Полный текст (3 585 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
إِلَّا تحلل وَاحِد وَإِن جَامع فِي الْحَج بَين التحللين لم يفْسد حجه لِأَن تَحْرِيم اللّبْس وَالطّيب قد ارْتَفع فَلم يُصَادف الْجِمَاع إحراما مُطلقًا وَفِيه وَجه أَنه يفْسد
وَإِن قُلْنَا لَا يفْسد فَفِي واجبه وَجْهَان أَحدهمَا الْبَدنَة كَمَا قبل التَّحَلُّل وَالثَّانِي شَاة لِأَنَّهُ مَحْظُور لم يفْسد فَأشبه سَائِر الْمَحْظُورَات
وَفِيه وَجه أَنه لَا يجب شئ وَهُوَ بعيد
ثمَّ مهما فسد لزمَه الْمُضِيّ فِي فاسده وَهُوَ أَن يَأْتِي بِكُل عمل كَانَ يَأْتِي بِهِ لَوْلَا الْإِفْسَاد وَيكون فِي عقد لَازم يلْزمه الْفِدْيَة فِيهِ بارتكاب الْمَحْظُورَات على الْمَذْهَب فَلَو جَامع ثَانِيًا فَالْوَاجِب بدنه أَو شَاة فِيهِ قَولَانِ كَمَا فِي الْجِمَاع بَين التحللين وَفِيه قَول إِنَّه لَا يجب شئ بالتداخل
وواجب الْجِمَاع فِي الْعمرَة واجبها فِي الْحَج من غير فرق
أما الْكَفَّارَة فواجبة على الرجل وَفِي الْمَرْأَة قَولَانِ كَمَا فِي الصَّوْم مَعَ الْخلاف الْمَذْكُور فِي ملاقاة الْوُجُوب لَهَا والتحمل عَنْهَا فَإِن قُلْنَا بالتحمل فَإِذا لَزِمَهَا الْقَضَاء فَهَل عَلَيْهِ مُؤنَة تَحْصِيل الْقَضَاء لَهَا ببذل المَال فِيهِ وَجْهَان
أما الْقَضَاء فَفِيهِ أَربع مسَائِل
الأولى قَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِذا عَاد فِي الْقَضَاء إِلَى ذَلِك الْمَكَان فرق بَينهمَا وَاخْتلفُوا فِي أَنه مُسْتَحقّ أَو مُسْتَحبّ فَالظَّاهِر الِاسْتِحْبَاب حذارا من أَن يكون تذكر تِلْكَ الْوَاقِعَة مهيجا لشَهْوَة الْعود إِلَيْهَا
الثَّانِيَة إِذا أحرم فِي الْأَدَاء من مَسَافَة شاسعة يلْزمه فِي الْقَضَاء الْإِحْرَام من ذَلِك الْمَكَان لِأَن تَأْخِير الْمَكَان نُقْصَان فِي الْإِحْرَام
стр. 1017
بِخِلَاف مَا لَو أحرم فِي أول الشَّهْر من أشهر الْحَج فَإِنَّهُ لَا يلْزمه فِي الْقَضَاء الْإِحْرَام فِي ذَلِك الْوَقْت
الثَّالِثَة إِنَّمَا يجب الْقَضَاء على المتطوع بِالْحَجِّ فَإِن كَانَ من فروض فَمَا يَأْتِي بِهِ قَضَاء يتَأَدَّى بِهِ ذَلِك الْفَرْض الْوَاجِب إِذْ يقوم الْقَضَاء مقَام الْأَدَاء الرَّابِعَة قَضَاء الْحَج على الْفَوْر أم على التَّرَاخِي فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا على الْفَوْر كقضاء صَلَاة عصى بِتَرْكِهَا وَالثَّانِي لَا لِأَن قَضَاء الْحَج لَا يزِيد على الْأَدَاء
وَأما الصَّلَاة فَيتَعَيَّن الْقَتْل بِتَرْكِهَا فَلَا بُد من التَّضْيِيق فَيجْرِي هَذَا الْخلاف فِي قَضَاء صَوْم تعدى بِتَرْكِهِ وَفِي كَفَّارَة لَزِمت بِسَبَب مَحْظُور فَأَما مَا لَا عدوان بِسَبَبِهِ فَلَا تضييق فِي واجبه
فرع
الْقَارِن إِذا جَامع هَل يلْزمه دم الْقرَان فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ لم ينْتَفع بالقران وَالثَّانِي بلَى لِأَن حكم الْفَاسِد فِي لوازمه كَحكم الصَّحِيح ثمَّ الْعمرَة تفْسد بِفساد الْقرَان قولا وَاحِدًا وَهل يفوت بِفَوَات الْحَج فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْفرق أَن فِي الْفَوات يتَحَلَّل بأعمال الْعمرَة فَلَا معنى لتفويت عمرته
هَذَا كُله فِي الْعَامِد وَأما النَّاسِي فَفِيهِ قَولَانِ يبتنيان على أَنه من قبيل الاستمتاعات فَيكون النسْيَان عذرا فِيهِ
стр. 1018
فَإِن قيل وَهل يفْسد بشئ سوى الْجِمَاع قُلْنَا يبطل بِالرّدَّةِ طَالَتْ أم قصرت
فَلَو عَاد إِلَى الْإِسْلَام فَهَل يُخَاطب بالمضي فِي فاسده فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم كالجماع وَالثَّانِي لَا لِأَن الرِّدَّة تحبط مَا سبق
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يفْسد بتخلل الرِّدَّة وَلَكِن لَا يعْتد بِمَا جرى فِي حَال الرِّدَّة وَذكر هَذَا فِي الْوضُوء وَالِاعْتِكَاف وَهُوَ هَاهُنَا أبعد
النَّوْع السَّادِس مُقَدمَات الْجِمَاع كالقبلة والمماسة
وَذَلِكَ حرم مُوجب للفدية والضبط فِيهِ كل ملاسة تنقض الطَّهَارَة وجد الْإِنْزَال أَو لم يُوجد
وَقَالَ مَالك لَا يجب الدَّم إِلَّا عِنْد الْإِنْزَال
ثمَّ لَا تجب الْبَدنَة بمقدمات الْجِمَاع وَإِنَّمَا تجب الشَّاة
وَفِي وجوب الْفِدْيَة بالاستمناء فِي الصَّوْم وَجْهَان
وَمن مُقَدمَات الْجِمَاع النِّكَاح والإنكاح وهما محرمان على الْمحرم وَلكنه لَا فديَة لِأَنَّهُ لَا ينْعَقد وَفِي رَجْعَة الْمحرم وشهادته كَلَام
فَإِن قيل لَو بَاشر جَمِيع هَذِه الْمَحْظُورَات هَل يتداخل الْوَاجِب أم لَا قُلْنَا إِن اخْتلف الْجِنْس لم يتداخل كالاستهلاك مَعَ الِاسْتِمْتَاع وَإِن اخْتلف النَّوْع فِي الاستهلاكات لم يتداخل أَيْضا كالقلم وَالْحلق لِأَن الِاسْتِهْلَاك بعيد عَن التَّدَاخُل وَلَا خلاف فِي أَن جَزَاء الصيور لَا يتداخل وَأما الاستمتاعات إِن اتَّحد النَّوْع وَالزَّمَان وَالْمَكَان تداخلا كَمَا إِذا لبس الْعِمَامَة والقميص والسراويل والخف على التَّوَاتُر الْمُعْتَاد فيكفيه دم وَاحِد وَإِن استدام جَمِيع الْإِحْرَام
стр. 1019
وَلَو تخَلّل بَينهمَا زمَان فاصل فَقَوْلَانِ أَحدهمَا لَا يتداخل للمنقطع وَالثَّانِي نعم لِاتِّحَاد النَّوْع واتحاد الْعِبَادَة مَعَ أَنه وَاجِب يفرق فِيهِ بَين الساهي والعامد فَيُشبه الْحُدُود بِخِلَاف الْجِمَاع فِي يَوْمَيْنِ من رَمَضَان لِأَنَّهُ يلاقي عبادتين
فَأَما إِذا اخْتلف النَّوْع فِي الِاسْتِمْتَاع كالتطيب واللبس فَالظَّاهِر التَّعَدُّد وَفِيه وَجه أَنه يلْحق اخْتِلَاف النَّوْع باخْتلَاف الزَّمَان
فروع ثَلَاثَة
