Полный текст (633 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مَا اعتقدوا من أَن اللَّوْح هُوَ الْعقل الفعال وَأَن نفوس الْبشر تتصل بِهِ كَمَا يذكر ذَلِك أَصْحَاب رساذل إخْوَان الصفاء
وَقد يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي مثل جَوَاهِر الْقُرْآن والإحياء ويظن من لَا يعرف حَقِيقَة هَؤُلَاءِ وَلَا حَقِيقَة دين الْإِسْلَام أَن هَذَا من كَلَام أَوْلِيَاء الله المكاشفين وَلَا يعلم هَذَا الْجَاهِل أَن الفلاسفة الصوفين تَقوله فِي الْعقل الفعال وَأَن الْعلم السُّفْلى يفِيض عَنهُ وَأَنه فِي الْحَقِيقَة ربه ومدبره
وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُونَهُ فِي الْعُقُول الْعشْرَة من كَون كل عقل يفِيض عَنهُ مَا تَحْتَهُ وَهُوَ كفر بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَهَؤُلَاء يَأْخُذُونَ لب الصابئة ويكسونه لحى الْإِسْلَام وهم من جنس الْمَلَاحِدَة الْمُنَافِقين يلبسُونَ على الْمُسلمين وَإِن كَانَ مِنْهُم من قد تَابَ أَو تلبس عَلَيْهِ مَعَ أَن أصل الْإِيمَان مَعَه وَأَخْطَأ فِي بعض ذَلِك أخطاء قد يغفرها الله لَهُ
ويزعمون أَنه لم يسْجد لآدَم شئ من الْمَلَائِكَة وَأَن الشَّيَاطِين امْتَنعُوا عَن السُّجُود لَهُ لأَنهم يفسرون الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين بقوى النَّفس قوى الْخَيْر وَالشَّر ويجعلون كَلَام الله للأنبياء مَا يفِيض عَلَيْهِم من نفوس الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم وَمَلَائِكَته مَا يكون فِي نُفُوسهم من الأشكال النورانية
وَالْمَقْصُود أَنه يُوجد فِي عِبَارَات هَؤُلَاءِ إِطْلَاق اللَّوْح والقلم وَالْمَلَائِكَة وَنَحْو ذَلِك من عِبَارَات الْمُسلمين وَلَكِن المُرَاد بهَا عِنْدهم مَا هُوَ من دين الصائبة وَلَيْسَ من دين الْمُسلمين
فصل
أما الدُّعَاء بطول الْعُمر فقد كرهه الْأَئِمَّة وَكَانَ أَحْمد إِذا دَعَا لَهُ أحد بطول الْعُمر يكره ذَلِك وَيَقُول هَذَا أَمر قد فرغ مِنْهُ
وَحَدِيث أم حَبِيبَة رضى الله عَنْهَا لما طلبت امتاعها يُزَوّجهَا وأبيها وأخيها
стр. 247
فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة وآثار مبلوغة وأرزاق مقسومة
فَفِيهِ أَن الْعُمر لَا يطول بِهَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ الدُّعَاء فَقَط
وَقد تنَازع النَّاس فِي الدُّعَاء مُطلقًا
فَقَالَت طَائِفَة لَا فَائِدَة فِيهِ وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طاذفة من الْمُؤمنِينَ باشراذع قَالُوا إِنَّه عبَادَة مَحْضَة
وَقَالَ آخَرُونَ بل هُوَ أَمارَة وعلامة على حُصُول الْمَطْلُوب وكل هَذَا بَاطِل
بل الْحق أَنه من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله سَببا
وَالصَّوَاب أَن الله جعل فِي الْأَجْسَام القوى الَّتِي هِيَ الطباذع فَإِن من أهل الْإِثْبَات من أنكرها وَقَالَ إِن الله جعل الْآثَار عِنْدهَا لَا بهَا فيخلق الشِّبَع عِنْد الْأكل لَا بِهِ وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات﴾ وَفِي الْقُرْآن من هَذَا كثير
فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ جعل فِي الْأَجْسَام قوى مهيذة فَكَذَلِك الدُّعَاء من جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي خلقهَا وَالسَّبَب لَا يسْتَقلّ بالحكم وَلَا يُوجِبهُ بل قد يتَخَلَّف الحكم عَنهُ لمَانع فاذا كَانَ متوقفا على وجود أَسبَاب أخر وَانْتِفَاء مَوَانِع فَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يسْتَقلّ بالتأثير إِلَّا الله الَّذِي هُوَ خَالق كل شئ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فتعملون أَن خَالق الْأزْوَاج وَاجِد
وَقد بسطنا الْكَلَام فِي بطلَان مَا قَالَه المتفلسفون فِي أَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ رلا وَاحِد وَمَا ذَكرُوهُ من التَّرْتِيب الَّذِي وضعوه لخيالاتهم الْفَاسِدَة فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 248
فصل
لَا نعلم فِي الْقيام للمصحف شَيْئا مأثورا عَن السّلف
وَقد سُئِلَ أَحْمد عَن تقبيله فَقَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا وَلَكِن روى عَن عِكْرِمَة ابْن أبي جهل أَنه كَانَ يفتح الْمُصحف وَيَضَع وجهة عَلَيْهِ وَيَقُول كَلَام رَبِّي كَلَام رَبِّي
وَالسَّلَف وَإِن لم يكن من عَادَتهم قيام بَعضهم لبَعض رلا لمثل القادم من غيبَة وَنَحْو ذَلِك وَلم يكن أحد أحب إِلَيْهِم من رَسُول الله ﷺ وَلم يَكُونُوا يقومُونَ لَهُ لما يرَوْنَ فِي وجهة من كَرَاهَته لذَلِك
وَالْأَفْضَل للنَّاس اتِّبَاع السّلف فِي كل شئ
فَأَما إِذا اعتادوا الْقيام لبَعْضهِم بَعْضًا فقد يُقَال إِن تركُوا الْقيام للمصحف مَعَ تعود الْقيام لبَعْضهِم لم يَكُونُوا محسنين بل هم إِلَيّ الذَّم أقرب حَيْثُ يجب للمصحف من احترامه وتعظيمه مَا لَا يجب لغيره وَفِي ذَلِك تَعْظِيم حرمات الله وشعائره
وَقد ذكر بعض الْفُقَهَاء الْكِبَار قيام النَّاس للمصحف ذكر مقررا لَهُ غير مُنكر
وَأما جعله عِنْد الْقَبْر وَإِيقَاد الْقَنَادِيل هُنَاكَ فَهُوَ منهى عَنهُ وَلَو جعل للْقِرَاءَة هُنَاكَ فَكيف إِذا لم يقْرَأ فِيهِ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لعن الله زوارات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا السرج والمساجد وترتيب الذَّم على الْمَجْمُوع يقتضى أَن كل وَاحِد لَهُ تَأْثِير فِي الذَّم وَالْحرَام لَا يتَوَلَّد بالانضمام الْمُبَاح
وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر
стр. 249
وَجعل الْمُصحف عِنْد القر ليقْرَأ فِيهِ بِدعَة مُنكرَة لم يَفْعَلهَا السّلف بل يدْخل فِي معنى اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور وَلَا نزاع فِي النمهى عَن إتخاذها ماسجد
وَمَعْلُوم أَن الْمَسَاجِد بنيت للصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة
فصل
وَأما استفتاح الفأل بالمصحف فَلم ينْقل عَن السّلف فِيهِ شئ وَقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ
وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَن ابْن بطة فعله وَذكر عَن غَيره أَنه كرهه
وَإِنَّمَا كَانَ الفال أَن تسمع نَحْو يَا بُرَيْدَة قَالَ يَا أَبَا بكر يرد أمرنَا
وَأما الطَّيرَة فَأن يكون قد بَدَأَ فِي فعل أَمر أَو عزم عَلَيْهِ فَيسمع كلمة مَكْرُوهَة مثل مَا يتم فيتركه فَهَذَا منهى عَنهُ
وَالَّذِي يَنْبَغِي الاستخارة الَّتِي علمهَا النَّبِي ﷺ أمته لم يَجْعَل الفأل والطيرة أمرا باعثا عَليّ شئ من الْفِعْل أَو التّرْك وَإِنَّمَا يأتمر وينتهى بذلك أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين يستقسمون بالأزلام
وَقد حرم الله الاستقسام بهَا كالضرب بالحصا وَالشعِير واللوح والخشب وَالْوَرق الكتوب عَلَيْهِ حُرُوف أبجد وأبيات شعر وَنَحْو ذَلِك منهى عَنهُ لِأَنَّهَا من أَسبَاب الاستقسام بالازلام
فصل
فِيمَن قَالَ لَا بُد لنا من وَاسِطَة بَيْننَا وَبَين الله تَعَالَى
فَإِذا أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد من وَاسِطَة تبلغه أَمر الله وَنَهْيه فَهَذَا حق لَا بُد للنَّاس من رَسُول يبلغ عَن الله أمره وَنَهْيه وَيُعلمهُم دين الله الَّذِي تعبدهم بِهِ
стр. 250
فَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْملَل وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع
وَإِن أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد مِنْهُ فِي جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار ورزق الْعباد وهداهم فَهَذَا شرك
وَقد كفر الله بِهِ الْمُشْركين حَيْثُ اتَّخذُوا من دونه شُفَعَاء وأولياء يستجلبون بهم الْمَنَافِع
فَمن جعل الْمَلَائِكَة أَو غَيرهم أَرْبَابًا أَو وَاسِطَة يَدعُوهُم ويتوكل عَلَيْهِم ويسألهم أَو يسْأَل الله بهم غفران الذُّنُوب وهداية الْقُلُوب وتفريج الكربات وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن جعل الْمَشَايِخ من أهل الْعلم وَالدّين وسائط عَن الرَّسُول يبلغون الْأمة شرائع الرَّسُول وهديه فقد أصَاب وَقد قَالَ ﷺ الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء
وكل أحد يُؤْخَذ من كَلَامه وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَمن أثبتهم وسائط بِمَعْنى الْحجاب الَّذين بَين الْملك ورعيته بِحَيْثُ يكونُونَ هم يرفعون إِلَى الله حوائج خلقه فَهَذَا شرك وَكفر
فصل
وَأعظم نعْمَة أنعمها الله على الْعباد هِيَ الْإِيمَان وَهُوَ قَول وَعمل يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ والحسنات وَينْقص بالفسوق والعصيان فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان عملا للخير ازْدَادَ إيمَانه
هَذَا هُوَ الايمان الْحَقِيقِيّ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾
بل نعم الدُّنْيَا نعْمَة الدّين
وَهل هِيَ نعْمَة أم لَا فِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم
وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا نعْمَة من وَجه وَإِن لم تكن نعْمَة تَامَّة من كل وَجه
стр. 251
وَأما الإنعام بِالدّينِ من فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور فَهُوَ الْخَيْر كُله وَهُوَ النِّعْمَة الْحَقِيقِيَّة عِنْد أهل السّنة إِذْ عِنْدهم أَن الله هُوَ الَّذِي أنعم بِالْخَيرِ كُله
والقدرية عِنْدهم أَنه إِنَّمَا أنعم بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهِي صَالِحَة للضدين فَقَط
فصل
قد حرم الله تَعَالَى على العَبْد أَن يسْأَل العَبْد مَسْأَلَة إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَإِن كَانَ إِعْطَاء السَّائِل مستحيا فَمن طلب من غَيره وَاجِبا أَو مُسْتَحبا كَانَ قَصده مصلحَة المسؤل أَو مصلحَة نَفسه فَهُوَ مثاب عَليّ ذَلِك
فَإِن قصد حُصُول مَطْلُوبه من غير قصد بِحُصُول النَّفْع للمسؤل فَهَذَا من نَفسه أَتَى
وَمثل هَذَا السُّؤَال لَا يَأْمر الله بِهِ قطّ إِذْ هُوَ سُؤال مَحْض الْمَخْلُوق من غير قصد لنفعه وَالله يَأْمُرنَا أَن نعبده وَحده ويأمرنا أَن نحسن إِلَيّ عبَادَة وَهَذَا لم يقْصد لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَلم يقْصد الرَّغْبَة إِلَى الله وَلَا إِلَى دُعَائِهِ وَلَا قصد الْإِحْسَان إِلَى عبَادَة الَّذِي هُوَ الزَّكَاة وَإِن كَانَ قد لَا يَأْثَم بِمثل هَذَا السُّؤَال لَكِن فرق بَين مَا يُؤمر العَبْد بِهِ وَبَين مَا يُؤذن لَهُ فِيهِ
أَلا ترى أَن السّبْعين ألفا الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِلَا حِسَاب هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَإِن كَانَ من الاسترقاء مَا هُوَ جَائِز
فصل
والإله هُوَ الَّذِي تألهه الْقُلُوب بِكَمَال الْمحبَّة والتعظيم والإجلال والرجاء وَالْخَوْف وَمَعَ علم الْمُؤمن أَن الله رب كل شئ ومليكه فَلَا يُنكر مَا خلقه الله من الْأَسْبَاب فَيَنْبَغِي أَن يعرف فِي الْأَسْبَاب ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَن السَّبَب الْمعِين لَا يسْتَقلّ بالمطلوب بل لَا بُد مَعَه من أَسبَاب أخر وَمَعَ هَذَا فلهَا مَوَانِع
стр. 252
الثَّانِي لَا يجوز أَن يعْتَقد أَن الشئ سَبَب لَا يعلم فَمن أثبت سَببا بِلَا علم أَو بِخِلَاف الشَّرْع كَانَ مُبْطلًا كمن يظنّ أَن النّذر سَبَب فِي رفع الْبلَاء
الثَّالِث أَن الْأَعْمَال الدِّينِيَّة لَا يجوز أَن يتَّخذ شئ مِنْهَا سَببا للدنيا إِلَّا أَن تكون مَشْرُوعَة فَإِن الْعِبَادَة مبناها على الإذان من الشَّارِع فَلَا يجوز أَن يُشْرك بِاللَّه فيدعو غَيره وَإِن ظن أَن ذَلِك سَبَب فِي حُصُول بعض أغراضه
وَكَذَلِكَ لَا يعبد الله بالبدع وَإِن ظن فِي ذَلِك ثَوابًا فَإِن الشَّيْطَان قد تعين الْإِنْسَان على بعض مقاصده إِذا أشرك وَقد يحصل لَهُ بالْكفْر وَالْفِسْق والعصيان بعض أغراضه فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك
فصل
الْعَذَاب أَو النَّعيم فِي البرزخ هَل هُوَ على الرّوح فَقَط أَو على الْبدن فَقَط أَو عَلَيْهِمَا فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال للْمُسلمين
وَهل يجب أَن يكون على كل بدن أَو لبَعض الْأَشْخَاص وَفِي بعض الْأَحْوَال على قَوْلَيْنِ
فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان وَتَفَرَّقَتْ أوصاله بتحريق أَو أكل سبع وَلم يبْق لَهُ أثر كَيفَ يضغطه الْقَبْر وَكَيف ينعم أَو يعذب
فَمن قَالَ إِن ذَلِك عَليّ روح لَا يرد عَلَيْهِ
وَمن قَالَ إِنَّه على الْبدن أَو على الرّوح وعَلى الْبدن أَو هُوَ مُخْتَصّ بِبَعْض النَّاس لَا يرد عَلَيْهِ أَيْضا
وَمن قَالَ إِنَّه عَام فَلهم فب الْأَبدَان قَولَانِ
أَحدهمَا أَن الله يُوصل ذَلِك إِلَى جُزْء من الْبدن وَهُوَ الْجَوْهَر الْفَرد
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْبدن يبْلى إِلَّا عجب الذَّنب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح فالنعيم وَالْعَذَاب يتَّصل إِلَيْهِ مَعَ الرّوح
وَتعلق الرّوح بِالْبدنِ بعد الْمَوْت نوع آخر وَالْعَذَاب أَنْوَاع قد شَاهده فِي
стр. 253
زَمَاننَا غير وَاحِد وَسمع أَصْوَاتهم وَلِهَذَا إِذا أصَاب الْخَيل مغل قربت من قُبُور الْكفَّار فيزول عَنْهَا لما تسمعه فتفزع فينحل بَطنهَا كَمَا يحصل للخائف فَإِن الْفَزع يحل الْبَطن
فصل
والمعاصى فِي الْأَيَّام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ وَالْعِقَاب عَلَيْهَا على قدر ذَلِك الْمَكَان وَالزَّمَان
وَلَا يجوز كِتَابَة الْقُرْآن حَيْثُ يهان كَمَا لَو كتب عَليّ نصيبة قبر تبول عَلَيْهِ الْكلاب ويدوسه النَّاس كَمَا لَا يجوز أَن يُسَافر بِهِ إِلَيّ أَرض الْعَدو فتجنب إِزَالَته وَإِزَالَة مَا كتب فِيهِ من مَوضِع الإهانة بالِاتِّفَاقِ
مَسْأَلَة وَالله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أَن يجمع بَين أحد من أَعلَى الْجنَّة أنزلهُ إِلَى الْأَسْفَل
وَقَالَ رجل للنَّبِي ﷺ إِنِّي أحبك مَا أَسْتَطِيع أَن أَصْبِر عَنْك وَإنَّك فِي أَعلَى الْجنَّة فَلَا أَرَاك فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾
وإبليس لعنة الله يعذب بالنَّار هُوَ وَذريته وَإِن كَانَ من نَار فالإنسان مَخْلُوق من صلصال لَو ضرب بالصلصال لقَتله وَالله أعلم
стр. 254
كتاب الزَّكَاة
إِذا خلف مورث مَالا من إبل أَو غنم أَو غَيرهَا فِيهِ شئ حرَام من غصب أَو غَيره لَا يعرفهُ الْوَارِث عينا يعرف مَالِكه أَو لَا يعرفهُ وَقدر نصيب الْحَرَام غير مَعْرُوف
فَإِنَّهُ ينصفه نِصْفَيْنِ نصفه لهَذِهِ الْجِهَة وَنصفه لهَذِهِ الْجِهَة كَمَا فعل عمر بن الْخطاب ﵁ فِي مشاطرة الْعمَّال أَمْوَالهم لما تبين لَهُ أَن فِي مَالهم شَيْئا من بَيت المَال وَمَا هُوَ خَالص لَهُم وَلم يتَبَيَّن الْقدر فَجعل عمر أَمْوَالهم نِصْفَيْنِ وَلِأَنَّهُ مَال مُشْتَرك وَالشَّرِكَة الْمُطلقَة تقتضى التَّسْوِيَة
وَلَا تجوز الْقرعَة ووقف الْأَمر إِضَاعَة للحقوق
وَالْقَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِالْقِسْمَةِ تَارَة والقرعة تَارَة وإنفاقها فِي الْمصَالح تَارَة خير من حَبسهَا بِلَا فَائِدَة
وَقَالَت طَائِفَة تجب الزَّكَاة فِي خمس من الْبَقر كالاإبل وَرووا فِيهِ أثرا فَقَالُوا هَذَا آخر الْأَمريْنِ
فصل
وَقَوله ﷺ مَا من صَاحب إبل لَا يُؤدى حَقّهَا
يُرَاد بِالْحَقِّ الزَّكَاة وَيُرَاد بِهِ مَا يجب من غير الزَّكَاة مثل الْإِعْطَاء فِي النوائب لِابْنِ السَّبِيل والمسكين وذى الرَّحِم
وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا لأجل ابْن السَّبِيل وَنَحْوهم فَإِنَّهُم يَقْعُدُونَ عَليّ المَاء
فَإِن إطْعَام الْمُحْتَاج وسقيه فرض كِفَايَة
وَأما مَا يَأْخُذهُ الْعداد فان كَانَ هُوَ من أهل الزَّكَاة أَجْزَأت عَن صَاحبهَا
стр. 255
عِنْد الْأَئِمَّة وَإِن كَانَ من الكلف الَّتِي وَضعهَا الْمُلُوك فَإِنَّهَا لَا تُجزئ عَن الزَّكَاة
وَمن أنكر زَكَاة السَّائِمَة وَجَبت استتابته
فصل
الإقطاع الْيَوْم إقطاع استغلال لَيْسَ لَهُ بَيْعه وَلَا وهبته بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلَا ينْتَقل إِلَيّ ورثته بِخِلَاف مَا كَانَ فِي العصور الأولى
وَمَا يَأْخُذهُ الْجند لَيْسَ أُجْرَة للْجِهَاد لِأَنَّهُ لَو كَانَ أُجْرَة كَانَ لفعل الْجِهَاد وَإِنَّمَا عَلَيْهِم أَن يقاتلوا فِي سَبِيل الله لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَيكون الدّين كُله لله وأجرهم عَليّ الله فَإِن الله تَعَالَى اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة
والاقطاع يأخذونه معاونة لَهُم وَرِزْقًا لنفقة عِيَالهمْ ولأقامة الْخَيل وَالسِّلَاح وَفِي الحَدِيث مثل الَّذِي يَغْزُو من أمتى فِي سَبِيل اله مثل أم مُوسَى ترْضع ابْنهَا وَتَأْخُذ أجرهَا فهى ترْضِعه لما فِي قَلبهَا عَلَيْهِ من الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة لَا لأجل أجرهَا كَذَا الْمُجَاهِد ويغزو لما فِي قلبه من الْإِيمَان بِاللَّه وَالدَّار الْآخِرَة لَا لأجل المَال
وَإِذا كَانَ الله قد أَمر الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَغَيرهم أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَأوجب عَلَيْهِم عشر أَمْوَالهم من الْخَارِج من الأَرْض فَكيف لَا يجب على من يعْطى مَالا ليجاهد وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ من جهز غازيا فقد غزا وَمن خَلفه فِي أَهله فقد غزا فَالَّذِي يعْطى الْمُجَاهِد يكون مُجَاهدًا بِمَالِه والمجاهد يُجَاهد بِنَفسِهِ وَأجر كل وَاحِد مِنْهُمَا على الله لَا ينقص أَحدهمَا من الآخر شَيْئا وَلم يكن هَذَا أَجِيرا لهَذَا
وَلَو أعْطى رجل من الْمُسلمين رجلا أَرضًا يستغلها وَيكون هُوَ يُجَاهد فِي سَبِيل الله لوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْعشْر وَلم يسْقط لأجل الْجِهَاد فَإِن الإقطاع أولى
стр. 256
وَولى الْأَمر لَا يعطيهم من مَاله وَإِنَّمَا يقسم بَينهم حَقهم كَمَا يقسم التَّرِكَة بَين الْوَرَثَة وَلِهَذَا يجوز لَهُم إجَازَة كَمَا يجوز لأهل الْوَقْف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾
فَمن قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُور نَصره الله على عدوه
فعلى كل من أنبت الله لَهُ زرعا الْعشْر سَوَاء كَانَ بِأَرْض مصر أَو غَيرهَا من كمالك ومستأجر ومقطع ومستعير
وَكَذَلِكَ التَّمْر وَالزَّبِيب وَنَحْوه مِمَّا تجب فِيهِ لزكاة فَلَا تخلى الأَرْض من عشر أَو خراج بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَلَكِن اخْتلفُوا هَل يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج الَّذِي هُوَ خراج الاسلام
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا وَقَالَ الْبَاقُونَ نعم
وَالْأَرْض الخراجية عِنْد أبي حنيفَة هِيَ الَّتِي يملكهَا صَاحبهَا وَعَلِيهِ فِيهَا الْخراج وَله بيعهَا وهبتها وتورث عَنهُ
فَمن قَالَ إِن أَرض مصر الْيَوْم لَا عشر عَلَيْهَا عِنْد أبي حنيفَة فقد أَخطَأ لِأَن الْجند لَا يملكونها وَلَا الفلاحون وَلم يضْرب على المقطع خراج فِي خدمته
وَإِذا تركت الأَرْض الْمَمْلُوكَة بِلَا عشر ولاخراج كَانَ هَذَا مُخَالفا لإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن أفتى بخلو هَذِه الأَرْض عَن الْعشْر وَالْخَرَاج يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَمن زعم أَن الْجِهَاد هُوَ عوض الْخراج فقد أَخطَأ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنهم لَا يملكُونَ الْخراج بل تنَازع النَّاس فِي إجَازَة الإقطاع حَتَّى ظن طوائف من الحنيفة وَغَيرهم أَنه لَا يُؤجر لِأَن المقطع لم يملك الْمَنْفَعَة بِنَفسِهِ وَالْأَرْض الخراجية يؤجرها من عَلَيْهِم الْخراج بِالْإِجْمَاع
الثَّانِي أَن مَا يعطاه الجندي من الرزق لَيْسَ خراجا عَلَيْهِم وَلَا أُجْرَة للْجِهَاد
стр. 257
بل هم أعظم الْمُسْتَحقّين وَغَيره من أصُول الفئ والفئ إِمَّا أَن يختصوا بِهِ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَإِمَّا أَن يَكُونُوا من أَحَق الْمُسلمين بِهِ فَكيف يكون الْخراج مأخوذا مِنْهُم
وَقَول الْقَائِل الامام أسقط عَنْهُم الْخراج لكَوْنهم من الْمُقَاتلَة فصاروا كَأَنَّهُمْ يؤدونه
يُقَال لَهُ هَذَا لَا يسْقط الزَّكَاة لِأَن إقطاعهم إِيَّاهَا لأجل أَن يستغلوها بِلَا خراج وَلَو كَانَ كالخراجية لجازلهم بيعهَا وَالَّذِي تنقل إِلَيْهِ إِمَّا أَن يُؤدى خراجهات أَو يسْقط عَنهُ الْخراج إِن كَانَ من الْمُقَاتلَة فَأَما مَا لم يكن لَهُم ذَلِك علم أَنه لَا خراج عَلَيْهِم
وَلَو اسْتَأْجر الْمُجَاهِد أَرضًا كَانَ عَلَيْهِ الْعشْر عِنْد الْجُمْهُور وَعَلِيهِ الْأُجْرَة لرب الأَرْض وَهُوَ قَول صَاحِبي أبي حنيفَة
وَأَبُو حنيفَة يَقُول الْعشْر على الْمُؤَجّر فَلَا يجْتَمع عِنْده الْأُجْرَة وَالْعشر
وَأَبُو حنيفَة أسقط الْعشْر عَمَّن عَلَيْهِ الْخراج قَالَ لِأَن كِلَاهُمَا حق وَجب بِسَبَب الأَرْض والمقطع لم يُعْط شَيْئا غير مَا أعد نَفسه لَهُ من الْقِتَال
أَلا ترى أَنه لَو أَخذ بعض الْمُسلمين أَرضًا خَرَاجِيَّة كَانَ عَلَيْهِ الْعشْر مَعَ الْجِهَاد يُوضح ذَلِك أَن الأَرْض لَو كَانَت عشرِيَّة وَصَارَت لبيت المَال بطرِيق الْإِرْث فأقطعها السُّلْطَان لمن يستغلها من المقالتة فَهَل يكون ذَلِك مسْقطًا للعشر فَمن يَجْعَل الاقطاع اسْتِئْجَار يَجْعَل الْمُجَاهدين بِمَنْزِلَة من يستأجره الإِمَام للعمارة والفلاحة يَقُول إِذا كَانَ الْخراج على شخص فاعتاض عَنهُ الإِمَام بِبَعْض هَذِه الاعمال كَانَت الأَرْض خَرَاجِيَّة
وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِنَّهُ يخرج الْجِهَاد عَن أَن يكون قربَة وَطَاعَة وَيجْعَل الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله بِمَنْزِلَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى استؤجروا الْعِمَارَة وصنعة سلَاح وَالْفُقَهَاء متفقون على الْفرق بَين الِاسْتِئْجَار عَليّ الْقرب وَبَين رزق أَهلهَا
стр. 258
فرزق الْمُقَاتلَة والقضاة المؤذنين وَالْأَئِمَّة جاذز بِلَا نزاع وَأما الِاسْتِئْجَار فَلَا يجوز عِنْد أَكْثَرهم لَا سِيمَا أَوب حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَإِن جوزوه على الْإِمَامَة فَإِنَّهُ لَا يجوز عَليّ الْجِهَاد لِأَنَّهُ يصير مُتَعَيّنا
فَهَؤُلَاءِ غلطوا على الْأَئِمَّة عُمُوما وعَلى أبي حنسفة خُصُوصا
فصل
يجوز أَن توكل من يقبض لَهُ شَيْئا من الزَّكَاة مَا تيَسّر وَإِن كَانَ مَجْهُولا وَلَا مَحْذُور فِيهِ
وَإِن اسْتَأْجر أَرضًا فَعِنْدَ انْعِقَاد الْحبّ أمْطرت السَّمَاء حِجَارَة أهلكت زرعه قبل حَصَاده سقط الْعشْر وَفِي وجوب الْأُجْرَة نزاع
الْأَظْهر أَنه إِن لم يكن تمكن من اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة بِالْعقدِ فَلَا أُجْرَة
فصل
لَا يَنْبَغِي أَن تُعْطى الزَّكَاة لمن لَا يَسْتَعِين بهَا على طَاعَة الله فان الله فَرضهَا مَعُونَة عَليّ طَاعَته فَمن لَا يصلى لَا يعْطى حَتَّى يَتُوب ويلتزم بأَدَاء الصَّلَاة
وَمَا يُؤْخَذ من التُّجَّار بِغَيْر اسْم الزَّكَاة من الْوَظَائِف السُّلْطَانِيَّة فَلَا يعْتَبر من الزَّكَاة
وَأما مَا يُؤْخَذ باسم الزَّكَاة فَفِيهِ نزاع وَالْأولَى إِعَادَتهَا إِذا غلب على الظَّن أَنَّهَا لَا تصرف إِلَى مستحقيها وَإِذا أَخذ ولى الْأَمر الْعشْر أَو زَكَاة التِّجَارَة فصرفها فِي مصرفها أَجْزَأت بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَأما إِذا كَانَ ولى الْأَمر مِمَّن يتَعَدَّى فِي صرفهَا فَالْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَنه يجزى أَيْضا كَمَا نقل ذَلِك عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
стр. 259
فصل
إِذا زرع الجندي إقطاعة فَعَلَيهِ فِيهِ الزَّكَاة
وَمذهب ساذر الْأَئِمَّة أَنه لَا بُد فِي الأَرْض من عشر أَو خراج وَهل يَجْتَمِعَانِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا فَلَو كَانَ على مصر خراج كَمَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام كَانَ فِي وجوب الْعشْر عَلَيْهَا نزاع فَأَما الْيَوْم فَلَا خراج عَلَيْهَا لِأَن الأَرْض الخراجية عِنْد أبي حنيفَة هِيَ الَّتِي يملكهَا صَاحبهَا وَعَلِيهِ خراجها وَهُوَ لخراج الَّذِي ضربه عمر على مَا فتح من الأَرْض عنْوَة وأقراها فِي أَيدي أَرْبَابهَا بالخراج الَّذِي ضربه
فَأَما الْجند فَلَا يملكُونَ الأَرْض الْيَوْم فَلَا خراج عَلَيْهِم فَيكون عَلَيْهِم الْعشْر بِلَا نزاع
لَكِن لَو اسْتَأْجرهَا رجل وزرعها فالعشر على الْمُسْتَأْجر صَاحب الزَّرْع عِنْدهم إِلَّا أَبَا حنيفَة فَقَالَ على رب الأَرْض الْمُؤَجّر لَهَا
فصل
دفع الزَّكَاة إِلَى الْوَالِد لَا يجوز عِنْد الْأَئِمَّة المتبوعين فِي الْمَشْهُور عَنْهُم إِلَّا إِذا أَخذهَا لكَونه غارما لإِصْلَاح ذَات الْبَين أَو للْجِهَاد وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ مصلحَة للْمُسلمين وَأما إِذا كَانَ غارما فِي مصلحَة نَفسه فَفِيهِ خلاف وجوازه قوي متحبه ويدفعها إِلَيّ أبنائه إِن كَانَ عَاجِزا عَن نَفَقَتهم فِي قَول بَعضهم
وَإِن دَفعهَا إِلَيّ غَرِيمه وشارطه أَن يُوفيه إِيَّاهَا فَلَا يجوز وَإِن قصد ذَلِك من غير شَرط فَفِيهِ نزاع
وَإِن دَفعهَا لَا تجب عَلَيْهِ نَفَقَة من هم فِي عِيَاله فيعطيهم مَا لم تجر عَادَتهم بانفاقه من مَاله وَإِن أَعْطَاهُم مَا هومعتاد إِنْفَاقه من مَاله فَفِيهِ نزاع والمأثور عَن ابْن عَبَّاس ﵄ الْمَنْع
وَذكر أَحْمد ﵁ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ كَانَ القماء رَحِمهم الله
стр. 260
يَقُولُونَ لَا يحابي بهَا قَرِيبا وَلَا يدْفع بهَا مذلة وَلَا مذمة وَلَا يقى بهَا مَاله وَالله أعلم
فصل
فِي المَال حُقُوق سوى الزَّكَاة مثل صلَة الرَّحِم من النَّفَقَة الْوَاجِبَة وَحمل الْعقل عَن الْمَعْقُول عَنهُ وَاجِب بِالْإِجْمَاع وَمثل إطْعَام الجاذع وَكِسْوَة العارى وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ فرض كِفَايَة فَمن غلب ظَنّه أَن غَيره لَا يقوم بذلك تعين عَلَيْهِ
وَمثل الْإِعْطَاء فِي النواذب مثل النَّفَقَة فِي الْجِهَاد وقرى الضَّيْف فَهُوَ وَاجِب بِالسنةِ الصَّحِيحَة
فصل
كل مَا أعد للتِّجَارَة من مَاء وحطب وَغَيره فَفِيهِ الزَّكَاة وَمَا أعد للكراء كالقدور وَالْجمال وَالْعَقار وَغَيرهَا فَفِيهِ نزاع فِي مَذْهَبنَا وَغَيره
وَمن السّلف من يُوجب الزَّكَاة فِي الْمعد للكراء إِذا قبض الْأُجْرَة
فصل
إِذا اشْترى من قبض الزَّكَاة ليدفعها إِلَى أَهلهَا عقارا وَنَحْوه فَإِن عَلَيْهِ أَن يُؤدى إِلَى الثَّمَانِية الْأَصْنَاف مِقْدَار الَّذِي قَبضه وَمَا حصل من نَمَاء يقسمهُ بَينه وَبينهمْ
وَإِذا منع بَنو هَاشم حَقهم من الْخمس فَلَا يجوز لَهُم أَخذ الصَّدَقَة إِلَّا عِنْد بعض الْمُتَأَخِّرين وَلَيْسَ هُوَ قولا لأحد المتبوعين
فصل
إِذا فرط الْإِنْسَان وَلم يخرج الزَّكَاة حَتَّى مَاتَ فعلى الْوَرَثَة الْإِخْرَاج عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَكَذَلِكَ كل حق لله
