Полный текст (3 585 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فرع
إِذا تنَازعا فِي الْعَفو فَالْقَوْل قَول الشَّفِيع أَنه عَفا فَلَو أَقَامَ بَيِّنَة على أَنه أَخذ بِالشُّفْعَة وَالشَّيْء فِي يَده وَأقَام المُشْتَرِي بَيِّنَة على الْعَفو فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا بَيِّنَة الشَّفِيع أولى لِأَنَّهُ صَاحب الْيَد
وَالثَّانِي بَيِّنَة المُشْتَرِي لِأَنَّهُ يشْتَمل على مزِيد وَلَيْسَ فِيهِ تَكْذِيب الآخر
فَلَو شهد البَائِع على الْعَفو قبل قبض الثّمن لم يجز إِذْ بَقِي لَهُ علقَة الرُّجُوع بالإفلاس
وَبعد الْقَبْض فَوَجْهَانِ من حَيْثُ توقع التراد بالأسباب
وَلَو شهد بعض الشُّرَكَاء على الْبَعْض بِالْعَفو فَإِن كَانَ قد عَفا الشَّاهِد قبلت شَهَادَته وَإِلَّا فَلَا فَإِنَّهُ يجر إِلَى نَفسه نفعا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 1647
= كتاب الْقَرَاض = وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب
стр. 1648
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان الصِّحَّة ﷺ َ -
وَهِي سِتَّة العاقدان والعوضان وَرَأس المَال وَصِيغَة العقد
ومستند صِحَة الْقَرَاض الْإِجْمَاع وَقد عرف ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن عبد الله بن عمر وَعبيد الله بن عمر لما انصرفا من غَزْوَة نهاوند أتحفهما وَالِي الْعرَاق بإقراض مَال من بَيت المَال ليشتريا بِهِ أَمْتعَة فيربحان عَلَيْهِ ويسلمان قدر رَأس المَال إِلَى عمر فكلفهما عمر ﵁ رد الرِّبْح وَقَالَ مَا فعل ذَلِك إِلَّا لمكانتكما مني فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لَو جعلته قراضا على النّصْف فَأجَاب إِلَيْهِ
فَدلَّ ذَلِك على أَن الْقَرَاض كَانَ بَينهم مَعْرُوفا مفروغا مِنْهُ
وَلَعَلَّ مستندهم فِيهِ صِحَة الْمُسَاقَاة إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا مُعَاملَة يحْتَاج إِلَيْهِ رب المَال لتنميته وَهُوَ عَاجز عَنهُ بِنَفسِهِ لقصوره وَعَن اسْتِئْجَار غَيره لجَهَالَة الْعَمَل
فنبدأ بالركن الأول وَهُوَ رَأس المَال وَله أَرْبَعَة شَرَائِط
стр. 1649
الأول كَونه نَقْدا فَلَا يُورد الْقَرَاض إِلَّا على النَّقْدَيْنِ وَهِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير المسكوكة أما النقرة وَسَائِر الْعرُوض فَلَا
وَكَذَا على الْمَغْشُوش على الصَّحِيح لِأَن النّحاس فِيهِ سلْعَة وَلَا يُورد على الْفُلُوس قطعا
وَعلة هَذَا الشَّرْط أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن مَقْصُود العقد الاتجار وَإِنَّمَا جوز رخصَة وَفِي الْإِيرَاد على الْعرُوض تضييق فقد لَا تروج فِي الْحَال
