← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وَلَا تعسر يَا كريم الْحَمد لله مبدع الْعَالمين وناصر الْحق الْمُبين إِلَى يَوْم الدّين وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله أَجْمَعِينَ وَبعد فَإِن الْعلم أفضل مَا صرفت إِلَيْهِ الهمة وأجمعت عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي اخْتِصَار شَيْء من الدُّرَر المضية من فتاوي شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مِمَّا أَكْثَره فقه السَّائِل وَمَا عسر علمه على الْأَوَائِل بَاب النِّيَّة مَحل النِّيَّة الْقلب بانفاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم إِلَّا بعض الْمُتَأَخِّرين أوجب التَّلَفُّظ بهَا وَهُوَ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع وَلَكِن تنازعوا هَل يسْتَحبّ التَّلَفُّظ بهَا مَعَ انفاقهم على أَنه لَا يشرع الْجَهْر بهَا وَلَا تكرارها فاستحب التَّلَفُّظ بهَا طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَلم يستحبه آخَرُونَ وَغَيرهمَا وَهَذَا أقوى فَإِن ذَلِك بِدعَة لم يَفْعَلهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من الصَّحَابَة وَأما مُقَارنَة النِّيَّة للتكبير فَفِيهَا قَولَانِ مشهوران أَحدهمَا لَا يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَالثَّانِي يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره والمقارنة الْمَشْرُوطَة قد تفسر بِوُقُوع التَّكْبِير عقيب النِّيَّة وَهَذَا مُمكن لَا صعوبة فِيهِ بل عَامَّة النَّاس هَكَذَا يصلونَ بل هَذَا أَمر ضَرُورِيّ وَلَو كلفوا تَركه لعجزوا عَنهُ

стр. 2

وَقد تفسر بانبساط أَجزَاء النِّيَّة على أَجزَاء التَّكْبِير بِحَيْثُ يكون أَولهَا مَعَ أَوله وَآخِرهَا مَعَ آخِره وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عزوب النِّيَّة فِي أول الصَّلَاة وخلو أَولهَا عَن النِّيَّة الْوَاجِبَة وَقد تفسر بِحُضُور جَمِيع النِّيَّة مَعَ جَمِيع أَجزَاء التَّكْبِير وَهَذَا قد نوزع فِي إِمْكَانه فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه غير مُمكن وَلَا مَقْدُور للبشر فضلا عَن وُجُوبه وَلَو قيل بإمكانه فَهُوَ متعسر جدا فَيسْقط بالحرج وَمِمَّا يبطل هَذَا وَالَّذِي قبله أَن المكبر يَنْبَغِي لَهُ أَن يتدبر التَّكْبِير ويتصوره فَيكون قلبه مَشْغُولًا بِمَعْنى التَّكْبِير لَا يشْغلهُ بِغَيْر ذَلِك من استحضار الْمَنوِي وَلِأَنَّهَا من الشُّرُوط والشروط تتقدم الْعِبَادَة وَيسْتَمر حكمهَا إِلَى آخرهَا كالطهارة وَغَيرهَا وَالله أعلم والجهر بهَا وتكريرها منهى عَنهُ وفاعله مسيء وَإِن اعتقده دينا فقد خرج عَن إِجْمَاع الْمُسلمين يعرف ذَلِك فَإِن أصر قتل وَيجب تَعْرِيفه ذَلِك وَلَو قَالَ كل يعْمل فِي دينه مَا يَشْتَهِي فَهِيَ كلمة عَظِيمَة يجب أَن يُسْتَتَاب مِنْهَا أَيْضا فَإِن أصر على الْجَهْر بِالنِّيَّةِ عزّر وَإِن عزل عَن الْإِمَامَة إِذا لم ينْتَه كَانَ لعزله وَجه فقد عزل النَّبِي ﷺ إِمَامًا لأجل بزاقه فِي الْقبْلَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِن الإِمَام عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ لَهُ أَن يقْتَصر على مَا يقْتَصر عَلَيْهِ الْمُنْفَرد بل ينْهَى عَن التَّطْوِيل وَالتَّقْصِير فَكيف إِذا صر على مَا ينْهَى عَنهُ الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد

стр. 3

فصل نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله هَذَا قَالَه غير وَاحِد بَعضهم يرفعهُ وَبَيَانه من وُجُوه أَحدهَا أَن النِّيَّة الْمُجَرَّدَة عَن الْعَمَل يُثَاب عَلَيْهَا وَالْعَمَل بِلَا نِيَّة لَا يُثَاب عَلَيْهِ الثَّانِي أَن من رأى الْخَيْر وَعمل مقدوره مِنْهُ وَعجز عَن إكماله كَانَ لَهُ أجر عَامله لقَوْله ﵊ إِن بِالْمَدِينَةِ رجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ الثَّالِث أَن الْقلب ملك الْبدن والأعضاء جُنُوده فَإِذا طَالب الْملك طالبت جُنُوده وَإِذا خبت خبثت وَالنِّيَّة عمل الْملك الرَّابِع أَن تَوْبَة الْعَاجِز عَن الْمعْصِيَة تصح عِنْد أهل السّنة كتوبة الْمَجْبُوب من الزِّنَا وكتوبة الْأَخْرَس عَن الْقَذْف وأصل التَّوْبَة عزم الْقلب الْخَامِس أَن النِّيَّة لَا يدخلهَا فَسَاد فَإِن أَصْلهَا حب الله وَرَسُوله وَإِرَادَة وَجه الله وَهَذَا بِنَفسِهِ مَحْبُوب لله وَرَسُوله مرضى لله وَرَسُوله والأعمال الظَّاهِرِيَّة يدخلهَا آفَات كَثِيرَة وَلِهَذَا كَانَت أَعمال الْقُلُوب الْمُجَرَّدَة أفضل من أَعمال الْبدن الْمُجَرَّدَة كَمَا قيل قُوَّة الْمُؤمن فِي قلبه وَضَعفه فِي جِسْمه وَالْمُنَافِق عَكسه وَالله أعلم

стр. 4

كتاب الطَّهَارَة قد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه لما سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة قَالَ المَاء طهُور لَا ينسجه شَيْء وبئر بضَاعَة لَيست جرية جَارِيَة بالِاتِّفَاقِ وَمَا يذكر عَن الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا جَارِيَة أمرباطل والواقدي لَا يحْتَج بِهِ وَلم يكن بِالْمَدِينَةِ عين جَارِيَة وَعين الزَّرْقَاء وعيون حَمْزَة محدثة بعد النبيي ﷺ وبئر بَاقِيَة شَرْقي الْمَدِينَة مَعْرُوفَة إِلَى الْآن وَأما حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فالأكثر على أَنه حسن يحْتَج بِهِ وَقد أُجِيب عَن كَلَام من طعن فِيهِ وصنف أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي جَزَاء در فِيهِ على ابْن عبد الْبر وَغَيره وَلَفظ الْقلَّة مَعْرُوفَة عِنْدهم أَنَّهَا الجرة الْكَبِيرَة كألحب وَكَانَ يمثل بهَا كَمَا جَاءَ فِي سِدْرَة الْمُنْتَهى وَإِذا وَرقهَا مثل آذان الفيلة وَإِذا نبقها مثل قلال هجر وَهِي قلال مَعْرُوفَة الصَّنْعَة والمقدار فَإِن التَّمْثِيل لَا يكون بمختلف وَهَذَا يبطل كَون الْقلَّة قلَّة الْجَبَل فَإِنَّهَا مُخْتَلفَة فِيهَا الْمُرْتَفع كثيرا وَمَا هُوَ دونه وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَاء يصل إِلَى قلل الْجبَال الا مَاء الطوفان فَحمل كَلَامه ﷺ على مثل ذَلِك يشبه الِاسْتِهْزَاء بِكَلَامِهِ وَمن عَادَته ﷺ أَن يقدر المقدرات بأوعيتها كَقَوْلِه لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أَو سُقْ صَدَقَة والوسق حمل الْجمل وَكَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع وَذَلِكَ من أوعية المَاء فَكَذَا تَقْدِير المَاء بالقلال مُنَاسِب لِأَنَّهَا وعَاء المَاء

стр. 5

فصل المَاء الْمُتَغَيّر بالطاهر الَّذِي يُمكن صونه عَنهُ فِيهِ قَولَانِ لِأَحْمَد وَغَيره قَالَ شيخ الْإِسْلَام وَالصَّحِيح عِنْدِي نُصُوص أَحْمد أَنه لَا يسلبه الطّهُورِيَّة لِأَن الْمُتَغَيّر بالطاهرات إِمَّا أَن يتَنَاوَلهُ اسْم المَاء عِنْد الْإِطْلَاق أَولا فَإِن تنَاوله فَلَا فرق بَين مَا يُمكن صونه ومالا يُمكن صونه وَبَين مَا تغير بِأَصْل الْخلقَة وَغَيره وَإِذا تنَاوله فَلَا فرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ وَبَين غَيرهمَا إِذْ الْفرق بَين مَا كَانَ دَائِما وحادثا وَمَا كَانَ يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ ومالا يُمكن إِنَّمَا هِيَ فروق فقهية أما كَونهَا فروقا من جِهَة اللُّغَة وَتَنَاول اللَّفْظ لَهَا فَلَا وَبِهَذَا يظْهر الْجَواب عَن جَمِيع شَوَاهِد أدلتهم مثل اشْتِرَاء المَاء فِي بَاب الْوكَالَة وَالنّذر وَالْوَقْف أَو الْيَمين أَو غير ذَلِك فَإِن خطاب النَّاس فِي هَذِه الْأَحْكَام لَا فرق فِيهِ بَين مقبل وحادث فحقيقة قَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَجدوا مَاء﴾ إِن كَانَ شَامِلًا للمتغير بِأَصْل الْخلقَة أَو لما تغير بِمَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ فَهُوَ شَامِل لما تغير بِمَا لَا يشق صونه عَنهُ وَإِذا كَانَت دلَالَة الْقُرْآن عَليّ الْكل سَوَاء كَانَ التَّمَسُّك بِدلَالَة الْقُرْآن حجَّة لمن جعله طهُورا لَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي المسئلة دَلِيل من السّنة وَلَا من الْإِجْمَاع وَلَا من الْقيَاس بل الْأَحَادِيث كَمَا فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته اغسلوه بِمَاء وَسدر وَفِي غسل ابْنَته قَالَ اغسلها بِمَاء سدر وتوضؤ أم سَلمَة من قَصْعَة فِيهَا أثر الْعَجِين وَقَوله ﴿تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور﴾ كل ذَلِك وَنَحْوه نَص دَال على جَوَاز اسْتِعْمَال المَاء الْمُتَغَيّر بالطاهرات أدل مِنْهَا على نقيض ذَلِك وَأَيْضًا الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ وَلَيْسَ هَذَا استصحابا للاجماع فِي مورد النزاع حَتَّى يُقَال فِيهِ خلاف فَإِن ذَلِك هُوَ دَعْوَى بَقَاء الْإِجْمَاع بل

стр. 6

يُقَال هُوَ قبل التَّغْيِير طَاهِر بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع وَالْأَصْل بَقَاء الحكم على مَا كَانَ وَإِن لم يكن الدَّلِيل شَامِلًا لَهُ إِذا مَعَ شُمُول الدَّلِيل إِنَّمَا يكون اسْتِدْلَالا بِنَصّ أوإجماع لَا بالاستصحاب وَهَذَا الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا هُوَ بالاستصحاب وَقَول بعض الحنيفة إِن المَاء لَا ينسقم رلا إِلَى طَاهِر ونجس فَلَيْسَ بشئ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ كل مَا يُسمى مَاء مُطلقًا ومقيدا فَهُوَ خطأ لِأَن الْمِيَاه المعتصرة طَاهِرَة وَلَا يجوز بهَا رفع الْحَدث وَإِن أَرَادَ المَاء الْمُطلق لم يَصح فَإِن النَّجس لَا يدْخل فِي الْمُطلق وَقَوْلهمْ طهُور المَاء الْمُطلق يمعنى طَاهِر غلط لِأَن الطّهُور اسْم لما يتَطَهَّر بِهِ كالفطور والسحور والوجود لما يفْطر عَلَيْهِ ويتسحر بِهِ ويوجر بِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ﴾ والطاهر لَا يدل على مَا يتَطَهَّر بِهِ من ظن أَن الطّهُور معدول عَن طَاهِر فَيكون يمنزلته فِي التَّعْدِيَة واللزوم عِنْد النَّحْوِيين فَهُوَ قَول من لم يحكم قَوْله من جِهَة الْعَرَبيَّة وَبِهَذَا تظهر دلَالَة النُّصُوص على مَا قُلْنَا لقَوْله ﵊ فِي الْبَحْر هُوَ لاطهور مَاؤُهُ وَقَوله ﴿جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وتربتها طهُورا﴾ مِمَّا يبين أَن المُرَاد مَا يتَطَهَّر بِهِ وَلَا يجوز أَن يُرَاد طَاهِر لفساد الْمَعْنى وَلَا يجوز أَن يُرَاد طهُور تَعديَة طَاهِر لفساد الِاسْتِعْمَال فصل ويعفى عَن يسير بعر الفأر فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وهما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وَالِاحْتِيَاط بِمُجَرَّد الشَّك فِي أُمُور الْمِيَاه لَيْسَ مُسْتَحبا وَلَا مَشْرُوعا بل الْمُسْتَحبّ بِنَاء الْأَمر على الستصحاب وَأما الْحمام إِذا كَانَ الْحَوْض فاءضا فَإِنَّهُ جَار فِي أصح قولي الْعلمَاء نَص

