← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فصل لِوَاء الْحَمد بيد النَّبِي ﷺ يَوْم الْقِيَامَة صُورَة وَمعنى إِشَارَة إِلَى سيادته لجَمِيع الخلاذق فَيكون الْخلق تَحت لواذه كَمَا يكون الأجناد تَحت ألوية الْمُلُوك وحامله الْمُقدم الَّذِي يكون خطيب الْأَنْبِيَاء إِذا وفدوا وإمامهم إِذا اجْتَمعُوا وَهُوَ الَّذِي يتَقَدَّم للشفاعة فيحمد ربه بِمَحَامِد لَا يحمده بهَا غَيره وَهُوَ مُحَمَّد وَأحمد وَأمته الْحَمَّادُونَ الَّذين يحْمَدُونَ عَليّ السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَهُوَ أول من يدعى إِلَى الْجنَّة فَلَا تفتح لأحد قبل صَاحب لِوَاء الْحَمد ﷺ وَقَوله ﴿وجدهَا تغرب فِي عين حمئة﴾ الْعين فِي الأَرْض وَمعنى تغرب فِي عين أَي فِي رَأْي النَّاظر بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين وَلَيْسَ المُرَاد تسْقط من الْفلك فتغرب فِي تِلْكَ الْعين فَإِنَّهَا لَا تنزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وَلَا تفارق فلكها والفلك فَوق الأَرْض من جَمِيع أقطارها لَا يكون تَحت الأَرْض لَكِن إِذا تخيل المتخيل أَن الْفلك مُحِيط بِالْأَرْضِ توهم أَن مايلي رَأسه هُوَ أَعْلَاهُ وَمَا يَلِي رجلَيْهِ هُوَ أَسْفَله ولي الْأَمر كَذَلِك بل جَانب الْفلك من هَذَا الْجَانِب كجانبه من الْمشرق وَالْمغْرب وَالسَّمَاء فَوق الأَرْض بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَإِنَّمَا السّفل هُوَ أضيق مَكَان فِي الأَرْض وَهُوَ المركز الَّذِي إِلَيْهِ تنتهى الأثقال وكل مَا تحرّك من المركز إِلَى السَّمَاء من أَي جَانب كَانَ فَإِنَّهُ يصعد من الْأَسْفَل إِلَى الْأَعْلَى وَالله أعلم فصل وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن النكر وَاجِب عَليّ الْكِفَايَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وكل وَاحِد من الْأمة مُخَاطب بِقدر قدرته وَهُوَ من أعظم الْعِبَادَات وَمن النَّاس من يكون ذَلِك لهواه لَا لله

стр. 562

وَلَيْسَ لأحد أَن يزِيل النكر بِمَا هُوَ أنكر منهخ مثل أَن يقوم وَاحِد من النَّاس يُرِيد أَن يقطع يَد السَّارِق ويجلد الشَّارِب وَيُقِيم الْحُدُود لِأَنَّهُ لَو فعل ذَلِك لأفضى إِلَى الْهَرج وَالْفساد لِأَن كل وَاحِد يضْرب غَيره ويدعى أَنه اسْتحق ذَلِك فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَن يقْتَصر فِيهِ على ولي الْأَمر المطاع كالسلطان ونوابه وَكَذَلِكَ دَقِيق الْعلم الَّذِي لَا يفهمهُ إِلَّا خَواص النَّاس وجماع الْأَمر فِي ذَلِك بِحَسب قدرته وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَا رذاغلب على ظن الرجل أَن أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر لَا يطاع فِيهِ هَل يجب عَلَيْهِ حينذذ على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا أَنه يجب وَإِن لم يقبل مِنْهُ إِذا لم يكن مفسده الْأَمر واجحة عَليّ مفْسدَة التّرْك كَمَا بقى نوح ﵇ ألف سنة إِلَّا خمسين عاماض ينذر قومه وَلما قَالَت الْأمة من أهل الْقرْيَة الْحَاضِر البحرة لواعظى الَّذين يعدون فِي السبت ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ﴾ أَي نُقِيم عذرنا عَن رَبنَا وَلَيْسَ هدَاهُم علنيا بل الْهِدَايَة إِلَيّ الله وَلم يجب مَا أحبه الله وَهُوَ الْمَعْرُوف وَيبغض مَا أبغضه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُنكر لم يكن مُؤمنا فَلهَذَا لم يكن وَرَاء إِنْكَار الْمُنكر بِالْقَلْبِ حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان وَلَا يُمكن أَن يجب جَمِيع الْمُنْكَرَات بِالْقَلْبِ رلا زن كَانَ كَافِرًا وَهُوَ الَّذِي مَاتَ قلبه كَمَا سُئِلَ بعض السّلف عَن ميت الْأَحْيَاء فِي قَوْلهم لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء فَقَالَ هُوَ الَّذِي لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا لَكِن من النَّاس من يُنكر بعض الْأُمُور دون بعض فَيكون فِي قلبه إِيمَان ونفاق كَمَا ذكر ذَلِك من ذكره من السّلف حَيْثُ قَالُوا الْقُلُوب أَرْبَعَة قلب أجرد فِيهِ سراج يزهر فَذَلِك قلب الْمُؤمن وقلب أغلف فَهُوَ قلب الْكَافِر وقلب منكوس فَذَلِك

стр. 563

قلب الْمُنَافِقين وقلب فِيهِ مادتان مَادَّة تمده بالايمان ومادة تمده بالنافاق فَذَلِك خلط عملا صَالحا سَيِّئًا وَفِي الْجُمْلَة فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن النكر فرض كِفَايَة فرذا غلب على ظَنّه أَن غَيره لَا يقوم بِهِ تعين عَلَيْهِ وَوَجَب عَلَيْهِ مَا يقدر عَلَيْهِ من ذَلِك فَإِن تَركه كَانَ عَاصِيا لله وَلِرَسُولِهِ وَقد كيون فَاسِقًا وَقد يكون كَافِرًا وَيَنْبَغِي لمن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر أَن يكون فَفِيهَا قبل الْأَمر رَفِيقًا عِنْد الْأَمر ليسلك أقرب الطّرق فِي تَحْصِيله حَلِيمًا بعد الْأَمر لِأَن الْغَالِب أَن لَا بُد أَن يُصِيبهُ أَذَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ فصل قَول من يَقُول يلْزم من كَون الشئ فَوق كَونه فِي جِهَة سَوَاء كَانَت الْجِهَة دَاخل الْعَالم أَو خَارجه وَثُبُوت إِمْكَان الانقسام لذاته لِأَن كل وَاحِد من جوانبه غير الْجَانِب الآخر وكل مُمكن الْقِسْمَة لذاته مُمكن الْوُجُود لذاته وَيلْزم أَيْضا من كَون الشئ فِي جِهَة إِمَّا قدم الْجِهَة وَإِمَّا ثُبُوت الِانْتِقَال فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أما الْحجَّة الأولى فللناس فِي جوابها طَرِيقَانِ

стр. 564

أَحدهمَا أَنه تَعَالَى فَوق الْعَرْش وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَيْسَ بداخل الْعَالم وَلَا بمنقسم هَذَا قَول الكلامية وأئمة الأشعرية وَغَيرهم وَإِذا قيل لَهُم هَذَا مُمْتَنع قَالُوا إِثْبَات وجود مَوْجُود لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه أبعد عَن الْعُقُول من إِثْبَات مَوْجُود خَارج الْعَالم وَلَيْسَ بجسم وَلَا منقسم فَإِن كَانَ الأول جاذزا فِي الْعقل فَالثَّانِي أولى بِالْجَوَازِ وَإِن كَانَ مُمْتَنعا بَطل قَول النفاة الطَّرِيق الثَّانِي أَن يُقَال هَل الانقسام فِيهِ بِالْفِعْلِ أَو بالإمكان فان كَانَ بالامكان بِحَيْثُ يقبل التَّفْرِيق والتبغيض لم يسلم اللُّزُوم ولادل ذَلِك عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذكر فِي الدَّلِيل أَن كل جَانب غير الآخر وَمُطلق الْمُغَايرَة لَا يتقتضى قبُول التَّفْرِيق والنفصال فَإِن لفظ غير فِيهِ اصطلاحان أَحدهمَا اصْطِلَاح الأشعرية وَمن وافقهم أَنه مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر بِزَمَان أَو مَكَان أَو وحود أَو مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا مُطلقًا وَلِهَذَا لَا يَقُولُونَ صِفَات الله تَعَالَى مُغَايرَة لذاته بل لَا يَقُولُونَ إِن الصّفة اللَّازِمَة للمخلوق مُغَايرَة لَهُ وَلَا أَن بعض الْجُمْلَة مغير لَهَا وَلَا الْوَاحِد من الْعشْرَة مُغَاير لَهَا فعلي هَذَا رذا لم يقبل التَّفْرِيق لم يكن أحد من الْجَانِبَيْنِ مغايرا للجانب الآخر والاصطلاح الثَّانِي أَن حد غير مَا جَازَ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُعْتَزلَة والكرامية فعلى هَذَا يكون صفة الْمَوْصُوف مُغَايرَة لَهُ وَتَكون صِفَات الله تَعَالَى مُغَايرَة لذاتته وَيكون كَلَام الله غير الله وعَلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين لَا يكون كَلَامه غَيره وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف أَنه لَا يُطلق إِثْبَات الْمُغَايرَة وَلَا نَفيهَا لَكِن يفصل هَل أُرِيد بِالْغَيْر أَنه مُمكن الْعلم بِهَذَا دون هَذَا أَو يُرِيدُونَ أَنه يُمكن مُفَارقَة هَذَا لهَذَا وَوُجُود هَذَا بِدُونِ هَذَا وَتَحْقِيق خاهية هَذَا دون هَذَا وَنَحْو ذَلِك فعلى هَذَا التَّفْسِير لَا تكون الصّفة اللَّازِمَة للموصوف مُغَايرَة للموصوف وَلَا الْبَعْض اللَّازِم للْكُلّ مغيارا للْكُلّ عَليّ ذَلِك

стр. 565

وَقَوله كل مُمكن الْقِسْمَة لذاته مُمكن الْوُجُود لذاته جَوَابه أَن لفظ إمكانالقسمة فِيهِ الْإِجْمَال الْمُتَقَدّم فَإِن أَرَادوا أَنه يقبل مُفَارقَة بعضه لبَعض فَلَا دَلِيل عَليّ لُزُوم ذَلِك لقَوْله سُبْحَانَهُ عَليّ عَرْشه وَإِن أَرَادوا بِهِ الامتياز الَّذِي ذكرته فِي الْمُغَايرَة الَّتِي عينوها فَلَا نسلم أَن إِمْكَان أَن يُمَيّز مِنْهُ شَيْء عَن شَيْء يجب أَن يكون مُمكن الْوُجُود لذاته لَا وَاجِب الْوُجُود لذاته لَا سِيمَا على مَذْهَب أهل السّنة الصفاتية فَإِن عِنْدهم عَالم بِعلم قَادر بقدرة حَتَّى بحياة وَهَذِه معَان متميزة لَيْسَ أَحدهمَا هُوَ الآخر قَالَ وَكَذَلِكَ نفاة الصِّفَات حَيّ بحياة وَهَذِه معَان متميزة لَيْسَ أَحدهمَا هُوَ الآخر قَالَ وَكَذَلِكَ نفاة الصِّفَات باتفاقهم على وجود وَاجِب قديم فِي ذَاته عليم قدير وَلَيْسَ الْمَفْهُوم من كل اسْم هُوَ الْمَفْهُوم من الآخر بل هِيَ معَان متميزة وَإِن كَانَ الْمُسَمّى وَاحِدًا والمعطل مقرّ بِأَنَّهُ مَوْجُود وَاجِب قديم عَاقل مَعْقُول عقل وَنَحْو ذَلِك من الْمعَانِي المتميزة ودعواه أَن هَذِه الْأُمُور تعود إِلَى سلب أَو إِضَافَة مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَإِن جوز عقله أَن تكون هَذِه الْمعَانِي لَا تعود إِلَّا إِلَى عدم أَو إِضَافَة أمكن منازعته بِأَن نقُول فِيمَا يُثبتهُ من الصِّفَات وَالْقدر مثل ذَلِك ونقول إِن ذَلِك لَا يُوجب تعددا وَلَا تكثيرا بل هُوَ رَاجع إِلَى سلب أَو إِضَافَة وَأما الشُّبْهَة الثَّانِيَة فجوابها أَن يُقَال الْجِهَة إِمَّا أَن يُرَاد بهَا أَمر مَوْجُود أَو مَعْلُوم فَإِن أُرِيد بهَا أَمر مَعْدُوم فَمَا ثمَّ مَوْجُود إِلَّا الله تَعَالَى ومخلوقاته وَالله لَيْسَ فِي مخلوقاته وَإِن أُرِيد بهَا أَمر مَعْدُوم فالمعدوم لَيْسَ بِشَيْء يحوي الْمَوْجُود وَإِمَّا يقدر فِيهِ الْمَوْجُود تَقْديرا فَقَوله يلْزم قدم الْجِهَة أَو الِانْتِقَال إِنَّمَا يَصح لَو قيل إِنَّه مَوْجُود فِي سواهُ وَأما إِذا أُرِيد بذلك أَنه فَوق الْعَالم أَو وَرَاء الْعَالم وَلَيْسَ هُنَاكَ غير وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء مَوْجُود آخر حَتَّى يُقَال إِنَّه قديم وَأما الْعَدَم فَإِن قيل إِنَّه قديم فَهُوَ الْعَدَم سائ الْمَخْلُوقَات وَقدم الْعَدَم بِهَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بممتنع فَظهر فَسَاد لُزُوم أحد الْأَمريْنِ

стр. 566

وَأما لُزُوم الأنتاقل فللناس عَنهُ جوابان مبنيان على جَوَاز قيام الصِّفَات الفعلية الْمُتَعَلّقَة بِالْمَشِيئَةِ بِذَاتِهِ فَمن لم يجوز ذَلِك قَالَ إِنَّه لما خلق الْعَالم لم ينْتَقل هُوَ وَلم يتغبر بل خلقه مباينا لَهُ لم يدْخل فِي الْعَالم وَلم يدْخل الْعَالم فِيهِ وَحدث بَينه وَبَين الْعَالم إِضَافَة الْمَعِيَّة وحدوث الإضافات جَائِز اتِّفَاقًا بل لَا بُد مِنْهُ وَهَذَا قَول من يَقُول الاسْتوَاء إِضَافَة مَحْضَة وَأَنه فعل فعله فِي الْعَرْش صَار بِهِ مستويا عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خلق الْعَرْش تَحْتَهُ فَلَزِمَ أَن يكون هُوَ فَوْقه من غير حَرَكَة من الرب وَلَا تحول قَائِم بِذَاتِهِ وَالْجَوَاب الثَّانِي جَوَاب من يجوز قيام الْأَفْعَال الإرادية بِذَاتِهِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من النُّصُوص وَهَؤُلَاء يلتزمون مَا ذكر من معنى الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة لَكِن مِنْهُم من يقر بِالْمَعْنَى دون اللَّفْظ لكَون الشَّرْع لم يرد بِهَذَا اللَّفْظ وَإِنَّمَا ورد بِلَفْظ الاسْتوَاء والمجيء وَالنُّزُول وَنَحْو ذَلِك وَمِنْهُم من يقر بِاللَّفْظِ أَيْضا وَيَقُول إِن ذَلِك لَا يسْتَلْزم الْحُدُوث وَأَن الِاسْتِدْلَال بذلك على الْحُدُوث بَاطِل وَمن قَالَ إِن ذَلِك حجَّة إِبْرَاهِيم ﵇ فقد أبطل بل قصَّته تدل على نقيض الْمَطْلُوب كَمَا قد بسط كَلَام النَّاس عَلَيْهَا فِي غير هَذَا الْمَكَان وَهَذَا الَّذِي احتملته هَذِه الورقة فصل وجود الْجِنّ ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة وَكَذَلِكَ دُخُول الجنى فِي بدن الْإِنْسَان ثَابت بِاتِّفَاق أَئِمَّة أهل السّنة وَهُوَ أَمر مشهود محسوس لمن تدبره يدْخل فِي المصروع وَيتَكَلَّم بِكَلَام لَا يعرفهُ بل وَلَا يدربه بل يضْرب ضربا لَو ضربه جمل لمات وَلَا يحس بِهِ المصروع وَقَول تَعَالَى ﴿الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ وَقَوله صلى الله

стр. 567

عَلَيْهِ وَسلم إِن الشَّيْطَان يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَغير ذَلِك يصدقهُ وَأما معالجة المصروع بالرقى والتعوذ حَتَّى يبرأ فَهَذَا على وَجْهَيْن فَإِن كَانَت الرقى مِمَّا يعرف مَعْنَاهُ وَهُوَ مَا يجوز فِي دين الْإِسْلَام أَن يتَكَلَّم الرجل بِهِ دَاعيا لله ذَاكِرًا لَهُ مُخَاطبا لخلقه وَنَحْوه فَإِنَّهُ يجوز أَن يرقى بهَا لِأَنَّهُ ﷺ أذن فِي الرقى مالم تكن شُرَكَاء كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح وَقَالَ من اسْتَطَاعَ أَن ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل وَإِن كَانَ فِي ذَلِك كَلِمَات مُحرمَة مثل الشّرك أَو كَانَت كلهَا أَو بَعْضهَا مَجْهُول الْمَعْنى يحْتَمل أَن يكون فِيهَا مَا هُوَ كفر فَلَيْسَ لأحد أَن يرقى بهَا وَلَا يعزم وَلَا يقسم وَإِن كَانَ من نَفعه كالسيمياء وَغَيرهَا من أَنْوَاع السحر فَإِن السَّاحر السيمياوي وَإِن كَانَ ينَال بذلك بعض أغراضه فَهُوَ كَمَا ينَال الزَّانِي بعض أغراضه فَلَيْسَ للْعَبد أَن يدْفع كل ضَرَر بِمَا شَاءَ وَلَا أَن يجلب كل مَنْفَعَة بِمَا شَاءَ بل لَا بُد من تقوى الله فَمن كذب بِمَا هُوَ مَوْجُود من الْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَالسحر وَمَا يعانيه السَّحَرَة والكهان على اخْتِلَاف أَنْوَاعه كدعاء الْكَوَاكِب وتمريخ القوى السيماوية الفعالة

стр. 568

بالمنفعلة الأرضية ﴿وَمَا تنزلت بِهِ الشَّيَاطِين﴾ ﴿تنزل على كل أفاك أثيم﴾ وَحُضُور الْجِنّ بِمَا يستحضرون بِهِ من الغوانم والبخور وأمثال ذَلِك كَمَا هُوَ مَوْجُود فقد كذب بِمَا لم يحط بِهِ علما وَمن جوز أَن يفعل الْإِنْسَان مَا يرَاهُ مؤثرا من غير أَن يزنه على شَرِيعَة الْإِسْلَام فقد أَخطَأ خطأ بَينا وَفِيمَا أباحته الشَّرِيعَة مِمَّا يدْفع ضَرَر الشَّيْطَان وأذاه كثير فقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ حِين يأوي إِلَى فرَاشه لم يزل عَلَيْهِ من الله حَافِظًا وَلم يقربهُ شَيْطَان وَكَانَ يعلم أَصْحَابه أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من غَضَبه وعقابه وَشر عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يحْضرُون وَقد جمع الْعلمَاء مَا ثَبت عَنهُ ﷺ من ذَلِك مِمَّا فِيهِ تجاه الْمُؤمنِينَ وسبيل الْمُتَّقِينَ فصل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور سلف الْمُسلمين أَن كل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا فالمؤمن أفضل من الْمُسلم قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ وَمن كَانَ عَالما بِمَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ وَمَا نهى عَنهُ فَهُوَ عَالم بالشريعة وَمن لم يكن عَالما بذلك فَهُوَ جَاهِل من أَجْهَل النَّاس وَلَيْسَ الْقدَم الَّذِي بالصخور الْمَشْهُورَة عِنْد الْعَامَّة قدم النَّبِي ﷺ وَلَا قدم أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَا يُضَاف إِلَى الشَّرِيعَة جَوَاز تقبيله وَلَا التمسح بِهِ فَلَا شَيْء من الأَرْض يقبل ويتمسح بِهِ سوى الْحجر الْأسود والراكنين اليمانيين بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وَتَنَازَعُوا فِي جَوَاز التمسح بمنبره ﷺ يَوْم كَانَ مَوْجُودا وَأَبُو بكر وَعمر وَغَيرهمَا أفضل وَأَشْجَع وأدين وَأكْرم من جَمِيع الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ فَيَنْبَغِي أَن تكون الْقدْوَة لكل مُسلم بهما

стр. 569

وَالثَّوَاب الَّذِي هُوَ للشهرة هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يقْصد بِهِ الِارْتفَاع عِنْد النَّاس وَإِظْهَار الترفع أَو التَّوَاضُع والزهد كَمَا جَاءَ أَن السّلف كَانُوا يكْرهُونَ الشهرتين من اللبَاس الْمُرْتَفع والمنخفض وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث من لبس ثوب شهرة ألبسهُ الله ثوب مذلة فَإِنَّهُ عُوقِبَ بنقيض قَصده وَجَاء فِي الحَدِيث إِن لكل عَامل شَره وَلكُل شرة فَتْرَة فَإِن صَاحبهَا سدد وقارب فارجوه وَإِن أُشير إِلَيْهِ بالأصابع فَلَا تعدوه وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ إِذا دخلت السُّوق وَأَشَارَ النَّاس إِلَيْك بالأصابع فَقيل إِنَّه لم يرد هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ المبتدع فِي النَّاس والفاجر فِي دينه أَي أَشَارَ إِلَيْهِ بِخُرُوجِهِ عَن الطَّرِيق الشَّرْعِيَّة وَمن قَالَ إِن أحدا من أَوْلِيَاء الله يَقُول للشَّيْء كن فَيكون فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِنَّهُ لَا يقدر أحد على ذَلِك إِلَّا الله وَلَيْسَ كل مَا يُريدهُ أَن آدم يحصل لَهُ وَلَو كَانَ من كَانَ لَكِن فِي الْآخِرَة يحصل لَهُ كل مَا يُرِيد فَإِذا اشْتهى حصل لَهُ ذَلِك بقدرة الله تَعَالَى فصل أَعمال الْقُلُوب الَّتِي تسمى المقامات وَالْأَحْوَال وَهِي من أصُول الْإِيمَان وقواعد الدّين مثل محبَّة الله وَرَسُوله والتوكل على الله وإخلاص الدّين لَهُ وَالشُّكْر لَهُ وَالصَّبْر على حكمه وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ وَمَا يتبع ذَلِك كل ذَلِك وَاجِب على جَمِيع الْخلق المأمورين بِأَصْل الدّين بِاتِّفَاق أَئِمَّة الدّين وَالنَّاس فِيهَا على ثَلَاث دَرَجَات كَمَا هم فِي أَعمال الأبدال على ثَلَاث دَرَجَات أَيْضا ظَالِم لنَفسِهِ ومقتقصد وسابق بالخيرات فالظالم العَاصِي بترك مأمورات وبفعل مَحْظُورَات والمقتصد الْمُؤَدِّي للواجبات والتارك للمحرمات وَالسَّابِق بالخيرات المتقرب بِمَا يقدر عَلَيْهِ من اواجب ومستحب والتارك للْمحرمِ وَالْمَكْرُوه وَإِن كَانَ كل من المقتصد وَالسَّابِق

стр. 570

قد يكون لَهُ ذنُوب تمحى عَنهُ إِمَّا التَّوْبَة وَالله يجب التوابين وَإِمَّا بحسنات ماحية وَإِمَّا بمصائب مكفرة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك وكل من السَّابِقين والمقتصدين أَوْلِيَاء الله فَإِن أَوْلِيَاء الله تَعَالَى هم الَّذين قَالَ فيهم تَعَالَى ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فحد أَوْلِيَاء الله هم الْمُؤْمِنُونَ المتقون وَأما الظَّالِم لنَفسِهِ فَهُوَ من أهل الْإِيمَان فمعه ولَايَة بِقدر إيمَانه وتقواه كَمَا مَعَه ولَايَة الشَّيْطَان بِقدر فجوره إِذْ الشَّخْص الْوَاحِد يجْتَمع فِيهِ الْحَسَنَات والسيئات حَتَّى يُمكن أَن يُثَاب ويعاقب وَهَذَا قَول جَمِيع الصَّحَابَة وأئمة الْإِسْلَام وَأهل السّنة بِخِلَاف الْخَوَارِج والمعتزلة الْقَائِلين بِأَنَّهُ لَا يخرج من النَّار من دَخلهَا ن أهل الْقبْلَة وَأَنه لَا شَفَاعَة للرسول وَلَا لغيره فِي أهل الْكَبَائِر لَا قبل دُخُول النَّار وَلَا بعْدهَا فعندهم لَا يجْتَمع فِي شخص حَسَنَات وسيئات وَدَلَائِل هَذَا الأَصْل مبسوطة فِي مَوضِع آخر وأصل الدّين هُوَ الْأُمُور الظَّاهِرَة والباطنة من الْعُلُوم والأعمال فَإِن الْأَعْمَال الظَّاهِرَة لَا تَنْفَع بِدُونِ العقائد الصَّحِيحَة كَمَا فِي الحَدِيث إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي وَالْقلب وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الْقلب ملك والأعضاء جُنُوده فَإِذا طَابَ الْملك طابت جُنُوده إِذا خبث خبثت جُنُوده وَأما الْحزن فَلم يَأْمر الله بِهِ بل نهى عَنهُ فِي مَوَاضِع مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا﴾ وَقَوله ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وَقَوله ﴿لكيلا تحزنوا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجلب مَنْفَعَة وَلَا يدْفع مضرَّة فَلَا فَائِدَة فِيهِ ومالا فَائِدَة فِيهِ لَا يَأْمر الله بِهِ نعم وَلَا يَأْثَم صَاحبه إِذا لم يقْتَرن بحزنه محرم كَمَا يحزن على المصائب كَمَا قَالَ ﷺ إِن الله لَا يُؤْخَذ على دمع الْعين وَلَا على حزن الْقلب وَقد يقْتَرن بِالْقَلْبِ مَعَ الْحزن مَا يُثَاب صَاحبه عَلَيْهِ ويحمد عَلَيْهِ يكون مَحْمُودًا من تِلْكَ الْجِهَة لَا من جِهَة الْحزن كالمخزون

стр. 571

على مُصِيبَة فِي دينه وعَلى مصائب الْمُسلمين عُمُوما فَهَذَا يُثَاب على قدر مَا فِي قلبه من حب الْخَيْر وبغض الشَّرّ وتوابع ذَلِك وَلَكِن الْحزن إِذا أفْضى إِلَى ترك مَأْمُور من الصَّبْر وَالْجهَاد وجلب مَنْفَعَة وَدفع مضرَّة نهي عَنهُ وَإِلَّا كَانَ حَسبه رفع الْإِثْم عَنهُ من جِهَة الْحزن وَأما إِذا أقضى إِلَى ضعف الْقلب ووهنه واشتغاله على فعل مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله فانه يكون مذموما من تِلْكَ الْجِهَة وَإِن كَانَ مَحْمُودًا من جِهَة أُخْرَى وَأما الْمحبَّة لله والتوكل عَلَيْهِ وَالْإِخْلَاص لَهُ فَهَذِهِ كلهَا خير مَحْض وَهِي حَسَنَة محبوبة فِي حق كل من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَلَا يخرج عَنْهَا مُؤمن قطّ وَهَذِه المقامات للخاصة خاصتها وللعامة عامتها وَالْعِبَادَة هِيَ الْغَايَة الَّتِي خلق الله لَهَا الْعباد من جِهَة أَمر الله ومحبته وَرضَاهُ وَهُوَ اسْم يجمع كَمَال الْحبّ لَهُ ونهايته وَكَمَال الذل ونهايته وَالْحب الْخَالِي عَن الذل والذل الْخَالِي عَن الْحبّ لَا يكون عبَادَة وَإِنَّمَا الْعِبَادَة مَا جمع كَمَال الْأَمريْنِ وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة لَا تصلح إِلَّا لله وَهِي وَإِن كَانَت للْعَبد مَنْفَعَتهَا فان الله غَنِي عَن الْعَالمين فَهِيَ لَهُ من جِهَة أُخْرَى من جِهَة محبته لَهَا وَرضَاهُ بهَا وَلِهَذَا كَانَ الله أَشد فَرحا بتوبة عَبده من الفاقد لراحلته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي أَرض دوية مهلكة وَقد نَام آيسا مِنْهَا ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا فَإِنَّهُ أَشد فَرحا بتوبة عَبده من هَذَا براحلته وَهَذَا يتَعَلَّق بِهِ أمورا جليلة شرحناها فِي غير هَذَا الْموضع وروى الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب الدُّعَاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى يَا ابْن آدم إِنَّمَا هِيَ أَربع وَاحِدَة لي وَوَاحِدَة لَك وَوَاحِدَة بيني وَبَيْنك وَوَاحِدَة فعملك أجزيك بِهِ وَأما الَّتِي بيني وَبَيْنك وَبَين خلقي أما الَّتِي لي فتعبدني وَلَا تشرك بِي شَيْئا وَأما الَّتِي هِيَ لَك فعملك أجزيك بِهِ وَأما الَّتِي بيني وَبَيْنك فمنك الدُّعَاء وَعلي الْإِجَابَة وَأما التبي بَيْنك وَبَين خلقي فَأَنت إِلَى النَّاس مَا تحب أَن يأتوه إِلَيْك وَطلب الْعلم الْوَاجِب لكَونه معينا على كل أحد إِمَّا لكَونه مُحْتَاجا إِلَى جَوَاب مسَائِل فيأصوال دينه أَو فروعه وَلَا يجد فِي بَلَده من يجِيبه وَإِمَّا لكَونه فرضا

стр. 572

على الْكِفَايَة وَلم يقم بِهِ يسْقط الْفَرْض فَيجوز السّفر لطلب ذَلِك بِدُونِ رضَا الْوَالِدين فَلَا طَاعَة لَهما فِي ترك فَرِيضَة فصل وَمن قَالَ إِن الله تَعَالَى لم يكلم مُوسَى تكلما فَإِنَّهُ يعرف نَص الْقُرْآن فَإِن أنكرهُ بعد ذَلِك استتيب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فالكفر لَا يكون إِلَّا بعد الْبَيَان وَأما الْأَئِمَّة الَّذين أفتوا بقتل الْجَهْمِية الَّذين أفتوا بقتل الْجَهْمِية الَّذين يُنكرُونَ رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة وتكليمه مُوسَى وَيَقُولُونَ الْقُرْآن مَخْلُوق وَنَحْو ذَلِك فَقيل إِنَّهُم أمروا بِقَتْلِهِم لأجل كفرهم وَقيل إِذا دعوا النَّاس إِلَى بدعتهم أَضَلُّوا النَّاس فَقتلُوا لأجل منع الْفساد فِي الأَرْض وحفظا لدين النَّاس أَن يضلوهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفق سلف الْأمة وأئمتها على أَن الْجَهْمِية من شَرّ طوائف المبتدعين حَتَّى أخرجوهم عَن الثِّنْتَيْنِ وَالسبْعين فرقة وَمن الْجَهْمِية المتفلسفة والمعتزلة الَّذين يَقُولُونَ كَلَام الله مَخْلُوق وَأَنه لَا يرى فِي الْآخِرَة وَأَنه لَيْسَ مباينا لخلقه وأمثال هَذِه المقالات المستلزمة تَعْطِيل الْخَالِق وَلَيْسَ كل من خَالف مَا علم بطرِيق الْعقل كَانَ كَافِرًا وَلَو قدر أَنه جحد بعض صرائح الْعقل لم يحكم بِكُفْرِهِ حَتَّى يكون كفرا فِي الشَّرِيعَة بِخِلَاف من خَالف مَا علم أَن الرَّسُول ﷺ جَاءَ بِهِ فَإِنَّهُ كَافِر بِلَا نزاع وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة وَلَا فِي قَول أحد من الْأمة الْإِخْبَار عَن الله بِأَنَّهُ متحيز أَو لَيْسَ بمتحيز وَلَا فِي الْكتاب وَالسّنة أَن من قَالَ هَذَا أَو هَذَا يكفر وَهَذَا اللَّفْظ مُبْتَدع وَالْكفْر لَا يتَعَلَّق بِمُجَرَّد أَسمَاء مبتدعة لَا أصل لَهَا بل يستفسر هَذَا الْقَائِل فَإِن قَالَ أَعنِي أَنه متحيز أَي دَاخل فِي الْمَخْلُوقَات قد حازته فَهَذَا بَاطِل وَإِن قَالَ أَعنِي أَنه منحاز عَن الْمَخْلُوقَات مباين لَهَا فَهَذَا حق وَكَذَلِكَ قَوْله وَلَيْسَ بمتحيز إِن أَرَادَ أَن الْمَخْلُوق لَا يجوز الْخَالِق فقد أصَاب وَإِن قَالَ الْخَالِق لَا يباين الْمَخْلُوق فقد أَخطَأ

стр. 573

فصل السماع الَّذِي أَمر الله بِهِ وَرَسُوله هُوَ سَماع الْقُرْآن كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن﴾ وَقَالَ ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله﴾ وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن وذم المعرضين عَنهُ فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ﴾ وَقَوله ﴿وَمن أظلم مِمَّن ذكر بآيَات ربه فَأَعْرض عَنْهَا﴾ وَقَوله ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ وَشرع سَمَاعه فِي عشَاء الْآخِرَة وَالْمغْرب وَأعظم سَماع شَرعه فِي الْفجْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ قَالَ عبد الله ابْن رَوَاحَة ﵁ يمدح النَّبِي ﷺ وَفينَا رَسُول الله يَتْلُو كِتَابه إِذا انْشَقَّ مَعْرُوف من الْفجْر سَاطِع ... أرانا الْهدى بعد الْعَمى فَقُلُوبنَا بِهِ مُوقِنَات أَن مَا قَالَ وَاقع ... يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه إِذا استثقلت بالمشركين الْمضَاجِع وَالِاسْتِمَاع لِلْقُرْآنِ مُسْتَحبّ للْمُؤْمِنين كَمَا فِي الصَّحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 574

قَالَ لِابْنِ مَسْعُود اقْرَأ عَليّ فَقلت أقرأع عَلَيْك وَعَلَيْك أنزل فَقَالَ إِنِّي أحب أَن أسمعهُ من غَيْرِي فَقَرَأت عَلَيْهِ سُورَة النِّسَاء حَتَّى قَرَأت قَوْله ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ فَقَالَ حَسبك فَنَظَرت فَإِذا عَيناهُ تَذْرِفَانِ وَكَانَ الصَّحَابَة ﵃ إِذا اجْتَمعُوا أمروا أحدهم أَن يقْرَأ وَالْبَاقُونَ يَسْتَمِعُون وَهَذَا السماع لَهُ آثَار إيمانية من المعارف القدسية وَالْأَحْوَال الكونية يطول شرحها وَله فِي الْجَسَد آثَار محمودة من خشوع الْقلب ودموع الْعين واقشعرار الْجُلُود وَقد ذكر الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاثَة فِي الْقُرْآن وَكَانَت مَوْجُودَة فِي الصَّحَابَة ﵃ وَحدث بعدهمْ آثَار ثَلَاثَة من الِاضْطِرَاب والصراخ وَالْإِغْمَاء أَو الْمَوْت فَأنْكر بعض السّلف ذَلِك إِمَّا لبدعتهم وَإِمَّا للتصنع خَاصَّة وَجُمْهُور السّلف لَا يُنكر ذَلِك إِذا كَانَ السماع شرعا فَإِن السَّبَب إِذا لم يكن محضورا كَانَ صَاحبه مَعْذُورًا وَسَببه ضعف الْقلب وَقُوَّة الْوَارِد وَلَو لم يُؤثر لَكَانَ مذموما ملوما كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِين أُوتُوا الْكتاب من قبل فطال عَلَيْهِم الأمد فقست قُلُوبهم وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ وَلَو أثر آثارا محمودة وَلم يخرج عَن الْعقل لَكَانَ أكمل وَأما سَماع القصائد لصلاح الْقُلُوب والاجتماع على ذَلِك إِمَّا نشيدا مُجَردا وَإِمَّا مَقْرُونا بالتغيير وَنَحْوه مثل الضَّرْب بالقضيب على الْجُلُود حَتَّى يطير الْغُبَار وَمثل التصفيق وَنَحْوه فَهَذَا السماع مُحدث فِي الْإِسْلَام بعد ذهَاب الْقُرُون الثَّلَاثَة وَقد كرهه أَعْيَان الْأَئِمَّة وَلم يحضرهُ أكَابِر الْمَشَايِخ قَالَ الشَّافِعِي ﵀ خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التَّغْيِير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن وَسُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَنهُ فَقَالَ هُوَ مُحدث أكرهه قيل لَهُ إِنَّه يرقق الْقلب قَالَ لَا تجْلِس مَعَهم قيل أيهجرون فَقَالَ لَا يبلغ بهم هَذَا

стр. 575

كُله فَتبين أَنه بِدعَة وَلَو كَانَ النَّاس فِيهِ مَنْفَعَة لفعله الْقُرُون الثَّلَاثَة وَلم يحظروه مثل ابْن أدهم والفضيل ومعروف والسرى وَأبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر وَغَيرهم وَكَذَلِكَ أَعْيَان الْمَشَايِخ وَقد حَضَره جمَاعَة من الْمَشَايِخ وشرطوا لَهُ الْمَكَان والإمكان والخلان وَأكْثر الَّذين حَضَرُوهُ من الْمَشَايِخ الْمَعْرُوف بهم رجعُوا عَنهُ فِي آخر عمرهم كالجنيد فَكَانَ يَقُول من تكلّف السماع فتن وَمن صادفه استراح فقد ذمّ من يجمع لَهُ وَرخّص لمن لَا يَقْصِدهُ بل صادقه وَسبب ذَلِك أَنه فِي شعر يُحَرك حب الرَّحْمَن والمردان والنسوان والصلبان والإخوان والأوطان فقد يكون فِيهِ مَنْفَعَة إِذا حرك السَّاكِن وكما مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله لَكِن فِيهِ مضرَّة راجحة على منفعَته كَالْخمرِ وَالْميسر فَإِن ﴿فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فَلهَذَا لم تأت بِهِ الشَّرِيعَة فَإِنَّهَا لم تأت إِلَّا بِالْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَة أَو الراجحة أما مَا غلبت مفسدته فَلَا تَأتي بِهِ شَرِيعَة من الله وَكَذَلِكَ فانه يهيج الوجد الْمُشْتَرك فيثير من النَّفس كوامن تضره آثارها وتعدى النَّفس وتتعبها بِهِ فيعتاض بِهِ عَن سَماع الْقُرْآن حَتَّى لَا يبْقى فِيهَا محبَّة لسَمَاع الْقُرْآن وَلَا التذاذ بِهِ بل يبْقى فِي النَّفس بغض لذَلِك كمن شغل نَفسه بتَعَلُّم علم التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وعلوم أهل الْكَنَائِس واستفادة الْعلم وَالْحكمَة مِنْهُم وَأعْرض بذلك عَن كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ إِلَى أَشْيَاء أخر يطول شرحها فَلَمَّا كَانَ هَذَا السماع لَا يعْطى بِنَفسِهِ مَا يجب الله وَرَسُوله من

стр. 576

الْأَحْوَال والمعارف بل قد يصدر عَن ذَلِك وَيُعْطى عَن ذَلِك وَيُعْطى مَالا يُحِبهُ وَرَسُوله أَو مَا يبغضه لم يَأْمر الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَلَا سلف الْأمة وَلَا أَعْيَان مشايخها ونكتة ذَلِك أَن الصَّوْت يُؤثر فِي النَّفس بِحَسبِهِ فَتَارَة يفرح وَتارَة يحزن وَتارَة يغْضب وَتارَة يرضى وَإِذا قوى أسكر الرّوح فَيصير فِي لَذَّة مطربة من غير تَمْيِيز كَمَا يحصل لَهَا إِذا سكرت بالصور وللجسد إِذا سكر بِالطَّعَامِ أَو الشَّرَاب فَإِن السكر هُوَ الطَّرب الَّذِي يُورث لَذَّة بِلَا عقل فَلَا تقوم مَنْفَعَة تِلْكَ اللَّذَّة يحصل من غيبَة الْعقل الَّذِي صدته عَن ذكر الله تَعَالَى وَعَن الصَّلَاة وأورثته الْعَدَاوَة والبغضاء وَبِالْجُمْلَةِ فعلى الْمُؤمن أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ لم يتْرك شَيْئا يقرب إِلَى الْجنَّة إِلَّا وَقد حدث بِهِ وَلَا شَيْئا يبعد عَن النَّار إِلَّا وَقد حدث بِهِ وَلَو كَانَ فِي هَذَا السماع مصلحَة شَرْعِيَّة لشرعه الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ ﵎ يَقُول ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَإِذا وجد مَنْفَعَة بِقَلْبِه وَلم يجد شَاهد ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة لم يلتقت إِلَيْهِ كَمَا أَن الْفَقِيه إِذا أَرَادَ قِيَاسا لَا يشيهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَيكون بَاطِلا وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي إِنَّه ليمر بقلبي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم فَلَا أقبلها إِلَّا بشاهدي عدل الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ أَيْضا لَيْسَ لمن ألهم شَيْئا من الْخَيْر أَن يقبله حَتَّى يجد فِيهِ أثرا فَإِذا وجد فِيهِ أثرا كَانَ نورا وَقَالَ الْجُنَيْد علما هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة فَمن لم يقْرَأ الْقُرْآن ويتلقى الحَدِيث لم يصلح لَهُ أَن يتَكَلَّم فِي علمنَا وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ فالمكاء الصفير والتصدية التصفيق بِالْيَدِ فقد أخبر عَن الْمُشْركُونَ أَنهم كَانُوا يجْعَلُونَ التصفيق والتصدية والغناء لَهُم صَلَاة وَعبادَة وقربة يعتاضون بهَا عَن الصَّلَاة الَّتِي شرعها الله وَرَسُوله

стр. 577

وَأما الْمُسلمُونَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ فصلاتهم الْقُرْآن واستماعه وَالرُّكُوع واسجود وَذكر الله تَعَالَى ودعاؤه وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُحِبهُ الله فَمن اتخذ الْغناء والتصفيق عبَادَة فقد شابه الْمُشْركين فَإِن فعله فِي بيُوت الله فقد شابههم أَكثر وَأكْثر واشتغل بِهِ عَن الصَّلَاة وَالْقُرْآن فقد عظمت المشابهة لَهُم وَصَارَ لَهُ كفل عَظِيم من الذَّم الَّذِي دلّت عَلَيْهِ آيَات الْقُرْآن لَكِن قد يغْفر لَهُم بحسنات أَو اجْتِهَاد أَو غير ذَلِك مِمَّا يفْتَرق فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر لَكِن مُفَارقَته للْمُشْرِكين فِي غير هَذَا لَا يمْنَع أَن يكون ملوما خَارِجا عَن الشَّرِيعَة دَاخِلا فِي الْبِدْعَة الَّتِي ضاهأ بهَا الْمُشْركين فَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يتفطن لهَذَا وَيفرق بَين سَماع الْمُسلمين الَّذين أَمر الله بِهِ وَسَمَاع الْمُشْركين الَّذِي نهى عَنهُ وَيعلم أَن هَذَا السماع الْمُحدث من جنس سَماع الْمُشْركين وَمَعَ ذَلِك فقد شرطُوا لَهُ شُرُوطًا لَا تكَاد تُوجد فِي سَماع فعامة هَذِه السماعات خَارِجَة عَن إِجْمَاع الْمَشَايِخ وَلَيْسَ للْعَالمين شَرِيعَة سوى الَّتِي جَاءَ بهَا مُحَمَّد ﷺ فَخير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد وَقد تزندق بعض الْكَذَّابين وروى أَنه أَعْرَابِيًا أنْشد النَّبِي ﷺ قد لسعت حَيَّة الْهوى كبدى فَلَا طيب لَهَا وَلَا راقى ... إِلَّا الحبيب الَّذِي شغفت بِهِ فَعنده رقيتي وترياقي وَأَنه تواجد حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه وَقَالَ النَّبِي لَيْسَ بكريم من لم يتواجد عِنْد ذكره محبوبه وَهَذَا كذب بِإِجْمَاع العارفين بسيرة رَسُول الله ﷺ وبسنته وأحواله كَمَا كذب بَعضهم وَادّعى أَن أهل الصّفة قَاتلُوا الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَهَذَا كُله قد افتراه من خرج عَن أَمر الله وَرَسُوله ونفقت على طوائف من الْجَاهِلين وَأما الرَّفْض فَلم يَأْمر الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَلَا أحد من الْأَئِمَّة بل قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا﴾ والرقص نوع من ذَلِك

стр. 578

وَلَيْسَ لأحد أَن يتعاطى مَا يكره ويخرجه عَن عقله فَمن كَانَ صَادِقا فِي هَذِه الْأَحْوَال فَهُوَ مُبْتَدع ضال من جنس خفر الْعَدو وَأَعْوَان الظلمَة وَمن كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ مُنَافِق ضال وَقَالَ الْجُنَيْد من وقر صَاحب بِدعَة فقد أعَان على هدم الْإِسْلَام وَمن انتهر صَاحب بِدعَة مَلأ الله قلبه إِيمَانًا وَإِذا كَانَ غير مَشْرُوع وَلَا مَأْمُور بِهِ فالتعبد بِهِ واستفتاح بَاب الرَّحْمَة بِهِ هُوَ من جنس عبَادَة الرهبان لَيْسَ من عبَادَة أهل الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فصل وَأما دَعَا غير الله والاستعانة بِغَيْرِهِ فَلَا يجوز وَإِن جَازَ أَن يتوسل برَسُول الله ﷺ أَي فِي حَال حَيَاته لَا بعد مَوته وَلِهَذَا لم يرد عَن السّلف أَنهم توسلوا بِعْ مَوته مثلأن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوسل إِلَيْك بنبيك نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد يَا رَسُول الله إِنِّي أتوسل بك إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتي ليقضيها لي اللَّهُمَّ شفعه فِي على حَدِيث الْأَعْمَى لَو صَحَّ وَلَا يجوز أَن يَقُول يَا رَسُول الله اغْفِر لي وَلَا يَا رَسُول الله ارْحَمْنِي وَلَا تب على وَلَا أَعنِي وَلَا أنصرني وَلَا أَغِثْنِي وَلَا افْتَحْ عَيْني من الْعَمى لَأبْصر بهما وَلَا يدعى إِلَّا الله وَحده وَلَا يعبد إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ وَلَا يجوز أَن يدعى أحد من الْمَلَائِكَة وَلَا النَّبِيين فَكيف بالمشايخ وَلَكِن حق الرَّسُول ﷺ أَن نؤمن بِهِ ونعزره ونوقره ونتبعه وَيكون أحب إِلَيْنَا من أَنْفُسنَا وأهلنا وَأَمْوَالنَا وَأَوْلَادنَا وولاة الْأُمُور من الْعلمَاء والمشايخ والملوك والأمراء لَهُم حُقُوق كل بحسبة فِيمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأما الْعِبَادَة والاستعانة وتوابعها فَللَّه ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَلَا يجوز لأحد أَن يحلف بحياة أَبِيه أَو نَفسه أَو شَيْخه أَو تربته أَو بِرَأْسِهِ أَو رَأس فلَان

стр. 579

وَلَا بِنِعْمَة السُّلْطَان وَلَا بِالسَّيْفِ وَلَا بِغَيْر الله وَالله يوفقنا وَسَائِر إِخْوَاننَا إِلَى مَا يُحِبهُ ويرضاه فصل وَلَيْسَ لجبل لبنان وَأَمْثَاله فضل وَلَا ورد نَص فِي ذَلِك عَن الله وَلَا عَن رَسُوله بل هُوَ كَغَيْرِهِ من الْجبَال الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى وَأما مَا يذكر فِي بعض الحكايات من الاجتماعات بِبَعْض الْعباد فِي جبل لبنان وجبل اللكام وَنَحْوه وَمَا يُؤثر عَن بعض من حميد الْمقَال فَلِأَن هَذِه الْأَمْكِنَة كَانَت ثغورا يرابط بهَا الْمُسلمُونَ فِي جِهَاد الْعَدو فَكَانَت غَزَّة وعسقلان وعكا وبيروت وجبل لبنان وطرابلس ومصيصة وسيس وطرطوس وأدنة وجبل اللكان وملطية وآمد إِلَى قزوين إِلَى الشاش وَنَحْو ذَلِك من الْبِلَاد كَانَت ثغورا كَمَا كَانَت الأسكندرية وعبادان وَكَانَ الصالحون يأْتونَ الثغور لأجل الْجِهَاد والمرابطة فِي سَبِيل الله تَعَالَى فَإِن المرابطة فِي سَبِيل الله تَعَالَى أفضل من الْإِقَامَة بِمَكَّة وَالْمَدينَة مَا ألم فِي ذَلِك خلافًا فَكَانَ صَالحُوا الْمُؤمنِينَ من السّلف يرابطون فِي هَذِه الْأَمَاكِن كالأوزاعي وَإِسْحَاق القزارى ومخلد بن الْحُسَيْن وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَعبد الله ابْن الْمُبَارك وَحُذَيْفَة المرعش ويوسف بن أَسْبَاط وَغَيرهم وَأحمد بن حَنْبَل وسرى السقطى وَغَيرهمَا كَانَا يقصدان طرسوس فعامة مَا يذكر فِي فضل هَذِه الْأَمَاكِن من كَلَام الْمُتَقَدِّمين هُوَ الْأَجَل كَونهَا كَانَت ثغورا لَا لخاصية فِي ذَلِك الْمَكَان وَكَون الْبقْعَة ثغرا وَغير ثغر هُوَ من الصِّفَات الْعَارِضَة لَهَا لَا اللَّازِمَة بِمَنْزِلَة دَار إِسْلَام أَو دَار كفر وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف سكانها وصفاتهم بِخِلَاف الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة فَإِن حرمتهَا صفة لَازِمَة لَهَا لَا يُمكن إخْرَاجهَا عَنْهَا وَأما سَائِر الْمَسَاجِد فَفِيهَا للْعُلَمَاء نزاع فِي جَوَاز تغييرها

стр. 580

للْمصْلحَة وَجعلهَا غير مَسْجِد كَمَا فعل عمر بن الْخطاب بِمَسْجِد الْكُوفَة لما بدله وَجعله حوانيت للتمارين وَهَذَا مَذْهَب إِمَام الْأَئِمَّة أَحْمد وَغَيره وَكَانَ قد فتح الْمُسلمُونَ قبرص فتحهَا مُعَاوِيَة فِي خلَافَة عُثْمَان فَكَانَت هَذِه الْأَمَاكِن من السواحل الشامية ثغورا ثمَّ فِي أثْنَاء الْمِائَة الرَّابِعَة حِين تغلب الرافضة والمنافقون على الْخلَافَة وَصَارَ لَهُم دولة بِمصْر وَالشَّام تغلبت النَّصَارَى على عَامَّة السواحل وَأكْثر بِلَاد الشَّام وقهروا الروافض وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيرهم إِلَى أَن يسر الله لَهُم بِولَايَة مُلُوك السّنة مثل نور الدّين وَصَلَاح الدّين فاستنفذوا عَامَّة الشَّام من النَّصَارَى وَبقيت بقايا الروافض وَالْمُنَافِقِينَ فِي جبل لبنان وَغَيره وَلَيْسَ لَهُ فَضِيلَة وَلَا يشرع السّفر اليه سفر قربَة بل وَلَا يجوز الْمقَام بَين النَّصَارَى وَالرَّوَافِض إِذا منعُوا الْمُسلم عَن إِظْهَار دينه وَقد صَار طَائِفَة من الَّذين يؤثرون الْخلْوَة يحبونَ هَذِه الْأَمَاكِن ويظنون أَن فضيلتها لأجل مَا فِيهَا من الْخلْوَة ويقصدونها لأجل ذَلِك وَهَذَا غلط وَخطأ فَإِن سُكْنى الْجبَال والغيران والبوادي غير مَشْرُوطَة للْمُسلمين إِلَّا عِنْد الْفِتْنَة تكون فِي الْأَمْصَار أَو غَيرهَا من الْأَمَاكِن الَّتِي تخرج الرجل لي ترك دينه فيهاجر الْمُسلم من أَرض يعجز فِيهَا عَن إِقَامَة دينه إِلَى أَرض يُمكنهُ فِيهَا إِقَامَة دينه وَرُبمَا كَانَ فِي جبل لبنان فِي بعض الْأَوْقَات من الزهاد والنساك من هُوَ إِمَّا ظَالِم لنَفسِهِ وَإِمَّا مقتصد مخطىء مغْفُور لَهُ وَأما السَّابِقُونَ فهم لذين يَتَقَرَّبُون بالنوافل بعد الْفَرَائِض على هدى رَسُول الله ﷺ فِي أَي بقْعَة كَانُوا وَلَا خلاف أَن جنس فضل سَاكِني الْجبَال والبوادي كفضيلة الْقَرَوِي على البدوي وَالْمُهَاجِر على الْأَعرَابِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله﴾ وَفِي الحَدِيث إِن من الْكَبَائِر أَن يرْتَد الرجل أَعْرَابِيًا بعد الْهِجْرَة هَذَا فِيمَن هـ وَسَاكن فِي الْبَادِيَة بَين الْجَمَاعَة فَكيف بالمقيم وَحده دَائِما فِي جبل أَو بادية فَإِنَّهُ يفوتهُ من مصَالح دينه نَظِير

стр. 581

مَا يفوتهُ من مصَالح الدُّنْيَا أَو قَرِيبا مِنْهَا فَإِن يَد الله على الْجَمَاعَة والشيطان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الاثنيين أبعد وَأما اعْتِقَاد بعض الْجُهَّال أَن فِيهِ الْأَرْبَعين الأبدال فَهَذَا جهل وضلال مَا اجْتمع فِيهِ فِيهِ الأبدال الْأَرْبَعُونَ قطّ وَلَا هُوَ مَشْرُوع لَهُم وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك بل وَلَيْسَ هُنَاكَ أبدال على مَا يتوهمون وَهُوَ نَظِير اعْتِقَاد الرافضة فِي الإِمَام الْمَعْصُوم صَاحب الزَّمَان الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّه غَائِب عَن الْأَبْصَار فِي سرداب سامرا ويعظمون قدره ويستفتونه فِي مسائلهم الدِّينِيَّة والدنيوية على يَد السَّدَنَة القائمين مِنْهُم عِنْد السرداب ويرجون بركته وَهُوَ مَعْدُوم لَا حَقِيقَة لَهُ فَكل من علق دينه بالمجهولات فَهُوَ من أهل الضلال وَكَذَلِكَ قَول بعض الْجُهَّال إِن بِهِ أَو بِغَيْرِهِ رجال الْغَيْب فقد ضلوا وأضلوا بِهِ كثيرا من الأتراك والجهال وأكلوا أَمْوَالهم بِالْبَاطِلِ وَلم يكن من أَوْلِيَاء الله من هُوَ غَائِب الْجَسَد عَن أنظار النَّاس وَلَكِن يغيب كثير مِنْهُم عَن النَّاس حَقِيقَة قلبه وَمَا فِي نَفسه من ولَايَة فَيكون بَين عَامَّة النَّاس من وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله ولاي علم أحد مِنْهُم حَاله كَمَا قَالَ ﷺ رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين مَدْفُوع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره وَلَيْسَ ذَلِك محصورا فِي رثاثة الْحَال وَلَا قذارة الثِّيَاب بل الْولَايَة فِي كل مُؤمن تَقِيّ كَمَا قَالَ ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وَكَذَلِكَ خبر الرجل الَّذِي ينْبت الشّعْر على جَمِيع بدنه كالمعز بَاطِل مَحل نعم قد يكون فِي الضلال من الزهاد من يتْرك الْحلق السّنة والسنين فينبت الشّعْر وَيكثر على جسده كصوفية الْهِنْد الوثنيين فَيَنْبَغِي أَن يُؤمر بِمَا أَمر الله وَرَسُوله من إحفاء الشَّوَارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة فَإِن ظن أَن هَدِيَّة أفضل من هدى مُحَمَّد ﷺ فَهُوَ كَافِر وَالْمَقْصُود أَن الاعتناء بِهَذَا الْجَبَل هُوَ من الجهالات والضلالات وَكَذَلِكَ التَّبَرُّك بِمَا تحمل أشجاره من الثَّمر وَهُوَ من الْبدع والعقائد الْجَاهِلِيَّة المضاهئة

стр. 582

لجهالات الوثنيين الْمُشْركين وَمَا اخترعه وروحه ضلال الصُّوفِيَّة الَّذين أتخذوا هَذَا الْجَبَل مقرا لَهُم لأغراض شيطانية الله أعلم بهَا فصل وكرامات الْأَوْلِيَاء حق بِاتِّفَاق أَئِمَّة أهل الْإِسْلَام وَالسّنة وَالْجَمَاعَة وَقد دلّ عَلَيْهَا الْقُرْآن فِي غير مَوضِع وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والْآثَار المتواترة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم وَإِنَّمَا أنكرها أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة والجهمية وَمن تَابعهمْ لَكِن كثيرا مِمَّن يدعيها أَو تدعى لَهُ يكون كَذَا أَو ملبوسا عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تدل على عصمَة صَاحبهَا وَلَا على وجوب اتِّبَاعه فِي كل مَا يَقُوله بل قد تصدر بعض الخوارق من الْكَشْف وَغَيره من الْكفَّار والسحرة بمؤاخاتهم للشياطين كَمَا ثَبت عَن الدَّجَّال أَنه يَقُول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وَأَنه يقتل وَاحِدًا ثمَّ يحيه وَأَنه يخرج خَلفه كنوز الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلِهَذَا أتفق أَئِمَّة الدّين على أَن الرجل لَو طَار فِي الْهَوَاء وَمَشى على المَاء لم يثبت لَهُ ولَايَة بل وَلَا إِسْلَام حَتَّى ينظر وُقُوفه عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله ﷺ ومسابقة الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ إِن كَانَ فِيهَا مَنْفَعَة للْجِهَاد وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِل وَمَا روى حَدِيثا اتَّخذُوا مَعَ الْفُقَرَاء أيادي فَإِن لَهُم دولة وَأي دولة حَدِيث بَاطِل والدولة فِي الْآخِرَة للْمُؤْمِنين سَوَاء كَانُوا فُقَرَاء أَو أَغْنِيَاء وَمن أحسن إِلَى الْفَقِير لفقره فَالله يأجره على ذَلِك وَمن أحسن إِلَيْهِم لطلب الْجَزَاء مِنْهُم كَمَا يُوجد البدء بالاحسان من الشَّخْص ليكافئه عَلَيْهِ الْفَقِير فَلَا أجر لَهُ عِنْد الله وَأما مَا رُوِيَ إِنَّه مَكْتُوب على كل فرج ناكحة فَلَيْسَ صَحِيحا أَيْضا وَلَيْسَ هُوَ من جنس كَلَام النَّبِي ﷺ لَكِن لَا ريب أَن الله تَعَالَى

стр. 583

كتب كل مَا يفعل الْعباد قبل أَن يفعلوه فَذَلِك عِنْده وَقد ثَبت أَن الله يَأْمر الْملك فَيكْتب على العَبْد كل مَا يَفْعَله قبل ان ينْفخ فِيهِ الرّوح كتاب الشَّهَادَات إِذا مَاتَ الشَّاهِد فَهَل يحكم بحظه فِيهِ نزاع فمذهب مَالك يحكم بِهِ الشَّاهِد مِمَّن يرضى من الشُّهَدَاء وَإِن كَانَ الشَّاهِد فِي الرَّضَاع عدلا قبل قَوْله وَفِي تَحْلِيفه نزاع وَيجوز للشَّافِعِيّ أَن يشْهد عِنْد حَاكم مالكي أَن هَذَا خطّ فلَان إِذا جزم بِهِ من غير شكّ مُتبعا لمن يُجِيز ذَلِك من الْأَئِمَّة فِي مَسْأَلَة يتَوَجَّه فِيهَا قَول الَّذِي قَلّدهُ وَلم يكن مُتبعا للرخصة فَهَذَا سَائِغ فِي الْمَشْهُور من مَذَاهِب الْأَرْبَعَة إِذْ لَا يجب على أحد أَن يلْتَزم مَذْهَب شخص بِعَيْنِه فِي جَمِيع الشَّرِيعَة فِي ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره وَلَكِن مَتى ألزم نَفسه الْتِزَامه فَلَا بُد أَن يلتزمه فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ مثل أَن يتَرَجَّح عِنْده إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار فَيتبع ذَلِك لَهُ وَعَلِيهِ فإمَّا أَن يقلده من يرى إِثْبَاتهَا إِذا كَانَ هُوَ الطَّالِب وَإِذا كَانَ هُوَ الْمَطْلُوب يُقَلّد من ينفيها فَهَذَا لاي يجوز أَن يشْهد على الرجل إِذا عرف صورته مَعَ إِمْكَان الإشتباه وَتَنَازَعُوا فِي الشَّهَادَة على الصَّوْت من غير رُؤْيَة الْمَشْهُود عَلَيْهِ فجوزه الْجُمْهُور كمالك وَأحمد وَجوزهُ الشَّافِعِي فِي صُورَة المضبطة فالشهادة على الْخط دون ذَلِك لِأَنَّهُ أقوى

стр. 584

وَمَا يخرج بِهِ الشَّاهِد وَغَيره مِمَّا يقْدَح فِي عَدَالَته وَدينه فَإِنَّهُ يشْهد بِهِ عَلَيْهِ إِذا علمه الشَّاهِد بالاستفاضة وَيكون ذَلِك قدحا شَرْعِيًّا فِيهِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يجرح بِمَا سَمعه مِنْهُ زو رَآهُ أَو استفاض عَنهُ وَمَا أعلم فِي هَذَا نزاعا بَين النَّاس فَإِن الْمُسلمين يشْهدُونَ فِي وقتنا فِي مثل عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وأمثالهما بِالْعَدَالَةِ وَالدّين وَلَا يعلمُونَ ذَلِك إِلَّا بالاستفاضة وَيشْهدُونَ فِي مثل الْحجَّاج بن يُوسُف وَالْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ وَعَمْرو بن عبيد المعتزلي وغيلان القدري أَنهم من أهل الْبدع وَالظُّلم وَذَلِكَ بالاستفاضة أَيْضا هَذَا إِذا كَانَ فِيهِ رد شَهَادَته أما إِذا الْمَقْصُود اتقاء شَره فَيجوز ويتقى بِمَا هُوَ دون ذَلِك كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ اعتبروا النَّاس بإخوانهم وَبلغ عمر أَن رجلا يجْتَمع إِلَيْهِ الْأَحْدَاث فَنهى عَن مُجَالَسَته فَإِذا كَانَ الرجل مخالطا فِي الشَّرّ لأهل الشَّرّ يحذر مِنْهُ والداعي إِلَى الْبِدْعَة يسْتَحق الْعقُوبَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وعقوبته تكون تَارَة بِالْقَتْلِ وَتارَة بِمَا دونه كَمَا قتل السّلف الجهم بن صَفْوَان والجعد بن دِرْهَم وغيلان وَغَيرهم وَلَو قدر أَنه لَا يسْتَحق الْعقُوبَة أَو لَا تمكن عُقُوبَته فَلَا بُد من بَيَان بدعته والتحذير مِنْهَا لِأَن من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والبدعة مَا اشْتهر عِنْد أهل السّنة مخالفتها للْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كبدعة الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة قَالَ ابْن الْمُبَارك ويوسف بن أَسْبَاط أصُول الثِّنْتَيْنِ وَالسبْعين فرقة أَرْبَعَة الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية والمرجئة قيل لِابْنِ الْمُبَارك والجهمية قَالَ لَيست الْجَهْمِية من أمة مُحَمَّد ﷺ والجهمية قبحهم الله تَعَالَى نفاة الصِّفَات الْقَائِلُونَ بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَأَن الله تَعَالَى لَا يرى فِي الْآخِرَة وَأَنه لم يعرج بِمُحَمد ﷺ وَلَا علم الله وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا سمع أَو بصر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا

стр. 585

وَلَا يجب عِنْد أحد من الْعلمَاء أَن يكْتب فِي الوثائق أَنه قَادر مَلِيء وَلَا يجوز أَن يكْتب ذَلِك إِلَّا إِذا علم أَنه مقرّ بِهِ وَلَا يجوز تلقين الْإِقْرَار لمن لَا يعلم أَنه صَادِق فِيهِ وَلَا الشَّهَادَة عَلَيْهِ إِلَّا إِذا علم أَنه كَاذِب فِي ذَلِك كالعقود الْمُحرمَة فَإِن النَّبِي ﷺ لعن آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه وَمن أقرّ بِمثل هَذَا الْكَذِب وَشهد على الْإِقْرَار بِهِ أَو لقنه أَن يَقُول إِنَّه مَلِيء بِالْحَقِّ وَهُوَ غير مَلِيء بِهِ بل لقنه ذَلِك مَعَ علمه عاقبه ذَلِك من غضب الله فَهُوَ مُتبع هَوَاهُ ويجل على من طلبت مِنْهُ الشَّهَادَة أَدَاؤُهَا بل إِذا امْتنع الْجَمَاعَة من الشَّهَادَة أَتموا كلهم بِاتِّفَاق الْعلمَاء وقدح ذَلِك فِي دينهم وعدالتهم وَإِذا شهد أَن الْعين كَانَت على ملكه حِين خرجت من يَده بِغَيْر حق حكم لَهُ بهَا وَأما إِن شهد أَنَّهَا كَانَت ملكه فَقَط فَهَل يحكم لَهُ بذلك على وَجْهَيْن فِي مَذْهَب أَحْمد وقولين للشَّافِعِيّ وَإِن شهد بِسَبَب الْملك وظهوره مثل أَن يشْهد أَنه ابتاعه أَو وَرثهُ أَو حكم لَهُ بِهِ الْحَاكِم الْفُلَانِيّ فَإِن الْحَاكِم هُنَا يحكم باستصحاب الْحَال إِذا لم يثبت معَارض رَاجِح وَالشَّاهِد لَا يشْهد بِنَاء على اسْتِصْحَاب الْحَال وَلَا أعلم فِي الأولى خلافًا أَن الْحَاكِم يحكم باستصحاب الْحَال بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأما صُورَة الْخلاف فَإِن البنية لما شهِدت بِالْملكِ فِي الْمَاضِي وسكتت عَنهُ فِي الْحَال كَانَ هَذَا ريبه تجوز أَن الْبَيِّنَة علمت بالزوال وسكتت عَن ذَلِك وَأما إِذا شهِدت بِسَبَب ذَلِك لم يكن فِيهِ رِيبَة وَالْأَصْل بَقَاء الْملك وَإِذا شهِدت أَنه لم يزل ملكه إِلَى أَن غصبت مِنْهُ أَو استعيرت أَو زَالَت يَده عَنهُ بِغَيْر حق كَمَا لَو شهِدت لَهُ أَنه لم يزل ملكه عَنهُ إِلَى أَن مَاتَ فَإِنَّهُ يحكم بِهِ للْوَرَثَة حَتَّى تقوم حجَّة بِمَا يُخَالف ذَلِك وَكَذَلِكَ هُنَاكَ يحكم للَّذي كَانَ جَائِزا إِلَى حِين زَوَال حوزه كزوال الْملك وَلَا أعلم فِي هَذَا خلافًا وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون فِيهِ خلاف فَإِن الْغَاصِب وَالْمُسْتَعِير وَغَيرهمَا إِذا جَحَدُوا ملك غَيرهم فَشَهِدت الْبَيِّنَة أَنه لم يزل ملكه

стр. 586

إِلَى حِين الْغَصْب مثلا احتاجوا إِلَى إِثْبَات الِانْتِقَال إِلَيْهِم وَإِلَّا فَالْأَصْل بَقَاء الْملك وَقد علم أَن زَوَال الْيَد بالعدوان فَلَا يقبل أَن الْيَد يَده إِذا عرف من مستندها مَا يصلح مُسْتَندا لَهُ من زَوَال الْيَد المحققة والانتقال إِلَى يَد عَادِية إِمَّا هَذِه الْبَيِّنَة أَو غَيرهَا فَلَا يُكَلف رب الْبَيِّنَة بَقَاء الْملك إِلَى حِين الدَّعْوَى لتعذر ذَلِك أَو لعسره وَفِيه مَعُونَة عَظِيمَة لكل ظَالِم من سرق وناهب يُوضح ذَلِك أَن الْحَاكِم يحكم باستصحاب الْيَد وبغيرها من الطّرق الَّتِي تفِيد غَالب الطن وَالشَّاهِد لَا يشْهد إِلَّا بِالْعلمِ لِأَن الْحَاكِم لَا بُد من فصل الْحُكُومَة فيفصلها لأقوى الجانبيين حجَّة وَإِذا حضر الْمَوْت وَلَيْسَ عِنْده مُسلم فَلهُ أَن يشْهد من حَضَره من أهل الذِّمَّة فِي الْوَصِيَّة ويحلفوا إِذا شهدُوا وَهَذَا قَول جُمْهُور السّلف وَهُوَ قَول إِمَام الْأَئِمَّة أَحْمد وَأبي عبيد وَعَلِيهِ يدل الْقُرْآن وَالسّنة وَهَذَا مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن الشَّهَادَة عِنْد الْحَاجة يجوز فِيهَا مثل شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال وَشَهَادَة الْفَاسِق مَرْدُودَة بِنَصّ الْقُرْآن وانفاق الْمُسلمين وَقد يُجِيز بَعضهم الأمثل فالأمثل من الْفُسَّاق عِنْد الضَّرُورَة إِذا لم يُوجد عدُول وَنَحْو ذَلِك وَأما قبُول شَهَادَة الْفَاسِق فَهَذِهِ لم يقلهُ أحد من الْمُسلمين وَإِذا شهد رجل فِي شَيْء أَنه ملك فلَان إِلَى حِين بَيْعه وَحكم بِشَهَادَتِهِ ثمَّ شهد بعد ذَلِك فِي كتاب إِقْرَار على وَالِد البَائِع بتاريخ مُتَقَدم على تَارِيخ البيع أَنه وقف الْمَكَان الْمَذْكُور وَأَن الْوَاقِف لم يزل ملكه عَن الْعين إِلَى حِين وَقفهَا فَأجَاب بِأَن رُجُوع الشَّاهِد عَن شَهَادَته بعد الحكم بهَا لَا تقبل وَإِنَّمَا يضمن وشهادته الثَّانِيَة المنافية للأولى أبلغ من الرُّجُوع فَهُوَ أولى فَتقبل وَيجب على الشَّاهِد أَدَاء الشَّهَادَة إِذا طلبت مِنْهُ

стр. 587

وَلَو كَانَ اشهود أَكثر من نِصَاب الشَّهَادَة وَطلب أحدهم وَجب عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي أصح قولي الْعلمَاء وَأما إِذا كَانَ الْمَطْلُوب لَا يتم النّصاب إِلَّا بِهِ فقد تعيّنت عَلَيْهِ إِجْمَاعًا إِلَّا أَن تكون الشَّهَادَة يجوز أَو كذب وَنَحْوه فَلَا يجوز أَن يعان الظَّالِم على ذَلِك لَا بِشَهَادَة وَلَا غَيرهَا وَمن قصد خُرُوج الرّيح مِنْهُ ليضحك الْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يُعَزّر على ذَلِك وَترد شَهَادَته فقد ذكر الْعلمَاء أَن هَذَا من عمل قوم لوط وَمن لَا يستحي من النَّاس لَا يستحي من الله وَقد قَالَ طَائِفَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر﴾ أَنهم كَانُوا يتضارطون فِي مجَالِسهمْ وينصبون مزالق يزلق بهَا الْمَارَّة وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم فصل إِن الَّذِي يحدث ليضحك النَّاس ويل لَهُ ثمَّ ويل لَهُ والمصر على ذَلِك فَاسق مسلوب الْولَايَة مَرْدُود الشَّهَادَة وَمَا كَانَ مُبَاحا فِي غير حَال الْقِرَاءَة مثل المزاح الَّذِي جَاءَت بِهِ الْآثَار وَهُوَ أَن يمزح وَلَا يَقُول إِلَّا صدقا لَا يكون فِي مزاحه كذب وَلَا عدوان فَهَذَا لَا يفعل فِي حَال قِرَاءَة الْقُرْآن بل ينزه عَنهُ مجْلِس الْقُرْآن فَلَيْسَ كل مَا يُبَاح فِي حَال غير الْقِرَاءَة يُبَاح فِيهَا كَمَا أَنه لَيْسَ كل مَا يُبَاح خَارج الصَّلَاة يُبَاح فِيهَا لَا سِيمَا مَا يشغل القارىء والمستمع عَن التدبر والفهم مثل كَونه يخايل ويضحك فَكيف واللغو والضحك حَال الْقِرَاءَة من أَعمال الْمُشْركين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا علم من آيَاتنَا شَيْئا اتخذها هزوا﴾ وَقَالَ ﴿أَفَمَن هَذَا الحَدِيث تعْجبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُم سامدون﴾ وَوصف الْمُؤمنِينَ بِأَنَّهُم يَبْكُونَ ويخشعون حَال الْقِرَاءَة

стр. 588

فَمن كَانَ يضْحك حَال الْقِرَاءَة فقد تشبه بالمشركين لَا بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ لمن أنكر عَلَيْهِ ذَلِك للَّذي أنكر أَنْت مراء بل عَلَيْهِ أَن يُطِيع الله وَرَسُوله وَلَا يكون مِمَّن إِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم وَكسب المغنى خَبِيث بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة والمغنى خَارج عَن الْعَدَالَة وَمن عرفت أَنَّهَا زَوْجَة فلَان وَأَنه تزَوجهَا وَلم يسم لَهَا صَدَاقا فَمَاتَ فلهَا الْمُطَالبَة بِمهْر الْمثل وَلَو لم يكن لَهَا بَيِّنَة بِمِقْدَار الصَدَاق وَعَلَيْهَا الْيَمين أَنَّهَا لم تبرئه وَلم تقبض صَدَاقهَا وَإِذا رجل وخلي وظيفته شاغرة فتولاها أحد ولَايَة شَرْعِيَّة ثمَّ عَاد الأول بعد مُدَّة فَلَيْسَ لَهُ أَن ينازعه وَإِذا ذكر أَن ولي الْأَمر أذن لَهُ أَن يَسْتَنِيب فَإِنَّهُ إِن كَانَ جَائِزا فَهُوَ لم يَفْعَله وَإِن لم يكن جَائِزا لم يَنْفَعهُ وَإِذا أصر على منازعته مَعَ علمه بِالتَّحْرِيمِ قدح فِي عَدَالَته كتاب الدعاوي والبينات من ادّعى أَن بعض الْحُكَّام أَخذ مِنْهُ شَيْئا وَكَانَ الرجل مَعْرُوفا بِالصّدقِ فَلهُ على الْحَاكِم الْيَمين وَإِن كَانَ غَيره من الصَّادِقين وَقد قَالَ مثل قَوْله لم ترد أَخْبَار الصَّادِقين بل يَنْبَغِي عزل الْحَاكِم وَإِن كَانَ الْحَاكِم مَعْرُوفا بالأمانة الرجل فَاجِرًا لم يلْتَفت إِلَى قَوْله وعزر وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا مُتَّهمًا فَلهُ تَحْلِيفه وَلَا يُعَزّر وَإِذا ادَّعَت جَارِيَة أَن فلَانا زوج سيدتها وَطئهَا فَالْقَوْل قَوْله وَهل يحلف فِيهِ نزاع وَلَا يحل أَن يجْحَد أَنه وَطئهَا إِن كَانَت صَادِقَة وَالْولد رَقِيق تبعا لأه إِن لم يقر بِوَطْئِهَا وَإِذا نكل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْيَمين ردَّتْ على الْمُدَّعِي وَقيل لَا ترد بل

стр. 589

يحكم عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَقيل إِن كَانَ الْمُدعى هُوَ الْعَالم بالمدعى بِهِ مثل أَن يدعى الْوَرَثَة أَو الْوَصِيّ على غَرِيم للْمَيت دَعْوَى فينكرها فَهُنَا لَا يخلف الْمُدعى بل إِذا نكل الْمُنكر قضى عَلَيْهِ لقَوْله ﷺ لَا تضطروا النَّاس فِي أَيْمَانهم إِلَى مَالا يعلمُونَ وَإِن كَانَ الْمُدعى هُوَ الْعَالم مثل أَن يدعى على وَرَثَة الْمَيِّت حَقًا عَلَيْهِ يتَعَلَّق بِتركَتِهِ فَهُنَا لَهُم رد رد الْيَمين عَلَيْهِ فَإِذا لم يحلف لم يَأْخُذ وَأما إِذا كَانَ الْمُدعى يدعى الْعلم وَالْمُنكر يدعى الْعلم فَهُنَا يتَوَجَّه الْقَوْلَانِ وَإِذا مَاتَ الرجل وَقد قَالَ لأولاده إِنَّه طلق امْرَأَته من مُدَّة وَاتَّفَقُوا مَعَ بعض الشُّهُود من أَصْحَاب الْمَيِّت فَشَهِدُوا بذلك وهم من أَصْحَابه المباطنين لَهُ وَكَانَت الْمَرْأَة مُقِيمَة مَعَه إِلَى أَن توفى يَخْلُو بهَا وهم يعلمُونَ ذَلِك فِي الْعَادة فَإِن شَهَادَتهم مَرْدُودَة لِأَن إقرارهم لَهُ على خلوتها بعد الطَّلَاق يجرح عدالتهم وَإِذا حبست زَوجهَا على حق فَلهُ عَلَيْهَا مَا كَانَ يجب قبل الْحَبْس من إسكانها حَيْثُ شَاءَ ومنعها الْخُرُوج فَإِذا أمكن حَبسه فِي مَكَان تكون هِيَ عِنْده تَمنعهُ من الْخُرُوج فعل ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ للْغَرِيم منع الْمَحْبُوس من حَوَائِجه إِذا احْتَاجَ بل يُخرجهُ ويلازمه مثل غسل الْجَنَابَة وَنَحْوه وَالزَّوْج لَهُ منعهَا مُطلقًا وَأَيْضًا فَإِنَّهَا قد تحبسه وَتبقى هِيَ مفلوتة تفعل الْفَوَاحِش وتقهره وتعاشر من وَتبقى هِيَ القوامة عَلَيْهِ لَا سِيمَا حَيْثُ يكثر ذَلِك فِي الْأَزْمِنَة والأمكنة وَغَايَة ذَلِك من أعظم الْمصَالح الَّتِي لَا تجوز إهمالها فَكيف يسْتَحل مُسلم أَن يحبس الرجل وَيمْنَع زَوجته من حَبسهَا مَعَه بل يَتْرُكهَا بِأَن تكون هِيَ وَهُوَ فِي مَوضِع وَاحِد فَإِن النَّبِي ﷺ أَمر الْغَرِيم بملازمة غَرِيمه ورذا طلب مِنْهَا الْجِمَاع فِي الْحَبْس لم يكن لَهَا مَنعه وَإِذا ظهر أَنه قَادر على الْوَفَاء وَامْتنع ظلما عُوقِبَ بِغَيْر الْحَبْس مثل ضربه مرّة بعد مرّة حَتَّى يُوفى لِأَن مطل الْغنى والظالم يسْتَحق الْعقُوبَة

стр. 590

وتمكين هَذَا من فضول الْأكل وَالنِّكَاح مَحل اجْتِهَاد فَإِذا رأى الْحَاكِم تعزيره بِالْمَنْعِ مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِك وَإِن لم يُمكن حَبسهَا مَعَه إِمَّا لعداوة تحصل بَينهمَا فَأمكن أَن يسكنهَا فِي مَوضِع لَا تخرج مِنْهُ مثل رِبَاط عِنْد أنَاس مأمونين فَلَا بَأْس وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا تتْرك الْمَرْأَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت بِاتِّفَاق وَلَا تقبل الدَّعْوَى بِمَا يُنَاقض إِقْرَاره إِلَّا أَن يذكر شُبْهَة تجْرِي بهَا الْعَادة وَإِذا أنكر زوجية امْرَأَته قُدَّام الْحَاكِم فَلَمَّا أَبرَأته الزَّوْجَة بعد ذَلِك اعْتِرَاف بِالزَّوْجِيَّةِ وطلق على مِائَتي دِرْهَم لم يبطل حَقّهَا بل هُوَ بَاقٍ فِي ذمَّته لَهَا أَخذه مِنْهُ والخلط كاللفظ إِذا ثَبت أَنه كَانَ عِنْده على سَبِيل الْوَدِيعَة أَو أَنه قَبْضَة أَخذ بالخط كَمَا لَو تلفظ بذلك وَله أَن يَأْخُذ مِنْهُ مَا أَخذه إِذا كَانَت الْوَدِيعَة قد تلفت بِغَيْر تَفْرِيط مَسْأَلَة إِذا كَانَت عَادَة الْعمَّال يستأجرون بالوصلات فَمَاتَ الْعمَّال فَادّعى بعض المستأجرين أَنه قبض مِنْهُ فَلَا يقبل إِلَّا بَيِّنَة أَو وُصُول فَإِذا قبض من لَهُ ولَايَة الْقَبْض لم يعد على المحتكرين بل يجب على أهل الْوَقْف وَإِذا حلف رجل مَالا بَينه وَبَين آخر فَأنْكر الْوَرَثَة حَتَّى أبرأوا وَأخذُوا مِنْهُ بعض شَيْء لم يَصح إبراؤهم لأَنهم مكرهون وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ مالكم عِنْدِي غير كَذَا فأبرأوه ثمَّ ظهر أَن لَهُم عِنْده مَا أقرّ لَهُم بِهِ فَلَا يَصح إبراؤهم من الزَّائِد الَّذِي كتمه وَلَا يجوز أَن يكذب على من كذب عَلَيْهِ وَلَا يشْهد بزور على من شهد عَلَيْهِ بزور وَلَا يكفره بباطل كَمَا كفره بِالْبَاطِلِ وَلَا يقذفه كذبا كَمَا قذفه كذبا وَلَا يفجر إِذا خاصمه كَمَا فجر هُوَ وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يغرر فِي عقد

стр. 591

عقده بَينهمَا لأجل كَونه غرر بِهِ فَلَا يخونه كَمَا خانه والشارع نهى عَن الْخِيَانَة لمن خانه وَلم يَجْعَل ذَلِك قصاصا فَلَا يَأْخُذ من مَاله بِغَيْر علمه بِقدر مَا أَخذه هُوَ وَهَذَا أصح قولي الْعلمَاء وَأما إِذا كَانَ الرجل غضب مَال الرجل مجاهرة فَغَضب من مَاله مجاهرة بِقدر مَاله فَلَيْسَ هَذَا من هَذَا الْبَاب فَإِن الأول يُؤَدِّي إِلَى التأويلات الْفَاسِدَة وَأَن يحلل لنَفسِهِ مَالا يحل لَهُ أَخذه وَهَذَا يعيرف مَا أَخذه فَلَا يَأْخُذ إِلَّا قدر حَقه أَو أَكثر وَيكون مَعْلُوما لَا يُمكن إِنْكَاره وَإِذا حملوه الجهار مَعَ الْبِنْت إِلَى بَيتهَا على الْوَجْه الْمَعْرُوف فَهُوَ تمْلِيك لَهَا فَلَا يقبل دَعْوَى أمهَا أَن الجهاز ملكهَا وَلَيْسَ للْأُم الرُّجُوع بِهِ وَلَا للْأَب أَيْضا بعد أَن تعلّقت بذلك رَغْبَة الزَّوْج وزوجت على ذَلِك وَمن ادّعى بِحَق وَخرج بقيم الْبَيِّنَة لم يجز حبس الْغَرِيم لَكِن هَل لَهُ طلب كَفِيل مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام أَو نَحْوهَا إِذا قَالَ الْمُدعى لي بَيِّنَة حَاضِرَة فِيهِ نزاع هَذَا إِذا لم تكن دَعْوَى تُهْمَة فَإِن كَانَت دَعْوَى تُهْمَة مثل أَن ادّعى أَنه سرق فَهُنَا إِن كَانَ مَجْهُول الْحَال حبس حَتَّى يكْشف عَنهُ وَأما دَعْوَى الْحُقُوق مثل البيع وَالْقَرْض وَالدّين فَلَا يحبس بِدُونِ حجَّة وَإِن ذكر نزاع فِي الْمدَّة الْقَرِيبَة كَالْيَوْمِ فَلَا نزاع فِيمَا أعلمهُ

стр. 592

كتاب الْعتْق إِذا اعْترف السَّيِّد بِوَطْء الْأمة وَقبل خُرُوجهَا من ملكه جَاءَت بِولد لمُدَّة الْإِمْكَان لحقه نسبه وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي امْرَأَة مجح على بَاب فسطاط والمجح هِيَ الْحَامِل المقرب فَقَالَ لَعَلَّ صَاحبهَا ألم بهَا قَالُوا نعم قَالَ لقد هَمَمْت أَن ألعنه لعنة تدخل مَعَه قَبره كَيفَ يورثه وَهُوَ لَا يحل لَهُ كَيفَ يستعبده وَهُوَ لَا يحل لَهُ فنص على أَنه لَا يجوز لَهُ استعباده وَلَا أَن يَجعله مِيرَاثا عَنهُ إِذا كَانَ قد سقَاهُ مَاءَهُ وَزَاد فِي سَمعه وبصره فَصَارَ فِيهِ مَا هُوَ بعض لَهُ فَهِيَ أم وَلَده من هَذِه الْوَجْه وَقد نَص على ذَلِك غير وَاحِد من الْعلمَاء مِنْهُم أَحْمد وَغَيره حَتَّى قَالَ تصير أم وَلَده وَالْإِسْلَام يسرى كالعتيق فَإِذا وَطئهَا وَهِي حَامِل عتق الْوَلَد وَحكم بِإِسْلَامِهِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعه وَلَا يثبت نسبه بِمُجَرَّد ذَلِك وَمن زنت أمته وَأَنت بِولد فَأعْتقهُ فَلهُ أجر عتق عبد كَامِل عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَذَهَبت طَائِفَة كَأبي حنيفَة وَمَالك إِلَى أَن عتقه نَاقص وَإِذا اشْترى أم ولد ثمَّ وَطئهَا فَهَل هَذَا البيع شُبْهَة فِي الْوَطْء فِيهِ نزاع والأقوى أَنه شُبْهَة فيلحقه الْوَلَد وَترد إِلَى سَيِّدهَا لِأَن عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لَا يجوز بيعهَا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة الرجل يؤم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَرجل لَا يَأْتِي الصَّلَاة إِلَّا دبارا وَرجل اعتبد محررا فالرجل الأول يؤم الْقَوْم وهم يكرهونه لفسقه أَو بدعته فَلَيْسَ لَهُ أَن يؤمهم وَلَو كَانَ بَين الإِمَام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الْأَهْوَاء والمذاهب لم يسغْ لَهُ أَن يؤمهم لِأَن فِي ذَلِك مُنَافَاة لمقصود الصَّلَاة جمَاعَة وَأما الرجل الَّذِي أُتِي الصَّلَاة دبارا فَهُوَ الَّذِي يفوتهُ الْوَقْت وَالَّذِي استعبد محررا هُوَ الَّذِي يستعيد الْحر مثل أَن يعْتَقد عبدا ويجحده أَو يَقْهَرهُ على الْعُبُودِيَّة

стр. 593

فَلَا تقبل صَلَاة هَؤُلَاءِ لأَنهم قد أَتَوا بذنب يُقَاوم فعل الصَّلَاة فَصَارَ عِقَاب هَذَا يُقَاوم ثَوَاب هَذَا لِأَن الأول أَدخل عَلَيْهِم فِي الصَّلَاة مَا يُقَاوم صلَاته وَالثَّانِي أخرج الصَّلَاة عَن وَقتهَا فَعَلَيهِ إِثْم التَّأْخِير فَدخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ وَالثَّالِث يمْنَع عبد الله أَن يَجْعَل نَفسه عبدا لله وَجعله عبدا لنَفسِهِ فَأَي ذَنْب مثل هَذَا فَلم يقبل لَهُم صَلَاة إِذا الصَّلَاة المقبولة هِيَ الَّتِي يقبلهَا الله من عَبده ويثيب عَلَيْهَا وَمن وطىء جَارِيَة امْرَأَته وَتعلق بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ عَن الْحسن عَن عَوْف عَن سَلمَة عَن أبي الْحسن عَن النَّبِي ﷺ فِي رجل وَقع على جَارِيَة امْرَأَته فَقَالَ إِن كَانَ استكرهها فَهِيَ حرَّة وَعَلِيهِ مثلهَا وَإِن كَانَت طاوعته فَهِيَ جَارِيَته وَعَلِيهِ مثلهَا هَذَا الحَدِيث فِي السّنَن وَلَيْسَ هُوَ من الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة وَبَعض النَّاس ضعفه لِأَن رُوَاته غير مشهورين بِالْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ يُخَالف الْأُصُول من جِهَة عتق الْمَوْطُوءَة وَجعلهَا للواطىء وَبَعْضهمْ رَآهُ حَدِيثا حسنا وَحكى ذَلِك عَن أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالُوا إِنَّه مُوَافق لِلْأُصُولِ لِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى إفسادها على سيدتها فَإِنَّهَا إِذا طاوعته فقد عطل عَلَيْهَا بذلك نَفعهَا واستخدامها وَإِذا أتلف مَال غَيره وَمنع مَالِكه من التَّصَرُّف فِيهِ عَادَة مثل أَن يجوع بركوب الْحَاكِم وَنَحْوه مِمَّا لَا يكون مركوبه عَادَة فَإِنَّهُ فِي مَذْهَب مَالك وَمن تبعه يصير لَهُ وَعَلِيهِ الْقيمَة لمَالِكه فوطء الْأمة من هَذَا الْبَاب وَإِذا استكرهها فَهُوَ مثل التَّمْثِيل بهَا وَمن مثل بِعَبْدِهِ عتق عَلَيْهِ عِنْد مَالك وَأحمد وَكَذَا من جعل استكراه الْمَمْلُوك على التلوط بِهِ من هَذَا الْبَاب فَإِذا وَطئهَا فقد أتلفهَا وَلَزِمتهُ الْقيمَة وَتصير لَهُ وَلأَجل أَن فِي استكراهها شُبْهَة تمثيله بهَا عتقت عَلَيْهِ وَقَوله وَعَلِيهِ مثلهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَهُوَ مَبْنِيّ على أَن الْحَيَوَان هَل يضمن

стр. 594

بِالْمثلِ أَو بِالْقيمَةِ على قَوْلَيْنِ للفقهاء الشَّافِعِيَّة والحنبلية فَهَذَا الحَدِيث جَار على هَذِه الْأُصُول وَلَا يملك السَّيِّد نقل الْملك فِي أم الْوَلَد لَا فِي حَيَاته وَلَا بعد مَوته وَلَا يجوز إِجَارَتهَا وتزويجها نزاع يجوز عِنْد أَحْمد وَأبي حنيفَة وَأحد قَول الشَّافِعِي وَالْآخر لَا يجوز التَّزْوِيج وَله قَول ثَالِث يجوز بِرِضَاهَا وَمَالك لَا يجوز إجازتها وَلَا تَزْوِيجهَا وَإِذا سَأَلَ فَقَالَ إِذا وَقفهَا فَهَل تكون الدِّيَة إِذا قتلت وَقفا فِيهِ مغالطة للمفتى لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال فَهَل يَصح وَقفهَا أم لَا وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَا يكون حكمهَا فَيَنْبَغِي أَن يُعَزّر هَذَا المستفتى تعزيرا يردعه فقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن أغلوطات الْمسَائِل وَالله تَعَالَى أعلم وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي عبد الله وَرَسُوله سيد الْأَوَّلين والآخرين وعَلى آله وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وعَلى أَصْحَابه نُجُوم الْعلم وَالدُّنْيَا الَّذين جاهدوا فِي سَبِيل الله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين فرغت من رقم هَذَا الْكتاب الْمُفِيد نَهَار الثَّامِن عشر من شَوَّال سنة ١٣٢٢ هجرية

стр. 595

مُلْحق قَاعِدَة فِي حضَانَة الْوَلَد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ﵁ الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا فصل فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَغَيره من الْعلمَاء فِي حضَانَة الصَّغِير الْمُمَيز هَل هُوَ للْأَب أَو للْأُم أَو يُخَيّر بَينهمَا فَإِن عَامَّة كتب أَصْحَاب أَحْمد إِنَّمَا فِيهِ أَن الْغُلَام إِذا بلغ سبع سِنِين خير بَين أَبَوَيْهِ وَأما الْجَارِيَة فالأب أَحَق بهَا وَأَكْثَرهم لم يذكرُوا فِي ذَلِك نزاعا وَهَؤُلَاء الَّذين ذكرُوا هَذَا بَلغهُمْ بعض نُصُوص أَحْمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم يبلغهم سَائِر نصوصه فَإِن كَلَام أَحْمد كثير منتشر جدا وَقل من يضْبط جَمِيع

стр. 596

نصوصه فِي كثير من الْمسَائِل لِكَثْرَة كَلَامه وانتشاره وَكَثْرَة من كَانَ يَأْخُذ عَنهُ الْعلم فَأَبُو بكر الْخلال قد طَاف بالبلاد وَجمع من نصوصه فِي مسَائِل الْفِقْه نَحْو أَرْبَعِينَ مجلدا وَفَاته أُمُور كَثِيرَة لَيست فِي كتبه وَأما مَا جمعه من نصوصه فِي أصُول الدّين مثل كتاب السّنة نَحْو ثَلَاث مجلدات وَمثل أصُول الْفِقْه والْحَدِيث مثل كتاب الْعلم الَّذِي جمعه وَمن الْكَلَام على علل الْأَحَادِيث مثل كتاب الْعِلَل الَّذِي جمعه وَمن كَلَامه فِي أَعمال الْقُلُوب والأخلاق والآداب وَمن كَلَامه فِي الرِّجَال والتاريخ فَهُوَ مَعَ كثرته لم يستوعب مَا نَقله النَّاس عَنهُ وَالْمَقْصُود هُنَا أَن النزاع عَنهُ مَوْجُود فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كلتاهما فِي مَسْأَلَة الْبِنْت وَفِي مَسْأَلَة الابْن وَفِي مذْهبه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَة أَقْوَال هَل تكون مَعَ الْأُم أَو مَعَ الْأَب أَو تخير لَكِن فِي الابْن ثَلَاث رِوَايَات وَأما الْبِنْت فالمنقول عَنهُ رِوَايَتَانِ هَل هِيَ للْأُم أَو للْأَب وَأما التَّخْيِير فَهُوَ جه مخرج فِي مذْهبه فَعَنْهُ فِي الابْن ثَلَاث رِوَايَات مَعْرُوفَة وَمِمَّنْ ذكرهن أَبُو البركات فِي محرره وَعنهُ فِي الْجَارِيَة رِوَايَتَانِ وَمِمَّنْ ذكرهمَا أَبُو عبد الله بن تَيْمِية فِي كِتَابه التخليص وترغيب القاصد وَالرِّوَايَات مَوْجُودَة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها فِي عدَّة كتب وَمِمَّنْ ذكر هَذِه الرِّوَايَات القَاضِي أَبُو يعلى فِي تَعْلِيقه نقل عَن أَحْمد فِي الْغُلَام أمة أَحَق بِهِ حَتَّى يسْتَغْنى عَنْهَا ثمَّ الْأَب أَحَق بِهِ قَالَ فِي رِوَايَة الْفضل ابْن زِيَاد إِذا عقل الْغُلَام وَاسْتغْنى عَن الْأُم فالأب أَحَق بِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب وَالْأَب أَحَق بالغلام إِذا عقل وَاسْتغْنى عَن الْأُم

стр. 597

وَهَذَا يشبه الَّذِي نَقله القَاضِي أَبُو يعلى والشاشي وَغَيرهمَا عَن أَب حنيفَة قَالَ إِذا أكل وَحده وَلَيْسَ وَحده وَتَوَضَّأ وَحده فالأب أَحَق بِهِ وَنقل عَن الْمُنْذر أَنه يخبر حِينَئِذٍ بَين أَبَوَيْهِ عَن أبي حنيفَة وَأبي ثَوْر وَالْأول هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة الْمَوْجُود فِي كتب أَصْحَابه وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك فَإِنَّهُ نقل عَنهُ ابْن وهب الْأُم أَحَق بِهِ حَتَّى يثغر وَلَكِن الْمَشْهُور عَنهُ أَن الْأُم أَحَق بِهِ مَا لم يبلغ وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة أَحَق بِهِ مَا لم يبلغ وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن أَحْمد وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن أَحْمد أَن الْأُم أَحَق بالغلام مُطلقًا كمذهب مَالك قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل فِي الرجل يُطلق امْرَأَته وَله مِنْهَا أَوْلَاد صغَار فالأم أعطف عَلَيْهِم مِقْدَار مَا يعقل الْأَدَب فَيكون الْأَب أَحَق بهم مالم تتَزَوَّج فَإِذا تزوجت فالأب أَحَق بولده غُلَاما كَانَ أَو جَارِيَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو البركات فَهَذِهِ الرِّوَايَة تدل على أَنه إِذا كبر وَصَارَ يعقل الْأَدَب فَإِنَّهُ يكون مقره أَيْضا عِنْد الْأُم لَكِن فِي وَقت الْأَدَب وَهُوَ النَّهَار يكون عِنْد الْأَب وَهَذَا مَذْهَب مَالك بِعَيْنِه الَّذِي حكيناه فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاث رِوَايَات وَمذهب مَالك فِي الْمُدَوَّنَة أَن الْأُم أَحَق بِهِ مالم يبلغ وَللْأَب تعاهده عِنْدهَا وأدبه وَبَعثه إِلَى الْمكتب وَلَا يبيت إِلَّا عِنْد الْأُم قلت وحنبل وَأحمد بن الْفرج كَانَا يسألان الإِمَام أَحْمد عَن مسَائِل مَالك وَأهل الْمَدِينَة كَمَا كَانَ يسْأَله إِسْحَق بن مَنْصُور وَغَيره عَن مسَائِل سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره وكما كَانَ يسْأَله الْمَيْمُونِيّ عَن مسَائِل الْأَوْزَاعِيّ وكما كَانَ يسْأَله إِسْمَعِيل بن سعيد الشالنجي عَن مسَائِل أبي حنيفَة وَأَصْحَابه فَإِنَّهُ كَانَ قد تفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة ثمَّ اجْتهد فِي مسَائِل كَثِيرَة رجح فِيهَا مَذْهَب أهل الحَدِيث

стр. 598

وَسَأَلَ عَن تِلْكَ الْمسَائِل أَحْمد وَغَيره وَشَرحهَا إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الجورجاني إِمَام دمشق وَأما الَّذين كَانُوا يسألونه مُطلقًا مثل الْأَثْرَم وعبد الله وَصَالح وَغَيرهم فكثيرون وَأما حضَانَة الْبِنْت إِذا صَارَت مُمَيزَة فَوَجَدنَا عَنهُ رِوَايَتَيْنِ منصوصتين وَقد نقلهما غير وَاحِد من أَصْحَابه كَأبي عبد الله بن تَيْمِية وَغَيره إِحْدَاهمَا أَن الْأَب أَحَق بهَا كَمَا هُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة فِي مذْهبه وَالثَّانيَِة أَن الْأُم أَحَق بهَا قَالَ فِي رِوَايَة إِسْحَق بن مَنْصُور يقْضِي بالجارية للْأُم وَالْخَالَة حَتَّى إِذا أحتاجت إِلَى التَّزْوِيج فالأب أَحَق بهَا وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنى بن يحيى الْأُم وَالْجدّة أَحَق بالجارية حَتَّى يتَزَوَّج الْأَب قَالَ أَبُو عبد الله فِي ترغيب القاصد وَإِن كَانَت جَارِيَة فالأب أَحَق بهَا بِغَيْر تَخْيِير وَعنهُ الْأُم أَحَق بهَا حَتَّى تحيض وَهَذِه الرِّوَايَة الثَّانِيَة هِيَ نَحْو مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة فِي ذَلِك فَفِي الْمُدَوَّنَة مَذْهَب مَالك أَن الْأُم أَحَق بِالْوَلَدِ مالم يبلغ سَوَاء كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى فاذا بلغ وَهُوَ أُنْثَى نظرت فَإِن كَانَت الْأُم فِي حرز ومنعة وتحصين فَهِيَ أَحَق بهَا أبدا مالم تنْكح وان بلغت أَرْبَعِينَ سنة وَإِن لم تكن فِي مَوضِع حرز وتحصين أَو كَانَت غير مرضية فِي نَفسهَا فللأب أَخذهَا مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاء وَالْوَصِيّ كَالْأَبِ فِي ذَلِك إِذا أَخذ إِلَى أَمَانَة وتحصين وَمذهب اللَّيْث بن سعد نَحْو ذَلِك قَالَ الْأُم أَحَق بالجارية حَتَّى تبلغ فَإِن كَانَت الْأُم غير مرضية فِي فَسَهَا وأدبها لولدها أخذت مِنْهَا إِذا بلغت إِلَّا أَن تكون صَغِيرَة لَا يخَاف عَلَيْهَا وَأما أَبُو حنيفَة فَقَالَ الْأُم وَالْجدّة أَحَق بالجارية حَتَّى تحيض وَمن سوى

стр. 599

الْأُم وَالْجدّة أَحَق بهَا حَتَّى تبلغ حدا تشْتَهي هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَلَفظ الطَّحَاوِيّ حَتَّى تستعنى كَمَا فِي الْغُلَام مُطلقًا وَهَذَا قيل فِيهَا كَمَا قيل فِي الْغُلَام حَتَّى يتأكل وَحدهَا وتلبس وَحدهَا وتتوضأ وَحدهَا ثمَّ تكون مَعَ الْأَب وَأَبُو حنيفَة أَيْضا يَجْعَل الْأَب أَحَق بهَا بعد التَّمْيِيز كَمَا يَقُول مثل ذَلِك فِي الابْن لَكِن يسْتَثْنى الْأُم وَالْجدّة خَاصَّة وَأما الْمَشْهُور عَن أَحْمد وَهُوَ تخير الْغُلَام بَين أَبَوَيْهِ فَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وموافقته للشَّافِعِيّ وَإِسْحَق أَكثر من مُوَافَقَته لغَيْرِهِمَا وأصوله أصولهما أشبه مِنْهَا بأصول غَيرهمَا وَكَانَ يثني عَلَيْهِمَا ويعظمهما ويرجح أصُول مذاهبهما على من لَيست أصُول مذاهبه كأصوال مذاهبهما وَعِنْدهم أصُول فُقَهَاء الحَدِيث أصح من أصُول غَيرهم وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَق هما عِنْده من أجل فُقَهَاء الحَدِيث وَجمع بَينهمَا بِمَسْجِد الْخيف فتناظرا فِي مَسْأَلَة رباع مَكَّة والقصة مَشْهُورَة وَذكر أَحْمد أَن الشَّافِعِي علا إِسْحَق بِالْحجَّةِ فِي مَوضِع وَأَن إِسْحَاق علاهُ بِالْحجَّةِ فِي مَوضِع فَإِن الشَّافِعِي كَانَ يُبِيح البيع وَالْإِجَارَة وَإِسْحَاق يمْنَع مِنْهُمَا وَكَانَت الْحجَّة مَعَ الشَّافِعِي فِي جَوَاز بيعهَا وَمَعَ إِسْحَاق فِي الْمَنْع من إِجَارَتهَا وَأما التَّخْيِير فِي الْجَارِيَة فَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَلم أَجِدهُ مَنْقُولًا لَا عَن أَحْمد وَلَا عَن إِسْحَق كَمَا نقل عَنْهُمَا التَّخْيِير فِي الغلاء وَلَكِن نقل عَن الْحسن بن حَيّ أَنَّهَا تخير إِذا كَانَت كاعبا والتخيير فِي الْغُلَام هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَإِسْحَق للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك حَيْثُ خير النَّبِي ﷺ غُلَاما بَين أَبَوَيْهِ وَهِي قَضِيَّة مُعينَة وَلم يرد عَنهُ نَص عَام فِي تَخْيِير الْوَلَد مُطلقًا والْحَدِيث الْوَارِد فِي تَخْيِير الْجَارِيَة ضَعِيف مُخَالف لإجماعهم

стр. 600

وَالْفرق بَين تَخْيِير الْغُلَام وَالْجَارِيَة أَن هَذَا التَّخْيِير تَخْيِير شَهْوَة لَا تَخْيِير رَأْي ومصلحة كتخيير من يتَصَرَّف لغيره كَالْإِمَامِ وَالْوَلِيّ فَإِن الإِمَام إِذا خير فِي الأسرى بَين الْقَتْل والاسترقاق والمن وَالْفِدَاء فَعَلَيهِ أَن يخْتَار الْأَصْلَح للْمُسلمين ثمَّ قد يصب ذَلِك الْأَصْلَح للْمُسلمين فَيكون مصيبا فِي اجْتِهَاده حَاكما بِحكم الله ويكونه لَهُ أَجْرَانِ وَقد لَا يُصِيبهُ فيثاب على استفراغ وَسعه وَلَا يَأْثَم بعجزه عَن معرفَة الْمصلحَة كَالَّذي ينزل أهل حصن على حكمه كَمَا نزل بتو قُرَيْظَة على حكم النَّبِي ﷺ فَلَمَّا سَأَلَهُ فيهم بَنو عبد الْأَشْهَل قَالَ أَلا ترْضونَ أَن أجعَل الْأَمر إِلَى سيدكم سعد بن معَاذ فرضوا بذلك وطمع من كَانَ يحب استيفاءهم أَن سَعْدا يحابيهم لما كَانَ بَينه وَبينهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْمُوَالَاة فَلَمَّا أَتَى سعد حكم فيهم أَن تقتل مُقَاتلَتهمْ وتسبى ذَرَارِيهمْ وتغنم أَمْوَالهم فَقَالَ النَّبِي ﷺ لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سبع سموات وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه لَو حكم بِغَيْر ذَلِك لم يكن ذَلِك حكما لله فِي نفس الْأَمر وَإِن كَانَ لَا بُد من إِنْفَاذه وَمثل هَذَا مَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من حَدِيث بُرَيْدَة الْمَشْهُور قَالَ فِيهِ وَإِذا حاصرت أهل حصن فسألوك أَن تنزلهم على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا حكم الله فيهم وَلَكِن أنزلهم على حكمك وَحكم أَصْحَابك وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء إِنَّه إِذا حاصر الإِمَام حصنا فنزلوا على حكم حَاكم جَازَ إِذا كَانَ رجلا مُسلما حرا عدلا من أهل الِاجْتِهَاد فِي أَمر الْجِهَاد وَلَا يحكم إِلَّا بِمَا فِيهِ حفظ للاسلام من قتل أَوْرَق أَو فدَاء وَتَنَازَعُوا فِيمَا إِذا حكم بالمن فأباه الإِمَام هَل يلْزم حكمه أَولا يلْزم أَو يفرق بَين الْمُقَاتلَة والذرية على ثَلَاثَة أَقْوَال
следующие страницы →