← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 596–633 · переход к 601.

стр. 596

نصوصه فِي كثير من الْمسَائِل لِكَثْرَة كَلَامه وانتشاره وَكَثْرَة من كَانَ يَأْخُذ عَنهُ الْعلم فَأَبُو بكر الْخلال قد طَاف بالبلاد وَجمع من نصوصه فِي مسَائِل الْفِقْه نَحْو أَرْبَعِينَ مجلدا وَفَاته أُمُور كَثِيرَة لَيست فِي كتبه وَأما مَا جمعه من نصوصه فِي أصُول الدّين مثل كتاب السّنة نَحْو ثَلَاث مجلدات وَمثل أصُول الْفِقْه والْحَدِيث مثل كتاب الْعلم الَّذِي جمعه وَمن الْكَلَام على علل الْأَحَادِيث مثل كتاب الْعِلَل الَّذِي جمعه وَمن كَلَامه فِي أَعمال الْقُلُوب والأخلاق والآداب وَمن كَلَامه فِي الرِّجَال والتاريخ فَهُوَ مَعَ كثرته لم يستوعب مَا نَقله النَّاس عَنهُ وَالْمَقْصُود هُنَا أَن النزاع عَنهُ مَوْجُود فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كلتاهما فِي مَسْأَلَة الْبِنْت وَفِي مَسْأَلَة الابْن وَفِي مذْهبه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَة أَقْوَال هَل تكون مَعَ الْأُم أَو مَعَ الْأَب أَو تخير لَكِن فِي الابْن ثَلَاث رِوَايَات وَأما الْبِنْت فالمنقول عَنهُ رِوَايَتَانِ هَل هِيَ للْأُم أَو للْأَب وَأما التَّخْيِير فَهُوَ جه مخرج فِي مذْهبه فَعَنْهُ فِي الابْن ثَلَاث رِوَايَات مَعْرُوفَة وَمِمَّنْ ذكرهن أَبُو البركات فِي محرره وَعنهُ فِي الْجَارِيَة رِوَايَتَانِ وَمِمَّنْ ذكرهمَا أَبُو عبد الله بن تَيْمِية فِي كِتَابه التخليص وترغيب القاصد وَالرِّوَايَات مَوْجُودَة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها فِي عدَّة كتب وَمِمَّنْ ذكر هَذِه الرِّوَايَات القَاضِي أَبُو يعلى فِي تَعْلِيقه نقل عَن أَحْمد فِي الْغُلَام أمة أَحَق بِهِ حَتَّى يسْتَغْنى عَنْهَا ثمَّ الْأَب أَحَق بِهِ قَالَ فِي رِوَايَة الْفضل ابْن زِيَاد إِذا عقل الْغُلَام وَاسْتغْنى عَن الْأُم فالأب أَحَق بِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب وَالْأَب أَحَق بالغلام إِذا عقل وَاسْتغْنى عَن الْأُم

стр. 597

وَهَذَا يشبه الَّذِي نَقله القَاضِي أَبُو يعلى والشاشي وَغَيرهمَا عَن أَب حنيفَة قَالَ إِذا أكل وَحده وَلَيْسَ وَحده وَتَوَضَّأ وَحده فالأب أَحَق بِهِ وَنقل عَن الْمُنْذر أَنه يخبر حِينَئِذٍ بَين أَبَوَيْهِ عَن أبي حنيفَة وَأبي ثَوْر وَالْأول هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة الْمَوْجُود فِي كتب أَصْحَابه وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك فَإِنَّهُ نقل عَنهُ ابْن وهب الْأُم أَحَق بِهِ حَتَّى يثغر وَلَكِن الْمَشْهُور عَنهُ أَن الْأُم أَحَق بِهِ مَا لم يبلغ وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة أَحَق بِهِ مَا لم يبلغ وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن أَحْمد وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن أَحْمد أَن الْأُم أَحَق بالغلام مُطلقًا كمذهب مَالك قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل فِي الرجل يُطلق امْرَأَته وَله مِنْهَا أَوْلَاد صغَار فالأم أعطف عَلَيْهِم مِقْدَار مَا يعقل الْأَدَب فَيكون الْأَب أَحَق بهم مالم تتَزَوَّج فَإِذا تزوجت فالأب أَحَق بولده غُلَاما كَانَ أَو جَارِيَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو البركات فَهَذِهِ الرِّوَايَة تدل على أَنه إِذا كبر وَصَارَ يعقل الْأَدَب فَإِنَّهُ يكون مقره أَيْضا عِنْد الْأُم لَكِن فِي وَقت الْأَدَب وَهُوَ النَّهَار يكون عِنْد الْأَب وَهَذَا مَذْهَب مَالك بِعَيْنِه الَّذِي حكيناه فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاث رِوَايَات وَمذهب مَالك فِي الْمُدَوَّنَة أَن الْأُم أَحَق بِهِ مالم يبلغ وَللْأَب تعاهده عِنْدهَا وأدبه وَبَعثه إِلَى الْمكتب وَلَا يبيت إِلَّا عِنْد الْأُم قلت وحنبل وَأحمد بن الْفرج كَانَا يسألان الإِمَام أَحْمد عَن مسَائِل مَالك وَأهل الْمَدِينَة كَمَا كَانَ يسْأَله إِسْحَق بن مَنْصُور وَغَيره عَن مسَائِل سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره وكما كَانَ يسْأَله الْمَيْمُونِيّ عَن مسَائِل الْأَوْزَاعِيّ وكما كَانَ يسْأَله إِسْمَعِيل بن سعيد الشالنجي عَن مسَائِل أبي حنيفَة وَأَصْحَابه فَإِنَّهُ كَانَ قد تفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة ثمَّ اجْتهد فِي مسَائِل كَثِيرَة رجح فِيهَا مَذْهَب أهل الحَدِيث

стр. 598

وَسَأَلَ عَن تِلْكَ الْمسَائِل أَحْمد وَغَيره وَشَرحهَا إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الجورجاني إِمَام دمشق وَأما الَّذين كَانُوا يسألونه مُطلقًا مثل الْأَثْرَم وعبد الله وَصَالح وَغَيرهم فكثيرون وَأما حضَانَة الْبِنْت إِذا صَارَت مُمَيزَة فَوَجَدنَا عَنهُ رِوَايَتَيْنِ منصوصتين وَقد نقلهما غير وَاحِد من أَصْحَابه كَأبي عبد الله بن تَيْمِية وَغَيره إِحْدَاهمَا أَن الْأَب أَحَق بهَا كَمَا هُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة فِي مذْهبه وَالثَّانيَِة أَن الْأُم أَحَق بهَا قَالَ فِي رِوَايَة إِسْحَق بن مَنْصُور يقْضِي بالجارية للْأُم وَالْخَالَة حَتَّى إِذا أحتاجت إِلَى التَّزْوِيج فالأب أَحَق بهَا وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنى بن يحيى الْأُم وَالْجدّة أَحَق بالجارية حَتَّى يتَزَوَّج الْأَب قَالَ أَبُو عبد الله فِي ترغيب القاصد وَإِن كَانَت جَارِيَة فالأب أَحَق بهَا بِغَيْر تَخْيِير وَعنهُ الْأُم أَحَق بهَا حَتَّى تحيض وَهَذِه الرِّوَايَة الثَّانِيَة هِيَ نَحْو مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة فِي ذَلِك فَفِي الْمُدَوَّنَة مَذْهَب مَالك أَن الْأُم أَحَق بِالْوَلَدِ مالم يبلغ سَوَاء كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى فاذا بلغ وَهُوَ أُنْثَى نظرت فَإِن كَانَت الْأُم فِي حرز ومنعة وتحصين فَهِيَ أَحَق بهَا أبدا مالم تنْكح وان بلغت أَرْبَعِينَ سنة وَإِن لم تكن فِي مَوضِع حرز وتحصين أَو كَانَت غير مرضية فِي نَفسهَا فللأب أَخذهَا مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاء وَالْوَصِيّ كَالْأَبِ فِي ذَلِك إِذا أَخذ إِلَى أَمَانَة وتحصين وَمذهب اللَّيْث بن سعد نَحْو ذَلِك قَالَ الْأُم أَحَق بالجارية حَتَّى تبلغ فَإِن كَانَت الْأُم غير مرضية فِي فَسَهَا وأدبها لولدها أخذت مِنْهَا إِذا بلغت إِلَّا أَن تكون صَغِيرَة لَا يخَاف عَلَيْهَا وَأما أَبُو حنيفَة فَقَالَ الْأُم وَالْجدّة أَحَق بالجارية حَتَّى تحيض وَمن سوى

стр. 599

الْأُم وَالْجدّة أَحَق بهَا حَتَّى تبلغ حدا تشْتَهي هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَلَفظ الطَّحَاوِيّ حَتَّى تستعنى كَمَا فِي الْغُلَام مُطلقًا وَهَذَا قيل فِيهَا كَمَا قيل فِي الْغُلَام حَتَّى يتأكل وَحدهَا وتلبس وَحدهَا وتتوضأ وَحدهَا ثمَّ تكون مَعَ الْأَب وَأَبُو حنيفَة أَيْضا يَجْعَل الْأَب أَحَق بهَا بعد التَّمْيِيز كَمَا يَقُول مثل ذَلِك فِي الابْن لَكِن يسْتَثْنى الْأُم وَالْجدّة خَاصَّة وَأما الْمَشْهُور عَن أَحْمد وَهُوَ تخير الْغُلَام بَين أَبَوَيْهِ فَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وموافقته للشَّافِعِيّ وَإِسْحَق أَكثر من مُوَافَقَته لغَيْرِهِمَا وأصوله أصولهما أشبه مِنْهَا بأصول غَيرهمَا وَكَانَ يثني عَلَيْهِمَا ويعظمهما ويرجح أصُول مذاهبهما على من لَيست أصُول مذاهبه كأصوال مذاهبهما وَعِنْدهم أصُول فُقَهَاء الحَدِيث أصح من أصُول غَيرهم وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَق هما عِنْده من أجل فُقَهَاء الحَدِيث وَجمع بَينهمَا بِمَسْجِد الْخيف فتناظرا فِي مَسْأَلَة رباع مَكَّة والقصة مَشْهُورَة وَذكر أَحْمد أَن الشَّافِعِي علا إِسْحَق بِالْحجَّةِ فِي مَوضِع وَأَن إِسْحَاق علاهُ بِالْحجَّةِ فِي مَوضِع فَإِن الشَّافِعِي كَانَ يُبِيح البيع وَالْإِجَارَة وَإِسْحَاق يمْنَع مِنْهُمَا وَكَانَت الْحجَّة مَعَ الشَّافِعِي فِي جَوَاز بيعهَا وَمَعَ إِسْحَاق فِي الْمَنْع من إِجَارَتهَا وَأما التَّخْيِير فِي الْجَارِيَة فَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَلم أَجِدهُ مَنْقُولًا لَا عَن أَحْمد وَلَا عَن إِسْحَق كَمَا نقل عَنْهُمَا التَّخْيِير فِي الغلاء وَلَكِن نقل عَن الْحسن بن حَيّ أَنَّهَا تخير إِذا كَانَت كاعبا والتخيير فِي الْغُلَام هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَإِسْحَق للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك حَيْثُ خير النَّبِي ﷺ غُلَاما بَين أَبَوَيْهِ وَهِي قَضِيَّة مُعينَة وَلم يرد عَنهُ نَص عَام فِي تَخْيِير الْوَلَد مُطلقًا والْحَدِيث الْوَارِد فِي تَخْيِير الْجَارِيَة ضَعِيف مُخَالف لإجماعهم

стр. 600

وَالْفرق بَين تَخْيِير الْغُلَام وَالْجَارِيَة أَن هَذَا التَّخْيِير تَخْيِير شَهْوَة لَا تَخْيِير رَأْي ومصلحة كتخيير من يتَصَرَّف لغيره كَالْإِمَامِ وَالْوَلِيّ فَإِن الإِمَام إِذا خير فِي الأسرى بَين الْقَتْل والاسترقاق والمن وَالْفِدَاء فَعَلَيهِ أَن يخْتَار الْأَصْلَح للْمُسلمين ثمَّ قد يصب ذَلِك الْأَصْلَح للْمُسلمين فَيكون مصيبا فِي اجْتِهَاده حَاكما بِحكم الله ويكونه لَهُ أَجْرَانِ وَقد لَا يُصِيبهُ فيثاب على استفراغ وَسعه وَلَا يَأْثَم بعجزه عَن معرفَة الْمصلحَة كَالَّذي ينزل أهل حصن على حكمه كَمَا نزل بتو قُرَيْظَة على حكم النَّبِي ﷺ فَلَمَّا سَأَلَهُ فيهم بَنو عبد الْأَشْهَل قَالَ أَلا ترْضونَ أَن أجعَل الْأَمر إِلَى سيدكم سعد بن معَاذ فرضوا بذلك وطمع من كَانَ يحب استيفاءهم أَن سَعْدا يحابيهم لما كَانَ بَينه وَبينهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْمُوَالَاة فَلَمَّا أَتَى سعد حكم فيهم أَن تقتل مُقَاتلَتهمْ وتسبى ذَرَارِيهمْ وتغنم أَمْوَالهم فَقَالَ النَّبِي ﷺ لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سبع سموات وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه لَو حكم بِغَيْر ذَلِك لم يكن ذَلِك حكما لله فِي نفس الْأَمر وَإِن كَانَ لَا بُد من إِنْفَاذه وَمثل هَذَا مَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من حَدِيث بُرَيْدَة الْمَشْهُور قَالَ فِيهِ وَإِذا حاصرت أهل حصن فسألوك أَن تنزلهم على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا حكم الله فيهم وَلَكِن أنزلهم على حكمك وَحكم أَصْحَابك وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء إِنَّه إِذا حاصر الإِمَام حصنا فنزلوا على حكم حَاكم جَازَ إِذا كَانَ رجلا مُسلما حرا عدلا من أهل الِاجْتِهَاد فِي أَمر الْجِهَاد وَلَا يحكم إِلَّا بِمَا فِيهِ حفظ للاسلام من قتل أَوْرَق أَو فدَاء وَتَنَازَعُوا فِيمَا إِذا حكم بالمن فأباه الإِمَام هَل يلْزم حكمه أَولا يلْزم أَو يفرق بَين الْمُقَاتلَة والذرية على ثَلَاثَة أَقْوَال

