Полный текст (633 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
للوسواس فَلَو قدر رجلَانِ أَحدهمَا ذكر الذّكر الْوَاجِب بِالْقَلْبِ فَقَط وَالثَّانِي بِلِسَانِهِ فَقَط فَإِن الأول لَا يُجزئهُ فيصلاته بِلَا نزاع وَإِن قدر ذكر الْقلب أفضل لِأَنَّهُ ترك الْوَاجِب الْمَقْدُور عَلَيْهِ كَمَا أَن الْخُشُوع لله بِالْقَلْبِ وَالْبدن أكمل مِنْهُ بِالْقَلْبِ وَحده وَهُوَ الْقلب وَحده أكمل مِنْهُ بِالْبدنِ وَحده ثمَّ إِن الصلي لَو اقْتصر على خشوع الْقلب لم يُجزئهُ بِلَا نزاع وَلَو غلب الوسواس على قلبه فِي أَكثر الصَّلَاة لم تصح صلَاته عِنْد أبي حَامِد الْغَزالِيّ وزبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ
لَكِن الْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَن الْفَرْض يسْقط بذلك
وَالتَّحْقِيق أَن كل عمل فِي الظَّاهِر من مُؤمن لَا بُد أَن يَصْحَبهُ عمل الْقلب بِخِلَاف الْعَكْس فَلَا يتَصَوَّر عمل الْبدن مُنْفَردا رلا من الْمُنَافِق الَّذِي يُصَلِّي رِيَاء وككان عمله بَاطِلا حابطا فَفرق بَين الْمُنَافِق وَالْمُؤمن فَيظْهر الْفرق بَين الْمُؤمن الَّذِي يقْصد عبَادَة الله بِقَلْبِه مَعَ الوسواس وَبَين الْمُنَافِق الَّذِي لَا يُصَلِّي رلا رِيَاء النَّاس وَأما أَبُو حَامِد وَنَحْوه فسووا بَين النَّوْعَيْنِ فَإِن كِلَاهُمَا إِنَّمَا تسْقط عَنهُ الصَّلَاة الْقَتْل فِي الدُّنْيَا من غير أَن تبرئ ذمَّته وَلَا ترفع عَنهُ عُقُوبَة الْآخِرَة والتسوية بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق فِي الصَّلَاة خطأ
نعم قد يكون بعض النَّاس فِيهِ إمان ونفاق مثل أنيصلي لله ويحسنها لأجل النَّاس فيثاب على مَا أخلصه لله دون مَا عمله للنَّاس وَلَا يظلم رَبك أحدا
فصل
حَدِيث أنس فِي نفي الْجَهْر بالبسملة صَرِيح لَا يحْتَمل تَأْوِيلا فَإِن فِيهِ وَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول الْقِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا وَهَذَا النَّفْي لَا يجوز إِلَّا مَعَ الْعلم بذلك لَا يجوز بِمُجَرَّد كَونه لم يسمع مَعَ إِمْكَانه الْجَهْر بِلَا مسمع وَاللَّفْظ الآخر قس مُسلم صليت
стр. 37
خلف النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر أَو قَالَ يصلى بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَهَذَا فِيهِ نفي السماع لَو لم يرو رلا هَذَا اللَّفْظ لم يجز تَأْوِيله بِأَنَّهُ لم يكن يسمع مَعَ جهر النَّبِي ﷺ لوجوه
أَحدهَا أَنه إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا ليبين للنَّاس مَا كَانَ يَفْعَله النَّبِي ﷺ إِذْ لَا غَرَض لَهُم فِي معرفَة كَون أنس ﵁ سمع أَو لم يسمع إِلَّا ليستدلوا بِعَدَمِ سَمَاعه على عدم المسموع فَلَو لم يدل مَا كَانَ أنس ﵁ يرْوى شَيْئا لَا فاذدة فِيهِ وَلَا كَانُوا يروون هَذَا الَّذِي لَا يفيدهم
الثَّانِي أَن مثل هَذَا اللَّفْظ فِي الْعرف صَار دَالا على عدم مالم يدْرك فَإِذا قيل مَا سمعنَا وَلَا أدركنا وَلَا رَأينَا لما شَأْنه أَن يسمع أَو يدْرك أَو يرى وَالْمَقْصُود نفي وجوده ذكره وَنفي الْإِدْرَاك عَليّ نَفْيه عينه
الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن أنسا ﵁ كَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ من حِين قدم الْمَدِينَة إِلَيّ أَن مَاتَ وَكَانَ يدْخل على نِسَائِهِ قبل الْحجاب ويصحبه حضرا وسفرا وَحين حجَّته كَانَ تَحت نَاقَته يسيل عَلَيْهِ لُعَابهَا أتمكن مَعَ هَذَا الْقرب الْخَاص والصحبة الطَّوِيلَة أَن لَا يسمع النَّبِي ﷺ يجْهر بهَا مَعَ كَونه كَانَ يجْهر هَذَا مِمَّا يعلم بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانه عَادَة ثمَّ إِنَّه صحب زبا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلم يسمع من وَاحِد مِنْهُم مَعَ أَنهم كَانُوا يجهرون هَذَا لَا يُمكن بل هُوَ تَحْرِيف لاتأويل لَو لم يرد هَذَا اللَّفْظ
كَيفَ وَالْآخر صَرِيح فِي نفي الذّكر لَهَا فَقَالَ لم بكونوا يذكرونها فَهُوَ تَفْسِير هَذِه الرِّوَايَة وكلا التَّأْويلَيْنِ يَنْفِي قَول من تَأَول قَوْله يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين بِأَنَّهُ سُورَة الْفَاتِحَة
وَمثل حَدِيث أنس ﵁ حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنهم كَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَقد روى يفتتحون الْقِرَاءَة ب ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾
стр. 38
وَهَذَا صَرِيح فِي إدارة الْآيَة
وَأَيْضًا فافتتاح الْقِرَاءَة بِالْفَاتِحَةِ قبل السُّورَة من الْمَعْلُوم الظَّاهِر يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام كَمَا يعلمُونَ الرُّكُوع قبل السُّجُود فَلَيْسَ فِي نقل مثل هَذَا فَائِدَة لَكِن لَيْسَ فِي حَدِيث أنس ﵁ نفي فراءتها سرا إِلَّا أَنه روى فَكَانُوا لَا يجهرون وَأما كَون الإِمَام لم يَقْرَأها فَلَا يمكنت إِدْرَاكه إِلَّا إِذا لم يكن بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة سكتة
يُؤَيّد ذَلِك حَدِيث عبد الله بن مُغفل فِي السّنَن لما سمع ابْنه يجْهر بهَا فَأنْكر عَلَيْهِ وَقَالَ ﵁ يَا بني إياك وَالْحَدَث وَذكر أَنه يُصَلِّي خلف النَّبِي ﷺ أبي بكر وَعمر رصي الله عَنْهُمَا فَلم يَكُونُوا يجهرون
وَأَيْضًا فَمن الْمَعْلُوم أَن الْجَهْر بهَا مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله بل لَو انْفَرد بِنَقْل مثل هَذَا الْوَاحِد أَو الِاثْنَان قطع بكذبهما
وبمثل هَذَا تكذب دَعْوَى الرافضة النَّص على عَليّ ﵁ فِي الْخلَافَة وَأَمْثَاله ذَلِك
وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة على أَنه لَيْسَ فِي الْجَهْر حَدِيث صَحِيح وَلم يرو أهل السننن من ذَلِك شَيْئا إِنَّمَا يُوجد الْجَهْر بهَا فِي أَحَادِيث مَوْضُوعَة يرْوى ذَلِك المارودي والثعلبي وأمثالهما من الَّذين يحتجون بِمثل حَدِيث الْحُمَيْرَاء
وأعجب من ذَلِك أَن بعض أفاضل الْفُقَهَاء لم يعز فِي كِتَابه حَدِيثا إِلَى البُخَارِيّ إِلَّا حَدِيث الْبَسْمَلَة وَمن هَذَا مبلغ عمله كَيفَ يكون حَاله فِي هَذَا الْبَاب أَو يَرْوِيهَا عَمَّن جمع الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب وَإِذا سُئِلَ يَقُول يموجب علمه كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ أفيها شئ صَحِيح فَقَالَ أما عَن النَّبِي ﷺ فَلَا وَأما عَن الصَّحَابَة ﵃ فَمِنْهُ صَحِيح وَمِنْه ضَعِيف
стр. 39
فَإِذا لم يكن فِيهَا حَدِيث صَحِيح فضلا أَن يكون فِيهَا أَخْبَار متواترة أَو مستفيضة امْتنع أَن يكون النَّبِي ﷺ جهر بهَا فَلَا يُعَارض ذَلِك كَون عدم الْجَهْر مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله هُوَ فِي الْأُمُور الوجودية فَأَما العدمية فَلَا وَلَا ينْقل مِنْهَا إِلَّا مَا ظن وجوده أَو احْتِيجَ وجوده إِلَيّ مَعْرفَته وَلِهَذَا لَو نقل ناقل افتراض صَلَاة سادسة أَو صوما زَائِدا أوحجا أَو زِيَادَة فِي الْقِرَاءَة أَو فِي الرَّكْعَات لقطعنا بكذبه وَإِن كَانَ عدم ذَلِك لم ينْقل نقلا متواترا قطعا
يُوضحهُ أَنهم لم ينقلوا الْجَهْر بالاستفتاح والاستعاذة وَقد استدلت الْأمة على عدم جهره بذلك وَإِن كَانَ لم ينْقل عدم الْجَهْر نقلا عَاما فبالطريق الَّتِي يعلم عدم جهره بذلك بِعلم عدم جهره بالبسملة هَذَا وَجه
الثَّانِي أَن الْأُمُور العديمة لما احْتِيجَ إِلَى نقلهَا نقلت فَلَمَّا انقرض عصر الْخُلَفَاء ﵁ سَأَلَ النَّاس أنسا ﵁ حِين جهر بهَا بعض الْأَئِمَّة كإبن الزبير فَأخْبرهُم أنس ﵁ بترك الْجَهْر
الثَّالِث أَن نفى الْجَهْر قد نقل صحيحاض صَرِيحًا فِي غير حَدِيث والجهر لم ينْقل نقلا صَحِيحا مَعَ أَن الْعَادة توجب نقل الْجَهْر دون عَدمه كَمَا قدمْنَاهُ
وَمن تدبر هَذِه الْوُجُوه وَكَانَ عَالما بالأدلة قطع بِأَن النَّبِي ﷺ لم يكن يجْهر بهَا
وَهل هَذَا إِلَّا بِمَثَابَة من نقل أَنه كَانَ يجْهر بالاستفتاح مَعَ أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يجْهر بِهِ كَمَا كَانَ فيهم من يجْهر بالبسملة وَنحن نعلم بالاضطرار أَنه ﷺ لم يكن يجْهر بالاستفتاح وَلَا بالاستعاذة كَمَا يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فَكَذَلِك الْبَسْمَلَة لم يكن يجْهر بهَا مَعَ أَنه قَالَ قد كَانَ يجْهر بهَا أَحْيَانًا وَأَنه كَانَ يجْهر بهَا قَدِيما ثمَّ ترك ذَلِك كَمَا روى أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ أَنه كَانَ يجْهر بهَا بِمَكَّة فإذاسمعه الْمُشْركُونَ سبوا الرَّحْمَن فَترك الْجَهْر فَمَا جهر بهَا بِمَكَّة حَتَّى مَاتَ فَهَذَا مُحْتَمل
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه كَانَ يجْهر بِالْآيَةِ أَحْيَانًا وَمثل جهر عمر رَضِي الله عَنهُ
стр. 40
بقول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَمثل جهر ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ بالاستعاذة وجهر ابْن عَبَّاس بِالْقِرَاءَةِ على الْجِنَازَة ليعلم النَّاس
فَيمكن أَن يُقَال إِن من جهر بهَا من الصَّحَابَة كَانَ على هَذَا الْوَجْه ليعرفوا النَّاس أَن قرَاءَتهَا سنة مثل ماروى ابْن شهَاب يُرِيد بذلك أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن فَابْن شهَاب أعلم أهل زَمَانه بِالسنةِ قب تبين حَقِيقَة الْحَال فِي ذَلِك
فَإِن عُمْدَة من يجْهر إِنَّمَا هُوَ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ﵃ فقد عرفت حَقِيقَة حَال زبي هيرية وَغَيره ﵃
وَإِنَّمَا كثر الْكَذِب فِي أَحَادِيث الْجَهْر لِأَن الشِّيعَة تري الْجَهْر وهم من أكذب النَّاس فوضعوا أَحَادِيث لبسوا بهَا على النَّاس أَمر دينهم وَلِهَذَا يُوجد فِي كَلَام أَئِمَّة أهل السّنة مثل سُفْيَان الثَّوْريّ أَنهم يذكرُونَ من السّنة الْمسْح عَليّ الْخُفَّيْنِ وَترك الْجَهْر بالبسملة كَمَا يذكرُونَ تَقْدِيم أبي بكر وَعمر ﵄ لأَنهم كَانَ عِنْدهم شعار الرافضة ذَلِك
وروى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقرَان فَهِيَ خداج ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رجل أكون أَحْيَانًا وَرَاء الإِمَام فَقَالَ اقْرَأ بهَا فِي نَفسك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فرذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ الحَدِيث