стр. 7

عَلَيْهِ أَحْمد وَهُوَ يمنزلة الحفيرة تكون فِي النَّهر فَإِنَّهُ جَار وَإِن كَانَ الجريان على وجهة فرنه يستخلفه شَيْئا فَشَيْئًا وَيذْهب وَيَأْتِي مَا بعده لَكِن يبطئ ذَهَابه بِخِلَاف الَّذِي يجرى جمعية وَإِذا شكّ فِي روية هَل هِيَ نَجِسَة أم طَاهِرَة فَفِيهَا قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد يناء على أَن الأَصْل فِي الروث النَّجَاسَة أم الأَصْل فِي الْأَعْيَان ااطهارة وَهَذَا الْأَخير أصح فصل مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَالْبُخَارِيّ أَن حكم الْمَائِع حكم الماد وروى عَن مَالك وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَهُوَ قَول طاذفة من السّلف وَالْخلف كَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ﵃ وَأبي ثَوْر وَغَيرهم وَلَا دَلِيل على نَجَاسَته من كتاب وَلَا سنة وَمَا رَوَاهُ زبو دَاوُد عَن النَّبِي ﷺ أَنه سذل عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَقَالَ إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوه وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف غلط فِيهِ عمر عَن الزُّهْرِيّ كَمَا ذكره الثِّقَات كالبخاري وَغَيره مثل التِّرْمِذِيّ وزبي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَإِن اعْتقد بعض الْفُقَهَاء أَنه على شَرط الصَّحِيح فلعدم علمه بعلته وَقد تبين البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَسَاد هَذِه الرِّوَايَة قَالَ: بَاب رذا وَقعت الْفَأْرَة فِي السّمن الجامد أَو الذائب حَدثنَا عَبْدَانِ حَدثنَا عبد الله يعْنى ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن الدَّابَّة تَمُوت فِي السّمن وَالزَّيْت وَهُوَ جامد أَو غير جامد الْفَأْرَة وَغَيرهَا فَقَالَ بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بفأرة مَاتَت فيسمن فَأمر بِمَا قرب مِنْهَا فَطرح ثمَّ أكل

стр. 8

وَفِي حَدِيث عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة ﵂ قَالَت سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَقَالَ زلقوها وَمَا حولهَا وكلوه وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بِالسنةِ فِي زَمَانه أَنه أفتى فِي الزَّيْت وَالسمن الجامد وَغَيره إِذا مَاتَت فِيهِ الْفَأْرَة أَنَّهَا تطرح وَمَا قرب مِنْهَا وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَذكر الحَدِيث وَلم يقل فِيهِ إِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه وَلَا ذكر الْفرق فَذكر البُخَارِيّ ذَلِك ليبين أَن من ذكر عَن الزُّهْرِيّ التَّفْصِيل فقد غلط عَلَيْهِ لجوابه بِالْعُمُومِ مستدلا بِهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه إِذْ إِطْلَاق الْجَواب من النَّبِي ﷺ وَترك الاستفصال فِي حِكَايَة الْحَال مَعَ قيام الِاحْتِمَال ينزل منزلَة الْعُمُوم فِي الْمقَال فبذلك أجب الزُّهْرِيّ فَإِن مذْهبه فِي الماد أَنه لَا ينجس رلا بالتغير وَقد سوي البُخَارِيّ فِي أول الصَّحِيح بَين المَاء والمائع وَقد ذكرنَا أَدِلَّة هَذِه الْمَسْأَلَة مستوفاة وَفِي تنجيس ذَلِك من فَسَاد الْأَطْعِمَة الْعَظِيمَة وَإِتْلَاف الْأَمْوَال الْعَظِيمَة مَالا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ وَالله تَعَالَى إِنَّمَا حرم علينا الْخَبَائِث تنزيهالنا عَن المضار وَأحل لنا الطَّيِّبَات كلهَا وَالله أعلم وفأرة الْمسك طَاهِرَة عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَلَيْسَ ذَلِك فِيمَا يبان من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْبيض وَالْولد وَاللَّبن وَالصُّوف وَالله أعلم فصل الْأَظْهر طَهَارَة النَّجَاسَة بالاستحالة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك

стр. 9

وَالصَّحِيح أَن النَّجَاسَة تزَال بِغَيْر الماد لَكِن لَا يجوز اسْتِعْمَال الْأَطْعِمَة والأشربة فِي إِزَالَتهَا بِغَيْر حَاجَة لما فِي ذَلِك من فَسَاد الْأَمْوَال كَمَا لَا يجوز الاستجاء بهَا وَالْفرق بَين طَهَارَة الْحَدث والخبث أَن طَهَارَة الْحَدث من بَاب الْأَفْعَال المزمور بهَا فَلَا تسْقط بِالنِّسْيَانِ وَالْجهل وَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة وطهارة الْخبث من بَاب التروك اجْتِنَاب الْخبث فَلَا يشْتَرط فِيهَا فعل العَبْد وَلَا قَصده وَإِذا صلى بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلا أَو نَاسِيا فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فِي زصح قولي الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن مَا كَانَ مَقْصُوده اجْتِنَاب الْمَحْظُور إِذا فعله العَبْد نَاسِيا أَو مخطئا فَلَا إِثْم عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم﴾ وَقَوله ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ وَلِهَذَا كَانَ أقوى الْأَقْوَال أَن مَا فعله العَبْد نَاسِيا أَو مخطئا من مَحْظُورَات الصَّلَاة أَو الْحَج أَو الصّيام لَا يبطل الْعِبَادَة لَكِن إِذا أَتَى بهَا بِفِعْلِهِ وَنِيَّته أثيب على ذَلِك وَيجب على الْمُضْطَر الْأكل وَالشرب بِقدر مَا يسد رمقه وَفِي نَجَاسَة شعر الْكَلْب قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ فَلَو تمعط فِي بذر فَهَل يجب نزحه يجب نزحه عِنْد من يُنجسهُ وَهُوَ قَول فقهاد الْكُوفَة كزبي حنيفَة وَقيل لَا ينجس رلا بالتغير وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور فَيجوز اسْتِعْمَال الماد وَإِن خرج فِيهِ شعر عِنْد من يطهره وَعند المنجس يَقُول رذا خرج فِي الدَّلْو وَهُوَ قَلِيل نجس وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد وَالْأَظْهَر أَن شعر الْكَلْب طَاهِر لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ دَلِيل شَرْعِي

стр. 10

فصل إِذا وَقع فِي المَاء نَجَاسَة فغيرته تنجس اتِّفَاقًا وَإِن لم يتَغَيَّر فَقيل لَا ينجس وَهُوَ قَول أهل الْمَدِينَة وَكثير من أهل الحَدِيث وَرِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا طَائِفَة من أَصْحَابه ونصرها ابْن عقيل وَابْن المنى وَغَيرهمَا الثناي ينجس قَلِيل الماد بِقَلِيل النَّجَاسَة وَهِي رِوَايَة الْبَصرِيين عَن مَالك الثَّالِث مَذْهَب الشَّافِعِي وَرِوَايَة عَن أَحْمد ينجس وَالْكثير وَالرَّابِع الْفرق بَين الْبَوْل والعذرة المائعة وَغَيرهمَا فَالْأول ينجس مِنْهُ مَا أمكن نزحه دون مَالا يُمكن نزحه وَهِي الْمَشْهُورَة عِنْد أَحْمد وَاخْتِيَار أَكثر أَصْحَابه الْخَامِس أَن المَاء ينجس بملاقاة النَّجَاسَة سَواد كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا لَكِن مالم تصل النَّجَاسَة إِلَيْهِ مِنْهُ لَا ينجس ثمَّ حدوا مَالا تصل رليه بِمَا لَا يَتَحَرَّك أحد طَرفَيْهِ بتحرك الطّرف الآخر ثمَّ تنازعوا هَل هُوَ بحركة الْمُتَوَضِّئ أَو المغتسل وقدرء مُحَمَّد بن الْحسن يمسجده فَوَجَدَهُ عشرَة أَذْرع فِي عشرَة زذرع وانازعوا فِي الْآبَار رذا وَقعت فِيهَا النَّجَاسَة فَزعم بشر المريسى أَنه لَا يُمكن تطهيرها وَقَالَ زبو حنيفَة يُمكن بالنزح وَلَهُم فِي تَقْدِير الدَّلْو زقوال مَعْرُوفَة السَّادِس قَول أهل الظَّاهِر الَّذين ينجسون مَا بَال فِيهِ البائل دون مَا ألْقى فِيهِ الْبَوْل وأصل ذَلِك أَن اخْتِلَاط الْخبث بِالْمَاءِ هَل يُوجب تَحْرِيم الْجَمِيع أم يُقَال بل اسحال فَلم يبْق لَهُ حكم فَهَل الأَصْل الْإِبَاحَة حَتَّى يقوم الدَّلِيل على التَّحْرِيم أم الأَصْل الْمَنْع رلا مَا قَامَ الدَّلِيل على إِبَاحَته وَالصَّحِيح الأول وَهُوَ أَن النَّجَاسَة مَتى استحالت فالماء طَاهِر قَلِيلا كَانَ أول كثيرا فَإِنَّهُ دَاخل فِي حد الطّيب خَارج عَن الْخبث وَقد صَحَّ قَوْله

стр. 11

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ وَهُوَ عَام فِي قَلِيل وَالْكثير وَفِي جَمِيع النَّجَاسَات وَأما رذا تغير فَإِنَّمَا حرم لظُهُور جرم النَّجَاسَة فِيهِ بِخِلَاف مَا رذا اسْتهْلك وَيبين ذَلِك أَن الْخمر وَاللَّبن لَو وَقع فِي مَاء فاستهلك فشربه شَارِب لم يحد وَلم ينشر الْحُرْمَة وَنَهْيه ﷺ عَن الْبَوْل فِي الماد الداذم لِأَنَّهُ ذَرِيعَة إِلَى تنجيسه فسد الذريعة وَلِهَذَا يعم النَّهْي فِي كل ماد راكد فَلَا يجوز فِيمَا فَوق الْقلَّتَيْنِ وَلَا فِيمَا لَا يُمكن نزحه وَلَا فِيمَا لَا يَتَحَرَّك أحد بتحرك الآخر وَمن قَالَ يجوز فِي ذَلِك فقد خَالف إِذْ هُوَ عَام وَأما قَوْله ﷺ الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ فَلَا يُقَال وصف المَاء بِكَوْنِهِ طهُورا يدل على تنجيس غَيره لِأَنَّهُ يجوز تَعْلِيل الحكم بعلتين وَكَون الماد طهُورا يُوجب دفع النَّجَاسَة عَن نَفسه وَأَنه أولى من غَيره وَلَا يمْنَع أَن يكون فِي غَيره مَا يمْنَع عَنهُ النَّجَاسَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُم سَأَلُوهُ ﷺ عَن الماد فخصه بذلك لحَاجَة السَّائِل رليه مَعَ أَنه مَفْهُوم لقب وَهُوَ ضَعِيف وَأما حَدِيث الْقلَّتَيْنِ رذا صَحَّ فمنطوقه مُوَافق لغيره وَهُوَ أَنه رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يُنجسهُ شئ وَأما مَفْهُومه إِذا قُلْنَا بِدلَالَة مَفْهُوم الْعدَد فانه إِنَّمَا يدل على أَن الحكم فِي