стр. 601

وَإِنَّمَا تنازعوا فِي ذَلِك لظن المنازع أَن الْمَنّ لاحظ فِيهِ للْمُسلمين وَالْمَقْصُود أَن تَخْيِير الإِمَام الْحَاكِم الَّذِي نزلُوا على حكمه هُوَ تَخْيِير رَأْي مصلحَة بِطَلَب أَي الْأَمريْنِ كَانَ أرْضى لله وَرَسُوله فعله كَمَا ينظر الْمُجْتَهد فِي أَدِلَّة السَّائِل فَأَي الدَّلِيلَيْنِ كَانَ أرجح اتبعهُ وَلَكِن معنى قَوْلنَا يخبر أَنه لَا يتَعَيَّن فعل وَاحِد من هَذِه الْأُمُور فِي كل وَقت بل قد يتَعَيَّن فعل هَذَا تَارَة وَفعل هَذَا تَارَة وَقَول الله فِي الْقُرْآن ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ يقتي فعل أحد الْأَمريْنِ وَذَلِكَ لَا يمْنَع تعين هَذَا فِي حَال وَهَذَا فِي حَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا﴾ فتربص أحد الْأَمريْنِ لَا يمْنَع بِعَيْنِه إِذا كَانَ الْجِهَاد فرض عين علينا بعض الْأَوْقَات فَحِينَئِذٍ يصيبهم الله بِعَذَاب بِأَيْدِينَا كَمَا فِي قَوْله ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم﴾ الْعلمَاء قَوْله تَعَالَى فِي الْمُحَاربين ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض﴾ لَا يَقْتَضِي أَن الإِمَام يُخَيّر تَخْيِير مَشِيئَة فيفعل أَي هَذِه الْأَرْبَعَة شَاءَ بل كلهم متفقون على أَنه يتَعَيَّن هَذَا فِي حَال وَهَذَا فِي حَال ثمَّ أَكْثَرهم يَقُولُونَ تِلْكَ الْأَحْوَال مضبوطة بِالنَّصِّ فَإِن اقْتُلُوا تعين قَتلهمْ وَإِن أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا تعين قطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد روى فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع وَمِنْهُم من يَقُول بل التَّعْيِين بِاجْتِهَاد الإِمَام كَقَوْل مَالك فَإِن رأى أَن الْقَتْل هُوَ الْمصلحَة قتل وَإِن لم يكن قد قتل وَمن هَذَا الْبَاب تَخْيِير الإِمَام فِي الأَرْض الْمَفْتُوحَة عنْوَة بَين جعلهَا فَيْئا

стр. 602

وَجعلهَا غنيمَة كَمَا هُوَ قَول الْأَكْثَرين كَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَأبي عبيد وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ فَإِنَّهُم قَالُوا إِن رأى الْمصلحَة فِي جعلهَا غنيمَة قسمهَا بَين الْغَانِمين كَمَا قسما لنَبِيّ ﷺ خَيْبَر وَإِن رأى أَن لَا يقسمها جَازَ كَمَا يقسم النَّبِي ﷺ مَكَّة مَعَ أَنه فتحهَا عنْوَة كَمَا شهِدت بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والسيرة المستفيضة وكما قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء وَلِأَن خلفاؤه بعده أَبَا بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان فتحُوا مَا فتحوه من أَرض الْمغرب وَالروم وَفَارِس كالعراق وَالشَّام ومصر وخراسان وَلم يقسم أحد من الْخُلَفَاء شَيْئا من الْعقار المغنوم بَين الْغَانِمين لَا السوَاد وَلَا غير اسلواد بل جعلُوا الْعقار فَيْئا للْمُسلمين دَاخِلا فِي قَوْله ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ﴾ الْآيَة وَلم يستأذونوا فِي ذَلِك الْغَانِمين بل طلب أكَابِر الْغَانِمين قسْمَة الْعقار فَلم يجيبوهم إِلَى ذَلِك كَمَا طلب بِلَال من عمر أَن يقسم أَرض الشَّام وَطلب مِنْهُ الزبير أَن يقسم أَرض مصر فَلم يجيبوهم إِلَى ذَلِك وَلم يستطب أحد من الْخُلَفَاء أحدا من الْغَانِمين فِي ذَلِك فضلا عَن أَن يَسْتَطِيب أنفس جَمِيع الْغَانِمين وَهَذَا مِمَّا احْتج بِهِ من جعل الأَرْض فَيْئا بِنَفس الْفَتْح وَمن نصر مذْهبه كاسماعيل بن إِسْحَاق وَغَيره وَقَالُوا الأَرْض لَيست دَاخِلَة فِي الْغَنِيمَة فَإِن الله حرم على بني اسرائيل الْمَغَانِم وملكهم الْعقار فَعلم أَنه لَيْسَ من الْمَغَانِم وَهَذَا القَوْل يذكر رِوَايَة عَن أَحْمد كَمَا ذكر عَنهُ رِوَايَة ثلثة كَقَوْل الشَّافِعِي أيه يجب قسْمَة الْعقار وَالْمَنْقُول لِأَن الْجَمِيع مغنوم وَقَالَ الشَّافِعِي إِن مَكَّة لم تفتح عنْوَة بل صلحا فَلَا يكون فِيهَا حجَّة وَمن حكى عَنهُ أَنه قَالَ إِنَّهَا فتحت عنْوَة كصاحب الْوَسِيط وفروعه فقد غلط عَلَيْهِ وَقَالَ فِي السوَاد لَا أَدْرِي مَا أَقُول فِيهِ إِلَّا أَنِّي أَظن فِيهِ ظنا مَقْرُونا بِعلم وَظن أَن عمر استطاب أنفس الْغَانِمين لما روى من قصَّة الْمثنى بن حَارِثَة وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر

стр. 603

وَقَول الْجُمْهُور أعدل الأوقاويل وأشبهها بِالْكتاب وَالسّنة وَالْأُصُول وهم الَّذين قَالُوا يُخَيّر الإِمَام بَين الْأَمريْنِ بن يُخَيّر رَأْي ومصلحة لَا تَخْيِير شَهْوَة ومشيئة وَهَكَذَا سَائِر مَا يُخَيّر فِيهِ وُلَاة الْأَمر وَمن تصرف لغيره بِولَايَة كناظر الْوَقْف ووصى الْيَتِيم وَالْوَكِيل الْمُطلق لَا يخيرون تَخْيِير مَشِيئَة وشهوة بل تَخْيِير اجْتِهَاد وَنظر وَطلب ويجزى للأصلح كَالرّجلِ الْمُبْتَلى بعدوين وَهُوَ مُضْطَر إِلَى الِابْتِدَاء بِأَحَدِهِمَا فيبتدىء بِمَا لَهُ نفع وكالإمام فِي تَوْلِيَة من ولاه الْحَرْب وَالْحكم وَالْمَال يخْتَار الْأَصْلَح فالأصلح فَمن ولى رجلا على عِصَابَة وَهُوَ يجد فيهم من هُوَ أرْضى للهمنه فقد خَان الله وخان رَسُوله وخان الْمُؤمنِينَ وَهَذَا بِخِلَاف من خير بَين شيئسن وَله أَن يفعل أَيهمَا شاد كالمكفر إِذا خير بَين الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة وَالْعِتْق فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ أحد الْخِصَال أفضل فَيجوز لَهُ فعل الْمَفْضُول وَكَذَلِكَ لابس الْخُف إِذا خير بني الْمسْح وَبَين الْغسْل وَإِن كَانَ أَحدهمَا وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي إِذا خير بَين الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت وَآخره وَإِن كَانَ أَحدهمَا أفضل وَكَذَلِكَ تَخْيِير الْآكِل والشارب بَين أَنْوَاع الْأَطْعِمَة والأشربة الْمُبَاحَة وَإِن كَانَ نفس الْأكل والرشب وَاجِبا عِنْد الضَّرُورَة حَتَّى إِذا تعين الْمَأْكُول وَجب أكله وَإِن كَانَ ميتَة فَمن اضْطر إِلَى أكل الْميتَة وَجب عَلَيْهِ أكلهَا فِي الْمَشْهُور عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من أهل الْعلم وَكَذَلِكَ تَخْيِير الْحَاج بَين التَّمَتُّع والإفراد وَالْقرَان عِنْد الْجُمْهُور الَّذين يخيرون الثَّلَاثَة ويجيز الْمُسَافِر بَين الْفطر وَالصَّوْم عِنْد الْجُمْهُور وَأما من يَقُول لَا يجوز أَن يحجّ إِلَّا مُتَمَتِّعا وَأَنه يتَعَيَّن الْفطر فِي السّفر كَمَا يَقُوله طاذفة من السّلف وَالْخلف من أهل السّنة والشيعة فَلَا يَجِيء هَذَا على أصلهم وَكَذَلِكَ الْقصر عِنْد الْجُمْهُور الَّذين يَقُولُونَ لَيْسَ للْمُسَافِر أَن يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَن يُصَلِّي أَرْبعا فَإِن النَّبِي ﷺ لم يصل فِي السّفر قطّ رلا

стр. 604

رَكْعَتَيْنِ وَلَا أحد من أَصْحَابه فِي حَيَاته عَائِشَة الَّتِي تذكر فِيهِ أَنه أَو أَنَّهَا صلت فِي حَيَاته فِي السّفر أَرْبعا كذب عِنْد حذاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا قد بسط فِي مَوْضِعه إِذْ الْمَقْصُود هُنَا أَن التَّخْيِير فِي الشَّرْع نَوْعَانِ فَمن خير فِيمَا لغيره بولايته عَلَيْهِ أَو بوكالة مُطلقَة لم يبح لَهُ فِيهِ فعل مَا شَاءَ فَعَلَيهِ أَن يخْتَار الْأَصْلَح وَأما من تصرف لنَفسِهِ فَتَارَة يَأْمُرهُ الشَّارِع بِاخْتِيَار مَا هُوَ الْأَصْلَح بِحَسب اجْتِهَاده كَمَا يَأْمر الْمُجْتَهد أقوى الآراء بل وَأصْلح الْأَحْكَام فِي نفس الْأَمر وَتارَة يُبِيح لَهُ مَا شَاءَ من الْأَنْوَاع الَّتِي خير بَينهمَا كَمَا تقدم هَذَا إِذا كَانَ مُكَلّفا وَأما الصَّبِي الْمُمَيز فَيُخَير تَخْيِير شَهْوَة حَيْثُ كَانَ كل من الْأَبَوَيْنِ نَظِير الآخر وَلم يَنْضَبِط فِي حَقه حكم عَام للْأَب أَو الْأُم فَلَا يُمكن أَن يُقَال كل زب فَهُوَ أصلح للميز من الْأُم وَلَا كل أم فَهِيَ أصلح لَهُ من الْأَب بل قد يكون بعض الْآبَاء أصلح وَبَعض الْأُمَّهَات أصلح وَقد يكون الْأَب أصلح فِي حَال وَالأُم أصلح فِي حَال فَلم يُمكن أَن يعْتَبر أَحدهمَا فِي هَذَا بِخِلَاف الصَّغِير فَإِن الْأُم أصلح لَهُ من الْأَب لِأَن النِّسَاء أوثق بالصغير وَأخْبر بتغذيته وَحمله وتنوعيمه وتنويله وأصبر على ذَلِك وأرحم بِهِ فَهِيَ أقدر وَأخْبر وأرحم وأصبر فِي هَذَا الْموضع فتعينت الْأُم فِي حق الطِّفْل غير الْمُمَيز بِالشَّرْعِ وَلَكِن بقى تَنْقِيح المناط هَل عينهن الشَّارِع لكَون قرَابَة الْأُم مُقَدّمَة عَليّ قرَابَة الْأَب فِي الْحَضَانَة أَو لكَون النِّسَاء أقوم بمقصود الْحَضَانَة من الرِّجَال وَهَذَا فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء يظْهر أَثَرهَا فِي تَقْدِيم نسَاء الْعصبَة على أقَارِب الْأُم مثل أم الْأُم وَأم الْأَب وَالْأُخْت من الْأُم وَالْأُخْت من الْأَب وَمثل الْعمة وَالْخَالَة وَنَحْو ذَلِك هَذَا فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وأرجح

