَحْوَال هَذَا الْمَوْلُود بل غَايَته أَن يكون جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب وَهَذَا الْقدر لَا يُوجب مَا ذكر بل مَا علم حَقِيقَة تَأْثِيره فِيهِ مثل حَال الْوَالِدين والبلد الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِن ذَلِك سَبَب محسوس فِي أَحْوَال الْمَوْلُود وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا سَببا مُسْتقِلّا
ثمَّ إِن الْأَوَائِل من المنجمين الْمُشْركين الصابئين وأتباعهم قد قيل إِنَّهُم كَانُوا إِذا ولدهم الْمَوْلُود أخذُوا طالع الْمَوْلُود وسموه باسم يدل على الطالع فَإِذا كبر سُئِلَ عَن اسْمه أَخذ السَّائِل حَال الطّلع فجَاء هَؤُلَاءِ الطرقية يسْأَلُون الرجل عَن اسْمه وَاسم أمه ويزعمون أَنهم يَأْخُذُونَ من ذَلِك الدّلَالَة على أَحْوَاله وَهَذِه ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض مُنَافِيَة لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَأما اختباراتهم أَن يَأْخُذُوا الطالع للسَّفر مثلا أَن يكون الْقَمَر فِي شروفه وَهُوَ السرطان وَألا يكون فِي هُبُوطه وَهُوَ الْعَقْرَب فَهُوَ من هَذَا الْبَاب المذموم
وَلما أَرَادَ عَليّ ﵁ أَن يُسَافر لقِتَال الْخَوَارِج عرض لَهُ منجم فَقَالَ لَا تُسَافِر فَإِن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَإنَّك إِن سَافَرت وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب يهْزم
следующие страницы →