стр. 12

الْمَسْكُوت عَنهُ مُخَالف للْحكم فِي الْمَنْطُوق لَو بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يشْتَرط أَن يكون الحكم مُخَالفا للمنطوق من كل وَجه وَهَذَا معنى قَوْلهم الْمَفْهُوم لَا عُمُوم لَهُ فَلَا يلْزم أَن كل مَا لم يبلغ الْقلَّتَيْنِ ينجس بل رذا قيل بالمخالفة فِي صُورَة حصل الْمَقْصُود فمنطوقه زنه لَا يحمل الْخبث عِنْد بُلُوغ الْقلَّتَيْنِ مَفْهُومه والقليل قد يحمل لمظنة الْقلَّة فَيَكْفِي الْمُخَالفَة لجَوَاز احْتِمَال الْخبث فِي الْقَلِيل دون الْكثير فقد خَالف الْمَفْهُوم الْمَنْطُوق بذلك وَهُوَ كَاف إِذْ لَا يلْزم أَن الْمَفْهُوم يُخَالف الْمَنْطُوق فيكل صُورَة من صوره بل يَكْفِي وَلَو فِي صُورَة فَلَا عُمُوم للمفهوم كَمَا قُلْنَا وَهَذَا ظَاهر وَالنَّبِيّ ﷺ لم يذكر ذَلِك حكما عَاما إِنَّمَا ذكره فِي جَوَاب من سزله عَن مَاء بِعَيْنِه فيتقيد بِهِ فَإِن التَّخْصِيص إِذا كَانَ لَهُ سَبَب غير اخْتِصَاص الحكم لم يبْق حجَّة بالتفاق كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ فَلَمَّا كَانَ حَال المَاء الْمَسْئُول عَنهُ أَنه كثير قد بلغ الْقلَّتَيْنِ وَمن شزن الْكثير أَنه لَا يحمل الْخبث بل يَسْتَحِيل فِيهِ دلّ ذَلِك على أَن منَاط الحكم كَون الْخبث مَحْمُولا فَحَيْثُ كَانَ مَحْمُولا أَي مَوْجُودا كَانَ نجسا وَحَيْثُ اسْتهْلك فَهُوَ غير مَحْمُول فَصَارَ حَدِيث الْقلَّتَيْنِ مُوَافقا لقَوْله المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شئ ونكت الْجَواب عَن كَونه يحمل الْخبث أَولا يحملهُ أَنه أَمر حسى مَعْرُوف والحس دَلِيل وَالدَّلِيل على هَذَا اتِّفَاقهم على أَن المَاء إِذا تغير حمل الْخبث ونجسه فَصَارَ قَوْله رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث وَلم يُنجسهُ شئ مثل قَوْله الماد لَا يُنجسهُ شئ وَهُوَ إِنَّمَا أَرَادَ إِذا لم يتَغَيَّر فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأما إِذا كَانَ قَلِيلا فقد يحمل الْخبث لضَعْفه

стр. 13

وعَلى هَذَا يحمل أمره فِي الْكَلْب لما أَمر بتطهير مَا ولغَ فِيهِ سبعا وَكَذَلِكَ قَوْله للمستيقظ من نوم اللَّيْل لَا يدْخل يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا المُرَاد الْإِنَاء الَّذِي للْمَاء الْمُعْتَاد للولوغ ولإدخال الْيَد وَهُوَ الصَّغِير وَالْكَلب يلغ بِلِسَانِهِ شَيْئا فَلَا بُد أَن يبْقى فِي المَاء من رقّه فَيكون ذَلِك مَحْمُولا وَالْمَاء يَسِيرا فيراق لأجل كَون الْخبث مَحْمُولا وَيغسل الْإِنَاء الَّذِي لاقاه ذَلِك الْخبث بِخِلَاف مَا إِذا اسْتهْلك الْخبث كَالْخمرِ رذا قلب الله عينهَا فَتطهر بالدن لِأَن الاستحالة والاستهلاك حصل فِي الْخمر دن تِلْكَ وَلَو أَرَادَ الْفَصْل بَين الْمُبْتَدِئ وَالِي ينجس بِمُجَرَّد الملاقاة لقَالَ رذا لم يبلغ قُلَّتَيْنِ نجس وَمَا بلغَهَا لم ينجس إِلَّا بالتغير أَو نَحْو ذَلِك أما مُجَرّد قَوْله رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث مَعَ كَونه رذا تغير حمله وينجس فَلَا يدل على هَذَا الْمَقْصُود وَأما نَهْيه الْقَائِم من نوم اللَّيْل أَن يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا فَهَذَا لَا يقتضى التَّنْجِيس بالِاتِّفَاقِ بل لِأَنَّهُ قد يُؤثر فِي المَاء معنى أَو يُفْضِي رليه مثل قَوْله لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وقدتقدم أَنه لَا يدل على التَّنْجِيس وَأما نَهْيه عَن الِاغْتِسَال فِيهِ بعد الْبَوْل إِن صَحَّ فَهُوَ كنهيه عَن الْبَوْل فِي المستحم وَقَوله فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ وَرُبمَا بقى من أَجزَاء الْبَوْل فَعَاد عَلَيْهِ رشاشها فَكَذَلِك رذا بَال فِي مَاء ثمَّ اغْتسل فِيهِ فقد يغْتَسل قبل الاستحالة مَعَ بَقَاء أَجزَاء الْبَوْل وَنَهْيه عَن الِاغْتِسَال فِي المَاء الدَّائِم وَإِن صَحَّ يتَعَلَّق بِمَسْأَلَة الماد الْمُسْتَعْمل وَقد يكون لما فِيهِ من تقذير المَاء على غَيره لَا لأجل النَّجَاسَة وَلَا لصيرورته مُسْتَعْملا فقد قَالَ المَاء لَا يجنب

стр. 14

فصل الحكم رذا ثَبت بعلة يَزُول لزوالها فَإِن بقى مَعَ زَوَالهَا من غير أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى كَانَت عديمة التَّأْثِير فَلَا تكون عِلّة وَأما إِذا خلفهَا عِلّة أُخْرَى فَإِنَّهَا لَا يبطل كَونهَا عِلّة وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي مَسْأَلَة عكس الْعِلَل وَعدم التَّأْثِير فِيهَا فَإِنَّهُ قد يظنّ أَنا إِذا جَوَّزنَا تَعْلِيل الحكم الْوَاجِب بِالشَّرْعِ بالنوع بعلتين لم تبطل الْعلَّة بِعَدَمِ التَّأْثِير فِيهَا وَهُوَ انفاء الحكم لانفاء الْوَصْف لجَوَاز أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى بل إِذا كَانَ الحكم ثَابتا انْتَفَى الْوَصْف لثُبُوته مَعَ ثُبُوته دلّ على أَنه لَيْسَ بعلة فالنقض وجود الْوَصْف بِلَا حكم فَإِن لم يكن التَّخَلُّف لفَوَات شَرط أَو انْتِفَاء مَانع كَانَ دَلِيلا على أَنه لَيْسَ بعلة وَعدم التَّأْثِير هُوَ وجود الحكم بِلَا وصف فَإِن لم يكن لَهُ عِلّة أُخْرَى كَانَ دَلِيلا على أَن الْوَصْف لَيْسَ بعلة فَإِذا عللنا الْملك بِالْبيعِ أَو الْإِرْث أَو الاغتنام وَنَحْو ذَلِك وَقُلْنَا فِي صُورَة قد عللنا الْملك فِيهَا بِالْبيعِ هَذَا بيع بَاطِل فَلَا يحصل الْملك كَانَ كَامِلا صَحِيحا وَإِن علمنَا أَن الْملك يثبت بِإِرْث وَغَيره لَكِن التَّقْدِير أَنه لَا يثبت لَهُ هُنَا غير البيع وَإِذا قُلْنَا هَذَا يملك هَذِه السّلْعَة لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا شِرَاء شَرْعِيًّا أَو لِأَنَّهُ ورثهَا كَانَ كَامِلا صَحِيحا وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْملك منتفيا فِي كل مَوضِع انْتَفَى فِيهِ البيع أَو الْإِرْث لِأَن الْملك لَهُ أَسبَاب مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ الطَّهَارَة إِذا كَانَ لَهَا سببان فعلل الشَّارِع طَهَارَة بعض الْأَعْيَان بِسَبَب كَانَ ذَلِك كَامِلا صَحِيحا وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون كل مَوضِع انْتَفَى عَنهُ هَذَا السَّبَب أَن يكون الْملك منتفيا فِي كل مَوضِع انْتَفَى فِيهِ البيع وَلَا كَانَ مِنْهُ أَن مَا انْتَفَى عَنهُ ذها السَّبَب يكون نجسا فَقَوله فِي الهر إها من الطوفين دَلِيل على أَن الطّواف سَبَب الطَّهَارَة فَإِذا انْتَفَى فِيمَا هُوَ سَبَب فِيهِ زَالَت طَهَارَته وَقد ثبتَتْ الطَّهَارَة لغيره وَهُوَ الْحل

стр. 15

كطهارة الصَّيْد والأنعام فَإِنَّهَا طيبَة الَّتِي أَبَاحَهَا الله تَعَالَى فَلَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيل طَهَارَتهَا بِالطّوافِ فَإِن الطّواف يدل على أَن ذَلِك لدفع الْحَرج فِي نجاستها وَقَوله الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ قد قَالَ فِيهِ أَولا قد يكون الْمَقْصُود وصف المَاء بِكَوْنِهِ طهُورا وبكونه لَا يُنجسهُ شئ فَيكون صفة بعد صفة لَيْسَ الْمَقْصُود جعل إِحْدَاهمَا عِلّة لِلْأُخْرَى وَوَصفه بِهَاتَيْنِ الصفتين يبين مُفَارقَته للبدن وَالثَّوْب وَنَحْوهمَا من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ من جِهَة أَنه طهُور وَمن جِهَة أَنه لَا يُنجسهُ شئ وَإِذا لم يُعلل نفي النَّجَاسَة بِكَوْنِهِ طهُورا لم يُوجب ذَلِك حُصُول النَّجَاسَة فِيمَا لَيْسَ بِطهُور بِمُجَرَّد الملاقاة فَإِذا أمكن أَن تكون هَذِه عِلَّتَانِ لجَوَاز استقائه من الْبِئْر لم يجب أَن يُقَال إِن إِحْدَاهمَا عِلّة لِلْأُخْرَى بل كَانَ قَوْله لَا ينجس كَقَوْلِه المَاء لَا يجنب وَهُنَاكَ لم يُعلل انْتِفَاء الْجَنَابَة عَنهُ بِكَوْنِهِ طهُورا فَكَذَا هُنَا لم يُعلل انْتِفَاء النَّجَاسَة عَنهُ بِكَوْنِهِ طهُورا بل هُنَاكَ علل جَوَاز اسْتِعْمَال سُؤْر عَائِشَة بِأَن المَاء لَا يجنب وَهنا علل وضوءه من بِئْر بضَاعَة بِأَن المَاء لَا ينجس وَزَاد مَعَ ذَلِك أَن المَاء طهُور وَهَذَا بَين لمن تَأمله بل هُوَ ظَاهر الحَدِيث وَبَيَان ذَلِك أَنه قد سمى التُّرَاب طهُورا فِي نَجَاسَة الْحَدث والخبث فَقَالَ جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وتربتها طهُورا وَقَالَ فِي النَّعْلَيْنِ فليدلكها بِالتُّرَابِ فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور وَمَعَ هَذَا التُّرَاب وَغَيره من أَجزَاء الأَرْض فِي النَّجَاسَة سَوَاء لافرق بَين التُّرَاب وَغَيره إِذا ظَهرت فِيهِ النَّجَاسَة كَانَ نجسا وَإِذا زَالَت بالشمس وَنَحْوهَا فإمَّا أَن يُقَال تَزُول مُطلقًا أَو لَا تَزُول مُطلقًا لم يفرق بَين التُّرَاب والرمكل وَغَيرهمَا من أَجزَاء الأَرْض كَمَا فرق بَينهمَا من فرق فِي طَهَارَة الْحَدث بل احْتج من يَقُول تزوالها بِحَدِيث البُخَارِيّ وَكَانَت الْكلاب تقبل وتدبر وتبول فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَلم يَكُونُوا يرشون من ذَلِك شَيْئا وَالْمَسْجِد كَانَ فِيهِ التُّرَاب وَغَيره