стр. 605

الْقَوْلَيْنِ فِي الْحجَّة تَقْدِيم نسَاء الْعصبَة فَتقدم الْأُخْت من الْأَب عَليّ الْأُخْت من الْأُم وَخَالَة الزب عَليّ خَالَة الْأُم وَهُوَ الَّذِي ذكره الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره وزبو الْحسن الْآمِدِيّ وَغَيرهمَا من الْأَصْحَاب وَعلل ذَلِك من علله كَأبي الْحسن الْآمِدِيّ فِي مثل تَقْدِيم خَالَة الْأَب عَليّ خَالَة الْأُم فَإِن قرابتها فِيهَا رحم وتعصيب بِخِلَاف قرَابَة الْأُم فان فيهارحما بَال تعصب فَأم الْأَب مُقَدّمَة على أم الْأُم وَالْأُخْت من الْأَب مُقَدّمَة على الْأُخْت من الْأُم والعمة مُقَدّمَة على الْخَالَة كَمَا يقدم أقَارِب الْأَب من الرِّجَال عَليّ أقَارِب الْأُم فالأخ للْأَب أولى من الْأَخ للْأُم وَالْعم أولى من الْخَال بل قد قيل إِنَّه لاحضانة للرِّجَال من أقَارِب الْأُم بِحَال وَأَن الْحَضَانَة لَا تثبت رلا لرجل من الْعصبَة أَو لامْرَأَة وارثة أَو مدلية بعصبة أَو وَارِث فَإِن عدموا فالحاكم وعَلى الْوَجْه الثَّانِي فَلَا حضَانَة للرِّجَال فِي أقَارِب الْأُم وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فَلَو كَانَت جِهَة الأمومة راجحة لترجح رجالها ونساؤها فَلَمَّا لم يتَرَجَّح رجالها بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك نساؤها وَأَيْضًا فمجموع أصُول الشَّرْع إِنَّمَا تقدم أقَارِب الْأُم فِي الْمِيرَاث وَالْعقل وَالنَّفقَة وَولَايَة الْمَوْت وَالْمَال وَغير ذَلِك لم يقدم الشَّارِع قرَابَة الْأُم فِي حكم من الْأَحْكَام فَمن قدمهن فِي الْحَضَانَة فقد خَالف أصُول الشَّرِيعَة وَلَكِن قدمُوا الْأُم لكَونهَا امْرَأَة وجنس النِّسَاء مُقَدمَات فِي الْحَضَانَة على الرِّجَال وَهَذَا يقتضى تَقْدِيم الْجدّة أم الْأَب على الْجد كَمَا قدمت الْأُم على الْأَب وَتَقْدِيم أخواته على رخوته وعماته على أَعْمَامه وخالاته على أَخْوَاله هَذَا هُوَ الْقيَاس وَالِاعْتِبَار الصَّحِيح وَأما تَقْدِيم جنس نسَاء الْأُم على جنس نسَاء الْأَب فمخالف لِلْأُصُولِ والمعقول وَلِهَذَا كَانَ من قَالَ هَذَا فِي مَوضِع يتناقض وَلَا يطرد أَصله وَلِهَذَا تَجِد لمن لم بضبط

стр. 606

أصل الشَّرْع ومقصوده فِي ذَلِك أَقْوَال متناقضة حَتَّى يُوجد فِي الْحَضَانَة من الْأَقْوَال المتناقضة أَكثر مِمَّا يُوجد فِي غَيرهَا من هَذَا الْجِنْس فَمنهمْ من يقدم أم الْأُم على أم الْأَب كَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يقدم الْأُخْت من الْأَب من الْأُم ثمَّ يقدم الْخَالَة على الْعمة كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وبنوا قَوْلهم على أَن الخالات مُقَدمَات على العمات لكونهن من جِهَة الْأُم ثمَّ قَالُوا فِي العمات والخالات وَالْأَخَوَات من كَانَت لِأَبَوَيْنِ أولى ثمَّ من كَانَت لأَب ثمَّ من كَانَت لأم وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هَذَا مُوَافق لأصول الشَّرْع لَكِن إِذا ضم هَذَا إِلَى قَوْلهم بِتَقْدِيم قرائب الْأُم ظهر التَّنَاقُض وهم أَيْضا قَالُوا بِتَقْدِيم أُمَّهَات الْأَب وَالْجد على الخالات وَالْأَخَوَات للْأُم وَهَذَا مُوَافق لأصول الشَّرْع لكنه يُنَاقض هَذَا الأَصْل وَلِهَذَا قَالُوا فِي القَوْل الآخر إِن الْخَالَة وَالْأُخْت للْأُم أولى من أم الْأَب كَقَوْل الشَّافِعِي الْقَدِيم وَهَذَا أطْرد لأصلهم لكنه فِي غَايَة المناقضة لأصول الشَّرْع وَطَائِفَة أُخْرَى أَصْلهَا فَقدمت من الْأَخَوَات من كَانَت لأم على من كَانَت لأَب كَقَوْل أبي حنيفَة والمزني وَابْن سُرَيج وَبَالغ بعض هَؤُلَاءِ فِي طرد قِيَاسه حَتَّى قدم الْخَالَة على الْأُخْت من الْأَب كَقَوْل زفر وَرِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَوَافَقَهُمْ ابْن سُرَيج وَلَكِن أَبُو يُوسُف استتبع ذَلِك فَقدم الْأُخْت للْأَب وَرَوَاهُ عَن أبي حنيفَة وروى عَن زفر أَنه أمعن فِي طرد قِيَاسه حَتَّى قَالَ إِن الْخَالَة أولى من الْجدّة أم الْأَب وَقد روى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ لَا تَأْخُذُوا بمقاييس زفر فَإِنَّكُم إِذا أَخَذْتُم بمقاييس زفر حرمتم الحلا وحللتم الْحَرَام وَكَانَ يَقُول فِي الْقيَاس قِيَاس زفر أقبح من الْبَوْل فِي الْمَسْجِد وَزفر كَانَ مَعْرُوفا بالإمعان فِي طرد قِيَاسه

стр. 607

لَكِن الشَّأْن فِي الأَصْل الَّذِي قَاس عَلَيْهِ وَفِي عِلّة الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ جَوَاب سُؤال للطالبة فَمن أحكم هَذَا الأَصْل استقام قِيَاسه وَهَذَا كَمَا أَن زفر اعْتقد أَن النِّكَاح إِلَى أجل يبطل التَّوْقِيت وَيصِح النِّكَاح لَازِما وَخرج بَعضهم ذَلِك قولا فِي مَذْهَب أَحْمد فَكَانَ مَضْمُون هَذَا القَوْل أَن نِكَاح الْمُتْعَة يصبح لَازِما غير مُؤَقّت وَهُوَ خلاف الْمَنْصُوص وَخلاف إِجْمَاع السّلف وَالْأمة إِذا اخْتلفت فِي مَسْأَلَة على القَوْل لم يكن لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول يُنَاقض الْقَوْلَيْنِ ويتضمن إِجْمَاع السّلف على الْخَطَأ والعدول عَن الصَّوَاب وَلَيْسَ فِي السّلف من يَقُول فِي الْمُتْعَة إِلَّا أَنه بَاطِل أَو يَصح مُؤَجّلا فَالْقَوْل بلزومه مُطلقًا خلاف الْإِجْمَاع وَسبب هَذَا القَوْل اعْتِقَادهم أَن كل شَرط فَاسد فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ يبطل وَينْعَقد النِّكَاح لَازِما بِدُونِ حُصُول غَرَض الْمُشْتَرك فألزموه مالم يلتزمه وَلَا ألزمهُ بِهِ الشَّرْع وَلِهَذَا صحّح من قَالَ ذَلِك نكا الشّغَار وَنَحْوه مِمَّا شَرط فِي نفي الْمهْر وصححوا نِكَاح التَّحْلِيل لَازِما مَعَ إبِْطَال شَرط التَّحْلِيل وأمثال ذَلِك وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن أَحَق الشُّرُوط أَن توفوا بِهِ مَا استحللتم بِهِ الْفروج فَدلَّ النَّص على أَن الْوَفَاء بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاح أولى مِنْهُ بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي البيع فَإِذا كَانَت الشُّرُوط الْفَاسِدَة فِي البيع لَا يلْزم العقد بِدُونِهَا بل إِمَّا أَن يبطل العقد وَأما إِن يثبت الْخِيَار لمن فَاتَ غَرَضه بالاشتراط إِذا بَطل شَرط فَكيف بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاح وأصل عمدتهم كَون النِّكَاح يَصح بِدُونِ تَقْدِير الصَدَاق كَمَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فقاسوا النِّكَاح الَّذِي شَرط فِيهِ نفي الْمهْر على النِّكَاح الَّذِي ترك تَقْدِير الصَدَاق فِيهِ كَمَا فعل أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر

стр. 608

متأخري أَصْحَاب أَحْمد ثمَّ طرد أَبُو حنيفَة قِيَاسه فصحح نِكَاح الشّغَار بِنَاء على أَلا مُوجب لفساده إِلَّا إشغاره عَن الْمهْر وَهَذَا لَيْسَ مُفْسِدا وَأم الشَّافِعِي وَمن وَافقه من أَصْحَاب أَحْمد فتكلفوا الْفرق بَين الشّغَار وَغَيره بِأَن فِيهِ تشريكا فِي الْبضْع أَو تَعْلِيقا للْعقد أَو غير ذَلِك مِمَّا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع وَبَين فِيهِ أَن كل هَذِه فروق غير مُؤثرَة وَأَن الصَّوَاب مَذْهَب أهل الْمَدِينَة مَالك وَغَيره وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد فِي عَامَّة أجوبته وَعَلِيهِ أَكثر قدماء أَصْحَابه أَن الْعلَّة فِي إفساده هِيَ شَرط إشغار النِّكَاح عَن الْمهْر وَأَن النِّكَاح لَيْسَ بِلَازِم إِذا شَرط فِيهِ نفي الْمهْر أَو مهر فَاسد فَإِن الله فرض فِيهِ الْمهْر فَلم يحل لغير الرَّسُول النِّكَاح بِلَا مهر فَمن تزوج بِشَرْط أَلا يجب مهر فَلم يعْقد النِّكَاح الَّذِي أذن الله فِيهِ فَإِن الله إِنَّمَا أَبَاحَ العقد لمن يَبْتَغِي بِمَالِه مُحصنا غير مسافح كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ فَمن طلب النِّكَاح بِلَا مهر فَلم يفعل مَا أحل الله وَهَذَا بِخِلَاف من اعْتقد أَن لَا بُد من مهر لَكِن لم يقدره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ الآيه فَهَذَا نِكَاح الْمهْر الْمَعْرُوف وَهُوَ مهر الْمثل قَالُوا فَهَذَا هُوَ الْفرق بَين النِّكَاح وَبَين البيع فَإِن البيع بِثمن الْمثل وَهُوَ السّعر أَو الْإِجَارَة بِثمن الْمثل لَا يَصح بِخِلَاف النِّكَاح وَقد سلم لَهُم هَذَا الأَصْل الَّذِي قاسوا عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَكثير من أَصْحَاب أَحْمد فِي البيع وَأما فِي الْإِجَازَة فأصحاب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم يَقُولُونَ إِنَّه يجب أُجْرَة الْمثل فِيمَا جرت الْعدة فِيهِ فِي مثل ذَلِك كمن دخل حمام حمامي يدخلهَا النَّاس بالكراء أَو سكن فِي خَان أَو حجرَة جرت عَادَتهم بذلك أَو دفع طَعَامه أَو خبزه إِلَى من يطْبخ أَو يخبز بِالْأُجْرَةِ أَو ثِيَابه إِلَى من يغسل بِالْأُجْرَةِ

стр. 609

أَو ركب دَابَّة مكارى يكارى بِالْأُجْرَةِ أَو سفينة ملاح يركب النَّاس بِالْأُجْرَةِ فَإِن هَذِه إِجَارَة عرفية عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَتجب فِيهَا أُجْرَة الْمثل وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك فَهَذِهِ إِجَارَة الْمثل وَكَذَلِكَ لَو اتِّبَاع طَعَاما بِمثل مَا يَنْقَطِع بِهِ السّعر أَو بِسعْر مَا يَبِيع النَّاس أَو بِمَا اشْتَرَاهُ من بَلَده أَو برقمه فَهَذَا يجوز فِي أحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَقد نَص أَحْمد على هَذِه الْمسَائِل وَمثلهَا فِي غير مَوضِع وَإِن كَانَ كثير من متأخري أَصْحَابه لَا يُوجد فِي كتبهمْ إِلَّا القَوْل الآخر ففساد هَذِه الْعُقُود كَقَوْل الشَّافِعِي وَغَيره وَبسط هَذِه الْمسَائِل ف مَوَاضِع آخر وَالْمَقْصُود هُنَا كَانَ مسَائِل الْحَضَانَة وَأَن الَّذين اعتقدوا أَن الْأُم قدمت لتدم قرَابَة الْأُم لما كَانَ أصلهم ضَعِيفا كَانَت الْفُرُوع اللَّازِمَة للْأَصْل الضَّعِيف ضَعِيفَة وَفَسَاد اللَّازِم يسْتَلْزم فَسَاد الْمَلْزُوم بل الصَّوَاب بِلَا ريب أَنَّهَا قدمت لكَونهَا أُنْثَى فَتكون الْمَرْأَة أَحَق بحضانة الصَّغِير من الرجل فَتقدم الْأُم على الْأَب وَالْجدّة على الْجد وَالْأُخْت على الْأَخ وَالْخَالَة على الْخَال والعمة على الْعم وَأما إِذا اجْتمع امْرَأَة بعيدَة وَرجل قريب فَهَذَا لبسطه مَوضِع آخر إِذْ الْمَقْصُود هُنَا ذكر مَسْأَلَة الصَّغِير الْمُمَيز وَالْفرق بَين الصبية وَالصَّبِيّ فتخيير الصَّبِي الَّذِي وَردت بِهِ السّنة أولى من تعْيين أحد الْأَبَوَيْنِ لَهُ وَلِهَذَا كَانَ تعْيين الْأَب كَمَا قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَته والتخيير تَخْيِير شَهْوَة وَلِهَذَا قَالُوا إِذا اخْتَار الْأَب مُدَّة ثمَّ اخْتَار الْأُم فَلهُ ذَلِك حَتَّى قَالُوا مَتى اخْتَار أَحدهمَا ثمَّ اخْتَار الآخر نقل إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِن اخْتَار ابْتِدَاء وَهَذَا قَول الْقَائِلين بالتخيير الْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالُوا إِذا اخْتَار الْأُم كَانَ عِنْدهَا لَيْلًا وَأما بِالنَّهَارِ فَيكون عِنْد الْأَب ليلعمه ويؤدبه هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك وَهُوَ يَقُول يكون عِنْدهَا بِلَا تَخْيِير للْأَب تعاهده عِنْدهَا وأدبه وَبَعثه إِلَى الْمكتب وَلَا يبيت إِلَّا عِنْد الْأُم