وَعند غَيرهمَا لَا يجب عَليّ الْوَرَثَة مَعَ أَنه يعذب بِتَرْكِهِ الزَّكَاة
стр. 261
وَأما إِذا مَاتَ الْمَيِّت وَله غُرَمَاء مديونون لم يسْتَوْف مِمَّا عَلَيْهِم شَيْئا فَهَل مطالبتهم للْمَيت أَو للْوَرَثَة اضْطر فِيهِ النَّاس
وَالصَّوَاب إِن كَانَ الْحق مظالم لم يتَمَكَّن هُوَ وَلَا ورثته من استيفائها من قَود أَو قذف أَو غصب فَهُوَ المطالب
وَإِن كَانَ دينا ثَبت بِاخْتِيَارِهِ وَتمكن من استيفاذه فَلم يستوفه حَتَّى مَاتَ فورثته تطالب بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَإِن كَانَ دينا عجز عَن استيفاذه هُوَ وورثته فالأشبه أَنه هُوَ الَّذِي يُطَالب بِهِ فَإِن الْعَجز إِذا كَانَ ثَابتا فِيهِ وَفِي الْوَارِث وَلم يتَمَكَّن أَحدهمَا من الِانْتِفَاع بذلك فِي الدُّنْيَا لم يدْخل فِي الْمِيرَاث فَيكون الْمُسْتَحق أَحَق بِحقِّهِ فِي الْآخِرَة كَمَا فِي الْمَظَالِم وَالْإِرْث مَشْرُوط بالتمكن من الِاسْتِيفَاء كَمَا أَنه مَشْرُوط بِالْعلمِ بالوارث
فَلَو مَاتَ لَهُ عصبَة بعيدَة لَا يعرف نسبهم لم يرثوه لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَهَذَا عَام فِي جَمِيع الْحُقُوق الَّتِي لله ولعباده هِيَ مَشْرُوطَة بالتمكن من الْعلم وَالْقُدْرَة والمجهول والمعجوز عِنْد كالعدوم
وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء إِن مَا يجهل مَالِكه من الْأَمْوَال الَّتِي قبضت بِغَيْر حق كالمكوس أَو قبضت بِحَق كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِية وَجَهل صَاحبهَا بِحَيْثُ تعذر ردهَا إِلَيْهِ فَإِنَّهَا تصرف فِي مصَالح الْمُسلمين وَتَكون حَلَالا لمن أَخذهَا بِحَق كَأَهل الْحَاجة والاستعانة بهَا على مصَالح الْمُسلمين دون من أَخذهَا بباطل كمن يَأْخُذ فَوق حَقه
ثمَّ الْمَظْلُوم إِذا طَالب بهَا يَوْم الْقِيَامَة وَعَلِيهِ زَكَاة فَلَا تقوم هَذِه بِالزَّكَاةِ بل عُقُوبَة الزَّكَاة أعظم من حَسَنَة الْمَظَالِم والوعيد بترك الزَّكَاة عَظِيم
وَلَكِن الَّذِي ورد أَن الفرذض تجبر بالنوافل فَهَذَا إِذا تصدق بِاخْتِيَارِهِ صَدَقَة تطوع لَا يكون شَيْئا خرج بِغَيْر اخْتِيَاره فَإِنَّهُ يرجي لَهُ أَن يُحَاسب بِمَا
стр. 262
تَركه من الزَّكَاة إِذا كَانَ من أَهلهَا العازمين عَليّ فعلهَا
وَأول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة فَإِن أكملها وإلاقيل انْظُرُوا إِن كَانَ لعبدي تطوع فيكمل بهَا فريضته ثمَّ الزَّكَاة كَذَلِك ثمَّ تُؤْخَذ الْأَعْمَال على حِسَاب ذَلِك روى ذَلِك أَحْمد فِي الْمسند
وَهَذَا لِأَن التَّطَوُّع من جنس الْفَرِيضَة فَأمكن الْجبرَان بِهِ عِنْد التَّعَذُّر كَمَا قَالَ الصّديق ﵁ إِن الله لَا يقبل نَافِلَة حَتَّى تُؤدِّي الْفَرِيضَة
فَيكون من رَحْمَة الله بِهِ أَن يَجْعَل النَّفْل مثل الْفَرْض بِمَنْزِلَة من أحرم بِالْحَجِّ تَطَوّعا وَعَلِيهِ فَرْضه فَإِنَّهُ يَقع عَن فَرْضه عِنْد طاذفة كالشافعي وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَكَذَلِكَ فِي رَمَضَان عِنْد أبي حنيفَة وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَكَذَلِكَ من شكّ هَل وَجب عَلَيْهِ غسل أَو وضوء بحذث أم لَا فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ غسل
وَكَذَلِكَ الْوضُوء عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء لَكِن يسْتَحبّ لَهُ التطهر احْتِيَاطًا وَإِذا فعل ذَلِك وَكَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر أَجْزَأَ عَنهُ لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا
وَكَذَلِكَ الشَّارِع جعل عمل الْغَيْر عَنهُ يقوم مقَام فعله فِيمَا عجز عَنهُ مثل من وَجب عَلَيْهِ الْحَج وَهُوَ معضوب أَو مَاتَ وَلم يحجّ أَو نذر صوما أَو غَيره وَمَات قبل فعله فعله عَنهُ وليه فقد قَالَ ﷺ دين أَحَق بِالْقضَاءِ أَي أَحَق أَن يسْتَوْفى من وَارِث الْغَرِيم لِأَنَّهُ أرْحم من الْعباد فَهَذَا تشهد لَهُ الْأُصُول أما أَن يعْتد لَهُ بِالدّينِ عَليّ النَّاس مَعَ كَونه لم يخرج الزَّكَاة فَلَا يَصح
نعم لَو كَانَ للنَّاس عَلَيْهِ مظالم أَو دُيُون بِقدر مَاله عِنْد النَّاس كَانَ يسوغ أَن يُقَال يُحَاسب بذلك فَيُؤْخَذ حَقه من هَذَا وَيصرف إِلَى هَذَا كَمَا يفعل فِي الدُّنْيَا بالمدين الَّذِي لَهُ وَعَلِيهِ
стр. 263
وكل هَذَا من حكم الْعدْل بَين الْعباد وَلَا يظلم رَبك أحدا
فصل
لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَيّ الْوَالِدين رلا إِذا غرموا أَو كَانُوا مكاتبين فِي وَجه وَالْأَظْهَر الْجَوَاز
وَأما إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَهُوَ عَاجز عَن نفقتهما فالأقوى جَوَازه فِي هَذِه الْحَال
والأحوة أولى فَإِن اسْتَووا فالقرابة أولي من الْأَجْنَبِيّ
فصل
إِذا أعْطى الْوَرَثَة من لَهُ دين على مُورثهم إِن كَانَ مُسْتَحقّا لِلزَّكَاةِ دَرَاهِم أَجْزَأَ بِلَا ريب وَأما إِذا أَعْطوهُ الْقيمَة فَفِيهِ نزاع هَل يجوز مُطلقًا أَو لَا يجوز مُطلقًا أَو يجوز فِي بعض الصُّور للْحَاجة أَو الْمصلحَة الراجحة على ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهَذَا القَوْل هُوَ أعدل الْأَقْوَال
فَإِن كَانَ آخذ الزَّكَاة يُرِيد أَن يشترى هبا كسْوَة فَاشْترى رب المَال لَهُ بهَا كسْوَة وَأَعْطَاهُ فقد أحسن إِلَيْهِ وَأما إِذا قوم هُوَ الثِّيَاب الَّتِي عِنْده وَأَعْطَاهَا إِيَّاه فقد يقومها بِأَكْثَرَ من السّعر وَقد يَأْخُذ الثِّيَاب من لَا يحْتَاج إِلَيْهَا بل يَبِيعهَا فَيغرم أُجْرَة المادى وَرُبمَا خسرت فَيكون فِي ذَلِك ضَرَر عَليّ الْفُقَرَاء
والأصناف الَّتِي يتجر فِيهَا يجوز أَن يخرج عَنْهَا جميعاض دَرَاهِم بِالْقيمَةِ فَإِن لم يكن عِنْده دَرَاهِم فَأعْطى مقدارها من جنس مَا يتجر فِيهِ فَالْأَظْهر أَنه يجوز لِأَنَّهُ واسى الْفُقَرَاء فَأَعْطَاهُمْ من جنس مَاله
وَأما الدّين الَّذِي عَليّ الْمَيِّت فَيجوز أَن يُوفى من الزَّكَاة فِي أحد فولى الْعلمَاء وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿والغارمين﴾ وَلم يقل وللغارمين فالغارم لَا يشْتَرط تَمْلِيكه على هَذَا وَعلي هَذَا يجوز الْوَفَاء عَنهُ وَأَن يملك لوَارِثه وَلغيره وَلَكِن الَّذِي عَلَيْهِ الدّين لَا يعْطى ليوفى دينه وَالله أعلم
стр. 264
فصل
وَالْمَرْأَة يكون لَهَا صَدَاقهَا عِنْد زَوجهَا تمر عَلَيْهِ السنون المتوالية لَا يُمكنهَا أَن تطالبه بِهِ لِئَلَّا تقع الْفرْقَة بَينهمَا فيعوضها عَن صَدَاقهَا بعقار أَو يدْفع لَهَا الصَدَاق جملَة بعد مُدَّة من السنين فَهَل عَلَيْهَا فِيهِ الزَّكَاة السنين الْمَاضِيَة بِمُجَرَّد قبضهَا لَهُ أم إِلَى أَن يحول عَلَيْهِ الْحول من حِين قَبضته
هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا للْعُلَمَاء أَقْوَال
قيل يجب تَزْكِيَة السنين الْمَاضِيَة سَوَاء كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا أَو مُعسرا كَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَقد نَصره طاذفة من أصحابهما
وَقيل تجب مَعَ يسَاره وتمكنها من قَبضه دون مَا إِذا لم يُمكن تمكينها من الْقَبْض كالقول الآخر فِي مَذْهَبهمَا
وَقيل تجب لسنة وَاحِدَة كَقَوْل مَالك وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَقيل لَا تجب بِحَال كَقَوْل أبي حنيفَة وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وأضعف الْأَقْوَال قَول من يُوجِبهَا لسنين الْمَاضِيَة حتي مَعَ الْعَجز عَن قَبضه
فَإِن هَذَا القَوْل بَاطِل فَأَما أَن يجب للفقاء مَا يأخذونه مَعَ أَنه لم يحصل لَهُم شئ فَهَذَا مُمْتَنع فِي الشَّرِيعَة ثمَّ إِذا طَال الزَّمَان كَانَت الزَّكَاة أَكثر من المَال ثمَّ إِذا نقص النّصاب وَقيل إِن الزَّكَاة تجب فِي عين النّصاب وَقيل إِن الزَّكَاة تجب فِي عين النّصاب لم يعلم الْوَاجِب إِلَّا بِحِسَاب طَوِيل يمْتَنع إتْيَان الشِّيعَة بِهِ
وَأقرب الْأَقْوَال قَول من لَا يُوجب فِيهِ سيذا بِحَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول أَو يُوجب فِيهِ زَكَاة عِنْد الْقَبْض فَلهَذَا القَوْل وَجه وَلِهَذَا وَجه وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَهَذَا قَول مَالك وَكِلَاهُمَا قيل بِهِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَالله أعلم
стр. 265
فصل
صَدَقَة الْفطر قدرهَا صَاع من الشّعير أَو التَّمْر وَنصفه من الْبر عِنْد أبي حنيفَة وَاخْتِيَار الشَّيْخ وخرجه على قَوَاعِد أَحْمد
وَإِذا كَانَ الْفُقَرَاء مُجْتَمعين فِي مَوضِع وأكلهم جَمِيعًا فِي سماط وهم مشتركون فِيمَا يَأْكُلُون فِي الصَّوْم وَيَوْم الْعِيد لم يكن لأَحَدهم أَن يعْطى فطرته لوَاحِد من هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاء وَكَذَلِكَ إِن دَفعهَا إِلَى وَاحِد على أَن يَدْفَعهَا إِلَى الآخر
وَأما إِذا كَانُوا متفقين على أَن الصَّدَقَة الَّتِي يَأْخُذهَا أحدهم يشتركون جَمِيعًا فِي أكلهَا فَهَذَا لَا يجوز بِلَا ريب