وَالثَّانِي أَنه لَا بُد عِنْد الْقِسْمَة من الرَّد إِلَى رَأس المَال ليتبين الرِّبْح فَلَو أورد على وقر حِنْطَة وَقِيمَته فِي الْحَال دِينَار فقد يربح تِسْعَة ثمَّ تغلو الْحِنْطَة فَلَا يُوجد الوقر إِلَّا بِعشْرَة دَنَانِير فَصَاعِدا فيحبط الرِّبْح لَا بخسران فِي التِّجَارَة
الثَّانِي أَن يكون مَعْلُوم الْمِقْدَار فَلَو قارض على صبرَة من الدَّرَاهِم بَطل لِأَن جَهله يُؤَدِّي إِلَى جهل الرِّبْح وَهُوَ عوض فِي العقد
الثَّالِث التَّعْيِين فَلَو أورد على ألف لم يعين فسد إِلَّا إِذا عين فِي الْمجْلس فَيصح كَبيع الدَّرَاهِم بِالدَّرَاهِمِ
وَلَو سلم إِلَيْهِ أَلفَيْنِ فِي كيسين وَقَالَ أودعتك أَحدهمَا وقارضتك على الآخر وَلم يعين فيوجهان فِي الصِّحَّة
стр. 1650
أَحدهمَا الْجَوَاز للتساوي وَالثَّانِي لَا لعدم التَّعْيِين
وَلَو قارضه على ألف وَهُوَ عِنْده وَدِيعَة جَازَ وَكَذَا لَو كَانَ عِنْده غصبا
وَلَكِن هَل يَنْقَطِع الضَّمَان فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا كَالرَّهْنِ
وَالثَّانِي نعم لِأَن الْأَمَانَة مَقْصُودَة فِي هَذَا العقد فَهُوَ إِلَى الْوَدِيعَة أقرب
وَفِي طَريقَة الْعرَاق ذكر الْوَجْهَانِ فِي صِحَة الْقَرَاض وَلَعَلَّه غلط إِذْ لَا مُسْتَند لاشْتِرَاط عدم الْغَصْب فَإِذا صحت الْوَدِيعَة وَالرَّهْن وَالْوكَالَة فبأن يَصح الْقَرَاض أولى
الرَّابِع أَن يكون رَأس المَال مُسلما إِلَى الْعَامِل يدا لَا يداخله الْمَالِك بِالتَّصَرُّفِ وَالْيَد فَلَو شَرط لنَفسِهِ يدا أَو تَصرفا مَعَه فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ تضييق وَكَذَا إِذا
стр. 1651
شَرط مُرَاجعَته فِي التَّصَرُّف أَو مُرَاجعَة مشرفه وَلَو شَرط أَن يعْمل مَعَه غُلَامه فالنص الْجَوَاز فِي الْمُسَاقَاة والقراض جَمِيعًا وَفِيه وَجه لِأَن يَد الْغُلَام يَد الْمَالِك
الرُّكْن الثَّانِي عمل الْعَامِل فَإِنَّهُ أحد الْعِوَضَيْنِ وَفِيه ثَلَاث شَرَائِط
الأول أَن يكون تِجَارَة أَو من لواحقها أما الْحَرْف والصناعات فَلَا
فَلَو سلم إِلَيْهِ دَرَاهِم ليَشْتَرِي حِنْطَة فيطحن ويخبز وَيكون الرِّبْح بَينهمَا فَهُوَ فَاسد وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أُجْرَة الْمثل بل إِذا لم يشْتَرط عَلَيْهِ فَاشْترى الْحِنْطَة وطحن وخبز انْفَسَخ الْقَرَاض لِأَن الرِّبْح حصل بِالْعَمَلِ وَالتِّجَارَة جَمِيعًا وَمَا لَيْسَ تِجَارَة لَا يُقَابل بِالرِّبْحِ الْمَجْهُول والتمييز غير مُمكن
أما النَّقْل وَالْوَزْن ولواحق التِّجَارَة فَهِيَ تَابِعَة
أما إِذا سلم إِلَيْهِ مَالا لينقل إِلَى بلد وَيَشْتَرِي بِهِ سلْعَة وَيبِيع وَالرِّبْح بَينهمَا فَفِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِن النَّقْل عمل مَقْصُود انْضَمَّ إِلَى التِّجَارَة وَلَكِن لما كَانَ يعْتَاد السّفر فِي التِّجَارَة ترددوا فِيهِ
стр. 1652
فرع