стр. 610

قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِن اخْتَار الْأَب كَانَ عِنْده لَيْلًا وَنَهَارًا وَلم يمْنَع من زِيَارَة أمه وَلَا تمنع من تمريضه إِذا اعتل فَأَما الْبِنْت إِذا خيرت فَكَانَت عِنْد الْأُم تَارَة وَعند الْأَب تَارَة أفْضى ذَلِك إِلَى كَثْرَة مرورها وتبرجها وانتقالها من مَكَان إِلَى مَكَان وَلَا يبْقى الْأَب مركلا بحفظها وَلَا الْأُم موكلة بحفظها وَقد عرف بِالْعَادَةِ مَا تناوب النَّاس على حفظه ضَاعَ وَمن الْأَمْثَال السائرة لَا تصلح الْقدر بن طباختين وَأَيْضًا فاختيار أَحدهمَا بِضعْف رَغْبَة الآخر فِي الْإِحْسَان والصيانة فَلَا يبْقى الْأَب تَامّ الرَّغْبَة فِي حفظهَا وَلَا الْأُم تَامَّة الرَّغْبَة فِي حفظهَا وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى كَمَا قَالَت امْرَأَة عمرَان ﴿رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى وَإِنِّي سميتها مَرْيَم وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زَكَرِيَّا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم﴾ فَهَذِهِ مَرْيَم احْتَاجَت إِلَى من يكفلها ويحضنها حَتَّى اقترعوا على كفالتها فَكيف بِمن سواهَا من النِّسَاء وَهَذَا أَمر يعرف بالتجربة أَن الْمَرْأَة تحْتَاج من الْحِفْظ والصيانة إِلَى مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ الصَّبِي وَكلما كَانَ أستر لَهَا وأصون كَانَ أصلح لَهَا وَلِهَذَا كَانَ أستر لَهَا وأصون كَانَ أصلح لَهَا وَلِهَذَا كَانَ لباسها الْمَشْرُوع لباسا يَسْتُرهَا وَلعن النَّبِي ﷺ من يلبس مِنْهُنَّ لِبَاس الرِّجَال وَقَالَ لأم سَلمَة فِي عصابتها لية لَا ليتين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَقَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح صنفان من أهل النَّار من أمتِي لم أرهما بعد نسَاء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رُؤْسهنَّ مثل أسنمة البخت لَا يدخلن الْجنَّة وَلَا يجدن رِيحهَا وَرِجَال مَعَهم سياط مثل أَذْنَاب الْبَقر يضْربُونَ بهَا عباد الله وَأَيْضًا فَأمرت الْمَرْأَة فِي الصَّلَاة أَن تتجمع وَلَا تجافي بَين أعضائها وَفِي الْإِحْرَام

стр. 611

أَلا ترفع صَوتهَا إِلَّا بِقدر مَا تسمع رفيقتها وَألا ترقى فَوق الصَّفَا والمروة كل ذَلِك لتحقيق سترهَا وصيانتها ونهيت أَن تُسَافِر إِلَّا مَعَ زوج أَو ذِي محرم لحاجتها فِي حفظهَا إِلَى الرِّجَال مَعَ كبرها ومعرفتها فَكيف إِذا كَانَت صَغِيرَة مُمَيزَة وَقد بلغت سنّ ثوران الشَّهْوَة فِيهَا وَهِي قَابِلَة للانخداع وَفِي الحَدِيث النِّسَاء لحم على وَضم إِلَّا مَا ذب عَنهُ فَهَذَا مِمَّا يبين أَن مثل هَذِه الصبية المميزة من أحْوج النِّسَاء إِلَى حفظهَا وصونها وترددها بَين الْأَبَوَيْنِ مِمَّا يخل بذلك من جِهَة أَنَّهَا هِيَ لَا يجْتَمع قَلبهَا على مَكَان معِين وَلَا يجْتَمع قلب أحد الْأَبَوَيْنِ على حفظهَا وَمن جِهَة أَن تمكينها من اخْتِيَار هَذَا تَارَة يخل بِكَمَال حفظهَا وَهُوَ ذَرِيعَة إِلَى ظُهُورهَا ومرورها فَكَانَ الْأَصْلَح لَهَا أَن تجْعَل أحد الْأَبَوَيْنِ مُطلقًا وَلَا تمكن من التَّخْيِير كَمَا قَالَ جمهورعلماء الْمُسلمين مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَغَيرهم وَلَيْسَ فِي تخييرها نَص صَرِيح وَلَا قِيَاس صَحِيح وَالْفرق ظَاهر بَين تخييرها وتخيير الابْن لَا سِيمَا وَالذكر مَحْبُوب مَرْغُوب فِيهِ فَلَو اخْتَار أَحدهمَا كَانَت محبَّة الآخر لَهُ تَدعُوهُ إِلَى مراعاته وَالْبِنْت مزهود فِيهَا فأحد الْوَالِدين قد يزهد مَعَ رغبتها فِيهِ فَكيف مَعَ زهدها فِيهِ فالأصلح لَهَا لُزُوم أَحدهمَا لَا التَّرَدُّد بَينهمَا ثمَّ هُنَا يحصل الِاجْتِهَاد فِي تعْيين أَحدهمَا فَمن عين الْأُم كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا بُد أَن يراعوا مَعَ ذَلِك صِيَانة الْأُم لَهَا وَلِهَذَا قَالُوا مَا ذكره مَالك وَاللَّيْث وَغَيرهمَا إِذا لم تكن الْأُم فِي مَوضِع حرز وتحصين أَو كَانَت غير مرضية فللأب أَخذهَا مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي راعاه أَحْمد فِي الرِّوَايَة الَّتِي اشتهرت عِنْد أَصْحَابه حَتَّى لم يذكر أَكْثَرهم فِي ذَلِك نزاعا وَقد عللوا ذَلِك بحاجتها إِلَى الْحِفْظ والترويج وَالْأَب أقوم لذَلِك من الْأُم فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَا بُد من رِعَايَة حفظهَا وصيانتها وَأَن للْأَب أَن ينترعها من الْأُم إِذا لم تكن حافظة لَهَا

стр. 612

بِلَا ريب فالأب أقدر على حفظهَا وصيانتها من الْأُم وَهِي مُمَيزَة لَا تحْتَاج فِي بدنهَا إِلَى أحد وَالْأَب لَهُ من الهيبة وَالْحُرْمَة مَا لَيْسَ للْأُم وَأحمد وَأَصْحَابه إِنَّمَا يقدمُونَ الْأَب إِذا لم يكن عَلَيْهَا فِي ذَلِك ضَرَر فَلَو قدر أَن الْأَب عَاجز عَن حفظهَا وصيانتها أَو يهمل حفظهَا لانشغاله عَنْهَا أَو لقلَّة دينه وَالأُم قَائِمَة بحفظها وصيانتها فَإِنَّهُ تقدم الْأُم فِي هَذِه الْحَال فَكل من قدمْنَاهُ من الْأَبَوَيْنِ إِنَّمَا تقدمه إِذا حصل بِهِ مصلحتها واندفعت بِهِ مفسدتها فَأَما مَعَ وجود فَسَاد أمرهَا مَعَ أَحدهمَا فالآخر أولى بِهِ بِلَا ريب حَتَّى الصَّغِير إِذا اخْتَار أحد أَبَوَيْهِ وقدمناه إِنَّمَا نقدمه بِشَرْط حُصُول مصْلحَته وَزَوَال مفسدته فَلَو قَدرنَا أَن الْأَب أقرب لَكِن لَا يصونه وَالأُم تصونه لم يلْتَفت إِلَى اخْتِيَار الصَّبِي فَإِنَّهُ ضَعِيف الْعقل قد يخْتَار أَحدهمَا لكَونه يُوَافق هَوَاهُ الْفَاسِد وَيكون الصَّبِي قَصده الْفُجُور ومعاشرة الْفجار وَترك مَا نيفعه من الْعلم وَالدّين وَالْأَدب والصناعة فيختار من أَبَوَيْهِ من يحصل لَهُ مَعَه مَا يهواه وَالْآخر يذوده ويصلحه وَمَتى كَانَ كَذَلِك فَلَا ريب أَنه لَا يُمكن مِمَّن يفْسد مَعَه حَاله وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَاب الشفعي وَأحمد إِنَّه لاحضانة لفَاسِق وَكَذَلِكَ قَالَ الْحسن ابْن حَيّ وَقَالَ مَالك كل من لَهُ الْحَضَانَة من أَب أَو ذَات رحم أَو عصبَة لَيْسَ لَهُ كِفَايَة وَلَا مَوْضِعه بحرز وَلَا يُؤمن فِي نَفسه فَلَا حضَانَة لَهُ والحضانة لمن فِيهِ ذَلِك وَإِن بعد وَينظر للْوَلَد فِي ذَلِك بِالَّذِي هُوَ أكفأ وأحرز فَرب وَالِد يضيع وَلَده وَكَذَلِكَ قَالُوا وَهَذَا القَاضِي أَبُو يعلى فِي خِلَافه إِنَّمَا يكون التَّخْيِير بَين أبوين مإمونين عَلَيْهِ يعلم أَنه لَا ضَرَر عَلَيْهِ من كَونه عِنْد وَاحِد مِنْهُمَا فَأَما من لَا يقوم بأَمْره ويخليه للعب فَلَا يثبت التَّخْيِير فِي حَقه وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع فَمَتَى كَانَ أحد الْأَبَوَيْنِ يَأْمُرهُ بذلك وَالْآخر لَا يَأْمُرهُ كَانَ عِنْد الَّذِي يَأْمُرهُ بذلك دون الآخر لِأَن ذَلِك الْآمِر لَهُ هُوَ الْمُطِيع لله وَرَسُوله فِي تَرْبِيَته وَالْآخر عَاص لله

стр. 613

وَرَسُوله فَلَا يقدم منيعصى الله فِيهِ على من يُطِيع الله فِيهِ بل يجب إِذا كَانَ أحد الْأَبَوَيْنِ يفعل مَعَه مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَيتْرك مَا حرم الله وَرَسُوله وَالْآخر لَا يفعل مَعَه الْوَاجِب أَو يفعل مَعَه الْحَرَام قدم منيفعل الْوَاجِب وَلَو اخْتَار الصَّبِي غَيره بل ذَلِك العَاصِي لَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ بِحَال بل كَانَ من لم يقم بِالْوَاجِبِ فِي ولَايَته فَلَا ولَايَة لَهُ بل إِمَّا يرفع يَده عَن الْولَايَة ويقام من يفعل الْوَاجِب وَإِمَّا أَن يضم إِلَيْهِ من يقوم مَعَه بِالْوَاجِبِ فَإِذا كَانَ مَعَ حُصُوله عِنْد أحد الْأَبَوَيْنِ يحصل طَاعَة الله وَرَسُوله لَا حَقه وَمَعَ حُصُوله عِنْد الآخر لَا يحصل لَهُ قدم الأول قطعا وَلَيْسَ هَذَا الْحق من جنس الْمِيرَاث الَّذِي يحصل بالرحم وَالنِّكَاح وَالْوَلَاء وَإِن كَانَ الْوَارِث حَاضرا وعاجزا بل هُوَ من جنس الْولَايَة ولَايَة النِّكَاح وَالْمَال الَّتِي لابد فِيهَا من الْقُدْرَة على الْوَاجِب وَفعله يحْسب الْإِمْكَان ورذا قدر أَن الْأَب تزوج بضرة وَهُوَ يَتْرُكهَا عِنْد ضرَّة أمهَا لَا تعْمل مصلحتها بل تؤذيها أَو تقصر فِي مصلحتها فَهُنَا وَلَا يؤذيها فالحضانة هُنَا للْأُم قطعا وَلَو قدر أَن التَّخْيِير مَشْرُوع وَأَنَّهَا اخْتَارَتْ الْأُم فَكيف إِذا لم يكن كَذَلِك وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الشَّارِع لَيْسَ لَهُ نَص عَام على تقيم أحد الْأَبَوَيْنِ مُطلقًا وَلَا تَخْيِير أحد الأوبين مُطلقًا وَالْعُلَمَاء متفقون على أَنه لَا يتَعَيَّن أَحدهمَا مُطلقًا بل مَعَ الْعدوان والتفريط وَالْفساد وَالضَّرَر لَا يقدم من يكون كَذَلِك على الْبر الْعَادِل المحسن القاذم بِالْوَاجِبِ وَقد عللوا أَيْضا تَقْدِيم الْأَب بعلة ثَانِيَة بِأَنَّهَا إِذا صَارَت مُمَيزَة صَارَت مِمَّن تخْطب وَتزَوج واحتاجت إِلَى تجهيزها فَإِذا كَانَت عِنْد الْأَب كَانَ أنظر لَهَا وأحرص على تجهيزها وتزويجها مِمَّا إِذا كَانَت عِنْد الْأُم