стр. 266
كتاب الصَّيام
إِذا غم الْهلَال أَو حَال دونه غيم أَو قتر لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان فللناس فِي صَوْمه ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا يجب صَوْمه وَهُوَ قَول كثير من أَصْحَاب أَحْمد وَضعف أَبُو الْخطاب وَابْن عقيل هَذَا
والأولون يذكرُونَ أَن هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ وَلم أجد فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من كَلَام أَحْمد مَا يَقْتَضِي أَنه كَانَ يُوجِبهُ
وَلَكِن الَّذِي وجدته أَنه كَانَ يَصُومهُ أَو يسْتَحبّ صَوْمه اتبَاعا للصحابة ﵃ وَكَذَلِكَ القَوْل عَن الصَّحَابَة يَقْتَضِي جَوَاز صَوْمه أَو اسْتِحْبَابه لَا وُجُوبه
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه جَائِز وَلَا وَاجِب وَلَا محرم وَهَذَا القَوْل أعدل
وَهل يجل تعْيين النِّيَّة لرمضان
فمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ تجب فَلَو نوى نِيَّة مُطلقَة أَو معلقَة لم تجزه وَعند أبي حنيفَة لَا يجب التَّعْيِين فَلَو نوى نِيَّة مُطلقَة أَو معلقَة تقع عَن رَمَضَان فِي هَذِه الصُّورَة وَفِي هَذِه الصُّورَة فِي مَذْهَب أَحْمد ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا كمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ يجب
وَالثَّانِي كَقَوْل أبي حنيفَة
وَالثَّالِث تقع عَن رَمَضَان مَعَ الْإِطْلَاق لَا مَعَ نِيَّة غير رَمَضَان وَهَذَا اخْتِيَار الْخرقِيّ فِي شرح الْمُخْتَصر وَاخْتِيَار جدي الْمجد عبد السَّلَام وَغَيرهم
وَالَّذِي يجب أَن يفرق بَين الْعَالم فَمن علم أَن غَدا من رَمَضَان وَلم يُنَوّه بل نوى غَيره فَقَط ترك الْوَاجِب فَلم يجزه وَمن لم يعلم فَنوى صوما مُطلقًا للِاحْتِيَاط أَو صوما مُقَيّدا فَهَذَا إِذا قيل بِجَوَازِهِ كَانَ مُتَوَجها
стр. 267
وَيَوْم الشَّك يَوْم يتحدث النَّاس بِرُؤْيَة الْهلَال وَيَرَاهُ من لَا يثبت بقوله وَيكون صحوا
أما يَوْم الْغَيْم فَهَل هُوَ يَوْم شكّ فِيهِ رِوَايَتَانِ
وَقد يُقَال إِن أصل ذَلِك أَن الْهلَال اسْم لما يرَاهُ النَّاس ويستهلون بِهِ أَو هُوَ اسْم لما يطلع فِي السَّمَاء وَإِن لم يره النَّاس على قَوْلَيْنِ
وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْمَسْأَلَة أَنه ينْهَى عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم لِأَنَّهُ يَوْم الشَّك إِلَّا أَن يُوَافق عَادَة وَهل من نهي أَو تَنْزِيه على قَوْلَيْنِ
وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة أَن النَّاس تبع للامام
فصل
وَمن شكّ فِي مِقْدَار مَا وَجب من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَفِي قدر مَا وَجب من الزَّكَاة كمن قَالَ لَا أَدْرِي أبلغ مَالِي مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة من سنة أم من سنتَيْن أَو حَال على مَالِي حول أَو حولان فَعَلَيهِ الْيَقِين
وَمن لم يعلم أَن الْهلَال رؤى إِلَّا من النَّهَار هَل يلْحق بِأَهْل الْأَعْذَار مبناه على أَن الْهلَال هَل هُوَ اسْم لما يستهل أَي يتَكَلَّم بِهِ النَّاس أَو اسْم لما يطلع فِي السَّمَاء وَإِن لم يتكلموا
ثمَّ إِذا قيل هُوَ اسْم لما يتَكَلَّم بِهِ النَّاس فَهُوَ يخْتَص بِمن تكلم بِهِ أَو بِغَيْرِهِ فِيهِ نزاع أَيْضا
وَمن نذر صَوْم يَوْم يقدم فلَان فَقدم نَهَارا فَأمْسك من حِين علم بِهِ فَهَل يجْزِيه فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد فَمن لم يلْحقهُ بِأَهْل الاعذار قَالَ إِذا علم من النَّهَار فَعَلَيهِ أَن يمسك كَمَا يَقُوله طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وَمن ألحقهُ بِأَهْل الْأَعْذَار قَالَ إِذا لم يعلم إِلَّا بِالنَّهَارِ فَلَا يجْزِيه الصَّوْم سَوَاء علم قبل
стр. 268
الزَّوَال أَو بعده كمن نذر صَوْم يَوْم يقدم فلَان فَقدم نَهَارا وَهُوَ مُمْسك فَنوى حِين قدومه أَجزَأَهُ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد كَمَا قدمْنَاهُ وَالْأُخْرَى يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ
وَإِن قدم وَهُوَ مفطر أَو يَوْم عيد أَو فِي رَمَضَان فَهَل عَلَيْهِ الْقَضَاء على رِوَايَتَيْنِ
فصل
قَضَاء الصَّلَاة لم يجب على الْحَائِض لِأَنَّهُ لَا يجب فِي الْيَوْم أَكثر من خمس صلوَات وَلم تكن الصَّلَاة إِلَّا فِي أَوْقَاتهَا فَلَمَّا وَجب فِيهِ خمس أَدَّاهُ لم يجب فِيهِ خمس أُخْرَى قَضَاء بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يجب فِي وَقت الْحيض فَلَا يكون فِيهِ صَوْم آخر عَلَيْهَا
فصل
الْفطر للْمُسَافِر جَائِز بِاتِّفَاق الْمُسلمين سَوَاء كَانَ سفر حج أَو جِهَاد أَو تِجَارَة أَو نَحْو ذَلِك من الْأَسْفَار الَّتِي لَا يكرهها الله وَرَسُوله
وَتَنَازَعُوا فِي سفر الْمعْصِيَة كَالَّذي يُسَافر ليقطع الطَّرِيق وَنَحْو ذَلِك على قَوْلَيْنِ مشهورين كَمَا تنازعوا فِي قصر الصَّلَاة
فَأَما السّفر الَّذِي تقصر فِيهِ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ الْفطر مَعَ الْقَضَاء بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَيجوز الْفطر للْمُسَافِر بِاتِّفَاق الْأمة سَوَاء كَانَ قَادِرًا على الصّيام أَو عَاجِزا وَسَوَاء شقّ عَلَيْهِ الصَّوْم أَو لم يشق بِحَيْثُ لَو كَانَ مُسَافِرًا فِي الظل وَالْمَاء وَمَعَهُ من يَخْدمه جَازَ لَهُ الْفطر وَالْقصر
وَمن قَالَ إِن الْفطر لَا يجوز إِلَّا لمن عجز عَن الصّيام فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَكَذَلِكَ من أنكر على الْمُفطر فطره فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب من ذَلِك
وَمن قَالَ إِن الْمُفطر عَلَيْهِ إِثْم فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب من ذَلِك فَإِن هَذِه الْأَحْوَال
стр. 269
خلاف كتاب الله وَخلاف سنة رَسُول الله ﷺ وَخلاف إِجْمَاع الْأمة
وَهَكَذَا السّنة للْمُسَافِر أَنه يُصَلِّي الرّبَاعِيّة رَكْعَتَيْنِ وَالْقصر أفضل لَهُ من التربيع عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كمذهب مَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي أصح قوليه
وَلم تتنازع الْأمة فِي جَوَاز الْفطر للْمُسَافِر بل تنازعوا فِي جَوَاز الصّيام للْمُسَافِر فَذهب طَائِفَة من السّلف وَالْخلف إِلَى أَن الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر وَإِذا صَامَ لم يجزه بل عَلَيْهِ أَن يقْضِي ويروي هَذَا عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا من السّلف وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر
لَكِن مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَنه يجوز للْمُسَافِر أَن يَصُوم وَأَن يفْطر كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس قَالَ كُنَّا نسافر مَعَ النَّبِي ﷺ فِي رَمَضَان فمنا الصَّائِم وَمنا الْمُفطر فَلَا يعيب الصَّائِم على الْمُفطر وَلَا الْمُفطر على الصَّائِم
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾
وَفِي الْمسند عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله يحب أَن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته
وَفِي الصَّحِيح أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ إِنِّي رجل أَكثر الصَّوْم أفأصوم فِي السّفر فَقَالَ إِن أفطرت فَحسن وَإِن صمت فَلَا بَأْس
وَفِي حَدِيث آخر خياركم الَّذِي يقصرون فِي السّفر ويفطرون
وَأما مِقْدَار السّفر الَّذِي يقصر فِيهِ وَيفْطر فمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه مسيرَة يَوْمَيْنِ قَاصِدين بسير الْإِبِل والأقدام وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخا كَمَا بَين مَكَّة
стр. 270
وَعُسْفَان وَمَكَّة وَجدّة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها
وَقَالَ طَائِفَة من السّلف وَالْخلف بل يقصر وَيفْطر فِي كل مَا يُسمى سفرا وان كَانَ أقل من يَوْمَيْنِ
وَهَذَا قَول قوي فَإِنَّهُ قد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِعَرَفَة ومزدلفة وَمنى يقصر الصَّلَاة وَخَلفه أهل مَكَّة وَغَيرهم يصلونَ بِصَلَاتِهِ لم يَأْمر أحدا مِنْهُم بإتمام الصَّلَاة
وَإِذا سَافر فِي أثْنَاء يَوْم فَهَل يجوز لَهُ الْفطر على قَوْلَيْنِ مشهورين للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
أظهرهمَا أَنه يجوز ذَلِك كَمَا ثَبت فِي السّنَن أَن من الصَّحَابَة من كَانَ يفْطر إِذا خرج من يَوْمه وَيذكر أَن ذَلِك سنة النَّبِي ﷺ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه نوى الصَّوْم فِي السّفر ثمَّ إِنَّه رُبمَا بِمَاء فَأفْطر وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ
وَأما الْيَوْم الثَّانِي فيفطر فِيهِ بِلَا ريب وَإِن كَانَ مِقْدَار سَفَره يَوْمَيْنِ فِي مَذْهَب جُمْهُور الْأَئِمَّة وَالْأمة
وَأما إِذا قدم الْمُسَافِر فِي أثْنَاء يَوْم فِي وجوب الْإِمْسَاك عَلَيْهِ نزاع مَشْهُور بَين الْعلمَاء لَكِن عَلَيْهِ الْقَضَاء سَوَاء أمسك أَو لم يمسك