فَدلَّ عَليّ أَنا أَبَا هُرَيْرَة ﵁ رأى الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة عِنْده المقسومة هِيَ أم الْكتاب الْحَمد لله رب الْعَالمين كَمَا ذكره
وَحَدِيث نعيم المجمر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا لَيست من أم القرأن وَلم يقل أحد إِنَّهَا لَيست من الْفَاتِحَة
فَالْحَاصِل أَن أَبَا هُرَيْرَة إِن كَانَ جهر بهَا فَذَلِك ليعلم النَّاس أَن قرَاءَتهَا مُسْتَحبَّة
стр. 41
كَمَا جهر عمر ﵁ بالاستفتاح وَيكون حَدِيث فِي الْقِسْمَة مُوَافقا لحَدِيث أنس وَعَائِشَة ﵃ هَذَا إِن كَانَ حَدِيثه دَالا على الْجَهْر فَإِنَّهُ مُحْتَمل فَإِن فِيهِ أَنه قَرَأَ بهَا وَمُجَرَّد قِرَاءَته بهَا لَا يدل على الْجَهْر فَإِن قارىء المرقد يسمع قِرَاءَته من قرب مِنْهُ أَو أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ أخبرهُ بِقِرَاءَتِهَا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يقْرَأ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب وَهِي قِرَاءَة سر
وَأما حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم فَليعلم أَولا أَن الْحَاكِم متساهل فِي بَاب التَّصْحِيح حَتَّى إِنَّه يصحح مَا هُوَ مَوْضُوع فَلَا يوثق بِتَصْحِيحِهِ وَحده حَتَّى إِن تَصْحِيحه دون تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِلَا نزاع بل دون تَصْحِيح ابْن خُزَيْمَة وَأبي حَاتِم ابْن حبَان بل تَصْحِيح الْحَافِظ أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي فِي المختارة خير من تَصْحِيح الْحَاكِم بِلَا ريب وتحسين التِّرْمِذِيّ أَحْيَانًا يكون مثل تَصْحِيحه أَو أرجح فَهُوَ هَذَا
وَالْمَعْرُوف عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَابْنه مُعْتَمر أَنَّهُمَا كَانَا يجهران بالبسملة لَكِن نقل ذَلِك عَن أنس ﵁ هُوَ الْمُنكر مَعَ مُخَالفَة أَصْحَاب أنس الثِّقَات الْأَثْبَات لذلكك فَإِنَّهُم نقلوا عدم الْجَهْر
قَالَ الشَّافِعِي حَدثنَا عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم أَن أَبَا بكر بن حَفْص بن عمر أخبرهُ أَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ صلى مُعَاوِيَة ﵁ بِالْمَدِينَةِ فجهر بِأم الْقُرْآن فَقَرَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لأم الْقُرْآن وَلم يقْرَأ بهَا للسورة الَّتِي بعْدهَا وَلم يكبر حِين يهوى حَتَّى قضى تِلْكَ الصَّلَاة فَلَمَّا سلم ناداه من سَمعه من
стр. 42
الْمُهَاجِرين من كل مَكَان يَا مُعَاوِيَة أسرقت الصَّلَاة أم نسيت فَلَمَّا صلى بعد ذَلِك قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم للسورة الَّتِي بعد أم الْقُرْآن وَكبر حِين يهوي سَاجِدا
وأنبأنا ابراهيم بن مُحَمَّد حَدثنَا عُثْمَان بن خثيم عَن اسماعيل بن عبيد بن رِفَاعَة عَن أَبِيه أَن مُعَاوِيَة لما قدم الْمَدِينَة صلى لَهُم وَلم يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلم يكبر إِذا خفض وَإِذا رفع فناداه الْمُهَاجِرُونَ حِين سلم والانصار ﵃ أَي مُعَاوِيَة سرقت الصَّلَاة وَذكره
وَقَالَ الشَّافِعِي حَدثنَا يحيى بن سليم عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد بن رِفَاعَة عَن أَبِيه عَن جده عَن مُعَاوِيَة الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار بِمثلِهِ أَو بِمثل مَعْنَاهُ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاده ثِقَات
وَالْجَوَاب أَنه حَدِيث ضَعِيف من وُجُوه
أَحدهَا انه يرْوى عَن أنس ﵁ وَأَحَادِيث أنس ﵁ الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة المستفيضة ترد هَذَا
الثَّانِي أَن مدارة على عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم وَقد ضعفه طَائِفَة وَقد اضْطَرَبُوا فِي رِوَايَته إِسْنَادًا ومتنا فَتبين أَنه غير مَحْفُوظ
الثَّالِث أَنه لَيْسَ فِيهِ إِسْنَاد مُتَّصِل السماع بل فِيهِ من الضعْف وَالِاضْطِرَاب مَالا يُؤمن مَعَه الِانْقِطَاع أَو سوء الْحِفْظ
الرَّابِع أَن أنسا كَانَ مُقيما بِالْبَصْرَةِ وَمُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ وَلم يذكر أحد علمناه أَن أنسا ﵁ كَانَ مَعَه بل الظَّاهِر أَنه لم يكن مَعَه
الْخَامِس أَن هَذِه الْقَضِيَّة بِتَقْدِير وُقُوعهَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ والرواي لَهَا أنس وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ وَهِي مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي والهمم على نقلهَا وَمن الْمَعْلُوم أَن أَصْحَاب أنس المعروفين بِصُحْبَتِهِ وَأهل الْمَدِينَة لم ينْقل أحد مِنْهُم ذَلِك بل الْمُتَوَاتر عَن أنس وَأهل الْمَدِينَة نقيض ذَلِك والناقل لَيْسَ من هَؤُلَاءِ وَلَا من هَؤُلَاءِ
стр. 43
السَّادِس أَن مُعَاوِيَة لَو كَانَ رَجَعَ إِلَى الْجَهْر بالبسملة فِي أول الْفَاتِحَة وَالسورَة لَكَانَ ايضا مَعْرُوفا من أمره عِنْد أهل الشَّام الَّذين صحبوه وَلم يقنل هَذَا أحد من أهل الشَّام عَن مُعَاوِيَة بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كَانَ مَذْهَبهم ترك الْجَهْر بل الْأَوْزَاعِيّ مذْهبه فِيهَا مَذْهَب مَالك لَا يقْرؤهَا سرا وَلَا جَهرا
فَمن تدبر ذَلِك قطع بِأَن حَدِيث مُعَاوِيَة إِمَّا بَاطِل لَا حَقِيقَة لَهُ وَإِمَّا مغير عَن وَجهه وَأَن الَّذِي حدث بِهِ بلغَة من وَجه لَيْسَ بِصَحِيح فحصلت الآفة من انْقِطَاع إِسْنَاده
وَقيل هَذَا الحَدِيث لَو كَانَ يقوم بِهِ الْحجَّة فَهُوَ شَاذ لِأَنَّهُ خلاف مَا رَوَاهُ النَّاس الاثبات عَن أنس وَعَن أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام وَمن شَرط الحَدِيث أَن يكون شاذا وَلَا مُعَللا وَهَذَا شَاذ مُعَلل إِن لم يكن من سوء حفظ بعض رُوَاته
والعمدة الَّتِي اعتمدها المصنفون فِي الْجَهْر وَوُجُوب قرَاءَتهَا إِنَّمَا هُوَ كتَابَتهَا بقلم الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَأَن الصَّحَابَة ﵃ جردوا الْقُرْآن عَن غَيره والمتواتر عَن الصَّحَابَة أَن مَا بَين اللَّوْحَيْنِ قُرْآن
وَلَا يُقَال لَا يثبت إِلَّا بتواتر وَلَو تَوَاتَرَتْ لكفرنا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُقَال لَو كَانَ كَذَلِك لكفر مثبتها وَلَا تَكْفِير من الْجَانِبَيْنِ فَكل حجَّة تقَابل الْأُخْرَى
وَالْحق أَنه آيَة للفصل بَين السُّور
والبسملة قيل لَيست من الْقُرْآن الا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول مَالك وَطَائِفَة من الْحَنَفِيَّة والحنبلية
وَقيل هِيَ من كل سُورَة آيَة أَو بعض آيَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عَن الشَّافِعِي
وَقيل إِنَّهَا من الْقُرْآن حَيْثُ كتبت وَمَعَ ذَلِك لَيست من السُّور بل كتبت آيَة فِي أول كل سُورَة وَكَذَلِكَ تتلى آيَة مُنْفَرِدَة فِي أول كل سُورَة كَمَا تَلَاهَا النَّبِي صلى الل عَلَيْهِ وَسلم حِين نزلت عَلَيْهِ سُورَة ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَهُوَ قَول من حقق القَوْل
стр. 44
فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَيْثُ جمع بَين مُقْتَضى الْأَدِلَّة وكتابتها سطرا مَفْصُولًا عَن السُّورَة وَتجب قِرَاءَة الْبَسْمَلَة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة
وَقيل تكره سرا وجهرا وَهُوَ الْمَشْهُور عَن مَالك
وَقيل قرَاءَتهَا جَائِزَة بل مُسْتَحبَّة وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وَأكْثر أهل الحَدِيث
وَطَائِفَة تسوى بَين قرَاءَتهَا وَتركهَا معتقدين أَن هَذَا على إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن ويجهر بهَا وَقيل لَا وَقيل يخبر روى عَن إِسْحَاق وَهُوَ قَول ابْن حزم وَغَيره
وَمَعَ ذَلِك فمراعاة الائتلاف هُوَ الْحق فيجهر بهَا بِالْمَصْلَحَةِ راجحة ويسوغ ترك الْأَفْضَل لتأليف الْقُلُوب كَمَا ترك النَّبِي ﷺ بِنَاء الْبَيْت على قَوَاعِد ابراهيم خشيَة تنفير قُرَيْش نَص الْأَئِمَّة كأحمد على ذَلِك فِي الْبَسْمَلَة وَفِي وصل الْوتر وَغَيره كَمَا فِيهِ الْعُدُول عَن الافضل إِلَى الْجَائِز مُرَاعَاة للائتلاف أَو لتعريف السّنة وأمثال ذَلِك وَالله أعلم
هَل الْأَفْضَل وضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ أَو بِالْعَكْسِ
فِيهِ رِوَايَتَانِ هما قَولَانِ للْعُلَمَاء
وَفِي بطلَان الصَّلَاة بالنحنحة والنفخ نزاع الْأَشْبَه عدم الْبطلَان لَكِن إِن كَانَ من خشيَة الله فالنزاع مَعَ الشَّافِعِي
وَأما إِن غلب عَلَيْهِ فَالصَّحِيح عِنْد الْجُمْهُور أَنه لَا تبطل وَهُوَ مَنْصُوص عَن أَحْمد وَقَالَ بعض أَصْحَابه تبطل
стр. 45
وَالْقَوْل بِأَن العطاس يبطل مُحدث
وَقد تبين أَن هَذِه الْأَصْوَات الخلقية الَّتِي لَا تدل بِالْوَضْعِ على لفظ فِيهَا نزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَظْهَر فِيهَا جَمِيعًا أَنَّهَا لَا تبطل فَإِن الْأَصْوَات من جنس الحركات وكما أَن الْعَمَل الْيَسِير لَا يبطل فالصوت الْيَسِير مثله بِخِلَاف القهقهة فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة الْعَمَل الْكثير
وَاللَّفْظ ثَلَاث دَرَجَات
أَحدهَا أَن يدل على معنى بِالْوَضْعِ إِمَّا بِنَفسِهِ وَإِمَّا مَعَ لفظ غَيره كفى وَعَن فَهَذَا كَلَام
الثَّانِي أَن يدل على معنى بالطبع مثل التأوه والأنين والبكاء
الثَّالِث أَن لَا يدل على معنى بالطبع وَلَا بِالْوَضْعِ كالنحنحة فَهَذَا الْقسم كَانَ أَحْمد قدس الله روحه يَفْعَله
وَإِذا لم يجد الرجل موقفا إِلَّا حلف الصَّفّ فَفِيهِ نزاع بَين المبطلين لصَلَاة الْمُنْفَرد وَالْأَظْهَر صِحَة صَلَاة هَذَا فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ عجز وطرده صِحَة صَلَاة الْمُتَقَدّم عَليّ الإِمَام للْحَاجة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَمن قَالَ إِن الإِمَام إِن سبح أَكثر من ثَلَاث بِغَيْر رضَا الْمَأْمُومين ببطلت صلَاته فَهُوَ قَول بَاطِل مُحدث لم يقلهُ أحد من الْأَئِمَّة