стр. 16

فَإِذا كَانَ قَوْله فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور صَرِيحًا فِي التَّعْلِيل وَلم يخص التُّرَاب بذلك فَقَوله فِي المَاء إِنَّه طهُور لَا يُنجسهُ شئ أولى أَن يخص بذلك لَكِن هَل يُقَال إِن غير المَاء يُشَارِكهُ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة كَمَا شَارك التُّرَاب مَا لَيْسَ بِتُرَاب هَذَا نزاع مَشْهُور وللعلماء فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بِغَيْر المَاء ثَلَاثَة أَقْوَال قيل يجوز مُطلقًا وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَقيل لَا يجوز مُطلقًا كَقَوْل الشَّافِعِي وَالظَّاهِر عَن أَحْمد وَقيل يجوز عِنْد الْحَاجة وَهُوَ قَول ثَالِث فِي مَذْهَب أَحْمد كَمَا قيل بذلك على أحد الْوُجُوه فِي طَهَارَة فَم الهر باللعاب وَكَذَلِكَ أَفْوَاه الصّبيان وَنَحْوهم من القئ فَإِن قيل إِن طهورية المَاء من النَّجَاسَة يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره صَار كالتراب وَإِن قيل لَا يُشَارِكهُ كَانَ قَوْله المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شئ عليلا لَا ستبقائه كَمَا سبق وَبِالْجُمْلَةِ فَلم أعلم إِلَى سَاعَتِي هَذِه لمن ينجس الماءعات الْكَثِيرَة بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهَا رذا لم تَتَغَيَّر حجَّة يعْتَمد عَلَيْهَا الْمُفْتِي فِيمَا بَينه وَبَين الله فتحريم الْحَلَال كتحليل الْحَرَام فَمن كَانَ عِنْده علم يرجع إِلَيْهِ أَو يعْتَمد عَلَيْهِ فَليتبعْ الْعلم وَإِن لم يكن عِنْده رلا مُجَرّد التَّقْلِيد فالنزاع فِيهِ مَشْهُور وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ بَاب الْآنِية المُرَاد بالضبة للْحَاجة مَا يحْتَاج إِلَى تِلْكَ الصُّورَة سَوَاء كَانَ غَيرهَا يقوم مقَامهَا كالنحاس أَولا أما لَو كَانَ مُضْطَرّا إِلَيْهَا أبيحت سَوَاء كَانَت من ذهب أَو فضَّة كالأنف وَشد الْأَسْنَان بِالذَّهَب وَنَحْو ذَلِك لَو لم يجد مَا يشرب فِيهِ رلا إِنَاء ذهب أَو فضَّة جَازَ

стр. 17

وَلَو لم يجد ثوبا بَقِيَّة الْبرد أَو يَقِيه السِّلَاح أَو يستر عَوْرَته رلا حَرِيرًا منسوجا بِذَهَب أَو فضَّة جَازَ لبسه فَإِن الضَّرُورَة تبيح أكل الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير بِنَصّ الْقُرْآن مَعَ أَن تَحْرِيم المطاعم أَشد من تَحْرِيم الملابس لِأَن تَأْثِير الْخَبَائِث بالمازجة للبدن أعظم من تأثيرها بالملابسة باللباس وَلِهَذَا كَانَت النَّجَاسَات الَّتِي يحرم ملابستها يحرم أكلهَا وَيحرم من السمُوم وَنَحْوهَا من المضرات مَا لَيْسَ بِنَجس وَلَا يحرم مباشرتها ثمَّ مَا حرم لخبث جنسه أَشد مِمَّا حرم لما فِيهِ من السَّرف وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فَإِن هَذَا يحرم الْقدر الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِك مِنْهُ وَيُبَاح للْحَاجة كَمَا للنِّسَاء وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيح من الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره جَوَاز التَّدَاوِي بِهَذَا الضَّرْب دون الأول كَمَا رخص ﷺ للزبير وَطَلْحَة ﵁ فِي لبس الْحَرِير من حكة وَنهى عَن التداوى بِالْخمرِ وَقَالَ إِنَّهَا دَاء وَلَيْسَت بدواء وَنهى عَن الدَّوَاء الْخَبيث وَعَن قتل الضفدع لأجل التداوى بهَا وَقَالَ نقيقها تَسْبِيح وَقَالَ إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهِم وَاسْتدلَّ على طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل بِإِذْنِهِ العرنيين بشربها فَلَيْسَتْ من الْخَبَائِث الْمُحرمَة النَّجِسَة لنَهْيه ﵊ عَن التَّدَاوِي بِمثل ذَلِك وَلم يَأْمر بِغسْل أَفْوَاههم مِنْهَا وَإِن كَانَ الْقَائِلُونَ بِطَهَارَة أبوالها تنازعوا فِي جَوَاز شربهَا لغير ضَرُورَة وَفِيه رِوَايَتَانِ منصوصتان وَكَذَلِكَ لما فِيهَا من القذارة الملحقة بالبصاق والمخاط والمنى وَنَحْو ذَلِك من المتقذرات وَلِهَذَا أَيْضا حرم الضَّرْب فِي بَاب الْآنِية والمنقولات على الرِّجَال وَالنِّسَاء بِخِلَاف التحلى باذهب وَلبس الْحَرِير الْمُبَاح للنِّسَاء وَبَاب الحبائث بِالْعَكْسِ وَخص من اسْتِعْمَال ذَلِك مَا ينْفَصل عَن بدن الْإِنْسَان مِمَّا لَا يُبَاح مصلا بِهِ كَمَا بياح إطفاء الْحَرِيق بِالْخمرِ وإطعام الْميتَة للبزاة والصقور وإلباس الدَّابَّة الثَّوْب النَّجس والاستصباح بالدهن النَّجس فِي أشهر قولي الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن

стр. 18

اسْتِعْمَال الْخَبَائِث فِيهَا يجرى مجْرى الْإِتْلَاف وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَر وَكَذَلِكَ فِي الْأُمُور الْمُنْ فَصِلَ ة بِخِلَاف اسْتِعْمَال الْحَرِير وَالذَّهَب فَإِن غَايَته السَّرف وَالْفَجْر وَبِهَذَا يظْهر غلط من رخص من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم فِي إلباس دَابَّته الْحَرِير قِيَاسا على النَّجس فَهُوَ بِمَنْزِلَة من يجوز افتراش الْحَرِير ووطأه قِيَاسا على المصورات أَو من يُبِيح تحلية دَابَّته بِالذَّهَب وَالْفِضَّة قِيَاسا على إلباسها الثَّوْب النَّجس فقد ثَبت بِالنَّصِّ تَحْرِيم افتراش الْحَرِير وَيظْهر أَن قَول من حرم افتراشه على النِّسَاء كَمَا هُوَ قَول المراوزة من أَصْحَاب الشَّافِعِي أقرب من قَول من أَبَاحَهُ للرِّجَال كَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة وَأَن الْجُمْهُور على أَن الافتراش كاللباس يحرم على الرِّجَال دون النِّسَاء لِأَن الافتراش لبس إِذْ لَا يلْزم من إِبَاحَة التزين على الْبدن إِبَاحَة الْمُنْفَصِل كَمَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن اسْتِعْمَال ذَلِك حرَام على الذّكر وَالْأُنْثَى فصل آخر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن الدّباغ مطهر لَكِن فِي ذَلِك نزاع هَل يقوم الدّباغ مقَام الذَّكَاة أَو مقَام الْحَيَاة فِيهِ وَجْهَان أَو جهما الأول وَهُوَ أَنه يطهر بالدباغ مَا يطهر بالذكاة وَحَدِيث عبد الله بن عكيم ﵁ نهى عَن الِانْتِفَاع بالجلود بِلَا دباغ فَإِنَّهُ كَانَ قد أرخص فِيهِ وَأما بعد الدبغ فَلم ينْه عَنهُ قطّ وَعظم الْميتَة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وَنَحْوه فِيهِ ثَلَاث أَقْوَال نَجَاسَة الْجَمِيع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد الثَّانِي أَن الْعِظَام وَنَحْوهَا نَجِسَة والشعور وَنَحْوهَا طَاهِرَة وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَحْمد

стр. 19

وَالثَّالِث أَن الْجَمِيع طَاهِر وَهُوَ الصَّوَاب وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وملابسة النَّجَاسَة للْحَاجة جَائِز إِذا طهر بدنه وثيابه عِنْد الصَّلَاة كَمَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ مَعَ مُبَاشرَة النَّجَاسَة وَلَا يكره ذَلِك على أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَقَول أَكثر الْفُقَهَاء وَهل تطهر النَّجَاسَة بالاستحالة على قَوْلَيْنِ للعماء هما رِوَايَتَانِ الصَّوَاب الطَّهَارَة وَقَوْلهمْ إِن الْخمر نَجِسَة بالاستالة فَتطهر بهَا كَذَلِك جَمِيع النَّجَاسَات أَي إِنَّهَا تنجست بالاستحالة كَالدَّمِ يَسْتَحِيل عَن الْغذَاء كَذَلِك الْبَوْل والعذرة حَتَّى الْحَيَوَان النَّجس مُسْتَحِيل عَن المَاء والهواء وَالتُّرَاب وَنَحْوه من الطاهرات وَلَا يَنْبَغِي أَن يعبر عَن ذَلِك بِأَن النَّجَاسَة طهرت بالاستحالة فَإِن نفس النَّجس لم يطهر لَكُنْت اسْتَحَالَ وَهَذَا الطَّاهِر هُوَ ذَلِك النَّجس وَإِن كَانَ مستحيلا مِنْهُ والمادة وَاحِدَة كَمَا أَن الزَّرْع لَيْسَ هُوَ المَاء والهواء وَالْحب وَالْإِنْسَان لَيْسَ هُوَ المنى واللهه تَعَالَى يخلق أجسام الْعَالم بَعْضهَا من بعض وَمَعَ تبدل الْحَقَائِق لَيْسَ هَذَا ذَاك فيكف يكون الرماد هُوَ الْعظم وَاللَّحم وَالدَّم بِمَعْنى أَنه يتَنَاوَلهُ اسْم الدَّم أم الْعظم أما كَونه هُوَ بِاعْتِبَار الْمَادَّة فَلَا يضر فَإِن التَّحْرِيم تبع للاسم وللمعنى الَّذِي هُوَ الْخبث وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ وَيجوز الخرز بِشعر الْخِنْزِير فِي أظهر قولي الْعلمَاء وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه طَاهِر كمالك وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ وعَلى القَوْل بِنَجَاسَتِهِ يُعْفَى عَن الرُّطُوبَة الَّتِي لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَإِمَّا أَن لَا يفعل إِن أمكن وَالصَّحِيح طَهَارَة الشُّعُور كلهَا حَتَّى شعر الْكَلْب وكل حَيَوَان قيل بِنَجَاسَتِهِ فَفِي شعره رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيح طَهَارَة الْعظم والقرن والريش وَنَحْوه

стр. 20

فصل إِذا سرح شعره فِي الْمَسْجِد وَتَركه يَقع فِيهِ كره عِنْد من لَا ينجس الشّعْر وَعند من يُنجسهُ يحرم وَبِالْجُمْلَةِ الْمَسْجِد يصان عَن القذاة الَّتِي تقع فِي الْعين وَلَيْسَ حلق الرَّأْس فِي غير نسك بِسنة وَلَا قربَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَتَنَازَعُوا فِي كَرَاهَته وَكَانَ عمر ﵁ يُعَزّر بحلق الرَّأْس فَإِنَّهُ كَانَ عِنْد السّلف مثله وَمَا علمت أحدا كره السِّوَاك فِي الْمَسْجِد وقص الشَّارِب لَيْسَ بِعَيْب بل فعله رَسُول الله ﷺ ومدح فَاعله وَمن عَابَ شَيْئا فعله رَسُول الله ﷺ أَو أقرّ عَلَيْهِ عرف ذَلِك فَإِن أصر كفر فصل الْوضُوء عبَادَة لِأَنَّهُ لَا يعلم رلا من الشَّارِع وكل فعل لَا يعلم رلا من الشَّارِع فَهُوَ عبَادَة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للثَّواب كَمَا وعد عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ الْمُتَوَضِّئ بتكفير خطاياه فَلَا بُد فِيهِ من النِّيَّة وَمن لم يُوجب النِّيَّة رأى ذَلِك من شَرَائِط الصَّلَاة فَهُوَ كالسترة وَهل يَصح غسل الْكَافِر من الْجَنَابَة على قَوْلَيْنِ بِخِلَاف وضوئِهِ وَكره مَالك وَأحمد لبس الْعِمَامَة الْمُقطعَة الَّتِي لَيْسَ تَحت الحنك مِنْهَا شئ وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول لَا ينظر الله إِلَى قوم لَا يديرون عمائمهم تَحت أذقانهم وَكَانُوا يسمونها الفاسقية لَكِن رخص فِيهَا إِسْحَق