لَو قَالَ قارضتك على الْألف الذى عَلَيْك فاقبضه لي من نَفسك واتجر فِيهِ فَهُوَ فَاسد إِذْ لَا يَصح قَبضه لَهُ من نَفسه فَلَا يملك فَلَو اشْترى لَهُ بِدَرَاهِم نَفسه شَيْئا فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ اشْتَرِ لي هَذَا الْفرس بثوبك فَفعل فَفِي وُقُوعه عَن الْآمِر وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَن عوضه ملك غَيره
وَالثَّانِي بلَى وَلَكِن يقدر انْتِقَال الْملك فِي الْعِوَض ضمنا إِمَّا هبة وَإِمَّا قرضا وَفِيه أَيْضا وَجْهَان
الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يعين الْعَمَل تعيينا مضيقا فَلَو قَالَ لَا تتجر إِلَّا فِي الْخَزّ الأدكن وَالْخَيْل الايلق فسد
وَكَذَلِكَ إِذا عين للمعاملة شخصا لِأَنَّهُ قد لَا يربح عَلَيْهِ وَلَو عين جنس الْبَز أَو الْخَزّ جَازَ ثمَّ يتبع فِيهِ مُوجب الِاسْم فَكل مَا يُسمى بزا يتَصَرَّف فِيهِ وَذَلِكَ مُعْتَاد لَا تضييق فِيهِ
الثَّالِث إِطْلَاق الْقَرَاض قَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يجوز الْقَرَاض إِلَى مُدَّة فاتفق الْأَصْحَاب أَنه لَو أقت إِلَى سنة وَصرح بِمَنْع البيع بعده فَهُوَ بَاطِل إِذْ قد
стр. 1653
لَا يجد رَاغِبًا قبله
وَإِن قَالَ لَا تشتر بعده وبع أَي وَقت شِئْت فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ تضييق
وَالثَّانِي يجوز إِذْ لَهُ مَنعه من الشِّرَاء مهما أَرَادَ وَلَيْسَ لَهُ الْمَنْع من البيع فَلهُ أَن يؤقت فِي الِابْتِدَاء مَاله أَن يفعل فِي الدَّوَام
وَلَو أطلق وَقَالَ قارضتك سنة فطريقان
أَحدهمَا الْبطلَان تَنْزِيلا على الصُّورَة الأولى
وَالثَّانِي الْوَجْهَانِ تَنْزِيلا على الْأَخِيرَة وترجيحا لجَانب الصِّحَّة
وَلَو قَالَ لَا تتصرف إِلَّا فِي الرطب فَالْمَذْهَب جَوَازه وَإِن كَانَ ذَلِك يتَضَمَّن تأقيتا بِحكم الْحَال
стр. 1654
الرُّكْن الثَّالِث الرِّبْح
وَهُوَ الْعرض الْمُقَابل للْعَمَل وجهالته وَالْغرر فِي وجوده للْحَاجة وَله أَرْبَعَة شَرَائِط
الأول الاستهام فَلَو شَرط للْمَالِك فَهُوَ فَاسد
وَهل يسْتَحق أُجْرَة الْمثل عل تصرفه فَإِنَّهُ يَصح التَّصَرُّف بِحكم الْإِذْن اخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنه لَا يسْتَحق لِأَنَّهُ خَاضَ فِي الْعَمَل غير طامع فِي الرِّبْح
وَقَالَ ابْن سُرَيج يسْتَحق لِأَن العقد يَقْتَضِي الْعِوَض بِوَضْعِهِ فَشرط النَّفْي لَا يَنْفِيه كالمهر فِي النِّكَاح
وَلَو شَرط الْكل لَهُ فَهُوَ فَاسد وَالرِّبْح كُله للْمَالِك وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ إِلَّا أُجْرَة الْمثل فَإِنَّهُ طمع فِي عوض
وَلَو قَالَ خُذ المَال وَتصرف فِيهِ وكل الرِّبْح لَك فَهُوَ منزل على الْقَرْض فَيكون الرِّبْح لِلْعَامِلِ
وَإِذا ذكر لفظ الْقَرَاض لم ينزل على الْقَرْض على الصَّحِيح من الْمَذْهَب