والطمأنينة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَاجِبَة والنزاع فِي وجوب الْإِعَادَة
فصل
واللحن الَّذِي يحِيل الْمَعْنى إِن أَحَالهُ إِلَى مَا هُوَ من جنس معنى من مَعَاني الْقُرْآن خطأ فَهَذَا لَا يبطل صلَاته كَمَا لَو غلط فِي الْقُرْآن فِي مَوضِع الِاشْتِبَاه فخلط سُورَة بغَيْرهَا وَأما إِن أَحَالهُ إِلَى مَا يُخَالف معنى الْقُرْآن كَقَوْلِه أَنْعَمت بِالضَّمِّ
стр. 46
فَهَذَا بِمَنْزِلَة كَلَام الأدميين وَهُوَ فِي مثل هَذِه الْحَال محرم فِي الصَّلَاة لكنه لَو تكلم بِهِ فِي الصَّلَاة جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ فَفِي بطلَان صلَاته نزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره كالناسي الصَّحِيح أَنه لَا يبطل صلَاته
وَالْجَاهِل بِمَعْنى أَنْعَمت عذره أقوى من عذر النَّاسِي وَالْجَاهِل لِأَن هَذَا يعْتَقد أَنَّهَا من كَلَام الله بِخِلَاف الْجَاهِل فَإِنَّهُ يعلم أَنه كَلَام الْآدَمِيّين لَكِن لَا يعلم أَنه مَحْظُور
وعَلى هَذَا فَلَو كَانَ مثل هَذَا اللّحن فِي نقل الْقِرَاءَة لم تبطل وَأما إِذا كَانَ فِي الْفَاتِحَة الَّتِي هِيَ فرض فَيُقَال هَب أَنَّهَا لَا تبطل من جِهَة كَونه متكلما لكنه لم يَأْتِ بِفَرْض الْقِرَاءَة فَيكون قد ترك ركنا فِي الصَّلَاة جَاهِلا وَلَو تَركه نَاسِيا لم تصح صلَاته فَكَذَلِك إِن تَركه جَاهِلا لَكِن هَذَا لم يتْرك أصل الرُّكْن وَإِنَّمَا ترك صنفه فِيهِ وأتى بغَيْرهَا ظَانّا أَنَّهَا هِيَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من سجد إِلَى غَيره الْقبْلَة
وَلَو ترك بعض الْفُرُوض غير عَالم بفرضه فَفِي هَذَا الأَصْل قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وأصل ذَلِك خطاب الشَّارِع هَل يثبت قبل الْبلُوغ وَالْعلم بِهِ أم لَا على ثَلَاثَة أَقْوَال
أَصَحهَا أَن يعْذر فَلَا تجب الْإِعَادَة على هَذَا الْجَاهِل وَمثله مَا لَو لم تعلم الْمَرْأَة أَنه يجب ستر رَأسهَا وجسدها لم تعد وَلِهَذَا إِذا تغير اجْتِهَاد الْحَاكِم لم ينْقض مَا حكم فِيهِ وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي إِذا تغير اجْتِهَاده
وَأما إِن تعمد اللّحن عَالما بِمَعْنَاهُ بطلت صلَاته من جِهَة أَنه لم يقْرَأ الْفَاتِحَة وَمن جِهَة انه تكلم بِكَلَام الْآدَمِيّين بل لَو عرف مَعْنَاهُ وخاطب بِهِ الله كفر وَإِن تَعَمّده وَلم يعلم مَعْنَاهُ لم يكفر وَإِن لم يتَعَمَّد لَكِن ظن أَنه حق فَفِي صِحَة صلاتة نزاع كَمَا ذَكرْنَاهُ
وَكَذَا لَو علم أَنه لحن لَكِن اعْتقد أَن لَا يحِيل الْمَعْنى حَتَّى لَو كَانَ
стр. 47
إِمَامًا فَفِي صِحَة من صَلَاة من خَلفه نزاع هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وَفِي إِمَامَة المتنقل بالمفترض ثَلَاثَة أَقْوَال يجوز وَلَا يجوز وَيجوز عِنْد الْحَاجة نَحْو أَن يكون المأمومون أُمِّيين أما لَو صلى من يلحن بِمثلِهِ فَيجوز إِذا كَانُوا عاجزين عَن إِصْلَاحه هَذَا فِي الْفَاتِحَة أما فِي غير الْفَاتِحَة فان تَعَمّده بطلت صلَاته
وَالَّذِي يحِيل الْمَعْنى مثل أَنْعَمت إياك بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَالَّذِي يحيله مثل فك الإدعام فِي مَوْضِعه أَو قطع همز الْوَصْل وَمثل الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين
وَأما إِن قَالَ الْحَمد أَو رب أَو نستعين أَو أَنْعَمت عَلَيْهِم فَهَذَا تصح صلَاته لكل أحد فَإِنَّهَا قِرَاءَة وَلَيْسَت لحنا
وإمامة الرَّاتِب فِي الْمَسْجِد مرَّتَيْنِ بِدعَة
ويعفى عَن النَّائِم وَالنَّاسِي إِن كَانَ محافظا على الصَّلَاة حَال الْيَقَظَة وَالذكر وَأما من لم يكن محافظا عُوقِبَ على التّرْك مُطلقًا
وَيجوز التَّمام الْمُسلمين بَعضهم بِبَعْض مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْفُرُوع بِإِجْمَاع السّلف وَأَصَح قَول الْخلف فَإِن صَلَاة الإِمَام جَائِزَة إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ صلى بِاجْتِهَادِهِ فَهُوَ مأجور فَاعل الْوَاجِب عَلَيْهِ الَّذِي يَكْفِي وَهُوَ من المصلحين
وَمن قَالَ إِن صلَاته لَا تسْقط الْفَرْض فقد خَالف الْإِجْمَاع يُسْتَتَاب بِخِلَاف من صلى بِلَا وضوء مَعَ عمله فَهَذَا صلَاته فأسدة فَلَا يأتم بِهِ من علم حَاله
وَلم يزل الصَّحَابَة والتابعون ﵃ أَجْمَعِينَ يؤم بَعضهم بَعْضًا مَعَ أَنهم مُخْتَلفُونَ فِي الْفُرُوع
وسر الْمَسْأَلَة أَن مَا تَركه الْمُجْتَهد من الْبَسْمَلَة وَغَيره إِن لم يكن وَاجِبا فِي نفس الْأَمر فَلَا كَلَام وان كَانَ وَاجِبا فقد يسْقط عَنهُ بِاجْتِهَادِهِ وَقد قَالَ تَعَالَى رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا فَقَالَ الله قد فعلت
стр. 48
فصل
من شرب الْخمر يَوْمًا ثمَّ لم يشْربهَا إِلَى شهر وَنِيَّته إِذا قدر عَلَيْهَا شربهَا فَهُوَ مصر لَيْسَ بتائب وَكَذَلِكَ جَمِيع الذُّنُوب
وَمن اعْتَادَ شربهَا كَمَا يعْتَاد أَمْثَالهَا من الشَّرَاب فَهُوَ مدمن عَلَيْهَا فاعتياد الْخمر كاعتياد اللَّحْم من النَّاس من يَأْكُلهُ كل يَوْم وَمِنْهُم من يَأْكُلهُ كل أُسْبُوع أَو يَوْمَيْنِ أَو أَكثر أَو أقل
وَلَا يجوز أَن يُولى الْمصر وَلَا المدمن إِمَامَة صَلَاة لَكِن لَو ولي صلى خَلفه عِنْد الْحَاجة كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَة الَّتِي لَا يقوم بهَا غَيره وَإِن أمكن الصَّلَاة خلف الْبر فَهَذَا أولى
فصل
وَصَلَاة الْجَمَاعَة اتّفق الْعلمَاء على أَنَّهَا من أوكد الْعِبَادَات وَأجل الطَّاعَات وَأعظم شَعَائِر الْإِسْلَام على مَا ثَبت من فَضلهَا عَن النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ تفضل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة على صلَاته وَحده بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة وَفِي رِوَايَة بِسبع وَعشْرين دَرَجَة
وَالْجمع بَينهمَا أَن حَدِيث الْخمس وَالْعِشْرين ذكر فِيهِ الْفضل الَّذِي بَين صَلَاة الْمُنْفَرد وَالصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وَهُوَ خمس وَعِشْرُونَ وَحَدِيث السَّبع وَالْعِشْرين ذكر فِيهِ صلَاته مُنْفَردا وَصلَاته فِي الْجَمَاعَة وَالْفضل بَينهمَا فَصَارَ الْمَجْمُوع سبعا وَعشْرين
وَمن ظن أَن صلَاته وَحده أفضل من أجل خلوته أَو غير ذَلِك فَهُوَ مخطىء ضال وأضل مِنْهُ من لم ير الْجَمَاعَة إِلَّا خلف مَعْصُوم فعطل الْمَسَاجِد وَعمر الْمشَاهد
стр. 49
وَمن ظن أَن الدُّعَاء عِنْد الْقُبُور أفضل من الدُّعَاء فِي الْمَسَاجِد فقد كفر فقد اتّفق أَئِمَّة الْمُسلمين على أَن اتِّخَاذ الْقُبُور للدُّعَاء عِنْدهَا أَو الصَّلَاة لَيست من دين الاسلام وَقد تَوَاتَرَتْ السّنَن فِي النَّهْي عَن اتخاذها لذَلِك
وَالْجَمَاعَة قيل سنة مُؤَكدَة وَقيل فرض كِفَايَة وَقيل فرض عين وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَغَيره من أَئِمَّة السّلف وعلماء الحَدِيث
وَقد تنازعوا فِيمَن صلى وَحده لغير عذر هَل تصح صلَاته على قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا لَا تصح قَالَه طَائِفَة من قدماء أَصْحَاب أَحْمد وَبَعض متأخريهم وَطَائِفَة من السّلف
الثَّانِي تصح مَعَ إئمة بِالتّرْكِ وَهُوَ الْمَأْثُور عَن أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه وَحمل بَعضهم التَّفْضِيل فِي الحَدِيث على غير الْمَعْذُور لِأَن الْمَعْذُور يكْتب لَهُ أجره لَو كَانَ صَحِيحا مُقيما وَجعله حجَّة على صِحَة الْمُنْفَرد
وَمن لم يصححها قَالَ بل المُرَاد الْمَعْذُور وَلَكِن لَيْسَ كل مَعْذُور يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل غير مَعْذُور بل إِنَّمَا يكْتب لمن كَانَت بنته لَوْلَا الْعذر أَن يعْمل وَمن كَانَ عَادَته ذَلِك فَهَذَا يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم أما من لم يكن لَهُ وَلَا عَادَة فَكيف يكْتب لَهُ مَا علم لم يكن فِي عَادَته الْعَمَل بِهِ
فَلَيْسَ فِي الحَدِيث دَلِيل على صِحَة الْمُنْفَرد من غير عذر
وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَن صَلَاة المربض فِي الْأجر مثل صَلَاة الصَّحِيح وَلَا أَن صَلَاة الْمُنْفَرد الْمَعْذُور مثل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه يكْتب لَهُ من الْعَمَل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم
قَوْله وَصَلَاة الرجل قَاعِدا على النّصْف من صلَاته قَائِما فقد قَالَ بَعضهم كَيفَ تكون صَلَاة الْمَعْذُور قَاعِدا دون صلَاته قَائِما فَحمل تَفْضِيل صَلَاة الْقَائِم على النَّفْل دين الْفَرْض لِأَن الْقيام فِي الْفَرْض وَاجِب فَلَزِمَهُ أَن تجوز
стр. 50
صَلَاة التَّطَوُّع للصحيح مُضْطَجعا لِأَن فِي الحَدِيث وَصلَاته مُضْطَجعا على النّصْف من صلَاته قَاعِدا
وَقد طرد ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وجوزوا التَّطَوُّع مُضْطَجعا لمن هُوَ صَحِيح وَهُوَ قَول مُحدث بِدعَة
وَالْجَوَاب مَا قدمْنَاهُ من أَنه يحمل على الْفَرْض
وَلَا يُعَارض مثل هَذَا الحَدِيث مُنْفَردا وَأَنه إِنَّمَا يكْتب لَهُ إِذا كَانَ من عَادَته أَن يعْمل وَنِيَّته أَن يعْمل لكل عجز بِالْمرضِ وَمن لم يكن لَهُ عَادَة لَا يكْتب لَهُ غير مَا عمله فَلَا تعَارض بَين الْأَحَادِيث
مَسْأَلَة وتدرك الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة وَالْمُسَافر وَصَلَاة الْمُقِيم وَإِدْرَاك الْحَائِض آخر الْوَقْت أَو إِدْرَاك أول الْوَقْت كل ذَلِك بِرَكْعَة فِي الصَّحِيح من قولي الْعلمَاء
وَمذهب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فِي الْجُمُعَة بِرَكْعَة وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
فعلى هَذَا إِذا كَانَ الْمدْرك أقل من رَكْعَة وَكَانَ بعْدهَا جمَاعَة أُخْرَى فَصلَاته مَعَ الثَّانِيَة أفضل وَإِن كَانَ الْمدْرك رَكْعَة أَو أقل وَقُلْنَا يكون مدْركا للْجَمَاعَة فقد تعَارض إذراكه لهَذِهِ الْجَمَاعَة وَإِدْرَاك الثَّانِيَة من أَولهَا فَإِن كَانَت الجماعتان سَوَاء فالثانية أفضل وَإِن تميزت الأولى بِكَمَال الْفَضِيلَة أَو كَثْرَة الْجمع أَو فضل الإِمَام أَو كَونهَا الرَّاتِبَة فَهِيَ من هَذِه الْجِهَة أفضل وَتلك من جِهَة إِدْرَاكهَا كلهَا أفضل وَقد يتَرَجَّح هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِن قدر أَن الثَّانِيَة أكمل أفعالا أَو إِمَامًا أَو جمَاعَة فَهُنَا قد ترجحت من وَجه آخر