الأول حَيْثُ حكمنَا بالتداخل فَلَو تخَلّل تَكْفِير منع التَّدَاخُل كَمَا إِذا تخَلّل حد بَين زنيتين إِلَّا إِذا قصد بالتكفير الْمَاضِي والمستقبل جَمِيعًا وَقُلْنَا يجوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على مَحْظُورَات الْإِحْرَام فَفِي امْتنَاع التَّدَاخُل بِهِ وَجْهَان
الثَّانِي إِذا حكمنَا بِتَعَدُّد الْوَاجِب عِنْد اخْتِلَاف نوع وَاخْتِلَاف زمَان واتحد الْعذر الشَّامِل كَمَا إِذا تداوى لمَرض وَاحِد مرَارًا أَو شج رَأسه فَاحْتَاجَ إِلَى حلق وَستر ومداواة بالطيب فَهَل يتحد الْوَاجِب لِاتِّحَاد الْعذر فِيهِ وَجْهَان
الثَّالِث لَو حلق ثَلَاث شَعرَات فِي ثَلَاثَة أَوْقَات مُتَفَرِّقَة فَإِن قُلْنَا متفرق الْأَزْمِنَة كالمجموع فَالْوَاجِب دم وَإِن قُلْنَا لَا يجمع فَثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ثَلَاثَة أَمْدَاد
وَأما الْوَطْء إِذا تكَرر فِي زمانين فَهُوَ كالحلق فِي زمانين وَإِن قُلْنَا إِنَّه اسْتِهْلَاك
والتطيب فِي زمانين إِن قُلْنَا إِنَّه استمتاع وَأما كَثْرَة الإيلاجات فِي وطر
стр. 1020
وَاحِد لَا يُوجب تعدد الْكَفَّارَة بِحَال
النَّوْع السَّابِع من الْمَحْظُورَات إِتْلَاف الصَّيْد
وَالصَّيْد محرم بشيئين أَحدهمَا الْإِحْرَام وَالْآخر الْحرم
وَالنَّظَر فِي الْإِحْرَام يتَعَلَّق بأطراف
الأول فِي الصَّيْد وَهُوَ عبارَة عَن كل متوحش مَأْكُول لَيْسَ مائيا فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود أما الأول فقد دخل فِيهِ الصَّيْد الْمَمْلُوك وَغَيره والمستأنس لِأَنَّهُ من جنس المتوحش وَقَالَ مَالك لَا جَزَاء فِي المستأنس وَقَالَ الْمُزنِيّ لَا جَزَاء فِي الْمَمْلُوك ويلتحق بِهَذَا الصَّيْد أجزاؤه وبيضه فِي التَّحْرِيم وَالْجَزَاء
وَأما الْمَأْكُول احْتِرَازًا عَن السبَاع والحشرات وكل مَا لَا يُؤْكَل وَقد قَالَ ﷺ خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم الْحَيَّة والحدأة والغراب وَالْعَقْرَب وَالْكَلب الْعَقُور ويلتحق بِهِ كل مَا فِي مَعْنَاهُ
وَعند أبي حنيفَة يجب الْجَزَاء فِي الْأسد والنمر وأشباههما
стр. 1021
والمتولد عَن الْمَأْكُول وَغير الْمَأْكُول لما تعَارض فِيهِ الْأَمر أوجب الشَّافِعِي فِيهِ الْجَزَاء احْتِيَاطًا
واحترزنا بِغَيْر المائي عَن صيد الْبَحْر فَإِنَّهُ حَلَال للْمحرمِ وَالْجَرَاد من صيد الْبر وَإِن كَانَ نشوءه من رَوْث السّمك على مَا قيل
والطرف الثَّانِي فِي الْأَفْعَال الْمُوجبَة للضَّمَان
وَهِي ثَلَاثَة الْمُبَاشرَة والتسبب وَالْيَد
وَلَا تخفى الْمُبَاشرَة وَكَذَا كل سَبَب يضمن بِهِ الْآدَمِيّ وَيزِيد فِي الصَّيْد أَسبَاب ثَلَاثَة
الأول لَو حفر الْمحرم بِئْرا فِي ملكه فتردى فِيهِ صيد لم يضمن وَلَو كَانَ فِي مَحل الْعدوان ضمن وَسَاكن الْحرم إِذا حفر بِئْرا فِي ملكه فَفِيهِ وَجْهَان وَوجه التَّضْمِين أَن الْملك من الْحرم أَيْضا وَلَو نصب شبكه فِي غير ملكه ضمن وَفِي ملكه وَجْهَان أظهرهمَا الْوُجُوب لِأَن الشبكة لَا تنصب إِلَّا للصَّيْد وَهَذَا جَار فِي الْمحرم
الثَّانِي لَو نفر صيدا فَتطلق وتعثر بتطلقه ضمن إِلَّا أَن يَقع ذَلِك بعد سكونه وَلَو مَاتَ بِآفَة سَمَاوِيَّة فِي وَقت النفار فَفِيهِ وَجْهَان وَوجه إِيجَاب الْجَزَاء تَنْزِيل النفار منزلَة إِثْبَات الْيَد وَلَو دلّ الْمحرم حَلَالا على الصَّيْد عصى وَلَا جَزَاء لِأَن مُبَاشرَة غَيره قطع أثر دلَالَته
الثَّالِث لَو أرسل كَلْبا ضمن مَا يصطاده وَلَو حل الرِّبَاط وَلَا صيد ثمَّ ظهر
стр. 1022
صيد فَفِيهِ تردد وَلَو انحل الرِّبَاط فِي صُورَة نسب إِلَيْهَا إِلَى التَّفْرِيط فَهُوَ كحله وَأما الْيَد فَإِذا أثبت على صيد فَتلف ضمن إِلَّا إِذا أحرم وَفِي يَده صيد فَفِي لُزُوم رفع الْيَد قَولَانِ أَحدهمَا لَا يلْزمه كَمَا لَا يَنْقَطِع دوَام نِكَاحه وَإِن امْتنع ابتداؤه وَالثَّانِي يلْزمه لِأَن النَّهْي مُطلق
فَإِن قُلْنَا لَا يلْزمه فَلَو قَتله ضمن لِأَنَّهُ ابْتِدَاء فعل وَإِن مَاتَ فَلَا وَإِن قُلْنَا يجب إرْسَاله فِي زَوَال ملكه ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه يَزُول بِمُجَرَّد الْإِحْرَام وَالثَّانِي أَنه لَا يَزُول إِلَّا بِالْإِرْسَال وَالثَّالِث أَنه لَا يَزُول إِلَّا بِالْإِرْسَال وَقصد التَّحْرِيم
ثمَّ لَو أخر الْإِرْسَال حَتَّى تحلل فَالْأَمْر مُسْتَمر بِالْإِرْسَال وَفِيه وَجه أَنه يَنْقَطِع
وَأما أَسبَاب الْملك فَمَا هُوَ قهري كَالْإِرْثِ لَا يمْنَع الْملك على الصَّحِيح لَكِن يجب الْإِرْسَال وَمَا هُوَ قصدي كالاصطياد فَلَا يُفِيد الْملك
وَفِي الشِّرَاء قَولَانِ كَمَا فِي شِرَاء الْكَافِر عبدا مُسلما إِلَّا إِذا قُلْنَا إِن الْإِحْرَام بِقطع دوَام الْملك فَلَا يَصح الشِّرَاء بِحَال
فَإِن صححنا الشِّرَاء فَبَاعَهُ حرم البيع وَلَكِن انْعَقَد وَوَجَب على المُشْتَرِي الْإِرْسَال وَإِذا أرسل فَهَل يكون من ضَمَان البَائِع فِيهِ من الْخلاف مَا فِي العَبْد الْمُرْتَد هَذَا كُله من الْعَامِد والمخطئ وَالنَّاسِي كالعامد فِي الْجَزَاء إِلَّا فِي الْإِثْم لِأَن هَذَا من قبيل الغرامات
стр. 1023
نعم لَو صال عَلَيْهِ صيد فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي دَفعه وَلَو أكله فِي مَخْمَصَة ضمن وَلَو عَم الْجَرَاد المسالك فوطئه الْمحرم فَفِيهِ وَجْهَان وَإِذا قصد الْمحرم لص على حمَار وَحش وَلم يتأت دَفعه إِلَّا بقتل الْحمار فَفِي الضَّمَان وَجْهَان
فرعان
الأول لَو وجد صيدا مجروحا فَأَخذه ليداويه فَمَاتَ فَالصَّحِيح أَنه لَا يضمن لِأَن يَده يَد أَمَانَة
الثَّانِي لَو أمسك محرم صيدا فَقتله مَحل فَالضَّمَان على الْمحرم وَإِن قَتله محرم فقرار الْجَزَاء على الْقَاتِل وكل وَاحِد مطَالب شرعا