وَلَو قَالَ على أَن النّصْف لي وَسكت عَن جَانب الْعَامِل لم يَصح على الْمَذْهَب لِأَن الْإِضَافَة إِلَى الْعَامِل هى النتيجة الْخَاصَّة للقراض
وَقَالَ ابْن سُرَيج يَصح أخذا من الفحوى وَالْعرْف
стр. 1655
وَلَو قَالَ على أَن النّصْف لَك فَالْمَذْهَب صِحَّته وَفِيه وَجه بعيد
الثَّانِي أَن لَا يُضَاف جُزْء إِلَى ثَالِث فَإِنَّهُ إِثْبَات اسْتِحْقَاق بِغَيْر مَال وَلَا عمل إِلَّا أَن يُضَاف إِلَى غُلَام أَحدهمَا فَهُوَ كالإضافة إِلَى مَالِكه
الثَّالِث أَن لَا يقدر الرِّبْح
فَلَو قَالَ لَك من الرِّبْح دِرْهَم أَو ألف لم يَصح فَرُبمَا لَا يزِيد الرِّبْح على مَا ذكره فَيخْتَص الْكل بِمن شَرط لَهُ
وَكَذَلِكَ إِذْ قَالَ لي دِرْهَم أولك دِرْهَم من الْجُمْلَة وَالْبَاقِي بَيْننَا
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ على أَن لي ربح العبيد من مَال الْقَرَاض
وَلَو قَالَ على أَن لي ربح أحد الْأَلفَيْنِ وَهُوَ مختلط
قَالَ ابْن سُرَيج لَا يَصح للتخصيص
وَقَالَ القَاضِي يَصح إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول لي ربح النّصْف أَو نصف الرِّبْح أَو ربح الْألف وَالْمَال أَلفَانِ
الرَّابِع أَن يكون الْجُزْء الْمَشْرُوط مَعْلُوما
فَلَو قَالَ على أَن لَك من الرِّبْح مَا شَرطه فلَان لفُلَان وَهُوَ مَجْهُول لَهما
стр. 1656
أَو لأَحَدهمَا فَهُوَ فَاسد كَنَظِيرِهِ فِي البيع
وَلَو قَالَ على أَن لَك سدس تسع عشر الرِّبْح وَهُوَ لَيْسَ حيسوبا يفهم مَعْنَاهُ فِي الْحَال فَوَجْهَانِ وَوجه الصِّحَّة أَن اللَّفْظ مَعْرُوف والقصور فيهمَا
وَلَو قَالَ على أَن الرِّبْح بَيْننَا فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا يَصح وَينزل على الشّطْر
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن للتشطير فَهُوَ مَجْهُول
стр. 1657
الرُّكْن الرَّابِع الصِّيغَة
وَهُوَ أَن يَقُول قارضتك أَو ضاربتك أَو عاملتك على أَن لَك من الرِّبْح كَذَا فَيَقُول قبلت
فَلَو قَالَ خُذ المَال واتجر فِيهِ وَلَك من الرِّبْح نصفه فقد قَالَ القَاضِي يَكْفِي الْقبُول بِالْفِعْلِ كَنَظِيرِهِ فِي الْوكَالَة وَهُوَ هَاهُنَا أبعد إِذْ فِيهِ معنى الْمُعَاوضَة
стр. 1658
الرُّكْن الْخَامِس وَالسَّادِس وهما العاقدان
وَلَا يشْتَرط فيهمَا إِلَّا مَا يشْتَرط فِي الْمُوكل وَالْوَكِيل بِالْأُجْرَةِ
وَهل يشْتَرط كَون الْمُقَارض مَالِكًا حَتَّى لَا يَصح قِرَاض الْعَامِل مَعَ عَامل آخر بِإِذن الْمَالِك فعلى وَجْهَيْن
فرعان
أَحدهمَا لَو كَانَ الْمَالِك مَرِيضا وَشرط لَهُ أَكثر من أُجْرَة الْمثل لم يحْسب من الثُّلُث لِأَن تَفْوِيت الْحَاصِل هُوَ الْمُقَيد بِالثُّلثِ وَالرِّبْح لَيْسَ بحاصل وَلذَلِك تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا بِأَقَلّ من مهر الْمثل فَيجوز