وَصلَاته مَعَ الرَّاتِب وَلَو رَكْعَة خير من صلَاته فِي بَيته وَلَو جمَاعَة
стр. 51
وَمن صلى فِي بَيته جمَاعَة فَهَل يسْقط عَنهُ حُضُور الْمَسْجِد فِيهِ نزاع وَيَنْبَغِي أَلا يتْرك حُضُور الْمَسْجِد إِلَّا لعذر
مَسْأَلَة وَلَو قَامَ رجل يقْضِي مَا فَاتَهُ فائتم بِهِ رجل آخر جَازَ فِي أصح قولي الْعلمَاء إِذا نويا
فَإِن نوي الْمَأْمُوم وَحده فَفِيهِ قَولَانِ الْمَشْهُور عَن أَحْمد أَنه لَا يَصح وَمن داوم على ترك السّنَن الرَّاتِبَة لم يُمكن من حكم وَلَا شَهَادَة وَلَا فتيا مَعَ إصراره على ذَلِك فَكيف بِمن يداوم على ترك الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ أعظم شَعَائِر الْإِسْلَام
وَيلْزم الْقَضَاء على الْفَوْر سَوَاء فَاتَتْهُ عمدا أَو سَهوا عِنْد جمهورهم كمالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَكَذَلِكَ الرَّاجِح عَن الشَّافِعِي إِن فَاتَتْهُ عمدا
وَقد روى فِي قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره فَإِن صَحَّ دلّ على أَن قرَاءَتهَا مُسْتَحبَّة لَكِن لَا يدل على أَن الإِمَام والمأموميين يقرءونها جَمِيعًا جاهرين بهَا فان ذَلِك بِدعَة بِلَا ريب
فصل
والمسبوق إِذا لم يَتَّسِع وَقت قِيَامه لقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يرْكَع مَعَ إِمَامه وَلَا يتم الْفَاتِحَة بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَإِن كَانَ فِيهِ خلاف فَهُوَ شَاذ
وَأما إِذا أخر فِي الصَّلَاة مَعَ إِمْكَانه حَتَّى قصر الْقيام أَو كَانَ الْقيام متسعا
стр. 52
وَلم يَقْرَأها فَهَذَا تجوز صلَاته عِنْد الجماهير وَعند الشَّافِعِي عَلَيْهِ أَن يقْرَأ وَإِن تخلف عَن الرُّكُوع وَإِنَّمَا تسْقط قرَاءَتهَا عِنْده عَن الْمَسْبُوق خَاصَّة
وَمن تخلف عَن الإِمَام لعذر من نوم أَو نِسْيَان وَنَحْوه فمذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أَنه إِذا أَتَى بِمَا تخلف عَنهُ وَلحق الإِمَام وَلَو سبقه بِرُكْن أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَهُوَ يُدْرِكهُ فِي الرَّكْعَة فصلائه صَحِيحَة
وَصلَاته السَّكْرَان الَّذِي لَا يعلم مَا يَقُول لَا تجوز بالِاتِّفَاقِ بل وَلَا يجوز أَن يُمكن من دُخُول الْمَسْجِد
وَإِذا قَالَ الرجل لَا أُصَلِّي إِلَّا خلف من يكون من أهل مذهبي فَهُوَ كَلَام محرم قَائِله يسْتَحق الْعقُوبَة فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَئِمَّة الْمُسلمين من قَالَ لَا تشرع صَلَاة الْمُسلم إِلَّا خلف من يُوَافقهُ فِي مذْهبه الْمعِين
وتنازع الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا هَل على الْعَاميّ أَن يلْتَزم مَذْهَب وَاحِد بِعَيْنِه من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين بِحَيْثُ يَأْخُذ بِعَزَائِمِهِ ورخصه على قَوْلَيْنِ
وَالْمَشْهُور أَنه لَا يجب كَمَا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد فِي كل مَسْأَلَة من يُوَافق غَرَضه وَلَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة غير مقلده إِذا من مَذْهَب من يقلده يَجْعَل الْحق عَلَيْهِ بل عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة أَن يعدل بَين غَيره وَنَفسه فِي الْأَقْوَال والاحكام فَإِذا اعْتقد وجوب شَيْء أَو تَحْرِيمه اعْتقد ذَلِك عَلَيْهِ وعَلى من يماثله
مِثَاله شُفْعَة الْجوَار للْعُلَمَاء فِيهِ قَولَانِ فَمن اعْتقد أحد الْقَوْلَيْنِ فقد قَالَ بقول طَائِفَة من عُلَمَاء الْمُسلمين
وَلَيْسَ لأحد ثُبُوت الشُّفْعَة إِذا كَانَ هُوَ الطَّالِب وانتفاؤها إِذا كَانَ هُوَ الْمَطْلُوب كَمَا يَفْعَله الظَّالِمُونَ أهل الْأَهْوَاء يتبعُون فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة هواهم فيوافقون هَذَا القَوْل تَارَة وَهَذَا أُخْرَى مُتَابعَة للهوى لَا مُرَاعَاة للتقوى وَقد ذمّ الله من يتبع الْحق إِذا كَانَ لَهُ لَا عَلَيْهِ فَقَالَ دعوا إِلَى
стр. 53
الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون وَإِن لم يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا اليه مذعنين أَفِي قُلُوبهم مرض أم أرتابوا أَو يخَافُونَ أَن يَحِيف الله عَلَيْهِم وَرَسُوله بل أُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا الى الله وَرَسُوله ليحكم بيهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون
وَقَول الْقَائِل لَا أتقيد بِأحد هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة
إِن أَرَادَ أَنه لَا يتَقَيَّد بِوَاحِد بِعَيْنِه دون البَاقِينَ فقد أحسن بل هُوَ الصَّوَاب من الْقَوْلَيْنِ وَإِن أَرَادَ أَنِّي لَا أتقيد بهَا كلهَا بل أخالفها فَهُوَ مخطىء فِي الْغَالِب قطعا إِذا لحق لَا يخرج عَن هَذِه الْأَرْبَعَة فِي عَامَّة الشَّرِيعَة
وَلَكِن تنَازع النَّاس هَل يخرج عَنْهَا فِي بعض الْمسَائِل على قَوْلَيْنِ
وَقد بسطنا ذَلِك فِي مَوضِع آخر
وَكَثِيرًا مَا يتَرَجَّح قَول من الْأَقْوَال يظنّ الظَّن أَنه خَارج عَنْهَا وَيكون دَاخِلا فِيهَا لَكِن لَا ريب أَن الله لم يَأْمر الْأمة بِاتِّبَاع أَرْبَعَة أشخاص دون غَيرهم هَذَا لَا يَقُوله عَالم وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا يُقَال أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِن الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا الشَّيْخَانِ فصححاها قد صححها من الْأَئِمَّة مَا شَاءَ الله
فالأخذ بهَا لكَونهَا قد صحت لَا لِأَنَّهَا قَول شخصي بِعَيْنِه
وَأما من عرض عَلَيْهِ حَدِيث فَقَالَ لَو كَانَ صَحِيحا لما أَهله أهل مَذْهَبنَا فَيَنْبَغِي أَن يُعَزّر هَذَا على فرط جَهله وَكَلَامه فِي الدّين بِلَا علم وَالْكذب فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ أعظم الذُّنُوب
وَقد اخْتلف هَل هُوَ فسق أَو كفر على قَوْلَيْنِ
стр. 54
فصل
الْمَسْجِد المبنى على قبر لَا يُصَلِّي فِيهِ فرض وَلَا تغل فَإِن كَانَ الْمَسْجِد قبل الْقَبْر غير إِمَّا بتسوية الْقَبْر أَو نبشه إِن كَانَ جَدِيدا وَإِن كَانَ الْقَبْر قبله فإمَّا أَن يزَال الْمَسْجِد وَإِمَّا أَن تزَال صُورَة الْقَبْر
وَالْجُمْهُور على أَن قَلِيل الحشيشة وكثيرها حرَام بل الصَّوَاب أَن آكلها يحد وَأَنَّهَا نَجِسَة
مَسْأَلَة وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنه يجب الْإِنْكَار على الدّين يشربونها وَقَول الْقَائِل إِن من طول الْقيام على الرُّكُوع وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ تبطل صلَاته قَول ضَعِيف بَاطِل
وَمن قَالَ لَا تجوز الصَّلَاة خلف الْأَئِمَّة الْمَالِكِيَّة مثلا فَهَذَا كَلَام مُنكر وَمن أشنع المقالات يسْتَحق مطبقة التَّعْزِير البليغ فَإِن فِيهِ من إِظْهَار الاستخفاف بِحرْمَة هَؤُلَاءِ السَّادة مَا يُوجب عَظِيم الْعقُوبَة وَيدخل صَاحبه فِي أهل الْبدع المضلة
وَكَذَا من قَالَ لَا تجوز الصَّلَاة خلف من لَا تعرف عقيدته وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ قَول لم يقلهُ أحد من السلمين فَإِن أهل الحَدِيث وَالسّنة كالشافعي وَأحمد وَإِسْحَاق وَغَيرهم متفقون على أَن صَلَاة الْجُمُعَة تصلي خلف الْبر والفاجر حَتَّى إِن اكثر أهل الْبدع كالجهمية الَّذين يَقُولُونَ بِخلق الْقُرْآن وَأَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة وَمَعَ أَن أَحْمد ابتلى بهم وَهُوَ أشهر الْأَئِمَّة بِالْإِمَامَةِ فِي السّنة وَمَعَ هَذَا فَلم تخْتَلف نصوصه أَنه تصلى الْجُمُعَة خلف الجهمي والقدري والرافضي وَلَيْسَ لأحد أَن يدع الْجُمُعَة لبدعة فِي الامام
стр. 55
لَكِن تنازعوا هَل تُعَاد على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد قيل تُعَاد خلف الْفَاسِق وَمذهب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة لَا تُعَاد
فصل
وَالْقِرَاءَة على الْجِنَازَة مَكْرُوهَة عِنْد الْأَرْبَعَة وَأخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا أعظم كَرَاهَة فَإِن الِاسْتِئْجَار على التِّلَاوَة لم يرخص فِيهِ أحد من الْعلمَاء
وَالصَّلَاة خلف أهل الْبدع أولى من الصَّلَاة خلف هُنَا
وَيجوز الِاسْتِئْجَار على الْإِمَامَة وَالْأَذَان حوه وَقيل لَا وَقيل عِنْد الْحَاجة وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد
والسكران بِالْخمرِ والحشيش إِذا علم مَا يَقُول فَعَلَيهِ الصَّلَاة بعد غسل فَمه وَمَا أَصَابَهُ وَهل عَلَيْهِ أَن يستقىء مَا فِي بَطْنه على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا لَا لَكِن إِذا لم يتب فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من شرب الْخمر لم تقبل صلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَإِن عَاد فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال وَهِي عصارة أهل النَّار
فَلَا بُد لَهُم من الصَّلَاة وَإِن كَانَ قد قيل إِنَّهَا لَا تقبل وَإِن تَابُوا قبلهَا الله اصلوها فقد تكون على رَأْي من يَنْفِي الْقبُول أَنه لَا ثَوَاب لَهُم عَلَيْهَا لَكِن انْدفع بهَا عِقَاب التّرْك فِي الدُّنْيَا
وَلم يكن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يصلونَ على سجادة لَكِن صلى على خمرة وَهِي شَيْء يعْمل من الخوص يتقى بِهِ حر الأَرْض وَكَانَ يُصَلِّي على الْحَصِير وَالتُّرَاب
وروى أَن بعض الْعلمَاء قدم وقرش فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ شَيْئا فَأمر مَالك ﵀ يحْبسهُ وَقَالَ أما علمت أَن هَذَا فِي مَسْجِدنَا بِدعَة
стр. 56
وَمن يُبدل الرَّاء غينا وَالْكَاف همزَة لَا يؤم إِلَّا مثله أما من يثوب الرَّاء بغين يُخرجهَا من فَوق مخرجهما بِقَلِيل فَتَصِح إِمَامَته للقارىء وَغَيره وَهَذَا كُله مَعَ الْعَجز