стр. 21

وَغَيره وروى أَن أَبنَاء الْمُهَاجِرين كَانُوا يتعممون كَذَلِك وَقد يجمع بَينهمَا بِأَن هَذَا حَال الْمُجَاهدين والمستعدين لَهُ وَهَذَا حَال من لَيْسَ من أهل الْجِهَاد وإمساكها بالسيور يشبه التحنيك فصل النّظر إِلَى الْأَمْرَد لشَهْوَة حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَكَذَلِكَ إِلَى ذَوَات الْمَحَارِم ومصافحتهم والتلذذ بهم وَمن قَالَ إِنَّه عبَادَة فَهُوَ كَافِر وَهُوَ بِمَنْزِلَة من جعل إِعَانَة طَالب الْفَوَاحِش عبَادَة بل النّظر إِلَى الْأَشْجَار وَالْخَيْل والبهائم إِذا كَانَ على وَجه اسْتِحْسَان الدُّنْيَا والرياسة وَالْمَال فَهُوَ مَذْمُوم لقَوْله الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ ورزق رَبك خير وَأبقى﴾ وَأما إِذا كَانَ على وَجه لَا ينقص الدّين وَإِنَّمَا فِيهِ رَاحَة النَّفس فَقَط كالنظر إِلَى الأزهار فَهَذَا من الْبَاطِل الَّذِي يستعان بِهِ على الْحق وَقد ينظر إِلَى الإسنان لما فِيهِ من الايمان وَالتَّقوى وَهنا الِاعْتِبَار بِقَلْبِه وَعَمله لَا بصورته وَقد ينظر إِلَيْهِ لما فِيهِ من الصُّورَة الدَّالَّة على المصور فَهَذَا حسن وَقد ينظر من جِهَة اسْتِحْسَان خلقه فَكل قسم من هَذِه الْأَقْسَام مَتى كَانَ مَعَه شَهْوَة كَانَ حَرَامًا بِلَا ريب سَوَاء كَانَت شَهْوَة يمتع نظره لشَهْوَة الْوَطْء وَفرق بَين مَا يجده الْإِنْسَان عِنْد نظره إِلَى الأزهار وَبَين مَا يجده عِنْد نظره إِلَى النسوان والمردان فَلهَذَا الْفرْقَان فرق فِي الحكم الشَّرْعِيّ فَصَارَ النّظر إِلَى المردان ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا تقترن بِهِ الشَّهْوَة فَهُوَ حرَام بالِاتِّفَاقِ

стр. 22

وَالثَّانِي مَالا يحرم لِأَنَّهُ لَا شَهْوَة مَعَه كنظر الرجل الْوَرع إِلَى وَلَده الْحسن وَابْنَته الْحَسْنَاء فَهَذَا لَا تقترن مَعَه شَهْوَة إِلَّا أَن يكون من أفجر الْخلق وَمَتى اقترنت بِهِ الشَّهْوَة حرم وعَلى هَذَا من لَا يمِيل قلبه رلي المردان كَمَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ وكالأمم الَّذين لَا يعْرفُونَ هَذِه الْفَاحِشَة فَإِن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ لَا يفرق بَين نظره إِلَيّ هَذَا الْوَجْه وَبَين نظره إِلَيّ ابْنه وَابْن جَاره وصبى أَجْنَبِي لَا يخْطر بِقَلْبِه شئ من الشَّهْوَة لِأَنَّهُ لم يعْتد ذَلِك وَهُوَ سليم الْقلب وَقد كَانَ الْإِمَاء على عهد الصَّحَابَة ﵁ يَمْشين فِي الطرقات مكشوفات الْوُجُوه ويخدمن الرِّجَال مَعَ سَلامَة القولب فَلَو أَرَادَ الرجل أَن يتْرك الإِمَام التركيات الحسان يَمْشين بَين النَّاس فِي هَذِه الْبِلَاد والأوقات لَكَانَ من بَاب الْفساد وَكَذَلِكَ المردان الحسان لَا يَصح أَن يخرجُوا فِي الْأَمْكِنَة والأزمنة الَّتِي يخَاف فِيهَا الْفِتْنَة بهم إِلَّا بِقدر الْحَاجة فَلَا يُمكن الْأَمْرَد الْحسن وَالْوَجْه من التفرج وَلَا من الْجُلُوس فِي الْحمام بَين الْأَجَانِب وَلَا من رقصه بَين الرِّجَال وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا وَقع النزاع بَين النَّاس فِي الْقسم الثَّالِث وَهُوَ النّظر إِلَيْهِ لغير شَهْوَة لَكِن مَعَ خوف ثورانها فَفِيهِ وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد أصَحهمَا وَهُوَ المحكي عَن نَص الشَّافِعِي وَغَيره أَنه لَا يجوز وَالثَّانِي يجوز لِأَن الأَصْل عدم ثورانها وَالْأول هُوَ الرَّاجِح وَمن أدمن النّظر رلى الْأَمْرَد وَقَالَ إِنَّه لَا ينظر لشَهْوَة فقد كذب فَإِنَّهُ رذا لم يكن لَهُ دَاع يحْتَاج مَعَه إِلَيّ النّظر لم يكن مِنْهُ النّظر فَإِنَّهُ مَا ينظر رلا لما يحصل فِي الْقلب من اللَّذَّة وَأما نظر الْفجأَة فَهُوَ عَفْو إِذا صرف بَصَره وَيُقَال غض الْبَصَر عَن الصُّورَة الَّتِي يحرم النّظر إِلَيْهَا لَهُ ثَلَاث فَوَائِد إِحْدَاهَا حلاوة الْإِيمَان ولذته الَّتِي هِيَ أحلى وَأطيب مِمَّا تَركه لله وَالنَّفس تحب النّظر إِلَى الصُّور لَا سِيمَا نفوس أهل الرياضة والصفا فَإِنَّهُ يبْقى فِيهَا رقة

стр. 23

حَتَّى إِن الصُّور تجذب أحدهم وتصرعه وروى عَن فتح أَنه قَالَ صَحِبت ثَلَاثِينَ من الأبدال كلهم يوصيني عِنْد فِرَاقه بتركي صُحْبَة الْأَحْدَاث الثَّانِيَة أَنه يُورث نور الْقلب والفراسة قَالَ الله تَعَالَى عَن قوم لوط ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ فالتعلق بالصور يُورث فَسَاد الْعقل وَعمي الْبَصَر وسكر الْقلب بل جُنُونه كَمَا قيل قَالُوا جننت بِمن تهوى فَقلت لَهُم ... الْعِشْق أعظم مِمَّا بالجانين الْعِشْق لَا يستفيق الدَّهْر صَاحبه ... وَإِنَّمَا يصرع الْمَجْنُون فِي الْحِين فَمن غض بَصَره عَمَّا حرمه الله عوضه الله من جنسه بِمَا هُوَ خير مِنْهُ فيطلق عين بصيرته وَيفتح عَلَيْهِ بَاب الْعلم والمعرفة والكشوف وَالثَّالِثَة قُوَّة الْقلب وثباته وشجاعته فَيجْعَل الله لَهُ سُلْطَان النُّصْرَة مَعَ السُّلْطَان الْحجَّة وَفِي الْأَثر الَّذِي يُخَالف هَوَاهُ يفرق الشَّيْطَان من ظله وَيُوجد فِي التبع لهواه من الذل ذل النَّفس ومهانتها مَالا يُوجد فِي غَيره فَإِن الله جعل الْعِزَّة لمن أطاعه والذلة لمن عَصَاهُ ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ وَالنَّاس يطْلبُونَ الْعِزّ فِي بَاب الْمُلُوك وَلَا يجدونه رلا فِي طَاعَة الله أبي الله إِلَّا أَن يذل من عَصَاهُ فصل وَنقض الْوضُوء المذى وَيجب غسل ذكره وأنثييه وَيجب على الرجل وَطْء زَوجته بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أوكد حَقّهَا عَلَيْهِ أعظم من طعامها وشرابها وَالْوَطْء الْوَاجِب قيل كل أَرْبَعَة أشهر مرّة وَقيل بِقدر حَاجَتهَا وَقدرته كإطعامها وَهُوَ أصح وَلَو يجِئ الْوضُوء فِي كَلَام النَّبِي ﷺ رلا وَالْمرَاد بِهِ الْوضُوء

стр. 24

الشَّرْعِيّ وَلم يرد لفظ الْوضُوء بِمَعْنى غسل الْيَد والفم رلا فِي لُغَة الْيَهُود كَمَا روى أَن سلمَان ﵁ قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّا نجد فِي التوارة أَن من بركَة الطَّعَام الْوضُوء قبله وَالْوُضُوء بعده وَمَسّ الْيَهُودِيّ أَو النَّصْرَانِي لَا ينْقض الْوضُوء بِاتِّفَاق المسملين وَأكل النِّسَاء الْأَجَانِب مَعَ الرِّجَال لَا يفعل إِلَّا لحَاجَة من ضيق الْمَكَان أَو قلَّة وَمَعَ ذَلِك فَلَا تكشف وَجههَا للأجانب وَلَا يلقمها الْأَجْنَبِيّ وَلَا تلقمه وَلما سُئِلَ ﷺ عَن الحمو الْمَوْت والحمو أَخُو الزَّوْج وَنَحْوه دون أَبِيه فَإِنَّهُ محرم وَفِي الحَدِيث لَا يدْخل الْجنَّة ديوث وَهُوَ الَّذِي لَا غيرَة لَهُ بل إِذا رأى على أَهله شَيْئا لم يُنكره وَلَا يجوز للْمَرْأَة أَن تظهر على أَجْنَبِي وَلَا رَقِيق غير ملكهَا وَلَو كَانَ خَصيا وَهُوَ الْخَادِم فَلَيْسَ لَهُ النّظر إِلَيْهَا لِأَنَّهُ يفعل مُقَدمَات الْجِمَاع وَيذكر بِالرِّجَالِ وَله شَهْوَة وَإِن كَانَ لَا يحبل وَأما مملوكها فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنَّهَا مَعَه كَالْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وَالثَّانِي أَنه محرم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَول لِأَحْمَد فصل وَمن أَصَابَهُ سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس وَهُوَ الْعِشْق فَعَلَيهِ بالترياق والمرهم وَذَلِكَ بِأُمُور مِنْهَا التَّزَوُّج أَو التسرى فَإِنَّهُ ينقص الشَّهْوَة ويضعف الْعِشْق الثَّانِي أَن يداوم على الصَّلَوَات الْخمس وَالدُّعَاء والتضرع وَقت السحر وَتَكون صلَاته يحضور قلب وخشوع وَيكثر من قَول يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك

стр. 25

يَا مصرف الْقُلُوب صرف قلبِي على طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولك فَمَتَى أدمن الدُّعَاء والتضرع لله صرف قلبه عَن ذَلِك الثَّالِث أَن يبعد عَن سكن هَذَا الشَّخْص والاجتماع بِمن يجْتَمع بِهِ بِحَيْثُ لَا يسمع لَهُ خَبرا بَاب الاستطابة إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد بركَة يغلق عَلَيْهَا بَابه وَيَمْشي حولهَا دون أَن يُصَلِّي حولهَا فَهَل يبال فِيهَا هَذَا يشبه الْبَوْل فِي الْمَسْجِد فِي القرورة وَمن الْفُقَهَاء من نهى عَنهُ لِأَن هَوَاء الْمَسْجِد كقراره فِي الْحُرْمَة وَمِنْهُم من يرخص للْحَاجة وَالْأَشْبَه أَن هَذَا إِذا فعل للْحَاجة فقريب وَأما إِذا اتخذ مبالا أَو مستجي فَلَا ونتر الذّكر والتنحنح وَالْمَشْي لَيْسَ بِوَاجِب إِنَّمَا يجب الانقاء وَلَا يجب غسل دَاخل فرج الْمَرْأَة فِي أصح الْقَوْلَيْنِ فَإِذا دست الْمَرْأَة دَوَاء مَعَ الْجِمَاع يمْنَع نُفُوذ المنى فِي مجارى الْحَبل فصومها وصلاتها صَحِيحَة وَإِن كَانَ ذَلِك الدَّوَاء يبْقى فِي جوفها وَأما جَوَاز ذَلِك لمنع الْحمل فَفِيهِ نزاع بَين الْعلمَاء والأحوط أَن لَا تفعل بَاب الْغسْل يجوز الِاغْتِسَال عُرْيَان بكشف عَوْرَته إِن كَانَ فِي خلْوَة وَأما دَاخل الْحمام فَعَلَيهِ ستر عَوْرَته وَلَا يخلى أحدا يَرَاهَا وَلَا يَمَسهَا قيمًا كَانَ أَو غَيره وَلَا يشْهد مُنْكرا بل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ بحبسه وَلَيْسَ لَهُ أَن يسرف فِي صب المَاء بل الْحمام أَشد لحق صَاحبه وَيلْزم السّنة فَلَا يجفو جفوة النَّصَارَى وَلَا يغلو غلو الْيَهُود

