← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لمُوسَى ﵈ ﴿إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ فَإِن هَذِه لَو أُرِيد بهَا مُجَرّد الْمُقَارنَة فِي الْفَاعِل والتارك لم يكن هُنَاكَ فرق بَين الْمُجْرمين والمؤنين وَلَا

стр. 212

بَين مُوسَى وَالْخضر فَإِن كل وَاحِد فعل أَو لم يفعل لَا تكون الِاسْتِطَاعَة الْمُقَارنَة مَوْجُودَة قبل فعله

стр. 213

وَالْقُرْآن يدل على أَن هَذِه الِاسْتِطَاعَة إِنَّمَا نفيت عَن التارك لَا عَن الْفَاعِل فَعلم أَنَّهَا تقوم بِالْعَبدِ من الْوَاقِع الَّتِي تصدر عَن إِرَادَة الْفِعْل وَعَمله بِكُل حَال

стр. 214

فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَة منتفية فِي حق من كتب عَلَيْهِ أَنه لَا يفعل وَقضى عَلَيْهِ ذَلِك

стр. 215

وَإِذا عرف هَذَا الْقسم علم أَن إِطْلَاق القَوْل بِأَن العَبْد لَا يَسْتَطِيع غير مَا فعل وَلَا يَسْتَطِيع خلاف الْمَعْلُوم الْمَقْدُور وَأَن إِطْلَاق القَوْل بِأَن استطاعة الْفَاعِل

стр. 216

والتارك سَوَاء أَن الْفِعْل لَا يخْتَص من التارك بإستطاعة خَاصَّة الإطلاقين خطأ بِدعَة

стр. 217

وَلِهَذَا أتفق سلف الْأمة وأئمتها على ان الله قَادر على مَا علمه وَأخْبر أَنه لَا يكون وعَلى مَا يمْتَنع ضَرُورَة عَدمه لعدم إِرَادَته لَا لعدم قدرته عَلَيْهِ ش

стр. 218

وَإِنَّمَا خَالف فِي ذَلِك أهل الضلال من الْجَهْمِية والقدرية والمتفلسفة الصابئة وَالَّذين يَزْعمُونَ انحصار الْمَقْدُور فِي الْمَوْجُود ويخصون قدرته بِمَا شاءه

стр. 219

وَعلمه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم﴾

стр. 220

وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ حِين نزلت هَذِه الْآيَة ﴿من فَوْقكُم﴾ أعوذ بِوَجْهِك ﴿أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ أعوذ بِوَجْهِك ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض﴾ قَالَ هَاتَانِ أَهْون

стр. 221

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ وَمن حكى عَن أحد أَن العَبْد لَيْسَ قَادِرًا على غير مَا فعل الَّذِي هُوَ خلاف

стр. 222

الْمَعْلُوم فَإِنَّهُ مُخطئ فِيمَا نَقله عَنْهُم من نفى الْقُدْرَة مُطلقًا ومصيب فِيمَا نَقله عَنْهُم من نفي الْقُدْرَة الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْفَاعِل دون التارك

стр. 223

وَأما مَا يجب على أعيانهم فَهَذَا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم وَهَذَا من أصُول تنازعهم فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطلق فَإِن من يَقُول إِن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل والتارك لَا استطاعة

стр. 224

لَهُ بِحَال يَقُول كل من عصى الله فَمَا عَصَاهُ إِلَّا أَنه كلفه مَا لَا يطيقه كَمَا قد يَقُولُونَ إِن جَمِيع الْعباد كلفوا مَالا يُطِيقُونَ

стр. 225

وَمن يَقُول إِن استطاعة الْفِعْل هِيَ التّرْك يَقُول إِن الْعباد لم يكلفوا إِلَّا بِمَا هم مسبوقون فِي طَاعَته وقدرتهت والاستطاعة لَا يخْتَص الْفَاعِل دون التارك باستطاعة خَاصَّة فإنطلاق القَوْل بِأَنَّهُ كلف مَالا يطيقه كإطلاقه بِأَنَّهُ مجبور عَليّ أَفعاله إِذا سلب الْقُدْرَة فِي الْمَأْمُور نَظِير إِثْبَات الْجَبْر فِي الْمَحْظُور وَإِطْلَاق القَوْل بِأَن العَبْد لَيْسَ مجبورا بِحَال كإطلاقه بِأَن العَبْد قَادِرًا على خلاف مَعْلُوم الله وَتَقْدِيره وَسلف الْأمة وأئمتها يُنكرُونَ هَذِه الإطلاقات كلهَا لاشتمال كل وَاحِد من طرفِي النَّفْي وَالْإِثْبَات عَليّ بَاطِل وَإِن كَانَ فِيهِ حق بل الْوَاجِب إِطْلَاق الْعبارَات الْحَسَنَة وَهِي الْمَأْمُور بهَا الَّتِي جَاءَت بهَا النُّصُوص وَالتَّفْصِيل فِي الْعبارَات المجملة المشتبهة وَكَذَلِكَ الْوَاجِب نَظِير ذَلِك فِي ساذر زبواب أصُول الدّين أَن يَجْعَل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة هِيَ الأَصْل الْمُعْتَمد الَّذِي يجب اتِّبَاعه ويسوغ إِطْلَاقه وَتجْعَل الْأَلْفَاظ الَّتِي تنَازع فِيهَا النَّاس نفيا أَو إِثْبَاتًا موقوفاة على الاسفسار وَالتَّفْصِيل وَيمْنَع من إِطْلَاق نفي مَا أطلقهُ الله وَرَسُوله وَإِطْلَاق إِثْبَات مَا نفى الله ورسلوه وَفصل الْخطاب أَن النزاع فِي أصلين أَحدهمَا أَن التَّكْلِيف الْوَاقِع اتّفق الْمُسلمُونَ على وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ أَمر الْعباد كلهم بِمَا أَمرهم الله وَرَسُوله من الأذمان بِهِ وتقواه وَهل يُسمى هَذَا أَو شَيْء مِنْهُ تَكْلِيف لَا يُطَاق

стр. 226

فالقائل إِن الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل يَقُول إِن الْمعاصِي مِمَّا لَا يُطَاق وَيَقُول كل أحد كلف حِين كَانَ مطيقا وَكَذَلِكَ من زعم أَن تقدم الْعلم وَالْكتاب بالشئ يمْنَع أَن يقدر العَبْد عَليّ خِلَافه وَكَذَلِكَ من يَقُول إِن الْعرض لَا يبْقى زمانين يَقُول إِن الِاسْتِطَاعَة الْمُتَقَدّمَة لَا تبقى رلى حِين الْفِعْل وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ دَائِما فِي الْأَفْعَال الَّتِي أَمر الله بهَا أَو نهى عَنْهَا هَل يَتَنَاوَلهَا التَّكْلِيف وَقد قدمنَا أَن الْقُدْرَة نَوْعَانِ وَأَن من يُطلق القَوْل بِأَن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل فإطلاقه مُخَالف فِي الْمَسْأَلَة وَقَول ثَالِث كَانَ مُمْتَنعا لذاته كالجمع بَين النقيضين مُخَالف لما ورد فِي الْكتاب وَالسّنة كإطلاق الْخَيْر وَإِن كَانَ قد أطلق ذَلِك طوائف من المنتسبين إِلَى السّنة وَمنع الاطلاق فِي ذَلِك مَنْقُول عَن شُرَيْح والقلانسي وَنقل عَن أبي حنيفَة وَهُوَ مُقْتَضى قَول الْأَئِمَّة وَامْتنع أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا وَحكى فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا ذكره عَن القَاضِي أبي يعلى الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل أَو قبله وَهَذَا كَمَا أَن من قَالَ لَيْسَ للْعَبد إِلَّا قدرَة وَاحِدَة يقدر بهَا على الْفِعْل وَالتّرْك فَهُوَ بَاطِل وهم الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ إِن العَبْد لَا يفْتَقر حَال الْفِعْل إِلَى الله يُعينهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا إوجده الْفِعْل وَأَن الله لَيْسَ لَهُ نعْمَة بهَا على من آمن بِهِ وأطاعه أَكثر من نعْمَته على من كفر بِهِ وَعَصَاهُ وَاتفقَ أهل السّنة على تضليل هَؤُلَاءِ ثمَّ النزاع بَينهم بعد ذَلِك مِنْهُ لفظى وَمِنْه اعتبارى كتنازعهم فِي أَن الْعرض هَل يبْقى زمانين أم لَا وبنوا عَلَيْهِ بَقَاء الِاسْتِطَاعَة