وَيجوز تَعْلِيم الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد إِذا لم يكن فِيهِ ضَرَر على الْمَسْجِد وَأَهله بل يسْتَحبّ
وَإِذا كَانَ الْمعلم يقرىء فَأعْطى شَيْئا جَازَ لَهُ أَخذه عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَمن كَانَ يظْهر الْفُجُور والبدع فَفِي الصَّلَاة خَلفه نزاع وَالَّذِي ينْهَى أَلا يقدم الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ لإمامة وَلَا يجوز مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك
فصل
وَيجوز النّوم فِي الْمَسْجِد للمحتاج الَّذِي لَا مسكن لَهُ أَحْيَانًا وَأما اتِّخَاذه مبيتا وَمَقِيلا فينهى عَنهُ
وَيكرهُ فِيهِ فضول الْمُبَاح
وَأما للشَّيْء بالنعال فِي الْمَسْجِد فَجَائِز كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بنعله وَكَانَ الصَّحَابَة ﵁ يَمْشُونَ بنعالهم فِي مَسْجده ﷺ لَكِن يَنْبَغِي للرجل أَن ينظر نَعْلَيْه فَإِن كَانَ فيهمَا أَذَى فليدلكهما بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَهما طهُور كَمَا أَمر النَّبِي ﷺ بذلك
وَتجوز الصَّلَاة خلف ولد الزِّنَا باتفاقهم لَكِن تنازعوا فِي كراهتها فكرهه مَالك وَأَبُو حنيفَة وَغير ولد الزِّنَا أولى
وَتجوز صَلَاة الْفجْر خلف الظّهْر فِي إِحْدَى الرواتين عَن أَحْمد
ومسابقة الإِمَام بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَمن سبقه سَهوا لم تبطل صلَاته وَلم يعْتد لَهُ بِمَا سبق إِمَامه بِهِ فَلهَذَا أمره الصَّحَابَة ﵃ أَن يتَخَلَّف بِمِقْدَار
стр. 57
مَا سبق بِهِ الإِمَام ليَكُون فعله بِقدر فعل الإِمَام فَأَما إِذا سبقه عمدا فَفِي بطلَان صلَاته قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَالصَّوَاب أَن مُرُور الْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود وَالْحمار بَين يَدي الْمُصَلِّي دون سترته يقطع الصَّلَاة
وَتجوز الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة وَقيل لَا وَقيل إِذا لم يكن فِيهَا صُورَة تجوز وَإِلَّا فَلَا وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد وَغَيره
وَإِذا ضَاقَ الْوَقْت فِي الْحمام فَهَل يصلى فِيهِ أَو يفوت الصَّلَاة حَتَّى يخرج فيصليها على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَمن فَاتَتْهُ الظّهْر أَو الْعَصْر وَنَحْوهمَا نِسْيَانا قضى وَأما من فوتهما مُتَعَمدا فقد اتى عَظِيم الْكَبَائِر وَعَلِيهِ الْقَضَاء عِنْد الْجُمْهُور وَعند بَعضهم لَا يَصح فعلهَا قَضَاء وَمَعَ وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ لاتبرأ ذمَّته من جَمِيع الْوَاجِبَات وَلَا يقبلهَا الله تَعَالَى بِحَيْثُ يرْتَفع عَنهُ الْعقَاب ويستوجب الثَّوَاب بل لَعَلَّه يخلف عَنهُ الْعَذَاب بِمَا فعله من الْقَضَاء وَيبقى عَلَيْهِ إِثْم التفويت يحْتَاج إِلَى مسْقط آخر
قَالَ أَبُو بكر لعمر ﵁ فِي وَصيته وَاعْلَم أَن الله حَقًا بِالنَّهَارِ لَا يقبله بِاللَّيْلِ وَحقا بِاللَّيْلِ لَا يقبله بِالنَّهَارِ وَلَا يقبل النَّافِلَة حَتَّى تُؤَدّى الْفَرِيضَة وَالْعَمَل الْمَذْكُور هُوَ صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء
وَمن عدم المَاء وَالتُّرَاب قيل لَا شَيْء عَلَيْهِ وَقيل يؤخرها
وَإِذا صلى على حسب حَاله فَهَل يُعِيد فِيهِ نزاع وَالْأَظْهَر لَا
وَمن سلم إِمَامه وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من الدُّعَاء هَل يُتَابع الإِمَام أَو يتمة الأولى مُتَابَعَته
وَمن لَا سَبَب لرزقه إِلَّا قِرَاءَة سيرة عنترة والبطال وَنَحْوهَا لَا يجوز أَن يرتب إِمَامًا يصلى بِالْمُسْلِمين فَإِنَّهُ يحدث دَائِما بالأكاذيب وَيَأْكُل الْجعل عَلَيْهَا
стр. 58
وَكِلَاهُمَا محرم فَإِن عنترة والبطال وَإِن كَانَ موجودين لَكِن كذب عَلَيْهِمَا مَالا يُحْصِيه إِلَّا الله
وَتجوز الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام لعذر من زحمة وَنَحْوهَا فِي أعدل الْأَقْوَال
وَكَذَا الْمَأْمُوم إِذا لم يجد من يَقُول مَعَه صلى وَحده وَلم يدع الْجَمَاعَة وَلم يجذب أحدا يُصَلِّي مَعَه كَالْمَرْأَةِ إِن لم تَجِد من يصافها فِيهَا نصف وَحدهَا بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَأْمُور بالمصافة مَعَ الْإِمْكَان لَا مَعَ الْعَجز
والوسواس إِذا قل لم يبطل الصَّلَاة بالِاتِّفَاقِ لَكِن ينقصها وَأما الوسواس إِذا غلب فقد قيل يبطل قَالَ عمر ﵁ إِنِّي لأجهز جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة
وَلَيْسَ من نفكر بِالْوَاجِبِ مثل من تفكر بالفضول فعمر ﵁ كَانَ أَمِير الْجَيْش وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّلَاةِ وَالْجهَاد مَعًا
فَلَو قدر أَنه نقص من الصَّلَاة شَيْء لأجل الْجِهَاد لم يقْدَح فِي كَمَال إيمَانه فَلهَذَا خففت صَلَاة الْخَوْف فَكَانَ بِمَنْزِلَة من يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف وَلَا شكّ أَن صَلَاة النَّبِي ﷺ حَال الْخَوْف كَانَت نَاقِصَة عَن صلَاته حَال أَمنه فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِذا كَانَ قد عفى عَن الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِذا كَانَ قد عفى عَن الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَكيف بالباطنة وَقَالَ تَعَالَى فَإِذا اطمأنتم فأقيموا الصَّلَاة وإقامتها حَال الْأَمْن لَا يُؤمر بِهِ حَال الْخَوْف وَالله أعلم
فصل
تفعل النَّافِلَة الَّتِي لَهَا سَبَب كتحية الْمَسْجِد وَقت النَّهْي فِي الْأَظْهر لِأَن حَدِيثهَا عَام مَحْفُوظ وَحَدِيث النَّهْي مَخْصُوص
وَأَيْضًا فعل الصَّلَاة وَقت الْخطْبَة مَنْهِيّ عَنهُ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد وَالْإِمَام يخْطب يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي
стр. 59
رَكْعَتَيْنِ وَلم يخْتَلف قَول أَحْمد فِي هَذَا الْوَقْت لمجيء السّنة فِيهِ بِخِلَاف مَالك وَأبي حنيفَة فالنهي عِنْدهمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَأَيْضًا جَاءَ فِي أَحَادِيث النَّهْي لَا تنحروا والتحري التعمد وَمَا لَهُ سَبَب لَا تَعَمّده فِيهِ
والمصافحة أدبار الصَّلَاة بِدعَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن عِنْد اللِّقَاء فِيهَا آثَار حَسَنَة وَقد اعْتقد بَعضهم أَنَّهَا فِي أدبار الصَّلَاة تندرج فِي عُمُوم الِاسْتِحْبَاب وَبَعْضهمْ أَنه مُبَاحَة
وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا بِدعَة إِذا فعلت على أَنَّهَا عبَادَة أما إِذا كَانَت أَحْيَانًا لكَونه لقِيه عقيب الصَّلَاة لَا لأجل الصَّلَاة فَهَذَا حسن كَمَا أَن النَّاس لَو اعتادوا سَلاما غير الْمَشْرُوع عقيب الصَّلَاة كره
وَأما المعانقة فَفِي الحَدِيث النَّهْي عَنْهَا وَيحمل النَّهْي على فعهلا دَائِما وَأما عِنْد اللِّقَاء فقد جَاءَ فِيهِ حَدِيث جَعْفَر أَن النَّبِي ﷺ لقِيه فَالْتَزمهُ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ
وَمن لم يُمكن أَن يُصَلِّي إِلَّا خلف مُبْتَدع لعَجزه عَن إِزَالَته صلى وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقد ظن طَائِفَة من الْفُقَهَاء أَنَّهَا مثل من صلى خلف فَاسق فتعاد وَإِنَّمَا النزاع إِذا أمكنه الصَّلَاة خلف غَيره
وَأما الصَّلَاة خلف من يكفر من أهل الْبدع والأهواء فقد تنازعوا فِي نفس صَلَاة الْجُمُعَة خَلفه فَمن قَالَ يكفر أَمر بِالْإِعَادَةِ
وَفِي تَكْفِير أهل الْأَهْوَاء نزاع هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَغَيره
وَحَقِيقَة الْأَمر أَن القَوْل قد يكون كفرا فيطلق القَوْل بتكفير صَاحبه لَكِن الشَّخْص الْمعِين لَا يكفر حَتَّى تُقَام عَلَيْهِ الْحجَّة فَنَفْس القَوْل قد يكون
стр. 60
كفرا لَكِن قَائِله مَعْذُور فَإِذا كَانَ من الْمُؤمنِينَ فَلَا يكفر لِأَنَّهُ قد يغدره الله تَعَالَى بِأُمُور إِمَّا أَنه لم يعقله أَو أَنه لم يثبت عِنْده أَو أَنه لم يفهمهُ لمعارضة شُبْهَة فَمن كَانَ قَصده الْحق فأخطأه فان الله يغْفر لَهُ
وتقسيم الْمسَائِل إِلَى مسَائِل أصُول بِكفْر بإنكارها ومسائل فروع لَا يكفر بإنكارها لَيْسَ لَهُ أصل لَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَلَا عَن ائمة الاسلام وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من أَئِمَّة الْبِدْعَة وهم متناقضون
فَإِذا قيل لَهُم مَا حد أصُول الدّين فَإِن قيل مسَائِل الِاعْتِقَاد يُقَال لَهُم قد تنَازع النَّاس فِي أَن مُحَمَّدًا هَل رأى ربه وَفِي أَن عُثْمَان أفضل أم عَليّ وَفِي كثير من مَعَاني الْقُرْآن وَتَصْحِيح بعض الْأَحَادِيث وَهِي اعتقادات وَلَا كفر فِيهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَوُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَالْخمر هِيَ مسَائِل عمليه وَالْمُنكر لَهَا يكفر اتِّفَاقًا
وَإِن قيل الْأُصُول هِيَ القطعية فَيُقَال كثير من مسَائِل النّظر لَيست قَطْعِيَّة وَكَون الْمَسْأَلَة قَطْعِيَّة أَو ظنية هِيَ أُمُور تخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فقد يكون قَاطعا عِنْد هَذَا مَا لَيْسَ قَاطعا عِنْد هَذَا كمن سمع لفظ النَّص وتيقن مُرَاده وَلَا يبلغ قُوَّة النَّص الآخر عِنْده فَلَا يكون عِنْده ظنيا فضلا عَن كَونه قَطْعِيا
وَالْمَقْصُود أَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْفرق بَين النَّوْع وَالْعين وَمن حكى الْخلاف لم يفهم غور قَوْلهم
فطائفة تحكي عَن أَحْمد فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا مذهبا لِأَحْمَد وَلَا لغيره من الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ تَكْفِير الشَّافِعِي لحفص الْفَرد حِين قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي كفرت أَي قَوْلك كفر وَلِهَذَا لم يسع فِي قَتله وَلَو كَانَ عِنْده كَافِر لسعي فِي قَتله
وَأما قتل الداعية إِلَى الْبدع فقد يكون لكف ضررة عَن النَّاس كقطاع الطَّرِيق وَقتل غيلَان القدري قد يكون من هَذَا الْبَاب
стр. 61
فصل
السَّجْدَة الْوَاحِدَة بعد الصَّلَاة وتقبيل الأَرْض مَكْرُوه نَص عَلَيْهِ أَبُو عبد الله بن حَامِد وَغَيره