الطّرف الثَّالِث فِي الْأكل وَيحل للْمحرمِ أكل صيد ذبحه مَحل إِذا لم يصد لَهُ بِإِذْنِهِ وَلَا بدلالته وَلَا بإعانته فَإِن جرى شئ من ذَلِك فَهُوَ حرَام لقَوْله ﵇ للمحرمين لحم الصَّيْد حَلَال لكم مَا لم تصطادوه أَو يصاد لكم وذبيحة الْمحرم من الصَّيْد حرَام عَلَيْهِ وَهل هُوَ ميتَة فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم كذبيحة الْمَجُوس وَالثَّانِي أَنه مُبَاح وَلَا تَحْرِيم على غَيره
стр. 1024
وَفِي صيد الْحرم طَرِيقَانِ فَهُوَ أولى بِأَن يَجْعَل ميتَة لِأَن الْمَانِع فِي نفس الذَّبِيح ثمَّ مهما أكل الْمحرم من صيد لزمَه جَزَاء وَلَو ذبحه لم يتَكَرَّر الْجَزَاء بِالْأَكْلِ خلافًا لأبي حنيفَة وَلَو أكل من صيد دلّ عَلَيْهِ لزمَه الْجَزَاء على أحد الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لم يضمن أَصله
الطّرف الرَّابِع فِي بَيَان الْجَزَاء وَله ثَلَاث خِصَال الْمثل من النعم أَو بِقدر قيمَة النعم من الطَّعَام أَو بِقدر كل مد من الطَّعَام يَوْم من الصَّوْم فَإِن انْكَسَرَ مد كمل وَهُوَ يتَخَيَّر بَين هَذِه الثَّلَاثَة فَإِن لم يكن الصَّيْد مثلِيا فَالْوَاجِب طَعَام بِقدر قِيمَته أَو عدل ذَلِك صياما
وَالْعبْرَة فِي قيمَة الصَّيْد مَحل الْإِتْلَاف وَفِي قيمَة النعم بِمَكَّة لِأَنَّهُ مَحل ذبحه
فَإِن قيل وَكَيف يجب الْمثل من النعم قُلْنَا يرْعَى فِي الْمُمَاثلَة فِي الْخلقَة وَالْكبر والصغر وَمَا وجد للصحابة فِيهِ قَضِيَّة اتبعت فقد حكمُوا فِي النعامة ببدنة وَفِي حمَار الْوَحْش ببقرة وَفِي الضبع بكبش وَفِي الأرنب عنَاق وَفِي أم حبين وَهُوَ من صغَار الضَّب جدي صَغِير وَفِي الظبي عنز وَفِي الْكَبِير كَبِير وَفِي الصَّغِير صَغِير فَإِن لم يجد نَص الصَّحَابَة حكم بِالِاجْتِهَادِ ذَوا عدل من الْمُسلمين
فَإِن كَانَ الْقَاتِل أحد العدلين وَكَانَ مخطئا فِي الْقَتْل كَيْلا يفسق فِيهِ وَجْهَان
стр. 1025
أقيسهما الْمَنْع إِذْ لَا يكون الْوَاحِد حَاكما ومحكوما عَلَيْهِ لَكِن رُوِيَ أَن عمر ﵁ شاور أحد الصَّحَابَة فِي صيد قَتله فتوافقا على التَّعْدِيل بِشَاة فَأَما مَا لَيْسَ مثلِيا كالعصافير وَمَا دون الْحمام وكالجراد والبيص فَفِيهَا الطَّعَام بِقدر قيمتهَا أَو الصّيام وَفِي الْحمام شَاة لقَضَاء الصَّحَابَة وَفِي مَعْنَاهُ كل مَا عب وهدر من الْقمرِي والدمسي والفواخت وَفِيمَا فَوق الْحمام من الطُّيُور قَولَانِ أَحدهمَا الشَّاة إِلْحَاقًا بالحمام لِأَنَّهُ أكبر مِنْهُ وَالثَّانِي لَا إِذْ لم يحكم الصَّحَابَة بالمشابهة شكلا بل لَعَلَّ ذَلِك لِلْخلقِ الْجَامِع وَهُوَ الِاسْتِئْنَاس
فروع سِتَّة
الأول الْمَعِيب يُقَابل بِالنعَم الْمَعِيب إِذا اتَّحد جنس الْمَعِيب فَإِن اخْتلف لم يجْبر عيب بفصيله وَكَذَا الْمَرِيض بالمريض وَفِي مُقَابلَة الذّكر بِالْأُنْثَى ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا الْجَوَاز لِأَن الِاخْتِلَاف فِيهِ لَا يقْدَح فِي الْمَقْصُود كالاختلاف فِي اللَّوْن وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَنَّهُ اخْتِلَاف فِي الخلفة وَالثَّالِث أَن الْأُنْثَى تُجزئ عَن الذّكر لِأَنَّهَا أفضل مِنْهُ فِي الزَّكَاة وَأما الذّكر فَلَا يُجزئ عَن الْأُنْثَى
وَهَذَا الِاخْتِلَاف إِنَّمَا يحْتَمل إِذا لم يظْهر أَثَره فِي خبث اللَّحْم ونقصان الْقيمَة
стр. 1026
وَالثَّانِي لَو قتل ظَبْيَة حَامِلا لَا فَائِدَة فِي ذبح شَاة حَامِل إِذْ تبطل فَضِيلَة الْحمل بِالذبْحِ فَليرْجع إِلَى تَعْدِيل الطَّعَام بِقِيمَة الشَّاة الْحَامِل وَقيل يخرج شَاة حَامِلا تعدل قيمَة الْحَامِل
وَإِن أَلْقَت الظبية جَنِينا مَيتا بِجِنَايَة فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا ينقص من الْأُم
وَقَالَ أَو ثَوْر يلْزم عشر قيمَة الْأُم
وَلَو مَاتَت الْأُم مَاتَ الْجَنِين بعد انْفِصَاله فَعَلَيهِ جزاؤهما جَمِيعًا
الثَّالِث إِن جرح ظَبْيًا فنقص من قِيمَته الْعشْر فَعَلَيهِ الْعشْر من ثمن شَاة نَص عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لم يجب عَلَيْهِ الْعشْر من الشَّاة حذارا من التجزئة وَقَالَ الْمُزنِيّ عَلَيْهِ عشر شَاة فَقيل هُوَ الصَّحِيح
الرَّابِع إِذا جنى على صيد فأزمته فَالظَّاهِر فِيهِ كَمَال الْجَزَاء كَمَا فِي قطع يَدي العَبْد وَقيل قسط من الْقيمَة أَو الْمثل وَهُوَ بعيد فَلَو أتلف هَذَا المزمن محرم فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ معيبا
وَلَو أبطل من النعامة قُوَّة الْمَشْي وَقُوَّة الطيران وَله امتناعات فَفِي تعدد الْجَزَاء وَجْهَان
وَلَو أزمنه ثمَّ قَتله اتَّحد الْجَزَاء كَمَا فِي النَّفس
الْخَامِس إِذا كسر بيض نعَامَة وَكَانَت مذرة فَلَا شئ عَلَيْهِ وَإِن كَانَت
стр. 1027
للقشرة قيمَة لِأَنَّهُ لم يبْق حُرْمَة الرّوح وَلَو نفر طيرا عَن بيض حَتَّى فسد ضمن
السَّادِس المحرمون إِذا اشْتَركُوا فِي قتل صيد فَعَلَيْهِم جَزَاء وَاحِد خلافًا لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ شبه بِالْكَفَّارَةِ والقارن إِذا قتل صيدا فَعَلَيهِ جَزَاء وَاحِد كالدية وَلَو قتل الْمحرم صيدا حرميا لم يَتَعَدَّد الْجَزَاء نظرا منا إِلَى اتِّحَاد الْمُتْلف
وَهَذِه الْفُرُوع جَارِيَة فِي صيود الْحرم
السَّبَب الثَّانِي للتَّحْرِيم الْحرم
وَالنَّظَر فِي ثَلَاثَة أَطْرَاف
الأول السَّبَب كل صيد يضمن بِالْإِحْرَامِ يضمن بِالْحرم وَكَذَا السَّبَب كالسبب وَيخْتَص هَذَا بِأُمُور
الأول لَو أَدخل الْحرم صيدا مَمْلُوكا لم يحرم عَلَيْهِ بل كَانَ كالنعم بِخِلَاف مَا سبق