стр. 227

فَالْوَاجِب أنتجعل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة هِيَ الأَصْل كَمَا قدمنَا وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ مَا اتّفق النَّاس عَليّ أَنه غير مَقْدُور للْعَبد وَتَنَازَعُوا جَوَاز التَّكْلِيف بِهِ فَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا هُوَ مُمْتَنع عَادَة كالمشي على الْوَجْه والطيران وَنَحْو ذَلِك وَالثَّانِي مَا هُوَ مُمْتَنع فِي نَفسه كالجمع بَين الضدين فَهَذَا فِي جَوَازه عقلا ثَلَاثَة أَقْوَال كَمَا تقدم وَأما وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة وجوازه شرعا فقد اتّفق حَملَة الشَّرِيعَة عَليّ أَن مثل هَذَا لَيْسَ بواقع فِي الشَّرِيعَة وَحكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد وَمِنْهُم ابْن الزاغرانى قَالَ إِن التَّكْلِيف على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مَالا يُطَاق لوُجُود ضِدّه من الْعَجز كنقط الْكتاب للأعمى فَلَا يجوز الاجماع على ذَلِك وَالثَّانِي تَكْلِيف مَالا يُطَاق لوُجُود ضِدّه من الْعَجز مثل أَن يُكَلف الْكَافِر الَّذِي سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه لَا يستجيب للتكليف كفرعون وهامان وَأبي جهل فَهَذَا جَائِز وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن تَكْلِيف مَالا يُطَاق غير جَائِز وَهَذَا الْإِجْمَاع الَّذِي ذكره هُوَ إِجْمَاع الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فَإِنَّهُ قد ذهب طاذفة من أهل الْكَلَام إِلَى أَن التَّكْلِيف بالمتنع لذاته وَاقع فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ قَول الرَّازِيّ وَطَائِفَة قبله وَزَعَمُوا أَن تَكْلِيف أبي جهل من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ كلف أَن يصدق بالأخبار الَّتِي من جُمْلَتهَا الْإِخْبَار بِأَنَّهُ لَا يُؤمن وَهَذَا غلط فَإِن من أخبر أَنه لَا يُؤمن بعد دُعَاء النَّبِي ﷺ إِيَّاه إِلَى الْإِيمَان فقد حقت عَلَيْهِ كملة الْعَذَاب كَالَّذي يعاين الملاذكة وَقت الْمَوْت وَلم يبْق بعد هَذَا مُخَاطبا من جِهَة الرَّسُول ﷺ بِهَذَيْنِ الْأَمريْنِ المتناقضين

стр. 228

وَكَذَلِكَ من قَالَ تَكْلِيف الْعَاجِز وَاقع محتجا بقوله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فَإِنَّهُ لَا يُنَاقض هَذَا الْإِجْمَاع أَو مَضْمُون الْإِجْمَاع ينفى وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خطاب تعجيز على وَجه الْعقُوبَة لَهُم لتركهم السُّجُود وهم سَالِمُونَ فيعاقبون على ترك الْعِبَادَة فِي حَال قدرتهم بِأَن أمروا بهَا حَال عجزهم وخطاب الْعقُوبَة هُوَ من جنس خطاب التكوين لَا يشْتَرط فِيهِ قدرَة الْمُخَاطب رذ لَيْسَ الْمَطْلُوب فعله فَإِذا ثبتَتْ الْأَنْوَاع والأقسام زَالَ الِاشْتِبَاه والإبهام وَالله أعلم فصل قد قَالَ بعض النَّاس إِنَّه تجوهر وَهَذَا قَول قوم داوموا على الرياضة مُدَّة فَقَالُوا لَا نبالى بِمَا عَملنَا بعد ذَلِك وَإِنَّمَا الْأَمر والنهى رسم للعوام لَو تجوهروا مثلنَا لسقط عَنْهُم وَحَاصِل النُّبُوَّة ترجع إِلَى الْحِكْمَة والمصلحة وَالْمرَاد مِنْهَا ضبط الْعَوام ولسنا من الْعَوام فندخل فِي التَّكْلِيف لأَنا قد تجوهرنا وعرفنا الْحِكْمَة فَهَؤُلَاءِ أَكثر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل هم أكفر أهل الأَرْض فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى آمنُوا بِبَعْض الْكتاب وَكَفرُوا بِبَعْض وَهَؤُلَاء كفرُوا بِالْجَمِيعِ فهم خارجون عَن الْتِزَام شئ من الْحق

стр. 229

لَكِن كثير من هؤلاد لَا يطلقون السَّلب الْعَام مُطلقًا بل يَزْعمُونَ سُقُوط بعض الْوَاجِبَات عَنْهُم وَحل بعض الْمُحرمَات لَهُم وَمِنْهُم من يزْعم أَنه يقطت عَنهُ الصَّلَاة لوصوله إِلَى مقصودها وَبَعْضهمْ يزْعم سُقُوطهَا وَقت الْمُشَاهدَة وَبَعْضهمْ يزْعم سُقُوط الْجُمُعَات اسْتغْنَاء بالنوبة والحضور وَبَعْضهمْ يسْقط الْحَج وَمِنْهُم من يسْتَحل الْفطر فِي رَمَضَان لغير عذر شَرْعِي وَمِنْهُم من يسْتَحل الْخمر أَو يزْعم أَنَّهَا تحرم على الْعَامَّة دون الْخَاصَّة الْعُقَلَاء فَإِن أهل الْأَنْفس الزكية والأعمال الصَّالِحَة لَا يَقع مِنْهُم مَا يَقع من الْعَوام وَهَذَا كَانَ قد حصل لبَعض الْأَوَّلين فِي الْخمر فاتفق الصَّحَابَة ﵃ على قَتلهمْ أَن لم يتوبوا فَإِن قدامَة بن عبد الله شربهَا هُوَ وَطَائِفَة وتأولوا قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح﴾ الْآيَة فَلَمَّا ذكر ذَلِك لعمر بن الْخطاب ﵁ اتّفق مَعَ على سَائِر الصَّحَابَة ﵃ على أَنهم إِن اعْتَرَفُوا بِالتَّحْرِيمِ جلدُوا وَإِن أصروا على استحلالها قتلوا وَكَذَلِكَ ثَبت أَن الْآيَة نزلت فِي الَّذين شَرِبُوهَا قبل تَحْرِيمهَا وماتوا قي وقْعَة أحد ثمَّ علم قدامَة وَأَصْحَابه أَنهم قد أخطئوا وَأَيِسُوا من التَّوْبَة حَتَّى كتب إِلَيْهِم عمر ابْن الْخطاب ﵁ حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب وَكتب إِلَيْهِ مَا أدرى أى ذَنْبك أعظم أستحلالك الْمحرم أَولا أم يأسك من التَّوْبَة ثَانِيًا وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الصَّحَابَة ﵃ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْأَئِمَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِم لَا ينازعون فِي شئ من ذَلِك وَمن جحد وجوب بعض الْوَاجِبَات الظَّاهِرَة المتواترة كَالصَّلَاةِ أَو حجد تَحْرِيم الْمُحرمَات الظَّاهِرَة المتواترة كالفواحش وَالظُّلم وَالْخمر وَالزِّنَا والربا أَو حجد حل بعض المباحثات الظَّاهِرَة المتواترة كالخبز وَاللَّحم وَالنِّكَاح فَهُوَ كَافِر مُرْتَد يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَمن أضمره فَهُوَ زنديق مُنَافِق لَا يُسْتَتَاب عِنْد أَكثر الْعلمَاء