وَيفْطر من عَادَته السّفر إِذا كَانَ لَهُ بلد يأوى إِلَيْهِ كالتاجر الْجلاب الَّذِي يجلب الطَّعَام وَغَيره من السلفع وكالمكاري الَّذِي يكرى دوابه من الْجلاب وَغَيرهم وكالبريد الَّذِي يُسَافر فِي مصَالح الْمُسلمين وَنَحْوهم وَكَذَلِكَ الملاح الَّذِي لَهُ مَكَان فِي الْبر يسكنهُ
فَأَما من كَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة امْرَأَته وَجَمِيع مَصَالِحه وَلَا يزَال مُسَافِرًا فَهَذَا لَا يقصر وَلَا يفْطر
стр. 271
وَأهل الْبَادِيَة كأعراب الْعَرَب والأكراد وَالتّرْك وَغَيرهم الَّذين يشتون فِي مَكَان ويصيفون فِي مَكَان إِذا كَانُوا فِي حَال ظعنهم من المشتى إِلَى المصيف وَمن المصيف إِلَى المشتى فَإِنَّهُم يفطرون ويقصرون وَأما إِذا نزلُوا بمشتاهم ومصيفهم لم يفطروا وَلم يقصروا وَإِن كَانُوا يتتبعون المراعي والكلأ وَالله أعلم
صَلَاة التَّرَاوِيح
هَل هِيَ وَاجِبَة على الْكِفَايَة فِيهِ قولانه للْعُلَمَاء
وَلَو نذر الصَّلَاة فِي وَقت النَّهْي فَفِي صِحَّتهَا لكَونه يفعل فيهمَا الْوَجْهَانِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد الصَّوَاب أَنه لَا يَصح
صَوْم رَجَب
وأفراد رَجَب بِالصَّوْمِ مَكْرُوه نَص على ذَلِك الْأَئِمَّة كالشافعي وَأحمد وَغَيرهمَا وَسَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي فضل الصَّوْم فِيهِ مَوْضُوعَة لَكِن لَو صَامَ أَكْثَره فَلَا بَأْس
فَلَو نذر صَوْمه قصدرا فَهُوَ مثل من نذر صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَغَيره من الْعِبَادَات الْمَكْرُوهَة وَالْوَاجِب أَن يَصُوم شهرا آخر
وَهل عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين على قَوْلَيْنِ لنا ولغيرنا وَإِنَّمَا يلْزم الْوَفَاء بِمَا كَانَ طَاعَة بِدُونِ النّذر وَالنّذر فِي نَفسه لَيْسَ بِطَاعَة وَلَكِن يَجْعَل الطَّاعَة وَاجِبَة وَالصَّلَاة فِي وَقت النَّهْي منهى عَنْهَا فَلَا تصير بِالنذرِ طَاعَة وَاجِبَة
فصل
إِذا دخل الْمُسَافِر فَنوى الْإِقَامَة فِي رَمَضَان أقل من أَرْبَعَة أَيَّام فَلهُ أَن يفْطر وَقد تقل عَن طَائِفَة من السّلف أَن الْغَيْبَة والنميمة وَنَحْوهمَا تفطر الصَّائِم وَذكر وَجها فِي مَذْهَب أَحْمد
стр. 272
وَتَحْقِيق الْأَمر فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَمر بالصيام لأجل التَّقْوَى وَقد قَالَ ﷺ من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه فاذا لم تحصل لَهُ التَّقْوَى لم يحصل لَهُ مَقْصُود الصَّوْم فينقص من أجر الصَّوْم بِحَسب ذَلِك
والأعمال الصَّالِحَة لَهَا مقصودان حُصُول الثَّوَاب واندفاع الْعقَاب فَإِذا فعلهَا مَعَ المنهيات من الْغَيْبَة والنميمة وَأكل الْحَرَام وَغَيره فَأَنَّهُ الثَّوَاب
فَقَوْل الْأَئِمَّة لَا يفْطر أَي لَا يُعَاقب عِقَاب الْمُعْلن بِالْفطرِ
وَمن قَالَ إِنَّه يفْطر بِمَعْنى أَنه لم يحصل لَهُ مَقْصُود الصَّوْم أَو قد يذهب بِأَجْر الصَّوْم فَقَوله مُوَافق لقَوْل الْأَئِمَّة
وَمن قَالَ إِنَّه يفْطر بِمَعْنى أَنه يُعَاقب على التّرْك فَهُوَ مُخَالف لأقوالهم
وَأما نقص الْغَيْبَة والنميمة للْوُضُوء فقد نقل عَن طَائِفَة من السّلف وَبَعض الْخلف القَوْل بِالنَّقْضِ
وَالتَّحْقِيق أَن الطَّهَارَة لَهَا مَعْنيانِ
أَحدهمَا الطَّهَارَة من الذُّنُوب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ وَقَوله ﴿إِنَّهُم أنَاس يتطهرون﴾ وَقَوله ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾
وَالْمعْنَى الثَّانِي الطَّهَارَة الحسية بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَإِنَّمَا أَمر بِهَذِهِ لتتحقق تِلْكَ فالفاعل للمهى عَنهُ خرج مَقْصُود الطَّهَارَة فَيُسْتَحَب لَهُ إِعَادَة الْوضُوء
وَأما أَنه بعض كالنقض بِقَضَاء الْحَاجة فَلَا وَلَكِن إِن صلى بعد الْغَيْبَة كَانَ أجره على صلَاته أنقص بِقدر نقص الطَّهَارَة النفسية فتخريج كَلَامهم على هَذَا لَا يُنَافِي قَول الْأَئِمَّة
стр. 273
فصل
الْيَوْم الثَّامِن من شَوَّال لَيْسَ لأحد أَن يَتَّخِذهُ عيدا وَلَا هُوَ عبد الْأَبْرَار بل هُوَ عيد الْفجار وَلَا يحل أَن يحدث فِيهِ الْمُسلم شَيْئا من شَعَائِر الأعياد فَإِن الْمُسلمين متفقون على أَنه لَيْسَ بعيد وَكره بَعضهم صَوْم السِّت من شَوَّال عقب الْعِيد مُبَاشرَة لِئَلَّا يكون فطر يَوْم الثَّامِن كَأَنَّهُ الْعِيد فينشأ عَن ذَلِك أَن بعده عوام النَّاس عيدا آخر
فصل
صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ صِيَام يَوْم عَرَفَة يكفر سنتَيْن وَصِيَام يَوْم عَاشُورَاء يكفر سنة لَكِن إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ يكفر لَا يُوجب أَن يكفر الْكَبَائِر بِلَا تَوْبَة فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر
وَمَعْلُوم أَن الصَّلَاة هِيَ أفضل من الصّيام وَصِيَام رَمَضَان أعظم من صِيَام يَوْم عَرَفَة وَلَا يكفر السَّيِّئَات إِلَّا باجتناب الْكَبَائِر كَمَا قَيده النَّبِي ﷺ فَكيف يظنّ أَن صَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ تَطَوّعا يكفر الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَالْميسر وَالسحر وَنَحْوه فَهَذَا لَا يكون
стр. 274
فصل
والاتمام بِإِمَام التَّرَاوِيح ليحصل صَلَاة الْجَمَاعَة أولى من صلَاته وَحده كَمَا رجح الْعلمَاء صَلَاة الْمَرِيض قَاعِدا فِي الْجَمَاعَة على صلَاته قَائِما وَحده
والتراويح سنة وَإِن سَمَّاهَا عمر ﵁ بِدعَة لِأَنَّهَا لم تفعل قبل ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي جمع النَّاس فِيهِ عَن أبي كَمَا أخرج عمر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الجزيرة وكما قَاتل أَبُو بكر وَالصَّحَابَة أهل الرِّدَّة وكما جمع أَبُو بكر ﵁ الْمُصحف وكما قَاتل عَليّ ﵁ الْخَوَارِج وكما شَرط عمر على أهل الذِّمَّة الشُّرُوط وَغير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي فَعَلُوهَا عملا بِكِتَاب الله واتباعا لسنة رَسُوله ﷺ وَإِن لم يتَقَدَّم نظيرها وكضرب عمر ﵁ النَّاس على الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر وعَلى إِلْزَامه الافطار فِي رَجَب وَكسر أَبُو بكر ﵁ كيزان أَهله فِي رَجَب وَقَالَ لَا تشبهوه برمضان
فَهَذِهِ الْعقُوبَة الْبَدَنِيَّة والمالية لمن كَانَ يعْتَقد أَن صَوْم رَجَب مَشْرُوع مُسْتَحبّ وَأَنه أفضل من صَوْم غَيره من الْأَشْهر وَهَذَا الِاعْتِقَاد خطأ وضلال وَمن صَامَهُ على هَذَا الِاعْتِقَاد الْفَاسِد كَانَ عصيا فيعزر على ذَلِك وَلِهَذَا كرهه من كرهه خشيَة أَن يتعوده النَّاس وَقَالَ يسْتَحبّ أَن يفْطر بعضه وَمِنْهُم من رخص فِيهِ إِذا صَامَ مَعَه شهرا آخر من السّنة كالمحرم
وَوَجَب أحد الْأَشْهر الْحرم وَله فضل على غَيره من الْأَشْهر الَّتِي لَيست بحرم وكما كَانَ الْمَكَان وَالزَّمَان أفضل كَانَت الطَّاعَة فِيهِ أفضل والمعاصي فِيهِ أَشد وَلَيْسَ هُوَ أفضل الْمَشْهُور عِنْد الله بل شهر رَمَضَان أفضل مِنْهُ كَمَا أَن يَوْم الْجُمُعَة أفضل أَيَّام الْأُسْبُوع
وَصَلَاة الرغائب بِدعَة محدثة وَأما لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَفِيهَا فضل وَكَانَ من السّلف من يُصليهَا لَكِن اجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لاحيائها فِي الْمَسَاجِد بِدعَة وَالله أعلم
стр. 275
وَصَلَاة الألفية فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان والاجتماع على صَلَاة راتبة فِيهَا بِدعَة وَإِنَّمَا كَانُوا يصلونَ فِي بُيُوتهم كقيام اللَّيْل
وَإِن قَامَ مَعَه بعض النَّاس من غير مداومة على الْجَمَاعَة فِيهَا وَفِي غَيرهَا فَلَا بَأْس كَمَا صلى النَّبِي ﷺ لَيْلَة بِابْن عَبَّاس وَلَيْلَة بحذيفة
وَولي الْأَمر يَنْبَغِي أَن ينْهَى عَن هَذِه الاجتماعات البدعية
الِاعْتِكَاف والفطرة
لَيْسَ للمعتكف أَن يخيط ثوبا وَقيل يجوز أَن يخيط لنَفسِهِ لَا ليكتسب وَقيل يجوز الْيَسِير وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَقْوَال فِي الْمَذْهَب
وَزَكَاة الْفطر هَل تجْرِي مجْرى زَكَاة المَال أَو مجْرى الْكَفَّارَات على قَوْلَيْنِ
فَإِن أجريت مجْرى الْكَفَّارَات تُعْطى لمن هُوَ أحْوج لحَاجَة نَفسه لَا فِي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم والرقاب
وَهَذَا أقوى دَلِيلا وَمن قَالَ بالإجزاء استوعب الْأَصْنَاف الثَّمَانِية إِن كَانَ مذْهبه ذَلِك وَإِلَّا فَلَا
وأضعف الْأَقْوَال قَول من يَقُول يجب دَفعهَا لاثنى عشر أَو ثَمَانِيَة عشرا أَو ثَمَانِيَة وَعشْرين أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَو نَحْو ذَلِك
стр. 276
كتاب الْحَج
الْحَج على الْوَجْه الْمَشْرُوع أفضل من الصَّدَقَة الَّتِي لَيست بواجبة
وَأما إِن كَانَ لَهُ أقَارِب محاويج أَو هُنَاكَ فُقَرَاء تضطرهم الْحَاجة إِلَى نَفَقَة فالصدقة عَلَيْهِم أفضل
أما إِذا كَانَ كِلَاهُمَا تَطَوّعا فالحج أفضل لَكِن بِشَرْط أَن يُقيم الْوَاجِب وَيتْرك الْمُحرمَات وَيُصلي الصَّلَوَات وَيصدق الحَدِيث وَيُؤَدِّي الْأَمَانَة وَلَا يتَعَدَّى على أحد فَمن فعل شَيْئا من تِلْكَ الْمُحرمَات فقد يكون إئمة أعظم من أجره فَأَي فَضِيلَة فِي هَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾
فِيهِ قراءتان ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾ بِالرَّفْع ﴿وَلَا جِدَال﴾ بِالْفَتْح
وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة التَّسْوِيَة بَين الْكل بِالْفَتْح
فالقراءة الأولى توَافق الحَدِيث فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ قَالَ من حج هَذَا الْبَيْت فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه
جعل الْوَعْد بالمغفرة لمن لم يرْفث وَلم يفسق
فالمنهي عَنهُ الْمحرم فِي الْآيَة هُوَ الرَّفَث وَهُوَ الْجِمَاع ودواعيه قولا وفعلا والفسوق هُوَ الْمعاصِي كلهَا هَذَا الَّذِي نهى عَنهُ الْمحرم
وَقَوله وَلَا جِدَال نهى الْمحرم عَن الْجِدَال مُطلقًا بل الْجِدَال بِالَّتِي هِيَ أحسن قد يُؤمر بِهِ الْمحرم وَغَيره
وَالْمعْنَى أَن أَمر الْحَج قد بَينه الله وأوضحه فَلم يكن فِيهِ جِدَال
وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى فَقَالُوا فِي أحد الْقَوْلَيْنِ نهى الْمحرم عَن الثَّلَاثَة الرَّفَث وَالْجِمَاع وَذكره والفسوق وَهُوَ السباب والجدال
стр. 277
وَالتَّحْقِيق أَن الفسوق أَعم من السباب والجدال الْمَكْرُوه الْمحرم هُوَ المُرَاد وَالْخُصُومَة من الْجِدَال لقَوْله ﷺ من ترك المراء وَهُوَ محق نَبِي الله فِي أَعلَى الْجنَّة وَمن تَركه وَهُوَ مُبْطل نَبِي الله لَهُ بَيْتا فِي ربض الْجنَّة
وَقَالُوا فِي القَوْل الآخر حكم هَذِه الْقِرَاءَة حكم الأولى فِي أَن المُرَاد نهى الْمحرم عَن الرَّفَث والفسوق وَهِي الْمعاصِي كلهَا
وَبَين الله سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك أَن الْحَج قد اتَّضَح أمره فَلَا جِدَال بِالْبَاطِلِ أَي لَا تجادلوا فِيهِ بِغَيْر حق فقد ظهر وَبَان
وَهَذَا القَوْل أصح لموافقته الحَدِيث الْمُتَقَدّم فَإِن فِيهِ من حج فَلم يرْفث وَلم يفسق فَقَط
وَبِكُل حَال فالحاج مَأْمُور بِالْبرِّ وَالتَّقوى
وَالْبر إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام كَذَا روى فِي الحَدِيث وَهُوَ يتَضَمَّن الْإِحْسَان إِلَى النَّاس بِالنَّفسِ وَالْمَال
وَإِذا حصل من الْحَاج المشاجرة وَالْخُصُومَة والسب فكفارته الاسْتِغْفَار وَفعل الْحَسَنَات المساحية إِلَى من جهل عَلَيْهِ وَغَيره فَيحسن إِلَيْهِ ويستغفر لَهُ وَيَدْعُو لَهُ ويداريه ويلاينه
وَإِن اغتاب غَائِبا وَهُوَ لم يعلم دَعَا لَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعْلَامه فِي أصح قولي الْعلمَاء
فصل
مَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه تمتّع فَإِنَّهُ فسر التَّمَتُّع بِأَنَّهُ قرن بَين الْعمرَة وَالْحج وَهُوَ تمتّع يجب فِيهِ هدى التَّمَتُّع
وَمن روى أَنه إفرد الْحَج فَإِنَّهُ فسره بِأَنَّهُ لم يفعل غير أَعمال الْحَج وَلم يحل من إِحْرَامه كَمَا يحل الْمُتَمَتّع
стр. 278
وَهنا مَسْأَلَة
وَهِي أَن الْقَارِن هَل يطوف طوافين وَيسْعَى سعيين أم يَكْفِيهِ طواف وَاحِد وسعى وَاحِد
فمذهب أبي حنيفَة أَنه يطوف وَيسْعَى للْعُمْرَة أَولا ثمَّ يطوف وَيسْعَى لِلْحَجِّ ثَانِيًا وَإِذا فعل مَحْظُورًا فَعَلَيهِ فديتان وَقد روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄
وَأما الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فعندهم وَيسْعَى مرّة وَاحِدَة وَعمل الْعمرَة دخل فِي الْحَج كَمَا يدْخل الْوضُوء فِي الْغسْل لِأَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تبين أَنه ﷺ لم يطف وَلم يسع إِلَّا طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا وَذَلِكَ كُله قبل التَّعْرِيف فَأَما بعد التَّعْرِيف فَإِنَّهُ يطوف طواف الْحَج وَهُوَ طواف الزِّيَارَة وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة وَهُوَ ركن الْحَج الَّذِي بِهِ تَمَامه وَلَيْسَ عَلَيْهِ بعده سعي إِلَّا أَن يكون لم يسع مَعَ طواف الْقدوم
فَأَما الْمُتَمَتّع فَلَا بُد أَن يسْعَى قبل ذَلِك
وَهل عَلَيْهِ سعي ثَان فِيهِ رِوَايَتَانِ هما قَولَانِ للْعُلَمَاء
وَذَلِكَ لما روى أَن الصَّحَابَة ﵃ تمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج وَلم يسعوا بَين الصَّفَا والمروة إِلَّا مرّة وَاحِدَة مَعَ طواف الْقدوم
وَهَذَا بَيَان أَن عمْرَة الْمُتَمَتّع بعض حجه كَمَا أَن وضوء المغتسل بعض غسله فَيَقَع السَّعْي عَن جملَة النّسك كَمَا قَالَ ﷺ دخلت الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالله أعلم
وَمن حج بِمَال حرَام لم يتَقَبَّل الله مِنْهُ حجَّة
وَهل عَلَيْهِ الْإِعَادَة على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء
стр. 279
فصل
من ترك طواف الزِّيَارَة حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَده موطىء امْرَأَته لزمَه الرُّجُوع وَالْإِحْرَام من الْمِيقَات بِعُمْرَة فَإِذا طَاف وسعى وَقصر للْعُمْرَة طَاف حِينَئِذٍ كطواف الزِّيَارَة الَّذِي تَركه نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره بِخِلَاف من يخرج إِلَى التَّنْعِيم فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ للْعُمْرَة ذَلِك وَلَا يخرج من مَكَّة
وَمن لم يُمكنهُ الطّواف إِلَّا عُريَانا فطوافه عُريَانا هُوَ من جنس صلَاته عُريَانا إِذا لم يستره وَهُوَ وَاجِب بالِاتِّفَاقِ فالطواف مَعَ العري إِذا لم يُمكنهُ إِلَّا ذَلِك أولى وَأَحْرَى وَهَذَا الْعذر نَادِر لَا يكَاد الشَّخْص يعجز عَن الستْرَة لَكِن لَو سلب ثِيَابه والقافلة خارجون وَلَا يُمكنهُ أَن يتَخَلَّف عَنْهُم فَالْوَاجِب فعل مَا قدر عَلَيْهِ من الطّواف مَعَ العري وَهُوَ الْأَظْهر وَكَذَلِكَ تَطوف الْحَائِض وَمن بِهِ سَلس الْبَوْل وَطواف الْحَائِض فَإِذا جَازَ فِي الْعُرْيَان الْعَاجِز فَهِيَ الْحَائِض إِذا عجزت وأفضى إِلَى تخلفها وَانْقِطَاع الطَّرِيق وَعدم وَمَعَهَا مُسَافر بهَا وهلاكها بذلك أولى وَأَحْرَى
فَمن جعل الطَّهَارَة وَاجِبَة فِي الطّواف فَإِنَّهُ يَقُول إِذا طَاف مُحدثا وَأبْعد عَن مَكَّة لم يلْزمه الْعود للمشقه فَكيف يجب على الْحَائِض مَالا يُمكنهَا إِلَّا بِمَشَقَّة أعظم من ذَلِك
وَمن جعلهَا شرطا فَلَيْسَ كَونهَا شرطا فِيهِ أعظم من كَونهَا شرطا فِي الصَّلَاة وشروط الصَّلَاة تسْقط بِالْعَجزِ فشروط الطّواف أولى وَأَحْرَى أَن تسْقط بِالْعَجزِ
стр. 280
فصل
من اغتصب إبِلا أَو اشْتَرَاهَا بِثمن مغضوب أَو بعضه وَأَرَادَ الْحَج وَلَيْسَ لَهُ مَال يحجّ بِهِ غَيره فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يعوض أَرْبَابهَا إِن أمكن معرفتهم وَإِلَّا تصدق بِقدر قيمَة الثّمن عَنْهُم فَإِن عجز عَن الصَّدَقَة تصدق وَقت قدرته بعد ذَلِك وَإِن عرفهم فِي قَرْيَة وَلَا يعرف أعيانهم تصدق على فُقَرَاء تِلْكَ الْقرْيَة وَقد طَابَ لَهُ الْحَج وَالله أعلم
وَإِذا ندب الإِمَام من يحجّ لخفارة من الْحَاج من الْجند المرتبين فِي الدِّيوَان وَأمر الْجَمَاعَة الَّذين لم يخرجُوا أَن يُعْطوا الَّذِي يحجّ مَا يَحْتَاجهُ فَلهُ أجر ذَلِك وَهُوَ حَلَال فَإِن هَذَا خرج بِنَفسِهِ وَهَؤُلَاء بِأَمْوَالِهِمْ وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون عدلا بَين الْجَمِيع وَسَوَاء شَرط هَذَا عَلَيْهِم فِي الإقطاع أولى
وَله أجر الْحَج وَأجر الْجِهَاد بِالدفع عَن الْوَفْد وَإِقَامَة حُرْمَة الْحَج إِلَى بَيت الله تَعَالَى
وَلَا يسْقط الْوُقُوف بِعَرَفَة شَيْئا من فَرَائض الْإِسْلَام الْوَاجِبَة لَا من حق الله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَلَا من حق الْآدَمِيّين وَالْأَمْوَال وَمَكَّة لَا تشفع لأحد
فصل
الْأَفْضَل لمن كَانَ بِمَكَّة من مجاور ومستوطن وقادم الطّواف بِالْبَيْتِ وَهُوَ أفضل من الْعمرَة سَوَاء خرج إِلَى التَّنْعِيم أَو غَيره من أدنى الْحل أَو أقْصَى الْحل كالجعرانة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ
وَإِنَّمَا النزاع فِي أَنه هَل يكون للمكي أَن يخرج للاعتمار من الْحل أم لَا وَهل يكره أَن يعْتَمر من يشرع الله الْعمرَة كالآفاقي فِي السّنة أَكثر من عمْرَة أم لَا وَهل يسْتَحبّ الاعتمار أم لَا وَهل يكره فَهَذَا فِيهِ النزاع
стр. 281
وَلَا يشرع الطّواف بِغَيْر الْكَعْبَة من سَائِر الأَرْض بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمن أَتَّخِذ ذَلِك عرف واستتيب فَإِن أصر قتل بالِاتِّفَاقِ
وَهل كَانَت عَائِشَة ﵂ لما اعْتَمَرت من التَّنْعِيم قارنة حِين حَاضَت أَو كَانَت قد رفضت إحرامها على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء وَالثَّانِي قَول أبي حنيفَة
فصل