وَمن قَالَ إِن من سلم فِي الرّبَاعِيّة من رَكْعَتَيْنِ سَاهِيا اسْتوْجبَ غضب الله وَأَقل مَا يجب عَلَيْهِ أَن ينزل عَلَيْهِ نَار من السَّمَاء تحرقه يُسْتَتَاب من ذَلِك القَوْل فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
وَمن حكى أَن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ سَأَلَا شَيبَان الرَّاعِي فَأجَاب بذلك وَقَالَ هَذَا عندنَا فَهُوَ كذب بِاتِّفَاق أهل الْعلم وشيبان لم يجْتَمع بِهِ أَحْمد وَلَا الشَّافِعِي قطّ بل مَاتَ قبلهمَا بِزَمَان وَإِن كَانَت هَذِه الْحِكَايَة ذكرهَا الْقشيرِي صَاحب الرسَالَة وَنَحْوه وشيبان أجل من أَن ينْسب إِلَيْهِ مثل هَذَا الْكفْر وَلَو قَالَ هَذَا أعظم من شَيبَان استتيب فقد اتّفق الصَّحَابَة ﵃ على اسْتِتَابَة قدامَة ابْن مَظْعُون وَهُوَ من أهل بدر من قَول قَالَه دون هَذَا لَكِن شَيبَان بَرِيء من هَذَا كَمَا أَن الشَّافِعِي وَأحمد بريئان مِنْهُ
وَأما تَقْبِيل الأَرْض وَوضع الرَّأْس قُدَّام الشَّيْخ وَالْملك فَلَا يجوز بل الانحناء كالركوع لَا يجوز وَمن فعله قربَة وتدينا بَين لَهُ فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
وَأما إِذا أكره الرجل أَن يخْشَى أَخذ مَاله أَو ضربه أَو قطع رزقه من بَيت المَال فَإِنَّهُ يجوز عِنْد أَكثر الْعلمَاء فَإِن الْإِكْرَاه يُبِيح شرب الْخمر وَفعل الْمحرم عِنْد أَحْمد وَغَيره فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَكِن يفعل ذَلِك مَعَ كَونه يكره فعله ويحرص على الِامْتِنَاع بِحَسب الْإِمْكَان
وَذهب طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يُبَاح إِلَّا الْأَقْوَال فَقَط
وَإِذا تَأَول أَن الخضوع لله كَانَ حسنا
وَأما من يَفْعَله لقصد فضول الرياسة وَالْمَال فَلَا
стр. 62
فصل
أما من سَافر لمُجَرّد زِيَادَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهُوَ يجوز لَهُ قصر الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ معروفين
أَحدهمَا وَهُوَ قَول مُتَقَدِّمي الْعلمَاء الَّذين لَا يجوزون الْقصر فِي سفر الْمعْصِيَة كَأبي عبد الله بن بطة وَأبي الْوَفَاء ابْن عقيل وَطَوَائِف كثيرين من الْمُتَقَدِّمين أَنه لَا يجوز الْقصر فِي مثل هَذَا السّفر
وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَحْمد أَنه لَا يقصر فِي سفر منهى عَنهُ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يقصر وَهَذَا بقوله من يجوز الْقصر فِي السّفر الْمحرم كَأبي حنيفَة ويقوله بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد مِمَّن يجوز السّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ كَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَأبي الْحسن بن عَبدُوس الْحَرَّانِي وَأبي مُحَمَّد ابْن قدامَة الْمَقْدِسِي
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ السّفر لَيْسَ بِمَعْصِيَة لعُمُوم قَوْله زوروا الْقُبُور
وَاحْتج أَبُو مُحَمَّد ابْن قدامَة بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور قبَاء وَأجَاب عَن قَوْله ﷺ لَا تشد الرّحال الحَدِيث بِأَنَّهُ مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب
وَأما الْأَولونَ فَإِنَّهُم يحتجون بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام والأقصى ومسجدي هَذَا فَلَو نذر أَن يَأْتِي الْمَسْجِد الْحَرَام لحج أَو عمْرَة لزمة بالِاتِّفَاقِ وَلَو نذر الصَّلَاة فِي مَسْجده ﷺ أَو الْأَقْصَى لزمَه عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَلَا يلْزمه عِنْد أبي حنيفَة
قَالُوا لِأَن شدّ الرحل وَالسّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ بِدعَة لم يَفْعَلهَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا اسْتحبَّ ذَلِك أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين فَمن اعْتقد ذَلِك عبَادَة وفعلها فَهُوَ مُخَالف للسّنة ولإجماع الْمُسلمين
стр. 63
وَذكر ذَلِك أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل من الْبدع الْمُخَالفَة للسّنة وَالْإِجْمَاع وزيارة قبَاء لَيْسَ فِيهِ شدّ رَحل
وَحمل حَدِيث لَا تشد الرّحال على نفي الِاسْتِحْبَاب فِيهِ تَسْلِيم أَن السّفر لَيْسَ بِعَمَل صَالح وَلَا قربَة وَلَا طَاعَة وَلَا من الْحَسَنَات فَمن اعْتقد كَونه قربَة فقد خَالف الْإِجْمَاع وَلَا يُسَافر أحد إِلَيْهَا إِلَّا لذَلِك وَأما لَو قدر أَن الرجل سَافر إِلَيْهَا لغَرَض مُبَاح فَهَذَا جَائِز لَيْسَ هَذَا من هَذَا الْبَاب وَالنَّفْي يَقْتَضِي النَّهْي وَالنَّهْي للتَّحْرِيم وَمَا ذكر من الْأَحَادِيث فِي زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء فضعيفة بالِاتِّفَاقِ بل مَالك إِمَام الْمَدِينَة كره أَن يَقُول الرجل زرت قبر النَّبِي ﷺ وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عبيدا وصلوا عَليّ حَيْثُمَا كُنْتُم وَقَالَ لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُورهم أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم مَسَاجِد يحذر مَا فعلوا قَالَ عَائِشَة ﵂ وَلَوْلَا ذَلِك لأبرز قَبره وَلَكِن كره أَن يتَّخذ مَسْجِدا
وَلما كَانَت حجرَة عَائِشَة الَّتِي دفن فِيهَا الرَّسُول ﷺ مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد إِلَى زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك لم يكن أحد من الصَّحَابَة يدْخل إِلَيْهَا لَا لصَلَاة وَلَا لدعاء وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي الْمَسْجِد وَكَانُوا إِذا سلمُوا عَلَيْهِ أَو أَرَادوا الدُّعَاء استقبلوا الْقبْلَة وَهَذَا كُله مُحَافظَة مِنْهُم على التَّوْحِيد فَإِن من أعظم أَسبَاب الشّرك بِاللَّه اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد كَمَا ذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا﴾ أَنهم كَانُوا قوما صالحين فِي قوم نوح فَلَمَّا مَاتُوا عكفوا على قُبُورهم ثمَّ صوروا على صورهم تماثيل ثمَّ طَال عَلَيْهِم الأمد فعبدوها ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيح أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك وَالله أعلم
стр. 64
فصل
فعل كل صَلَاة فِي وَقتهَا أفضل من الْجمع إِذا لم يكن بِهِ حَاجَة وَلَيْسَ هُوَ كالقصر فَإِنَّهُ رخصَة عارضة وَالْقصر سنة وَنفي الْجنَاح لَا يمْنَع أَن يكون الْقصر هُوَ السّنة كَمَا فِي قَوْله ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما﴾
وَذكر الْخَوْف وَالسّفر لِأَن الْقصر يتَنَاوَل قصر الْعدَد وَقصر الْأَركان فالخوف يُبِيح قصر الْأَركان وَالسّفر يُبِيح قصر الْعدَد فَإِن اجْتمعَا أُبِيح الْقصر بِالْوَجْهَيْنِ وَإِذا انْفَرد السّفر أُبِيح أحد نَوْعي الْقصر وَالأَصَح أَنه لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة الْقصر وَالْجمع أَيْضا
مَسْأَلَة وتنازع الْعلمَاء فِي التربيع فِي السّفر هَل هُوَ حرَام كمذهب أبي حنيفَة أَن مَكْرُوه كإحدى روايتي مَالك وَأحمد أَو ترك الأولى كَأحد قَول الشَّافِعِي وَرِوَايَة لِأَحْمَد أَو التربيع أفضل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَهُوَ أَضْعَف الْأَرْبَعَة الْأَقْوَال
وَذهب بعض الْخَوَارِج إِلَى أَنه لَا يجوز الْقصر إِلَّا مَعَ الْخَوْف ويذكرونه قولا للشَّافِعِيّ وَمَا أَظُنهُ يَصح عَنهُ
وَالصَّوَاب أَن الْجمع لَا يخْتَص بِالسَّفرِ الطَّوِيل
وَمن نوى الْإِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام فَمَا دونهَا قصر
ومسافة الْقصر عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك يَوْمَانِ سِتَّة عشر فرسخا كل فَرسَخ ثَلَاثَة أَمْيَال الْميل أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع وَقَالَ أَبُو حنيفَة ثَلَاثَة أَيَّام وَذهب طَائِفَة من السّلف وَالْخلف إِلَى أننه يقصر فِيمَا دون يَوْمَيْنِ وَهُوَ قوي جدا
يُؤَيّدهُ أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمين بِعَرَفَة ومزدلفة وَمنى قصرا وَفِيهِمْ أهل مَكَّة وَلم يَأْمُرهُم بالاتمام وَلما صلى بِمَكَّة قَالَ لَهُم أَتموا صَلَاتكُمْ فَإنَّا قوم سفر وَقَوله من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بعد الله وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا
стр. 65
قيل هُوَ السّفر فِي الْجِهَاد قبل لِقَاء الْعَدو وَقيل عِنْد لِقَائِه
وَقد يدْخل فِي هَذَا السّفر الْحَج لِأَنَّهُ من سَبِيل الله وَقيل سَبِيل الله طَرِيقه وَالْمرَاد إخلاص نِيَّته وَإِن كَانَ فِي الْمقَام
وَثَبت أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر رَكْعَتي الْفجْر وَالْوتر وَقيام اللَّيْل دون الرَّاتِبَة
فصل
الْجمع لغير عذر لَا يفعل وَيجوز للْمَرِيض عِنْد أَحْمد وَمَالك وَبَعض الشَّافِعِيَّة وأوسع الْمذَاهب مَذْهَب أَحْمد جوزه للشغل كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَرْفُوعا
قَالَ القَاضِي وَغَيره من الْأَصْحَاب المُرَاد بِهِ الشّغل الَّذِي يُبِيح لَهُ ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَجوزهُ للمستحاضة
فالمرأة إِذا غلب على ظَنّهَا أَنَّهَا لَا تخرج من الْحمام حَتَّى يفوت الْعَصْر أَو تصفر اشمس لمي جز لَهَا تَفْوِيت الْعَصْر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة بل إِمَّا أَن تصلي فِي الْبَيْت جمعا وَإِمَّا أَن تخرج من الْحمام وَتصلي وَإِمَّا أَن تصلي فِي الْحمام وَجَمعهَا فِي الْبَيْت خير من صلَاتهَا فِي الْحمام
وَلَا يجب تَقْلِيد وَاحِد بِعَيْنِه غير النَّبِي ﷺ لَكِن من كَانَ مُعْتَقدًا قولا فِي مَسْأَلَة بِاجْتِهَاد أَو تَقْلِيد فانفصاله عَنهُ لَا بُد لَهُ من سَبَب شَرْعِي يرجح عِنْده قَول غير إِمَامَة فَإِذا ترجح عِنْد الشَّافِعِي مثلا قَول مَالك قَلّدهُ وَكَذَلِكَ غَيره
وَأما انْتِقَال الْإِنْسَان من قَول إِلَى قَول بِلَا سَبَب شَرْعِي يَأْمر الشَّرْع بِهِ فَفِي تسويقه نزاع
стр. 66
فصل