стр. 26

وَمن اغْتسل وَلم يتَوَضَّأ أحزأ عَنْهُمَا فِي الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَرْبَعَة لَكِن عَن أَحْمد وَأبي حنيفَة يجب أَن يتضمض ويستنشق وَهل عَلَيْهِ أَن يَنْوِي رفع الحدثين فِيهِ نزاع بَين الْعلمَاء وَهل للْمَرْأَة دُخُول الْحمام إِذا شقّ عَلَيْهَا تَركه بِأَن اعتادته عَليّ وَجْهَيْن فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره والاستمناء محرم عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَالْأُخْرَى أَنه مَكْرُوه لَكِن إِن اضْطر إِلَيْهِ مثل أَن يخلف الزِّنَا وَالْمَرَض إِن لم يَفْعَله فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران وَقد رخص فِيهِ هَذِه الْحَال طوائف من السّلف وَالْخلف وَيجوز الْمسْح على الْخُف رذا كَانَ فِيهِ خرق يسير عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَقيل لَا يجوز وَهُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَالْأول أرجح بَاب التَّيَمُّم إِذا لم تقدر الْمَرْأَة على الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ فعلَيْهَا أَن تصلي فِي الْوَقْت بِالتَّيَمُّمِ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء لَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنَّهَا تغسل مَا يُمكن وتتيمم للْبَاقِي وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة إِن غسلت الْأَكْثَر لم تتيمم وَإِن لم يُمكن إِلَّا غسل الْأَقَل تيممت وَلَا غسل عَلَيْهَا وَمن عدم المَاء وَالتُّرَاب صلى فِي الْوَقْت على الْأَصَح وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فِي الْأَصَح وَمن أجنب ونام فَلم ينتبه رلا عِنْد طُلُوع الشَّمْس فَإِن استحم خَافَ الضَّرَر وَإِن رَاح إِلَى الْحمام خرج الْوَقْت فمذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي حنيفَة أَنه يغْتَسل وَيُصلي وَلَو خرج الْوَقْت ومالكمذهبه يتَيَمَّم وَيُصلي فِي الْوَقْت وَأما من كَانَ مستيقظا من أول الْوَقْت فَإِن عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت باغتسال أَو تيَمّم وَلَا يفوت الْوَقْت بِخِلَاف الأول فَإِن الْوَقْت فِي حَقه من حِين انتبه

стр. 27

وَهل يرفع التَّيَمُّم الْحَدث رفعا مؤقتا أَو يُبِيح فعل الصالة مَعَ قيام الْمَانِع فِيهِ نزاع وَمن كَانَ حاقنا عادما للماد فَالْأَفْضَل أَن يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ غير حاقن من أَن يحفظ وضوءه وَيُصلي حاقنا وَمن خَافَ إِن اغْتسل أَن يرْمى بِمَا هُوَ برِئ مِنْهُ ويتضرر بِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّم والصالة وَالْقِرَاءَة وَمَسّ الْمُصحف ويؤم الْمُتَيَمم المغتسل عِنْد جمهو الْعلمَاء رلا مُحَمَّد بن الْحسن وَقد روى عَن عمر وَابْن مَسْعُود ﵄ منع الْجنب من التَّيَمُّم وَخَالَفَهُمَا غَيرهمَا من جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهل الْمُبِيح للتيمم خوف الضَّرَر أَو التّلف فِيهِ نزاع للشَّافِعِيَّة وَمن أمكنه أَن يغْتَسل وَيُصلي خَارج الْحمام فعل ذَلِك فَإِن لم يكنه مثل أَن يَسْتَيْقِظ أول الْفجْر فَإِن اشْتغل بِطَلَب المَاء خرج الْوَقْت فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ عِنْد الْجُمْهُور رلا بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد قَالُوا يشْتَغل بتحصيل الطَّهَارَة وَإِن فَاتَ الْوَقْت وَهَكَذَا قَالُوا فِي اشْتِغَاله بخياطة الثَّوْب وَتعلم دَلَائِل الْقبْلَة وَنَحْوه وَهَذَا القَوْل خطأ فرن قِيَاسه أَن الْمُسَافِر يُؤَخر حَتَّى يُصَلِّي بعد الْوَقْت بِالْوضُوءِ والعريان يُؤَخر حَتَّى يُصَلِّي بعد الْوَقْت باللباس وَهُوَ خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين بل على العَبْد أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت بِحَسب الْإِمْكَان وَهَذَا يُخَالف مَا إِذا اسْتَيْقَظَ آخر الْوَقْت وَإِن اشْتغل باستقاء المَاء من الْبِئْر يخرج الْوَقْت أَو ذهب إِلَى الْحمام فَهُنَا يغْتَسل وَإِن خرج الْوَقْت عِنْد الحمهور إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ يتَيَمَّم وَيُصلي فِي الْوَقْت كَمَا تقدم ذَلِك عَنهُ وَأما من أمكنه الذّهاب إِلَيّ الْحمام لَكِن إِن دخل لَا يُمكنهُ الْخُرُوج حَتَّى

стр. 28

يخرج الْوَقْت إِمَّا لكَونه مقهورا مثل العَبْد الَّذِي لَا يُمكنهُ سَيّده من الْخُرُوج وَمثل الْمَرْأَة مَعهَا أَوْلَادهَا لَا يُمكنهَا الْخُرُوج حَتَّى تغسلهم وَنَحْو ذَلِك فَهَؤُلَاءِ لَا بُد لَهُم من أحد أُمُور إِمَّا أَن يغتسلوا ويصلوا فِي الْحمام فِي الْوَقْت وَإِمَّا أَن يصلوا خَارج الْحمام بعد الْوَقْت وَإِمَّا أَن يصلوا بِالتَّيَمُّمِ خَارج الْحمام وَبِكُل من هَذِه الْأَقْوَال أُفْتِي طَائِفَة لَكِن الْأَظْهر أَنهم يصلونَ خَارج الْحمام بِالتَّيَمُّمِ لِأَن الصَّلَاة فِي الْحمام منهى عَنْهَا وتفويت الصَّلَاة أعظم وَلَا يُمكنهُ الْخُرُوج عَن هذَيْن النهيين إِلَّا لاتيمم فِي الْوَقْت خَارج الْحمام ثمَّ يُصَلِّي بذلك قبل دُخُول الْحمام وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو لم يُمكنهُ الصَّلَاة رلا فِي مَوضِع نجس فِي الْوَقْت أَو فِي مَوضِع طَاهِر بعد الْوَقْت رذا غسل الْموضع أَو يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ فِي مَكَان طَاهِر فِي الْوَقْت فَهَذَا أولى لِأَن كلا من ذَلِك منهى عَنهُ ونزاع الْفُقَهَاء فِيمَن صلى فِي مَوضِع نجس لَا يُمكنهُ الْخُرُوج مِنْهُ على قَوْلَيْنِ معروفين الْأَظْهر أَنه لَا يُعِيد بل الصَّحِيح أَن كَانَ من صلى فِي الْوَقْت بِحَسب إِمْكَانه لَا يُعِيد كالعاجز عَن الطَّهَارَة والستارة والاستقبال أَو اجْتِنَاب النَّجَاسَة أَو عَن إِكْمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود أَو عَن قراأة الْفَاتِحَة وَنَحْوهم مسزلة لَا يجوز لمن اشْترى جَارِيَة وَطئهَا قبل استرائها بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل لَا يجوز فِي أحد قولي الْعلمَاء أَن يَبِيعهَا الوطئ حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا وَهل عَلَيْهِ اسْتِبْرَاء وعَلى المُشْتَرِي اسْتِبْرَاء أَو يكفيهما اسبراء وَاحِد على قَوْلَيْنِ

стр. 29

بَاب الْحيض وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا حرَام فِي قَول جَمَاهِير الْعلمَاء وَمَتى وَطئهَا فِي الدبر وطاعته عزرا فَإِن لم ينتهيا فرق بَينهمَا كَمَا يفرق بَين الْفَاجِر وَبَين من يفجر بِهِ وَمن شربت دَوَاء فَانْقَطع دَمهَا ثمَّ طَلقهَا زَوجهَا فَإِن كَانَت تعلم أَن الدَّم لَا يَأْتِي فِيمَا بعده بِحَال فعدتها ثَلَاثَة أشهر وَإِن كَانَ أَن يعود فَإِنَّهَا تَتَرَبَّص سنة ثمَّ تتَزَوَّج كَمَا قضى عمر ﵁ فِي الْمَرْأَة يرْتَفع حَيْضهَا وَلَا تَدْرِي مَا رَفعه هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي قَول وَمن قَالَ تنْتَظر حَتَّى تدخل فِي سنّ الْإِيَاس فهر ضَعِيف جدا لما فِيهِ من الضَّرَر الَّذِي لَا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ وَإِذا انْقَطع لَا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ ورذا انْقَطع الدَّم فَلَا تُوطأ حَتَّى تَغْتَسِل وَقَالَ بعض الظَّاهِرِيَّة يجوز إِذا غسلت فرجهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا تطهرن﴾ أَي غسلن فروجهن وَلَيْسَ بشئ فَإِن التَّطْهِير هُوَ الِاغْتِسَال وزبو حنيفَة يَقُول إِذا اغْتَسَلت أَو مضى عَلَيْهَا وَقت الصَّلَاة أوانقطع الدَّم أَي لأكثره وَأَكْثَره عِنْده أَيَّام وَقَول الْجُمْهُور أصح

стр. 30

كتاب الصَّلَاة لم أجد أحدا قَالَ إِن تَأْخِير جَمِيع الصَّلَوَات أفضل لَكِن مِنْهُم من يَقُول تَأْخِير بعضهمما أفضل ككما يَقُول زبو حنيفَة فِي الْفجْر وَالْعصر والمواقيت الَّتِي علمهَا جِبْرِيل ﵇ للنَّبِي ﷺ وَعلمهَا النَّبِي ﷺ لأمته حِين بَين مَوَاقِيت الصَّلَاة وَهِي الَّتِي ذكرهَا الْعلمَاء فيكتبهم هِيَ فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة فَأَما ذَلِك الْيَوْم الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ يَوْم كَسنة قَالَ اقدروا لَهُ قدره فَلهُ حكم آخر يبين ذَلِك أَن صَلَاة الظّهْر فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة لَا تكون رلا بعد الزَّوَال وانتصاف النَّهَار وَفِي ذَلِك الْيَوْم يكون من أَوَائِل الْيَوْم بِقدر ذَلِك وَكَذَلِكَ وَقت الْعَصْر هِيَ فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة إِذا زَاد ظلّ كل شَيْء على مثله عِنْد الْجُمْهُور كمالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهم وَقَالَ زبو حنيفَة إِذا صَار ظلّ كل شئ مثلَيْهِ وَهَذَا آخر وَقتهَا عِنْد مَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيّ وَالْمَقْصُود أَن فِي ذلكاليوم لَا يكون وَقت الْعَصْر فِيهِ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء لَا مثله وَلَا مثلَيْهِ بل يكون زول يَوْم قبل هَذَا الْوَقْت شئ كثير فَكَمَا أَن وَقت الظّهْر وَالْعصر ذَلِك الْيَوْم هما قبل الزَّوَال كَذَلِك صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء قبل الْغُرُوب وَكَذَلِكَ صَلَاة الْفجْر فِيهِ تكون بِقدر الْأَوْقَات فِي الزيام الْمُعْتَادَة وَلَا ينظر فِيهَا إِلَيّ حَرَكَة الشَّمْس لَا بِزَوَال وَلَا بغروب وَلَا مغيب شفق وَنَحْو ذَلِك وَهَكَذَا كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ قَالَ بَعضهم يُؤْتونَ عَليّ مِقْدَار البكرة والعشى فِي الدُّنْيَا وَقيل يعرف ذَلِك بأنوار تظهر من نَاحيَة الْعَرْش كَمَا يعرف ذَلِك فِي الدُّنْيَا بِنور الشَّمْس وَقَول الصَّحَابَة ﵃ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الْيَوْم كالسنة أيكفينا

стр. 31

فِيهِ صَلَاة يَوْم فَقَالَ لَا ويكن اقدروا لَهُ قدره أَرَادوا الْيَوْم وَاللَّيْلَة فقد يعْنى بِهِ اللَّيْل كَمَا يعْنى بِلَفْظ اللَّيْلَة بيومها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام﴾ وَفِي الْموضع الآخر ﴿ثَلَاث لَيَال سويا﴾ وَيَوْم كَقَوْلِه ﴿يَوْم عَرَفَة﴾ ورذا فَاتَهُ الْوُقُوف يَوْم عَرَفَة يُرَاد الْيَوْم وَاللَّيْلَة الَّتِي تليه وإيضا إِذا علمُوا أَنهم يقدرُونَ لثلاث صلوَات قبل وَقتهَا الْمُعْتَاد علم بطرِيق اللُّزُوم أَنهم يقدرُونَ للمغرب وَالْعشَاء وَوُقُوع ذَلِك فِي النَّهَار كوقوع صَلَاتي الْمغرب وَالْعشَاء قبل الزَّوَال من ذَلِك الْيَوْم وَأَيْضًا فَقَوله اعْتكف الْعشْر يدْخل فِيهِ اللَّيْل وَقَوله ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة﴾ دخل فِيهَا النَّهَار وَالله أعلم فصل هَؤُلَاءِ الَّذين يُؤذنُونَ مَعَ الْمُؤَذّن الرَّاتِب يَوْم الْجُمُعَة فِي مثل صحن الْجَامِع لَيْسَ أذانهم مَشْرُوعا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة بل هُوَ بِدعَة مُنكرَة مُشْتَمِلَة عَليّ وُجُوه مذمومة مِنْهَا أَنَّهَا بِدعَة وَمِنْهَا أَنهم يتركون مَا أمروا بِهِ فقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه أَمر أَن يَقُول السَّامع مثل قَول الْمُؤَذّن رلا فِي الحيعلة فَيَقُول لَا حول وَلَا قُوَّة رلا بِاللَّه الثَّانِي أَنه يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ الثَّالِث أَنه يسْأَل الله لَهُ الْوَسِيلَة الرَّابِع أَن يَدْعُو بعد ذَلِك بِمَا شَاءَ قيتركون سَماع الْمُؤَذّن وَمَا أمروا بِهِ ويفعلون مَا لم يؤمروا بِهِ وَمِنْهَا أَنهم يشغلون النَّاس عَن هَذِه السّنَن ويخلطون عَلَيْهِم فَإِن أَصْوَاتهم تختلط وتشتبه