الثَّانِي لَو كَانَ الصَّيْد فِي الْحرم والواقف فِي الْحل أَو كَانَ فِي الْحل والواقف فِي الْحرم فَرمى وَجب الضَّمَان وَلَو قطع السهْم فِي مروره هَوَاء طرف الْحرم والرامي وَالصَّيْد كِلَاهُمَا فِي الْحل فَفِيهِ وَجْهَان وَلَو أرسل فِي الْحل إِلَى الصَّيْد فِي الْحل كَلْبا فتخطى الْكَلْب طرف الْحرم فَلَا جَزَاء إِلَّا إِذا لم يكن لَهُ طَرِيق سوى الْحرم وَلَو اصطاد حمامة فِي الْحل فَهَلَك لَهَا فرخ فِي الْحرم أَو بِالْعَكْسِ ضمن كَمَا فِي الرَّمْي وَلَو نفر
стр. 1028
صيدا حرميا فَنَكس فِي طرف الْحل قبل سكُوت النفار ضمن
الطّرف الثَّانِي فِي الْجَزَاء وَحكمه حكم الْإِحْرَام وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُفَارِقهُ فِي أَن الصَّوْم لَا يدْخل جَزَاؤُهُ وَعِنْدنَا وَلَا فرق فَأَما الشّجر والحشيش فَإِنَّهُمَا يحرمان فِي الْحرم لقَوْله ﷺ إِن الله تَعَالَى حرم مَكَّة لَا يعضد شَجَرهَا وَلَا يخْتَلى خلاؤها وَلَا ينفر صيدها وَلَا تحل لقطها إِلَّا لِمُنْشِد قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا وسقوفنا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخر إِلَّا الْإِذْخر
وَاخْتلفُوا فِي أَن غير الْإِذْخر لَو مست إِلَيْهِ حَاجَة دَوَاء أَو حَاجَة الْإِذْخر فَهَل يلْحق بِهِ
ثمَّ لَا يحرم من نَبَات الْحرم إِلَّا مَا لَا يستنبت فِي جنسه كالعوسج والطرفا والأراك دون النخيل والصنوبر وَالْخلاف
فَلَو استنبت مَا لَا يستنبت أَو نبت بِنَفسِهِ مَا يستنبت فالنظر إِلَى الْجِنْس لَا إِلَى الْحَال خلافًا لصَاحب التَّلْخِيص وعَلى هَذَا لَو نقل أراكا حرميا وعرسه فِي الْحل لم يَنْقَطِع حكم الْمحرم لكَونه مُتَعَدِّيا
стр. 1029
وَلَا خلاف فِي أَن تَسْرِيح الْبَهَائِم فِي مراعيها جَائِز لِأَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا نهى حفظا على الْبَهَائِم والصيود فَلَو اختلى لإعلاف الْبَهَائِم فَفِي التَّحْرِيم وَجْهَان ثمَّ ضَمَان الْحَشِيش وَالْأَشْجَار الصَّغِيرَة كضمان الْحَيَوَانَات الصَّغِيرَة الَّتِي لَا مثل لَهَا من النعم وَأما الشَّجَرَة الْكَبِيرَة فَفِيهَا بقرة وَفِي الصَّغِيرَة شَاة فَكَأَنَّهَا سبع الْكَبِيرَة قَالَه الشَّافِعِي ﵁ تقليدا لِابْنِ الزبير وَفِي الْقَدِيم قَول أَن تَأْثِير الْحرم فِي النَّبَات مَقْصُور على التَّحْرِيم فَلَا ضَمَان فِيهِ
الطّرف الثَّالِث فِي مَوَاضِع الْحرم
وَالْأَصْل مَكَّة وَالْمَدينَة مُلْحقَة بهَا قَالَ ﷺ حرمت مَا بَين لابتيها فَهِيَ فِي التَّحْرِيم كمكة وَفِي الضَّمَان وَجْهَان أَحدهمَا يجب قِيَاسا عَلَيْهِ وَالثَّانِي لَا إِذْ ورد فِيهِ سلب ثِيَاب الصَّائِد فَكَأَنَّهُ أوجب هَذِه الْجِنَايَة
وَفِي حكم سلبه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه فِي بَيت المَال وَالْآخر أَنه يفرق على محاويج الْمَدِينَة القاطنين بهَا والعابرين كَمَا فِي الْجَزَاء وَالثَّالِث أَنه للسالب لما رُوِيَ أَن سَعْدا رَحمَه الله تَعَالَى طُولِبَ هَذَا السَّلب فَقَالَ مَا كنت لأرد شَيْئا
стр. 1030
أمرنيه رَسُول الله ﷺ
الْموضع الثَّالِث وَج الطَّائِف وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن صيدها وشجرها وكلأها
قَالَ صَاحب التَّلْخِيص من فعل ذَلِك أدبه الْحَاكِم وَلم ألزمهُ شَيْئا قلته تخريجا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ هَذَا تردد فِي الْكَرَاهِيَة وَالتَّحْرِيم فَإِن ثَبت تَحْرِيمه لم يبعد الضَّمَان كالمدينة وَالظَّاهِر نفي الضَّمَان
الرَّابِع النقيع وَقد حماه رَسُول الله ﷺ للصدقات وَلَا يمْنَع إِلَّا من كلأه فَإِن تعرض بِهِ فَفِي ضَمَانه بِالْقيمَةِ وَجْهَان وَلَا سلب وَفِي أشجاره تردد لترددها بَين الصَّيْد والحشيش
стр. 1031
فرع
من يسلب بِالْمَدِينَةِ فَلَا يسلب إِلَّا إِذا اصطاد أَو أرسل الْكَلْب وَيحْتَمل التَّأْخِير إِلَى الْإِتْلَاف وَلَا يفرق فِي السَّلب بَين الشّجر وَالصَّيْد وَالْمرَاد بالسلب ثِيَابه فَقَط لَا كسلب الْقَتِيل وَإِن كَانَ عَلَيْهِ حلي فَوَجْهَانِ
стр. 1032
الْقسم الثَّالِث من الْكتاب فِي التوابع واللواحق
وَفِيه بَابَانِ ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي الْمَوَانِع من إتْمَام الْحَج ﷺ َ - وَهِي سِتَّة
الأول الْإِحْصَار من جِهَة الْعَدو وَهُوَ مُبِيح للتحلل فِي نَص الْقُرْآن وَذَلِكَ مَتى احْتَاجَ فِي دفع الصادين إِلَى بذل مَال وَلَو دِرْهَم أَو إِلَى قتال إِلَّا أَن يَكُونُوا كفَّارًا وَنقص عَددهمْ عَن الضعْف فَيتَعَيَّن الْقِتَال إِن كَانَ مَعَهم أهبة وَلَا يجوز التَّحَلُّل
وَلَو أحَاط الْعَدو من الجوانب فَقَوْلَانِ وَوجه الْمَنْع أَن التَّحَلُّل لَيْسَ يرِيح مِنْهُ فَأشبه الْمَرَض فَإِنَّهُ لَا يُبِيح التَّحَلُّل عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة
وَلَو شَرط التَّحَلُّل عِنْد الْمَرَض فَقَوْلَانِ الْقيَاس منع التَّحَلُّل وَالثَّانِي الْجَوَاز لما رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ لضباعة الأسْلَمِيَّة لما تعللت بِالْمرضِ أَهلِي واشترطى أَن محلي حَيْثُ حبستنى
стр. 1033
وعَلى هَذَا إِذا تحلل بِالْمرضِ فَفِي لُزُوم الدَّم وَجْهَان تَشْبِيها لَهُ بالإحصار
وَلَو شَرط التَّحَلُّل بالإحصار فَفِي سُقُوط الدَّم وَجْهَان الظَّاهِر أَنه لَا يسْقط
الْمَانِع الثَّانِي حبس السُّلْطَان فَلَو سد على جَمِيعهم جِهَة الْكَعْبَة فَهُوَ الْحصْر الْعَام وَلَو حبس شخصا أَو شرذمة فطريقان أَحدهمَا أَنه كالعام
وَالثَّانِي فِيهِ قَولَانِ وَجوز الْعِرَاقِيُّونَ التَّحَلُّل وردوا الْقَوْلَيْنِ إِلَى وجوب الْقَضَاء وَهُوَ أوجه