وَفِي نَظِيره من الْمُسَاقَاة وَجْهَان لِأَن النخيل حَاصِل وَالثَّمَر على الْجُمْلَة قد يحصل دون الْعَمَل بِخِلَاف الرِّبْح
الثَّانِي إِذا تعدد الْمَالِك وقارض رجلا وَاحِدًا صَحَّ فَيشْتَرط لَهُ شئ وَالْبَاقِي بَين المالكين على نِسْبَة الْملك لَا يجوز فِيهِ شَرط تفَاوت
وَإِن كَانَ الْعَامِل مُتَعَددًا فَهُوَ أَيْضا جَائِز فَإِن التعاون على مَقْصُود وَاحِد لَا يفوت مَقْصُود العقد
стр. 1659
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي حكم الْقَرَاض الصَّحِيح ﷺ َ - وَفِيه مسَائِل
الأولى أَن الْعَامِل وَكيل فِي التَّصَرُّف
فيتقيد تصرفه بالغبطة فَلَا يَبِيع بِالْغبنِ وَلَا يَشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ وَلَا يَبِيع بِالنَّسِيئَةِ إِلَّا إِذا أذن فِيهِ لِأَن النَّاس يتفاوتون فِي الرِّضَا بِهِ وَفِيه غرر وَلَا يَشْتَرِي بِالنَّسِيئَةِ لِأَنَّهُ رُبمَا يفوت رَأس المَال فَيتَعَلَّق الْعهْدَة بالمالك بِخِلَاف ولي الطِّفْل فَإِنَّهُ قد يفعل ذَلِك عِنْد الْمصلحَة
وَلَا شكّ فِي أَنه يَشْتَرِي وَيبِيع بِالْعرضِ فَإِنَّهُ عين التِّجَارَة
فَإِذا أذن لَهُ فِي البيع بِالنَّسِيئَةِ يلْزمه الْإِشْهَاد فَإِن فَاتَ الثّمن بإنكار وَقد قصر فِي الْإِشْهَاد ضمن
وَله أَن يَشْتَرِي الْمَعِيب إذاكان فِيهِ غِبْطَة وَإِن اشْترى على أَنه سليم فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا الرَّد فَإِن اخْتلفَا قدم مَا يَقْتَضِيهِ الْمصلحَة وَالْغِبْطَة
وَلَا يُعَامل رب المَال بِمَال الْقَرَاض فَإِنَّهُ ملكه كَالْعَبْدِ الْمَأْذُون لَا يُعَامل سَيّده
وَلَا يَشْتَرِي بِجِهَة الْقَرَاض بِأَكْثَرَ من رَأس المَال فَإِن سلم إِلَيْهِ ألفا فَاشْترى بِعَينهَا عبدا تعين الْألف للتسليم فَلَو اشْترى عبدا آخر بِعَيْنِه بَطل وَلَو اشْترى فِي الذِّمَّة وَقع عَنهُ لَا عَن الْقَرَاض
وَلَو صرف إِلَيْهِ مَال التراض ضمن كصرفه إِلَى عبد نَفسه
стр. 1660
وعَلى الْجُمْلَة هُوَ فِي هَذِه القضايا يُقَارب الْوَكِيل وَقد استقصينا حكمه فِي الْوكَالَة
الثَّانِيَة لَو اشْترى من يعْتق على الْمَالِك بِغَيْر إِذْنه لم يَقع عَنهُ لِأَنَّهُ على نقيض التِّجَارَة
وَلَو اشْترى زَوجته فَوَجْهَانِ من حَيْثُ إِن الرِّبْح فِيهِ مُمكن وَلَكِن ضَرَر انْفِسَاخ النِّكَاح لَاحق فبالحري أَن يُخرجهُ عَن عُمُوم اللَّفْظ
وَالْوَكِيل إِذا قيل لَهُ اشْتَرِ عبدا فَاشْترى من يعْتق على الْمُوكل فِيهِ وَجْهَان ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى عُمُوم اللَّفْظ وَفِي الثَّانِي إِلَى الضَّرَر كَمَا فِي شِرَاء زَوْجَة الْمُقَارض
أما العَبْد الْمَأْذُون إِن قيل لَهُ اتّجر فَهُوَ كالعامل وَإِن قيل اشْتَرِ عبدا فَهُوَ كَالْوَكِيلِ وَإِن اشْترى من يعْتق على الْمَالِك بِإِذْنِهِ صَحَّ وَعتق وسرى إِلَى نصيب الْعَامِل إِن كَانَ فِيهِ ربح وَغرم لَهُ الْمَالِك