стр. 32

وَأَيْضًا لَا فَائِدَة فِي هَذَا الْأَذَان فَإِن أهل الْمَسْجِد قد سمعُوا قَول الْمُؤَذّن الرَّاتِب وَغَيرهم لَا سمع هَذَا الْمُؤَذّن وَمِنْهَا أَنه يُؤذن مؤذنان فِي وَقت وَاحِد وَمَتى أذن مؤذنان مَعًا فِي وَقت وَاحِد مفترقان كَانَ مَكْرُوها مَنْهِيّا عَنهُ بِخِلَاف مَا إِذا أذن وَاحِد بعد وَاحِد كَمَا كَانَ المؤذنان على عهد رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ الْقصاص الَّذين يقومُونَ على رُءُوس النَّاس الْجُمُعَة ويشغلونهم عَمَّا شرع من الصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالْقِرَاءَة لَا سِيمَا إِن قصوا وسألوا وَالْإِمَام يخْطب فَإِنَّهُ من الْمُنْكَرَات الشنيعة مَعَ مَا يكذبُون كثيرا فَيتَعَيَّن إِزَالَة ذَلِك بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلم يكن التَّبْلِيغ وَرَاء الإِمَام على عهد رَسُول الله ﷺ وَلَا خلفائه وَلَكِن مَا مرض النَّبِي ﷺ صلى بِالنَّاسِ مرّة وَكَانَ أَبُو بكر يسمع النَّاس التَّكْبِير على أَن الظَّاهِر عَن أَحْمد أَن هَذِه الصَّلَاة كَانَ أَبُو بكر مؤتما بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ إِمَامًا للنَّاس فَيكون تبليغه لكَونه إِمَامًا للنَّاس وَكَذَا بلغ مرّة أُخْرَى حِين صرع رَسُول الله ﷺ فجحش شقَّه الْأَيْمن وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَا يسْتَحبّ التَّبْلِيغ بل يكره إلبا لحَاجَة مثل ضعف صَوت الإِمَام وَبعد الْمَأْمُوم وَنَحْوه وَقد اخْتلفُوا فِيهِ هَذِه الْحَال وَالْمَعْرُوف عَن أَحْمد أَنه جاذز وَأَصَح قولي مَالك وَأما عِنْد عدم الْحَاجة فبدعة بل صرح كثير مِنْهُم أَنه مَكْرُوه بل قد ذهب طَائِفَة من أَصْحَاب مَالك وَأحمد إِلَى أَنه يبطل صَلَاة الْمبلغ لغير حَاجَة وَلم يستحبه أحد من الْعلمَاء حِينَئِذٍ وَمن أصر على اعْتِقَاد كَونه قربَة فَإِنَّهُ يُعَزّر وَهَذَا أقل أَحْوَاله وَكَذَلِكَ التثويب بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة لم يكن على عهد رَسُول الله ﷺ بل كرهه أَكثر الْأَئِمَّة وَالسَّلَف وعدوة بِدعَة وَكَذَلِكَ الْجَهْر بِالدُّعَاءِ عقيب الصَّلَوَات مثل دُعَاء الإِمَام والمأمومين جَمِيعًا

стр. 33

عقيب الصَّلَاة لم يكن وَلكنه ثَبت أَنهم كَانُوا يجهرون بِالذكر وَزنه ﷺ كَانَ يجْهر عقيب الصَّلَاة بِالذكر يَقُول لَا إِلَه رلا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شئ قدير لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا نعْبد إِلَّا رياه فالذكر ثَابت وَمن اعْتقد مالم يدل عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي قربَة فَهُوَ مُخطئ ظَالِم فصل الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة هُوَ مَا كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ وخلفائه من أَنه كَانَ بعض المؤذنين يُؤذن قبل الْفجْر وَبَعْضهمْ بعد طُلُوع الْفجْر وأبلغ مَا قَالَه الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد غَيرهم فِي تَقْدِيم الْأَذَان من نصف اللَّيْل مَعَ أَن زبا حنيفَة وَغَيره بنهون عَن الْأَذَان قبل الْوَقْت مُطلقًا فَأَما مَا سوى الْأَذَان من تَسْبِيح ونشيد وَرفع صَوت بِدُعَاء فَلَيْسَ بمسنون عِنْد الْأَئِمَّة وَلَا أعلم أحدا استحبه بل ذكره طاذفة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد من الْبدع الْمَكْرُوهَة وَمَا كَانَ مَكْرُوها لم يكنت لأحد أَن يَأْمر بِهِ وَلَا يُنكر على تَركه وَلَا يعلق بِهِ اسْتِحْقَاق رزق وَلَا يلْزم فعله وَلَو شَرطه وَاقِف وَإِذا قيل فِي بعض هَذِه الصُّور مصلحَة راجحة على مفسدتها فَيقْتَصر من ذَلِك على الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ الْمصلحَة دون الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ ضَرَر بِلَا مصلحَة راجحة فصل لَا يجب على الْمَالِكِي وَلَا على غَيره تَقْلِيد أحد من الْأَئِمَّة بِعَيْنِه فِي جَمِيع الدّين بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة الْكِبَار وَالصَّلَاة بالنعلين سنة أَمر رَسُول الله ﷺ وَأمر إِذا كَانَ فِيهَا إذى أَن يدلكهما بِالْأَرْضِ فَإِنَّهَا لَهما طهُور وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من قولي

стр. 34

الْعلمَاء وَصلَاته ﷺ وَأَصْحَابه بالنعال فِي الْمَسْجِد مَعَ أَنهم يَسْجُدُونَ عَليّ مَا يلاقي النِّعَال كل ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة أَسْفَل النَّعْل مَعَ أَنهم كَانُوا يروحون إِلَى الحش للبراز فرذا رأى عَلَيْهِمَا أثر النَّجَاسَة فدلكهما بِالْأَرْضِ طهرتا وخمرة الْخلّ هَل يجب إراقتها على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أصَحهمَا الإراقة مَسْأَلَة وَلَا يجوز أَن يذبح فِي الْمَسْجِد وَلَا أَن يقبر فِيهِ وَلَا أَن يستنجى وَلَا يُغير وَقفه مصلحَة وَفِي كَرَاهَة الْوضُوء نزاع وَمن رد على الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر فِيهِ عُوقِبَ وَلَا يغسل الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد وَإِذا كَانَ الرجل مُتبعا لبَعض الْأَئِمَّة فَرَأى فِي بعض المساذل أَن مَذْهَب غَيره أقوى فَاتبعهُ كَانَ قد أحسن وَلم يقْدَح ذَلِك فِي عَدَالَته بِلَا نزاع بل هَذَا أولى بِالْحَقِّ وَأحب إِلَى الله وَرَسُوله مِمَّن يتعصب لوَاحِد معِين غير النَّبِي ﷺ كمن يرى أَن قَول هَذَا الْمعِين هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعه دون قَول الإِمَام الَّذِي خَالفه فَمن فعل هَذَا كَانَ جَاهِلا ضَالًّا بل قد يكون كَافِرًا فَإِنَّهُ مَتى اعْتقد أَنه على النَّاس اتِّبَاع وَاحِد بِعَيْنِه من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة دون الإِمَام الآر فَإِنَّهُ يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل بل غَايَة مَا يُقَال إِنَّه يسوغ أَو يَنْبَغِي أَن يجب على الْعَاميّ أَن يُقَلّد وَاحِد لَا بِعَيْنِه من غير تعْيين زيد وَلَا عَمْرو وَأما أَن يَقُول قَائِل إِنَّه يجب على الْأمة تَقْلِيد فلَان أَو فلَان فَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَمن كَانَ مواليا للأئمة محبا لَهُم يُقَلّد كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا يظْهر لَهُ أَنه مُوَافق للسّنة فَهُوَ محسن فِي ذَلِك بل هُوَ أحسن حَالا من غَيره فالأئمة اجْتِمَاعهم حجَّة قَاطِعَة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَاسِعَة فَمن تعصب لوَاحِد

стр. 35

بِعَيْنِه كَانَ يمنزلة الرافضة الَّذين يتعصبون لوَاحِد من الصَّحَابَة دون غَيره وكالخوارج وَهَذِه طَريقَة أهل الْبدع والأهواء الَّذين هم خارجون عَن الشَّرِيعَة بِإِجْمَاع الْأمة وَالْكتاب وَالسّنة ثمَّ عَامَّة المتعصبين لوَاحِد إِمَّا مَالك أَو الشَّافِعِي أَو أَحْمد أَو أبي حنيفَة أَو غَيره غَايَته أَن يكون جَاهِلا بِقَدرِهِ فِي الْعلم وَالدّين وبقدر الآخرين فَيكون جَاهِلا ظَالِما وَالله يَأْمر بِالْعلمِ وبالعدل وَينْهى عَن الْجَهْل وَالظُّلم فَالْوَاجِب مُوالَاة الْمُؤمنِينَ وَالْعُلَمَاء وَقصد الْحق واتباعه وليعلم أَن من اجْتهد مِنْهُم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وبلاد الشرق من أَسبَاب تسليط الله عَلَيْهِم التّرْك كَثْرَة التَّفَرُّق والفتن بَينهم فِي الْمذَاهب وكل ذَلِك من الِاخْتِلَاف الَّذِي ذمه الله فَإِن الِاعْتِصَام بِالْجَمَاعَة والائتلاف من أصُول الدّين وَالْوَاجِب على الْخلق اتِّبَاع الْمَعْصُوم الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فعلى أَقْوَاله وأحواله وأفعاله توزن جَمِيع الْأَحْوَال والأقوال وَالْأَفْعَال وَالله يوفقنا وإخواننا وساذر الْمُؤمنِينَ لما يُحِبهُ ويرضاه فصل يجب أَن يُحَرك لِسَانه بِالذكر وَالْوَاجِب فِي الصَّلَاة من الْقِرَاءَة وَنَحْوهَا مَعَ الْقُدْرَة وَمن قَالَ إِنَّهَا تصح بِدُونِهِ يُسْتَتَاب وَيسْتَحب ذَلِك فِي الذّكر الْمُسْتَحبّ وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد أَن يكون بِحَيْثُ يسمع نَفسه إِذا لم يكن ثمَّ مَانع وَفِيه وَجه أَن تكون الْحَرَكَة بالحروف وأكمل الذّكر بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان ثمَّ بِالْقَلْبِ ثمَّ بِاللِّسَانِ والمأمور بِهِ فِي الصَّلَاة الْقلب وَاللِّسَان جَمِيعًا لَكِن ذكر اللِّسَان مَقْدُور وَالْقلب قد لَا يقدر عَلَيْهِ

стр. 36

للوسواس فَلَو قدر رجلَانِ أَحدهمَا ذكر الذّكر الْوَاجِب بِالْقَلْبِ فَقَط وَالثَّانِي بِلِسَانِهِ فَقَط فَإِن الأول لَا يُجزئهُ فيصلاته بِلَا نزاع وَإِن قدر ذكر الْقلب أفضل لِأَنَّهُ ترك الْوَاجِب الْمَقْدُور عَلَيْهِ كَمَا أَن الْخُشُوع لله بِالْقَلْبِ وَالْبدن أكمل مِنْهُ بِالْقَلْبِ وَحده وَهُوَ الْقلب وَحده أكمل مِنْهُ بِالْبدنِ وَحده ثمَّ إِن الصلي لَو اقْتصر على خشوع الْقلب لم يُجزئهُ بِلَا نزاع وَلَو غلب الوسواس على قلبه فِي أَكثر الصَّلَاة لم تصح صلَاته عِنْد أبي حَامِد الْغَزالِيّ وزبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ لَكِن الْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَن الْفَرْض يسْقط بذلك وَالتَّحْقِيق أَن كل عمل فِي الظَّاهِر من مُؤمن لَا بُد أَن يَصْحَبهُ عمل الْقلب بِخِلَاف الْعَكْس فَلَا يتَصَوَّر عمل الْبدن مُنْفَردا رلا من الْمُنَافِق الَّذِي يُصَلِّي رِيَاء وككان عمله بَاطِلا حابطا فَفرق بَين الْمُنَافِق وَالْمُؤمن فَيظْهر الْفرق بَين الْمُؤمن الَّذِي يقْصد عبَادَة الله بِقَلْبِه مَعَ الوسواس وَبَين الْمُنَافِق الَّذِي لَا يُصَلِّي رلا رِيَاء النَّاس وَأما أَبُو حَامِد وَنَحْوه فسووا بَين النَّوْعَيْنِ فَإِن كِلَاهُمَا إِنَّمَا تسْقط عَنهُ الصَّلَاة الْقَتْل فِي الدُّنْيَا من غير أَن تبرئ ذمَّته وَلَا ترفع عَنهُ عُقُوبَة الْآخِرَة والتسوية بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق فِي الصَّلَاة خطأ نعم قد يكون بعض النَّاس فِيهِ إمان ونفاق مثل أنيصلي لله ويحسنها لأجل النَّاس فيثاب على مَا أخلصه لله دون مَا عمله للنَّاس وَلَا يظلم رَبك أحدا فصل حَدِيث أنس فِي نفي الْجَهْر بالبسملة صَرِيح لَا يحْتَمل تَأْوِيلا فَإِن فِيهِ وَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول الْقِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا وَهَذَا النَّفْي لَا يجوز إِلَّا مَعَ الْعلم بذلك لَا يجوز بِمُجَرَّد كَونه لم يسمع مَعَ إِمْكَانه الْجَهْر بِلَا مسمع وَاللَّفْظ الآخر قس مُسلم صليت

стр. 37

خلف النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر أَو قَالَ يصلى بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهَذَا فِيهِ نفي السماع لَو لم يرو رلا هَذَا اللَّفْظ لم يجز تَأْوِيله بِأَنَّهُ لم يكن يسمع مَعَ جهر النَّبِي ﷺ لوجوه أَحدهَا أَنه إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا ليبين للنَّاس مَا كَانَ يَفْعَله النَّبِي ﷺ إِذْ لَا غَرَض لَهُم فِي معرفَة كَون أنس ﵁ سمع أَو لم يسمع إِلَّا ليستدلوا بِعَدَمِ سَمَاعه على عدم المسموع فَلَو لم يدل مَا كَانَ أنس ﵁ يرْوى شَيْئا لَا فاذدة فِيهِ وَلَا كَانُوا يروون هَذَا الَّذِي لَا يفيدهم الثَّانِي أَن مثل هَذَا اللَّفْظ فِي الْعرف صَار دَالا على عدم مالم يدْرك فَإِذا قيل مَا سمعنَا وَلَا أدركنا وَلَا رَأينَا لما شَأْنه أَن يسمع أَو يدْرك أَو يرى وَالْمَقْصُود نفي وجوده ذكره وَنفي الْإِدْرَاك عَليّ نَفْيه عينه الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن أنسا ﵁ كَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ من حِين قدم الْمَدِينَة إِلَيّ أَن مَاتَ وَكَانَ يدْخل على نِسَائِهِ قبل الْحجاب ويصحبه حضرا وسفرا وَحين حجَّته كَانَ تَحت نَاقَته يسيل عَلَيْهِ لُعَابهَا أتمكن مَعَ هَذَا الْقرب الْخَاص والصحبة الطَّوِيلَة أَن لَا يسمع النَّبِي ﷺ يجْهر بهَا مَعَ كَونه كَانَ يجْهر هَذَا مِمَّا يعلم بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانه عَادَة ثمَّ إِنَّه صحب زبا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلم يسمع من وَاحِد مِنْهُم مَعَ أَنهم كَانُوا يجهرون هَذَا لَا يُمكن بل هُوَ تَحْرِيف لاتأويل لَو لم يرد هَذَا اللَّفْظ كَيفَ وَالْآخر صَرِيح فِي نفي الذّكر لَهَا فَقَالَ لم بكونوا يذكرونها فَهُوَ تَفْسِير هَذِه الرِّوَايَة وكلا التَّأْويلَيْنِ يَنْفِي قَول من تَأَول قَوْله يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين بِأَنَّهُ سُورَة الْفَاتِحَة وَمثل حَدِيث أنس ﵁ حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنهم كَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَقد روى يفتتحون الْقِرَاءَة ب ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾

стр. 38

وَهَذَا صَرِيح فِي إدارة الْآيَة وَأَيْضًا فافتتاح الْقِرَاءَة بِالْفَاتِحَةِ قبل السُّورَة من الْمَعْلُوم الظَّاهِر يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام كَمَا يعلمُونَ الرُّكُوع قبل السُّجُود فَلَيْسَ فِي نقل مثل هَذَا فَائِدَة لَكِن لَيْسَ فِي حَدِيث أنس ﵁ نفي فراءتها سرا إِلَّا أَنه روى فَكَانُوا لَا يجهرون وَأما كَون الإِمَام لم يَقْرَأها فَلَا يمكنت إِدْرَاكه إِلَّا إِذا لم يكن بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة سكتة يُؤَيّد ذَلِك حَدِيث عبد الله بن مُغفل فِي السّنَن لما سمع ابْنه يجْهر بهَا فَأنْكر عَلَيْهِ وَقَالَ ﵁ يَا بني إياك وَالْحَدَث وَذكر أَنه يُصَلِّي خلف النَّبِي ﷺ أبي بكر وَعمر رصي الله عَنْهُمَا فَلم يَكُونُوا يجهرون وَأَيْضًا فَمن الْمَعْلُوم أَن الْجَهْر بهَا مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله بل لَو انْفَرد بِنَقْل مثل هَذَا الْوَاحِد أَو الِاثْنَان قطع بكذبهما وبمثل هَذَا تكذب دَعْوَى الرافضة النَّص على عَليّ ﵁ فِي الْخلَافَة وَأَمْثَاله ذَلِك وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة على أَنه لَيْسَ فِي الْجَهْر حَدِيث صَحِيح وَلم يرو أهل السننن من ذَلِك شَيْئا إِنَّمَا يُوجد الْجَهْر بهَا فِي أَحَادِيث مَوْضُوعَة يرْوى ذَلِك المارودي والثعلبي وأمثالهما من الَّذين يحتجون بِمثل حَدِيث الْحُمَيْرَاء وأعجب من ذَلِك أَن بعض أفاضل الْفُقَهَاء لم يعز فِي كِتَابه حَدِيثا إِلَى البُخَارِيّ إِلَّا حَدِيث الْبَسْمَلَة وَمن هَذَا مبلغ عمله كَيفَ يكون حَاله فِي هَذَا الْبَاب أَو يَرْوِيهَا عَمَّن جمع الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب وَإِذا سُئِلَ يَقُول يموجب علمه كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ أفيها شئ صَحِيح فَقَالَ أما عَن النَّبِي ﷺ فَلَا وَأما عَن الصَّحَابَة ﵃ فَمِنْهُ صَحِيح وَمِنْه ضَعِيف

стр. 39

فَإِذا لم يكن فِيهَا حَدِيث صَحِيح فضلا أَن يكون فِيهَا أَخْبَار متواترة أَو مستفيضة امْتنع أَن يكون النَّبِي ﷺ جهر بهَا فَلَا يُعَارض ذَلِك كَون عدم الْجَهْر مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله هُوَ فِي الْأُمُور الوجودية فَأَما العدمية فَلَا وَلَا ينْقل مِنْهَا إِلَّا مَا ظن وجوده أَو احْتِيجَ وجوده إِلَيّ مَعْرفَته وَلِهَذَا لَو نقل ناقل افتراض صَلَاة سادسة أَو صوما زَائِدا أوحجا أَو زِيَادَة فِي الْقِرَاءَة أَو فِي الرَّكْعَات لقطعنا بكذبه وَإِن كَانَ عدم ذَلِك لم ينْقل نقلا متواترا قطعا يُوضحهُ أَنهم لم ينقلوا الْجَهْر بالاستفتاح والاستعاذة وَقد استدلت الْأمة على عدم جهره بذلك وَإِن كَانَ لم ينْقل عدم الْجَهْر نقلا عَاما فبالطريق الَّتِي يعلم عدم جهره بذلك بِعلم عدم جهره بالبسملة هَذَا وَجه الثَّانِي أَن الْأُمُور العديمة لما احْتِيجَ إِلَى نقلهَا نقلت فَلَمَّا انقرض عصر الْخُلَفَاء ﵁ سَأَلَ النَّاس أنسا ﵁ حِين جهر بهَا بعض الْأَئِمَّة كإبن الزبير فَأخْبرهُم أنس ﵁ بترك الْجَهْر الثَّالِث أَن نفى الْجَهْر قد نقل صحيحاض صَرِيحًا فِي غير حَدِيث والجهر لم ينْقل نقلا صَحِيحا مَعَ أَن الْعَادة توجب نقل الْجَهْر دون عَدمه كَمَا قدمْنَاهُ وَمن تدبر هَذِه الْوُجُوه وَكَانَ عَالما بالأدلة قطع بِأَن النَّبِي ﷺ لم يكن يجْهر بهَا وَهل هَذَا إِلَّا بِمَثَابَة من نقل أَنه كَانَ يجْهر بالاستفتاح مَعَ أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يجْهر بِهِ كَمَا كَانَ فيهم من يجْهر بالبسملة وَنحن نعلم بالاضطرار أَنه ﷺ لم يكن يجْهر بالاستفتاح وَلَا بالاستعاذة كَمَا يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فَكَذَلِك الْبَسْمَلَة لم يكن يجْهر بهَا مَعَ أَنه قَالَ قد كَانَ يجْهر بهَا أَحْيَانًا وَأَنه كَانَ يجْهر بهَا قَدِيما ثمَّ ترك ذَلِك كَمَا روى أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ أَنه كَانَ يجْهر بهَا بِمَكَّة فإذاسمعه الْمُشْركُونَ سبوا الرَّحْمَن فَترك الْجَهْر فَمَا جهر بهَا بِمَكَّة حَتَّى مَاتَ فَهَذَا مُحْتَمل وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه كَانَ يجْهر بِالْآيَةِ أَحْيَانًا وَمثل جهر عمر رَضِي الله عَنهُ

стр. 40

بقول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَمثل جهر ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ بالاستعاذة وجهر ابْن عَبَّاس بِالْقِرَاءَةِ على الْجِنَازَة ليعلم النَّاس فَيمكن أَن يُقَال إِن من جهر بهَا من الصَّحَابَة كَانَ على هَذَا الْوَجْه ليعرفوا النَّاس أَن قرَاءَتهَا سنة مثل ماروى ابْن شهَاب يُرِيد بذلك أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن فَابْن شهَاب أعلم أهل زَمَانه بِالسنةِ قب تبين حَقِيقَة الْحَال فِي ذَلِك فَإِن عُمْدَة من يجْهر إِنَّمَا هُوَ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ﵃ فقد عرفت حَقِيقَة حَال زبي هيرية وَغَيره ﵃ وَإِنَّمَا كثر الْكَذِب فِي أَحَادِيث الْجَهْر لِأَن الشِّيعَة تري الْجَهْر وهم من أكذب النَّاس فوضعوا أَحَادِيث لبسوا بهَا على النَّاس أَمر دينهم وَلِهَذَا يُوجد فِي كَلَام أَئِمَّة أهل السّنة مثل سُفْيَان الثَّوْريّ أَنهم يذكرُونَ من السّنة الْمسْح عَليّ الْخُفَّيْنِ وَترك الْجَهْر بالبسملة كَمَا يذكرُونَ تَقْدِيم أبي بكر وَعمر ﵄ لأَنهم كَانَ عِنْدهم شعار الرافضة ذَلِك وروى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقرَان فَهِيَ خداج ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رجل أكون أَحْيَانًا وَرَاء الإِمَام فَقَالَ اقْرَأ بهَا فِي نَفسك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فرذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ الحَدِيث فَدلَّ عَليّ أَنا أَبَا هُرَيْرَة ﵁ رأى الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة عِنْده المقسومة هِيَ أم الْكتاب الْحَمد لله رب الْعَالمين كَمَا ذكره وَحَدِيث نعيم المجمر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا لَيست من أم القرأن وَلم يقل أحد إِنَّهَا لَيست من الْفَاتِحَة فَالْحَاصِل أَن أَبَا هُرَيْرَة إِن كَانَ جهر بهَا فَذَلِك ليعلم النَّاس أَن قرَاءَتهَا مُسْتَحبَّة
следующие страницы →