الثَّالِث الرّقّ فللسيد أَن يمْنَع عَبده الْمحرم من الْخُرُوج إِذا أحرم بِغَيْر إِذْنه وَلَا يحلله إِن أحرم بِإِذْنِهِ خلافًا لأبي حنيفَة ثمَّ إِذا مَنعه السَّيِّد تحلل تحلل الْمحصر وَلكنه لَا دم لَهُ فَهَل يتَوَقَّف تحلله على الْيَسَار بِالْعِتْقِ فِيهِ خلاف مُرَتّب على الْمحصر الْمُعسر
فَإِن قُلْنَا يتَحَلَّل من غير دم فَمَاتَ وأراق السَّيِّد عَنهُ دَمًا وَقع عَنهُ لِأَن الْمَالِك امْتنع فِي الْحَيَاة لكَونه مَمْلُوكا مسخرا وَلَا يسخر بعد الْمَوْت
الرَّابِع الزَّوْجِيَّة فالمستطيعة لحج الْإِسْلَام هَل للزَّوْج منعهَا عَن الْخُرُوج لِأَن الْحَج على التَّرَاخِي وَحقّ الزَّوْج على الْفَوْر فِيهِ قَولَانِ فَإِن أَحرمت فَفِي الْمَنْع قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يجوز وَإِن أَحرمت لحجة التَّطَوُّع فَفِي الْمَنْع قَولَانِ وَأولى بِالْجَوَازِ وَإِن كَانَ التَّطَوُّع أَيْضا يلْزم بِالشُّرُوعِ فَإِن قُلْنَا لَهُ الْمَنْع من الْخُرُوج فعلَيْهَا أَن تحلل تحلل الْمُعسر فَإِن لم تفعل فالزوج يُبَاشِرهَا وَالْإِثْم عَلَيْهَا لَا على الزَّوْج
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا وَطئهَا على قصد التَّحَلُّل حصل التَّحَلُّل بِفِعْلِهِ وَكَذَا لَو حلق
стр. 1034
رَأس العَبْد أَو طببه
الْخَامِس لمستحق الدّين أَن يمْنَع الْمحرم من الْخُرُوج إِن كَانَ قَادِرًا مُوسِرًا وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّل وَإِن كَانَ مُعسرا فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْع وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا فَلَا يمنعهُ وَإِن قرب الْأَجَل بل عَلَيْهِ أَن يصاحبه أَو يُوكل من يُطَالِبهُ عِنْد حُلُول الْأَجَل
السَّادِس الْقَرَابَة وللأبوين منع الْوَلَد من التَّطَوُّع بِالْحَجِّ وَعَن فَرْضه طَرِيقَانِ قيل إِنَّه كالزوج وَقيل لَا يَنْتَهِي شَفَقَة الْقَرَابَة إِلَى الْمَنْع من الْفَرْض
فَإِن قيل فَمَا حكم التَّحَلُّل والفوات قُلْنَا أما الْمحصر فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَعَلِيهِ دم دم يريقه فِي مَحل الْإِحْصَار
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزمه أَن يبْعَث إِلَى الْحرم ويتوقف عَلَيْهِ تحلله وَهُوَ إبِْطَال الرُّخْصَة
ثمَّ هَل يجوز التَّحَلُّل قبل إراقته فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ أقيم مقَام الطّواف الذى هُوَ سَبَب التَّحَلُّل وعَلى هَذَا الْمُعسر إِن قُلْنَا يعدل إِلَى الصَّوْم فَفِي توقفه على الصَّوْم قَولَانِ لِأَن الِانْتِظَار فِيهِ طَوِيل
وَالثَّانِي أَن التَّحَلُّل لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ بل هُوَ مُوجب التَّحَلُّل لَا موقعه فيتحلل بِالْحلقِ ويكفيه نِيَّة التَّحَلُّل على الصَّحِيح
وَأما الْقَضَاء فَلَا يجب على الْمحصر بل يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْإِحْرَام وَفِي معنى الْمحصر كل من تحلل بِمَنْع غَيره على مَا سبق
стр. 1035
فَأَما إِذا فَاتَ الْحَج بنوم أَو تَقْصِير فَلَا يحل التَّحَلُّل إِلَّا بلقاء الْبَيْت بِطواف وسعي فَإِنَّهُ سَبَب التَّحَلُّل فِي الْعمرَة وَقَالَ فِي مَوضِع يطوف فَقيل يَكْفِي الطّواف وَالصَّحِيح هُوَ الأول وَلَا خلاف فِي أَنه لَيْسَ عَلَيْهِ الرَّمْي وَالْمَبِيت بل يَكْفِيهِ أَعمال الْعمرَة
ثمَّ الْمَذْهَب أَنه لَا تحصل بِهِ عمْرَة
وَأما الْعمرَة فَإِذا أحرم بهَا لم يتَصَوَّر فَوَاتهَا
ثمَّ من فَاتَهُ الْحَج يلْزمه دم وَيلْزمهُ الْقَضَاء إِن كَانَ مُتَطَوعا وَإِن كَانَ فِي فرض فالرجوع إِلَى الْفَرْض يَكْفِيهِ قَضَاء وَأَدَاء بِخِلَاف الْإِحْصَار فَإِنَّهُ لَا تَقْصِير فِيهِ فَإِن تركب الْعذر من الْفَوات والإحصار فَفِي الْقَضَاء خلاف وَذَلِكَ إِذا وجد طَرِيقا أطول مِمَّا صد عَنهُ فَعدل إِلَيْهِ وَفَاته فَفِي الْقَضَاء قَولَانِ وَلَو صابر الْإِحْرَام منتظرا لانجلاء الْإِحْصَار ففاته الْحَج فَقَوْلَانِ وَمِنْهُم من قطع بِوُجُوب الْقَضَاء لِأَنَّهُ استجلب الْفَوات إِلَى نَفسه
فرعان
الأول لَو فَاتَهُ الْحَج أَو فسد الْإِحْرَام قصد فِي بَقِيَّة إِحْرَامه عَن لِقَاء الْبَيْت فيستفيد التَّحَلُّل بالإحصار وَلَكِن لَا يسْقط عَنهُ الْقَضَاء الذى سبق لُزُومه وَعَلِيهِ دمان أَحدهمَا للإحصار وَالْآخر للفوات
الثَّانِي إِذا صد بعد الْوُقُوف عَن لِقَاء الْبَيْت فَفِي الْقَضَاء قَولَانِ وَوجه الْوُجُوب أَن الْإِحْرَام تَأَكد بِالْوُقُوفِ أما الْعِرَاقِيُّونَ قطعُوا بِسُقُوط الْقَضَاء عَن كل مَمْنُوع من لِقَاء الْبَيْت وَذكروا الْخلاف فِي المتمكن من لِقَاء الْبَيْت إِذا منع من عَرَفَة وَقَالُوا فِي الْقَضَاء
стр. 1036
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي الدِّمَاء وأبدالها ﷺ َ -
وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول فِي بَيَان التَّقْدِير وَالتَّرْتِيب فِي الْأَبدَان والمبدلات
والدماء ثَمَانِيَة أَنْوَاع
الأول دم التَّمَتُّع قد اجْتمع فِيهِ التَّرْتِيب وَالتَّقْدِير فِي نَص الْقُرْآن وَفِي مَعْنَاهُ دم الْقرَان وَدم الْفَوات
الثَّانِي جَزَاء الصَّيْد وَهُوَ على التَّعْدِيل والتخيير فَلَا تَرْتِيب وَلَا تَقْدِير لقَوْله تَعَالَى ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَو عدل ذَلِك صياما﴾
وَالثَّالِث فديَة الْحلق وَفِي بدله التَّقْدِير والتخيير أما التَّخْيِير فمنصوص فِي الْقُرْآن وَأما التَّقْدِير فمأخوذ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة إِذْ خَيره رَسُول الله ﷺ بَين الدَّم وَبَين ثَلَاثَة آصَع كل صَاع أَرْبَعَة أَمْدَاد يطعم سِتَّة مَسَاكِين وَبَين صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام
стр. 1037
فَهَذِهِ الْأُصُول الثَّلَاثَة مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي حكم التَّقْدِير وَالتَّرْتِيب
الرَّابِع الْوَاجِبَات المجبورة بِالدَّمِ فِيهَا تَرْتِيب دم إِلْحَاقًا لَهَا بالتمتع وتعديل للبدل جَريا على الْقيَاس لِأَن التَّقْدِير لَا يعرف إِلَّا تَوْفِيقًا وَأما التَّرْتِيب فَلهُ وَجه مَعْقُول وَأدْخل الْعِرَاقِيُّونَ التَّقْدِير فِي الْقيَاس وَقَالُوا بدل هَذِه الدِّمَاء كبدل التَّمَتُّع
الْخَامِس الاستمتاعات كالطيب واللبس وتغطية الرَّأْس والقبلة والاستمناء ومقدمات الْجِمَاع فِي كل وَاحِد مِنْهَا دم تَرْتِيب قِيَاسا على التَّمَتُّع وَهُوَ دم تَعْدِيل جَريا على الْقيَاس وَفِي قَول آخر أَنَّهَا دم تَخْيِير اعْتِبَارا بِالْحلقِ والعراقيون اعتبروه بِالْحلقِ أَيْضا بالتقدير وَهُوَ أبعد وَأما الْقَلَم فَهُوَ فِي معنى الْحلق فَيظْهر إِلْحَاقه بِهِ
السَّادِس دم الْجِمَاع وَفِي الْجِمَاع الْمُفْسد بَدَنَة فَإِن لم يجد فبقرة فَإِن لم يجد فسبع من الْغنم فَإِن عجز قوم الْبَدنَة دَرَاهِم وَالدَّرَاهِم طَعَاما وَصَامَ عَن كل مد يَوْمًا فَهُوَ دم تَعْدِيل وترتيب
وَنَصّ الشَّافِعِي ﵁ على التَّعْدِيل فِيهِ دَلِيل على أَنه لَيْسَ يدْخل التَّقْدِير فِي الْقيَاس إِذْ لم يلْحقهُ بِالْحلقِ وَفِيه قَول آخر أَنه دم تَخْيِير وَقيل إِنَّا وَإِن قُلْنَا بالترتيب فَلَا تَرْتِيب بَين الْبَدنَة وَالْبَقَرَة والشياه السَّبْعَة
السَّابِع الْجِمَاع الثَّانِي أَو الْجِمَاع بَين التحللين إِن قُلْنَا فِيهِ بَدَنَة فَهُوَ كالجماع الأول وَإِن قُلْنَا شَاة فَهُوَ كالقبلة واللمس
الثَّامِن دم التَّحَلُّل بالإحصار وَهُوَ شَاة فِي نَص الْكتاب فَإِن أعْسر أَو تعذر
стр. 1038
فَهَل لَهُ بدل فعلى قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ لم ينص على بدله وَنَصّ على بدل غَيره وَالثَّانِي أَنه يجب قِيَاسا للمسكوت عَنهُ على الْمَنْطُوق بِهِ
فَإِن قُلْنَا يجب فَبِأَي أصل يلْحق فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه مثل دم التَّمَتُّع تَرْتِيب وَتَقْدِير
وَالثَّانِي أَنه كَدم الْحلق تَقْدِير وتخيير لِأَنَّهُ تخلص من الْأَذَى وَالثَّالِث أَنه مثل دم الْوَاجِبَات المجبورة تَعْدِيل وترتيب لِأَنَّهُ ترك الْأَفْعَال الْوَاجِبَة
стр. 1039
الْفَصْل الثَّانِي فِي مَحل إِرَاقَة الدِّمَاء وزمانها
أما الزَّمَان فَلَا يخْتَص شييء من دِمَاء المحضورات والجبرانات بعد جَرَيَان سَببهَا بِزَمَان وَإِنَّمَا يخْتَص بأيام النَّحْر الضَّحَايَا وَكَذَا دم التَّمَتُّع وَالْقرَان وَأما دم الْفَوات فيراق فِي الْحجَّة الْفَائِتَة أَو فِي الْحجَّة المتقضية فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا فِي الْفَائِتَة لِأَن السَّبَب قد تحقق وَالثَّانِي لَا لمعنيين أَحدهمَا أَن هَذِه حجَّة نَاقِصَة وَكَأن الْفَوات أوجب الْقَضَاء وَالدَّم فيريق فِي الْقَضَاء وَلِأَنَّهُ شَبيه بالتمتع لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَال عمْرَة وتمتع بالتحلل ليؤدي حجَّة فِي السّنة الثَّانِيَة وعَلى هَذَا الْمَعْنى لَا يمْتَنع تَقْدِيمه على الْقَضَاء إِذْ جَوَّزنَا تَقْدِيم دم التَّمَتُّع على الْحَج وَإِنَّمَا يمْتَنع ذَلِك فِي الصَّوْم
وَأما الْمَكَان فَيخْتَص جَوَاز الإراقة بِالْحرم خلافًا لأبي حنيفَة وَالْأَفْضَل النَّحْر فِي الْحَج بمنى فِي الْعمرَة عِنْد الْمَرْوَة لِأَنَّهُمَا مَحل تحللها وَقد قيل لَو ذبح على طرف الْحرم وَفرق غضا طريا على مَسَاكِين الْحرم جَازَ وَقد قيل من ارْتكب مَحْظُورًا أراقه فِي مَحل الارتكاب وَقيل مَا لزم بِسَبَب مُبَاح بِعُذْر لَا يخْتَص بمَكَان وَمَا عصى بِسَبَبِهِ فاختص بِالْحرم وَهَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة بعيدَة وَأما الْأكل من هَذِه الدِّمَاء فَسَيَأْتِي حكمه فِي الضَّحَايَا واختتام الْكتاب بِبَيَان الْأَيَّام المعلومات وَهِي الْعشْر الأولى من ذِي الْحجَّة عندنَا وفيهَا الْمَنَاسِك وَأما المعدودات فَهِيَ أَيَّام التَّشْرِيق وفيهَا الْهَدَايَا والضحايا
стр. 1040
تمّ بِحَمْد الله ربع الْعِبَادَات من كتاب الْوَسِيط فِي الْمَذْهَب فِي الثَّامِن عشر من شهر رَمَضَان الْمُبَارك سنة ألف وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة عشر لِلْهِجْرَةِ والموافق الْعَاشِر من فبراير سنة ألف وَتِسْعمِائَة وَسِتَّة وَتِسْعين وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس عصرا وَالْحَمْد لله الذى بنعمته تتمّ الصَّالِحَات ونسأل الله الْعَفو والعافية فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين
стр. 1041
٠ -. = كتاب البيع =
﴿وَأحل الله البيع﴾ وَاجْتمعت الْأمة على كَونه سَببا لإِفَادَة الْملك وَالنَّظَر فِي أَحْكَامه يتَعَلَّق بِخَمْسَة أَقسَام الْقسم الأول فِي صِحَّته وفساده وَالثَّانِي فِي لُزُومه وجوازه وَالثَّالِث فِي حكمه قبل الْقَبْض وَبعده وَالرَّابِع فِيمَا يَقْتَضِيهِ مُطلق أَلْفَاظه فِي الثِّمَار وَالْأَشْجَار واستتباع الْأُصُول الْفُرُوع وَالْخَامِس فِي مداينة العبيد وتصرفاتهم
стр. 1042
الْقسم الأول فِي بَيَان صِحَّته وفساده وَفِيه أَرْبَعَة أَبْوَاب
ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان البيع وَهِي ثَلَاثَة ﷺ َ -
الْعَاقِد والمعقود عَلَيْهِ وَصِيغَة العقد فَلَا بُد مِنْهَا لوُجُود صُورَة العقد
стр. 1043