стр. 614

وَأَبُو حنيفَة يُوَافق أَحْمد على أَن الْأَب أَحَق بهَا من الْخَالَة وَالْأُخْت والعمة وَسَائِر النِّسَاء بِخِلَاف مَا قَالَه فِي الصَّبِي فَإِنَّهُ جعل الْأَب أَحَق بِهِ مُطلقًا لَكِن قَالَ الْأُم وَالْجدّة أَحَق من الْأَب فكلاهما قدم الْأَب وَغَيره من الْعصبَة على النِّسَاء لَكِن أَحْمد طرد الْقيَاس فقدمه على جَمِيع النِّسَاء وَأَبُو حنيفَة فرق بَين عَمُود النّسَب وَغَيره وَالنَّبِيّ ﷺ قد قَالَ الْخَالَة أم فَإِذا قدم الْأَب على النِّسَاء اللَّاتِي يقدمن عَلَيْهِ فِي حَال صغرها دلّ ذَلِك على أَن الْأَب أقوم بمصلحة ابْنَته من النِّسَاء وَتبين أَن أصل هَذَا القَوْل لَيْسَ فِي مُفْرَدَات أَحْمد بل هُوَ طرد فِيهِ قِيَاسه وَبِكُل حَال فَهُوَ قوى مُتَوَجّه لَيْسَ بأضعف من غَيره من الْأَقْوَال المقولة فِي الْحَضَانَة ولي قَول من رجح الْأُم مُطلقًا بأقوى مِنْهُ وَمِمَّا يقوى هَذَا القَوْل أَن الْوَلَد مُطلقًا رذا تعين أَن يكون فِي مَدِينَة أحد الْأَبَوَيْنِ دون الآخر وَكَانَ الْأَب سَاكِنا فِي مصر وَالأُم سَاكِنة فِي مصر آخر فالأب أَحَق بِهِ مُطلقًا سَوَاء كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى عِنْد عَامَّة الْعلمَاء كشريح القَاضِي وكمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم حَتَّى قَالُوا إِن الْأَب إِذا أَرَادَ سفر نقلة لغير الضرار إِلَى مَكَان بعيد فَهُوَ أَحَق بِهِ لِأَن كَونه مَعَ الْأَب أصلح لَهُ لحفظ نسبه وَكَمَال تَرْبِيَته وتعليمه وتأديبه وَأَنه مَعَ الْأُم تضيع مصْلحَته وَلَا يُخَيّر الْغُلَام هُنَا عِنْد أَحدهمَا لَا يخرج إِلَى الأحق فالاب أَيْضا أَحَق لِأَن كَونه عِنْد الْأَب أصلح لَهُ وَهَذَا الْمَعْنى مُنْتَفٍ فِي الابْن لِأَنَّهُ يُخَيّر وَلِأَن تردد الابْن بَينهمَا لَا مضرَّة عَلَيْهِ فِيهِ بِخِلَاف الْبِنْت وَاتَّفَقُوا كلهم على أَن الْأُم لَو أَرَادَت أَن تُسَافِر بِالذكر أَو الْأُنْثَى من الْمصر الَّذِي فِيهِ عقد النِّكَاح فالأب أَحَق بِهِ فَلم يرجح أحد مِنْهُم الْأُم مُطلقًا فَدلَّ ذَلِك على أَن ترجيحها فِي حضَانَة الْوَلَد مُطلقًا ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى مُخَالف لهَذَا الأَصْل الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَعلم أَنهم متفقون على تَرْجِيح جَانب الْأَب عِنْد تعذر الْجمع بَينهمَا وَهَذَا ثَابت فِي الْوَلَد وَإِن كَانَ طفْلا يكون فِي بلد أَبِيه بِخِلَاف

стр. 615

مَا إِذا كَانَ الأبوان فِي مصر وَاحِد هُنَا هُوَ مَعَ الصغر للْأُم لِأَن فِي ذَلِك جمعا بَين المصلحتين وَمِمَّا يقويه أَيْضا أَن الْغُلَام إِذا بلغ معتوها كَانَت حضانته للْأُم كالصغير وَإِن كَانَ عَاقِلا كَانَ أمره إِلَى نَفسه يسكن حَيْثُ شَاءَ إِذا كَانَ مَأْمُونا على نَفسه عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم فَإِن كَانَ غير مَأْمُون على نَفسه فَلم يَجْعَل أحد الْولَايَة عَلَيْهِ للْأُم بل قَالُوا للْأَب ضمه إِلَيْهِ وتأديبه وَالْأَب يمنعهُ من السلفة وَأما الْجَارِيَة إِذا بلغت فَنقل عَن مَالك الْوَالِد أَحَق بضَمهَا إِلَيْهِ حَتَّى تزوج وَيدخل بهَا الزَّوْج ثمَّ هِيَ أَحَق بِنَفسِهَا وتسكن حَيْثُ شَاءَت إِلَّا أَن يخَاف مِنْهَا هوى أَو ضَيْعَة أَو سوء مَوضِع فيمنعها الْأَب بضَمهَا إِلَيْهِ وَقد تقدم فِي الْمُدَوَّنَة أَن الْأُم أَحَق بهَا مالم تنْكح وَإِن بلغت أَرْبَعِينَ سنة وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حنيفَة فِي الْبكر قَالَ الْأَب أحب بهَا مأموة كَانَت أَو غير مَأْمُونَة وَالْبِنْت هِيَ أَحَق بِنَفسِهَا إِذا كَانَت مَأْمُونَة وَقَالَ الشَّافِعِي هِيَ أَحَق بِنَفسِهَا إِذا كَانَت مَأْمُونَة بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَفِي مَذْهَب أَحْمد ثَلَاثَة أَقْوَال ذكرهَا فِي الْمُحَرر رِوَايَتَيْنِ ووجها أَحدهَا أَن تكون عِنْد الْأَب حَتَّى تتَزَوَّج وَيدخل بهَا الزَّوْج وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصره القَاضِي وَغَيره فِي كتبهمْ وَقَالُوا إِن الْجَارِيَة إِذا بلغت وَكَانَت بكرا فعلَيْهَا أَن تكون مَعَ إبيه حَتَّى تتَزَوَّج وَيدخل بهَا الزَّوْج وَلم يذكرُوا فِيهِ نزاعا وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد تكون عِنْد الْأُم وَهَذِه الرِّوَايَة إِنَّمَا أَخذهَا الشَّيْخ أَبُو البركات من الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة أَن حصانتها تكون للْأُم مالم تتَزَوَّج فَإِنَّهُ على هَذِه الرِّوَايَة نقل عَن أَحْمد فِيهَا رِوَايَتَيْنِ فَإِن أَحْمد فِيهَا رِوَايَتَيْنِ فَإِن أَحْمد قَالَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة الْأُم وَالْجدّة أَحَق بالجارية مالم تتَزَوَّج فَجَعلهَا أَحَق بهَا مالم تتَزَوَّج فِي رِوَايَة مهنا وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور يقْضِي بالجارية للْأُم والخلة واتى إِذا احْتَاجَت

стр. 616

إِلَى التَّزْوِيج فالأب أَحَق بهَا فَهُنَا قَالَ عِنْد الْحَاجة إِلَى التَّزْوِيج للْأَب وَإِن كَانَت لم تتَزَوَّج بعد وَهَذَا يكون بِالْبُلُوغِ وَأما القَوْل الثَّالِث فِي مذْهبه وَهُوَ أَنَّهَا إِذا بلغت تكون حَيْثُ شَاءَت كالغلام فَهَذَا يَجِيء على قَول من يخيرها الْغُلَام فَمن خير الْغُلَام الْغُلَام قبل بُلُوغه كَانَ أمره بعد الْبلُوغ إِلَى نَفسه كَمَا قَالَه الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا لَكِن أَبُو البركات حكى هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي محرره فِي الْبَالِغَة وَهِي مطالقة للأقوال الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي غير الْبَالِغَة فَإِنَّهُ على الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب أَحْمد أَنَّهَا إِذا كَانَت قبل الْبلُوغ عِنْد الْأَب فَهِيَ بعد الْبلُوغ أولى أَن تكون عِنْد الْأَب مِنْهَا عِنْد الْأُم فَإِن أَبَا حنيفَة وَأحمد فِي رِوَايَة ومالكا يجعلونها قبل الْبلُوغ للْأُم وَبعد الْبلُوغ جعلوها عِنْد الْأَب وَهَذَا يدل على أَن الْأَب أحفظ لَهَا وأصون وَأنْظر فِي مصلحتها فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا فرق بَين مَا قبل الْبلُوغ وَمَا بعده فِي ذَلِك فَتبين أَن هَذَا القَوْل وَهُوَ جعل الْبِنْت المميزة عِنْد الْأَب أرجح من غَيره وَالله أعلم فصل والتخيير قد جَاءَ فِيهِ حديثان وَأما تَقْدِيم الْأُم على الْأَب فِي حق الصَّغِير فمتفق عَلَيْهِ وَقد جَاءَ فِيهِ حَدِيث عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن الْمَرْأَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن ابْني هَذَا كَانَ بَطْني لَهُ وعَاء وحجري لَهُ حَوَّاء وثديي لَهُ سقاء وَزعم أَبوهُ أَنه يَنْزعهُ مني فَقَالَ أَنْت أَحَق بِهِ مالم تنكحي رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد لَكِن فِي لَفظه وَأَن أَبَاهُ طَلقنِي وَزعم انه ينتزعه مني وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على أَن الزَّوْجَيْنِ إِذا افْتَرقَا وَلَهُمَا ولد طِفْل أَن الْأُم أَحَق بِهِ مَا لم تنْكح وَمِمَّنْ حفظتا عَنهُ ذَلِك يحيى الْأنْصَارِيّ وَالزهْرِيّ وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَبِه تَقول وَقد روينَا عَن أبي بكر الصّديق أَنه حكم على عَمْرو بِهِ وبصبي لعاصم لأمه أم

стр. 617

عَاصِم وَقَالَ حجرها وريحها ومسها خيرله مِنْك حَتَّى تشب فيختار وَأما التَّخْيِير فَمن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ فِيهِ إِن امْرَأَة جَاءَت فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن زَوجي يُرِيد أَن يذهب يَا بني وَقد سقاني من بِئْر أبي عنبة وَقد نَفَعَنِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتهمَا عَلَيْهِ قَالَ زَوجهَا من يحاققني فِي وَلَدي فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَذَا أَبوك وَهَذِه أمك فَخذ بيد أَيهمَا شِئْت فَأخذ بيد أمه فَانْطَلَقت بِهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِك وَلم يذكر اسْتهمَا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك أَيْضا لكنه قَالَ فِيهِ جَاءَت امْرَأَة قد طَلقهَا زَوجهَا وَلم يذكر فِيهِ قَوْلهَا قد سقاني ونفعني وَقد روى تَخْيِير الْغُلَام بَين أَبَوَيْهِ عَن عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة فروى سعيد بن مَنْصُور وَغَيره أَن عمر بن الْخطاب خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه وَعَن عمَارَة الْحُرَيْثِيُّ أَنه قَالَ خيرني عَليّ بَين عمي وَأمي وَكنت ابْن سبع أَو ثَمَان وروى نَحْو ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يعرف لَهُم مُخَالف مَعَ أَنَّهَا فِي مَظَنَّة الاشتهار وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَرَوَاهُ عبد الحميد بن جَعْفَر الْأنْصَارِيّ عَن جده أَن جده أسلم وأبت امْرَأَته أَن تسلم فجَاء بِابْن لَهُ صَغِير لم يبلغ قَالَ فأجلس النَّبِي ﷺ الْأَب هَهُنَا وَالأُم هَهُنَا ثمَّ خَيره وَقَالَ اللَّهُمَّ اهده فَذهب إِلَى أَبِيه هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبد الحميد ابْن جَعْفَر قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن جدي رَافع بن سِنَان أَنه أسلم وأبت امْرَأَته أَن تسلم فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقَالَت ابْنَتي وَهِي فطيم أَو شبيهه وَقَالَ رَافع ابْنَتي فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اقعد نَاحيَة وَقَالَ لَهَا اقعدي نَاحيَة وأقعد لصبية بَينهمَا ثمَّ قَالَ ادعواها فمالت إِلَى أمهَا فَقَالَ