وَمن تعمد الصَّلَاة فِي الدكاكين مَعَ إِمْكَانه الدُّخُول إِلَى الْجَامِع فَهَؤُلَاءِ مخطئون مخالفون للسّنة وَإِذا لم تتصل الصُّفُوف بل كَانَ بَين الصُّفُوف طَرِيق فَفِي صِحَة الصَّلَاة قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وجهر الْمُؤَذّن بِالصَّلَاةِ والترضى عِنْد رقي الْخَطِيب الْمِنْبَر وجهره بِالدُّعَاءِ للخطيب وَالْإِمَام بِدعَة وَأَشد مِنْهُ الْجَهْر بِنَحْوِ ذَلِك فِي الْخطْبَة فَكل ذَلِك بِدعَة لم يَفْعَلهَا أحد من السّلف وَلم يستحبها
وَقد أَمر ﷺ بتسوية الصُّفُوف ورصها وسد الْفرج وتكميل الأول فَالْأول وَأَن يتوسط الإِمَام وتقاربها يَعْنِي الصُّفُوف خمس سنَن
وَمن أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة ثمَّ قَامَ يقْضِي الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يُخَافت فَإِن الْجُمُعَة لَا يُصليهَا أحد مُنْفَردا والمسبوق إِنَّمَا يجْهر فِيمَا يجْهر فِيهِ الْمُنْفَرد وَلَا مُنْفَرد هُنَا
وَلَيْسَ لأحد أَن يتَّخذ مَقْصُورَة أَو نَحْوهَا فِي الْمَسْجِد يخْتَص بهَا وَيمْنَع غَيره فَهَذَا غير جَائِز بِلَا نزاع
وَالسّنة فِي الْمَسْجِد أَن من سبق إِلَى بقْعَة لعمل جَائِز فَهُوَ أَحَق بِهِ حَتَّى يقوم مِنْهُ لَكِن المصلون أَحَق بِالسَّوَارِي
وَيجوز نصب خيمة وسترة لمن يعْتَكف
وَكَذَلِكَ لَو أَقَامَ الرجل مُدَّة إِقَامَة مَشْرُوعَة كَمَا أذن ﷺ لوفد ثَقِيف أَن ينزلُوا بِالْمَسْجِدِ ليَكُون أرق لقُلُوبِهِمْ وَأقرب إِلَى دُخُول الْإِيمَان فِيهَا وكما مرض سَعْدا فِيهِ لكَونه أسهل لعبادته وكالمرأة الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد كَانَ لَهَا خص فِيهِ
стр. 67
فَأَما أَن يتَّخذ مسكنا دَائِما أَو مبيتا أَو معقيلا وَيخْتَص بالحجرة دَائِما فَهَذَا يخرج الْبقْعَة عَن حكم الْمَسْجِد
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي صِحَة الصَّلَاة فِي مثل هَذِه المقاصير والأماكن المتحجرة على قَوْلَيْنِ وفاعل ذَلِك منهى عَنهُ هَذَا إِذا كَانَ يَفْعَله لِلْعِبَادَةِ
أما من يَفْعَله للمحظورات من الْأَقْوَال الْمُحرمَة وَالْأَفْعَال الْمُحرمَة كمقدمات الْفَوَاحِش فَلَا ريب فِي النَّهْي عَن ذَلِك بل قد نهى رَسُول الله ﷺ عَن توطين الْمَكَان فِي الْمَسْجِد كَمَا يوطن الْبَعِير فَنهى أَن يتَّخذ الرجل مَكَانا لَا يُصَلِّي إِلَّا فِيهِ
ويصان الْمَسْجِد عَمَّا يُؤْذِي الْمُصَلِّين مثل رفع الصّبيان أَصْوَاتهم وتوسيخ حصيره لَا سِيمَا وَقت الصَّلَاة فَإِن ذَلِك من أعظم الْمُنْكَرَات ويبيت فِيهِ بِقدر الْحَاجة ثمَّ ينْتَقل عَنهُ
وَيجوز إِقَامَة جمعتين فِي بلد وَاحِد لأجل الشحناء بِأَن حَضَرُوا كلهم وَوَقعت بَينهم الْفِتْنَة وَيجوز ذَلِك للضَّرُورَة إِلَى أَن تَزُول الْفِتْنَة
وَتسقط الْجُمُعَة عَمَّن يخَاف بِحُضُورِهِ فتْنَة إِذا لم يكن ظَالِما
وَالْوَاجِب عَلَيْهِم الِاعْتِصَام بِحَبل الله والاجتماع على مَا يُرْضِي الله وَعدم التَّفَرُّق وَالسُّؤَال محرم فِي الْمَسْجِد وخارج الْمَسْجِد إِلَّا للضَّرُورَة فَإِن كَانَ بِهِ ضَرُورَة وَلم يتخط النَّاس وَلَا كذب فِيمَا يرويهِ وَيذكر من حَاله وَلم يجْهر جَهرا يضر بِالنَّاسِ مثل من يسْأَل والخطيب يخْطب أَو وهم يستعمون علما بِهِ وَنَحْو ذَلِك جَازَ فِي أظهر قولي الْعلمَاء كَمَا جَاءَ أَن سَائِلًا سَأَلَ فَأمر رَسُول الله ﷺ بإعطائه وَكَانَ فِي الْمَسْجِد
стр. 68
فصل
وَمن سلم على الْمُصَلِّين وَكَانَ فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ فَلَا بَأْس كَمَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ على النَّبِي ﷺ يسلمُونَ وَهُوَ يرد عَلَيْهِم بِالْإِشَارَةِ وَإِن لم يكن فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ بل قد يتَكَلَّم أحدهم فَلَا يَنْبَغِي إِدْخَاله فِيمَا يقطع صلَاته أَو يتْرك بِهِ الرَّد الْوَاجِب
وَلَا تكون الصَّدَقَة إِلَّا لوجه الله فَمن سَأَلَ بِغَيْر الله من صَحَابِيّ أَو شيخ أَو غَيره فينهى عَن ذَلِك فانه حرَام قطعا بل شرك
وَتجوز الْجُمُعَة فِي القلعة لِأَنَّهَا مَدِينَة أُخْرَى أَو قَرْيَة أَو شبه إِقَامَة جمعتين للْحَاجة
وَلَيْسَ قبل الْجُمُعَة سنة راتبة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا ظهر مَقْصُورَة فقبلها مَا قبل الظّهْر وَهُوَ غير سديد لِأَن الظّهْر الْمَقْصُورَة لَا سنة لَهَا
وَيتَوَجَّهُ أَن يُقَال لما سنّ عُثْمَان ﵁ الْأَذَان الأول انفق الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ فَصَارَ أذانا شَرْعِيًّا وَحِينَئِذٍ فَتكون الصَّلَاة بَينه وَبَين الثَّانِي جَائِزَة حَسَنَة وَلَيْسَت سنة راتبة كَالصَّلَاةِ قبل الْمغرب فَمن فعل لم يُنكر عَلَيْهِ وَمن ترك لم يُنكر عَلَيْهِ وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ لم يصل قبلهَا شَيْئا فقد قَالَ بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ
وَقد يكون تَركهَا أفضل إِذا كَانَ الْجُهَّال يظنون أَنَّهَا سنة راتبة أَو وَاجِبَة فَتتْرك حَتَّى يعرف النَّاس أَنَّهَا لَيست براتبة لَا سِيمَا إِذا داوم عَلَيْهَا النَّاس فَيَنْبَغِي تَركهَا أَحْيَانًا كَمَا اسْتحبَّ أَكثر الْعلمَاء أَن لَا يداوم على قِرَاءَة السَّجْدَة يَوْم الْجُمُعَة وَإِن فعله لأجل تأليف الْقُلُوب وَترك الْخِصَام فَحسن
فالفعل الْوَاحِد يسْتَحبّ فعله تَارَة وَيتْرك أُخْرَى بِحَسب الْمصَالح
وَكَذَلِكَ لَو جهر بالبسملة من يرى المخافتة بهَا لأجل تأليف قُلُوب الْمَأْمُومين خَلفه أَو خَافت بهَا من يرى الْجَهْر فَحسن كَمَا كَانَ عمر ﵁ يجْهر
стр. 69
بالاستفتاح لأجل تَعْلِيم السّنة وَقد جهر غير وَاحِد من الصَّحَابَة بالاستعاذة والبسملة ليعلم الْمَأْمُون أَن قرَاءَتهَا فِي الصَّلَاة سنة كَمَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵄ على جَنَازَة بِأم الْكتاب جَهرا
وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة على الْجِنَازَة فَقيل لَا قِرَاءَة فِي الْجِنَازَة وَقيل وَاجِبَة وَقيل سنة وَهُوَ أعدل الثَّلَاثَة وَالسَّلَف فعلوا هَذَا وَهَذَا كَانُوا يصلونَ على الْجِنَازَة بِالْقِرَاءَةِ وَغَيرهَا كَمَا يصلونَ بالجهر بالبسملة وَبِغير جهر بهَا وَتارَة بالاستفتاح وَتارَة بِغَيْرِهِ وَكَانُوا يرفعون الْيَدَيْنِ فِي المواطن الثَّلَاثَة تَارَة وَتارَة بِغَيْر رفع وَتارَة بتسليمتين وَتارَة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة ويقرءون خلف الإِمَام فِي السِّرّ تَارَة وَتارَة لَا يقرءُون وَيُكَبِّرُونَ على الْجِنَازَة أَرْبعا تَارَة وَتارَة خمْسا وَتارَة سبعا كل ذَلِك ثَابت عَنْهُم وَتارَة يرجعُونَ فِي الْأَذَان بِغَيْر تَرْجِيع وَتارَة يوترون الْإِقَامَة وَتارَة يشفعونها
فَهَذِهِ الْأُمُور وَإِن كَانَ بَعْضهَا أرجح من الآخر فَمن فعل الْمَرْجُوح فقد فعل جَائِزا وَقد يكون الْمَرْجُوح أرجح للْمصْلحَة الراجحة كَمَا قد يكون ترك الرَّاجِح أرجح وَهَذَا وَاقع فِي عَامَّة الْأَعْمَال حَتَّى فِي حَال الشَّخْص الْوَاحِد قد يكون الْمَفْضُول لَهُ أفضل بِحَسب حَاله لكَونه عَاجِزا عَن الْأَفْضَل أَو لكَون محبَّة أَو رغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أَكثر فَيكون لَهَا حَقه أفضل لما بِهِ مزِيد علمه وحبه وانتفاعه كَالْمَرِيضِ ينْتَفع بالدواء الَّذِي يشتهيه مَالا ينْتَفع بمالا يشتيه وَإِن كَانَ جنس ذَلِك أفضل
وَمن هَذَا الْبَاب صَار الذّكر لبَعض النَّاس فِي بعض الْأَوْقَات أفضل من الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة لبَعْضهِم فِي بعض الْأَوْقَات خير من الصَّلَاة وأمثال ذَلِك لكَمَال انتفاعه لَا لِأَن جنسه أفضل وَلِأَن تَفْضِيل بعض الْأَعْمَال على بعض إِن لم يعرف التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يتنوع بتنوع الْأَحْوَال فِي كثير من الْأَعْمَال وَإِلَّا وَقع فِيهِ اضْطِرَاب كثير قَالَ من النَّاس من إِذا اعْتقد اسْتِحْبَاب فعل ورجحانه
стр. 70
يحافظ عَلَيْهِ مَالا يحافظ على الْوَاجِبَات حَتَّى يخرج بِهِ الْأَمر إِلَى الْهوى والتعصيب وَالْحمية الْجَاهِلِيَّة كَمَا تَجدهُ فِيمَن يخْتَار بعض هَذِه الْأُمُور فيراها شعارا لمذهبه
وَالْوَاجِب أَن يعْطى كل ذِي حق حَقه وبوسع مَا وَسعه الله وَرَسُوله ويؤلف مَا أَلفه الله وَرَسُوله ويداعي مَا أحب الله وَرَسُوله وَيعلم أَن خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَأَن الله بَعثه رَحْمَة للْعَالمين لسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فصل
وَأما السّنة بعد الْجُمُعَة فقد ثَبت أَنه صلي الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ وَثَبت بعد الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَقبلهَا أَرْبعا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر
فَهَذِهِ الرَّاتِبَة الَّتِي ثبتَتْ
وَكَانَ يقوم بِاللَّيْلِ إِمَّا إِحْدَى عشرَة وَإِمَّا ثَلَاث عشرَة
فَكَانَ مَجْمُوع صلَاته بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَرِيبا من أَرْبَعِينَ رَكْعَة فرضا ونفلا
وَالنَّاس مِنْهُم من لَا يُوَقت فِي الرَّوَاتِب كَمَا لَك فَإِنَّهُ لَا يرى سوى الْوتر وركعتي الْفجْر وَمِنْهُم من يقدر أَشْيَاء ضَعِيفَة بل بَاطِلَة كمن يروي قبل الْعَصْر أَرْبعا وَقبل الظّهْر سِتا وَبعدهَا أَرْبعا أَو أَنه ﷺ كَانَ يحافظ على الضُّحَى وأمثال ذَلِك من الْأَحَادِيث المكذوبة
وَأَشد من ذَلِك مَا يذكرهُ من يصنف فِي الرَّقَائِق من الصَّلَاة الأسبوعية والحولية الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْقُوت لأبي طَالب الْمَكِّيّ وَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَعبد الْقَادِر وَغَيرهم وكصلاة الألفية الَّتِي فِي أول رَجَب وَنصف شعْبَان والاثنى عشرِيَّة فِي أول جُمُعَة من رَجَب وَفِي لَيْلَة سبع وَعشْرين فِي رَجَب وصلوات أخر تذكر فِي الْأَشْهر
стр. 71
الثَّلَاثَة وَصَلَاة لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ وَيَوْم عاشورا وأمثال ذَلِك مَعَ اتِّفَاق أهل الْمعرفَة على كذب ذَلِك لَكِن بلغت أَقْوَامًا من أهل الدّين فظنوها صَحِيحَة فعملوا بهَا وهم مأجورون على حسن قصدهم وهم مخطئون فِي ذَلِك