الرُّكْن الأول الصِّيغَة وَهِي الْإِيجَاب وَالْقَبُول
وَسبب اعْتِبَارهَا الِاسْتِدْلَال بهما على الرِّضَا فَإِن الأَصْل هُوَ التَّرَاضِي وَلَكِن الرِّضَا خَفِي فيناط الحكم بِسَبَب ظَاهر يدل عَلَيْهِ
وَيتَفَرَّع عَن هَذَا الأَصْل ثَلَاث مسَائِل نذكرهُ فِي معرض السُّؤَال فَإِن قيل فليكتف بالمعاطاة فَإِنَّهَا دلَالَة على الرِّضَا فِي المحقرات قُلْنَا الْأَفْعَال مترددة مَا صيغت للدلالة على الضمائر وَإِنَّمَا الْعبارَات هِيَ الْمَوْضُوعَة لهَذَا الْغَرَض فَكَانَ الحكم مَنُوطًا بهَا
وَقد ذهب أَبُو حنيفَة ﵀ إِلَى الِاكْتِفَاء بِهِ فِي المحقرات وَهُوَ قَول خرجه ابْن سُرَيج
стр. 1044
فَإِن قيل فليكتف بقوله بِعني وَقَول الْمُخَاطب بِعْت قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان أقيسهما الِاكْتِفَاء بِهِ كَمَا فِي النِّكَاح وَالثَّانِي لَا يكْتَفى بِهِ لِأَنَّهُ قد يَقُول بِعني لاستبانة الرَّغْبَة فينوب عَن قَوْله هَل تبيع وَأما النِّكَاح فَلَا يقدم عَلَيْهِ فَجْأَة فِي غَالب الْأَمر فَتكون الرَّغْبَة قد ظَهرت من قبل
стр. 1045
فَإِن قيل فلينعقد بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة فَإِنَّهَا تدل على الرِّضَا قُلْنَا قطع الْأَصْحَاب بذلك فِي الْخلْع وَالْكِتَابَة وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَالْإِبْرَاء وكل مَا يتَصَوَّر الِاسْتِقْلَال بمقصوده دون قبُول الْمُخَاطب فِي بعض الْأَحْوَال لِأَنَّهُ لَيْسَ يعْتَمد فهم الْمُخَاطب وَقَطعُوا بِالْبُطْلَانِ فِي النِّكَاح وَبيع الْوَكِيل إِذا شَرط عَلَيْهِ الْإِشْهَاد لَان الشُّهُود لَا يطلعون على النِّيَّة وَاخْتلفُوا على الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة وَوجه الْمَنْع أَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول سَبَب لقطع النزاع إِذا كَانَ صَرِيحًا والنيات يطول فِيهَا النزاع فليشترط التَّصْرِيح للْمصْلحَة كَمَا فِي النِّكَاح فَإِن قيل فَلَو توافرت الْقَرَائِن حَتَّى أفادت الْعلم انْقَطع الِاحْتِمَال والنزاع قُلْنَا أما النِّكَاح فَفِيهِ تعبد للشَّرْع فِي اللَّفْظ وَأما البيع الْمُقَيد بِالْإِشْهَادِ وَغَيره فَالظَّاهِر عِنْدِي الِانْعِقَاد وان لم يتَعَرَّض لَهُ الْأَصْحَاب
стр. 1046
الرُّكْن الثَّانِي الْعَاقِد
وأهلية الْمُعَامَلَات تستفاد من التَّكْلِيف فتصرفات الصَّبِي وَالْمَجْنُون بِإِذن الْوَلِيّ وَدون إِذْنه وبالغبطة والغبينة بَاطِلَة خلافًا لأبي حنيفَة نعم فِي تَدْبيره ووصيته وَرِوَايَته وإسلامه خلاف يَأْتِي فِي مَوْضِعه وَفِي البيع الَّذِي يختبر بِهِ الصَّبِي لإيناس الرشد خلاف وَالْأولَى مَنعه وَلَا يعْتد بِقَبض الصَّبِي أَيْضا فَإِنَّهُ سَبَب ملك أَو ضَمَان فَلَو قَالَ أد حَقي إِلَى
стр. 1047
الصَّبِي فَأدى لم يبرأ لَان مَا فِي الذِّمَّة لَا يتَعَيَّن ملكا إِلَّا بِقَبض صَحِيح بِخِلَاف مَا لَو قَالَ رد الْوَدِيعَة إِلَيْهِ فَإِن الْوَدِيعَة متعينة وَلَو سلم الصَّبِي درهما إِلَى صراف لينقده لَهُ فَأَخذه دخل فِي ضَمَانه فليرده على وليه وَلَو رد عَلَيْهِ لم يبرأ
وَفِي إِخْبَار الصَّبِي عَن التَّمْلِيك فِي إِيصَال الْهَدِيَّة وَعَن الْإِذْن عِنْد فتح الْبَاب طَرِيقَانِ مِنْهُم من خرجه على الْخلاف فِي رِوَايَته وَمِنْهُم من قطع بِالْقبُولِ اقْتِدَاء بالأولين وَعَادَة السّلف وَلَا شكّ فِي الْقبُول إِذا ظَهرت الْقَرَائِن فان الْعلم إِذا حصل سقط اثر إخْبَاره
أما إِسْلَام الْعَاقِد فَغير مَشْرُوط إِلَّا فِي شِرَاء العَبْد الْمُسلم وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يَصح من الْكَافِر لما فِيهِ من الذل وَلِأَنَّهُ يقطع ملكه لَا محَالة فَدفعهُ أولى وَالثَّانِي أَنه يَصح لَان الْملك مُتَصَوّر لَهُ على الْمُسلم فِي الْإِرْث فسبب الْملك صَحِيح فِي حَقه وَالأَصَح الْمَنْع خلافًا لأبي حنيفَة
وَفِي شِرَاء الْكَافِر الْمُصحف قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْمَنْعِ لَان العَبْد يدْفع الذل عَن نَفسه
стр. 1048
وَفِي الْملك الَّذِي يستعقب الْعتْق كَشِرَاء الْكَافِر وَلَده الْمُسلم أَو كشرائه من شهد من قبل بحريَّته وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالصِّحَّةِ لاستعقابه الْحُرِّيَّة ضَرُورَة
وَلَو قَالَ الْكَافِر اعْتِقْ عَبدك الْمُسلم عَليّ فَأعتق فَفِي وُقُوعه عَنهُ وَجْهَان مرتبان وَهَذَا أولى بالنفوذ لَان الْملك حصل ضمنا فيبعد اعْتِبَار الشَّرَائِط فِيهِ
التفريغ إِن أبطلنا الشِّرَاء فَعَلَيهِ فروع أَرْبَعَة
أَحدهَا فِي الارتهان والاستئجار وَجْهَان أَحدهمَا يَصح إِذْ لَيْسَ فيهمَا ملك وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن الِاسْتِيلَاء بِالِانْتِفَاعِ وَالْحَبْس إذلال فان صححنا الْإِجَارَة فَهَل يُكَلف الْكَافِر أَن يؤاجره من مُسلم فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يلْزمه كَمَا فِي الشِّرَاء وَالثَّانِي لَا إِذْ الْمُسلم إِذا عمل باجرة لم يكن فِيهِ ذل وَكَأَنَّهُ يعْمل لنَفسِهِ وَالْأولَى جَوَاز الرَّهْن وَالْإِجَارَة كَمَا فِي الْإِيدَاع والإعارة وَأما الْإِجَارَة الْوَارِدَة على الذِّمَّة فَلَا خلاف فِي جَوَازهَا
وَالثَّانِي الْمُسلم إِذا اشْترى العَبْد الْمُسلم لكَافِر لم يَصح وَإِن اشْتَرَاهُ الْكَافِر لمُسلم إِن صرح بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُسلم صَحَّ وَإِن أضمر فَوَجْهَانِ يبتنيان على
стр. 1049
تعلق الْعهْدَة بالوكيل