стр. 230

وَمن هَؤُلَاءِ من يسْتَحل بعض الْفَوَاحِش كمؤاخاة النِّسَاء الْأَجَانِب وَالْخلْوَة بِهن والمباشرة لَهُنَّ يزْعم أَنه يحصل لَهُنَّ الْبركَة بِمَا يَفْعَله فِيهِنَّ وَإِن كَانَ محرما فِي الشَّرِيعَة وَمِنْهُم من يسحل ذَلِك من المردان وَيَزْعُم أَن التَّمَتُّع بِالنّظرِ رليهم ومباشرتهم هُوَ طَرِيق لبَعض السالكين حَتَّى يترقى من محبَّة الْمَخْلُوق إِلَى محبَّة الْخَالِق ويأمرون بمقدمات الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَقد يسْتَحلُّونَ الْفَاحِشَة الْكُبْرَى كَمَا يستحلها من يَقُول إِن اللواط مُبَاح بِملك الْيَمين فَهَؤُلَاءِ كلهم كفار بِاتِّفَاق أَئِمَّة الْمُسلمين لَكِن من النَّاس من يكون جَاهِلا بِبَعْض ذَلِك فَلَا يحكم بكفرة حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة﴾ كَمَا لَو أسلم رجل وَلم يعلم أَن الصَّلَاة وَاجِبَة ثمَّ علم هَل يجب عَلَيْهِ قَضَاء مَا تَركه حَال جَهله عَليّ قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَحدهمَا لَا يجب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّانِي يجب وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الْمَشْهُور عَن أَصْحَابه بل النزاع فِي كل من ترك وَاجِبا قبل بُلُوغ الْحجَّة مثل من ترك الصَّلَاة عِنْد عدم المَاء زعما مِنْهُ أَنَّهَا لَا تصح مَعَ التَّيَمُّم أَو أكل حَتَّى تبين لَهُ الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود كَمَا جرى لبَعض الصَّحَابَة أَو مس ذكره أَو أكل لحم أبل وَلم يتَوَضَّأ ثمَّ تبين لَهُ وجوب ذَلِك وأمثال هَذِه الْمسَائِل وأصل ذَلِك أَن الْخطاب هَل يثب فِي حق الْمُكَلف قبل التَّمَكُّن من سَمَاعه على ثَلَاثَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره قيل يثبت وَقيل لَا يثبت وَقيل يفرق كَمَا فِي خطاب النّسخ وكما يفرق بَين الْمُبْتَدِئ وَغير الْمُبْتَدِئ وكما فِي الْقبْلَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يثبت قبل التَّمَكُّن وَأَن الْقَضَاء لَا يجب فِي الصُّورَة

стр. 231

الْمَذْكُورَة مَعَ اتِّفَاقهم على انْتِفَاء الْإِثْم وَجَاء فِي الحَدِيث يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يعْرفُونَ فِيهِ صَلَاة وَلَا زككاة وَلَا صوما وَلَا حجا رلا الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة يَقُولُونَ أدركنا النَّاس وهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَقيل لِحُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ مَا تغنى عَنْهُم لَا إِلَه رلا الله بِلَا صَوْم وَلَا زَكَاة وَلَا حج فَقَالَ تنجيهم من النَّار وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء قد أَتَوا بِالْأَمر والنهى إِلَى حِين موت العَبْد فَلَا يضاد الْعَمَل مَا فِي قبله من خضوع وَإِقْرَار بِأَن الله إِلَه الْعَالم لِأَن الْإِلَه هُوَ الَّذِي يعبد دَائِما وتجوهر النَّفس وصفاؤها وطهارتها عَن الأكوان البشرية مُمْتَنع فِي حق الْبشر وَلِهَذَا كَانَ سلف الْأمة وأئمتها يدينون بِأَن الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا هم معصومون من الْإِقْرَار عَليّ الذُّنُوب وَأَن الله يستدركهم بِالتَّوْبَةِ وَإِن كَانَت حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وَأَن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لكَمَال النِّهَايَة بِالتَّوْبَةِ لَا لنَقص الْبِدَايَة بالذنب وَأما غَيرهم فَلَا تجب لَهُم الْعِصْمَة وَإِنَّمَا يدعى الْعِصْمَة الْمُطلقَة لغير الْأَنْبِيَاء الْجُهَّال من الرافضة وغالية النساك وَمن هَؤُلَاءِ من يزْعم استغناءه عَن النَّوَافِل حِينَئِذٍ وَهُوَ مفتون منكوس وَلَفظ الشَّرْع يُطلق على ثَلَاثَة معَان شرع منزل وَشرع مؤول وَشرع مبدل فالمنزل الْكتاب وَالسّنة فَهَذَا الَّذِي يجب اتِّبَاعه عَليّ كل أحد والمؤول هُوَ رد الِاجْتِهَاد الَّذِي تنَازع فِيهِ الْفُقَهَاء فاتباع الْمُجْتَهدين جَائِز لمن اعْتقد حجَّة متبوعة هِيَ القوية أَو لمن سَاغَ لَهُ تَقْلِيده والمبدل مثل الْأَحَادِيث الموضعة والتأويلات الْفَاسِدَة والفتيا الْبَاطِلَة والتقليد الْمحرم فَهَذَا يحرم اتِّبَاعه وَهَذَا مِثَال النزاع فَإِن كثيرا من النَّاس يُوجب اتِّبَاع حاكمه وإمامه وَشَيْخه والتزام حكمهم ظَاهرا وَبَاطنا وَيرى أَن الْخُرُوج عَن اتِّبَاعه خُرُوج عَن الشَّرِيعَة

стр. 232

المحمدية وَهَذَا جهل مِنْهُ وظلم بل دَعْوَى ذَلِك على الْإِطْلَاق كفر ونفاق وَالله أعلم فصل لَيْسَ للْمَرْأَة أَن تَجِد على غير زَوجهَا فَوق ثَلَاث لَا أَبِيهَا وَلَا أَخِيهَا وَهَذَا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فَإِن تَعَمّدت ترك بعض الثِّيَاب للْمَيت غير الزَّوْج فَهَذَا منهى عَنهُ وَالله أعلم والعمر يطول والرزق يبسط بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار وَالْعَمَل الصَّالح كَمَا أَن الْهَلَاك والاغراق اسْتَحَقَّه قوم نوح بالْكفْر والتكذيب وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى﴾ وَقَالَ ﷺ من أحب أَن ينسأ لَهُ فِي عمره ويبسط لَهُ فِي رزقه فَليصل رَحمَه وَالله يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَالله أعلم أما تغشية قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَغَيرهم بالأغشية من الثِّيَاب الحريرية وَغَيرهَا فَلَيْسَ مَشْرُوعا فِي الدّين وَلَا قربَة لرب الْعَالمين فَلَا يجب الْوَفَاء بِهِ إِذا نذر بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة بل ينْهَى عَن ذَلِك وَهل على ناذره كَفَّارَة على قَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ الزَّيْت والحصر لمَكَان لَا يصلى فِيهِ الْمُسلمُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لَيْسَ بِطَاعَة الله وَلَا ينْعَقد نَذره وَلَكِن من الْعلمَاء من أوجب عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين أَو صرف النّذر فِي طَاعَة الله نَظِير هَذِه وَمِنْهُم من لَا يُوجب شَيْئا فَيكون هَذَا مَالا ضائعا لَا مُسْتَحقّ لَهُ فَيصْرف فِي مصَالح الْمُسلمين حَيْثُ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَسْجِد أَو غَيره