وَأما من ثبتَتْ لَهُ السّنة فَظن أَن غَيرهَا أفضل مِنْهَا فَهُوَ ضال بل كَافِر وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ من كَانَ مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا وروى السِّت رَكْعَات عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة ﵃
وَالسّنة أَن يفضل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فِي الْجُمُعَة وَغَيرهَا بِقِيَام أَو كَلَام وَلم يصل رَسُول الله ﷺ قبل الْجُمُعَة بعد الْأَذَان شَيْئا وَلَا نقل هَذَا عَنهُ أحدا وَلَا نقل أَنه صلى فِي بَيته قبل الْخُرُوج مِنْهُ إِلَى الْجُمُعَة وَلَا وَقت بقوله صَلَاة مقدرَة قبل الْجُمُعَة بل رغب فِي الصَّلَاة إِذا قدم الرجل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة
فَمن أَصْحَابه ﵃ من كَانَ يُصَلِّي عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي اثنتى عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِيَة وَأَقل وَأكْثر على قدر التَّيْسِير
بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
التَّكْبِير فِي الْفطر أوكد لكَونه أَمر الله بِهِ بقوله ﴿ولتكملوا الْعدة ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي النَّحْر أوكد من جِهَة أَنه يشرع أدبار الصَّلَوَات ومتفق عَلَيْهِ ويجتمع فِيهِ الزَّمَان وَالْمَكَان
وَعِيد النَّحْر أفضل وَمن تعمد ترك صَلَاة الْعِيد وَصلى فِي بَيته أَو فِي مَسْجده بِلَا عذر فَهُوَ مُبْتَدع
стр. 72
وَمن رأى هِلَال ذِي الْحجَّة وَلم يثبت بقوله يَصُوم التَّاسِع فِي الظَّاهِر عِنْد من يَقُول لَا يفْطر بِرُؤْيَة هِلَال شَوَّال وَحده
وَمن شرع لَهُ الْفطر يَوْم الثَّلَاثِينَ سرا لَا يشرع لَهُ صَوْم هَذَا لِأَنَّهُ عِنْده يَوْم الْعِيد وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَلَا التَّضْحِيَة قبل النَّاس فِي منى وَلَا فِي الْأَمْصَار بل يعرف مَعَ النَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِر التَّاسِع وَإِن كَانَ بِحَسب رُؤْيَته الْعَاشِر
فالهلال إِذا لم يطلع النَّاس ويستهلوه لم يكن هلالا وَكَذَا الشَّهْر مَأْخُوذ من الشُّهْرَة وانما يغلط كثير من النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لظنهم أَنه إِذا طلع فِي السَّمَاء كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة أَو الشَّهْر سَوَاء ظهر للنَّاس واستهلوا بِهِ أَولا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لَا بُد من ظُهُوره واستهلالهم بِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ صومكم يَوْم تصومون وفطركم يَوْم تفطرون وأضحاكم يَوْم تضحون أَي هِيَ الْيَوْم الَّذِي تعلمُونَ أَنه وَقت الصَّوْم وَالْفطر والأضحى
فَيَنْبَغِي أَن يَصُوم التَّاسِع ظَاهرا وَإِن كَانَ بِحِسَاب رُؤْيَته عَاشر
فصوم الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ هَل هُوَ تَاسِع ذِي الْحجَّة أَو عاشره جَازَ بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء لِأَن الأَصْل عدم الْعَاشِر كَمَا لَو شكوا لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من رَمَضَان لم يكن شكا بالِاتِّفَاقِ بِخِلَاف لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان لِأَن لاأصل بَقَاء شعْبَان وَكَذَا الْمُنْفَرد بِرُؤْيَة شَوَّال لَا يفْطر عَلَانيَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَهَذَا يفْطر سرا على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا لَا يفْطر
وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد على الْحساب بالنجوم بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَالسّنة كَمَا قد بَينته فِي موَاضعه
وَإِن عُلَمَاء الْهَيْئَة يعلمُونَ أَن الرُّؤْيَة لَا تنضبط بِأَمْر حسابي يثبت حد الْيَوْم وَأَنه لَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ لِأَن النَّهَار يظْهر سَبَب الأبخرة فَمَتَى أدّى إِلَى أَن يَأْخُذ حِصَّة الْعشَاء من حِصَّة الْفجْر إِنَّمَا يَصح لَو كَانَ الْمُوجب لظُهُور النُّور وخفائه
стр. 73
مُجَرّد محاذاة الْأُفق الَّتِي لَا تعلم بِالْحِسَابِ فَأَما إِذا كَانَ للأبخرة تَأْثِير فالبحار يكون فِي الشِّفَاء وَفِي الاماكن الرّطبَة أَكثر فَلَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ وَلِهَذَا تُوجد حِصَّة الْفجْر فِي زمن الشتَاء أطول مِنْهَا فِي زمن الصَّيف وَالْقِيَاس الحسابي يشكل عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن حِصَّة الْفجْر عِنْده تتبع النَّهَار وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوْضِعه وَالله أعلم
بَاب صَلَاة التَّطَوُّع
قراءة سُورَة الْأَنْعَام فِي رَكْعَة وَاحِدَة فِي رَمَضَان أَو غَيره بِدعَة سَوَاء تحروا اللَّيْلَة بِعَينهَا أَولا كَمَا يَفْعَله بعض النَّاس يقرؤنها فِي آخر رَكْعَة من صَلَاة الْوتر يطول على النَّاس ويهذها هَذَا مَكْرُوها
وَإِذا صلى لَيْلَة النّصْف وَحده أَو بِجَمَاعَة خَاصَّة فَهُوَ حسن
أما الِاجْتِمَاع على صَلَاة فِي الْمَسَاجِد مقدرَة بِمِائَة رَكْعَة بِقِرَاءَة ألف ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ دَائِما فَهِيَ بِدعَة لم يستحبها أحد
وَيكرهُ للنَّاس أَن يداوموا فِي الْجَمَاعَة على غير مَا شرعت لَهُ المداومة عَلَيْهَا لَكِن إِذا لم يتَّخذ راتبة وَكَذَا إِذا كَانَ لمصْلحَة مثل أَن لَا يحسن أَن يُصَلِّي وَحده أَو لَا ينشط وَحده فالجماعة أفضل إِذا لم تتَّخذ راتبة وفعلها فِي الْبَيْت أفضل إِلَّا لمصْلحَة راجحة
وَصَلَاة الْقدر الَّتِي تصلي بعد التَّرَاوِيح رَكْعَتَيْنِ فِي آخر اللَّيْل يصلونَ تَمام مائَة رَكْعَة بِدعَة مَكْرُوهَة والاجتماع الْمُعْتَاد فِي الْمَسَاجِد على صَلَاة مقدرَة بِدعَة
والتراويح سنة بعد الْعشَاء والرافضة تكره التَّرَاوِيح
وَقَوله ﷺ بَين كل أذانين صَلَاة المُرَاد بِهِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَهِيَ مُسْتَحبَّة بَين كل أَذَان وَإِقَامَة لَيست راتبة
وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ
стр. 74
وَهُوَ جَالس لَكِن جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث الطَّوِيل فِي مُسلم أَن كَانَ يُوتر باحدى عشرَة وَأَنه بعد أوتر بتسع وَصلى بعد ذَلِك رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَكَذَلِكَ لما أوتر بتسع
فَهَذَا يبين أَنه لم يكن يداوم عَلَيْهَا
وويل للْعَالم إِذا سكت عَن تَعْلِيم الْجَاهِل وويل للجاهل إِذا لم يقبل
وَلَيْسَ للْمُسلمِ أَن يستفتى إِلَّا من يعلم أَنه من أهل الْعلم وَالدّين وَأَن لَا يقْتَدى إِلَّا بِمن يصلح الِاقْتِدَاء بِهِ
مَسْأَلَة وَإِذا كَانَ الرّجلَانِ من أهل الدّيانَة فَأَيّهمَا كَانَ أعلم بِالْكتاب وَالسّنة وَجب تَقْدِيمه على الْآخِرَة وَكَانَ ائتمامه بِهِ مُتَعَيّنا
وَلَيْسَ للامام تَأْخِير الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ وَبعد حُضُور أَكثر الْجَمَاعَة منتظرا لأحد بل ينْهَى عَن ذَلِك إِذا شقّ
وَيجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْمَأْمُومين
قَالَ سلمَان ﵁ رَأَيْت ابْن عمر ﵄ جَالِسا على البلاط وَالنَّاس يصلونَ فَقلت مَا بك لَا تصلي فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تُعَاد صَلَاة مرَّتَيْنِ وَقد قَالَ للرجلين إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فَصَليَا مَعَ الْجَمَاعَة
الْجمع بَينهمَا أَن ابْن عمر ﵄ لم يكن لَهُ سَبَب يُعِيد بِهِ صلَاته بِخِلَاف الرجلَيْن فَإِنَّهُمَا صليا فِي رحالهما ثمَّ أَتَيَا مَسْجِد جمَاعَة فَكَانَ سَبَب الْإِعَادَة حُضُور الْجَمَاعَة الزَّانِيَة بِخِلَاف الْإِعَادَة بِلَا سَبَب فَإِنَّهَا مَكْرُوهَة
وَمن السَّبَب الحَدِيث الَّذِي فِي سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ قَوْله أَلا رجل يتَصَدَّق على هَذَا فالمتصدق أعَاد لتحصل لذَلِك الْمصلى فَضِيلَة الْجَمَاعَة
وَمن السَّبَب مَا جَاءَ عَنهُ أَنه ﷺ على صَلَاة الْخَوْف مرَّتَيْنِ
стр. 75
وَحَدِيث معَاذ كَانَ يُصَلِّي مَعَه الْعشَاء ثمَّ يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فِي بني عَمْرو ابْن عَوْف
مَسْأَلَة وَيُشبه هَذَا إِعَادَة صَلَاة الْجِنَازَة لمن صلى عَلَيْهَا أَولا فَلَا يشرع بِغَيْر سَبَب بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل لَو صلى عَلَيْهَا مرّة ثمَّ حضر من لم يصل عَلَيْهَا هَل يُصَلِّي عَلَيْهَا على قَوْلَيْنِ
قيل يُصَلِّي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَعند مَالك وَأبي حنيفَة ينْهَى عَن ذَلِك كَمَا ينهيان عَن إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد مرّة بعد مرّة
قَالُوا لِأَن الْفَرْض سقط بِالْأولَى وَصَلَاة الْجِنَازَة لَا يتَطَوَّع بهَا
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد يجيبون بجوابين
أَحدهمَا أَن الثَّانِيَة تقع فرضا عَمَّن فعلهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِر فروض الكفايات أَن من فعهلا أسقط بهَا فرض نَفسه وَإِن كَانَ غَيره قد فعلهَا فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يَكْتَفِي بِإِسْقَاط ذَلِك عَنهُ وَبَين أَن يسْقط الْفَرْض بِنَفسِهِ
وَإِذا قيل هِيَ نَافِلَة فيمنعون قَول الْقَائِل لَا يتَطَوَّع بِصَلَاة الْجِنَازَة بل قد يتَطَوَّع بهَا إِذا كَانَ هُنَاكَ سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك
وينبنى على هذَيْن المأخذين أَنه إِذا أعَاد الْجِنَازَة من لم يصل عَلَيْهَا أَولا فَهَل لمن صلى عَلَيْهَا أَن يُصَلِّي مَعَه تبعا على وَجْهَيْن
قيل لَا يجوز هُنَا لِأَن فعله هُنَا نفل بِلَا نزاع وَهِي لَا ينتفل بهَا
وَقيل بل لَهُ الْإِعَادَة فَإِن النَّبِي ﷺ لما صلى على الْقَبْر صلى خَلفه من كَانَ قد صلى أَولا
وَهَذَا أقرب لِأَنَّهُ أعَاد تبعا لَيست قَضَاء وَلَا إِعَادَة مَقْصُودَة وَهَذَا سَائِغ فِي الْمَكْتُوبَة والجنازة
وَقِرَاءَة الْقُرْآن لله تَعَالَى فِيهَا الثَّوَاب الْعَظِيم وَلَو قصد بذلك أَن يستذكر لِئَلَّا
следующие страницы →