стр. 618

النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اهدها فمالت إِلَى أَبِيهَا فَأَخذهَا وَعبد الحميد هَذَا هُوَ عبد الحميد بن جَعْفَر بن عبد الله بن رَافع بن سِنَان الْأنْصَارِيّ وَهَذَا الحَدِيث قد ضعفه بَعضهم فَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي إِسْنَاده مقَال وَقَالَ غَيره هَذَا الحَدِيث لَا يُثبتهُ أهل الثّقل وَقد روى على غير هَذَا الْوَجْه وَقد اضْطربَ هَل كَانَ الْمُخَير ذكرا أم أُنْثَى وَمن روى أَنه كَانَ أُنْثَى قَالَ فِيهِ إِنَّهَا فطيم أَي مفطومة وفعيل بِمَعْنى مفعول إِذا كَانَ صفة يستوى فِيهِ الذّكر والمؤنث يُقَال عين كحيل وكف خضيب فَيُقَال للصَّغِير فطيم وللصغيرة فطيم وَلَفظ الفطيم إِنَّمَا يُطلق على قريب الْعَهْد بالفطم فَيكون لَهُ نَحْو ثَلَاث سِنِين وَمثل هَذَا لَا يُخَيّر بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خير بَين مُسلم وَكَافِر وَهَذَا لَا يجوز عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم فَإِن الْقَائِلين لاي خبرون بَين مُسلم وَكَافِر كالشافعي وَأحمد وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن الْكَافِرَة لَهَا حصانة كَأبي حنيفَة وَابْن الْقَاسِم فَلَا يخيرون لَكِن أَبُو ثَوْر يَقُول بالتخيير فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن الْمُنْذر وَالْجُمْهُور على أَنه لَا حضَانَة لكَافِر وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ والبصريين كسوار وعبد الله بن الْحسن وَقَالَ ابو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك الذِّمِّيَّة فِي ذَلِك كالمسلمة وَهِي أَحَق بِوَلَدِهَا من أَبِيه الْمُسلم وَهُوَ قَول الاصطخري من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَقد قيد ذَلِك أَبُو حنيفَة فَقَالَ هِيَ أَحَق بِوَلَدِهَا مَا لم يقل الْأَدْيَان وَيخَاف أَن يألف الْكفْر وَالْأَب إِذا كَانَ مُسلما كَانَ الْوَلَد مُسلما باتفاقهم وَكَذَلِكَ إِن كَانَت الْأُم مسلمة عِنْد الْجُمْهُور كالشافعي وَأحمد وَأبي حنيفَة فَإِنَّهُ يتبع عِنْد الْجُمْهُور فِي الدّين خيرهما دنيا وَأما فِي النّسَب وَالْوَلَاء فَهُوَ يتبع الْأَب بالِاتِّفَاقِ وَفِي الْحُرِّيَّة أَو الرّقّ يتبع الْأُم بالِاتِّفَاقِ وَقد حمل بَعضهم هَذَا الحَدِيث على أَن النَّبِي ﷺ علم أَنَّهَا تخْتَار الْأَب بدعائه فَكَانَ ذَلِك خَاصّا فِي حَقه

стр. 619

وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْقِصَّة قَضِيَّة فِي عين وَالْأَشْبَه أَنَّهَا كَانَت فِي أول زمن الْهِجْرَة فَإِن الْأَب كَانَ من الْأَنْصَار فَأسلم وَالأُم لم تسلم وَفِي آخر الْأَمر أسلم جَمِيع نسَاء الْأَنْصَار فَلم يكن فِيهِنَّ إِلَّا مسلمة حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار ولنساء الْأَنْصَار وَلما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة لم يكره أحدا على الْإِسْلَام وَلَا ضرب الْجِزْيَة على أحد وَلَكِن هادن الْيَهُود مهادنة وَأما الْأَنْصَار فَفَشَا فيهم الْإِسْلَام وَكَانَ فيهم من لم يسلم بل كَانَ مظْهرا لكفره فَلم يَكُونُوا ملتزمين لحكم الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ كَانَ عبد الله بن أبي ابْن سلول وَغَيره قبل أَن يظهروا الْإِسْلَام وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أُسَامَة أَن النَّبِي ﷺ ذهب يعود سعد بن عبَادَة فَمر بِمَجْلِس من الْأَنْصَار الحَدِيث فَفِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره من الْأَحَادِيث مَا يبين أَنهم كَانُوا قبل غَزْوَة بدر متظاهرين بالْكفْر من غير إِسْلَام وَلَا ذمَّة فَلم يكن الْكفَّار ملتزمين لحكم النَّبِي ﷺ إِذا الْتِزَام حكمه إِنَّمَا يكون بِالْإِسْلَامِ أَو بالعهد الَّذِي التزموا فِيهِ ذَلِك وَلم يكن الْمُشْركُونَ كَذَلِك فَلهَذَا لم يلْزم الْمَرْأَة بِحكم الْإِسْلَام بل دَعَا الله أَن يهدي الصَّغِير فَاسْتَجَاب الله ودعاؤه لَهُ أَن يهديه دَلِيل على أَنه كَانَ طَالبا مرِيدا لهذاه وَهَذِه أَن يكون عِنْد الْمُسلم لَا عِنْد الْكَافِر لَكِن لم يُمكنهُ ذَلِك بالحكم الظَّاهِر لعدم دُخُول الْكَافِرَة تَحت حكمه فَطَلَبه بدعائه المقبول وَهَذَا يدل على أَنه مَتى أمكن أَن يَجْعَل مَعَ الْمُسلم لَا يَجْعَل مَعَ الْكَافِر وَكَانَ هَذَا حكم الله وَرَسُوله بِأَهْل الذِّمَّة الملتزمون جَرَيَان حكم الله وَرَسُوله عَلَيْهِم يحكم بَينهم بذلك نعم لَو كَانَ النزاع بَين من هُوَ مُسلم وَمن هُوَ من أهل الْحَرْب والهدنة الَّذين لم يلتزموا جَرَيَان حكم الله وَرَسُوله عَلَيْهِم فَهُنَا لَا يُمكن الحكم فيهم بِحكم الْإِسْلَام بِدُونِ رضاهم فيسعى حِينَئِذٍ فِي تَغْلِيب الْإِسْلَام بِالدُّعَاءِ

стр. 620

كَمَا فعل النَّبِي ﷺ إِذْ كَانَ الِاجْتِهَاد فِي ظُهُور الْإِسْلَام دعاؤه وَاجِبا بِحَسب الْإِمْكَان وعَلى هَذَا فَالْحَدِيث إِن كَانَ ثَابتا دَلِيل على التَّخْيِير فِي الْجُمْلَة لَكِن قد اخْتلف فِي الْمُخَير هَل كَانَ صَبيا أَو صبية فَلم يتَبَيَّن أَحدهمَا فَلَا يبْقى فِيهِ حجَّة على تَخْيِير الْأُنْثَى لَا سِيمَا والمخيرة كَانَت فطيما وَهَذِه لَا تخير باتفاقهم وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِير هَذِه ان صَحَّ من جنس آخر آخر مَا وجد وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم وَكتب فِي شهر ربيع الأول من شهور سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة أحسن الله عَاقبَتهَا بمنه وَكَرمه آمين يَا رب الْعَالمين وكتبها أَضْعَف الْعباد عبد الْمُنعم الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ عَفا الله عَنهُ بمنه وَكَرمه بلغ مُقَابلَته بحوله وَمِنْه فصحح حسب الطَّاقَة فِي ليله صباحها خَامِس عشر بِشَهْر ربيع الأول من شهور سنة الْأَرْبَع وَالسِّتِّينَ وَسَبْعمائة أحسن الله عَاقبَتهَا بمنه وَكَرمه

стр. 621

قَاعِدَة فِي شُمُول آي الْكتاب وَالسّنة والاجماع أَمر الثقلَيْن الْجِنّ والانس وَمَا يتَعَلَّق بهم من الْخطاب وَغَيره بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ سيدنَا وَشَيخنَا شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ﵀ قَاعِدَة شريفة ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة أَمر الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس كَمَا أخبر بِهِ فِي سُورَة الْأَنْعَام فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَثَبت أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ إِلَى الثقلَيْن جَمِيعًا كَمَا أخبر بِهِ فِي سُورَة الرَّحْمَن وَقل أوحى والأحقاف وكما فِي الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة مثل حَدِيث ابْن مَسْعُود وَغَيره وَثَبت بِالسنةِ وَالْإِجْمَاع مَعَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن أَن الْقَلَم مَرْفُوع عَن الصَّبِي حَتَّى يبلغ وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ كَمَا فِي حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب وَعَائِشَة وَغَيرهمَا رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث مَعَ قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم الْحلم فليستأذنوا كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم﴾ وَقَوله ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن حَتَّى يبلغ أشده﴾

стр. 622

فِي غير مَوضِع مَعَ ثَبت عَن النَّبِي ﷺ من نَهْيه عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان وَأَنه استعرض قُرَيْظَة فَمن أنبت قَتله وَمن لم ينْبت لم يقْتله وَمَا روى من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا ثَلَاثَة كلهم يدل على الله بحجته فَأَما قَوْله ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّمَا يتَنَاوَل من لَا يعقل من الْأَطْفَال والمجانين فَأَما الصَّبِي الْمُمَيز فتكليفه مُمكن فِي الْجُمْلَة وَلِهَذَا يصحح أَكثر الْفُقَهَاء ترفاته تَارَة مُسْتقِلّا كأيمانه وَتارَة بِالْإِذْنِ كمعاوضاته الْكَبِيرَة وَاخْتلفُوا فِي وجوب الصَّلَاة على ابْن عشر وَفِي وجوب الصَّوْم على من أطاقه وَالْخلاف فِيهِ مَعْرُوف فِي مَذْهَب أَحْمد حَتَّى اخْتلف فِي صِحَة شَهَادَته وأمانه وإمامته وولايته فِي النِّكَاح وعتقه وَهنا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى إِن من نتائج التَّكْلِيف الْعقَاب وَالثَّوَاب عِقَاب العَاصِي وثواب الْمُطِيع فَأَما الْعقَاب فَمَا علمت أحدا من أهل الْقبْلَة خَالف فِي أَن الْكَافِر معذب فِي الْجُمْلَة وَإِن اخْتلفُوا فِي تفاصيل عَذَابه ونصوص الْقُرْآن متظاهرة بِعَذَاب الْكَافرين وَلذَلِك الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُسلمين من جَمِيع الطوائف عُقُوبَة فجار أهل الْقبْلَة فِي الْجُمْلَة إِمَّا فِي الدُّنْيَا بالمصائب وَالْحُدُود وَإِمَّا فِي الْآخِرَة وَأما غَايَة المرجئة فروى عَنْهَا أَنَّهَا نفت ذَلِك كَمَا أَن الْخَوَارِج والمعتزلة جزمت وُقُوع ذَلِك على جَمِيع الْفَاسِقين وخلودهم فِي النَّار وَأما الثَّوَاب فاتفقت الْأمة على ثَوَاب الْإِنْس على طاعتهم وَاخْتلفُوا فِي الْجِنّ هَل يثابون أَو لَا ثَوَاب لَهُم إِلَّا النجَاة من الْعَذَاب على قَوْلَيْنِ

стр. 623

الأول قَول الْجُمْهُور من الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهم وَالثَّانِي مأثور عَن طَائِفَة مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَقد اخْتلف فِي أصُول الْفِقْه هَل من شَرط الْوُجُوب الْعقَاب على التّرْك على قَوْلَيْنِ وَأما الثَّوَاب على الْفِعْل فَهُوَ وَاجِب إِمَّا بِالسَّمْعِ وَإِمَّا بِمُجَرَّد الْإِيجَاب الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن من لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ هَل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة فَأَما الْإِنْس وَالْجِنّ فيبعثون جيمعا بِاتِّفَاق الْأمة وَلم يَخْتَلِفُوا فِيمَا علمت إِلَّا فِيمَن لم ينْفخ فِيهِ الرّوح هَل يبْعَث على قَوْلَيْنِ وَبَعثه اخْتِيَار القَاضِي وَكثير من الْفُقَهَاء وَذكر أَنه ظَاهر كَلَام أَحْمد ﵁ وَأما الْبَهَائِم فَهِيَ مبعوثة بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا الوحوش حشرت﴾ والْحَدِيث فِي قَول الْكَافِر ﴿يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ مَعْرُوف وَمَا أعلم فِيهِ خلافًا مَشْهُورا لَكِن اخْتلف بَنو آدم فِي معاد الْآدَمِيّين على أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا وَهُوَ قَول جَمَاهِير من الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وجماهير متكلميهم وجماهير الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَجُمْهُور غَيرهم أَن الْمعَاد للروح وَالْبدن وأنهما ينعمان ويعذبان وَالثَّانِي وَهُوَ قَول طَائِفَة من متكلمي الْمُسلمين من الأشعرية وَغَيرهم أَن الْمعَاد للبدن وَأَن الرّوح لَا معنى لَهما إِلَّا حَيَاة الْبدن فيحيا الْبدن وينعم ويعذب وَأما معاد روح قَائِمَة بِنَفسِهَا وَنَعِيمهَا وعذابها فينكرونه وَالثَّالِث ضد هَذَا وَهُوَ قَول الإلهيين من الفلاسفة وَطَائِفَة مِمَّن يبطن