стр. 233

فصل مَا ذكر من نزُول الْمَلَائِكَة إِلَى الأَرْض وَأَنَّهُمْ يعْبدُونَ الله فِيهَا ويموتون فِيهَا لَا أصل لذَلِك وَكَذَلِكَ طى السَّمَاء قبل الأَرْض بِأَرْبَعِينَ سنة بَاطِل وَلَا أعلم أحد من الْعلمَاء المعتبرين ذكر ذَلِك وَأما الْأَحَادِيث المأثورة فِي المهدى فَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيح وَمِنْهَا مَا هُوَ حسن وَقد صحّح الترمذى حَدِيث ابْن مَسْعُود وَأم سَلمَة وَغَيرهمَا ﵃ قَالُوا لَو لم يبْق من الدُّنْيَا رلا يَوْم لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يبْعَث فِيهِ رجلا من أهل بَيْتِي يواطئ اسْمه اسْمِي وَاسم أَبِيه اسْمه اسْم إبي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت جورا وظلما وروى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ المهدى من ولد الْحُسَيْن وَمَا يرْوى لَا مهدى رلا عِيسَى حَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ ابْن ماجة وَقد ادعيت هَذِه المهدية لعدد كثير من الدجالين وكل ذَلِك بَاطِل مثل ادِّعَاء الرافضة ذَلِك لمُحَمد بن الْحسن الدَّاخِل فِي السرادب فَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه عقلا وَمثل ادِّعَاء مُحَمَّد بن تومرت أَنه المهدى الَّذِي بشر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَقد اتّفق أهل الدّين على أَنه كَاذِب وَطَوَائِف ادعوا ذَلِك مِنْهُم من قتل وَمِنْهُم من عزّر وَحبس وَمِنْهُم من راج أمره على طَائِفَة من الضلال حَتَّى انْكَشَفَ مَا فعله من الْمحَال وَالله الْمُسْتَعَان

стр. 234

فصل وَأما الْجِنَازَة الَّتِي فِيهَا مُنكر مثل أَن يحمل قدامها أَو وَرَاءَهَا الْخبز وَالْغنم أَو غير ذَلِك من الْبدع الفعلية أَو القولية أَو يَجْعَل على النعش شنخانات فَهَل لَهُ أَن يمْتَنع من تشييعها على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَالصَّحِيح أَنه يشيعها لِأَنَّهُ حق للْمَيت فَلَا يسْقط بِفعل غَيره وينكر النكر بِحَسبِهِ وَإِن كَانَ مِمَّن إِذا امْتنع تركُوا النكر امْتنع بِخِلَاف الْوَلِيمَة فَإِن صَاحب الْحق هُوَ فَاعل النكر فَسقط حَقه لمعصيته كالمتلبس بِمَعْصِيَة لَا يسلم عَلَيْهِ حَال تلبسه بهَا وَالله أعلم فصل الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن الله لَا يخلد فِي النَّار أحدا من أهل الْإِيمَان وَخَالف فِي ذَلِك قوم من أهل الْبدع والخوارج والحرورية والمعتزلة فَقَالُوا إِن أهل الكباذر يخلدُونَ فِيهَا وَمن دَخلهَا لم يخرج مِنْهَا بشفاعة مُحَمَّد ﷺ وَلَا غَيره وكذبوا وعارض هَؤُلَاءِ قوم من المرجئة وَزَعَمُوا أَن الْإِيمَان حَاصِل من الْخلق جَمِيعهم وَأَن إِيمَان الملاذكة والأنبياء وَالصديقين كَإِيمَانِ أهل الْكَبَائِر وكذبوا وغلاتهم تزْعم أَنه لَا يدْخل فِي النَّار أحد ويحرقون الْكَلم عَن موَاضعه وكل هَؤُلَاءِ ضالون فالطائفة الأولى نظرُوا إِلَى نُصُوص الْوَعيد

стр. 235

وَالثَّانيَِة نظرُوا إِلَى نُصُوص الْوَعْد وَأما أهل اسنة فآمنوا بِكُل مَا جَاءَ من عِنْد الله وَلم يضْربُوا بعض ذَلِك بِبَعْض ونظروا فِي الْكتاب وَالسّنة فوجدوا أَن أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين الَّذين توعدهم الله بالعقاب بَين أَن عقابهم يَزُول عَنْهُم بِأَسْبَاب أَحدهَا التَّوْبَة فَإِن الله يغْفر بِالتَّوْبَةِ النصوح الذُّنُوب جَمِيعًا السَّبَب الثَّانِي الْحَسَنَات الماحية كَمَا قَالَ ﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق﴾ الْآيَة السَّبَب الثَّالِث مصائب الدُّنْيَا والبرزخ السَّبَب الرَّابِع الدُّعَاء والشفاعة مثل الصَّدَقَة عَلَيْهِ بعد مَوته وَالدُّعَاء لَهُ وَالِاسْتِغْفَار السَّبَب الْخَامِس الْأَعْمَال الصَّالِحَة الَّتِي يهديها لَهُ غَيره من عتاقة وَصدقَة السَّبَب السَّادِس رَحْمَة ربه فَكل حَدِيث فِيهِ عَن مُؤمن أَنه دخل النَّار أَو أَنه لَا يدْخل الْجنَّة قد فسره الْكتاب وَالسّنة أَنه عِنْد انْتِفَاء هَذِه الْمَوَانِع وَكَذَلِكَ نُصُوص الْوَعْد مَشْرُوطَة بِعَدَمِ الْأَسْبَاب الْمَانِعَة مندخول الْجنَّة وَأَعْظَمهَا أَن يَمُوت كَافِرًا وَمِنْهَا أَن تكْثر ذنُوبه وظلمه فَيُؤْخَذ من حَسَنَاته حَتَّى تذْهب ثمَّ تُوضَع عَلَيْهِ سيئات من ظلمهم وَمِنْهَا أَن يعقب الْعَمَل مَا يُبطلهُ كالمن واأذى وَترك صَلَاة الْعَصْر قيل تحبط عمل ذَلِك الْيَوْم وَقيل الْعَمَل كُله وكما قَالَ النَّبِي ﷺ من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه فَانْتفى هَذَا الدُّخُول الْمُطلق وَهُوَ دُخُول الْجنَّة بِلَا عَذَاب فَمن أَتَى بالكباذر لم يسْتَحق هَذَا الدُّخُول الْمُطلق الَّذِي لَا عَذَاب قبله وَهَذَا مثل قَوْله ﵊ من غَشنَا فَلَيْسَ منا فَإِن الِاسْم

стр. 236

الْمُطلق للنَّبِي ﷺ وَالَّذين آمنُوا مَعَه هُوَ الْإِيمَان الْكَامِل الْمُطلق الَّذِي يسْتَحقُّونَ بِهِ الثَّوَاب وَيدْفَع الله بِهِ عَنْهُم الْعقَاب فَمن غشهم لم يكن من هَؤُلَاءِ بل مَعَه أصل الْإِيمَان الَّذِي يُفَارق بِهِ الْكفَّار ويخرجه من النَّار وَإِذا جَاءَ من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَإِن زنا وَإِن شرب الْخمر وَنَحْوه فَهَذَا يعْطى أَن صَاحب الْإِيمَان مُسْتَحقّ للجنة وزن الذُّنُوب لَا تَمنعهُ ذَلِك لَكِن قد يحصل لَهُ قبل الدُّخُول نوع من الْعَذَاب إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي البرزخ وَإِمَّا فِي الْعَرَصَة وَإِمَّا فِي النَّار وَكَذَلِكَ نُصُوص الْوَعيد كَقَوْلِه ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع رحم وَكَقَوْلِه ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم ملك كَذَّاب وَشَيخ زاني وعائل مستكبر وَلَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَلَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَمن لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة والمستكبر والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب لَا يكلمهم الله وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم وَثَلَاثَة أخر رجل على فضل مَاء يمنعهُ من ابْن السَّبِيل فَيَقُول الله الْيَوْم أمنعك فضلى كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا للدنيا وَرجل يحلف على سلْعَة بعد الْعَصْر كَاذِبًا لقد أعْطى أَكثر مِمَّا أعْطى وَلَا يدْخل الْجنَّة بخيل وَلَا منان ولاسئ الملكة فؤن الْبُخْل من الكباذر وَهُوَ منع الواجباب من الزَّكَاة وصلَة الرَّحِم وقرى الضَّيْف وَترك الاعطاء فِي النوائب وَترك الانفاق فِي سَبِيل الله وعقوق الْوَالِدين وَشَهَادَة الزُّور وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات والتولى يَوْم الزَّحْف وَالسحر وَأكل الرِّبَا كل ذَلِك من الْكَبَائِر بل كل ذَنْب فِيهِ حد الله فِي الدُّنْيَا أَو وَعِيد فِي الْآخِرَة مثل غضب الله ولعنته وَالنَّار فَهُوَ من الْكَبَائِر