لما نهى عمر ﵁ عَن الاعتمار فِي أشهر الْحَج قصد أَمرهم بالأفضل لأَنهم تركُوا الاعتمار فِي سفرة مُفْردَة فِي غير أشهر الْحَج وصاروا فِي عهد أبي بكر وَعمر ﵁ يقتصرون فِي الْعمرَة على الْعمرَة فِي أشهر الْحَج مَعَ الْحَج ويتركون السّفر إِلَى الْعمرَة سَائِر الْأَشْهر فَصَارَ الْبَيْت يعرى عَن الْعِمَارَة من أهل الْأَمْصَار فِي سَائِر الْحول فَكَانَ عمر ﵁ من شفقته على رعتيه اخْتَار الْأَفْضَل لإعراضهم عَنهُ كَالْأَبِ الشفيق يَأْمر وَلَده بِمَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ وَهَذَا كَانَ مَوضِع اجْتِهَاد مِنْهُ لرعيته فألزمهم بذلك
وَخَالفهُ عَليّ وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة ﵃ وَلم يرَوا أَن يلزموا النَّاس بل يتركونهم وَمَا يختارون فَمن أحب شَيْئا عمله قبل أشهر الْحَج أَو فِيهَا وَإِن الأول أكمل وقوى النزاع فِي ذَلِك فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ حَتَّى ثَبت أَنه كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة فَلَمَّا رَآهُ عَليّ ﵁ أهل بهما وَقَالَ لم أكن لأدع سنة رَسُول الله ﷺ لقَوْل أحد
وَنهى عُثْمَان ﵁ عَن الْمُتْعَة لاختيار الْأَفْضَل وليعمر الْبَيْت بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ فِي كل سنة لَا نهى كَرَاهَة للْعَمَل فِي ذَاته
فَلَمَّا قتل عُثْمَان ﵁ صَار النَّاس شيعتين قدما يميلون إِلَى عُثْمَان ﵁ وقوما يميلون إِلَى عَليّ ﵁ وَصَارَ قوم من بني أُميَّة من شيعَة عُثْمَان ينهون عَن الْمُتْعَة ويعاقبون على ذَلِك وَلَا يمكنون أحدا من الْعمرَة فِي أشهر الْحَج وَكَانَ فِي ذَلِك نوع من الظُّلم وَالْجهل فَلَمَّا رأى ذَلِك عُلَمَاء الصَّحَابَة
стр. 282
كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهمَا ﵃ جعلُوا يُنكرُونَ ذَلِك ويأمرون بِالْمُتْعَةِ اتبَاعا للسّنة فَصَارَ بعض النَّاس يناظرهم بهَا بوهمه على أبي بكر وَعمر ﵄ فَيَقُولُونَ لِابْنِ عمر إِن أَبَاك كَانَ ينْهَى عَنْهَا فَيَقُول ﵁ إِن أبي لم يرد ذَلِك وَلَا كَانَ يضْرب النَّاس عَلَيْهَا وَيبين لَهُم أَن قصد عمر ﵁ كَانَ الْأَفْضَل لَا تَحْرِيم الْمَفْضُول فَكَانُوا ينازعونه فَكَانَ يَقُول لَهُم قدرُوا أَن عمر ﵄ كَانُوا يعارضونه بِمَا توهموا على أبي بكر وَعمر ﵄ فَيَقُول لَهُم يُوشك أَن ينزل عَلَيْكُم حِجَارَة السَّمَاء أَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ وتقولون قَالَ أَبُو بكر وَعمر
فصل
فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه أفرد وَفِيه أَنه قرن وروى أَنه تمتّع
وكل ذَلِك صَحِيح بِمَعْنى وَاحِد
فَمَعْنَى أَنه قرن وتمتع وَاحِد لِأَن الْقرَان تمتّع عَام مَشْهُور والتمتع بِمَعْنى أَنه يحل من الْعمرَة ثمَّ يحجّ فِي أشهر الْحَج فِي عَام وَاحِد اصْطِلَاح خَاص
وَمن روى أَنه أفرد فَمَعْنَاه أَنه لم يحل من عمرته بل أفرد أَفعَال الْحَاج وَلم يكن فِي أَفعاله زِيَادَة على عمل الْمُفْرد فَالْمَعْنى وَاحِد وَلِهَذَا كَانَ رُوَاة الْإِفْرَاد هم رُوَاة الْقُرْآن
فروايات الصَّحَابَة ﵃ متفقة وفسروا التَّمَتُّع بِالْقُرْآنِ وَرووا فِيهِ صَرِيحًا أَنه قَالَ لبيْك حجا وَعمرَة وَأَنه قَالَ أتأتي آتٍ فِي وَاد العقيق فَقَالَ قل عمْرَة وَحجَّة قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵁ لَا شكّ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قَارنا والتمتع أحب إِلَى أَي لمن لم يسق الْهدى فَإِنَّهُ
стр. 283
لَا يخْتَلف قَوْله أَنه من جمع الْحَج وَالْعمْرَة فِي سفرة وَاحِدَة وَلم يسق الْهدى أَن هَذَا التَّمَتُّع لَهُ أفضل بل هُوَ الْمَطْلُوب لأمر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه بذلك فَأَما من سَاق الْهدى فَهَل الْقرَان لَهُ التَّمَتُّع
ذكرُوا عَنهُ رِوَايَتَيْنِ فَأَما من أفردهما فِي سفرتين أَو اعْتَمر قبل أشهر الْحَج وَأقَام إِلَى الْحَج فَهَذَا أفضل من التَّمَتُّع وَهُوَ قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ﵃ وَقَول أَحْمد وَغَيره وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم
وَهل على المنتفع بعد طواف الْإِفَاضَة سعى غير السَّعْي الأول الَّذِي كَانَ عقيب طواف الْعمرَة فِيهِ قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَمَالك وَإِن كَانَ يخْتَار الْإِفْرَاد لمن يعْتَمر عقيب الْحَج كالمحرم
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أحفظ قَول الشَّافِعِي فِيمَن يعْتَمر عقيب الْحَج وَإِن كَانَ من أَصْحَابه من يَجْعَل هَذَا هُوَ أفضل كَمَا يظنّ كثير من أَصْحَاب أَحْمد أَن الْمُتْعَة أفضل من الاعتمار قبل أشهر الْحَج فالغلط كثير
فصل
الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن مَا اخْتَارَهُ الله لنَبيه ﷺ هُوَ الْأَفْضَل وَقَوله ﷺ لَو اسْتقْبلت من أمرى مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهدى فَهُوَ حكم مُعَلّق على شَرط وَالتَّعْلِيق على شَرط بِعَدَمِ عَنهُ عَدمه فَمَا اسْتقْبل من مرّة مَا استدبر وَقد اخْتَار لَهُ ربه أَنه لم يسْتَقْبل من أمره مَا استدبر
وَلَكِن هَذَا يبين أَن الْمُوَافقَة إِذا كَانَت فِي تنويع الْأَعْمَال تفرق وَلَيْسَ هُوَ أولى من تنويعها وتنويعها هُوَ بِاخْتِيَار الْقَادِر للأفضل وَالْعَاجِز للمفضول كَمَا اخْتَار من قدر على سوق الْهدى الْأَفْضَل مِمَّن لم يقدر على سوقه مَعَ السَّلامَة
وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن طواف القادمين أفضل من الصَّلَاة لتحية الْمَسْجِد فان تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ الطّواف مَعَ فضيلتها أَيْضا وَكَذَلِكَ الطّواف للقادم أفضل
стр. 284
صَحَّ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ حِين أَرَادَ تَقْبِيل الْحجر الْأسود إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَلَوْلَا أَن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك لما قبلتك وَزَاد بَعضهم أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ بل ينفع ويشفع وَهَذَا كذب وَاضح
وروى الْأَزْرَقِيّ عَن عَليّ ﵁ فِي ذَلِك أثرا لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف واه وَالْبَيْت زَاده الله تَشْرِيفًا وتعظيما ومهابة وَبرا لَهُ الشّرف من وُجُوه كَثِيرَة
مِنْهَا نفس الْبقْعَة شرفعها الله على غَيرهَا كَمَا شرف فِي بَقِيَّة الْأَنْوَاع بعض أشخاصها وكما خص بعض النَّاس بِنَوْع من الْفضل
وَمِنْهَا أَن الله بوأه لخليلة ابراهيم خير الْبَريَّة فَلَيْسَ بعد مُحَمَّد ﷺ أفضل من ابراهيم الَّذِي بناه ودعا النَّاس إِلَيْهِ
وَمِنْهَا أَنه جعل على النَّاس حج الْبَيْت حَتَّى حجَّة الْأَنْبِيَاء كموسى وَيُونُس وَغَيرهمَا
وَفِيه آيَات كَثِيرَة مثل مقَام ابراهيم وَمثل الْأمان الَّذِي جعله للنَّاس وَالطير والوحش
وَمن إهلاك الْجَبَابِرَة الَّذِي قصدُوا انتهاكه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته
وَمن دخله كَانَ آمنا فَلَا يقتل الْجَانِي فِيهِ عِنْد أَحْمد وَأبي حنيفَة
وَكَانَ الْكفَّار يعظمونه حَتَّى ليلقى الرجل قَاتل أَبِيه فَلَا يقْتله والاسلام زَاده حُرْمَة
وَأما أَن يظنّ أَن من دخله كَانَ آمنا من عَذَاب الله مَعَ تَركه الْفَرَائِض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إِجْمَاع الْمُسلمين
стр. 285
فصل
هَل تجوز الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ الْإِفْرَاد مثل اللَّهُمَّ صل على أبي بكر أَو عمر أَو عَليّ ﵃
فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَطَائِفَة من الْحَنَابِلَة إِلَى أَن لَا يُصَلِّي على غير النَّبِي ﷺ مُفردا
وَذهب الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بذلك لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لعمر بن الْخطاب ﷺ وَهَذَا أصح وَأولى
لَكِن إِفْرَاد وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ أَو من الْقَرَابَة كعلي بِالصَّلَاةِ دون غَيره مضاهاة للنَّبِي ﷺ بِحَيْثُ يَجْعَل ذَلِك شعارا مَقْرُونا باسمه هُوَ بِدعَة
سُؤال
فِي خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا لوَقْتهَا فِي سَاعَة مشكلة الْعين وَاعْتِبَار الشَّرْط فِيهَا كَمَا فِي غَيرهَا من هَيْئَة الدّين كالطهر والسترة وَالْوَقْت والقبلة أَيْضا بِالتَّأْذِينِ
الْجَواب هَذِه الْمَسْأَلَة قد تنزل على عدَّة مسَائِل بَعْضهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَبَعضهَا متنازع فِيهِ
مِنْهَا إِذا اجْتمع عيد وجمعة فَمن قَالَ إِن الْعِيد فرض يَقُول إِن خطْبَة الْجُمُعَة هِيَ خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا فرض بِخِلَاف خطْبَة الْعِيد فَإِنَّهُ يَقُول لَيست فرضا
وَإِمَّا أَن ينزل على مَا إِذا عقدت جمعتان فِي مَوضِع فَلَا تصح فِيهِ جمعتان فَإِنَّهُ تصح الأولى وَتبطل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام فَإِن أشكل عين السَّابِق بطلتا جَمِيعًا وصلوا ظهرا فَإِن الْخطْبَة الَّتِي قبل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام قد
следующие страницы →