стр. 624

مَذْهَبهم من بعض متكلمي أهل الْقبْلَة ومتصوفتهم أَن الْمعَاد للروح دون لبدن الرَّابِع أَنه لَا معاد أصلا لَا لروح وَلَا لبدن وَهُوَ قَول أَكثر مُشْركي الْعَرَب وَكثير من الطبائعيين والمنجمين وَبَعض الإلهيين من المتفلسفة فعلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يُنكر حشر الْبَهَائِم وعَلى القَوْل الأول يقبل الْخلاف الْمَسْأَلَة الثَّلَاثَة أَن من لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ بل قد رفع عَنهُ الْقَلَم هَل يعذب فِي الْآخِرَة وَهنا مَسْأَلَة أَطْفَال الْمُشْركين فَمن قَالَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم إِنَّهُم يُعَذبُونَ تبعا لِآبَائِهِمْ قَالَ بِعَذَاب غير الْمُكَلف تبعا وَمن قَالَ يدْخلُونَ الْجنَّة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالَ بتنعيمهم وَالصَّوَاب الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أَنهم لَا يُعَذبُونَ جَمِيعهم وَلَا ينعمون جَمِيعهم بل فريق مِنْهُم فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير كالبلغ وَهَذَا مُقْتَضى نُصُوص أَحْمد فَإِن أَكثر نصوصه على الْوُقُوف فيهم بِمَعْنى أَنه لَا يحكم لأحد مِنْهُم لَا بجنة وَلَا بِنَار فَدلَّ على جَوَاز الْأَمريْنِ عِنْده فِي حق الْمعِين مِنْهُم وَأما تَجْوِيز الْأَمريْنِ فِي حق مجموعهم فَلَا يلْزمه وَهَذَا قَول الْأَشْعَرِيّ وَغَيره وَبِهَذَا أجَاب رَسُول الله ﷺ لما سُئِلَ عَنْهُم فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين فَبين أَن الْأَمر مَرْدُود إِلَى علم الله بِمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو بلغُوا وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي البُخَارِيّ أَنه رأى حول إِبْرَاهِيم عِنْد الْجنَّة أَطْفَال الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَثَبت عَنهُ فِي صَحِيح مُسلم أَن الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر طبع يَوْم طبع كَافِرًا مَعَ أَنه قتل قبل الِاحْتِلَام قَالَ ابْن عياس لنجده الحروري لما سَأَلَهُ عَن قتل الغلمان فَقَالَ إِن كنت تعلم مِنْهُم مَا علمه الْخضر من الْغُلَام الَّذِي قَتله فاقتلهم والا فَلَا تقتلهم هَذَا مَعَ أَن أَبَوَيْهِ كَانَا مُؤمنين وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ عَن أهل الدَّار من الْمُشْركين يبيتُونَ ليصاب من صبيانهم فَقَالَ هم مِنْهُم

стр. 625

وَيجوز قتل الصَّبِي اذا قتل وَإِذا صال وَلم تنْدَفع صولته إِلَّا بِالْقَتْلِ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون والبهيمة فقد يجوز قتل الصَّبِي فِي بعض الْمَوَاضِع وَحَدِيث عَائِشَة فِي قَوْلهَا عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة فَإِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وَخلق للنار أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا لَا يشْهد لأحد بِعَيْنِه من أطفعال الْمُؤمنِينَ أَنه فِي الْجنَّة وَلَكِن يُطلق القَوْل أَن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة وَقد روى بِأَحَادِيث حسان عَن النَّبِي ﷺ أَن من لم يُكَلف فِي الدُّنْيَا من الصّبيان والمجانين وَمن مَاتَ فِي الفترة يمْتَحنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَمن أطَاع دخل الْجنَّة وَمن عصى دخلالنار وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الصَّوَاب فَإِن الله قَالَ فِي الْقُرْآن ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم سُبْحَانَهُ أَنه لَا بُد أَن يمْلَأ جَهَنَّم من إِبْلِيس وَأَتْبَاعه وَأَتْبَاعه هم العصاة وَلَا مَعْصِيّة إِلَّا بعد التَّكْلِيف فَلَو دَخلهَا الصَّبِي وَالْمَجْنُون لدخلها من هُوَ من غير أَتْبَاعه فَلم تمتلىء مِنْهُم وَأَيْضًا فقد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير﴾ الْآيَة إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص الدلة على أَن الله لَا يعذب إِلَّا من جَاءَهُ نَذِير وَأَتَاهُ رَسُول والطفل وَالْمَجْنُون ليسَا كَذَلِك كَالْبَهَائِمِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ أفتهلكنا بِمَا فعل المبطلون﴾

стр. 626

فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه استخرج ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم لِئَلَّا يَقُولُوا أتهلكم بِمَا فعل المبطلون فَعلم أَنه لَا يعاقبهم بذنب غَيرهم وَأما البهاذم فعامة الْمُسلمين على أَنه لَا عِقَاب عَلَيْهَا إِلَّا مَا يحْكى عَن التناسخية بِأَنَّهُم مكلفون فيستحقون الْعقَاب وَهَذَا نَظِير قَول من يَقُول لَا تحْشر لَكِن هُنَا الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَهُوَ مَا يشرع فِي الدُّنْيَا من عُقُوبَة الصّبيان والجانين والبهاذم على الذُّنُوب مثل ضرب الصَّبِي عَليّ ترك الصَّلَاة لعشر وَمَا يَفْعَله من قَبِيح وَكَذَلِكَ ضرب الْمَجْنُون لكف عدوانه وَضرب البهاذم حضا على الِانْتِفَاع بهَا كالسوق ودفعا لمضرتها كفتل صاذلها وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه يتقص فِي الآخر للجماء من القرناء فَهَذِهِ الْأُمُور عقوبات لغير الْمُكَلّفين وَهِي نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا كَانَ عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا لمصْلحَة وَالثَّانِي مَا كَانَ لأجل حق غَيره فَأَما النَّوْع الأول فمشروع فِي حق الصَّبِي وَالْمَجْنُون فانه يضْرب الصَّبِي على ترك الصَّلَاة ليفعلها ويعتادها وَيضْرب الْمَجْنُون إِذا أَخذ يُؤْذِي نَفسه ليكف عَن إِيذَاء نَفسه وَيجوز أَيْضا مثل هَذَا فِي حق الْبَهَائِم أَن تضرب لمصلحتها وَهَذَا غير الضَّرْب لحق الْغَيْر وَذَلِكَ أَن الْعقُوبَة لمَنْفَعَة المعاقب هِيَ بِمَنْزِلَة يقى الدَّوَاء للْمَرِيض فان الْمَطْلُوب دفع مَا هُوَ أعظم مضرَّة من الدَّوَاء النَّوْع الثَّانِي الْعقُوبَة لأجل حق الْغَيْر وَهَذَا قِسْمَانِ قسم لَا ستيفاء الْمُبَاحَة مِنْهُ كذبح البهاذم للْأَكْل وضربها للمشي فَإِن مَالا يتم الْمُبَاح إِلَّا بِهِ فَهُوَ مُبَاح وَالْقسم الثَّانِي الْعقُوبَة لأجل الْعدوان عَليّ الْغَيْر مثل قتل الصَّائِل من الْمُحَاربين والبهائم وَضرب الجانين وَالصبيان والبهائم إِذا اعْتدى بَعضهم عَليّ بعض أَو اعتدوا على الْعُقَلَاء فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَهَذَا النَّوْع إِن كَانَ لدفع

стр. 627

ضررهم جَازَ بِلَا خلاف مثل قتل الصَّائِل لدفع صوله وَقتل الْكَلْب الْعَقُور الَّذِي يخَاف من ضَرَره فِي الْمُسْتَقْبل وَقتل الفواسق الْخمس فِي الْحل وَالْحرم وَأما إِن كَانَ على وَجه الاقتصاص مثل أَن يظلم صبي صَبيا أَو مَجْنُون مَجْنُونا أَو بَهِيمَة بَهِيمَة فيقتص للمظلوم من الظَّالِم وَإِن لم يكن فِي ذَلِك زجر عَن الْمُسْتَقْبل لَكِن لِاسْتِيفَاء الْمَظْلُوم وَأخذ حَقه فَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِيهِ حَدِيث الاقتصاص للجماء من القرناء كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لتؤدى الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا حَتَّى يسْتَوْفى للجماء من القرناء وَهَذَا مُوَافق لأصول الشَّرِيعَة فَإِن الْقصاص بَين غير الْمُكَلّفين ثَابت فِي الْأَمْوَال بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَمن أتلف مِنْهُم مَالا أَو غصب مَالا أَخذ من مَاله مثله سَوَاء فِي ذَلِك الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالنَّاسِي والمخطىء وَكَذَلِكَ فِي النُّفُوس فَإِن الله تَعَالَى أوجب دِيَة الْخَطَأ وَهِي من أَنْوَاع الْقصاص بِحَسب الْإِمْكَان فَإِن الْقود لم يُمكن إِيجَابه لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مِمَّن فعل الْمحرم وَهَؤُلَاء لَيْسُوا مكلفين بِالتَّحْرِيمِ بِخِلَاف مَا كَانَ من بَاب دفع الظُّلم وَأخذ الْحق فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ الْإِثْم وَلِهَذَا نُقَاتِل الْبُغَاة وَإِن كَانُوا متأولين مغفورا لَهُم ويجلد شَارِب النَّبِيذ وَإِن كَانَ متأولا مغفورا لَهُ فَتبين بذلك أَن الظُّلم والعدوان يُؤدى فِيهِ حق الْمَظْلُوم مَعَ الْإِثْم والتكليف وَمَعَ عدم ذَلِك فَإِنَّهُ من بَاب الْعدْل الَّذِي كتبه الله تَعَالَى على نَفسه وَحرم الظُّلم على نَفسه وَجعله محرما بَين عباده الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة دَار التَّكْلِيف فالدنيا دَار تَكْلِيف بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ البرزخ وعرصة الْقِيَامَة وَإِنَّمَا يَنْقَطِع التَّكْلِيف بِدُخُول دَار الْجَزَاء وَهِي الْجنَّة أَو النَّار كَمَا صرح بذلك من

стр. 628

صرح من أَصْحَابنَا وَغَيرهم مستدلين بامتحان مُنكر وتكبير للنَّاس فِي قبرهم وفتنتهم إيَّاهُم وَبَان النَّاس يَوْم الْقِيَامَة يدعونَ إِلَى السُّجُود فَمنهمْ من يَسْتَطِيع وَمِنْهُم لَا يَسْتَطِيع وَبِأَن من لم يُكَلف فِي الدُّنْيَا يُكَلف فِي عرصات الْقِيَامَة وَهَذَا ظَاهر الْمُنَاسبَة فَإِن دَار الْجَزَاء لَا امتحان فِيهَا وَأما الإمتحان قبل دَار الْجَزَاء فممكن لَا مَحْذُور فِيهَا والامتحان فِي البرزخ لمن كَانَ مُكَلّفا فِي الدُّنْيَا إِلَّا النَّبِيين ففيهم قَولَانِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيرهم وَأما امتحان غير الْمُكَلّفين فِي الدُّنْيَا كالصبيان والمجانين ففيهم قَولَانِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيرهم أَحدهمَا لَا يمْتَحنُونَ وعَلى هَذَا فَلَا يلقنون وَهَذَا قَول القَاضِي وَابْن عقيل وَالثَّانِي يمْتَحنُونَ فِي قُبُورهم ويلقنون وَهُوَ قَول أَكْثَرهم حَكَاهُ ابْن عَبدُوس عَن الْأَصْحَاب وذركه أَبُو حَكِيم وَغَيره وَهُوَ أصح كَمَا ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة وروى مَرْفُوعا أَنه صلى على طِفْل لم يعْمل خَطِيئَة قطّ فَقَالَ اللَّهُمَّ قه عَذَاب الْقَبْر وفتنة الْقَبْر وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي امتحانهم فِي البرزخ يشبه الِاخْتِلَاف فِي امتحانهم فِي الْعَرَصَة وَقَول من يَقُول بامتحانهم أقرب إِلَى النُّصُوص وَالْقِيَاس من قَول من يَقُول يعاقبون بِلَا امتحان الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَن غير الْمُكَلف قد يرحم فَإِن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ الْآيَة وكما فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ احتجت الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَت الْجنَّة لَا يدخلني الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين وَقَالَت النَّار يدخلني الجبارون والمتكبرون فَقَالَ الله للجنة إِنَّمَا أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من شِئْت وَقَالَ للنار إِنَّمَا أَنْت عَذَابي أعذب بك من شِئْت وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَأَما النَّار فَلَا يزَال يلقى فِيهَا وَتقول هَل من مزِيد