الثَّالِث إِذا اشْترى الْمُسلم عبدا مُسلما من كَافِر بِثَوْب فَوجدَ الْكَافِر عَيْبا بِالثَّوْبِ فَفِي رده ليعود العَبْد إِلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ توصل إِلَى جلب الْملك بِالِاخْتِيَارِ وَالثَّانِي يجوز لَان الِاخْتِيَار فِي الرَّد أما عود الْعِوَض إِلَيْهِ فَيَقَع ضَرُورَة قهرا وَكَذَلِكَ الْمُسلم إِذا وجد عَيْبا بِالْعَبدِ فَفِي رده إِلَيْهِ وَجْهَان لِأَنَّهُ مَمْنُوع عَن التَّمْلِيك كَمَا يمْنَع الْكَافِر عَن التَّمْلِيك ثمَّ إِذا منعنَا الرَّد تعين الارش وَكَانَ ذَلِك عذرا مَانِعا
الرَّابِع لَو كَانَ العَبْد كَافِرًا فَأسلم قبل الْقَبْض فينفسخ العقد كَمَا يَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ أَو يثبت الْخِيَار كَمَا يثبت بالإباق فِيهِ وَجْهَان وتشبيهه بالاباق أولى هَذَا إِذا اشْتَرَاهُ من مُسلم فان اشْتَرَاهُ من كَافِر فَفِي الِانْفِسَاخ وَجْهَان مرتبان
стр. 1050
وَأولى بألا يَنْفَسِخ لِأَنَّهُ كَيْفَمَا تردد انْقَلب إِلَى كَافِر فالاستصحاب أولى فَإِن قضينا بِبَقَاء العقد فيقبضه الْكَافِر ثمَّ يُبَاع عَلَيْهِ أم يَسْتَنِيب القَاضِي عَنهُ من يقبضهُ كَيْلا يذل العَبْد بِقَبْضِهِ فِيهِ وَجْهَان وَإِن فرعنا على قَول الصِّحَّة فَيُبَاع عَلَيْهِ بعد قَبضه أَو قبض القَاضِي عَنهُ على وَجه وَكَذَلِكَ مَتى أسلم فِي دوَام الْملك فَلَو مَاتَ قبل البيع بيع على وَارثه وَيَنْقَطِع عَنهُ الْمُطَالبَة بِالْإِعْتَاقِ وكل مَا يزِيل الْملك وَلَا يَنْقَطِع بِالتَّزْوِيجِ وَالرَّهْن وَالْإِجَارَة وَهل يَنْقَطِع بِالْكِتَابَةِ وان كَانَت لَا تزيل الْملك فِي الْحَال لإفضائها إِلَى الزَّوَال وَلُزُوم الْحجر فِي الْحَال فِيهِ وَجْهَان وَأولى بالاكتفاء بهَا وَلَو رَضِي بالحيلولة بَينهمَا لم يكتف بِهِ إِلَّا فِي الْمُسْتَوْلدَة فان بيعهَا مُتَعَذر وإعتاقها تخسير فيستكسبها لأَجله فِي يَد غَيره وَقيل انه تعْتق عَلَيْهِ وَهُوَ بعيد
стр. 1051
الرُّكْن الثَّالِث الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَبِيع
وَله خَمْسَة شَرَائِط وَهُوَ أَن يكون طَاهِرا مُنْتَفعا بِهِ مَمْلُوكا للعاقد أَو لمن يَقع العقد لَهُ مَقْدُورًا على تَسْلِيمه مَعْلُوما للمتعاقدين
الشَّرْط الأول الطَّهَارَة
وَلَا يجوز بيع السرقين وَسَائِر الْأَعْيَان النَّجِسَة خلافًا لأبي حنيفَة ومعتمد الْمَذْهَب الْإِجْمَاع على بطلَان بيع الْخمر والجيفة والعذرة وَمَنْفَعَة الْعذرَة تسميد
стр. 1052
الأَرْض وَمَنْفَعَة الجيفة إطعامها لجوارح الطُّيُور وَمَنْفَعَة الْخمر مصيرها خلا كَمَا يصير الصَّغِير ابْن الْيَوْم مُنْتَفعا بِهِ فِي الْكبر فَلَا عِلّة لبُطْلَان بيعهَا إِلَّا النَّجَاسَة
فرع
الودك النَّجس بِوُقُوع نَجَاسَة فِيهِ أَن حكمنَا بِإِمْكَان غسله جَازَ بَيْعه وَإِلَّا ابتني على جَوَاز الاستصباح بِهِ وَفِيه قَولَانِ وَوجه الْمَنْع انتشار دخانه النَّجس مَعَ تعذر الِاحْتِرَاز عَنهُ وبالنجاسة يُعلل عِنْد الشَّافِعِي ﵁ امْتنَاع بيع الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَقد ورد الْخَبَر فِيهِ أَيْضا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك يَصح بَيْعه وَالْخِنْزِير لَا يُبَاع وفَاقا وَمَا يتَوَلَّد من الْكَلْب وَالْخِنْزِير أَو من أَحدهمَا وحيوان طَاهِر فَلهُ حكمهمَا فِي بطلَان البيع
стр. 1053
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون مُنْتَفعا بِهِ
فبه تتَحَقَّق الْمَالِيَّة وَمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ ثَلَاثَة أَقسَام
أَحدهَا أَن تسْقط الْمَنْفَعَة للقلة كالحبة من الْحِنْطَة وَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْفَعَة محسوسة فِي ذَاته إِلَّا بِضَم غَيره إِلَيْهِ فبيعه بَاطِل وَمن أتْلفه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِذْ لَا قيمَة لَهُ وَقَالَ الْقفال عَلَيْهِ مثله إِن كَانَ من ذَوَات الْأَمْثَال وَخَالفهُ غَيره
الثَّانِي أَن تسْقط منفعَته لخسته كحشرات الأَرْض من الخنافس والعقارب وَأما الْهِرَّة والفيل والنحل فَفِيهَا مَنْفَعَة فَيجوز بيعهَا وَلَا مَنْفَعَة للأسد والنمر وَمَا
стр. 1054
لَا يصطاد من السبَاع وَلَكِن فِيهَا وَفِي الْحمار الَّذِي تَكَسَّرَتْ قوائمه وَجه لَا بَأْس بِهِ أَنه يَصح بيعهَا لجلودها بِخِلَاف جلد الْميتَة فانه لَا يُبَاع لنجاسته لَا لعدم الْمَنْفَعَة
وَفِي بيع العلق وَفِيه مَنْفَعَة المص للدم والسم الَّذِي لَا يصلح إِلَّا بِالْقَتْلِ تردد وَالْأولَى الصِّحَّة وَوجه الْمَنْع انه لَا يحتفل بِهَذِهِ الْمَنْفَعَة إِذْ قد ينْتَفع بِحَبَّة وَاحِدَة تجْعَل فِي فخ الطَّائِر وَلَا يعْتد بِمثل ذَلِك
وَيجوز بيع لبن الْآدَمِيَّة خلافًا لأبي حنيفَة فانه طَاهِر منتفع بِهِ وَلَيْسَ بآدمي وَيجوز بيع المَاء على شاطئ الْبَحْر وَبيع الصَّخْرَة على الْجبَال لوُجُود الْمَنْفَعَة وَإِنَّمَا الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا لِكَثْرَة وَكَذَا بيع التُّرَاب وَقيل المَاء لَا يملك وَهُوَ بعيد
الثَّالِث مَا سَقَطت منفعَته شرعا كالمعازف وَمَا هِيَ لغَرَض محرم لَا يصلح لغيره فتيك الْمَنْفَعَة الْمُحرمَة شرعا كالمعدومة حسا نعم أَن كَانَ رضاضة بِكَسْر بعد تَقْدِير الْكسر يتمول فَفِي صِحَة بَيْعه اعْتِمَادًا عَلَيْهِ ثَلَاثَة اوجه وَالْأَظْهَر انه إِن كَانَ من ذهب أَو فضَّة أَو عود أَو شَيْء نَفِيس صَحَّ لِأَنَّهُ
стр. 1055
مَقْصُود فغلب قصد الصَّنْعَة وان كَانَ من خشب فَلَا لَان الْقَصْد مُرْتَبِط بالصنعة فَلَا يعْتَمد البيع غَيره وَفِي بيع الْقنية والكبش الَّذِي يطْلب للنطاح كَلَام سَنذكرُهُ
следующие страницы →