стр. 237

وَهَذَا بَاب يطول وَصفه لَكِن ذكرنَا الأَصْل الْجَامِع فِي ذَلِك وَمن تَابَ من ذَنْب فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى نرجوا أَن الله يَتُوب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ من مظالم الْعباد مثل ظلم أَبَوَيْهِ فَعَلَيهِ أَن يفعل مَعَهم الْحَسَنَات بِقدر مافعل مَعَهم من السَّيِّئَات حَتَّى يقوم هَذَا بِهَذَا فصل وَقد ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أَمر الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس وَثَبت أَن مُحَمَّدًا ﷺ إِلَيْهِمَا وَاتَّفَقُوا على ثَوَاب الْإِنْس بِالطَّاعَةِ وَاخْتلفُوا فِي الْجِنّ هَل يثابون أَولا ثَوَاب لَهُم إِلَّا النجَاة من الْعَذَاب عَليّ قَوْلَيْنِ الأول قَول الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهم الثَّانِي مأثور عَن طَائِفَة مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَقد اخْتلف هَل من شَرط الْوُجُوب الْعقَاب على ترك على قَوْلَيْنِ فَأَما الثَّوَاب عَليّ الْفِعْل فَوَاجِب بِالسَّمْعِ وَمن لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ هَل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة فالإنس وَالْجِنّ جَمِيعًا بالِاتِّفَاقِ لوم يَخْتَلِفُوا فِيمَا علمت رلا فِيمَن لم ينْفخ فِيهِ الرّوح وَاخْتَارَ القَاضِي بَعثه وَذكره عَن أَحْمد وَأما البهاذم فَهِيَ مبعوثة بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا الوحوش حشرت﴾ والْحَدِيث فِي قَول الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ لما روى من جعل الْبَهَائِم تُرَابا مَعْرُوف وَمَا أعلم فِيهِ خلافًا

стр. 238

وَلَكِن اخْتلف بَنو آدم فِي معاد الْآدَمِيّين على أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا قَول الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وجماهير الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَن الْمعَاد للروح وَالْبدن يُنكرُونَ معاد روح قاذمة بِنَفسِهَا وَالثَّانِي أَن الْمعَاد للبدن دون الرّوح وَالثَّالِث ضد هَذَا وَهُوَ قَول الفلاسفة وَمن نصر مَذْهَبهم من متكلمى أهل الْقبْلَة ومتصوفيهم أَن الْمعَاد للروح دون الْبدن الرَّابِع أَنه لَا معاد للبدن وَلَا للروح وَهُوَ قَول مُشْركي الْعَرَب والبطائعيين والمنجمين وَبَعض الإليهين من المتفلسفة فعلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يقطع قائلوها بِعَدَمِ حشر الباهاذم وعَلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين يقبل الْخلاف فصل من لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ مِمَّن رفع عَنهُ الْقَلَم يعذب فِي الْآخِرَة وَتَأْتِي هُنَا مَسْأَلَة أَطْفَال الْمُشْركين فَمن قَالَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم إِنَّهُم يُعَذبُونَ تبعا لِآبَائِهِمْ قَالَ تَعْذِيب غير الْمُكَلف تبعا للمكلف وَمن قَالَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم يدْخلُونَ الْجنَّة قَالَ ينعمهم اسْتِقْلَالا الوصواب أَنهم لَا يُعَذبُونَ جَمِيعهم بل فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وَهَذَا مُقْتَضى نُصُوص أَحْمد فَإِن أَكثر نصوصه الْوَقْف لَا يحكم بجنة وَلَا بِنَار فَدلَّ على جَوَاز الْأَمريْنِ عِنْده فِي حق الْمعِين وَأما تَحْرِير الْأَمر مجموعهم فَلَا يلْزم الْبَحْث عَنْهُم وَهُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَغَيره وَبِهَذَا أجَاب رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين فَبين أَن الْأَمر رَاجع إِلَى علم الله فِيمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو بلغُوا وَيجوز قتل الصَّبِي إِذا قَاتل أوصال كالجنون والبهيمة

стр. 239

وَحَدِيث عَائِشَة عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق للجنة خلقا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وَخلق للنار خلقا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وَثَبت أَن الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر طبع على الْكفْر وَقَتله قبل الِاحْتِلَام وَكَانَ أَبوهُ مُؤمنين وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا لَا يشْهد لأحد بِعَيْنِه من أَطْفَال الْمُؤمنِينَ أَنه فِي الْجنَّة وَلَكِن يُطلق القَوْل أَن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة وَقد روى أَحَادِيث حسان أَن الله يمْتَحن يَوْم الْقِيَامَة من لم يُكَلف الدُّنْيَا من الصّبيان والمجانين وَمن مَاتَ فِي الفترة فَمن أطَاع دخل الْجنَّة وَمن عصى دخل النَّار فَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الصَّوَاب وَأما الْبَهَائِم فعامة الْمُسلمين أَنه لَا عِقَاب عَلَيْهِم إِلَّا مَا يحْكى عَن التناسخية فصل الدُّنْيَا دَار تَكْلِيف بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ البرزخ وعرصة الْقِيَامَة وَإِنَّمَا يَنْقَطِع التَّكْلِيف بِدُخُول دَار الْجَزَاء وَهِي الْجنَّة أَو النَّار كَمَا صرح بذلك أَصْحَابنَا وَغَيرهم

стр. 240

والامتحان فِي البرزخ لمن لم يكن مُكَلّفا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيرهم وعَلى هَذَا لاخلاف فِي امتحانهم فِي الْعَرَصَة وَغير الْمُكَلف قد يرحم فَإِن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة فصل والتكليف بِالْأَمر والنهى ثَابت فِي الشَّرْع والاتفاق وَفِي ثُبُوته بِالْعقلِ اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب مَعْلُوم بِالسَّمْعِ وَهُوَ قَول كثير من أَصْحَابنَا والأشعرية وَغَيرهم وَذهب طوائف إِلَى أَنه يعلم بِالْعقلِ والوصاب أَن مَعْرفَته بِالسَّمْعِ وَاجِبَة وَأما بِالْعقلِ فقد يعرف وَقد لَا يعرف وَلَيْسَت مَعْرفَته بِالْعقلِ بممتنعة وَلَا هِيَ وَاجِبَة وَالله أعلم فصل وَأما الشَّهَادَة لرجل بِعَيْنِه بِأَنَّهُ من أهل النَّار أَو الْجنَّة فَلَيْسَ لأحد ذَلِك إِلَّا بِنَصّ صَحِيح يجوب كالعشرة الَّذين بشرهم الصَّادِق ﷺ بِالْجنَّةِ وَمِنْهُم من جوز ذَلِك لمن استفاض فِي الْأمة الثَّنَاء عَلَيْهِ كعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ وَأَمْثَاله وَقد كَانَ بعض السّلف يمْنَع أَن يشْهد بِالْجنَّةِ لغير الرَّسُول ﷺ حَتَّى نَاظر على بن المدينى أَحْمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ أَقُول إِنَّهُم فِي الْجنَّة وَلَا أشهد لمُعين قَالَ أَحْمد مَتى قلت إِنَّهُم فِي الْجنَّة فقد شهِدت أَنهم فِي الْجنَّة وَأما توقف النَّاس فِي الْقطع بِالْجنَّةِ فلخوف الخاتمة وَمَعَ هَذَا فنرجو لَهُ حسن ونخاف على الْمُسِيء