стр. 629

حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا وَفِي رِوَايَة عَلَيْهَا قدمه فينزوي بَعْضهَا الى بعض وَتقول قطّ قطّ وَأما الْجنَّة فيفضل فِيهَا فضل فينشىء الله لَهَا خلقا آخر فَهَذَا الحَدِيث المستفيض المتلقى بِالْقبُولِ نَص فِي أَن الْجنَّة لَهَا فِي الدَّار الْآخِرَة خلق يدْخلُونَهَا بِلَا عمل وَأَن النَّار لَا يدخلهَا أحد بِلَا عمل وَقد غلط فِي هَذَا الحَدِيث المعطلة الَّذين أولُوا قَوْله قدمه بِنَوْع من الْخلق كَمَا قَالُوا الَّذين تقدم فِي علمه أَنهم أهل النَّار حَتَّى قَالُوا فِي قَوْله رجله يُقَال رجل من جَراد وعلطهم من وُجُوه فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ حَتَّى يضع وَلم يقل حَتَّى يلقى كَمَا قَالَ فِي قَوْله لَا يزَال يلقى فِيهَا الثَّانِي أَن قَوْله قدمه لَا يفهم مِنْهُ هَذَا لَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز كَمَا تدل عَلَيْهِ الْإِضَافَة الثَّالِث أَن أُولَئِكَ المؤخرين إِن كَانُوا من أصاغر الْمُعَذَّبين فَلَا وَجه لانزوائها واكتفائها بهم فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يكون بِأَمْر عَظِيم وَإِن كَانَ من أكَابِر الْمُجْرمين فهم فِي الدَّرك الْأَسْفَل وَفِي أول الْمُعَذَّبين لَا فِي أواخرهم الرَّابِع أَن قَوْله فينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض دَلِيل على أَنهم تنضم على من فِيهَا فتضيق بهم من غير أَن يلقى فِيهَا شَيْء الْخَامِس أَن قَوْله لَا يزَال يلقى فِيهَا وَتقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع فِيهَا قدمه جعل الْوَضع الْغَايَة الَّتِي إِلَيْهَا يَنْتَهِي الْإِلْقَاء وَيكون عِنْدهَا الانزواء فَيَقْتَضِي ذَلِك أَن تكون الْغَايَة أعظم مِمَّا قبلهَا وَلَيْسَ فِي قَول المعطلة معنى للفظ قدمه إِلَّا وَقد اشْترك فِيهِ الأول وَالْآخر وَالْأول أَحَق بِهِ من الآخر وَقد يغلط فِي الحَدِيث قوم آخَرُونَ ممثلة أَو غَيرهم فيتوهمون أَن قدم الرب تدخل جَهَنَّم وَقد توهم ذَلِك على أهل الْإِثْبَات قوم من المعطلة حَتَّى قَالُوا كَيفَ يدْخل بعض الرب النَّار وائمه تَعَالَى يَقُول ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾

стр. 630

وَهَذَا جهل مِمَّن توهمه أَو نَقله عَن أهل السّنة والْحَدِيث فَإِن الحَدِيث حَتَّى يضع رب الْعِزَّة عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَة فَمَا فينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قطّ قطّ وَعزَّتك فَدلَّ ذَلِك على أَنَّهَا تضايقت على من كَانَ فِيهَا فامتلأت بهم كَمَا أقسم على نَفسه أَنه ليملأنها من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فَكيف تمتلىء بِشَيْء غير ذَلِك من خَالق أَو مَخْلُوق وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه تُوضَع الْقدَم الْمُضَاف إِلَى الرب تَعَالَى فتنزوي وتضيق بِمن فِيهَا وَالْوَاحد من الْخلق قد يرْكض متحركا من الْأَجْسَام فيسكون أَو سَاكِنا فيتحرك ويركض جبلا فينفجر مِنْهُ مَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿اركض برجلك هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ وَقد يضع يَده على الْمَرِيض فَيبرأ وعَلى الغضبان فيرضى الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن التَّكْلِيف بِالْأَمر وَالنَّهْي ثَابت بِالشَّرْعِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَفِي ثُبُوته بِالْعقلِ اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة مَسْأَلَة التحسين والتقبيح وَوُجُوب الْوَاجِبَات وَتَحْرِيم الْمُحرمَات هَل ثبتَتْ بِالْعقلِ وَمَسْأَلَة وجوب عَرَفَة الله وشكره وَمَسْأَلَة الْأَعْيَان قبل السّمع وَفِي مَسْأَلَة تَفْصِيل كتبته فِي غير هَذَا الْموضع إِذْ الْمَقْصُود هُنَا النكت المستغربة وَأما اثواب وَالْعِقَاب فمعلوم بِالسَّمْعِ بِلَا خلاف بَين الْمُسلمين وَهل يعلم بِالْعقلِ مبْنى على الْمعَاد فَإِن الْمعَاد باسمع بِلَا ريب وَهل يعلم بِالْعقلِ قد اخْتلف فِيهِ فَذهب كثير من أهل الْكَلَام وَذهب أَكثر النَّاس إِلَى أَن الْمعَاد من الْأُمُور السمعية الَّتِي لَا تعلم إِلَّا بِالسَّمْعِ وَهُوَ قَول كثير من أَصْحَابنَا والأشعرية وَغَيرهم وَذهب طوائف إِلَى أَن يعلم بِالْعقلِ ثمَّ تنوعت مسالكهم مِنْهُم من بناه على وجوب الْعدْل وَأَن ذَلِك يَقْتَضِي معادا غير هَذِه الدَّار يجزى فِيهَا الظَّالِمُونَ بظلمهم أَو يعوض المعذبون على عَذَابهمْ وَهَذَا مَسْلَك كثير من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمِنْهُم من بناه على أَن الرّوح غير الْبدن وَأَنَّهَا بَاقِيَة هَذِه وَأَن لَهَا من النَّعيم والعذابب الروحانيين مَالا يفارقها وَهَذَا مَسْلَك كثير من المتفلسفة وَمن

стр. 631

نحا نحوهم وَمن هَؤُلَاءِ من يثبت معاد الْأَرْوَاح العالمة دون الجاهلة وَفِيهِمْ من يُنكر المعادين وَالصَّوَاب أَن مَعْرفَته بِالسَّمْعِ وَاجِبَة وَأما بِالْعقلِ فقد تعرف وَقد لَا تعرف فَلَيْسَتْ مَعْرفَته بِالْعقلِ ممتنعة وَلَا هِيَ أَيْضا وَاجِبَة وَأما المتفلسفة فَتثبت الْمعَاد بِالْعقلِ وَتثبت التَّكْلِيف الْعقلِيّ وَأما مَا جَاءَ بِهِ السّمع من الْمعَاد والشرائع فلهَا فِيهِ تأويلات محرفة فَصَارَت الْأَقْسَام فِي الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر وَفِي الْعَمَل الصَّالح هَل هُوَ مَعْلُوم بِالشَّرْعِ وَحده أَو بِالْعقلِ وَحده أَو يعلم بِكُل مِنْهُمَا فِيهِ هَذَا الْخلاف بَين أهل الأَرْض وَإِن كَانَ الصَّوَاب أَن ذَلِك مَعْلُوم جيمعه بِالشَّرْعِ قطعا وَقد يعلم بعضه بل مثل هَذَا الْخلاف ثَابت فِي معرفَة الله تَعَالَى لَكِن التجاء الْمُتَكَلِّمين هُنَاكَ إِلَى الْعقل اكثر وَكثير من الْمُتَكَلِّمين كأكثر الْمُعْتَزلَة وَكثير من الأشعرية لَا يعلم عِنْدهم وجود الرب وَصِفَاته إِلَّا بِالْعقلِ كَمَا يزعمه الفلاسفة مَعَ اضْطِرَاب هَؤُلَاءِ وَآخَرين فِي مقابلتهم وَقد كتبت تفاصيل أَقْوَال النَّاس وبينت مَذْهَب أَئِمَّة السّنة والْحَدِيث فِي هَذَا الأَصْل فِي قَاعِدَة تفي التَّشْبِيه وَمَسْأَلَة الْجِسْم وَإِمَّا الْغَرَض هَذَا التَّكْلِيف وتوابعه وَإِنَّمَا قرنت بَين الْأُصُول الثَّلَاثَة الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فأشرت إِلَى طرق النَّاس فِي مَعْرفَتهَا وَالْحَمْد لله وَحده أَولا وآخرا وظاهرا وَبَاطنا حمد كثيرا مُبَارَكًا دَائِما بدواممه ولى الله عَليّ سيذنا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم فرغت يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر من شهر صفر سنة سته وستيين وَسَبْعمائة علقها العَبْد الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه الغفور وعفوه وصفحه وجوده وَكَرمه وستره وبره وَمِنْه عبد الْمُنعم الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ عَفا الله عَنهُ بمنه وَكَرمه وَعَن جَمِيع الْمُسلمين

стр. 632

الْفَهم شَرط التَّكْلِيف فَلَا يجوز تَكْلِيف الْمَجْنُون والبهيمة والسكران وَغَيرهم مِمَّن فقد مِنْهُ الْفَهم فعلى هَذَا لَا يَقع طَلَاق السَّكْرَان وَلَا يجب عَلَيْهِ الْقصاص فِي الْقَتْل وَلَا يعْتَبر شَيْء من أَقْوَاله وَلَا أَفعاله لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ فَإِن قيل إِذا سكر ثمَّ قتل يَأْثَم على السكر وَالْقَتْل فترتب الْإِثْم يدل على التَّكْلِيف لِأَن غير الْمُكَلف لَا إِثْم عَلَيْهِ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا منع ترَتّب الْإِثْم على الْقَتْل بل إِنَّمَا هُوَ مُرَتّب على الشّرْب وَالسكر وَهَذَا قَول من يَقُول إِنَّه كَالْمَجْنُونِ فِي سَائِر أَقْوَاله وأفعاله لِأَنَّهُ ان وَجب تَكْلِيفه فَلَا يفهم لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لاعتبر أَقْوَاله وافعاله وَهُوَ لَا يعْتَبر ذَلِك الثَّانِي أَنه لَو رتب الْإِثْم على الْقَتْل وَالسكر لتساوى من قتل وَهُوَ صَاح ثمَّ سكر وَمن قتل وَهُوَ سَكرَان وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ أحد فَإِن السَّكْرَان الَّذِي لَا يفهم كَيفَ يُقَال إِن إثمه فِي الْقَتْل كإثم الصاحي الَّذِي يفهم الْخطاب وَيَتَرَتَّب على فعله الْعقَاب وَيحْتَمل أَن يُقَال إِن إِثْم السَّكْرَان الَّذِي قتل فِي حَال سكره من إِثْم من سكر فَقَط وَلَا ينْهَى إئمة من قتل وَهُوَ صَاح ثمَّ سكر وَالله أعلم وَيحْتَمل أَن يُقَال إِن السَّكْرَان إِن كَانَ قَصده الْقَتْل أَو الزِّنَى أَو غير ذَلِك من الْمُحرمَات قبل السكر ثمَّ فعل ذَلِك فِي حَال السكر فَإِنَّهُ قد يكون إثمه مثل إِثْم من فعل ذَلِك حَال الصحو وَأكْثر موإن لم يكن قَصده ذَلِك بل ابتدأه غَيره بالمهابشة فَقتله فان إثمه يكون أقل من ذَلِك مَا دَوَاء من تحكم فِيهِ الدَّاء وَمَا الإحتيال فِيمَن تسلط عَلَيْهِ الخيال وَمَا الْعَمَل فِيمَن غلب عَلَيْهِ الكسل وَمَا الطَّرِيق إِلَى التَّوْفِيق وَمَا الْحِيلَة فِيمَن شطت عَلَيْهِ الْحيرَة

стр. 633

إِن قصد التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى مَنعه هَوَاهُ وَإِن رام الأدكار غلبت عَلَيْهِ الافتكار وَإِن أرد أَن يشْتَغل لم يطاوعه الْقَتْل غلب الْهوى فتراه فِي أوقاته ... حيران صَاح بل هُوَ السَّكْرَان إِن رام قربا للحبيب تفَرقا ... أَسبَابه وتواصل الهجران هجر الْأَقَارِب والمعارف عله ... يجد الْغنى وعَلى الْغناء يعان أجَاب ﵁ دواؤه الالتجاء إِلَى الله ودوام التضرع وَالدُّعَاء بِأَن يتَعَلَّم الْأَدْعِيَة المأثورة ويتوخى الدُّعَاء فِي مظان الْإِجَابَة مثل آخر اللَّيْل وأوقات الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَفِي سُجُوده وَفِي أدبار الصَّلَوَات وَيضم إِلَى ذَلِك الاسْتِغْفَار فَإِنَّهُ من اسْتغْفر الله ثمَّ تَابَ إِلَيْهِ متعه مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى وليتخذ وردا من الْأَذْكَار طرفِي النَّهَار وَوقت النّوم وليصبر على مَا يعرض لَهُ من الْمَوَانِع والصوارف فَإِنَّهُ لَا يلبث أَن يُؤَيّدهُ الله بِروح مِنْهُ وَيكْتب الْإِيمَان فِي قلبه وليحرص على إِكْمَال الْفَرَائِض من الصَّلَوَات الْخمس بباطنه وَظَاهره فَإِنَّهَا عَمُود الدّين وَليكن هجيراه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم فَإِنَّهُ بهَا يحمل الأثقال ويكايد الْأَهْوَال وينال رفيع الْأَحْوَال وَلَا يسأم من الدُّعَاء والطلب فَإِن العَبْد يستحال لَهُ مالم يعجل فَيَقُول قد دَعَوْت فَلم يستجب لي وليعلم أَن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وَأَن الْفرج مَعَ لكرب وَأَن مَعَ الْعسر يسرا وَلم ينل أحد شَيْئا من حتم الْخَيْر نَبِي فَمن دونه إِلَّا بِالصبرِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين