Полный текст (661 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ملك النّصاب حول النّصاب وَإِن مَاتَت الْأُمَّهَات لقَوْل عمر ﵁ لساعيه اعْتد عَلَيْهِم بالسخلة
وَأَيْضًا الْمَعْنى فِي اشْتِرَاط الْحول أَن يحصل النَّمَاء والنتاج نَمَاء عَظِيم فَيتبع الْأُصُول فِي الْحول وَلَو ادّعى الْمَالِك النِّتَاج بعد الْحول صدق لِأَن الأَصْل عدم وجوده قبله فَإِن اتهمه السَّاعِي سنّ تَحْلِيفه
(و) السَّادِس (السّوم) وَهُوَ إسامة مَالك لَهَا كل الْحول واختصت السَّائِمَة بِالزَّكَاةِ لتوفر مؤنتها بالرعي فِي كلأ مُبَاح أَو مَمْلُوك قِيمَته يسيرَة لَا يعد مثلهَا كلفة فِي مُقَابلَة نمائها لَكِن لَو عَلفهَا قدرا تعيش بِدُونِهِ بِلَا ضَرَر بَين وَلم يقْصد بِهِ قطع سوم لم يضر أما لَو سامت بِنَفسِهَا أَو أسامها غير مَالِكهَا كغاصب أَو اعتلفت سَائِمَة أَو علفت مُعظم الْحول أَو قدرا لَا تعيش بِدُونِهِ أَو تعيش لَكِن بِضَرَر بَين أَو بِلَا ضَرَر بَين لَكِن قصد بِهِ قطع سوم أَو ورثهَا وَتمّ حولهَا وَلم يعلم فَلَا زَكَاة لفقد إسامة الْمَالِك الْمَذْكُور
والماشية تصبر عَن الْعلف يَوْمًا ويومين لَا ثَلَاثَة
(وَأما الْأَثْمَان فشيئان) وهما (الذَّهَب وَالْفِضَّة)
وَالْأَصْل فِي وجوب الزَّكَاة فِي ذَلِك قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ والكنز الَّذِي لم تُؤَد زَكَاته
تَنْبِيه قَضِيَّة تَفْسِير المُصَنّف الْأَثْمَان بِالذَّهَب وَالْفِضَّة شُمُول الْأَثْمَان لغير الْمَضْرُوب فَإِن الذَّهَب وَالْفِضَّة يُطلق على الْمَضْرُوب وعَلى غَيره وَلَيْسَ مرَادا وَإِنَّمَا هِيَ الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم خَاصَّة كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي تحريره وَحِينَئِذٍ فإطلاق المُصَنّف غير مُطَابق لتفسير الْأَثْمَان وَإِن كَانَ حسنا من حَيْثُ شُمُول الْمَضْرُوب وَغَيره فَإِنَّهُ المُرَاد هُنَا
(وشرائط وجوب الزَّكَاة فِيهَا) أَي الْأَثْمَان وَلَو قَالَ فيهمَا ليعود على الذَّهَب وَالْفِضَّة لَكَانَ أولى لما تقدم (خمس) (الْإِسْلَام وَالْحريَّة وَالْملك التَّام والنصاب والحول) ومحترزاتها مَعْلُومَة مِمَّا تقدم وَلَو زَالَ ملكه فِي الْحول عَن النّصاب أَو بعضه بِبيع أَو غَيره فَعَاد بشرَاء أَو غَيره اسْتَأْنف الْحول لانْقِطَاع الأول بِمَا فعله فَصَارَ ملكا جَدِيدا فَلَا بُد لَهُ من حول للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَإِذا فعل ذَلِك بِقصد الْفِرَار من الزَّكَاة كره كَرَاهَة تَنْزِيه لِأَنَّهُ فرار من الْقرْبَة بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ لحَاجَة أَولهَا وللفرار أَو مُطلقًا على مَا أفهمهُ كَلَامهم
فَإِن قيل يشكل عدم الْكَرَاهَة فِيمَا إِذا كَانَ لحَاجَة وَقصد الْفِرَار بِمَا إِذا اتخذ ضبة صَغِيرَة لزينة وحاجة أُجِيب بِأَن الضبة فِيهَا اتِّخَاذ فقوي الْمَنْع بِخِلَاف الْفِرَار
وَلَو بَاعَ النَّقْد بعضه بِبَعْض للتِّجَارَة كالصيارفة اسْتَأْنف الْحول كلما بادل وَلذَلِك قَالَ ابْن سُرَيج بشر الصيارفة بِأَن لَا زَكَاة عَلَيْهِم
(وَأما الزروع فَتجب الزَّكَاة فِيهَا بِثَلَاثَة شَرَائِط) الأول (أَن يكون مِمَّا يزرعه) أَي يتَوَلَّى أَسبَابه (الآدميون) كالحنطة وَالشعِير والأرز والعدس (و) الثَّانِي (أَن يكون) الزَّرْع (قوتا مدخرا) كالحمص والباقلاء وَهِي بِالتَّشْدِيدِ مَعَ الْقصر الفول والذرة
стр. 212
وَهِي بِمُعْجَمَة مَضْمُومَة ثمَّ رَاء مُخَفّفَة والهرطمان وَهُوَ بِضَم الْهَاء والطاء الجلبان بِضَم الْجِيم والماش وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ نوع من الجلبان فَتجب الزَّكَاة فِي جَمِيع ذَلِك لورودها فِي بعض الْأَخْبَار وَألْحق بِهِ الْبَاقِي وَأما قَوْله ﷺ لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ومعاذ حِين بعثهما إِلَى الْيمن فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِم لَا تأخذا الصَّدَقَة إِلَّا من أَرْبَعَة الشّعير وَالْحِنْطَة وَالتَّمْر وَالزَّبِيب فالحصر فِيهِ إضافي أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ مَوْجُودا عِنْدهم وَخرج بالقوت غَيره كخوخ ورمان وتين ولوز وتفاح ومشمش وبالاختيار مَا يقتات فِي الجدب اضطرارا كحبوب الْبَوَادِي كحب الحنظل وَحب الغاسول وَهُوَ الأشنان فَلَا زَكَاة فِيهَا كَمَا لَا زَكَاة فِي الوحشيات من الظباء وَنَحْوهَا وأبدل المُصَنّف تبعا لغيره قيد الِاخْتِيَار بِمَا يزرعه الآدميون وَعبارَة التَّنْبِيه مِمَّا يستنبته الآدميون لِأَن مَا لَا يزرعونه وَلَا يستنبتونه لَيْسَ فِيهِ شَيْء يقتات اخْتِيَارا
تَنْبِيه يسْتَثْنى من إِطْلَاق المُصَنّف مَا لَو حمل السَّيْل حبا تجب فِيهِ الزَّكَاة من دَار الْحَرْب فنبت بأرضنا فَإِنَّهُ زَكَاة فِيهِ كالنخل الْمُبَاح فِي الصَّحرَاء وَكَذَا ثمار الْبُسْتَان وغلة الْقرْيَة الموقوفين على الْمَسَاجِد والربط والقناطر والفقراء وَالْمَسَاكِين لَا تجب الزَّكَاة فِيهَا على الصَّحِيح إِذْ لَيْسَ لَهَا مَالك معِين وَلَو أَخذ الإِمَام الْخراج على أَن يكون بَدَلا عَن الْعشْر كَأَن أَخذ الْقيمَة فِي الزَّكَاة بِالِاجْتِهَادِ فَيسْقط بِهِ الْفَرْض وَإِن نقص عَن الْوَاجِب تممه
(و) الثَّالِث (أَن يكون نِصَابا) كَامِلا (وَهُوَ خَمْسَة أوسق) لقَوْله ﷺ لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
والوسق بِالْفَتْح على الْأَفْصَح وَهُوَ مصدر بِمَعْنى الْجمع سمي بِهِ هَذَا الْمِقْدَار لأجل مَا جمعه من الصيعان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاللَّيْل وَمَا وسق﴾ أَي جمع وَسَيَأْتِي بَيَان الأوسق بِالْوَزْنِ فِي كَلَامه وقدرها بِالْكَيْلِ فِي الشَّرْح وَيعْتَبر فِي الْخَمْسَة الأوسق أَن تكون مصفاة من تبنها (لَا قشر عَلَيْهَا) لِأَن ذَلِك لَا يُؤْكَل مَعهَا
وَأما مَا ادخر فِي قشره وَلم يُؤْكَل مَعَه من أرز وعلس بِفَتْح الْعين وَاللَّام نوع من الْبر فنصابه عشرَة أوسق غَالِبا اعْتِبَارا بقشره الَّذِي ادخاره فِيهِ دصلح لَهُ وَأبقى وَلَا يكمل فِي النّصاب جنس بِجِنْس كالحنطة مَعَ الشّعير ويكمل فِي نِصَاب نوع بآخر كبر بعلس لِأَنَّهُ نوع مِنْهُ كَمَا مر وَيخرج من كل نوع من النَّوْعَيْنِ بِقسْطِهِ فَإِن عسر إِخْرَاجه لِكَثْرَة الْأَنْوَاع وَقلة مِقْدَار كل نوع مِنْهَا أخرج الْوسط مِنْهَا لَا أَعْلَاهَا وَلَا أدناها رِعَايَة للجانبين وَلَو تكلّف وَأخرج من كل نوع قسطه جَازَ بل هُوَ الْأَفْضَل
والسلت بِضَم السِّين وَسُكُون اللَّام جنس مُسْتَقل لِأَنَّهُ يشبه الشّعير فِي برودة الطَّبْع وَالْحِنْطَة فِي اللَّوْن وَالْمُلَامَسَة فاكتسب من تركب الشبهين طبعا انْفَرد بِهِ وَصَارَ أصلا بِرَأْسِهِ فَلَا يضم إِلَى غَيره (وَأما الثِّمَار فَتجب الزَّكَاة فِي شَيْئَيْنِ مِنْهَا) فَقَط وهما (ثَمَرَة النّخل وَثَمَرَة الْكَرم) أَي الْعِنَب لِأَنَّهُمَا من الأقوات المدخرة وَلَو عبر المُصَنّف بالعنب لَكَانَ أولى لوُرُود النَّهْي عَن تَسْمِيَته بِالْكَرمِ قَالَ ﷺ لَا تسموا الْعِنَب كرما إِنَّمَا الْكَرم الرجل الْمُسلم رَوَاهُ مُسلم
فَقيل سمي كرما من الْكَرم بِفَتْح الرَّاء لِأَن الْخمْرَة المتخذة مِنْهُ تحمل عَلَيْهِ فكره أَن يُسمى بِهِ وَجعل الْمُؤمن أَحَق بِمَا يشتق من الْكَرم يُقَال رجل كرم بِإِسْكَان الرَّاء وَفتحهَا أَي كريم
وثمرات النخيل وَالْأَعْنَاب أفضل الثِّمَار وشجرهما أفضل بالِاتِّفَاقِ وَاخْتلفُوا فِي أَيهمَا أفضل وَالرَّاجِح أَن النّخل أفضل لوُرُود أكْرمُوا عماتكم النّخل المطعمات فِي
стр. 213
الْمحل وَإِنَّهَا خلقت من طِينَة آدم وَالنَّخْل مقدم على الْعِنَب فِي جَمِيع الْقُرْآن وَشبه ﷺ النَّخْلَة بِالْمُؤمنِ فَإِنَّهَا تشرب برأسها فَإِذا قطع مَاتَت وَينْتَفع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَهِي الشَّجَرَة الطّيبَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فَكَانَت أفضل وَلَيْسَ فِي الشّجر شجر فِيهِ ذكر وَأُنْثَى تحْتَاج الْأُنْثَى فِيهِ إِلَى الذّكر سواهُ وَشبه ﷺ عين الدَّجَّال بِحَبَّة الْعِنَب لِأَنَّهَا أصل الْخمر وَهِي أم الْخَبَائِث (وشرائط وجوب الزَّكَاة فِيهَا) أَي الثِّمَار (أَرْبَعَة أَشْيَاء) بل خَمْسَة كَمَا ستعرفه وَهِي (الْإِسْلَام وَالْحريَّة وَالْملك التَّام والنصاب) وَقد علمت محترزاتها مِمَّا تقدم
وَالْخَامِس بَدو الصّلاح وَهُوَ بُلُوغه صفة يطْلب فِيهَا غَالِبا فعلامته فِي الثَّمر الْمَأْكُول المتلون أَخذه فِي حمرَة أَو سَواد أَو صفرَة وَفِي غير المتلون مِنْهُ كالعنب الْأَبْيَض لينه وتمويهه وَهُوَ صفاؤه وجريان المَاء فِيهِ إِذْ هُوَ قبل بَدو الصّلاح لَا يصلح للْأَكْل (وَأما عرُوض التِّجَارَة) جمع عرض بِفَتْح الْعين وَإِسْكَان الرَّاء اسْم لكل مَا قَابل النَّقْدَيْنِ من صنوف الْأَمْوَال (فَتجب الزَّكَاة فِيهَا) لخَبر الْحَاكِم بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ على شَرط الشَّيْخَيْنِ فِي الْإِبِل صدقتها وَفِي الْغنم صدقتها وَفِي الْبر صدقته وَهُوَ يُقَال لأمتعة الْبَزَّاز وللسلاح وَلَيْسَ فِيهِ زَكَاة عين فصدقته زَكَاة تِجَارَة وَهِي تقليب المَال بمعاوضة لغَرَض الرِّبْح (بالشرائط) الْخَمْسَة (الْمَذْكُورَة فِي) زَكَاة (الْأَثْمَان)
وَترك سادسا وَهُوَ أَن تملك بمعاوضة كمهر وَعوض خلع وَصلح عَن دم فَلَا زَكَاة فِيمَا ملك بِغَيْر مُعَاوضَة كَهِبَة بِلَا ثَوَاب وإرث وَوَصِيَّة لانْتِفَاء الْمُعَاوضَة
وسابعا وَهُوَ أَن يَنْوِي حَال التَّمَلُّك التِّجَارَة لتتميز عَن الْقنية وَلَا يجب تجديدها فِي كل تصرف بل تستمر مَا لم ينْو الْقنية فَإِن نَوَاهَا انْقَطع الْحول فَيحْتَاج إِلَى تَجْدِيد النِّيَّة مقرونة بِتَصَرُّف
فصل فِي بَيَان نِصَاب الْإِبِل وَمَا يجب إِخْرَاجه
(وَأول نِصَاب الْإِبِل خمس) لحَدِيث لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود من الْإِبِل صَدَقَة (وفيهَا شَاة) وَإِنَّمَا وَجَبت الشَّاة وَإِن كَانَ وُجُوبهَا على خلاف الأَصْل للرفق بالفريقين لِأَن إِيجَاب الْبَعِير يضر بالمالك وَإِيجَاب جُزْء من بعير وَهُوَ الْخمس يضر بِهِ وبالفقراء (وَفِي عشْرين شَاتَان وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه) وَالشَّاة الْوَاجِبَة فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل جَذَعَة ضَأْن لَهَا سنة أَو أجذعت مقدم أسنانها وَإِن لم يتم لَهَا سنة كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْأُضْحِية وَنزل ذَلِك منزلَة الْبلُوغ بِالسِّنِّ أَو الِاحْتِلَام أَو ثنية معز لَهَا سنتَانِ فَهُوَ مُخَيّر بَين الْجَذعَة والثنية وَلَا يتَعَيَّن غَالب غنم الْبَلَد لخَبر فِي كل خمس شَاة وَالشَّاة تطلق على الضَّأْن والمعز لَكِن لَا يجوز الِانْتِقَال إِلَى غنم بلد أُخْرَى إِلَّا بِمِثْلِهَا فِي الْقيمَة أَو خير مِنْهَا ويجزىء الْجذع من الضَّأْن أَو الثني من الْمعز كالأضحية وَإِن كَانَت الْإِبِل إِنَاثًا لصدق اسْم الشَّاة عَلَيْهِ ويجزىء بعير الزَّكَاة عَن دون خمس وَعشْرين عوضا عَن الشَّاة الْوَاحِدَة أَو الشياه المتعددة وَإِن لم يساو قيمَة الشَّاة لِأَنَّهُ يجزىء عَن خمس وَعشْرين كَمَا سَيَأْتِي فعما
стр. 214
دونهَا أولى وأفادت إِضَافَته إِلَى الزَّكَاة اعْتِبَار كَونه أُنْثَى بنت مَخَاض فَمَا فَوْقهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوع (وَفِي خمس وَعشْرين) من الْإِبِل (بنت مَخَاض من الْإِبِل) وَهِي الَّتِي لَهَا سنة وطعنت فِي الثَّانِيَة سميت بذلك لِأَن أمهَا بعد سنة من وِلَادَتهَا تحمل مرّة أُخْرَى فَتَصِير من الْمَخَاض أَي الْحَوَامِل (وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون) من الْإِبِل وَهِي الَّتِي تمّ لَهَا سنتَانِ وطعنت فِي الثَّالِثَة سميت بِهِ لِأَن أمهَا آن لَهَا أَن تَلد فَتَصِير لبونا (وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين حقة) من الْإِبِل بِكَسْر الْحَاء وَهِي الَّتِي لَهَا ثَلَاث سِنِين وطعنت فِي الرَّابِعَة سميت بذلك لِأَنَّهَا اسْتحقَّت أَن تركب ويطرقها الْفَحْل وَيحمل عَلَيْهَا وَلَو أخرج بدلهَا بِنْتي لبون أَجزَأَهُ كَمَا فِي الزَّوَائِد (وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَة) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من الْإِبِل وَهِي الَّتِي تمّ لَهَا أَربع سِنِين وطعنت فِي الْخَامِسَة سميت بذلك لِأَنَّهَا أجذعت مقدم أسنانها أَي أسقطته وَقيل لتكامل أسنانها وَهُوَ آخر أَسْنَان الزَّكَاة وَاعْتبر فِي الْجَمِيع الْأُنُوثَة لما فِيهَا من رفق الدّرّ والنسل
وَلَو أخرج بدل الْجَذعَة حقتين أَو بِنْتي لبون أَجزَأَهُ على الْأَصَح لِأَنَّهُمَا يجزئان عَمَّا زَاد (وَفِي سِتّ وَسبعين بِنْتا لبون) من الْإِبِل (وَفِي إِحْدَى وَتِسْعين حقتان) من الْإِبِل (وَفِي مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين ثَلَاث بَنَات لبون) من الْإِبِل (ثمَّ) يسْتَمر ذَلِك إِلَى مائَة وَثَلَاثِينَ فيتغير الْوَاجِب فِيهَا وَفِي كل عشرَة بعْدهَا (فِي كل أَرْبَعِينَ) من الْإِبِل (بنت لبون) مِنْهَا (وَفِي كل خمسين حقة) مِنْهَا كَمَا روى ذَلِك كُله البُخَارِيّ مقطعا فِي عشرَة مَوَاضِع وَأَبُو دَاوُد بِكَمَالِهِ
تَنْبِيه قَول المُصَنّف ثمَّ فِي كل أَرْبَعِينَ إِلَى آخِره
قد يَقْتَضِي لَوْلَا مَا قدرته أَن استقامة الْحساب بذلك إِنَّمَا تكون فِيمَا بعد مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين وَلَيْسَ مرَادا بل يتَغَيَّر الْوَاجِب بِزِيَادَة تسع ثمَّ بِزِيَادَة عشر كَمَا قررت بِهِ كَلَامه فَإِن عدم بنت مَخَاض فَابْن لبون وَإِن كَانَ أقل قيمَة مِنْهَا
وَبنت الْمَخَاض المعيبة والمغصوبة الْعَاجِز عَن تَخْلِيصهَا والمرهونة بمؤجل أَو حَال وَعجز عَن تَخْلِيصهَا كمعدومة وَلَا يُكَلف أَن يخرج بنت مَخَاض كَرِيمَة لَكِن تمنع الْكَرِيمَة عِنْده ابْن لبون وَحقا لوُجُود بنت مَخَاض مجزئة فِي مَاله وَيُؤْخَذ الْحق عَن بنت مَخَاض عِنْد فقدها لَا عَن بنت لبون عِنْد فقدها
فصل فِي بَيَان نِصَاب الْبَقر وَمَا يجب إِخْرَاجه
(وَأول نِصَاب الْبَقر ثَلَاثُونَ فَيجب فِيهِ) أَي النّصاب (تبيع) ابْن سنة سمي بذلك لِأَنَّهُ يتبع أمه فِي المرعى (وَفِي كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة) لَهَا سنتَانِ سميت بذلك لتكامل أسنانها وَذَلِكَ لما روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن معَاذ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن فَأمرنِي أَن آخذ من كل أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة وَمن كل ثَلَاثِينَ تبيعا وَصَححهُ الْحَاكِم وَغَيره
وَالْبَقَرَة تقال للذّكر وَالْأُنْثَى وَلَو أخرج بدل المسنة تبيعين أَجزَأَهُ على الْمَذْهَب (وعَلى هَذَا) الحكم (أبدا فقس) عِنْد الزِّيَادَة فَفِي سِتِّينَ تبيعان وَفِي سبعين تبيع ومسنة وَفِي ثَمَانِينَ مسنتان وَفِي تسعين ثَلَاثَة أتبعة وَفِي مائَة مُسِنَّة وتبيعان وَفِي مائَة وَعشرَة مسنتان وتبيع وَفِي مائَة وَعشْرين ثَلَاث مسنات أَو أَرْبَعَة أتبعة
стр. 215
تَنْبِيه قد تلخص أَن الْفَرْض بعد الْأَرْبَعين لَا يتَغَيَّر إِلَّا بِزِيَادَة عشْرين ثمَّ يتَغَيَّر بِزِيَادَة كل عشرَة وَفِي مائَة وَعشْرين يتَّفق فرضان وَإِذا اتّفق فِي إبل أَو بقر فرضان فِي نِصَاب وَاحِد وَجب فيهمَا الأغبط مِنْهُمَا وَهُوَ الأنفع للمستحقين فَفِي مِائَتي بعير أَو مائَة وَعشْرين بقرة يجب فيهمَا الأغبط من أَربع حقاق وَخمْس بَنَات لبون وَثَلَاث مسنات وَأَرْبَعَة أتبعة إِن وجدا بِمَالِه بِصفة الْإِجْزَاء لِأَن كلا مِنْهُمَا فَرضهَا فَإِذا اجْتمعَا روعي مَا فِيهِ حَظّ الْمُسْتَحقّين إِذْ لَا مشقة فِي تَحْصِيله وأجزأه غير الأغبط بِلَا تَقْصِير من الْمَالِك أَو السَّاعِي للْعُذْر وجبر التَّفَاوُت لنَقص حق الْمُسْتَحقّين بِنَقْد الْبَلَد أَو جُزْء من الأغبط أما مَعَ التَّقْصِير من الْمَالِك بِأَن دلّس أَو من السَّاعِي بِأَن لم يجْتَهد وَإِن ظن أَنه الأغبط فَلَا يجزىء للتقصيد وَإِن وجد أَحدهمَا بِمَالِه أَخذ وَإِن وجد شَيْء من الآخر إِذْ النَّاقِص كَالْمَعْدُومِ وَإِن لم يُوجد أَو أَحدهمَا بِمَالِه بِصفة الْإِجْزَاء فَلهُ تَحْصِيل مَا شَاءَ مِنْهُمَا كلا أَو بَعْضًا مِنْهُمَا بشرَاء أَو غَيره وَلَو غير أغبط لما فِي تعْيين الأغبط من الْمَشَقَّة فِي تَحْصِيله
تَتِمَّة لمن عدم وَاجِبا من الْإِبِل وَلَو جَذَعَة فِي مَاله أَن يصعد دَرَجَة وَيَأْخُذ جبرانا وَإِبِله سليمَة أَو ينزل دَرَجَة وَيُعْطِي الْجبرَان كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي خبر أنس فالخيرة فِي الصعُود وَالنُّزُول للْمَالِك لِأَنَّهُمَا شرعا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ والجبران شَاتَان بِالصّفةِ أَو عشرُون درهما نقرة خَالِصَة بخيرة الدَّافِع ساعيا كَانَ أَو مَالِكًا وَله صعُود دَرَجَتَيْنِ فَأكْثر ونزول دَرَجَتَيْنِ فَأكْثر مَعَ تعدد الْجبرَان هَذَا عِنْد عدم الْقُرْبَى فِي جِهَة المخرجة
وَلَا يَتَبَعَّض جبران فَلَا تجزىء شَاة وَعشرَة دَرَاهِم بجبران وَاحِد إِلَّا لمَالِك رَضِي بذلك لِأَن الْجبرَان حَقه فَلهُ إِسْقَاطه أما الجبرانان فَيجوز تبعيضهما فيجزىء شَاتَان وَعِشْرُونَ درهما لجبرانين كالكفارتين وَلَا جبران فِي غير الْإِبِل من بقر أَو غنم
فصل فِي بَيَان نِصَاب الْغنم وَمَا يجب إِخْرَاجه
(وَأول نِصَاب الْغنم أَرْبَعُونَ) شَاة (وفيهَا شَاة جَذَعَة من الضَّأْن) بِالْهَمْز وَتَركه لَهَا سنة (أَو ثنية من الْمعز) بِفَتْح الْعين لَهَا سنتَانِ (وَفِي مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين شَاتَان وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَة ثَلَاث شِيَاه وَفِي أَرْبَعمِائَة أَربع شِيَاه ثمَّ فِي كل مائَة شَاة) لحَدِيث أنس فِي ذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَنقل الشَّافِعِي أَن أهل الْعلم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك
وَلَو تَفَرَّقت مَاشِيَة الْمَالِك فِي أَمَاكِن فَهِيَ كَالَّتِي فِي مَكَان وَاحِد حَتَّى لَو ملك أَرْبَعِينَ شَاة فِي بلدين لَزِمته الزَّكَاة وَلَو ملك ثَمَانِينَ فِي بلدين فِي كل بلد أَرْبَعُونَ لَا يلْزمه إِلَّا شَاة وَاحِدَة وَإِن بَعدت الْمسَافَة بَينهمَا خلافًا للْإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ يلْزمه عِنْده عِنْد التباعد شَاتَان
تَتِمَّة يجزىء فِي إِخْرَاج الزَّكَاة نوع عَن نوع آخر كضأن عَن معز وَعَكسه من الْغنم وأرحبية عَن مهرية وَعَكسه من الْإِبِل وعراب عَن جواميس وَعَكسه من الْبَقر برعاية الْقيمَة فَفِي ثَلَاثِينَ عَنْزًا وَهِي أُنْثَى الْمعز وَعشر نعجات من الضَّأْن عنز أَو نعجة بِقِيمَة ثَلَاثَة أَربَاع عنز وَربع نعجة وَفِي عكس ذَلِك عَكسه وَلَا يُؤْخَذ نَاقص من ذكر ومعيب وصغير إِلَّا من مثله فِي غير مَا مر من جَوَاز أَخذ ابْن اللَّبُون أَو ألحق أَو الذّكر من الشياه فِي الْإِبِل أَو التبيع فِي الْبَقر فَإِن اخْتلف مَاله نقصا وكمالا واتحد نوعا أخرج كَامِلا برعاية الْقيمَة وَإِن لم يوف تمم بناقص وَلَا يُؤْخَذ خِيَار كحامل وأكولة وَهِي المسمنة للْأَكْل وربي وَهِي الحديثة الْعَهْد بالنتاج بِأَن يمْضِي لَهَا من وِلَادَتهَا نصف شهر كَمَا قَالَه الْأَزْهَرِي أَو شَهْرَان كَمَا نَقله الْجَوْهَرِي إِلَّا بِرِضا مَالِكهَا بأخذها
نعم إِن كَانَت كلهَا
стр. 216
خيارا أَخذ الْخِيَار مِنْهَا إِلَّا الْحَوَامِل فَلَا تُؤْخَذ مِنْهَا حَامِل كَمَا نَقله الإِمَام وَاسْتَحْسنهُ وَتُؤْخَذ زَكَاة سَائِمَة عِنْد وُرُودهَا مَاء لِأَنَّهَا أقرب إِلَى الضَّبْط حِينَئِذٍ فَلَا يكلفهم السَّاعِي ردهَا إِلَى الْبَلَد كَمَا لَا يلْزمه أَن يتبع المراعي فَإِن لم ترد المَاء بِأَن اكتفت بالكلأ وَقت الرّبيع فَعِنْدَ بيُوت أَهلهَا وأفنيتهم وَيصدق مخرجها فِي عَددهَا إِن كَانَ ثِقَة والا فتعد والأسهل عدهَا عِنْد مضيق تمر بِهِ وَاحِدَة وَاحِدَة وبيد كل من الْمَالِك والساعي أَو نائبهما قضيب يشيران بِهِ إِلَى كل وَاحِدَة أَو يصيبان بِهِ ظهرهَا لِأَن ذَلِك أبعد عَن الْغَلَط فَإِن اخْتلفَا بعد الْعد وَكَانَ الْوَاجِب يخْتَلف بِهِ أعادا الْعد
فصل فِي زَكَاة خلْطَة الْأَوْصَاف
وَتسَمى خلْطَة جوَار إِذْ هِيَ الْمَذْكُورَة فِي كَلَامه (والخليطان) من أهل زَكَاة فِي نِصَاب أَو فِي أقل مِنْهُ وَأَحَدهمَا نِصَاب وَلَو فِي غير مَاشِيَة من نقد أَو غَيره كَمَا سَيَأْتِي (يزكيان) وجوبا (زَكَاة) بِالنّصب على نزع الْخَافِض أَي كَزَكَاة المَال (الْوَاحِد) إِجْمَاعًا كَمَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو حَامِد (بشرائط سَبْعَة) بل عشرَة مَعَ أَنه جرى فِي وَاحِد مِمَّا ذكره على رَأْي ضَعِيف كَمَا ستعرفه مَعَ إِبْدَاله بِغَيْرِهِ تَصْحِيحا لما ذكره من الْعدَد الأول (إِذا كَانَ المراح وَاحِدًا) وَهُوَ بِضَم الْمِيم اسْم لموْضِع مبيت الْمَاشِيَة
(و) الثَّانِي إِذا كَانَ (المسرح وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْمُهْملَة اسْم للموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ ثمَّ تساق إِلَى المرعى
(و) الثَّالِث إِذا كَانَ (المرعى وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم اسْم للموضع الَّذِي ترعى فِيهِ
(و) الرَّابِع إِذا كَانَ (الْفَحْل) الَّذِي يضر بهَا (وَاحِدًا) أَو أَكثر بِأَن تكون مُرْسلَة تنزو على كل من الماشيتين بِحَيْثُ لَا تخْتَص مَاشِيَة هَذَا بفحل عَن مَاشِيَة الآخر وَإِن كَانَ ملكا لأَحَدهمَا أَو معارا لَهُ أَو لَهما إِلَّا إِذا اخْتلف النَّوْع كضأن ومعز فَلَا يضر اختلافه قطعا للضَّرُورَة
(و) الْخَامِس إِذا كَانَ (المشرب وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم مَوضِع شرب الْمَاشِيَة سَوَاء كَانَ من نهر أم من غَيره
(و) السَّادِس إِذا كَانَ (الحالب) وَهُوَ الَّذِي يحلب اللَّبن (وَاحِدًا) على رَأْي ضَعِيف وَهَذَا هُوَ الشَّرْط الَّذِي تقدم الْإِعْلَام
стр. 217
بِأَن المُصَنّف جرى فِيهِ على رَأْي ضَعِيف وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط اتحاده كجاز الْغنم والإناء الَّذِي يحلب فِيهِ كآلة الجز ويبدل باتحاد الرَّاعِي فَإِنَّهُ شَرط على الْأَصَح وَمَعْنَاهُ كَمَا فِي الرَّوْضَة أَنه لَا يخْتَص أَحدهمَا براع وَلَا يضر تعدد الرُّعَاة
(و) السَّابِع إِذا كَانَ (مَوضِع الْحَلب وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْح اللَّام يُقَال للبن وللمصدر وَهُوَ المُرَاد هُنَا وَحكي سكونها
وَالثَّامِن إِذا كَانَت الماشيتان نِصَابا كَامِلا أَو أقل من نِصَاب ولأحدهما نِصَاب كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ
وَالتَّاسِع مُضِيّ الْحول من وَقت خلطهما إِذا كَانَ المَال حوليا فَلَو ملك كل مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ شَاة فِي أول الْمحرم وخلطا فِي أول صفر فالجديد أَنه لَا خلْطَة فِي الْحول بل إِذا جَاءَ الْمحرم وَجب على كل مِنْهُمَا شَاة وَلَو تَفَرَّقت ماشيتهما فِي أثْنَاء الْحول نظر إِن كَانَ زَمَانا طَويلا عرفا وَلَو بِلَا قصد ضرّ وَإِن كَانَ يَسِيرا وَلم يعلمَا بِهِ لم يضر فَإِن علما بِهِ وَأَقَرَّاهُ أَو قصدا ذَلِك أَو علمه أَحدهمَا فَقَط ضرّ كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ
والعاشر أَن يَكُونَا من أهل الزَّكَاة كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَلَو كَانَ النّصاب الْمَخْلُوط بَين مُسلم وَكَافِر أَو مكَاتب لم تُؤثر هَذِه الْخلطَة شَيْئا بل يعْتَبر نصيب من هُوَ من أهل الزَّكَاة إِن كَانَ بلغ نِصَابا زكى زَكَاة الْمُنْفَرد وَإِلَّا فَلَا زَكَاة وَلَا تشْتَرط نِيَّة الْخلطَة فِي الْأَصَح لِأَن خفَّة الْمُؤْنَة باتحاد الْمرَافِق لَا تخْتَلف بِالْقَصْدِ وَعَدَمه وَإِنَّمَا اشْترط الِاتِّحَاد فِيمَا مر ليجتمع المالان كَالْمَالِ الْوَاحِد ولتخف الْمُؤْنَة على المحسن بِالزَّكَاةِ
تَنْبِيه مثل خلْطَة الْجوَار خلْطَة الشّركَة وَتسَمى خلْطَة أَعْيَان لِأَن كل عين مُشْتَركَة وخلطة شيوع
تَتِمَّة الْأَظْهر تَأْثِير خلْطَة الثَّمر وَالزَّرْع والنقد وعروض التِّجَارَة باشتراك أَو مجاورة كَمَا فِي الْمَاشِيَة وَإِنَّمَا توثر خلْطَة الْجوَار فِي الثَّمر وَالزَّرْع بِشَرْط أَن لَا يتَمَيَّز الناطور وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أشهر من الْمُعْجَمَة حَافظ الزَّرْع وَالشَّجر والجرين وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم مَوضِع تجفيف الثِّمَار والبيدر وَهُوَ بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالدَّال الْمُهْملَة مَوضِع تصفية الْحِنْطَة وَفِي النَّقْد وعروض التِّجَارَة بِشَرْط أَن لَا يتَمَيَّز الدّكان والحارس وَمَكَان الْحِفْظ كخزانة وَنَحْو ذَلِك كالميزان والوزان والنقاد والمنادي والحراث وجداد النّخل والكيال والحمال والمتعهد والملقح والحصاد وَمَا يسقى بِهِ لَهما فَإِذا كَانَ لكل مِنْهُمَا نخيل أَو زرع مجاور لنخيل الآخر أَو لزرعه أَو لكل وَاحِد كيس فِيهِ نقد فِي صندوق وَاحِد وأمتعة تِجَارَة فِي مخزن وَاحِد وَلم يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر بِشَيْء مِمَّا سبق ثبتَتْ الْخلطَة لِأَن الْمَالَيْنِ يصيران بذلك كَالْمَالِ الْوَاحِد كَمَا دلّت عَلَيْهِ السّنة فِي الْمَاشِيَة
فصل فِي بَيَان نِصَاب الذَّهَب وَالْفِضَّة
وَمَا يجب إِخْرَاجه وَالْأَصْل فِي ذَلِك قبل الْإِجْمَاع مَعَ مَا يَأْتِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾
стр. 218
والكنز هُوَ الَّذِي لم تُؤَد زَكَاته (ونصاب الذَّهَب) الْخَالِص وَلَو غير مَضْرُوب (عشرُون مِثْقَالا) بِالْإِجْمَاع بِوَزْن مَكَّة لقَوْله ﷺ الْمِكْيَال مكيال الْمَدِينَة وَالْوَزْن وزن مَكَّة وَهَذَا الْمِقْدَار تَحْدِيد فَلَو نقص فِي ميزَان وَتمّ فِي أُخْرَى فَلَا زَكَاة على الْأَصَح للشَّكّ فِي النّصاب والمثقال لم يتَغَيَّر جَاهِلِيَّة وَلَا إسلاما وَهُوَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّة وَهِي شعيرَة معتدلة لم تقشر وَقطع من طرفيها مَا دق وَطَالَ (وَفِيه) أَي نِصَاب الذَّهَب (ربع الْعشْر) وَهُوَ نصف مِثْقَال تحديدا لقَوْله ﷺ لَيْسَ فِي أقل من عشْرين دِينَارا شَيْء وَفِي عشْرين نصف دِينَار (وَفِيمَا زَاد) على النّصاب (فبحسابه) وَلَو يَسِيرا (ونصاب الْوَرق) وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء الْفضة وَلَو غير مَضْرُوبَة (مِائَتَا دِرْهَم) خَالِصَة بِوَزْن مَكَّة تحديدا لقَوْله ﷺ لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ من الْوَرق صَدَقَة وَالْأُوقِية بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء على الْأَشْهر أَرْبَعُونَ درهما بالنصوص الْمَشْهُورَة وَالْإِجْمَاع قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَالْمرَاد بِالدَّرَاهِمِ الدَّرَاهِم الإسلامية الَّتِي كل عشرَة مِنْهَا سَبْعَة مَثَاقِيل وكل عشرَة مَثَاقِيل أَرْبَعَة عشر درهما وسبعان وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة مُخْتَلفَة ثمَّ ضربت فِي زمن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقيل عبد الْملك على هَذَا الْوَزْن وَأجْمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَوزن الدِّرْهَم سِتَّة دوانق والدانق ثَمَان حبات وخمسا حَبَّة فالدرهم خَمْسُونَ حَبَّة وخمسا حَبَّة وَمَتى زيد على الدِّرْهَم ثَلَاثَة أسباعه كَانَ مِثْقَالا وَمَتى نقص من المثقال ثَلَاثَة أعشاره كَانَ درهما لِأَن المثقال عشرَة أَسْبَاع فَإِذا نقص مِنْهَا ثَلَاثَة بَقِي دِرْهَم (وفيهَا) أَي الدَّرَاهِم الْمَذْكُورَة (ربع الْعشْر) مِنْهُ (وَهُوَ خَمْسَة دَرَاهِم) لقَوْله ﷺ وَفِي الرقة ربع الْعشْر (وَمَا زَاد) على النّصاب وَلَو يَسِيرا (فبحسابه) وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْمَوَاشِي ضَرَر الْمُشَاركَة وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن الذَّهَب وَالْفِضَّة معدان للنماء كالماشية السَّائِمَة وهما من أشرف نعم الله تَعَالَى على عباده إِذْ بهما قوام الدُّنْيَا ونظام أَحْوَال الْخلق فَإِن حاجات النَّاس كَثِيرَة وَكلهَا تقضى بهما بِخِلَاف غَيرهمَا من الْأَمْوَال فَمن كنزهما فقد أبطل الْحِكْمَة الَّتِي خلقا لَهَا كمن حبس قَاضِي الْبَلَد وَمنعه أَن يقْضِي حوائج النَّاس وَلَا يكمل نِصَاب أحد النَّقْدَيْنِ بِالْآخرِ لاخْتِلَاف الْجِنْس كَمَا لَا يكمل نِصَاب التَّمْر بالزبيب ويكمل الْجيد بالرديء من الْجِنْس الْوَاحِد وَعَكسه كَمَا فِي الْمَاشِيَة وَالْمرَاد بالجودة النعومة وَنَحْوهَا وبالرداء الخشونة وَنَحْوهَا وَيُؤْخَذ من كل نوع بِقسْطِهِ إِن سهل الْأَخْذ بِأَن قلت أَنْوَاعه فَإِن كثرت وشق اعْتِبَار الْجَمِيع أَخذ من الْوسط كَمَا فِي المعشرات وَلَا يجزىء رَدِيء عَن جيد وَلَا مكسور عَن صَحِيح كَمَا لَو أخرج مَرِيضَة عَن صِحَاح قَالُوا ويجزىء عَكسه بل هُوَ أفضل لِأَنَّهُ زَاد خيرا فَيسلم الْمخْرج الدِّينَار الصَّحِيح أَو الْجيد إِلَى من يُوكله الْفُقَرَاء مِنْهُم أَو من غَيرهم
قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَإِن لزمَه نصف دِينَار سلم إِلَيْهِم دِينَارا نصفه عَن الزَّكَاة وَنصفه يبْقى لَهُ مَعَهم أَمَانَة ثمَّ يتفاصل هُوَ وهم فِيهِ بِأَن يبيعوه
стр. 219
لأَجْنَبِيّ ويتقاسموا ثمنه أَو يشتروا مِنْهُ نصفه أَو يَشْتَرِي هُوَ نصفهم لَكِن يكره لَهُ شِرَاء صدقته مِمَّن تصدق عَلَيْهِ سَوَاء فِيهِ الزَّكَاة وَصدقَة التَّطَوُّع وَلَا شَيْء فِي الْمَغْشُوش وَهُوَ الْمُخْتَلط بِمَا هُوَ أدون مِنْهُ كذهب بِفِضَّة وَفِضة بنحاس حَتَّى يبلغ خالصه نِصَابا فَإِذا بلغه أخرج الْوَاجِب خَالِصا أَو مغشوشا خالصه قدر الْوَاجِب وَكَانَ مُتَطَوعا بِالنُّحَاسِ وَيكرهُ للْإِمَام ضرب الْمَغْشُوش لخَبر الصَّحِيحَيْنِ من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَلِئَلَّا يغش بِهِ بعض النَّاس بَعْضًا فَإِن علم معيارها صحت الْمُعَامَلَة بهَا وَكَذَا إِذا كَانَت مَجْهُولَة على الْأَصَح كَبيع الغالية والمعجونات
وَيكرهُ لغير الإِمَام ضرب الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَلَو خَالِصَة لِأَنَّهُ من شَأْن الإِمَام وَلِأَن فِيهِ افتياتا عَلَيْهِ
(وَلَا تجب فِي الْحلِيّ الْمُبَاح) من ذهب أَو فضَّة كخلخال لامْرَأَة (زَكَاة) لِأَنَّهُ معد لاستعمال مُبَاح فَأشبه العوامل من النعم ويزكى الْمحرم من حلي وَمن غَيره كالأواني بِالْإِجْمَاع وَكَذَا الْمَكْرُوه كالضبة الْكَبِيرَة من الْفضة للْحَاجة وَالصَّغِيرَة للزِّينَة وَمن الْمحرم الْميل للْمَرْأَة وَغَيرهَا فَيحرم عَلَيْهِمَا
نعم لَو اتخذ شخص ميلًا من ذهب أَو فضَّة لجلاء عينه فَهُوَ مُبَاح فَلَا زَكَاة فِيهِ والسوار والخلخال للبس الرجل بِأَن يَقْصِدهُ باتخاذهما فهما محرمان بِالْقَصْدِ وَالْخُنْثَى فِي حلي النِّسَاء كَالرّجلِ وَفِي حلي الرِّجَال كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا للشَّكّ فِي إِبَاحَته فَلَو اتخذ الرجل سوارا مثلا بِلَا قصد لَا للبس وَلَا لغيره أَو بِقصد إِجَارَته لمن لَهُ اسْتِعْمَاله بِلَا كَرَاهَة فَلَا زَكَاة فِيهِ لانْتِفَاء الْقَصْد الْمحرم وَالْمَكْرُوه وَكَذَا لَو انْكَسَرَ الْحلِيّ الْمُبَاح للاستعمال وَقصد إِصْلَاحه وَأمكن بِلَا صوغ فَلَا زَكَاة أَيْضا وَإِن دَامَ أحوالا لدوام صُورَة الْحلِيّ وَقصد إِصْلَاحه وَحَيْثُ أَوجَبْنَا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ وَاخْتلفت قِيمَته ووزنه فَالْعِبْرَة بِقِيمَتِه لَا بوزنه بِخِلَاف الْمحرم لعَينه كالأواني فَالْعِبْرَة بوزنه لَا بِقِيمَتِه فَلَو كَانَ لَهُ حلي وَزنه مِائَتَا دِرْهَم وَقِيمَته ثلثمِائة تخير بَين أَن يخرج ربع عشره مشَاعا ثمَّ يَبِيعهُ السَّاعِي بِغَيْر جنسه وَيفرق ثمنه على الْمُسْتَحقّين أَو يخرج خَمْسَة مصوغة قيمتهَا سَبْعَة وَنصف نَقْدا وَلَا يجوز كَسره ليعطي مِنْهُ خَمْسَة مكسرة لِأَن فِيهِ ضَرَرا عَلَيْهِ وعَلى الْمُسْتَحقّين أَو كَانَ لَهُ إِنَاء كَذَلِك تخير بَين أَن يخرج خَمْسَة من غَيره أَو يكسرهُ وَيخرج خَمْسَة أَو يخرج ربع عشره مشَاعا وَيحرم على الرجل حلي الذَّهَب وَلَو فِي آلَة الْحَرْب لقَوْله ﷺ أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإناث أمتِي وَحرم على ذكورها إِلَّا الْأنف إِذا جدع فَإِنَّهُ يجوز أَن يتَّخذ من الذَّهَب لِأَن بعض الصَّحَابَة قطع أَنفه فِي غَزْوَة فَاتخذ أنفًا من فضَّة فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأمره ﷺ أَن يَتَّخِذهُ من ذهب وَإِلَّا الْأُنْمُلَة فَإِنَّهُ يجوز اتخاذها لمن قطعت مِنْهُ وَلَو لكل أصْبع من الذَّهَب قِيَاسا على الْأنف وَإِلَّا السن فَإِنَّهُ يجوز لمن قلعت سنه اتِّخَاذ سنّ من ذهب وَإِن تعدّدت قِيَاسا أَيْضا على الْأنف وَيحرم سنّ الْخَاتم من الذَّهَب على الرجل وَهِي الشعبة الَّتِي يسْتَمْسك بهَا الفص وَيحل للرجل من الْفضة الْخَاتم بِالْإِجْمَاع وَلِأَنَّهُ ﷺ اتخذ خَاتمًا من فضَّة بل لبسه سنة سَوَاء أَكَانَ فِي الْيَمين أم فِي الْيَسَار لَكِن الْيَمين أفضل وَالسّنة أَن يَجْعَل الفص مِمَّا يَلِي كَفه
وَلَا يكره للْمَرْأَة لبس خَاتم الْفضة
تَنْبِيه لم يتَعَرَّض الْأَصْحَاب لمقدار الْخَاتم الْمُبَاح ولعلهم اكتفوا فِيهِ بِالْعرْفِ أَي عرف تِلْكَ الْبَلدة وَعَادَة أَمْثَاله فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن قَالَ الْأَذْرَعِيّ الصَّوَاب ضَبطه بِدُونِ مِثْقَال
وَلَو اتخذ الرجل خَوَاتِم كَثِيرَة ليلبس الْوَاحِدَة مِنْهَا بعد الْوَاحِد جَازَ كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا فَإِن لبسهَا مَعًا جَازَ مَا لم يود إِلَى إِسْرَاف كَمَا يُؤْخَذ من كَلَامهم وَلَو تختم الرجل فِي غير الْخِنْصر جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة كَمَا فِي شرح مُسلم وَيحل للرجل من الْفضة تحلية آلَة الْحَرْب كالسيف وَالرمْح والمنطقة لَا مَا لَا يلْبسهُ كالسرج واللجام وَلَيْسَ للْمَرْأَة تحلية آلَة الْحَرْب بِذَهَب وَلَا
стр. 220
فضَّة وَلها لبس أَنْوَاع حلي الذَّهَب وَالْفِضَّة كالسوار وَكَذَا مَا نسج بهما من الثِّيَاب
وَتحرم الْمُبَالغَة فِي السَّرف كخلخال وَزنه مِائَتَا دِينَار وَكَذَا يحرم إِسْرَاف الرجل فِي آلَة الْحَرْب
وَيجوز تحلية الْمُصحف بِفِضَّة للرجل وَالْمَرْأَة وَيجوز لَهَا فَقَط بِذَهَب لعُمُوم أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإناث أمتِي قَالَ الْغَزالِيّ وَمن كتب الْمُصحف بِذَهَب فقد أحسن وَلَا زَكَاة فِي سَائِر الْجَوَاهِر كَاللُّؤْلُؤِ والياقوت لعدم وُرُودهَا فِي ذَلِك
فصل فِي بَيَان نِصَاب الزروع وَالثِّمَار
وَمَا يجب إِخْرَاجه (ونصاب الزروع وَالثِّمَار خَمْسَة أوسق) لقَوْله ﷺ لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة والأوسق جمع وسق بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ يجمع الصيعان (وَهِي) بِالْوَزْنِ (ألف) رَطْل (وسِتمِائَة رَطْل بالعراقي) أَي الْبَغْدَادِيّ
لِأَن الوسق سِتُّونَ صَاعا والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد وَالْمدّ رَطْل وَثلث بالبغدادي وقدرت بِهِ لِأَنَّهُ الرطل الشَّرْعِيّ وَهُوَ مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم والنصاب الْمَذْكُور تَحْدِيد كَمَا فِي نِصَاب الْمَوَاشِي وَغَيرهَا وَالْعبْرَة فِيهِ بِالْكَيْلِ على الصَّحِيح
وَإِنَّمَا قدرت بِالْوَزْنِ استظهارا أَو إِذا وَافق الْكَيْل وَالْمُعْتَبر فِي الْوَزْن من كل نوع الْوسط فَإِنَّهُ يشْتَمل على الْخَفِيف والرزين وَكيله بالإردب الْمصْرِيّ سِتَّة أرادب وَربع إِرْدَب كَمَا قَالَه الْقَمُولِيّ بِجعْل القدحين صَاعا كَزَكَاة الْفطر وَكَفَّارَة الْيَمين خلافًا للسبكي فِي جعلهَا خَمْسَة أرادب وَنصف وَثلث لِأَنَّهُ جعل الصَّاع قدحين إِلَّا سبعي مد
تَنْبِيه لَا يضم ثَمَر عَام وزرعه فِي إِكْمَال النّصاب إِلَى ثَمَر وَزرع عَام آخر وَيضم ثَمَر الْعَام الْوَاحِد بعضه إِلَى بعض فِي إِكْمَال
стр. 221
النّصاب وَإِن اخْتلف إِدْرَاكه لاخْتِلَاف أَنْوَاعه وبلاده حرارة وبرودة كنجد وتهامة فتهامة حارة يسْرع إِدْرَاك الثَّمر بهَا بِخِلَاف نجد لبردها وَالْمرَاد بِالْعَام هُنَا اثْنَا عشر شهرا عَرَبِيَّة وَالْعبْرَة بِالضَّمِّ هُنَا بإطلاعهما فِي عَام فيضم طلع نخيل إِلَى الآخر إِن أطلع الثَّانِي قبل جدَاد الأول وَكَذَا بعده فِي عَام وَاحِد
نعم لَو أثمر نخل مرَّتَيْنِ فِي عَام فَلَا يضم بل هما كثمرة عَاميْنِ وزرعا الْعَام يضمان وَإِن اخْتلف زراعتهما فِي الْفُصُول وَالْعبْرَة بِالضَّمِّ هُنَا اعْتِبَار وُقُوع حصاديهما فِي سنة وَاحِدَة وَهِي اثْنَا عشر شهرا عَرَبِيَّة كَمَا مر
(و) يجب (فِيهَا) أَي فِي الْخَمْسَة أوسق وَمَا زَاد (إِن سقيت بِمَاء السَّمَاء أَو) بِمَاء (السيح) وَهُوَ بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة تَحت السَّيْل أَو بِمَا انصب إِلَيْهِ من جبل أَو نهر أَو عين أَو شرب بعروقه لقُرْبه من المَاء وَهُوَ البعلي سَوَاء فِي ذَلِك الثَّمر وَالزَّرْع (الْعشْر) كَامِلا (و) يجب فِيهَا (إِن سقيت بدولاب) بِضَم أَوله وفتحه وَهُوَ مَا يديره الْحَيَوَان أَو دالية وَهِي البكرة أَو ناعورة وَهِي مَا يديره المَاء بِنَفسِهِ (أَو بنضح) من نَحْو نهر بحيوان وَيُسمى الذّكر ناضحا وَالْأُنْثَى ناضحة أَو بِمَاء اشْتَرَاهُ أَو وهب لَهُ لعظم الْمِنَّة فِيهِ أَو غصبه لوُجُوب ضَمَانه (نصف الْعشْر) وَذَلِكَ لقَوْله ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثريا الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر وانعقد الْإِجْمَاع على ذَلِك كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَالْمعْنَى فِيهِ كَثْرَة الْمُؤْنَة وخفتها كَمَا فِي المعلوفة والسائمة
والعثري بِفَتْح الْمُهْملَة والمثلثة مَا سقِِي بِمَاء السَّيْل الْجَارِي إِلَيْهِ فِي حُفْرَة وَتسَمى الحفرة عاثوراء لتعثر المَاء بهَا إِذا لم يعلمهَا والقنوات والسواقي المحفورة من النَّهر الْعَظِيم كَمَاء الْمَطَر فَفِي المسقي بِمَاء يجْرِي فِيهَا مِنْهُ الْعشْر لِأَن مُؤنَة القنوات إِنَّمَا تخرج لعمارة الْقرْيَة والأنهار إِنَّمَا تحفر لإحياء الأَرْض فَإِذا تهيأت وصل المَاء إِلَى الزَّرْع بطبعه مرّة بعد أُخْرَى بِخِلَاف السَّقْي بالنواضح وَنَحْوهَا فَإِن الْمُؤْنَة للزَّرْع نَفسه وَفِيمَا سقِِي بالنوعين كالنضح والمطر يقسط بِاعْتِبَار مُدَّة عَيْش الثَّمر وَالزَّرْع ونمائهما لَا بأكثرهما وَلَا بِعَدَد السقيات فَلَو كَانَت الْمدَّة من يَوْم الزَّرْع مثلا إِلَى يَوْم الْإِدْرَاك ثَمَانِيَة أشهر وَاحْتَاجَ فِي أَرْبَعَة مِنْهَا إِلَى سقية فسقي بالمطر وَفِي الْأَرْبَعَة الْأُخْرَى إِلَى سقيتين فسقي بالنضح وَجب ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر وَكَذَا لَو جهلنا الْمِقْدَار من نفع كل مِنْهُمَا بِاعْتِبَار الْمدَّة أخذا بالاستواء وَلَو احْتَاجَ فِي سِتَّة مِنْهَا إِلَى سقيتين فسقي بِمَاء السَّمَاء وَفِي شَهْرَيْن إِلَى ثَلَاثَة سقيات فسقي بالنضح وَجب ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر وَربع نصف الْعشْر وَلَو اخْتلف الْمَالِك والساعي فِي أَنه سقِِي بِمَاذَا صدق الْمَالِك لِأَن الأَصْل عدم وجوب الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَإِن اتهمه السَّاعِي حلفه ندبا وَتجب الزَّكَاة فِيمَا ذكر ببدو صَلَاح ثَمَر لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ثَمَرَة كَامِلَة وَهُوَ قبل ذَلِك بلح وحصرم وباشتداد حب لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طَعَام وَهُوَ قبل ذَلِك بقل وَالصَّلَاح فِي ثَمَر وَغَيره بُلُوغه صفة يطْلب فِيهَا غَالِبا وعلامته فِي الثَّمر الْمَأْكُول المتلون أَخذه فِي حمرَة أَو سَواد أَو صفرَة كبلح وعناب ومشمش وَفِي غير المتلون مِنْهُ
стр. 222
كالعنب الْأَبْيَض لينه وتمويهه وَهُوَ صفاؤه وجريان المَاء فِيهِ وبدو صَلَاح بعضه وَإِن قل كظهوره وَسن خرص أَي حزر كل ثَمَر فِيهِ زَكَاة إِذا بدا صَلَاحه على مَالِكه لِلِاتِّبَاعِ فيطوف الخارص بِكُل شَجَرَة وَيقدر ثَمَرَتهَا أَو ثَمَرَة كل نوع رطبا ثمَّ يَابسا وَذَلِكَ لتضمين أَي لنقل الْحق من الْمعِين إِلَى الذِّمَّة تَمرا أَو زبيبا ليخرجه بعد جفافه
وَشرط فِي الْخرص الْمَذْكُور عَالم بِهِ أهل للشهادات كلهَا وَشرط تضمين من الإِمَام أَو نَائِبه لمخرج من مَالك أَو نَائِبه وَقبُول للتضمين فللمالك حِينَئِذٍ تصرف فِي الْجَمِيع فَإِن ادّعى حيف الخارص فِيمَا خرصه أَو غلطه بِمَا يبعد لم يصدق إِلَّا بِبَيِّنَة ويحط فِي الثَّانِيَة الْقدر الْمُحْتَمل وَإِن ادّعى غلطه بالمحتمل بعد تلف المخروص كُله أَو بعضه فكالوديع لَكِن الْيَمين هُنَا سنة بِخِلَافِهَا فِي الْوَدِيع فَإِنَّهَا وَاجِبَة
فصل فِي زَكَاة الْعرُوض والمعدن والركاز
وَمَا يجب إِخْرَاجه (وَتقوم عرُوض التِّجَارَة عِنْد آخر الْحول بِمَا اشْتريت بِهِ) هَذَا إِذا ملك مَال التِّجَارَة بِنَقْد وَلَو فِي ذمَّته أَو بِغَيْر نقد الْبَلَد الْغَالِب أَو دون نِصَاب فَإِنَّهُ يقوم بِهِ لِأَنَّهُ أصل مَا بِيَدِهِ وَأقرب إِلَيْهِ من نقد الْبَلَد فَلَو لم يبلغ نِصَابا لم تجب الزَّكَاة وَإِن بلغ بِغَيْرِهِ أما إِذا ملكه بِغَيْر نقد كعرض وَنِكَاح وخلع فبغالب نقد الْبَلَد يقوم بِهِ فَلَو حَال الْحول بِمحل لَا نقد فِيهِ كبلد يتعامل فِيهِ بفلوس أَو نَحْوهَا اعْتبر أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِ فَإِن ملكه بِنَقْد وَغَيره قوم مَا قَابل النَّقْد بِهِ وَالْبَاقِي بغالب نقد الْبَلَد فَإِن غلب نقدان على التَّسَاوِي وَبلغ مَال التِّجَارَة نِصَابا بأحدهم دون الآخر قوم بِهِ لتحَقّق تَمام النّصاب بِأحد النَّقْدَيْنِ وَبِهَذَا فَارق مَا لَو تمّ النّصاب فِي ميزَان دون آخر أَو بِنَقْد لَا يقوم بِهِ دون نقد يقوم بِهِ وَإِن بلغ نِصَابا بِكُل مِنْهُمَا خير الْمَالِك كَمَا فِي شاتي الْجبرَان ودراهمه وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد كَمَا صَححهُ فِي أصل الرَّوْضَة وَإِن صحّح فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ أَنه يتَعَيَّن الأنفع للمستحقين وَيضم ربح حَاصِل فِي أثْنَاء الْحول لأصل فِي الْحول إِن لم ينض بِمَا يقوم بِهِ فَلَو اشْترى عرضا بِمِائَتي دِرْهَم فَصَارَت قِيمَته فِي الْحول وَلَو قبل آخِره بلحظة ثَلَاثمِائَة زكاها آخِره أما إِذا نض دَرَاهِم أَو دَنَانِير بِمَا يقوم بِهِ وأمسكه إِلَى آخر الْحول فَلَا يضم إِلَى الأَصْل بل يُزكي الأَصْل بحوله ويفرد الرِّبْح بحول (وَيخرج من) قيمتة (ذَلِك) لَا من الْعرُوض (ربع الْعشْر) أما أَنه ربع الْعشْر فَكَمَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لِأَنَّهُ يقوم بهما وَأما أَنه من الْقيمَة فَلِأَنَّهَا مُتَعَلقَة فَلَا يجوز إِخْرَاجه من عين الْعرُوض
(وَمَا) أَي وَأي نِصَاب (استخرج من معادن الذَّهَب وَالْفِضَّة) أَي استخرج ذَلِك من هُوَ من أهل الزَّكَاة من أَرض مُبَاحَة
стр. 223
أَو مَمْلُوكَة لَهُ (يخرج مِنْهُ) أَي النّصاب (ربع الْعشْر) بِعُمُوم الْأَدِلَّة السَّابِقَة لخَبر وَفِي الرقة ربع الْعشْر وَمَا زَاد فبحسابه إِذْ لَا وقص فِي غير الْمَاشِيَة كَمَا مر
وَلَا يشْتَرط الْحول بل يجب الْإِخْرَاج (فِي الْحَال) لِأَن الْحول إِنَّمَا يعْتَبر لأجل تَكَامل النَّمَاء والمستخرج من الْمَعْدن نَمَاء فِي نَفسه فَأشبه الثِّمَار والزروع وَيضم بعض الْمخْرج إِلَى بعض إِن اتَّحد الْمَعْدن وتتابع الْعَمَل كَمَا يضم المتلاحق من الثِّمَار وَلَا يشْتَرط بَقَاء الأول على ملكه وَلَا يشْتَرط فِي الضَّم اتِّصَال النّيل لِأَنَّهُ لَا يحصل غَالِبا إِلَّا مُتَفَرقًا وَإِذا قطع الْعَمَل بِعُذْر كإصلاح آلَة أَو مرض ضم وَإِن طَال الزَّمن عرفا فَإِن قطع بِلَا عذر لم يضم طَال الزَّمن أم لَا لإعراضه
وَمعنى عدم الضَّم أَنه لَا يضم الأول إِلَى الثَّانِي فِي إِكْمَال النّصاب وَيضم الثَّانِي إِلَى الأول إِن كَانَ بَاقِيا كَمَا يضمه إِلَى مَا ملكه بِغَيْر الْمَعْدن كإرث وَهبة فِي إِكْمَال النّصاب فَإِذا استخرج من الْفضة خمسين درهما بِالْعَمَلِ الأول وَمِائَة وَخمسين بِالثَّانِي فَلَا زَكَاة فِي الْخمسين وَتجب فِي الْمِائَة وَالْخمسين كَمَا تجب فِيمَا لَو كَانَ مَالِكًا لخمسين من غير الْمَعْدن
تَنْبِيه خرج بقولنَا وَهُوَ من أهل الزَّكَاة الْمكَاتب فَإِنَّهُ يملك مَا يَأْخُذهُ من الْمَعْدن وَلَا زَكَاة عَلَيْهِ فِيهِ وَأما مَا يَأْخُذهُ الرَّقِيق فلسيده فَيلْزمهُ زَكَاته وَيمْنَع الذِّمِّيّ من أَخذ الْمَعْدن والركاز بدار الْإِسْلَام كَمَا يمْنَع من الْإِحْيَاء بهَا لِأَن الدَّار للْمُسلمين وَهُوَ دخيل فِيهَا وَالْمَانِع لَهُ الْحَاكِم فَقَط فَإِن أَخذه قبل مَنعه ملكه كَمَا لَو احتطب وَيُفَارق مَا أَحْيَاهُ بتأبد ضَرَره وَوقت وجوب حق الْمَعْدن حُصُول النّيل فِي يَده وَوقت الْإِخْرَاج عقب التخليص والتنقية من التُّرَاب وَنَحْوه كَمَا أَن وَقت الْوُجُوب فِي الزَّرْع اشتداد الْحبّ وَوقت الْإِخْرَاج التنقية
(وَمَا) أَي وَأي نِصَاب من ذهب أَو فضَّة (يُؤْخَذ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الرِّكَاز (فَفِيهِ الْخمس) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَخَالف الْمَعْدن من حَيْثُ إِنَّه لَا مُؤنَة فِي تَحْصِيله أَو مُؤْنَته قَليلَة فَكثر واجبه كالمعشرات وَيصرف هُوَ والمعدن مصرف الزَّكَاة لِأَنَّهُ حق وَاجِب فِي الْمُسْتَفَاد من الأَرْض فَأشبه الْوَاجِب فِي الزروع وَالثِّمَار
تَنْبِيه قد علم أَنه لَا بُد أَن يكون نِصَابا من النَّقْد وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْحول والركاز بِمَعْنى المركوز وَهُوَ دَفِين الْجَاهِلِيَّة وَالْمرَاد بالجاهلية مَا قبل الْإِسْلَام أَي قبل مبعث النَّبِي ﷺ كَمَا صرح بِهِ الشَّيْخ أَبُو عَليّ سموا بذلك لِكَثْرَة جهالتهم وَيعْتَبر فِي كَون المدفون الجاهلي ركازا أَن لَا يعلم أَن مَالِكه بلغته الدعْوَة فَإِن علم أَنَّهَا بلغته وعاند وَوجد فِي بنائِهِ وبلده الَّتِي أَنْشَأَهَا كثر فَلَيْسَ بركاز بل هُوَ فَيْء كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوع عَن جمَاعَة وَأقرهُ وَأَن يكون مَدْفُونا فَإِن وجده ظَاهرا فَإِن علم أَن السَّيْل أظهره فركاز أَو أَنه كَانَ ظَاهرا فلقطة وَإِن شكّ فَكَمَا لَو شكّ فِي أَنه ضرب الْجَاهِلِيَّة أَو الْإِسْلَام وَسَيَأْتِي فَإِن وجد دَفِين إسلامي كَأَن يكون عَلَيْهِ شَيْء من الْقُرْآن أَو اسْم ملك من مُلُوك الْإِسْلَام فَإِن علم مَالِكه فَلهُ فَيجب رده على مَالِكه لِأَن مَال الْمُسلمين لَا يملك بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَإِن لم يعلم مَالِكه فلقطة وَكَذَا إِن لم يعلم من أَي الضربين الجاهلي أَو الإسلامي هُوَ بِأَن كَانَ مِمَّا لَا أثر عَلَيْهِ كالتبر وَإِنَّمَا يملك الرِّكَاز الْوَاجِد لَهُ وَيلْزمهُ زَكَاته إِذا وجده فِي موَات أَو فِي ملك أَحْيَاهُ فَإِن وجده فِي مَسْجِد أَو شَارِع فلقطة وَإِن وجده فِي ملك شخص أَو فِي مَوْقُوف عَلَيْهِ فللشخص إِن ادَّعَاهُ فَإِن لم يَدعه بِأَن نَفَاهُ أَو سكت فَلِمَنْ ملك مِنْهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي الْأَمر إِلَى المحيي للْأَرْض فَيكون لَهُ وَإِن لم يَدعه لِأَنَّهُ ملكه وَلَو تنَازع الرِّكَاز فِي ملك بَائِع ومشتر أَو مكر ومكتر أَو معير ومستعير صدق ذُو الْيَد بِيَمِينِهِ كَمَا لَو تنَازعا فِي أَمْتعَة الدَّار
стр. 224
فصل فِي زَكَاة الْفطر وَيُقَال صَدَقَة الْفطر
سميت بذلك لِأَن وُجُوبهَا بِدُخُول الْفطر وَيُقَال أَيْضا زَكَاة الْفطْرَة بِكَسْر الْفَاء وَالتَّاء فِي آخرهَا كَأَنَّهَا من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ الْخلقَة المرادة بقوله تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ قَالَ وَكِيع بن الْجراح زَكَاة الْفطر لشهر رَمَضَان كسجدة السَّهْو للصَّلَاة تجبر نُقْصَان الصَّوْم كَمَا يجْبر السُّجُود نُقْصَان الصَّلَاة
وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا قبل الْإِجْمَاع خبر ابْن عمر ﵄ فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر من رَمَضَان على النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين (وَتجب زَكَاة الْفطر بِثَلَاثَة شَرَائِط) بل بأَرْبعَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) فَلَا زَكَاة على كَافِر أُصَلِّي لقَوْله ﷺ من الْمُسلمين وَهُوَ إِجْمَاع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ لِأَنَّهَا طهرة وَهُوَ لَيْسَ من أَهلهَا وَالْمرَاد أَنه لَيْسَ مطالبا بإخراجها وَلَكِن يُعَاقب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة وَأما فطْرَة الْمُرْتَد وَمن عَلَيْهِ مُؤْنَته فموقوفة على عوده إِلَى الْإِسْلَام وَكَذَا العَبْد الْمُرْتَد وَلَو غربت الشَّمْس وَمن تلْزم الْكَافِر نَفَقَته مُرْتَد لم تلْزمهُ فطرته حَتَّى يعود إِلَى الْإِسْلَام وَتلْزم الْكَافِر الْأَصْلِيّ فطْرَة رَقِيقه الْمُسلم وقريبه الْمُسلم كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا
(و) الشَّرْط الثَّانِي (بغروب) كل (الشَّمْس من آخر يَوْم من رَمَضَان) لِأَنَّهَا مُضَافَة فِي الحَدِيث إِلَى الْفطر من رَمَضَان فِي الْخَبَر الْمَاضِي وَلَا بُد من إِدْرَاك جُزْء من رَمَضَان وجزء من لَيْلَة شَوَّال وَيظْهر أثر ذَلِك فِيمَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر مَعَ أول جُزْء من أول لَيْلَة شَوَّال أَو مَعَ آخر جُزْء من رَمَضَان أَو كَانَ هُنَاكَ مُهَايَأَة فِي رَقِيق بَين اثْنَيْنِ بليلة وَيَوْم أَو نَفَقَة قريب بَين اثْنَيْنِ كَذَلِك فَهِيَ عَلَيْهِمَا لِأَن وَقت الْوُجُوب حصل فِي نوبتيهما فَتخرج عَمَّن مَاتَ بعد الْغُرُوب دون من ولد بعده وَيسن أَن تخرج قبل صَلَاة
стр. 225
الْعِيد لِلِاتِّبَاعِ وَهَذَا جري على الْغَالِب من فعل الصَّلَاة أول النَّهَار فَإِن أخرت اسْتحبَّ الْأَدَاء أول النَّهَار وَيحرم تَأْخِيرهَا عَن يَوْم الْعِيد بِلَا عذر كغيبة مَاله أَو الْمُسْتَحقّين
(و) الثَّالِث من الشُّرُوط (وجود الْفضل) أَي الْفَاضِل (عَن قوته وقوت) من تلْزمهُ نَفَقَته من (عِيَاله) من زوجية أَو بعضية أَو ملكية (فِي ذَلِك الْيَوْم) أَي يَوْم الْعِيد (وَلَيْلَته) وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون فَاضلا عَن مسكن وخادم لائقين بِهِ يحْتَاج إِلَيْهِمَا كَمَا فِي الْكَفَّارَة
بِجَامِع التَّطْهِير وَالْمرَاد بحاجة الْخَادِم أَن يَحْتَاجهُ لخدمته أَو خدمَة ممونه أما حَاجته لعمله فِي أرضه أَو مَاشِيَته فَلَا أثر لَهَا وَخرج باللائق بِهِ مَا لَو كَانَا نفيسين يُمكن إبدالهما بلائق بِهِ وَيخرج التَّفَاوُت فَيلْزمهُ ذَلِك كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْحَج نعم لَو ثبتَتْ الْفطْرَة فِي ذمَّة إِنْسَان فَإِنَّهُ يُبَاع فِيهَا مَسْكَنه وخادمه لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ التحقت بالديون وَيشْتَرط أَيْضا كَونه فَاضلا عَن دست ثوب يَلِيق بِهِ وبممونه كَمَا أَنه يبْقى لَهُ فِي الدُّيُون وَلَا يشْتَرط كَونه فَاضلا عَن دينه وَلَو لآدَمِيّ كَمَا رَجحه فِي الْمَجْمُوع
(و) الشَّرْط الرَّابِع الَّذِي تَركه المُصَنّف الْحُرِّيَّة فَلَا فطْرَة على رَقِيق لَا عَن نَفسه وَلَا عَن غَيره أما غير الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة فلعدم ملكه وَأما الْمكَاتب الْمَذْكُور فلضعف ملكه إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ زَكَاة مَاله وَلَا نَفَقَة قَرِيبه وَلَا فطْرَة على سَيّده عَنهُ لاستقلاله بِخِلَاف الْمكَاتب كِتَابَة فَاسِدَة فَإِن فطرته على سَيّده وَإِن لم تجب عَلَيْهِ نَفَقَته وَمن بعضه حر يلْزمه من الْفطْرَة بِقدر مَا فِيهِ من الْحُرِّيَّة وباقيها على مَالك الْبَاقِي هَذَا حَيْثُ لَا مُهَايَأَة بَينه وَبَين مَالك بعضه فَإِن كَانَت مُهَايَأَة اخْتصّت الْفطْرَة مِمَّن وَقعت فِي نوبَته وَمثله فِي ذَلِك الرَّقِيق الْمُشْتَرك (ويزكي عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من) زَوجته وَبَعضه ورقيقه (الْمُسلمين)
تَنْبِيه ضَابِط ذَلِك من لزمَه فطْرَة نَفسه لزمَه فطْرَة من تلْزمهُ نَفَقَته بِملك أَو قرَابَة أَو زوجية إِذا كَانُوا مُسلمين وَوجد مَا يُؤَدِّي عَنْهُم وَاسْتثنى من هَذَا الضَّابِط مسَائِل مِنْهَا لَا يلْزم الْمُسلم فطْرَة الرَّقِيق والقريب وَالزَّوْجَة الْكفَّار وَإِن وَجَبت نَفَقَتهم لقَوْله ﷺ فِي الْخَبَر السَّابِق من الْمُسلمين وَمِنْهَا لَا يلْزم العَبْد فطْرَة زَوجته حرَّة كَانَت أَو غَيرهَا وَإِن أَوجَبْنَا نَفَقَتهَا فِي كَسبه وَنَحْوه لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا لفطرة نَفسه فَكيف يتَحَمَّل عَن غَيره وَمِنْهَا لَا يلْزم الابْن فطْرَة زَوْجَة أَبِيه ومستولدته وَإِن وَجَبت نفقتهما على الْوَلَد لِأَن النَّفَقَة لَازِمَة للْأَب مَعَ إِعْسَاره فيتحملها الْوَلَد بِخِلَاف الْفطْرَة وَمِنْهَا عبد بَيت المَال تجب نَفَقَته دون فطرته وَمِنْهَا الْفَقِير الْعَاجِز عَن الْكسْب يلْزم الْمُسلمين نَفَقَته دون فطرته وَمِنْهَا مَا نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه لَو آجر عَبده وَشرط نَفَقَته على الْمُسْتَأْجر فَإِن الْفطْرَة على سَيّده وَمِنْهَا عبد الْمَالِك فِي الْمُسَاقَاة والقراض إِذا شَرط عمله مَعَ الْعَامِل فنفقته عَلَيْهِ وفطرته على سَيّده وَمِنْهَا مَا لَو حج بِالنَّفَقَةِ وَمِنْهَا عبد الْمَسْجِد فَلَا تجب فطرتهما وَإِن وَجَبت نفقتهما سَوَاء أَكَانَ عبد الْمَسْجِد ملكا لَهُ أَو مَوْقُوفا
стр. 226
عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْمَوْقُوف على جِهَة أَو معِين كَرجل ومدرسة ورباط وَلَو أعْسر الزَّوْج وَقت الْوُجُوب أَو كَانَ عبدا لزم سيد الزَّوْجَة الْأمة فطرتها لَا الْحرَّة فَلَا تلزمها وَلَا زَوجهَا لانْتِفَاء يسَاره وَالْفرق كَمَال تَسْلِيم الْحرَّة نَفسهَا بِخِلَاف الْأمة لاستخدام السَّيِّد لَهَا
ويزكي عَن نَفسه وجوبا (صَاعا من) غَالب (قوت بَلَده) إِن كَانَ بلديا وَفِي غَيره من غَالب قوت مَحَله لِأَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف النواحي وَالْمُعْتَبر فِي غَالب الْقُوت غَالب قوت السّنة كَمَا فِي الْمَجْمُوع لَا غَالب قوت وَقت الْوُجُوب خلافًا للغزالي فِي وسيطه
ويجزىء الْقُوت الْأَعْلَى عَن الْقُوت الْأَدْنَى لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَلَا عكس لنقصه عَن الْحق وَالِاعْتِبَار فِي الْأَعْلَى والأدنى بِزِيَادَة الاقتيات لِأَنَّهُ الْمَقْصُود فالبر خير من التَّمْر والأرز وَمن الزَّبِيب وَالشعِير من الزَّبِيب فالشعير خير من التَّمْر لِأَنَّهُ أبلغ فِي الاقتيات وَالتَّمْر خير مِنْهُ بِالْأولَى وَيَنْبَغِي أَن يكون الشّعير خيرا من الْأرز وَأَن الْأرز خير من التَّمْر
وَله أَن يخرج عَن نَفسه من قوت وَاجِب وَعَمن تلْزمهُ فطرته كزوجته وَعَبده وقريبه أَو عَمَّن تبرع عَنهُ بِإِذْنِهِ أَعلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَلَا يبعض الصَّاع الْمخْرج عَن الشَّخْص الْوَاحِد من جِنْسَيْنِ وَإِن كَانَ أحد الجنسين أَعلَى من الْوَاجِب كَمَا لَا يجزىء فِي كَفَّارَة الْيَمين أَن يكسو خَمْسَة وَيطْعم خَمْسَة أما لَو أخرج الصَّاع عَن اثْنَيْنِ كَأَن ملك وَاحِد نصفي عَبْدَيْنِ أَو مبعضين ببلدين مختلفي الْقُوت فَإِنَّهُ يجوز تبعيض الصَّاع أَو إِخْرَاجه من نَوْعَيْنِ فَإِنَّهُ جَائِز إِذا كَانَ من الْغَالِب وَلَو كَانَ فِي بلد أقوات لَا غَالب فِيهَا تخير وَالْأَفْضَل أَعْلَاهَا فِي الاقتيات لقَوْله تَعَالَى ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾
تَنْبِيه لَو كَانُوا يقتاتون الْقَمْح الْمَخْلُوط بِالشَّعِيرِ تخير إِن كَانَ الخليطان على حد سَوَاء فَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر وَجب مِنْهُ فَإِن لم يجد إِلَّا نصفا من ذَا وَنصفا من ذَا فَوَجْهَانِ أوجههمَا أَنه يخرج النّصْف الْوَاجِب عَلَيْهِ وَلَا يجزىء الآخر لما مر أَنه لَا يجوز أَن يبعض الصَّاع من جِنْسَيْنِ وَأما من يُزكي عَن غَيره فَالْعِبْرَة بغالب قوت مَحل الْمُؤَدى عَنهُ فَلَو كَانَ الْمُؤَدِّي بِمحل آخر اعْتبرت بقوت مَحل الْمُؤَدى عَنهُ بِنَاء على الْأَصَح من أَن الْفطْرَة تجب أَولا عَلَيْهِ ثمَّ يتحملها عَنهُ الْمُؤَدِّي فَإِن لم يعرف مَحَله كَعبد آبق فَيحْتَمل كَمَا قَالَ جمَاعَة اسْتثِْنَاء هَذِه أَو يخرج فطرته من قوت آخر مَحل عهد وُصُوله إِلَيْهِ لِأَن الأَصْل أَنه فِيهِ أَو يخرج للْحَاكِم لِأَن لَهُ نقل الزَّكَاة فَإِن لم يكن قوت الْمحل الَّذِي يخرج مِنْهُ مجزيا اعْتبر أقرب الْمحَال إِلَيْهِ وَإِن كَانَ بِقُرْبِهِ محلان متساويان قربا تخير بَينهمَا
(وَقدره) أَي الصَّاع بِالْوَزْنِ (خَمْسَة أَرْطَال وَثلث) رَطْل (بالعراقي) أَي بالبغدادي
وَتقدم الْكَلَام فِي بَيَان رَطْل بَغْدَاد فِي مَوْضِعه وَالْأَصْل فِيهِ الْكَيْل وَإِنَّمَا قدر بِالْوَزْنِ استظهارا وَالْعبْرَة بالصاع النَّبَوِيّ إِن وجد أَو معياره فَإِن فقد أخرج قدرا يتَيَقَّن أَنه لَا ينقص عَن الصَّاع
قَالَ فِي الرَّوْضَة قَالَ جمَاعَة الصَّاع أَربع حفنات بكفي رجل معتدلهما انْتهى
والصاع بِالْكَيْلِ الْمصْرِيّ قدحان وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يزِيد شَيْئا يَسِيرا لاحْتِمَال اشتمالهما على طين أَو تبن أَو نَحْو ذَلِك
قَالَ ابْن الرّفْعَة كَانَ قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين السكرِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول حِين يخْطب بِمصْر خطْبَة عيد الْفطر والصاع قدحان بكيل بلدكم هَذِه سَالم من الطين وَالْعَيْب
стр. 227
والغلت وَلَا يجزىء فِي بلدكم هَذِه إِلَّا الْقَمْح اه
فَائِدَة ذكر الْقفال الشَّاشِي فِي محَاسِن الشَّرِيعَة معنى لطيفا فِي إِيجَاب الصَّاع وَهُوَ أَن النَّاس تمْتَنع غَالِبا من الْكسْب فِي الْعِيد وَثَلَاثَة أَيَّام بعده وَلَا يجد الْفَقِير من يَسْتَعْمِلهُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَيَّام سرُور وراحة عقب الصَّوْم وَالَّذِي يتَحَصَّل من الصَّاع عِنْد جعله خبْزًا ثَمَانِيَة أَرْطَال من الْخبز فَإِن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث كَمَا مر ويضاف إِلَيْهِ من المَاء نَحْو الثُّلُث فَيَأْتِي مِنْهُ ذَلِك وَهُوَ كِفَايَة الْفَقِير فِي أَرْبَعَة أَيَّام لكل يَوْم رطلان
تَتِمَّة جنس الصَّاع الْوَاجِب الْقُوت الَّذِي يجب فِيهِ الْعشْر أَو نصفه لِأَن النَّص قد ورد فِي بعض المعشرات كالبر وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب وَقيس الْبَاقِي عَلَيْهِ بِجَامِع الاقتيات ويجزىء الأقط لثُبُوته فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ لبن يَابِس غير منزوع الزّبد وَفِي مَعْنَاهُ لبن وَجبن لم ينْزع زبدهما وأجزأ كل من الثَّلَاثَة لمن هُوَ قوته سَوَاء أَكَانَ من أهل الْبَادِيَة أم الْحَاضِرَة أما منزوع الزّبد من ذَلِك فَلَا يجزىء وَكَذَا لَا يجزىء الكشك وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف مَعْرُوف وَلَا المخيض وَلَا المصل وَلَا السّمن وَلَا الْملح وَلَا اللَّحْم وَلَا مملح من الأقط أفسد كَثْرَة الْملح جوهره بِخِلَاف الْملح الْيَسِير فيجزىء لَكِن لَا يحْسب الْملح فَيخرج قدرا يكون مَحْض الأقط مِنْهُ صَاعا
وللأصل أَن يخرج من مَاله زَكَاة موليه الْغَنِيّ لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بتمليكه بِخِلَاف غير موليه كَوَلَد رشيد وأجنبي لَا يجوز إخْرَاجهَا عَنهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَو اشْترك موسران أَو مُوسر ومعسر فِي رَقِيق لزم كل مُوسر قدر حِصَّته لَا من واجبه كَمَا وَقع فِي الْمِنْهَاج بل من قوت مَحل الرَّقِيق كَمَا علم مِمَّا مر
وَصرح بِهِ فِي الْمَجْمُوع بِنَاء على مَا مر من أَن الْأَصَح أَنَّهَا تجب ابْتِدَاء على الْمُؤَدى عَنهُ ثمَّ يتحملها الْمُؤَدِّي
فصل فِي قسم الصَّدقَات
أَي الزكوات على مستحقيها وَسميت بذلك لإشعارها بِصدق باذلها وَذكرهَا المُصَنّف فِي آخر الزَّكَاة تبعا للْإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْأُم وَهُوَ أنسب من ذكر الْمِنْهَاج لَهَا تبعا للمزني بعد قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة
(وتدفع الزَّكَاة) من أَي صنف كَانَ من أصنافها الثَّمَانِية الْمُتَقَدّم بَيَانهَا (إِلَى) جَمِيع (الْأَصْنَاف الثَّمَانِية) عِنْد وجودهم فِي مَحل المَال (وهم) الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ قد علم من الْحصْر بإنها أَنما لَا تصرف لغَيرهم وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِي استيعابهم وأضاف فِي الْآيَة الْكَرِيمَة الصَّدقَات إِلَى الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة الأولى بلام الْملك وَإِلَى الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة بفي الظَّرْفِيَّة للإشعار بِإِطْلَاق الْملك فِي الْأَرْبَعَة الأولى وتقييده فِي الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة حَتَّى إِذا لم يحصل
стр. 228
الصّرْف فِي مصارفها اسْترْجع بِخِلَافِهِ فِي الأولى على مَا يَأْتِي
وَسكت المُصَنّف عَن تَعْرِيف هَذِه الْأَصْنَاف وَأَنا أذكرهم على نظم الْآيَة الْكَرِيمَة
فَالْأول الْفَقِير وَهُوَ من لَا مَال لَهُ وَلَا كسب لَائِق بِهِ يَقع جميعهما أَو مجموعهما موقعا من كِفَايَته مطعما وملبسا ومسكنا وَغَيرهمَا مِمَّا لَا بُد لَهُ مِنْهُ على مَا يَلِيق بِحَالهِ وَحَال ممونه كمن يحْتَاج إِلَى عشرَة وَلَا يملك أَو لَا يكْتَسب إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة وَسَوَاء أَكَانَ مَا يملكهُ نِصَابا أم أقل أم أَكثر
وَالثَّانِي الْمِسْكِين وَهُوَ من لَهُ مَال أَو كسب لَائِق بِهِ يَقع موقعا من كِفَايَته وَلَا يَكْفِيهِ كمن يملك أَو يكْتَسب سَبْعَة أَو ثَمَانِيَة وَلَا يَكْفِيهِ إِلَّا عشرَة وَالْمرَاد أَنه لَا يَكْفِيهِ الْعُمر الْغَالِب وَيمْنَع فقر الشَّخْص ومسكنته كِفَايَته بِنَفَقَة قريب أَو زوج أَو سيد لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج كمكتسب كل يَوْم قدر كِفَايَته واشتغاله بنوافل وَالْكَسْب يمنعهُ مِنْهَا لَا اشْتِغَاله بِعلم شَرْعِي يَتَأَتَّى مِنْهُ تَحْصِيله وَالْكَسْب يمنعهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ فرض كِفَايَة وَلَا يمْنَع ذَلِك أَيْضا مَسْكَنه وخادمه وثيابه وَكتب لَهُ يحتاجها وَلَا مَال لَهُ غَائِب بمرحلتين أَو مُؤَجل فَيعْطى مَا يَكْفِيهِ إِلَى أَن يصل إِلَى مَاله أَو يحل الْأَجَل لِأَنَّهُ الْآن فَقير أَو مِسْكين
وَالثَّالِث الْعَامِل على الزَّكَاة كساع يجبيها وَكَاتب يكْتب مَا أعطَاهُ أَرْبَاب الْأَمْوَال وقاسم وحاشر يجمعهُمْ أَو يجمع ذَوي السهْمَان لَا قَاض ووال فَلَا حق لَهما فِي الزَّكَاة بل رزقهما فِي خمس الْخمس المرصد للْمصَالح
وَالرَّابِع الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم جمع مؤلف من التَّأْلِيف وَهُوَ من أسلم وَنِيَّته ضَعِيفَة فيتألف ليقوى إيمَانه أَو من أسلم وَنِيَّته فِي الْإِسْلَام قَوِيَّة وَلَكِن لَهُ شرف فِي قومه يتَوَقَّع بإعطائه إِسْلَام غَيره أَو كَاف لنا شَرّ من يَلِيهِ من كفار أَو مانعي زَكَاة فهذان القسمان الأخيران إِنَّمَا يعطيان إِذا كَانَ إعطاؤهما أَهْون علينا من جَيش يبْعَث لذَلِك فَقَوْل الْمَاوَرْدِيّ يعْتَبر فِي إِعْطَاء الْمُؤَلّفَة احتياجنا إِلَيْهِم مَحْمُول على غير الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلين أما هما فَلَا يشْتَرط فيهمَا ذَلِك كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامهم
وَهل تكون الْمَرْأَة من الْمُؤَلّفَة وَجْهَان أصَحهمَا نعم
وَالْخَامِس الرّقاب وهم المكاتبون كِتَابَة صَحِيحَة لغير مزك فيعطون وَلَو بِغَيْر إِذن ساداتهم أَو قبل حُلُول النُّجُوم مَا يعينهم على الْعتْق إِن لم يكن مَعَهم مَا يَفِي بنجومهم أما مكَاتب الْمُزَكي فَلَا يعْطى من زَكَاته شَيْئا لعود الْفَائِدَة إِلَيْهِ مَعَ كَونه ملكه
وَالسَّادِس الْغَارِم وَهُوَ ثَلَاثَة من تداين لنَفسِهِ فِي مُبَاح طَاعَة كَانَ أَو لَا وَإِن صرفه فِي مَعْصِيّة أَو فِي غير مُبَاح كخمر وَتَابَ وَظن صدقه أَو صرفه فِي مُبَاح فَيعْطى مَعَ الْحَاجة بِأَن يحل الدّين وَلَا يقدر على وفائه بِخِلَاف مَا لَو تداين لمعصية وَصَرفه فِيهَا وَلم يتب فَلَا يعْطى وَمَا لَو لم يحْتَج لم يُعْط أَو تداين لإِصْلَاح ذَات الْبَين أَي الْحَال بَين الْقَوْم كَأَن خَافَ فتْنَة بَين قبيلتين تنازعتا فِي قَتِيل لم يظْهر قَاتله فَتحمل الدِّيَة تسكينا للفتنة فَيعْطى وَلَو غَنِيا ترغيبا فِي هَذِه المكرمة أَو تداين لضمان فَيعْطى إِن أعْسر مَعَ الْأَصِيل أَو أعْسر وَحده وَكَانَ مُتَبَرعا بِالضَّمَانِ بِخِلَاف مَا إِذا ضمن بِالْإِذْنِ
وَالسَّابِع سَبِيل الله تَعَالَى وَهُوَ غاز ذكر مُتَطَوّع بِالْجِهَادِ فَيعْطى وَلَو غَنِيا إِعَانَة لَهُ على الْغَزْو
وَالثَّامِن ابْن السَّبِيل وَهُوَ منشىء سفر من بلد الزَّكَاة أَو مجتاز بِهِ فِي سَفَره إِن احْتَاجَ وَلَا مَعْصِيّة بِسَفَرِهِ
стр. 229
تَنْبِيه من علم الدَّافِع من إِمَام أَو غَيره حَاله من اسْتِحْقَاقه الزَّكَاة وَعَدَمه عمل بِعِلْمِهِ وَمن لَا يعلم حَاله فَإِن ادّعى ضعف إِسْلَام صدق بِلَا يَمِين أَو ادّعى فقرا أَو مسكنة فَكَذَلِك لَا إِن ادّعى عيالا أَو تلف مَال عرف أَن لَهُ فيكلف بَيِّنَة لسهولتها كعامل ومكاتب وغارم وَبَقِيَّة الْمُؤَلّفَة وَصدق غاز وَابْن السَّبِيل بِلَا يَمِين فَإِن تخلفا عَمَّا أخذا لأَجله اسْتردَّ مِنْهُمَا مَا أخذاه وَالْبَيِّنَة هُنَا إِخْبَار عَدْلَيْنِ أَو عدل وَامْرَأَتَيْنِ ويغني عَن الْبَيِّنَة استفاضة بَين النَّاس وتصديق دائن فِي الْغَارِم وَسيد للْمكَاتب
وَيُعْطى فَقير ومسكين كِفَايَة عمر غَالب فيشتريان بِمَا يعطيانه عقارا يستغلانه وَللْإِمَام أَن يَشْتَرِي لَهُ ذَلِك كَمَا فِي الْغَازِي هَذَا فِيمَن لَا يحسن الْكسْب بحرفة وَلَا تِجَارَة أما من يحسن الْكسْب بحرفة فَيعْطى مَا يَشْتَرِي بِهِ آلاتها أَو بِتِجَارَة فَيعْطى مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يحسن التِّجَارَة فِيهِ مَا يَفِي ربحه بكفايته غَالِبا وَيُعْطى مكَاتب وغارم لغير إصْلَاح ذَات الْبَين مَا عَجزا عَنهُ من وَفَاء دينهما وَيُعْطى ابْن سَبِيل مَا يوصله مقْصده أَو مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال فِي طَرِيقه وَيُعْطى غاز حَاجته فِي غَزوه ذَهَابًا وإيابا وَإِقَامَة لَهُ ولعياله ويملكه فَلَا يسْتَردّ مِنْهُ ويهيأ لَهُ مركوب إِن لم يطق الْمَشْي أَو طَال سَفَره وَمَا يحمل زَاده ومتاعه إِن لم يعْتد مثله حملهما كَابْن السَّبِيل والمؤلفة يُعْطِيهَا الإِمَام أَو الْمَالِك مَا يرَاهُ
وَالْعَامِل يعْطى أُجْرَة مثله وَمن فِيهِ صفتا اسْتِحْقَاق كفقير وغارم يَأْخُذ بِإِحْدَاهُمَا
(و) يجب تَعْمِيم الْأَصْنَاف الثَّمَانِية فِي الْقسم إِن أمكن بِأَن قسم الإِمَام وَلَو بنائبه ووجدوا لظَاهِر الْآيَة فَإِن لم يُمكن بِأَن قسم الْمَالِك إِذْ لَا عَامل أَو الإِمَام وَوجد بَعضهم وَجب الدّفع (إِلَى من يُوجد مِنْهُم) وتعميم من وجد مِنْهُم وعَلى الإِمَام تَعْمِيم آحَاد كل صنف وَكَذَا الْمَالِك إِن انحصروا بِالْبَلَدِ ووفى بهم المَال فَإِن لم ينحصروا أَو انحصروا (و) لَا وفى بهم المَال (لم يجز الِاقْتِصَار على أقل من ثَلَاثَة من كل صنف) لذكره فِي الْآيَة بِصِيغَة الْجمع وَهُوَ المُرَاد بفي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل الَّذِي هُوَ للْجِنْس (إِلَّا الْعَامِل) فَإِنَّهُ يسْقط إِذْ قسم الْمَالِك وَيجوز حَيْثُ كَانَ أَن يكون وَاحِدًا إِن حصلت بِهِ الْكِفَايَة وَتجب التَّسْوِيَة بَين الْأَصْنَاف غير الْعَامِل وَلَو زَادَت حَاجَة بَعضهم وَلَا تجب التَّسْوِيَة بَين آحَاد الصِّنْف إِلَّا أَن يقسم الإِمَام وتتساوى الْحَاجَات فَتجب التَّسْوِيَة وَيحرم على الْمَالِك وَلَا يُجزئهُ نقل الزَّكَاة من بلد وُجُوبهَا مَعَ وجود الْمُسْتَحقّين إِلَى بلد آخر فَإِن عدمت الْأَصْنَاف فِي بلد وُجُوبهَا أَو فضل عَنْهُم شَيْء وَجب نقلهَا أَو الْفَاضِل إِلَى مثلهم بأقرب بلد إِلَيْهِ وَإِن عدم بَعضهم أَو فضل عَنهُ شَيْء رد نصيب الْبَعْض أَو الْفَاضِل عَنهُ على البَاقِينَ إِن نقص نصِيبهم عَن كفايتهم أما الإِمَام فَلهُ وَلَو بنائبه نقل الزَّكَاة مُطلقًا
وَلَو امْتنع المستحقون من أَخذهَا قوتلوا
فرع لَو كَانَ شخص عَلَيْهِ دين فَقَالَ الْمَدْيُون لصَاحب الدّين ادْفَعْ لي من زكاتك حَتَّى أقضيك دينك فَفعل أَجزَأَهُ عَن الزَّكَاة وَلَا يلْزم الْمَدْيُون الدّفع إِلَيْهِ عَن دينه وَلَو قَالَ صَاحب الدّين اقْضِ مَا عَلَيْك لأرده عَلَيْك من زكاتي فَفعل صَحَّ الْقَضَاء وَلَا يلْزمه رده إِلَيْهِ فَلَو دفع إِلَيْهِ وَشرط أَن يَقْضِيه ذَلِك عَن دينه لم يجزه وَلَا يَصح قَضَاؤُهُ بهَا وَلَو نوياه بِلَا شَرط جَازَ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دين فَقَالَ جعلته عَن زكاتي لم يجزه على الصَّحِيح حَتَّى يقبضهُ ثمَّ يردهُ إِلَيْهِ وَقيل يُجزئهُ كَمَا لَو كَانَ وَدِيعَة (وَخَمْسَة لَا يجوز دَفعهَا) أَي الزَّكَاة (إِلَيْهِم) الأول (الْغَنِيّ بِمَال) حَاضر عِنْده (أَو كسب) لَائِق بِهِ يَكْفِيهِ
(و) الثَّانِي
стр. 230
(العَبْد) غير الْمكَاتب إِذْ لَا حق فِيهَا لمن بِهِ رق غير الْمكَاتب
(و) الثَّالِث (بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب) فَلَا تحل لَهما لقَوْله ﷺ إِن هَذِه الصَّدقَات إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد رَوَاهُ مُسلم
وَقَالَ لَا أحل لكم أهل الْبَيْت من الصَّدقَات شَيْئا إِن لكم فِي خمس الْخمس مَا يكفيكم أَو يغنيكم أَي بل يغنيكم وَلَا تحل أَيْضا لمواليهم لخَبر مولى الْقَوْم مِنْهُم
(و) الرَّابِع (من تلْزم الْمُزَكي نَفَقَته) بزوجية أَو بعضية (لَا يَدْفَعهَا) إِلَيْهِم (باسم) أَي من سهم (الْفُقَرَاء) وَلَا من سهم (الْمَسَاكِين) لغناهم بذلك وَله دَفعهَا إِلَيْهِم من سهم بَاقِي الْأَصْنَاف إِذا كَانُوا بِتِلْكَ الصّفة إِلَّا أَن الْمَرْأَة لَا تكون عاملة وَلَا غَازِيَة كَمَا فِي الرَّوْضَة
تَنْبِيه أفرد المُصَنّف الضَّمِير فِي نَفَقَته حملا على لفظ من وَجمعه فِي إِلَيْهِم حملا على مَعْنَاهُ
وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيده بالمزكي إِذْ من تلْزم غير الْمُزَكي نَفَقَته كَذَلِك فَلَو حذفه لَكَانَ أخصر وأشمل
(و) الْخَامِس (لَا تصح للْكَافِرِ) لخَبر الصَّحِيحَيْنِ صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم نعم الكيال والحمال والحافظ وَنَحْوهم يجوز كَونهم كفَّارًا مستأجرين من سهم الْعَامِل لِأَن ذَلِك أُجْرَة لَا زَكَاة
تَنْبِيه يجب أَدَاء الزَّكَاة فَوْرًا إِذا تمكن من الْأَدَاء بِحُضُور مَال وآخذ لِلزَّكَاةِ من إِمَام أَو ساع أَو مُسْتَحقّ وبجفاف تمر وتنقية حب وخلو مَالك من مُهِمّ ديني أَو دُنْيَوِيّ كَصَلَاة وَأكل وبقدرة على غَائِب قار أَو على اسْتِيفَاء دين حَال وبزوال حجر فلس وَتَقْرِير أُجْرَة قبضت وَلَا يشْتَرط تَقْرِير صدَاق بِمَوْت أَو وَطْء
وَفَارق الْأُجْرَة بِأَنَّهَا مُسْتَحقَّة فِي مُقَابلَة الْمَنَافِع فبفواتها يَنْفَسِخ العقد بِخِلَاف الصَدَاق فَإِن أخر أداءها وَتلف المَال ضمن وَله أَدَاؤُهَا لمستحقيها إِلَّا إِن طلبَهَا إِمَام عَن مَال ظَاهر فَيجب أَدَاؤُهَا لَهُ وَله دَفعهَا إِلَى الإِمَام بِلَا طلب مِنْهُ وَهُوَ أفضل من تفريقها بِنَفسِهِ وَتجب نِيَّة فِي الزَّكَاة كهذه زكاتي أَو فرض صدقتي أَو صَدَقَة مَالِي الْمَفْرُوضَة وَلَا يَكْفِي فرض مَالِي لِأَنَّهُ يكون كَفَّارَة ونذرا وَلَا صَدَقَة مَالِي لِأَنَّهَا قد تكون نَافِلَة وَلَا يجب فِي النِّيَّة تعْيين مَال فَإِن عينه لم يَقع عَن غَيره وَتلْزم الْوَلِيّ عَن مَحْجُوره وتكفي النِّيَّة عِنْد عزلها عَن المَال وَبعده وَعند دَفعهَا لإِمَام أَو وَكيل وَالْأَفْضَل أَن ينويا عِنْد تَفْرِيق أَيْضا وَله أَن يُوكل فِي النِّيَّة وَلَا يَكْفِي نِيَّة إِمَام عَن الْمُزَكي بِلَا إِذن مِنْهُ إِلَّا عَن مُمْتَنع من أَدَائِهَا فتكفي وَتلْزَمهُ إِقَامَة لَهَا مقَام نِيَّة الْمُزَكي وَالزَّكَاة تتَعَلَّق بِالْمَالِ الَّذِي تجب فِيهِ تعلق شركَة بِقَدرِهَا
فَلَو بَاعَ مَا تعلّقت بِهِ الزَّكَاة أَو بعضه قبل إخْرَاجهَا بَطل فِي قدرهَا إِلَّا إِن بَاعَ مَال تِجَارَة بِلَا مُحَابَاة فَلَا يبطل لِأَن مُتَعَلق الزَّكَاة الْقيمَة وَهِي لَا تفوت بِالْبيعِ وَسن للْإِمَام أَن يعلم شهرا لأخذ الزَّكَاة وَسن أَن يكون الْمحرم لِأَنَّهُ أول السّنة الشَّرْعِيَّة وَأَن يسم نعم زَكَاة وفيء لِلِاتِّبَاعِ فِي مَحل صلب ظَاهر للنَّاس لَا يكثر شعره وَحرم الوسم فِي الْوَجْه للنَّهْي عَنهُ
تَتِمَّة صَدَقَة التَّطَوُّع سنة لما ورد فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة وَتحل لَغَنِيّ وَلِذِي الْقُرْبَى لَا للنَّبِي ﷺ وَتحل لكَافِر وَدفعهَا سرا وَفِي رَمَضَان ولنحو قريب كَزَوْجَة وصديق فجار قريب أقرب فأقرب أفضل وَتحرم بِمَا تحتاجه من نَفَقَة وَغَيرهَا لممونه من نَفسه وَغَيره أَو لدين لَا يظنّ لَهُ وَفَاء لَو تصدق بِهِ وَتسن بِمَا فضل عَن حَاجته لنَفسِهِ وَمؤنَة يَوْمه وَلَيْلَته وَفصل كسوته ووفاء دينه إِن صَبر على الإضاقة وَإِلَّا كره كَمَا فِي الْمُهَذّب
وَيسن الْإِكْثَار من الصَّدَقَة فِي رَمَضَان وَأَيَّام الْحَاجَات وَعند كسوف وَمرض
стр. 231
وسفر وَحج وَجِهَاد وَفِي أزمنة وأمكنة فاضلة كعشر ذِي الْحجَّة وَأَيَّام الْعِيد وَمَكَّة وَالْمَدينَة وَيسن أَن يخص بِصَدَقَتِهِ أهل الْخَيْر والمحتاجين وَلَو كَانَ التَّصْدِيق بِشَيْء يسير فَفِي الصَّحِيحَيْنِ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَمن تصدق بِشَيْء كره أَن يَتَمَلَّكهُ من جِهَة من دَفعه إِلَيْهِ بمعاوضة أَو غَيرهَا وَيحرم الْمَنّ بِالصَّدَقَةِ وَيبْطل بِهِ ثَوَابهَا وَيسن أَن يتَصَدَّق بِمَا يُحِبهُ قَالَ تَعَالَى ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾
تَعَالَى حِكَايَة عَن مَرْيَم ﴿إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ إمساكا وسكوتا عَن الْكَلَام
стр. 232
كتاب الصّيام
تَعْرِيف الصَّوْم وَالْأَصْل مِنْهُ وَالصَّوْم لُغَة الْإِمْسَاك وَمِنْه قَوْله
وَشرعا إمْسَاك عَن الْمُفطر على وَجه مَخْصُوص مَعَ النِّيَّة
وَالْأَصْل فِي وُجُوبه قبل الْإِجْمَاع آيَة ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ وَخبر بني الْإِسْلَام على خمس وَفرض فِي شعْبَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة
وأركانه ثَلَاثَة صَائِم وَنِيَّة وإمساك عَن المفطرات
وَيجب صَوْم رَمَضَان بِأحد أَمريْن بإكمال شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَو رُؤْيَة الْهلَال لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان لقَوْله ﷺ صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا ووجوبه مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فَمن جحد وُجُوبه فَهُوَ كَافِر إِلَّا أَن يكون قريب عهد بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ بَعيدا عَن الْعلمَاء وَمن ترك صَوْمه غير جَاحد من غير عذر كَمَرَض وسفر كَأَن قَالَ الصَّوْم وَاجِب عَليّ وَلَكِن لَا أَصوم حبس وَمنع الطَّعَام وَالشرَاب نَهَارا ليحصل لَهُ صُورَة الصَّوْم بذلك
وَتثبت رُؤْيَته فِي حق من لم يره بِعدْل شَهَادَة لقَوْل ابْن عمر أخْبرت النَّبِي ﷺ أَنِّي رَأَيْت الْهلَال فصَام وَأمر النَّاس بصيامه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان
وَلما روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره أَن أَعْرَابِيًا شهد عِنْد النَّبِي ﷺ بِرُؤْيَتِهِ فَأمر النَّاس بصيامه
وَالْمعْنَى فِي ثُبُوته بِالْوَاحِدِ الِاحْتِيَاط للصَّوْم وَهِي شَهَادَة حسبَة
قَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَيجب الصَّوْم أَيْضا على من أخبرهُ موثوق بِهِ بِالرُّؤْيَةِ إِذا اعْتقد صدقه وَإِن لم يذكرهُ عِنْد القَاضِي وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَة أشهد أَنِّي رَأَيْت الْهلَال وَمحل ثُبُوت رَمَضَان بِعدْل فِي الصَّوْم قَالَ الزَّرْكَشِيّ وتوابعه كَصَلَاة التَّرَاوِيح وَالِاعْتِكَاف وَالْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ المعلقين بِدُخُول رَمَضَان لَا فِي غير ذَلِك كَدين مُؤَجل وَوُقُوع طَلَاق وَعتق معلقين بِهِ هَذَا
стр. 233
كَمَا قَالَ الْبَغَوِيّ إِن سبق التَّعْلِيق الشَّهَادَة
فَلَو حكم القَاضِي بِدُخُول رَمَضَان بِشَهَادَة عدل ثمَّ قَالَ قَائِل إِن ثَبت رَمَضَان فَعَبْدي حر أَو زَوْجَتي طَالِق وَقعا وَمحله أَيْضا إِذا لم يتَعَلَّق بِالشَّاهِدِ فَإِن تعلق بِهِ ثَبت لاعْتِرَافه بِهِ
تَنْبِيه يُضَاف إِلَى الرُّؤْيَة وإكمال الْعدة ظن دُخُوله بِالِاجْتِهَادِ عِنْد الِاشْتِبَاه وَالظَّاهِر كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ أَن الْإِمَارَة الدَّالَّة كرؤية الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة بالمنائر فِي آخر شعْبَان فِي حكم الرُّؤْيَة وَلَا يجب الصَّوْم بقول المنجم وَلَا يجوز وَلَكِن لَهُ أَن يعْمل بِحِسَابِهِ كَالصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوع
وَقَالَ إِنَّه لَا يُجزئهُ عَن فَرْضه لَكِن صحّح فِي الْكِفَايَة أَنه إِذا جَازَ أَجزَأَهُ وَنَقله عَن الْأَصْحَاب وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر والحاسب وَهُوَ من يعْتَمد منَازِل الْقَمَر بِتَقْدِير سيره فِي معنى المنجم وَهُوَ من يرى أَن أول الشَّهْر طُلُوع النَّجْم الْفُلَانِيّ وَلَا عِبْرَة أَيْضا بقول من قَالَ أَخْبرنِي النَّبِي ﷺ فِي النّوم بِأَن اللَّيْلَة أول رَمَضَان فَلَا يَصح الصَّوْم بِهِ بِالْإِجْمَاع لفقد ضبط الرَّائِي لَا للشَّكّ فِي الرُّؤْيَة
شُرُوط وجوب الصّيام (وشرائط وجوب الصّيام) أَي صِيَام رَمَضَان (ثَلَاثَة أَشْيَاء) بل أَرْبَعَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) وَلَو فِيمَا مضى فَلَا يجب على الْكَافِر الْأَصْلِيّ وجوب مُطَالبَة كَمَا مر فِي الصَّلَاة (و) الثَّانِي (الْبلُوغ) فَلَا يجب على صبي كَالصَّلَاةِ وَيُؤمر بِهِ لسبع إِن أطاقه وَيضْرب على تَركه لعشر
(و) الثَّالِث (الْعقل) فَلَا يجب على الْمَجْنُون إِلَّا إِذا أَثم بمزيل عقله من شراب أَو غَيره فَيجب وَيلْزمهُ قَضَاؤُهُ بعد الْإِفَاقَة
وَالشّرط الرَّابِع الَّذِي تَركه المُصَنّف إطاقة الصَّوْم فَلَا يجب على من لم يطقه حسا أَو شرعا لكبر أَو لمَرض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَو حيض أَو نَحوه
تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن شُرُوط الصِّحَّة وَهِي أَرْبَعَة أَيْضا إِسْلَام وعقل ونقاء عَن حيض ونفاس وولادة وَوقت قَابل لَهُ ليخرج العيدان وَأَيَّام التَّشْرِيق كَمَا سَيَأْتِي
(وفرائض الصَّوْم أَرْبَعَة أَشْيَاء) الأول (النِّيَّة) لقَوْله ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ومحلها الْقلب وَلَا تَكْفِي بِاللِّسَانِ قطعا وَلَا يشْتَرط التَّلَفُّظ بهَا قطعا كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة
تَنْبِيه ظَاهر كَلَام المُصَنّف أَنه لَو تسحر ليتقوى على الصَّوْم لم يكن نِيَّة وَبِه صرح فِي الْعدة وَالْمُعْتَمد أَنه لَو تسحر ليصوم أَو شرب لدفع الْعَطش نَهَارا أَو امْتنع من الْأكل أَو الشّرْب أَو الْجِمَاع خوف طُلُوع الْفجْر كَانَ ذَلِك نِيَّة إِن خطر بِبَالِهِ الصَّوْم بِالصِّفَاتِ الَّتِي يشْتَرط التَّعَرُّض لَهَا لتضمن كل مِنْهَا قصد الصَّوْم
وَيشْتَرط لفرض الصَّوْم من رَمَضَان أَو غَيره كقضاء أَو نذر التبييت وَهُوَ إِيقَاع النِّيَّة لَيْلًا لقَوْله ﷺ من لم يبيت النِّيَّة قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ وَلَا بُد من التبييت لكل يَوْم لظَاهِر الْخَبَر لِأَن صَوْم كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة لتخلل الْيَوْم بِمَا يُنَاقض الصَّوْم كَالصَّلَاةِ يتخللها السَّلَام وَالصَّبِيّ فِي تبييت النِّيَّة لصِحَّة صَوْمه كَالْبَالِغِ كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَلَيْسَ على أصلنَا صَوْم نفل يشْتَرط فِيهِ التبييت إِلَّا هَذَا وَلَا يشْتَرط للتبييت النّصْف الْأَخير من اللَّيْل وَلَا يضر الْأكل وَالْجِمَاع بعْدهَا وَلَا يجب تجديدها إِذا نَام
стр. 234
بعْدهَا ثمَّ تنبه لَيْلًا
وَيصِح النَّفْل بنية قبل الزَّوَال وَيشْتَرط حُصُول شَرط الصَّوْم من أول النَّهَار بِأَن لَا يسبقها منَاف للصَّوْم ككفر وجماع
(و) الثَّانِي (تعْيين النِّيَّة) فِي الْفَرْض بِأَن يَنْوِي كل لَيْلَة أَنه صَائِم غَدا عَن رَمَضَان أَو عَن نذر أَو عَن كَفَّارَة لِأَنَّهُ عبَادَة مُضَافَة إِلَى وَقت فَوَجَبَ التَّعْيِين فِي نِيَّتهَا كالصلوات الْخمس وَخرج بِالْفَرْضِ النَّفْل فَإِنَّهُ يَصح بنية مُطلقَة
فَإِن قيل قَالَ فِي الْمَجْمُوع هَكَذَا أطلقهُ الْأَصْحَاب وَيَنْبَغِي اشْتِرَاط التَّعْيِين فِي الصَّوْم الرَّاتِب كعرفة وعاشوراء وَأَيَّام الْبيض وَسِتَّة أَيَّام من شَوَّال كرواتب الصَّلَاة
أُجِيب بِأَن الصَّوْم فِي الْأَيَّام الْمَذْكُورَة منصرف إِلَيْهَا بل لَو نوى بِهِ غَيرهَا حصل أَيْضا كتحية الْمَسْجِد لِأَن الْمَقْصُود وجود صَومهَا
تَنْبِيه قَضِيَّة سكُوت المُصَنّف عَن التَّعَرُّض للفرضية أَنه لَا يشْتَرط التَّعَرُّض لَهَا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا صَححهُ فِي الْمَجْمُوع تبعا للأكثرين وَإِن كَانَ مُقْتَضى كَلَام الْمِنْهَاج الِاشْتِرَاط وَالْفرق بَين صَوْم رَمَضَان وَبَين الصَّلَاة أَن صَوْم رَمَضَان من الْبَالِغ لَا يَقع إِلَّا فرضا بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِن الْمُعَادَة نفل وَيتَصَوَّر ذَلِك فِي الْجُمُعَة بِأَن يُصليهَا فِي مَكَان ثمَّ يدْرك جمَاعَة فِي أُخْرَى يصلونها فيصليها مَعَهم فَإِنَّهَا تقع لَهُ نَافِلَة وَلَا يشْتَرط تعْيين السّنة كَمَا لَا يشْتَرط الْأَدَاء لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا وَاحِد وَلَو نوى لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان صَوْم غَد عَن رَمَضَان إِن كَانَ مِنْهُ فَكَانَ مِنْهُ لم يَقع عَنهُ إِلَّا إِذا اعْتقد كَونه مِنْهُ بقول من يَثِق بِهِ من عبد أَو امْرَأَة أَو فَاسق أَو مراهق فَيصح وَيَقَع عَنهُ
قَالَ فِي الْمَجْمُوع فَلَو نوى صَوْم غَد نفلا إِن كَانَ من شعْبَان وَإِلَّا فَمن رَمَضَان وَلَا أَمارَة فَبَان من شعْبَان صَحَّ صَوْمه نفلا لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ وَإِن بَان من رَمَضَان لم يَصح فرضا وَلَا نفلا وَلَو نوى لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من رَمَضَان صَوْم غَد إِن كَانَ من رَمَضَان أَجزَأَهُ إِن كَانَ مِنْهُ لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ
(و) الثَّالِث (الْإِمْسَاك عَن) كل مفطر من (الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع) وَلَو بِغَيْر إِنْزَال لقَوْله تَعَالَى ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ والرفث الْجِمَاع (و) عَن (تعمد الْقَيْء) وَإِن تَيَقّن أَنه لم يرجع شَيْء إِلَى جَوْفه لما سَيَأْتِي (و) الرَّابِع من الشُّرُوط معرفَة طرفِي النَّهَار يَقِينا أَو ظنا لتحقيق إمْسَاك جَمِيع النَّهَار
تَنْبِيه انْفَرد المُصَنّف بِهَذَا الرَّابِع وَكَأَنَّهُ أَخذه من قَوْلهم لَو نوى بعد الْفجْر لم يَصح صَوْمه أَو أكل مُعْتَقدًا أَنه ليل وَكَانَ قد طلع الْفجْر لم يَصح أَيْضا وَكَذَا لَو أكل مُعْتَقدًا أَن اللَّيْل دخل فَبَان خِلَافه لزمَه الْقَضَاء
وَحَاصِل ذَلِك أَنه إِذا أفطر أَو تسحر بِلَا تحر وَلم يتَبَيَّن الْحَال صَحَّ فِي تسحره لَا فِي إفطاره لِأَن الأَصْل بَقَاء اللَّيْل فِي
стр. 235
الأولى وَالنَّهَار فِي الثَّانِيَة فَإِن بَان الصَّوَاب فيهمَا صَحَّ صومهما أَو الْغَلَط فيهمَا لم يَصح وَلَو طلع الْفجْر وَفِي فَمه طَعَام فَلم يبلع شَيْئا مِنْهُ بِأَن طَرحه أَو أمْسكهُ بِفِيهِ صَحَّ صَوْمه أَو كَانَ الْفجْر مجامعا فَنزع حَالا صَحَّ صَوْمه وَإِن أنزل لتولده من مُبَاشرَة مُبَاحَة
مَا يفْطر بِهِ الصَّائِم (وَالَّذِي يفْطر بِهِ الصَّائِم عشرَة أَشْيَاء) الأول (مَا وصل) من عين وَإِن قلت كسمسمة (عمدا) مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ (إِلَى) مُطلق (الْجوف) من منفذ مَفْتُوح سَوَاء أَكَانَ يحِيل الْغذَاء أَو الدَّوَاء أم لَا كباطن الْحلق والبطن والأمعاء
(و) بَاطِن (الرَّأْس) لِأَن الصَّوْم هُوَ الْإِمْسَاك عَن كل مَا يصل إِلَى الْجوف فَلَا يضر وُصُول دهن أَو كحل بتشرب مسام جَوْفه كَمَا لَا يضر اغتساله بِالْمَاءِ وَإِن وجد أثرا بباطنه وَلَا يضر وُصُول رِيقه من معدنه جَوْفه أَو وُصُول ذُبَاب أَو بعوض أَو غُبَار طَرِيق أَو غربلة دَقِيق جَوْفه لعسر التَّحَرُّز عَنهُ والتقطير فِي بَاطِن الْأذن مفطر
وَلَو سبق مَاء الْمَضْمَضَة أَو الِاسْتِنْشَاق إِلَى جَوْفه نظر إِن بَالغ أفطر وَإِلَّا فَلَا وَلَو بَقِي طَعَام بَين أَسْنَانه فَجرى بِهِ رِيقه من غير قصد لم يفْطر إِن عجز عَن تَمْيِيزه ومجه لِأَنَّهُ مَعْذُور فِيهِ غير مفرط وَلَو أوجر كَأَن صب مَاء فِي حلقه مكْرها لم يفْطر وَكَذَا إِن أكره حَتَّى أكل أَو شرب لِأَن حكم اخْتِيَاره سَاقِط وَإِن أكل نَاسِيا لم يفْطر وَإِن كثر لخَبر الصَّحِيحَيْنِ من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه
(و) الثَّانِي (الحقنة) وَهِي بِضَم الْمُهْملَة إِدْخَال دَوَاء أَو نَحوه فِي الدبر فتعبيره بِأَنَّهَا (من أحد السَّبِيلَيْنِ) فِيهِ تجوز فالتقطير فِي بَاطِن الإحليل وَإِدْخَال عود أَو نَحوه فِيهِ مفطر وكالحقنة دُخُول طرف أصْبع فِي الدبر حَالَة الِاسْتِنْجَاء فيفطر بِهِ إِلَّا إِن أَدخل المبسور مقعدته بِأُصْبُعِهِ فَلَا يفْطر بِهِ كَمَا صَححهُ الْبَغَوِيّ لاضطراره إِلَيْهِ
(و) الثَّالِث (الْقَيْء عمدا) وَإِن تَيَقّن أَنه لم يرجع مِنْهُ شَيْء إِلَى الْجوف كَأَن تقايأ مُنَكسًا لخَبر ابْن حبَان وَغَيره من ذرعه الْقَيْء أَي غَلبه وَهُوَ صَائِم فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء وَمن استقاء فليقض وَخرج بقوله عمدا مَا لَو كَانَ نَاسِيا وَلَا بُد أَن يكون عَالما بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا لذَلِك لم يفْطر كَمَا لَو غَلبه الْقَيْء وَكَذَا لَو اقتلع نخامة من الْبَاطِن ورماها سَوَاء اقتلعها من دماغه أَو من بَاطِنه لِأَن الْحَاجة إِلَى ذَلِك تَتَكَرَّر فَلَو نزلت من دماغه وحصلت فِي حد الظَّاهِر من الْفَم وَهُوَ مخرج الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَذَا الْمُهْملَة على الرَّاجِح فِي الزَّوَائِد فليقطعها من مجْراهَا وليمجها إِن أمكن فَإِن تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك فوصلت الْجوف أفطر لتَقْصِيره وكالقيء التجشؤ فَإِن تَعَمّده وَخرج شَيْء من معدته إِلَى حد الظَّاهِر أفطر وَإِن غَلبه فَلَا
(و) الرَّابِع (الْوَطْء) بِإِدْخَال حشفتة أَو قدرهَا من مقطوعها (عمدا) مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ (فِي الْفرج) وَلَو دبرا من آدَمِيّ أَو غَيره أنزل أم لَا فَلَا يفْطر بِالْوَطْءِ نَاسِيا وَإِن كثر وَلَا بِالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ إِن قُلْنَا بتصوره وَهُوَ الْأَصَح وَلَا مَعَ جهل تَحْرِيمه كَمَا سبق فِي الْأكل
(و) الْخَامِس (الْإِنْزَال) وَلَو قَطْرَة (عَن مُبَاشرَة) بِنَحْوِ لمس كقبلة بِلَا حَائِل لِأَنَّهُ يفْطر بالإيلاج بِغَيْر إِنْزَال فبالإنزال مَعَ
стр. 236
نوع شَهْوَة أولى بِخِلَاف مَا لَو كَانَ بِحَائِل أَو نظر أَو فكر وَلَو بِشَهْوَة لِأَنَّهُ إِنْزَال بِغَيْر مُبَاشرَة كالاحتلام وَحرم نَحْو لمس كقبلة إِن حركت شَهْوَة خوف الْإِنْزَال وَإِلَّا فَتَركه أولى (و) السَّادِس (الْحيض) للْإِجْمَاع على تَحْرِيمه وَعدم صِحَّته
قَالَ الإِمَام وَكَون الصَّوْم لَا يَصح مِنْهَا لَا يدْرك مَعْنَاهُ لِأَن الطَّهَارَة لَيست مَشْرُوطَة فِيهِ وَهل وَجب عَلَيْهَا ثمَّ سقط أَو لم يجب أصلا وَإِنَّمَا يجب الْقَضَاء بِأَمْر جَدِيد وَجْهَان أصَحهمَا الثَّانِي
قَالَ فِي الْبَسِيط وَلَيْسَ لهَذَا الْخلاف فَائِدَة فقهية
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع يظْهر هَذَا وَشبهه فِي الْأَيْمَان والتعاليق بِأَن يَقُول مَتى وَجب عَلَيْك صَوْم فَأَنت طَالِق
(و) السَّابِع (النّفاس) لِأَنَّهُ دم حيض مُجْتَمع
(و) الثَّامِن (الْجُنُون) لمنافاته الْعِبَادَة
(و) التَّاسِع (الرِّدَّة) لمنافاتها الْعِبَادَة
وَسكت المُصَنّف عَن بَيَان الْعَاشِر وَالظَّاهِر أَنه الْولادَة فَإِنَّهَا مبطلة للصَّوْم على الْأَصَح فِي التَّحْقِيق وَهُوَ الْمُعْتَمد خلافًا لما فِي الْمَجْمُوع من إلحاقها بالاحتلام لوضوح الْفرق وَلَعَلَّ المُصَنّف تَركه لهَذَا الْخلاف أَو لنسيان أَو سَهْو
(وَيسْتَحب فِي الصَّوْم) وَلَو نفلا أَشْيَاء كَثِيرَة الْمَذْكُورَة مِنْهَا هُنَا (ثَلَاثَة أَشْيَاء) الأول (تَعْجِيل الْفطر) إِذا تحقق غرُوب الشَّمْس لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر زَاد الإِمَام أَحْمد وأخروا السّحُور وَلما فِي ذَلِك من مُخَالفَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَيكرهُ لَهُ أَن يُؤَخِّرهُ إِن قصد ذَلِك وَرَأى أَن فِيهِ فَضِيلَة وَإِلَّا فَلَا بَأْس بِهِ نَقله فِي الْمَجْمُوع عَن نَص الإِمَام
وَيسن كَونه على رطب فَإِن لم يجده فعلى تمر فَإِن لم يجده فعلى مَاء لخَبر كَانَ النَّبِي ﷺ يفْطر قبل أَن يُصَلِّي على رطبات فَإِن لم يكن فعلى تمرات فَإِن لم يكن حسا حسوات من مَاء فَإِنَّهُ طهُور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَيسن السّحُور لخَبر الصَّحِيحَيْنِ
تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة وَلخَبَر الْحَاكِم فِي صَحِيحه اسْتَعِينُوا بِطَعَام السحر على صِيَام النَّهَار وبقيلولة النَّهَار على قيام اللَّيْل
(و) الثَّانِي (تَأْخِير السّحُور) مَا لم يَقع فِي شكّ فِي طُلُوع الْفجْر لخَبر لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر وأخروا السّحُور وَلِأَنَّهُ أقرب إِلَى التَّقْوَى على الْعِبَادَة فَإِن شكّ فِي ذَلِك كَأَن تردد فِي بَقَاء اللَّيْل لم يسن التَّأْخِير بل الْأَفْضَل تَركه للْخَبَر الصَّحِيح دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك
تَنْبِيه لَو صرح المُصَنّف بسن السّحُور كَمَا ذكرته لَكَانَ أولى فَإِن اسْتِحْبَابه مجمع عَلَيْهِ وَذكر فِي الْمَجْمُوع أَنه يحصل بِكَثِير الْمَأْكُول وقليله فَفِي صَحِيح ابْن حبَان تسحرُوا وَلَو بجرعة مَاء وَيدخل وقته بِنصْف اللَّيْل
(و) الثَّالِث (ترك الهجر) وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء ترك الهجران (من الْكَلَام) جَمِيع النَّهَار لِأَنَّهُ ﷺ رأى رجلا قَائِما فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا هَذَا أَبُو إِسْرَائِيل نذر أَن يقوم وَلَا يقْعد وَلَا يستظل وَلَا يتَكَلَّم ويصوم
فَقَالَ ﷺ مروه أَن يتَكَلَّم وليستظل وليقعد وليتم صَوْمه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلِهَذَا يكره صمت الْيَوْم إِلَى اللَّيْل كَمَا جزم بِهِ صَاحب التَّنْبِيه وَأقرهُ
أما الهجر بِضَم الْهَاء وَهُوَ الِاسْم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي النُّطْق فَلَيْسَ مُرَاد المُصَنّف إِذْ كَلَامه فِيمَا هُوَ سنة وَترك فحش الْكَلَام من غيبَة وَغَيرهَا وَاجِب
стр. 237
وَبَعْضهمْ ضبط كَلَام المُصَنّف بِالضَّمِّ وَاعْترض عَلَيْهِ كَمَا اعْترض على الْمِنْهَاج فِي قَوْله فِي المندوبات وليصن لِسَانه عَن الْكَذِب والغيبة فَأن صون اللِّسَان عَن ذَلِك وَاجِب
وَأجِيب بِأَن الْمَعْنى أَنه يسن للصَّائِم من حَيْثُ الصَّوْم فَلَا يبطل صَوْمه بارتكاب ذَلِك بِخِلَاف ارْتِكَاب مَا يجب اجتنابه من حَيْثُ الصَّوْم كالاستقاءة
قَالَ السُّبْكِيّ وحديثخمس يفطرن الصَّائِم الْغَيْبَة والنميمة إِلَى آخِره ضَعِيف وَإِن صَحَّ
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَالْمُرَاد بطلَان الثَّوَاب لَا الصَّوْم قَالَ وَمن هُنَا حسن عد الِاحْتِرَاز عَنهُ من آدَاب الصَّوْم وَإِن كَانَ وَاجِبا مُطلقًا
وَيسن ترك شَهْوَة لَا تبطل الصَّوْم كشم الرياحين وَالنَّظَر إِلَيْهَا لما فِيهَا من الترفه الَّذِي لَا يُنَاسب حِكْمَة الصَّوْم وَترك نَحْو حجم كفصد لِأَن ذَلِك يُضعفهُ وَترك ذوق طَعَام أَو غَيره خوف وُصُوله حلقه وَترك علك بِفَتْح الْعين لِأَنَّهُ يجمع الرِّيق فَإِن بلعه أفطر فِي وَجه وَإِن أَلْقَاهُ عطشه وَهُوَ مَكْرُوه كَمَا فِي الْمَجْمُوع
وَيسن أَن يغْتَسل من حدث أكبر لَيْلًا ليَكُون على طهر من أول الصَّوْم وَأَن يَقُول عقب فطره اللَّهُمَّ لَك صمت وعَلى رزقك أفطرت لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِك رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
وَأَن يكثر تِلَاوَة الْقُرْآن ومدارسته بِأَن يقْرَأ على غَيره وَيقْرَأ غَيره عَلَيْهِ فِي رَمَضَان لما فِي الصَّحِيحَيْنِ إِن جِبْرِيل كَانَ يلقى النَّبِي ﷺ فِي كل سنة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ فَيعرض عَلَيْهِ ﷺ الْقُرْآن
وَأَن يعْتَكف فِيهِ لَا سِيمَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر مِنْهُ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِك ولرجاء أَن يُصَادف لَيْلَة الْقدر إِذْ هِيَ منحصرة فِيهِ عندنَا
أَيَّام يجوز الصّيام فِيهَا (وَيحرم صِيَام خَمْسَة أَيَّام) أَي مَعَ بطلَان صيامها وَهِي (العيدان) الْفطر والأضحى بِالْإِجْمَاع الْمُسْتَند إِلَى نهي الشَّارِع ﷺ وَفِي خبر الصَّحِيحَيْنِ (وَأَيَّام التَّشْرِيق) الثَّلَاثَة بعد يَوْم النَّحْر وَلَو لمتمتع للنَّهْي عَن صيامها كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي صَحِيح مُسلم أَيَّام منى أكل وَشرب وَذكر الله تَعَالَى
(وَيكرهُ صَوْم يَوْم الشَّك) كَرَاهَة تَنْزِيه
قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَهُوَ الْمَعْرُوف الْمَنْصُوص الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُعْتَمد فِي الْمَذْهَب تَحْرِيمه كَمَا فِي الرَّوْضَة والمنهاج وَالْمَجْمُوع لقَوْل عمار بن يَاسر من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ
تَنْبِيه يُمكن حمل كَلَام المُصَنّف على كَرَاهَة التَّحْرِيم فيوافق الْمُرَجح فِي الْمَذْهَب
(إِلَّا أَن يُوَافق) صَوْمه (عَادَة لَهُ) فِي تطوعه كَأَن كَانَ يسْرد الصَّوْم أَو يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا أَو الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَوَافَقَ صَوْمه يَوْم الشَّك وَله صَوْمه عَن قَضَاء أَو نذر كَنَظِيرِهِ من الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة لخَبر لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ إِلَّا رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه وَقيس بالوارد الْبَاقِي بِجَامِع السَّبَب فَلَو صَامَهُ بِلَا سَبَب لم يَصح كَيَوْم الْعِيد بِجَامِع التَّحْرِيم وَقَوله (أَو يصله بِمَا قبله) مَبْنِيّ على جَوَاز ابْتِدَاء صَوْم النّصْف الثَّانِي من شعْبَان تَطَوّعا وَهُوَ وَجه ضَعِيف وَالأَصَح فِي الْمَجْمُوع تَحْرِيمه بِلَا سَبَب إِن لم يصله بِمَا قبله أَو صَامَهُ عَن قَضَاء أَو نذر أَو وَافق عَادَة لَهُ لخَبر إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
فعلى هَذَا لَا يَكْفِي وصل صَوْم يَوْم الشَّك إِلَّا بِمَا قبل النّصْف الثَّانِي وَلَو وصل النّصْف الثَّانِي بِمَا قبله ثمَّ أفطر فِيهِ حرم عَلَيْهِ الصَّوْم إِلَّا أَن يكون لَهُ عَادَة قبل النّصْف الثَّانِي فَلهُ صَوْم أَيَّامهَا
فَإِن قيل هلا اسْتحبَّ صَوْم يَوْم الشَّك إِذا أطبق الْغَيْم خُرُوجًا من خلاف الإِمَام أَحْمد حَيْثُ قَالَ بِوُجُوب صَوْمه حِينَئِذٍ أُجِيب بِأَنا لَا نراعي الْخلاف إِذا خَالف سنة صَرِيحَة وَهِي هُنَا خبر إِذا غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ وَيَوْم الشَّك هُوَ يَوْم الثَّلَاثِينَ من شعْبَان إِذا تحدث النَّاس بِرُؤْيَتِهِ أَو شهد بهَا عدد ترد شَهَادَتهم كصبيان أَو نسَاء أَو عبيد أَو فسقة وَظن صدقهم كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَإِنَّمَا لم يَصح صَوْمه عَن رَمَضَان لِأَنَّهُ لم يثبت كَونه مِنْهُ
نعم من اعْتقد صدق من قَالَ إِنَّه رَآهُ مِمَّن
стр. 238
ذكر يجب عَلَيْهِ الصَّوْم كَمَا تقدم عَن الْبَغَوِيّ فِي طَائِفَة أول الْبَاب وَتقدم فِي أَثْنَائِهِ صِحَة نِيَّة المعتقد لذَلِك وَوُقُوع الصَّوْم عَن رَمَضَان إِذا تبين كَونه مِنْهُ فَلَا تنَافِي بَين مَا ذكر فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لِأَن يَوْم الشَّك الَّذِي يحرم صَوْمه هُوَ على من لم يظنّ الصدْق هَذَا مَوضِع وَأما من ظَنّه أَو اعتقده صحت النِّيَّة مِنْهُ وَوَجَب عَلَيْهِ الصَّوْم وَهَذَانِ موضعان فَقَوْل الْإِسْنَوِيّ إِن كَلَام الشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب متناقض من ثَلَاثَة أوجه فِي مَوضِع يجب وَفِي مَوضِع يجوز وَفِي مَوضِع يمْتَنع مَمْنُوع
أما إِذا لم يتحدث أحد بِالرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ الْيَوْم يَوْم شكّ بل هُوَ من شعْبَان وَإِن أطبق الْغَيْم لخَبر فَإِن غم عَلَيْكُم
فرع الْفطر بَين الصومين وَاجِب إِذْ الْوِصَال فِي الصَّوْم فرضا كَانَ أَو نفلا حرَام للنَّهْي عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَن يَصُوم يَوْمَيْنِ فَأكْثر وَلَا يتَنَاوَل بِاللَّيْلِ مطعوما عمدا بِلَا عذر ذكره فِي الْمَجْمُوع وَقَضيته أَن الْجِمَاع وَنَحْوه لَا يمْنَع الْوِصَال لَكِن فِي الْبَحْر هُوَ أَن يستديم جَمِيع أَوْصَاف الصائمين
وَذكر الْجِرْجَانِيّ وَابْن الصّلاح نَحوه وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر
ثمَّ شرع فِيمَا تجب بِهِ الْكَفَّارَة فَقَالَ (وَمن وطىء) بتغييب جَمِيع الْحَشَفَة أَو قدرهَا من مقطوعها (عَامِدًا) مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ (فِي الْفرج) وَلَو دبرا من آدَمِيّ أَو غَيره (فِي نَهَار رَمَضَان) وَلَو قبل تَمام الْغُرُوب وَهُوَ مُكَلّف صَائِم آثم بِالْوَطْءِ بِسَبَب الصَّوْم (فَعَلَيهِ) وعَلى الْمَوْطُوءَة المكلفة (الْقَضَاء) لإفساد صومهما بِالْجِمَاعِ (و) عَلَيْهِ وَحده (الْكَفَّارَة) دونهَا لنُقْصَان صَومهَا بتعرضه للبطلان بعروض الْحيض أَو نَحوه فَلم تكمل حرمته حَتَّى تتَعَلَّق بهَا الْكَفَّارَة فتختص بِالرجلِ الواطىء وَلِأَنَّهَا غرم مَا لي يتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ كالمهر فَلَا يجب على الْمَوْطُوءَة وَلَا على الرجل الموطوء كَمَا نَقله ابْن الرّفْعَة واللواط وإتيان الْبَهِيمَة حكم الْجِمَاع فِيمَا ذكر كَمَا شَمله مَا ذكر فِي الْحَد
فَخرج بِقَيْد الْوَطْء الْفطر بِغَيْرِهِ كَالْأَكْلِ وَالشرب والاستمناء والمباشرة فِيمَا دون الْفرج المفضية إِلَى الْإِنْزَال فَلَا كَفَّارَة بِهِ وبقيد جَمِيع الْحَشَفَة أَو قدرهَا من مقطوعها إِدْخَال بَعْضهَا فَلَا كَفَّارَة بِهِ لعدم فطره بِهِ وبقيد الْعمد النسْيَان لِأَن صَوْمه لم يفْسد بذلك وبالاختيار الْإِكْرَاه لما ذكر وبعلم التَّحْرِيم جَهله لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو نشئه بمَكَان بعيد عَن الْعلمَاء فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ لعدم فطره بِهِ
نعم لَو علم التَّحْرِيم وَجَهل وجوب الْكَفَّارَة وَجَبت عَلَيْهِ إِذْ كَانَ من حَقه أَن يمْتَنع وبالفرج الْوَطْء فِيمَا دونه فَلَا كَفَّارَة فِيهِ إِذا أنزل وبنهار رَمَضَان غَيره كَصَوْم نذر أَو كَفَّارَة فِيهِ لِأَن ذَلِك من خُصُوص رَمَضَان وبالمكلف الصَّبِي فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِ وبالصائم مَا لَو أفطر بِغَيْر وَطْء ثمَّ وطىء أَو نسي النِّيَّة وَأصْبح ممسكا ووطىء فَلَا كَفَّارَة حِينَئِذٍ وبالإثم مَا لَو وطىء الْمَرِيض أَو الْمُسَافِر وَلَو بِغَيْر نِيَّة الترخيص وَمَا لَو ظن وَقت الْجِمَاع بَقَاء اللَّيْل أَو شكّ فِيهِ أَو ظن بِاجْتِهَاد دُخُوله فَبَان جمَاعه نَهَارا لم تلْزمهُ كَفَّارَة لانْتِفَاء الْإِثْم وَلَا كَفَّارَة على من جَامع عَامِدًا بعد الْأكل نَاسِيا وَظن أَنه أفطر بِالْأَكْلِ لِأَنَّهُ يعْتَقد أَنه غير صَائِم وَإِن كَانَ الْأَصَح بطلَان صَوْمه بِهَذَا الْجِمَاع كَمَا لَو جَامع على ظن بَقَاء اللَّيْل فَبَان خِلَافه وَلَا على مُسَافر أفطر بِالزِّنَا مترخصا لِأَن الْفطر جَائِز لَهُ وإثمه بِسَبَب الزِّنَا لَا بِالصَّوْمِ
تَنْبِيه قيد فِي الرَّوْضَة الْجِمَاع بالتام تبعا للغزالي احْتِرَازًا من الْمَرْأَة فَإِنَّهَا تفطر بِدُخُول شَيْء من الذّكر فِي فرجهَا وَلَو دون الْحَشَفَة وزيفوه بِخُرُوج ذَاك بِالْجِمَاعِ إِذْ الْفساد فِيهِ بِغَيْرِهِ
وَمن جَامع فِي يَوْمَيْنِ لزمَه كفارتان لِأَن كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة فَلَا تتداخل كفارتان لِأَن كل يَوْم عبَادَة مستقله
فَلَا تتداخل كفارتاهما سَوَاء أكفر عَن الْجِمَاع الأول قبل
стр. 239
الثَّانِي أم لَا كحجتين جَامع فيهمَا فَلَو جَامع فِي جَمِيع أَيَّام رَمَضَان لزمَه كَفَّارَات بعددها فَإِن تكَرر الْجِمَاع فِي يَوْم وَاحِد فَلَا تعدد وَإِن كَانَ بِأَرْبَع زَوْجَات وحدوث السّفر وَلَو طَويلا بعد الْجِمَاع لَا يسْقط الْكَفَّارَة لِأَن السّفر المنشأ فِي أثْنَاء النَّهَار لَا يُبِيح الْفطر فَلَا يُؤثر فِيمَا وَجب من الْكَفَّارَة وَكَذَا حُدُوث الْمَرَض لَا يُسْقِطهَا لِأَن الْمَرَض لَا يُنَافِي الصَّوْم فَيتَحَقَّق هتك حرمته
(وَهِي) أَي الْكَفَّارَة الْمَذْكُورَة مرتبَة فَيجب أَولا (عتق رَقَبَة مُؤمنَة) سليمَة من الْعُيُوب الْمضرَّة بِالْعَمَلِ وَالْكَسْب كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الظِّهَار (فَإِن لم يجدهَا فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم يسْتَطع) صومهما (فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا) أَو فَقير لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَلَكت قَالَ وَمَا أهْلكك قَالَ واقعت امْرَأَتي فِي رَمَضَان
قَالَ هَل تَجِد مَا تعْتق رَقَبَة قَالَ لَا
قَالَ فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين قَالَ لَا قَالَ فَهَل تَجِد مَا تطعم سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ لَا
ثمَّ جلس فَأتي النَّبِي ﷺ بعرق فِيهِ تمر فَقَالَ تصدق بِهَذَا فَقَالَ على أفقر منا يَا رَسُول الله فوَاللَّه مَا بَين لابتيها أَي جبليها أهل بَيت أحْوج إِلَيْهِ منا
فَضَحِك النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَت أنيابه ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فأطعمه أهلك والعرق بِفَتْح الْعين وَالرَّاء مكتل ينسج من خوص النّخل وَكَانَ فِيهِ قدر خَمْسَة عشر صَاعا وَقيل عشرُون
وَلَو شرع فِي الصَّوْم ثمَّ وجد الرَّقَبَة ندب عتقهَا وَلَو شرع فِي الْإِطْعَام ثمَّ قدر على الصَّوْم ندب لَهُ فَلَو عجز عَن جَمِيع الْخِصَال الْمَذْكُورَة اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَة فِي ذمَّته لِأَنَّهُ ﷺ أَمر الْأَعرَابِي بِأَن يكفر بِمَا دَفعه إِلَيْهِ مَعَ إخْبَاره بعجزه فَدلَّ على أَنَّهَا ثَابِتَة فِي الذِّمَّة لِأَن حُقُوق الله تَعَالَى الْمَالِيَّة إِذا عجز عَنْهَا العَبْد وَقت وُجُوبهَا فَإِن كَانَت لَا بِسَبَب مِنْهُ كَزَكَاة الْفطر لم تَسْتَقِر وَإِن كَانَت بِسَبَب مِنْهُ اسْتَقَرَّتْ فِي ذمَّته سَوَاء أَكَانَت على وَجه الْبَدَل كجزاء الصَّيْد وفدية الْحلق أَو لَا ككفارة الْقَتْل وَالظِّهَار وَالْيَمِين وَالْجِمَاع وَدم التَّمَتُّع وَالْقرَان
فَإِن قيل لَو اسْتَقَرَّتْ لأمر رَسُول الله ﷺ المواقع بإخراجها بعد
أُجِيب بِأَن تَأْخِير الْبَيَان لوقت الْحَاجة جَائِز وَهُوَ وَقت الْقُدْرَة فَإِذا قدر على خصْلَة مِنْهَا فعلهَا كَمَا لَو كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا وَقت الْوُجُوب فَإِن قدر على أَكثر رتب وَله الْعُدُول عَن الصَّوْم إِلَى الْإِطْعَام لشدَّة الغلمة وَهِي بغين مُعْجمَة وَلَام سَاكِنة شدَّة الْحَاجة للنِّكَاح وَلَا يجوز للْفَقِير صرف كَفَّارَته إِلَى عِيَاله كالزكوات وَسَائِر الْكَفَّارَات
وَأما قَوْله ﷺ فِي الْخَبَر أطْعمهُ أهلك فَفِي الْأُم كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ يحْتَمل أَنه لما أخبرهُ بفقره صرفه لَهُ صَدَقَة وَفِي ذَلِك أجوبة أخر ذكرتها فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره (وَمن مَاتَ) مُسلما كَمَا قيد بِهِ فِي الْقُوت (وَعَلِيهِ صِيَام) من رَمَضَان أَو نذر أَو كَفَّارَة قبل إِمْكَان الْقَضَاء بِأَن اسْتمرّ مَرضه أَو سَفَره الْمُبَاح إِلَى مَوته فَلَا تدارك للفائت بالفدية وَلَا بِالْقضَاءِ لعدم تَقْصِيره وَلَا إِثْم بِهِ لِأَنَّهُ فرض لم يتَمَكَّن مِنْهُ إِلَى الْمَوْت فَسقط حكمه كَالْحَجِّ هَذَا إِذا كَانَ الْفَوات بِعُذْر كَمَرَض وَسَوَاء اسْتمرّ إِلَى الْمَوْت أم حصل الْمَوْت فِي رَمَضَان وَلَو بعد زَوَال الْعذر أما غير الْمَعْذُور وَهُوَ الْمُتَعَدِّي بِالْفطرِ فَإِنَّهُ يَأْثَم ويتدارك عَنهُ بالفدية كَمَا صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي بَاب النّذر وَإِن مَاتَ بعد التَّمَكُّن من الْقَضَاء وَلم يقْض (أطْعم عَنهُ وليه) من تركته (لكل يَوْم) فَاتَهُ صَوْمه (مد طَعَام) وَهُوَ رَطْل وَثلث بالرطل الْبَغْدَادِيّ كَمَا مر وبالكيل الْمصْرِيّ نصف قدح من غَالب قوت بَلَده لخَبر من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ وليه مَكَان كل يَوْم مِسْكينا وَلَا يجوز أَن
стр. 240
يَصُوم عَنهُ وليه فِي الْجَدِيد لِأَن الصَّوْم عبَادَة بدنية لَا تدْخلهَا النِّيَابَة فِي الْحَيَاة فَكَذَلِك بعد الْمَوْت كَالصَّلَاةِ
وَفِي الْقَدِيم يجوز لوَلِيِّه أَن يَصُوم عَنهُ بل ينْدب لَهُ وَيجوز لَهُ الْإِطْعَام فَلَا بُد من التَّدَارُك على الْقَوْلَيْنِ وَالْقَدِيم هُنَا هُوَ الْأَظْهر الْمُفْتى بِهِ للْأَخْبَار الصَّحِيحَة الدَّالَّة عَلَيْهِ كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه قَالَ النَّوَوِيّ وَلَيْسَ للجديد حجَّة من السّنة وَالْخَبَر الْوَارِد بِالْإِطْعَامِ ضَعِيف وَمَعَ ضعفه فالإطعام لَا يمْتَنع عِنْد الْقَائِل بِالصَّوْمِ وعَلى الْقَدِيم الْوَلِيّ الَّذِي يَصُوم عَنهُ كل قريب للْمَيت وَإِن لم يكن عاصبا وَلَا وَارِثا وَلَا ولي مَال على الْمُخْتَار لما فِي خبر مُسلم أَنه ﷺ قَالَ لامْرَأَة قَالَت لَهُ إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر أفأصوم عَنْهَا قَالَ صومي عَن أمك قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَهَذَا يبطل احْتِمَال ولَايَة المَال والعصوبة وَقد قيل بِكُل مِنْهُمَا فَإِن اتّفقت الْوَرَثَة على أَن يَصُوم وَاحِد جَازَ فَإِن تنازعوا فَفِي فَوَائِد الْمُهَذّب للفارقي أَنه يقسم على قدر مواريثهم
وعَلى الْقَدِيم لَو صَامَ عَنهُ أَجْنَبِي بِإِذْنِهِ بِأَن أوصى بِهِ أَو بِإِذن قَرِيبه صَحَّ قِيَاسا على الْحَج
قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَمذهب الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه لَو صَامَ عَنهُ ثَلَاثُونَ بِالْإِذْنِ يَوْمًا وَاحِدًا أَجزَأَهُ
قَالَ وَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي اعتقده وَخرج بِقَيْد الْمُسلم فِيمَا مر مَا لَو ارْتَدَّ وَمَات لم يصم عَنهُ وَيتَعَيَّن الْإِطْعَام قطعا كَمَا قَالَه فِي الْقُوت
وَلَو مَاتَ الْمُسلم وَعَلِيهِ صَلَاة أَو اعْتِكَاف لم يفعل ذَلِك عَنهُ وَلَا فديَة لَهُ لعدم وُرُودهَا وَيسْتَثْنى من ذَلِك رَكعَتَا الطّواف فَإِنَّهُمَا تجوزان تبعا لِلْحَجِّ وَمَا لَو نذر أَن يعْتَكف صَائِما فَإِن الْبَغَوِيّ قَالَ فِي التَّهْذِيب إِن قُلْنَا لَا يفرد الصَّوْم عَن الِاعْتِكَاف أَي وَهُوَ الْأَصَح وَقُلْنَا بِصَوْم الْوَلِيّ فَهَذَا يعْتَكف عَنهُ صَائِما وَإِن كَانَت النِّيَابَة لَا تجزىء فِي الِاعْتِكَاف (وَالشَّيْخ) وَهُوَ من جَاوز الْأَرْبَعين والعجوز وَالْمَرِيض الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ (إِن عجز) كل مِنْهُم (عَن الصَّوْم) بِأَن كَانَ يلْحقهُ بِهِ مشقة شَدِيدَة (يفْطر وَيطْعم) إِن كَانَ حرا (عَن كل يَوْم مدا) لقَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ فَإِن كلمة لَا مقدرَة أَي لَا يطيقُونَهُ أَو أَن المُرَاد يطيقُونَهُ حَال الشَّبَاب ثمَّ يعجزون عَنهُ بعد الْكبر
تَنْبِيه قَضِيَّة إِطْلَاق المُصَنّف أَنه لَا فرق فِي وجوب الْفِدْيَة بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَفَائِدَته استقرارها فِي ذمَّة الْفَقِير وَهُوَ الْأَصَح على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الرَّوْضَة وَأَصلهَا
وَجرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري
وَقَول الْمَجْمُوع يَنْبَغِي أَن يكون الْأَصَح هُنَا عَكسه لِأَنَّهُ عَاجز حَالَة التَّكْلِيف بالفدية مَرْدُود بِأَن حق الله تَعَالَى المالي إِذا عجز عَنهُ العَبْد وَقت الْوُجُوب يثبت فِي ذمَّته وَهل الْفِدْيَة فِي حق من ذكر بدل عَن الصَّوْم أَو وَاجِبَة ابْتِدَاء وَجْهَان فِي أصل الرَّوْضَة أصَحهمَا فِي الْمَجْمُوع الثَّانِي وَخرج بِالْحرِّ الرَّقِيق فَلَا فديَة عَلَيْهِ إِذا أفطر لكبر أَو مرض وَمَات رَقِيقا
(وَالْحَامِل) وَلَو من زنا (والمرضع) وَلَو مستأجرة أَو متبرعة (إِذا خافتا) الْوَلَد (أفطرتا) أَي وَجب عَلَيْهِمَا الْإِفْطَار (و) وَجب (عَلَيْهِمَا الْقَضَاء) بِلَا فديَة كَالْمَرِيضِ
فَإِن قيل إِذا خافتا على أَنفسهمَا مَعَ ولديهما فَهُوَ فطر ارتفق بِهِ شخصان فَكَانَ يَنْبَغِي الْفِدْيَة قِيَاسا على مَا سَيَأْتِي
أُجِيب بِأَن الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ مَرِيضا﴾ إِلَى آخرهَا وَردت من حُصُول ضَرَر بِالصَّوْمِ كالضرر الْحَاصِل للْمَرِيض
стр. 241
(على أَنفسهمَا) وَلَو مَعَ فِي عدم الْفِدْيَة فِيمَا إِذا أفطرتا خوفًا على أَنفسهمَا فَلَا فرق بَين أَن يكون الْخَوْف مَعَ غَيرهمَا أم لَا (وَإِن خافتا) مِنْهُ (على أولادهما) فَقَط بِأَن تخَاف الْحَامِل من إِسْقَاطه أَو الْمُرْضع بِأَن يقل اللَّبن فَيهْلك الْوَلَد (أفطرتا) أَيْضا (و) وَجب (عَلَيْهِمَا الْقَضَاء) للافطار (وَالْكَفَّارَة) وَإِن كَانَتَا مسافرتين أَو مريضتين لما روى أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة﴾ أَنه نسخ حكمه إِلَّا فِي حَقّهمَا حِينَئِذٍ وَالْقَوْل بنسخه قَول أَكثر الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه مُحكم غير مَنْسُوخ بتأويله بِمَا مر فِي الِاحْتِجَاج بِهِ
تَنْبِيه يلْحق بالمرضع فِي إِيجَاب الْفِدْيَة مَعَ الْقَضَاء من أفطر لإنقاذ آدَمِيّ مَعْصُوم أَو حَيَوَان مُحْتَرم مشرف على الْهَلَاك بغرق أَو غَيره فَيجب عَلَيْهِ الْفطر إِذا لم يُمكنهُ تخليصه إِلَّا بفطره فَهُوَ فطر ارتفق بِهِ شخصان وَهُوَ حُصُول الْفطر للْمُضْطَر والخلاص لغيره فَلَو أفطر لتخليص مَال فَلَا فديَة لِأَنَّهُ لم يرتفق بِهِ إِلَّا شخص وَاحِد وَلَا يجب الْفطر لأَجله بل هُوَ جَائِز بِخِلَاف الْحَيَوَان الْمُحْتَرَم فَإِنَّهُ يرتفق بِالْفطرِ شخصان وَإِن نظر بَعضهم فِي الْبَهِيمَة لأَنهم نزلُوا الْحَيَوَان الْمُحْتَرَم فِي وجوب الدّفع عَنهُ منزلَة الْآدَمِيّ الْمَعْصُوم وَلَا يلْحق بالحامل والمرضع فِي لُزُوم الْفِدْيَة مَعَ الْقَضَاء الْمُتَعَدِّي بفطر رَمَضَان بِغَيْر جماع بل يلْزمه الْقَضَاء فَقَط وَمن أخر قَضَاء رَمَضَان مَعَ إِمْكَانه حَتَّى دخل رَمَضَان آخر لزمَه مَعَ الْقَضَاء لكل يَوْم مد لِأَن سِتَّة من الصَّحَابَة ﵃ قَالُوا بذلك وَلَا مُخَالف لَهُم وَيَأْثَم بِهَذَا التَّأْخِير
قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَيلْزمهُ الْمَدّ بِدُخُول رَمَضَان أما من لم يُمكنهُ الْقَضَاء
стр. 242
لاستمرار عذره حَتَّى دخل رَمَضَان فَلَا فديَة عَلَيْهِ بِهَذَا التَّأْخِير
فَائِدَة وجوب الْفِدْيَة هُنَا للتأخير وفدية الشَّيْخ الْهَرم وَنَحْوه لأصل الصَّوْم وفدية الْمُرْضع وَالْحَامِل لتفويت فَضِيلَة الْوَقْت وبتكرير الْمَدّ إِذا لم يُخرجهُ بِتَكَرُّر السنين لِأَن الْحُقُوق الْمَالِيَّة لَا تتداخل وَلَو أخر قَضَاء رَمَضَان مَعَ إِمْكَانه حَتَّى دخل رَمَضَان آخر فَمَاتَ أخرج من تركته على الْجَدِيد السَّابِق لكل يَوْم مدان مد لفَوَات الصَّوْم وَمد للتأخير وعَلى الْقَدِيم وَهُوَ صَوْم الْوَلِيّ إِذا صَامَ حصل تدارك أصل الصَّوْم وَوَجَب فديَة للتأخير
(وَالْكَفَّارَة) أَن يخرج (عَن كل يَوْم مد وَهُوَ) كَمَا سبق (رَطْل وَثلث بالعراقي) أَي الْبَغْدَادِيّ وبالكيل نصف قدح بالمصري ومصرف الْفِدْيَة الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَقَط دون بَقِيَّة الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الْمَارَّة فِي قسم الصَّدقَات لقَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ وَالْفَقِير أَسْوَأ حَالا مِنْهُ فَإِذا جَازَ صرفهَا إِلَى الْمِسْكِين فالفقير أولى وَلَا يجب الْجمع بَينهمَا وَله الصّرْف أَمْدَاد من الْفِدْيَة إِلَى شخص وَاحِد لِأَن كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة فالأمداد بِمَنْزِلَة الْكَفَّارَات بِخِلَاف الْمَدّ الْوَاحِد لَا يجوز صرفه إِلَى شَخْصَيْنِ لِأَن كل مد فديَة تَامَّة وَقد أوجب الله تَعَالَى صرف الْفِدْيَة إِلَى الْوَاحِد فَلَا ينقص عَنْهَا وَلَا يلْزم مِنْهُ امْتنَاع صرف فديتين إِلَى شخص وَاحِد كَمَا لَا يمْتَنع أَن يَأْخُذ الْوَاحِد من زكوات مُتعَدِّدَة وجنس الْفِدْيَة جنس الْفطْرَة ونوعها وصفتها وَقد سبق بَيَان ذَلِك فِي زَكَاة الْفطر
وَيعْتَبر فِي الْمَدّ الَّذِي توجبه هُنَا فِي الْكَفَّارَات أَن يكون فَاضلا عَن قوته كَزَكَاة الْفطر قَالَه الْقفال فِي فَتَاوِيهِ وَكَذَا عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ من مسكن وخادم
تَنْبِيه تَعْجِيل فديَة التَّأْخِير قبل دُخُول رَمَضَان الثَّانِي ليؤخر الْقَضَاء مَعَ الْإِمْكَان جَائِز فِي الْأَصَح كتعجيل الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث الْمحرم وَيحرم التَّأْخِير وَلَا شَيْء على الْهَرم وَلَا الزَّمن وَلَا من اشتدت مشقة الصَّوْم عَلَيْهِ لتأخير الْفِدْيَة إِذا أخروها عَن السّنة الأولى وَلَيْسَ لَهُم وَلَا للحامل وَلَا للمرضع تَعْجِيل فديَة يَوْمَيْنِ فَأكْثر كَمَا لَا يجوز تَعْجِيل الزَّكَاة لعامين بِخِلَاف مَا لَو عجل من ذكر فديَة يَوْم فِيهِ أَو فِي ليلته فَإِنَّهُ جَائِز
(وَالْمَرِيض) وَإِن تعدى بِسَبَبِهِ (وَالْمُسَافر) سفرا طَويلا مُبَاحا (يفطران) بنية الترخيص (ويقضيان) لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر﴾ أَي فَأفْطر ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ وَلَا بُد فِي فطر الْمَرِيض من مشقة تبيح لَهُ التَّيَمُّم فَإِن خَافَ على نَفسه الْهَلَاك أَو ذهَاب مَنْفَعَة عُضْو وَجب عَلَيْهِ الْفطر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾
стр. 243
ثمَّ إِن كَانَ الْمَرَض مطبقا فَلهُ ترك النِّيَّة أَو متقطعا كَأَن كَانَ يحم وقتا دون وَقت نظر إِن كَانَ محموما وَقت الشُّرُوع جَازَ لَهُ ترك النِّيَّة وَإِلَّا فَعَلَيهِ أَن يَنْوِي فَإِن عَاد الْمَرَض وَاحْتَاجَ إِلَى الْإِفْطَار أفطر وَلمن غلب عَلَيْهِ الْجُوع أَو الْعَطش حكم الْمَرِيض
وَأما الْمُسَافِر السّفر الْمَذْكُور فَيجوز لَهُ الْفطر وَإِن لم يتَضَرَّر بِهِ وَلَكِن الصَّوْم أفضل لما فِيهِ من بَرَاءَة الذِّمَّة وَعدم إخلاء الْوَقْت عَن الْعِبَادَة وَلِأَنَّهُ الْأَكْثَر من فعله ﷺ أما إِذا تضرر بِهِ لنَحْو مرض أَو ألم يشق عَلَيْهِ احْتِمَاله فالفطر أفضل لما فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ رأى رجلا صَائِما فِي السّفر قد ظلل عَلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر
نعم إِن خَافَ من الصَّوْم تلف نفس أَو عُضْو أَو مَنْفَعَة حرم عَلَيْهِ الصَّوْم كَمَا قَالَه الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى
وَلَو لم يتَضَرَّر بِالصَّوْمِ فِي الْحَال وَلَكِن يخَاف الضعْف لَو صَامَ وَكَانَ سفر حج أَو غَزْو فالفطر أفضل كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الصَّوْم عَن التَّتِمَّة وَأقرهُ
تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن صَوْم التَّطَوُّع وَهُوَ مُسْتَحبّ لما فِي الصَّحِيحَيْنِ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله باعد الله وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا
ويتأكد صَوْم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يتحَرَّى صومهما وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تعرض فيهمَا الْأَعْمَال فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم
وَصَوْم يَوْم عَرَفَة وَهُوَ تَاسِع ذِي الْحجَّة لغير الْحَاج لخَبر مُسلم صِيَام يَوْم عَرَفَة يكفر السّنة الَّتِي قبله وَالَّتِي بعده وَصَوْم عَاشُورَاء وَهُوَ عَاشر الْمحرم لقَوْله ﷺ صَوْم يَوْم عَاشُورَاء أحتسب على الله أَن يكفر السّنة الَّتِي قبله وَصَوْم تاسوعاء وَهُوَ تَاسِع الْمحرم لقَوْله ﷺ لَئِن بقيت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع فَمَاتَ قبله وَصَوْم سِتَّة من شَوَّال لقَوْله ﷺ من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه بست من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر وتتابعها عقب الْعِيد
وَيكرهُ إِفْرَاد يَوْم الْجُمُعَة بِالصَّوْمِ لقَوْله ﷺ لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده
وَكَذَا إِفْرَاد السبت أَو الْأَحَد لخَبر لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم
وَلِأَن الْيَهُود تعظم يَوْم السبت وَالنَّصَارَى يَوْم الْأَحَد
وَصَوْم الدَّهْر غير يومي الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق مَكْرُوه لمن خَافَ بِهِ ضَرَرا أَو فَوت حق وَاجِب أَو مُسْتَحبّ ومستحب لغيره لإِطْلَاق الْأَدِلَّة
وَيحرم صَوْم الْمَرْأَة تَطَوّعا وَزوجهَا حَاضر إِلَّا بِإِذْنِهِ لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لَا يحل لامْرَأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمن تلبس بِصَوْم تطوع أَو صَلَاة فَلهُ قطعهمَا أما الصَّوْم فَلقَوْله ﷺ الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر وَأما الصَّلَاة
стр. 244
فقياسا على الصَّوْم
وَمن تلبس بِصَوْم وَاجِب أَو صَلَاة وَاجِبَة حرم عَلَيْهِ قطعه سَوَاء كَانَ قَضَاؤُهُ على الْفَوْر كَصَوْم من تعدى بِالْفطرِ أَو أخر الصَّلَاة بِلَا عذر أم لَا بِأَن لم يكن تعدى بذلك
تَتِمَّة أفضل الشُّهُور بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم ثمَّ رَجَب ثمَّ بَاقِي الْأَشْهر الْحرم ثمَّ شعْبَان
فصل فِي الِاعْتِكَاف
هُوَ لُغَة اللّّبْث وَالْحَبْس
وَشرعا اللّّبْث فِي الْمَسْجِد من شخص مَخْصُوص بنية
وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ وَخبر الصَّحِيحَيْنِ إِنَّه ﷺ اعْتكف الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان ثمَّ اعْتكف الْعشْر الْأَوَاخِر مِنْهُ ولازمه حَتَّى توفاه الله تَعَالَى ثمَّ اعْتكف أَزوَاجه من بعده
وَهُوَ من الشَّرَائِع الْقَدِيمَة قَالَ تَعَالَى ﴿وعهدنا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَن طهرا بَيْتِي للطائفين والعاكفين﴾ وَالِاعْتِكَاف سنة مُؤَكدَة وَهِي (مُسْتَحبَّة) أَي مَطْلُوبَة فِي كل وَقت فِي رَمَضَان وَغَيره بِالْإِجْمَاع ولإطلاق الْأَدِلَّة
قَالَ الزَّرْكَشِيّ فقد رُوِيَ من اعْتكف فوَاق نَاقَة فَكَأَنَّمَا أعتق نسمَة وَهُوَ فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان أفضل مِنْهُ فِي غَيره لطلب لَيْلَة الْقدر فيحييها بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَة وَكَثْرَة الدُّعَاء فَإِنَّهَا أفضل ليَالِي السّنة
قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ الْقدر ٣ أَي الْعَمَل فِيهَا خير من الْعَمَل فِي ألف شهر لَيْسَ فِيهَا لَيْلَة الْقدر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه
وَهِي منحصرة فِي الْعشْر الْأَوَاخِر كَمَا نَص عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعَلِيهِ الْجُمْهُور وَأَنَّهَا تلْزم لَيْلَة بِعَينهَا وَقَالَ الْمُزنِيّ وَابْن خُزَيْمَة إِنَّهَا منتقلة فِي ليَالِي الْعشْر جمعا بَين الْأَحَادِيث وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوع وَالْمذهب الأول
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَلَا ينَال فَضلهَا إِلَّا من أطلعه الله عَلَيْهَا
لَكِن قَالَ الْمُتَوَلِي يسْتَحبّ التَّعَبُّد فِي كل ليَالِي الْعشْر حَتَّى يجوز الْفَضِيلَة على الْيَقِين فَظَاهر هَذَا أَنه يجوز فَضلهَا سَوَاء اطلع عَلَيْهَا أم لَا وَهَذَا أولى
نعم حَال من اطلع عَلَيْهَا أكمل إِذا قَامَ بوظائفها وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا من صلى الْعشَاء الْأَخِيرَة فِي جمَاعَة من رَمَضَان فقد أدْرك لَيْلَة الْقدر وميل الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين أَو الثَّالِث وَالْعِشْرين
وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَأبي هِيَ لَيْلَة سبع وَعشْرين وَهُوَ مَذْهَب أَكثر أهل الْعلم وفيهَا نَحْو الثَّلَاثِينَ
стр. 245
قولا وَمن علاماتها أَنَّهَا طَلْقَة لَا حارة وَلَا بَارِدَة وتطلع الشَّمْس فِي صبيحتها بَيْضَاء لَيْسَ فِيهَا كثير شُعَاع
وَينْدب أَن يكثر فِي لَيْلَتهَا من قَول اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو كريم تحب الْعَفو فَاعْفُ عني وَأَن يجْتَهد فِي يَوْمهَا كَمَا يجْتَهد فِي لَيْلَتهَا وخصت بهَا هَذِه الْأمة وَهِي بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيسن لمن رَآهَا أَن يكتمها
(وَله) أَي الِاعْتِكَاف (شَرْطَانِ) أَي ركنان فمراده بِالشّرطِ مَا لَا بُد مِنْهُ بل أَرْكَانه أَرْبَعَة كَمَا ستعرفه
الأول (النِّيَّة) بِالْقَلْبِ كَغَيْرِهِ من الْعِبَادَات وَتجب نِيَّة فَرضِيَّة فِي نَذره ليتميز عَن النَّفْل وَإِن أطلق الِاعْتِكَاف بِأَن لم يقدر لَهُ مُدَّة كفته نِيَّة وَإِن طَال مكثه لَكِن لَو خرج من الْمَسْجِد بِلَا عزم عود وَعَاد جددها سَوَاء أخرج لتبرز أم لغيره لِأَن مَا مضى عبَادَة تَامَّة فَإِن عزم على الْعود كَانَت هَذِه الْعَزِيمَة قَائِمَة مقَام النِّيَّة
وَلَو قَيده بِمدَّة كَيَوْم وَشهر وَخرج لغير تبرز وَعَاد جدد النِّيَّة أَيْضا وَإِن لم يطلّ الزَّمن لقطعه الِاعْتِكَاف بِخِلَاف خُرُوجه لتبرز فَإِنَّهُ لَا يجب تجديدها وَإِن طَال الزَّمن فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ فَهُوَ كالمستثنى عِنْد النِّيَّة لَا إِن نذر مُدَّة متتابعة فَخرج الْعذر لَا يقطع التَّتَابُع فَلَا يلْزمه تَجْدِيد سَوَاء أخرج لتبرز أم لغيره
(و) الثَّانِي (اللّّبْث) بِقدر مَا يُسمى عكوفا أَي إِقَامَة بِحَيْثُ يكون زَمَنهَا فَوق زمن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَنَحْوه فَلَا يَكْفِي قدرهَا وَلَا يجب السّكُون بل يَكْفِي التَّرَدُّد فِيهِ
وَأَشَارَ إِلَى الرُّكْن الثَّالِث بقوله (فِي الْمَسْجِد) فَلَا يَصح فِي غَيره لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وللإجماع وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ وَالْجَامِع أولى من بَقِيَّة الْمَسَاجِد لِكَثْرَة الْجَمَاعَة فِيهِ وَلِئَلَّا يحْتَاج إِلَى الْخُرُوج للْجُمُعَة وخروجا من خلاف من أوجبه بل لَو نذر مُدَّة متتابعة فِيهَا يَوْم جُمُعَة وَكَانَ مِمَّن تلْزمهُ الْجُمُعَة وَلم يشْتَرط الْخُرُوج لَهَا وَجب الْجَامِع لِأَن خُرُوجه لَهَا يبطل تتابعه وَلَو عين النَّاذِر فِي نَذره مَسْجِد مَكَّة أَو الْمَدِينَة أَو الْأَقْصَى تعين فَلَا يقوم غَيرهَا مقَامهَا لمزيد فَضلهَا قَالَ ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيقوم مَسْجِد مَكَّة مقَام الآخرين لمزيد فَضله عَلَيْهِمَا وَيقوم مَسْجِد الْمَدِينَة مقَام الْأَقْصَى لمزيد فَضله عَلَيْهِ فَلَو عين مَسْجِدا غير الثَّلَاثَة لم يتَعَيَّن وَلَو عين زمن الِاعْتِكَاف فِي نَذره تعين
والركن الرَّابِع معتكف وَشَرطه إِسْلَام وعقل وخلو عَن حدث أكبر فَلَا يَصح اعْتِكَاف من اتّصف بضد شَيْء مِنْهَا لعدم صِحَة نِيَّة الْكَافِر وَمن لَا عقل لَهُ وَحُرْمَة مكث من بِهِ حدث أكبر بِالْمَسْجِدِ (وَلَا يخرج من) الْمَسْجِد فِي (الِاعْتِكَاف الْمَنْذُور) وَلَو غير مُقَيّد بِمدَّة وَلَا تتَابع (إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان) من بَوْل وغائط وَمَا
стр. 246
فِي مَعْنَاهُمَا كَغسْل من جَنَابَة وَلَا يضر ذَهَابه لتبرز بدار لَهُ لم يفحش بعْدهَا عَن الْمَسْجِد وَلَا لَهُ دَار أُخْرَى أقرب مِنْهَا أَو فحش وَلم يجد بطريقه مَكَانا لائقا بِهِ فَلَا يَنْقَطِع التَّتَابُع بِهِ فَلَا يجب تبرزه فِي غير دَاره كسقاية الْمَسْجِد وَدَار صديقه المجاور لَهُ للْمَشَقَّة فِي الأولى والْمنَّة فِي الثَّانِي
أما إِذا كَانَ لَهُ دَار أُخْرَى أقرب مِنْهَا أَو فحش بعْدهَا وَوجد بطريقه مَكَانا لائقا بِهِ فَيَنْقَطِع التَّتَابُع بذلك لاغتنائه بالأقرب فِي الأولى وَاحْتِمَال أَن يَأْتِيهِ الْبَوْل فِي رُجُوعه فِي الثَّانِيَة فَيبقى طول يَوْمه فِي الذّهاب وَالرُّجُوع وَلَا يُكَلف فِي خُرُوجه لذَلِك الْإِسْرَاع بل يمشي على سجيته الْمَعْهُودَة وَإِذا فرغ مِنْهُ واستنجى فَلهُ أَن يتَوَضَّأ خَارج الْمَسْجِد لِأَنَّهُ يَقع تَابعا لذَلِك بِخِلَاف مَا لَو خرج لَهُ مَعَ إِمْكَانه فِي الْمَسْجِد فَلَا يجوز
وَضبط الْبَغَوِيّ الْفُحْش بِأَن يذهب أَكثر الْوَقْت فِي التبرز إِلَى الدَّار وَلَو عَاد مَرِيضا فِي طَرِيقه أَو زار قادما فِي طَرِيقه لقَضَاء حَاجته لم يضر مَا لم يعدل عَن طَرِيقه وَلم يطلّ وُقُوفه فَإِن طَال أَو عدل انْقَطع بذلك تتابعه
وَلَو صلى فِي طَرِيقه على جَنَازَة فَإِن لم ينتظرها وَلم يعدل إِلَيْهَا عَن طَرِيقه جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَنْقَطِع التَّتَابُع بِخُرُوجِهِ بِعُذْر كنسيان لاعتكافه وَإِن طَال زَمَنه (أَو عذر من حيض) أَو نِفَاس إِن طَالَتْ مُدَّة الِاعْتِكَاف بِأَن كَانَت لَا تَخْلُو عَنهُ غَالِبا أَو جَنَابَة من احْتِلَام لتَحْرِيم الْمكْث فِيهِ حِينَئِذٍ (أَو) عذر (مرض) وَلَو جنونا أَو إِغْمَاء (لَا يُمكن الْمقَام مَعَه) أَي يشق مَعَه الْمقَام فِي الْمَسْجِد لحَاجَة فرش وخادم وَتردد طَبِيب أَو يخَاف مِنْهُ تلويث الْمَسْجِد كإسهال وكإدرار بَوْل بِخِلَاف مرض لَا يحوج إِلَى الْخُرُوج كصداع وَحمى خَفِيفَة فَيَنْقَطِع التَّتَابُع بِالْخرُوجِ لَهُ
وَفِي معنى الْمَرَض الْخَوْف من لص أَو حريق وَلَا يَنْقَطِع التَّتَابُع بِخُرُوج مُؤذن راتب إِلَى مَنَارَة مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد قريبَة مِنْهُ للأذان لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة لَهُ مَعْدُودَة من توابعه وَقد اعْتَادَ الرَّاتِب صعودها وَألف النَّاس صَوته فيعذر فِيهِ وَيجْعَل زمن الْأَذَان كالمستثنى من اعْتِكَافه
وَيجب فِي اعْتِكَاف منذور متتابع قَضَاء زمن خُرُوجه من الْمَسْجِد لعذر لَا يقطع التَّتَابُع كزمن حيض ونفاس وجنابة غير مفطرة لِأَنَّهُ غير معتكف فِيهِ إِلَّا زمن نَحْو تبرز مِمَّا يطْلب الْخُرُوج لَهُ وَلم يطلّ زَمَنه عَادَة كَأَكْل وَغسل جَنَابَة وأذان مُؤذن راتب فَلَا يجب قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنى إِذْ لَا بُد مِنْهُ وَلِأَنَّهُ معتكف فِيهِ بِخِلَاف مَا يطول زَمَنه كَمَرَض وعدة وحيض ونفاس
(وَيبْطل) الِاعْتِكَاف الْمَنْذُور وَغَيره (بِالْوَطْءِ) من عَالم بِتَحْرِيمِهِ ذَاكِرًا للاعتكاف سَوَاء أوطىء فِي الْمَسْجِد أم خَارجه عِنْد
стр. 247
خُرُوجه لقَضَاء حَاجَة أَو نَحْوهَا لمنافاته الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة
وَأما الْمُبَاشرَة بِشَهْوَة فِيمَا دون الْفرج كلمس وقبلة فتبطله إِن أنزل وَإِلَّا فَلَا تبطله لما مر فِي الصَّوْم وَخرج بِالْمُبَاشرَةِ مَا إِذا نظر أَو تفكر فَأنْزل فَإِنَّهُ لَا يبطل وبالشهوة مَا إِذا قبل بِقصد الْإِكْرَام أَو نَحوه أَو بِلَا قصد فَلَا يُبطلهُ إِذا أنزل والاستمناء كالمباشرة وَلَو جَامع نَاسِيا للاعتكاف أَو جَاهِلا فكجماع الصَّائِم نَاسِيا صَوْمه أَو جَاهِلا فَلَا يضر كَمَا مر فِي الصّيام وَلَا يضر فِي الِاعْتِكَاف التَّطَيُّب والتزين وقص شَارِب وَلبس ثِيَاب حَسَنَة وَنَحْو ذَلِك من دواعي الْجِمَاع لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه ﷺ تَركه وَلَا أَمر بِتَرْكِهِ وَالْأَصْل بَقَاؤُهُ على الْإِبَاحَة وَله أَن يتَزَوَّج ويزوج بِخِلَاف الْمحرم وَلَا تكره لَهُ الصَّنَائِع فِي الْمَسْجِد كالخياطة وَالْكِتَابَة مَا لم يكثر مِنْهَا فَإِن أَكثر مِنْهَا كرهت لِحُرْمَتِهِ إِلَّا كِتَابَة الْعلم فَلَا يكره الْإِكْثَار مِنْهَا لِأَنَّهَا طَاعَة كتعليم الْعلم ذكره فِي الْمَجْمُوع
وَله أَن يَأْكُل وَيشْرب وَيغسل يَدَيْهِ فِيهِ وَالْأولَى أَن يَأْكُل فِي سفرة أَو نَحْوهَا وَأَن يغسل يَده فِي طست أَو نَحْوهَا ليَكُون أنظف لِلْمَسْجِدِ وَيجوز نضحه بمستعمل خلافًا لما جرى عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ من الْحُرْمَة لاتفاقهم على جَوَاز الْوضُوء فِيهِ وَإِسْقَاط مَائه فِي أرضه مَعَ أَنه مُسْتَعْمل وَيجوز الاحتجام والفصد فِي إِنَاء مَعَ الْكَرَاهَة إِذا أَمن تلويث الْمَسْجِد وَيحرم الْبَوْل فِيهِ فِي إِنَاء وَالْفرق بَينه وَبَين مَا تقدم أَن الدَّم أخف مِنْهُ لما مر أَنه يُعْفَى عَنْهَا فِي محلهَا وَإِن كثرت إِذا لم تكن بِفِعْلِهِ وَإِن اشْتغل الْمُعْتَكف بِالْقُرْآنِ وَالْعلم فَزِيَادَة خير لِأَنَّهُ طَاعَة فِي طَاعَة
خَاتِمَة يسن للمعتكف الصَّوْم لِلِاتِّبَاعِ وللخروج من خلاف من أوجبه وَلَا يضر الْفطر بل يَصح اعْتِكَاف اللَّيْل وَحده لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي نذرت أَن أعتكف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ أوف بِنَذْرِك فاعتكف لَيْلَة وَلخَبَر أنس لَيْسَ على الْمُعْتَكف صِيَام إِلَّا أَن يَجعله على نَفسه وَلَو نذر اعْتِكَاف شهر بِعَيْنِه فَبَان إِنَّه انْقَضى قبل نَذره لم يلْزمه شَيْء لِأَن اعْتِكَاف شهر قد مضى محَال
وَهل الْأَفْضَل للمتطوع بالاعتكاف الْخُرُوج لعيادة الْمَرِيض أَو دوَام الِاعْتِكَاف قَالَ الْأَصْحَاب هما سَوَاء
وَقَالَ ابْن الصّلاح إِن الْخُرُوج لَهَا مُخَالف للسّنة لِأَن النَّبِي ﷺ لم يكن يخرج لذَلِك وَكَانَ اعْتِكَافه تَطَوّعا
وَقَالَ البُلْقِينِيّ يَنْبَغِي أَن يكون مَوضِع التَّسْوِيَة فِي عِيَادَة الْأَجَانِب أما ذَوُو الرَّحِم والأقارب والأصدقاء وَالْجِيرَان
فَالظَّاهِر أَن الْخُرُوج لعيادتهم أفضل لَا سِيمَا إِذا علم أَنه يشق عَلَيْهِم وَعبارَة القَاضِي الْحُسَيْن مصرحة بذلك وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَالله تَعَالَى أَعلَى وَأعلم
стр. 248
كتاب الْحَج
بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا لُغَتَانِ قرىء بهما فِي السَّبع
وَهُوَ لُغَة الْقَصْد وَشرعا قصد الْكَعْبَة للنسك الْآتِي بَيَانه كَمَا قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ فرض على المستطيع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ الْآيَة وَلِحَدِيث بني الْإِسْلَام على خمس وَلِحَدِيث حجُّوا قبل أَن لَا تَحُجُّوا قَالُوا كَيفَ نحج قبل أَن لَا نحج قَالَ أَن تقعد الْعَرَب على بطُون الأودية فيمنعون النَّاس السَّبِيل
وَهُوَ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ
يكفر جاحده إِلَّا أَن يكون قريب عهد بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ ببادية بعيدَة عَن الْعلمَاء وَهُوَ من الشَّرَائِع الْقَدِيمَة رُوِيَ أَن آدم ﵊ لما حج قَالَ لَهُ جِبْرِيل إِن الْمَلَائِكَة كَانُوا يطوفون قبلك بِهَذَا الْبَيْت بسبعة آلَاف سنة
وَقَالَ صَاحب التَّعْجِيز إِن أول من حج آدم ﵇ وَإنَّهُ حج أَرْبَعِينَ سنة من الْهِنْد مَاشِيا
وَقيل مَا من نَبِي إِلَّا حجه
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لم يبْعَث الله نَبيا بعد إِبْرَاهِيم إِلَّا وَقد حج الْبَيْت وَادّعى بعض من ألف فِي الْمَنَاسِك أَن الصَّحِيح أَنه لم يجب إِلَّا على هَذِه الْأمة
وَاخْتلفُوا مَتى فرض فَقيل فرض فِي السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة وَجزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على أَن الْحَج على التَّرَاخِي
وَقيل فِي السّنة السَّادِسَة وصححاه فِي كتاب السّير وَنَقله فِي الْمَجْمُوع عَن الْأَصْحَاب وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَلَا يجب بِأَصْل الشَّرْع إِلَّا مرّة وَاحِدَة لِأَنَّهُ ﷺ لم يحجّ بعد فرض الْحَج إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَهِي حجَّة الْوَدَاع وَلخَبَر مُسلم أحجنا هَذَا لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد قَالَ لَا بل لِلْأَبَد وَأما حَدِيث الله عَلَيْهِ وَسلم من حج حجَّة أدّى فَرْضه وَمن حج ثَانِيَة داين ربه وَمن حج ثَالِثَة حرم الله شعره وبشرته على النَّار
وَقد يجب أَكثر من مرّة لعَارض كنذر وَقَضَاء عِنْد إِفْسَاد التَّطَوُّع
وَالْعمْرَة فرض فِي الْأَظْهر لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ أَي الْبَيْهَقِيّ الْآمِر بِالْحَجِّ فِي كل خَمْسَة أَعْوَام فَمَحْمُول على النّدب لقَوْله
стр. 249
صلى ائْتُوا بهما تامين
وَعَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله هَل على النِّسَاء جِهَاد قَالَ نعم جِهَاد لَا قتال فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة وَأما خبر التِّرْمِذِيّ عَن جَابر سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْعمرَة أَوَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَأَن تعتمر خير قَالَ فِي الْمَجْمُوع اتّفق الْحفاظ على ضعفه وَلَا تجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة
شُرُوط وجوب الْحَج (وشرائط وجوب الْحَج) أَي وَالْعمْرَة (سَبْعَة) بل ثَمَانِيَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) فَلَا يجبان على كَافِر أُصَلِّي وجوب مُطَالبَة كَمَا فِي الصَّلَاة أما الْمُرْتَد بعد الِاسْتِطَاعَة فَلَا يسقطان عَنهُ فَإِن أسلم مُعسرا اسْتَقر فِي ذمَّته بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَة أَو مُوسِرًا وَمَات قبل التَّمَكُّن حج وَاعْتمر عَنهُ من تركته وَلَو ارْتَدَّ فِي أثْنَاء نُسكه بَطل فِي الْأَصَح فَلَا يمْضِي فِي فاسده
(و) الثَّانِي وَالثَّالِث (الْبلُوغ وَالْعقل) فَلَا يجبان على صبي وَلَا مَجْنُون لعدم تكليفهما كَسَائِر الْعِبَادَات
(و) الرَّابِع (الْحُرِّيَّة) فَلَا يجبان على من فِيهِ رق لِأَن مَنَافِعه مُسْتَحقَّة لسَيِّده وَفِي إِيجَاب ذَلِك عَلَيْهِ إِضْرَار لسَيِّده
(و) الْخَامِس (الِاسْتِطَاعَة) كَمَا يعلم ذَلِك من كَلَامه فَلَا يجبان على غير مستطيع لمَفْهُوم الْآيَة
والاستطاعة نَوْعَانِ أَحدهمَا استطاعة مُبَاشرَة وَلها شُرُوط أَحدهَا (وجود الزَّاد) الَّذِي يَكْفِيهِ وأوعيته حَتَّى السفرة وكلفة ذَهَابه لمَكَّة ورجوعه مِنْهَا
стр. 250
إِلَى وَطنه وَإِن لم يكن فِيهِ أهل وعشيرة فَلَو لم يجد مَا ذكر وَلَكِن كَانَ يكْتَسب فِي سَفَره مَا يَفِي بزاده وَبَاقِي مُؤْنَته وسفره طَوِيل مرحلتان فَأكْثر لم يُكَلف النّسك وَلَو كَانَ يكْسب فِي يَوْم كِفَايَة أَيَّام لِأَنَّهُ قد يَنْقَطِع عَن الْكسْب لعَارض وَبِتَقْدِير عدم الِانْقِطَاع فالجمع بَين تَعب السّفر وَالْكَسْب فِيهِ مشقة عَظِيمَة وَإِن قصر سَفَره وَكَانَ يكْتَسب فِي يَوْم كِفَايَة أَيَّام الْحَج كلف الْحَج بِأَن يخرج لَهُ لقلَّة الْمَشَقَّة حِينَئِذٍ وَقدر فِي الْمَجْمُوع أَيَّام الْحَج بِمَا بَين زَوَال سَابِع ذِي الْحجَّة وَزَوَال ثَالِث عشره وَهُوَ فِي حق من لم ينفر النَّفر الأول فَإِن لم يجد زادا وَاحْتَاجَ أَن يسْأَل النَّاس كره لَهُ اعْتِمَادًا على السُّؤَال إِن لم يكن لَهُ كسب وَإِلَّا منع بِنَاء على تَحْرِيم الْمَسْأَلَة للمكتسب كَمَا بَحثه الْأَذْرَعِيّ
(و) الثَّانِي من شُرُوط الِاسْتِطَاعَة وجود (الرَّاحِلَة) الصَّالِحَة لمثله بشرَاء أَو اسْتِئْجَار بِثمن أَو أُجْرَة مثل لمن بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر قدر على الْمَشْي أم لَا لَكِن ينْدب للقادر على الْمَشْي الْحَج خُرُوجًا من خلاف من أوجبه وَمن بَينه وَبَين مَكَّة دون مرحلَتَيْنِ وَهُوَ قوي على الْمَشْي يلْزمه الْحَج لعدم الْمَشَقَّة فَلَا يعْتَبر فِي حَقه وجود الرَّاحِلَة فَإِن ضعف عَن الْمَشْي بِأَن عجز أَو لحقه ضَرَر ظَاهر كالبعيد عَن مَكَّة فَيشْتَرط فِي حَقه وجود الرَّاحِلَة فَإِن لحقه بالراحلة مشقة شَدِيدَة اشْترط محمل وَهُوَ الْخَشَبَة الَّتِي يركب فِيهَا بيع أَو إِجَارَة بعوض مثله دفعا للضَّرَر فِي حق الرجل وَلِأَنَّهُ أستر للْأُنْثَى وأحوط للخنثى وَاشْترط شريك أَيْضا مَعَ وجود الْمحمل يجلس فِي الشق الآخر لتعذر ركُوب شقّ لَا يعادله شَيْء فَإِن لم يجده لم يلْزمه النّسك وَإِن وجد مُؤنَة الْمحمل بِتَمَامِهِ أَو كَانَت الْعَادة جَارِيَة فِي مثله بالمعادلة بالأثقال كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب
وَيشْتَرط كَون مَا ذكر من الزَّاد وَالرَّاحِلَة والمحمل وَالشَّرِيك فاضلين عَن دينه حَالا كَانَ أَو مُؤَجّلا وَعَن كلفة من عَلَيْهِ نَفَقَتهم مُدَّة ذَهَابه وإيابه وَعَن مَسْكَنه اللَّائِق بِهِ الْمُسْتَغْرق لِحَاجَتِهِ وَعَن عبد يَلِيق بِهِ وَيحْتَاج إِلَيْهِ لخدمته وَيلْزمهُ صرف مَال تِجَارَته إِلَى الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَمَا يتَعَلَّق بهما
(و) الشَّرْط السَّادِس للْوُجُوب (تخلية الطَّرِيق) أَي أَمنه وَلَو ظنا فِي كل مَكَان بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ فَلَو خَافَ فِي طَرِيقه على نَفسه أَو عضوه أَو نفس مُحْتَرمَة مَعَه أَو عضوها أَو مَاله وَلَو يَسِيرا سبعا أَو عدوا أَو رصديا وَلَا طَرِيق لَهُ سواهُ لم يجب النّسك عَلَيْهِ لحُصُول الضَّرَر وَالْمرَاد بالأمن الْعَام حَتَّى لَو كَانَ الْخَوْف فِي حَقه وَحده قضى من تركته كَمَا نَقله البُلْقِينِيّ عَن النَّص
وَيجب ركُوب الْبَحْر إِن غلبت السَّلامَة فِي ركُوبه وَتعين طَرِيقا كسلوك طَرِيق الْبر عِنْد غَلَبَة السَّلامَة فَإِن غلب الْهَلَاك أَو اسْتَوَى الْأَمْرَانِ لم يجب بل يحرم لما فِيهِ من الْخطر
(و) السَّابِع (إِمْكَان الْمسير) إِلَى مَكَّة بِأَن يكون قد بَقِي من الْوَقْت مَا يتَمَكَّن فِيهِ من السّير الْمُعْتَاد لأَدَاء النّسك
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْأَئِمَّة وَإِن اعْتَرَضَهُ ابْن الصّلاح بِأَنَّهُ يشْتَرط لاستقراره لَا لوُجُوبه فقد صوب النَّوَوِيّ مَا قَالَه الرَّافِعِيّ
وَقَالَ السُّبْكِيّ إِن نَص الشَّافِعِي أَيْضا يشْهد لَهُ وَلَا بُد من وجود رفْقَة يخرج مَعَهم فِي الْوَقْت الَّذِي جرت عَادَة أهل بَلَده الْخُرُوج فِيهِ وَأَن يَسِيرُوا السّير الْمُعْتَاد فَإِن خَرجُوا قبله أَو أخروا الْخُرُوج بِحَيْثُ لَا يصلونَ مَكَّة إِلَّا بِأَكْثَرَ من مرحلة فِي كل يَوْم أَو كَانُوا يَسِيرُونَ فَوق الْعَادة لم يلْزمه الْخُرُوج هَذَا إِن احْتِيجَ إِلَى الرّفْقَة لدفع الْخَوْف فَإِن أَمن الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يخَاف الْوَاحِد فِيهَا لزمَه وَلَا
следующие страницы →