стр. 241

وَمن ظهر مِنْهُ أَفعَال يُحِبهَا الله وَرَسُوله وججب أَن يُعَامل بِمَا يُوجِبهُ ذَلِك من الملاة والمحبة وَالْإِكْرَام وَمن ظهر مِنْهُ خلاف ذَلِك عومل مُقْتَضَاهُ فصل فِي قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قَالَ فِي آخِره عَن الله تَعَالَى ﴿قد غفر لعبدي فليعمل مَا شَاءَ﴾ هَذَا الحَدِيث لم يَجعله النَّبِي ﷺ عَاما فِي كل دنب من ككل من أذْنب وَتَابَ وَعَاد وَإِنَّمَا ذكره حِكَايَة حَال عَن عبد كَانَ مِنْهُ ذَلِك فَأفَاد أَن العَبْد قد يعْمل من الْحَسَنَات الْعَظِيمَة مَا يُوجب غفران مَا تَأَخّر من ذنُوبه وَإِن غفر لَهُ بِأَسْبَاب أخر وَهَذَا مثل حَدِيث حَاطِب بن أبي بلتعة ﵁ الَّذِي قَالَ فِيهِ لعمر وَمَا يدْريك أَن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَمَا جَاءَ من أَن غُلَام حَاطِب شكاه فَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله ليدخلن حَاطِب النَّار فَقَالَ كذبت إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث بَيَان أَن الْمُؤمن قد يعْمل من الْحَسَنَات مَا يغْفر لَهُ بهَا مَا تَأَخّر من ذَنبه وَإِن غفر بِأَسْبَاب غَيرهَا وَيدل عَليّ أَنه يَمُوت مُؤمنا وَيكون من أهل الْجنَّة وَإِذا وَقع مِنْهُ ذَنْب يَتُوب الله عَلَيْهِ كَمَا تَابَ عَليّ بعض الْبَدْرِيِّينَ كقدامة بن عبد الله ﵁ لما شرب الْخمر متأولا واستتابه عمر وَأَصْحَابه ﵁ وجلدوه وطهر بِالْحَدِّ وَالتَّوْبَة وَإِن كَانَ مِمَّن قيل لَهُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم ومغفرة الله لعَبْدِهِ لاتنافى أَن تكون الْمَغْفِرَة بأسبابها وَلَا تمنع أَن تصدر مِنْهُ تَوْبَة إِذا مغْفرَة الله لعَبْدِهِ مقتضاها أَن لَا يعذبه بعد الْمَوْت وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِذا علم من العَبْد أَنه يَتُوب أَو يعْمل حَسَنَات ماحية

стр. 242

غفر لَهُ فِي نفس الْأَمر إِذْ لَا فرق بَين من يحكم لَهُ بالمغفرة أَو بِدُخُول الْجنَّة وَمَعْلُوم أَن بشارته ﷺ بِالْجنَّةِ إِنَّمَا هِيَ لعلمه بِمَا يَمُوت علسيه المبشر وَلَا يمْنَع أَن يعْمل سَببهَا وَعلم الله بالأشياء وآثارها لَا ينافى مَا علقها عَلَيْهِ من الْأَسْبَاب كَمَا أخبر أَن مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار وَمَعَ ذَلِك قَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَلَا من أخبرهُ أَنه ينتصر على عدوه لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ أَسبَابه وَلَا من أخبرهُ أَنه يكون لَهُ ولد لَا يمْنَع أَن يتَزَوَّج أَو يتسرى وَكَذَا من أخبرهُ بالمغفرة أَو الْجنَّة لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ بِسَبَب ذَلِك مرِيدا للآخرة وساعيا لَهَا سعيها وَمن ذَلِك الدُّعَاء الْمَذْكُور فِي آخر سُورَة الْبَقَرَة فقد ثَبت أَن الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت وَمَعَ ذَلِك فَمن الْمَشْرُوع لنا أَن نَدْعُوهُ وَمِنْه قَول ﷺ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فحصول الْمَوْعُود لَا ينافى السَّبَب الْمَشْرُوع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى لنَبيه سنة سِتّ من الْهِجْرَة ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ ﷺ يسْتَغْفر ربه بَقِيَّة عمره وَأنزل عَلَيْهِ فِي آخر عمره سُورَة النَّصْر ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾ وَكَانَ يتَأَوَّل ذَلِك فِي رُكُوعه وَسُجُوده أى يمتثل مَا أمره ربه فَإِذا كَانَ سيد الْمُرْسلين ﷺ يسْتَغْفر ربه كَيفَ لَا يسْتَغْفر غَيره وَيَتُوب وَإِن قيل لَهُ ذَلِك أبي وأخذته الْعِزَّة وَلِهَذَا مَا زَالَ سُبْحَانَهُ يُخَاطب أهل وبيعة الرضْوَان بِالْأَمر والنهى والوعد والوعيد وَيذكر أَنه عَلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم﴾ وَقد نزلت بعد عَام

стр. 243

الْحُدَيْبِيَة بِثَلَاث سِنِين وَقد كَانَ من شَأْن مسطح الَّذِي كَانَ يصله أَبُو بكر لرحمه مَا كَانَ وَهُوَ من أهل بدر ﵃ وعده الله فِي قَوْله ﴿لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ وَقَوله ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد روى أَن النَّبِي ﷺ جلدهمْ فقد وَقع هَذَا البدرى ﵁ المغفور لَهُ فِي هَذَا الْإِفْك الْعَظِيم لَكِن تَابَ مِنْهُ بِلَا ريب فَتبين أَن قَوْله ﴿قد غفر لكم﴾ لَا منع أَن يعلمُوا بعد ذَلِك ذنوبا ويتوبون مِنْهَا بل لَا بُد أَن يكون لِئَلَّا يتكلوا عَليّ الْأَخْبَار فَقَط بل لَا بُد من فعل السَّبَب من التَّوْبَة والحسنات الماحيات الْمُتَقَدّمَة أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب كالمصائب فِي الدِّينَا أَو فِي البرزخ أَو عرصات الْقِيَامَة أويرحمهم وَهَذِه الْأَسْبَاب يشْتَرك فِيهَا من علم أَنه قد غفر لَهُ وَمن لم يعلم لَكِن قد علم أَن الله يغْفر للتائب ويدخله الْجنَّة وَأما الْجَاهِل بِحَالهِ فَلَا يدْرِي حَاله عِنْد الله فَعلمه بِأَن الله يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ وإيمانه الْعَظِيم الَّذِي فِي قلبه بذلك أَفَادَهُ أَنه صَار عِنْد الله مِمَّن يغْفر لَهُ لَا محَالة فَلَا بُد لَهُ من الْأَسْبَاب فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَدُوم عَليّ الْإِيمَان ودوامه عَليّ الْإِيمَان من أعظم الْحَسَنَات الماحية وَأَن يصلى وَيَتُوب ويستغفر وَنَحْو ذَلِك من مُوجبَات الرَّحْمَة وعزاذم الْمَغْفِرَة وَمن كرر التَّوْبَة مَرَّات واسترسل فِي الذُّنُوب وَتعلق بِهَذَا الحَدِيث كَانَ مخدوعا مغرورا من وَجْهَيْن أَحدهمَا ظَنّه أَن الحَدِيث عَام فِي حق كل نَائِب وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة حَال فَيدل عَليّ أَن من عباد الله من هُوَ كَذَلِك وَالثَّانِي أَن هَذَا لَا يقتضى أَن يغْفر لَهُ بِدُونِ أَسبَاب الْمَغْفِرَة كَمَا قدمنَا وَمن كرر التَّوْبَة الْمَذْكُورَة وَالْعود للذنب لَا يجْزم لَهُ أَنه قد دخل فِي معنى

стр. 244

هَذَا الحَدِيث وَأَنه قد يعْمل بعد ذَلِك مَا شَاءَ لَا يُرْجَى لَهُ أَنه يكون من أهل الْوَعْد وَلَا يجْزم لمُعين بِهَذَا الحكم كَمَا لَا يجْزم فِي حق معِين بالوعيد كساذر نُصُوص الْوَعْد والوعيد فَإِن هَذَا كَقَوْلِه من فعل كَذَا دخل الْجنَّة وَمن فعل كَذَا دخل النَّار لَا يجْزم لمُعين لَكِن يُرْجَى للمحسن وَيخَاف على المسئ وَمن هَذَا الْبَاب حَدِيث البطاقة الَّتِي قدر الْكَفّ فِيهَا التَّوْحِيد وضعت فِي الْمِيزَان فرجحت عَليّ تِلْكَ السجلات من السيذات وَلَيْسَ كل من تكلم بالسهادتين كلن بِهَذِهِ المنرلة لِأَن هَذَا العَبْد صَاحب البطاقة كَانَ فِي قلبه من التَّوْحِيد وَالْيَقِين وَالْإِخْلَاص مَا أوجب أَن عظم قدره حَتَّى صَار راجحا على هَذِه السَّيِّئَات وَمن أحل ذَلِك صَار الْمَدّ من الصَّحَابَة ﵃ أفضل من مثل جبل أحد ذَهَبا من غَيرهم وَمن ذَلِك حَدِيث الْبَغي الَّتِي سقت كَلْبا فغفر لَهَا فَلَا يُقَال فِي كل بغى سقت كَلْبا غفر لَهَا لِأَن هَذِه البغى قد حصل لَهَا من الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالرَّحْمَة بِخلق الله مَا عَادل إِثْم البغى وَزَاد عَلَيْهِ مَا أوجب الْمَغْفِرَة وَالْمَغْفِرَة تحصل بِمَا يحصل فِي الْقلب من الْإِيمَان الَّذِي يعلم الله وَحده مِقْدَاره وَصفته وَهَذَا يفتح بَاب الْعَمَل ويجتهد بِهِ العَبْد أَن يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَعْمَال وأمثالها من مُوجبَات الرَّحْمَة وعزائم الْمَغْفِرَة وَيكون مَعَ ذَلِك بَين الْخَوْف والرجاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون﴾ وَلِهَذَا اسْتثْنى ابْن مَسْعُود وَغَيره فِي الْإِيمَان فَكَانَ يَقُول أحدهم أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله فَإِن الْإِيمَان الْمُطلق الْكَامِل يقتضى أَدَاء الْوَاجِب وأحدهم لَا يعلم بِيَقِين أَنه أدّى كل الْوَاجِب كَمَا أَمر وَلَئِن فَهُوَ فضل من الله ورحة فَلهَذَا استثنوا فِيهِ واستثنوا فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ لَا يجْزم بِأَنَّهُ أَتَى بهَا عَليّ وَجههَا فيأتى بِمَا أَتَى بِهِ من الْخَيْر وَقَلبه وَجل

стр. 245

وَإِن كَانَ للاستثناء وَجه آخر وَهُوَ خوف الخاتمة وَأَن الْمُؤمن الْمُطلق هُوَ من علم الله أَنه يَمُوت عَليّ الْإِيمَان الْكَامِل وَوجه ثَالِث وَهُوَ التَّبَرُّك بِمَشِيئَة الله وَمثل تهذا الحَدِيث يُوجب فائدتين عظيمتين أَحدهمَا أَن يعْمل الْإِنْسَان مثل هَذَا الْعَمَل مُجْتَهدا فِي تقوى الله تَعَالَى حَتَّى يثيبه بِمثل هَذَا الْجَزَاء الثَّانِي أَنه إِذا رأى غَيره من الْمُؤمنِينَ لَهُ من الذُّنُوب مَا يُمكن أَن يكون لَهُ مَعهَا مثل هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي يكون صَاحبهَا مغفورا لَهُ لم يشْهد لَهُ بالنَّار وَلم يعامله بِمَا يُعَامل بِهِ أهل الكباذر بل يرجوا أَن يرحمه الله بل قد يكون من أَوْلِيَاء الله فَإِن من كَانَ مُؤمنا نقيا كَانَ لله وليا فَلَا يحكم على أحد معِين من أهل الْقبْلَة أَنه من أهل النَّار وَلَو قتل نَفسه إِلَّا أَن يكون مَعَه علم يَقِين كَالَّذي شهد لَهُ النَّبِي ﷺ أَنه من أهل النَّار لقَتله نَفسه بالمشقص وَعبد الله بن أبي بن سلول وإبليس وَالله أعلم فصل فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ من أحب أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي عمره فَليصل رَحمَه وَقد تَأَول بَعضهم أَنه يُبَارك لَهُ فِي عمره حَتَّى قد يعْمل فِيهِ من الْخَيْر فِي الْعُمر الْقصير مَا يعْمل فِي الْعُمر الطَّوِيل وَالصَّحِيح أَنه يزِيد وَينْقص فِيمَا فِي أَيدي الْمَلَائِكَة من الصُّحُف كَمَا تقدم وَلَيْسَ لأحد اطلَاع عَليّ اللَّوْح سوى الله وَمَا يُوجد فِي كَلَام بعض الشُّيُوخ والمتكلمين من الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فمبنى على

стр. 246

مَا اعتقدوا من أَن اللَّوْح هُوَ الْعقل الفعال وَأَن نفوس الْبشر تتصل بِهِ كَمَا يذكر ذَلِك أَصْحَاب رساذل إخْوَان الصفاء وَقد يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي مثل جَوَاهِر الْقُرْآن والإحياء ويظن من لَا يعرف حَقِيقَة هَؤُلَاءِ وَلَا حَقِيقَة دين الْإِسْلَام أَن هَذَا من كَلَام أَوْلِيَاء الله المكاشفين وَلَا يعلم هَذَا الْجَاهِل أَن الفلاسفة الصوفين تَقوله فِي الْعقل الفعال وَأَن الْعلم السُّفْلى يفِيض عَنهُ وَأَنه فِي الْحَقِيقَة ربه ومدبره وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُونَهُ فِي الْعُقُول الْعشْرَة من كَون كل عقل يفِيض عَنهُ مَا تَحْتَهُ وَهُوَ كفر بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَهَؤُلَاء يَأْخُذُونَ لب الصابئة ويكسونه لحى الْإِسْلَام وهم من جنس الْمَلَاحِدَة الْمُنَافِقين يلبسُونَ على الْمُسلمين وَإِن كَانَ مِنْهُم من قد تَابَ أَو تلبس عَلَيْهِ مَعَ أَن أصل الْإِيمَان مَعَه وَأَخْطَأ فِي بعض ذَلِك أخطاء قد يغفرها الله لَهُ ويزعمون أَنه لم يسْجد لآدَم شئ من الْمَلَائِكَة وَأَن الشَّيَاطِين امْتَنعُوا عَن السُّجُود لَهُ لأَنهم يفسرون الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين بقوى النَّفس قوى الْخَيْر وَالشَّر ويجعلون كَلَام الله للأنبياء مَا يفِيض عَلَيْهِم من نفوس الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم وَمَلَائِكَته مَا يكون فِي نُفُوسهم من الأشكال النورانية وَالْمَقْصُود أَنه يُوجد فِي عِبَارَات هَؤُلَاءِ إِطْلَاق اللَّوْح والقلم وَالْمَلَائِكَة وَنَحْو ذَلِك من عِبَارَات الْمُسلمين وَلَكِن المُرَاد بهَا عِنْدهم مَا هُوَ من دين الصائبة وَلَيْسَ من دين الْمُسلمين فصل أما الدُّعَاء بطول الْعُمر فقد كرهه الْأَئِمَّة وَكَانَ أَحْمد إِذا دَعَا لَهُ أحد بطول الْعُمر يكره ذَلِك وَيَقُول هَذَا أَمر قد فرغ مِنْهُ وَحَدِيث أم حَبِيبَة رضى الله عَنْهَا لما طلبت امتاعها يُزَوّجهَا وأبيها وأخيها

стр. 247

فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة وآثار مبلوغة وأرزاق مقسومة فَفِيهِ أَن الْعُمر لَا يطول بِهَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ الدُّعَاء فَقَط وَقد تنَازع النَّاس فِي الدُّعَاء مُطلقًا فَقَالَت طَائِفَة لَا فَائِدَة فِيهِ وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طاذفة من الْمُؤمنِينَ باشراذع قَالُوا إِنَّه عبَادَة مَحْضَة وَقَالَ آخَرُونَ بل هُوَ أَمارَة وعلامة على حُصُول الْمَطْلُوب وكل هَذَا بَاطِل بل الْحق أَنه من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله سَببا وَالصَّوَاب أَن الله جعل فِي الْأَجْسَام القوى الَّتِي هِيَ الطباذع فَإِن من أهل الْإِثْبَات من أنكرها وَقَالَ إِن الله جعل الْآثَار عِنْدهَا لَا بهَا فيخلق الشِّبَع عِنْد الْأكل لَا بِهِ وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات﴾ وَفِي الْقُرْآن من هَذَا كثير فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ جعل فِي الْأَجْسَام قوى مهيذة فَكَذَلِك الدُّعَاء من جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي خلقهَا وَالسَّبَب لَا يسْتَقلّ بالحكم وَلَا يُوجِبهُ بل قد يتَخَلَّف الحكم عَنهُ لمَانع فاذا كَانَ متوقفا على وجود أَسبَاب أخر وَانْتِفَاء مَوَانِع فَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يسْتَقلّ بالتأثير إِلَّا الله الَّذِي هُوَ خَالق كل شئ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فتعملون أَن خَالق الْأزْوَاج وَاجِد وَقد بسطنا الْكَلَام فِي بطلَان مَا قَالَه المتفلسفون فِي أَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ رلا وَاحِد وَمَا ذَكرُوهُ من التَّرْتِيب الَّذِي وضعوه لخيالاتهم الْفَاسِدَة فِي غير هَذَا الْموضع

стр. 248

فصل لَا نعلم فِي الْقيام للمصحف شَيْئا مأثورا عَن السّلف وَقد سُئِلَ أَحْمد عَن تقبيله فَقَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا وَلَكِن روى عَن عِكْرِمَة ابْن أبي جهل أَنه كَانَ يفتح الْمُصحف وَيَضَع وجهة عَلَيْهِ وَيَقُول كَلَام رَبِّي كَلَام رَبِّي وَالسَّلَف وَإِن لم يكن من عَادَتهم قيام بَعضهم لبَعض رلا لمثل القادم من غيبَة وَنَحْو ذَلِك وَلم يكن أحد أحب إِلَيْهِم من رَسُول الله ﷺ وَلم يَكُونُوا يقومُونَ لَهُ لما يرَوْنَ فِي وجهة من كَرَاهَته لذَلِك وَالْأَفْضَل للنَّاس اتِّبَاع السّلف فِي كل شئ فَأَما إِذا اعتادوا الْقيام لبَعْضهِم بَعْضًا فقد يُقَال إِن تركُوا الْقيام للمصحف مَعَ تعود الْقيام لبَعْضهِم لم يَكُونُوا محسنين بل هم إِلَيّ الذَّم أقرب حَيْثُ يجب للمصحف من احترامه وتعظيمه مَا لَا يجب لغيره وَفِي ذَلِك تَعْظِيم حرمات الله وشعائره وَقد ذكر بعض الْفُقَهَاء الْكِبَار قيام النَّاس للمصحف ذكر مقررا لَهُ غير مُنكر وَأما جعله عِنْد الْقَبْر وَإِيقَاد الْقَنَادِيل هُنَاكَ فَهُوَ منهى عَنهُ وَلَو جعل للْقِرَاءَة هُنَاكَ فَكيف إِذا لم يقْرَأ فِيهِ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لعن الله زوارات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا السرج والمساجد وترتيب الذَّم على الْمَجْمُوع يقتضى أَن كل وَاحِد لَهُ تَأْثِير فِي الذَّم وَالْحرَام لَا يتَوَلَّد بالانضمام الْمُبَاح وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر

стр. 249

وَجعل الْمُصحف عِنْد القر ليقْرَأ فِيهِ بِدعَة مُنكرَة لم يَفْعَلهَا السّلف بل يدْخل فِي معنى اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور وَلَا نزاع فِي النمهى عَن إتخاذها ماسجد وَمَعْلُوم أَن الْمَسَاجِد بنيت للصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة فصل وَأما استفتاح الفأل بالمصحف فَلم ينْقل عَن السّلف فِيهِ شئ وَقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَن ابْن بطة فعله وَذكر عَن غَيره أَنه كرهه وَإِنَّمَا كَانَ الفال أَن تسمع نَحْو يَا بُرَيْدَة قَالَ يَا أَبَا بكر يرد أمرنَا وَأما الطَّيرَة فَأن يكون قد بَدَأَ فِي فعل أَمر أَو عزم عَلَيْهِ فَيسمع كلمة مَكْرُوهَة مثل مَا يتم فيتركه فَهَذَا منهى عَنهُ وَالَّذِي يَنْبَغِي الاستخارة الَّتِي علمهَا النَّبِي ﷺ أمته لم يَجْعَل الفأل والطيرة أمرا باعثا عَليّ شئ من الْفِعْل أَو التّرْك وَإِنَّمَا يأتمر وينتهى بذلك أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين يستقسمون بالأزلام وَقد حرم الله الاستقسام بهَا كالضرب بالحصا وَالشعِير واللوح والخشب وَالْوَرق الكتوب عَلَيْهِ حُرُوف أبجد وأبيات شعر وَنَحْو ذَلِك منهى عَنهُ لِأَنَّهَا من أَسبَاب الاستقسام بالازلام فصل فِيمَن قَالَ لَا بُد لنا من وَاسِطَة بَيْننَا وَبَين الله تَعَالَى فَإِذا أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد من وَاسِطَة تبلغه أَمر الله وَنَهْيه فَهَذَا حق لَا بُد للنَّاس من رَسُول يبلغ عَن الله أمره وَنَهْيه وَيُعلمهُم دين الله الَّذِي تعبدهم بِهِ

стр. 250

فَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْملَل وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع وَإِن أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد مِنْهُ فِي جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار ورزق الْعباد وهداهم فَهَذَا شرك وَقد كفر الله بِهِ الْمُشْركين حَيْثُ اتَّخذُوا من دونه شُفَعَاء وأولياء يستجلبون بهم الْمَنَافِع فَمن جعل الْمَلَائِكَة أَو غَيرهم أَرْبَابًا أَو وَاسِطَة يَدعُوهُم ويتوكل عَلَيْهِم ويسألهم أَو يسْأَل الله بهم غفران الذُّنُوب وهداية الْقُلُوب وتفريج الكربات وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَمن جعل الْمَشَايِخ من أهل الْعلم وَالدّين وسائط عَن الرَّسُول يبلغون الْأمة شرائع الرَّسُول وهديه فقد أصَاب وَقد قَالَ ﷺ الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وكل أحد يُؤْخَذ من كَلَامه وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَمن أثبتهم وسائط بِمَعْنى الْحجاب الَّذين بَين الْملك ورعيته بِحَيْثُ يكونُونَ هم يرفعون إِلَى الله حوائج خلقه فَهَذَا شرك وَكفر فصل وَأعظم نعْمَة أنعمها الله على الْعباد هِيَ الْإِيمَان وَهُوَ قَول وَعمل يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ والحسنات وَينْقص بالفسوق والعصيان فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان عملا للخير ازْدَادَ إيمَانه هَذَا هُوَ الايمان الْحَقِيقِيّ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ بل نعم الدُّنْيَا نعْمَة الدّين وَهل هِيَ نعْمَة أم لَا فِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا نعْمَة من وَجه وَإِن لم تكن نعْمَة تَامَّة من كل وَجه
следующие страницы →