وَإِن قُلْنَا لَا يملك بالظهور لِأَنَّهُ يملك عِنْد الِاسْتِرْدَاد وَهَذَا فِي حكم اسْتِرْدَاد المَال وَسَيَأْتِي حكمه
ووَإِن اشْترى الْعَامِل قريب نَفسه وَلَا ربح فِي المَال صَحَّ
فَإِن ارْتَفع السُّوق عتق نصِيبه وَلم يسر لِأَن ارْتِفَاع السُّوق لَيْسَ إِلَى اخْتِيَاره فَهُوَ كَالْإِرْثِ
стр. 1661
وَإِن كَانَ فِيهِ ربح وَقُلْنَا إِنَّه لَا يملك بالظهور فَهُوَ كَمَا إِذا لم يكن ربح وَإِن قُلْنَا يملك فَفِي صِحَة التَّصَرُّف قَولَانِ حَكَاهُمَا صَاحب التَّقْرِيب وَوجه الْمَنْع بعده عَن مَقْصُود التِّجَارَة
فَإِن صححنا فَفِي نُفُوذ الْعتْق وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَن نصِيبه وقاية لرأس المَال فَنزل تعلق حق الْمَالِك بِهِ منزلَة تعلق الرَّهْن بِهِ
فَإِن قُلْنَا ينفذ فيسرى لِأَن الشِّرَاء بِاخْتِيَارِهِ
فرع لَيْسَ لأَحَدهمَا الِانْفِرَاد بِكِتَابَة عبد لِأَنَّهُ بعيد عَن التِّجَارَة
فَإِن توافقا عَلَيْهِ وَلَا ربح فِي المَال فَفِي انْفِسَاخ الْقَرَاض وَجْهَان وَالْأَظْهَر أَنه يسْتَمر على بذله
وَإِن كَانَ فِيهِ ربح لم يَنْفَسِخ وَعتق العَبْد وَكَانَ الْوَلَاء لَهَا على نِسْبَة ملكيهما
الثَّالِثَة إِن عَامل عَامل الْقَرَاض عَاملا آخر بِإِذن الْمَالِك لينسلخ هُوَ من الْقَرَاض وَيكون الْعَامِل هُوَ الثَّانِي صَحَّ وَيكون هُوَ وَكيلا فِي العقد
وَإِن أَرَادَ أَن ينزل الْعَامِل مِنْهُ مَنْزِلَته من الْمَالِك ليَكُون لَهُ شئ من
стр. 1662
حِصَّته فَوَجْهَانِ ذكرناهما
وَوجه الْمَنْع أَن وضع الْقَرَاض أَن يجْرِي بَين مَالك وعامل وَإِن فعل ذَلِك بِغَيْر إِذن الْمَالِك فَهُوَ فَاسد
وَإِن اتّجر الْعَامِل الثَّانِي فَيخرج على اتجار الغاضب فِي المعضوب وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا النّفُوذ مهما كثرت التَّصَرُّفَات وَظهر الرِّبْح نظرا للْمَالِك حَتَّى لَا يفوتهُ الرِّبْح فَلهُ الْإِجَارَة
فَإِن قُلْنَا الرِّبْح للْمَالِك تَفْرِيعا على القَوْل الْقَدِيم قَالَ الْمُزنِيّ هَاهُنَا لرب المَال نصف الرِّبْح وَالنّصف الآخر بَين العاملين نِصْفَيْنِ كَمَا شَرط
فَإِن قيل فقد طمع الْعَامِل فِي نصف الْكل قُلْنَا هُوَ منزل على نصف مَا رزق الله تَعَالَى لَهما وَنصف الْكل هُوَ رزقهما
وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ يرجع بِأُجْرَة الْعَمَل فِي النّصْف الذى فَاتَهُ وَخَالف الْمُزنِيّ
فَإِن قيل وَلم اسْتحق الْعَامِل الثَّانِي وَالْأول شَيْئا وتفريع الْقَدِيم فِي الْغَصْب يُوجب أَن يكون الْكل للْمَالِك
قُلْنَا لِأَنَّهُ جرى هَاهُنَا مشارطة ومراضاة ويبنى هَذَا القَوْل على الْمصلحَة وَفِي الْغَضَب لم تجر مشارطة ومراضاة
стр. 1663
وَإِن فرعنا على الْجَدِيد قَالَ الْمُزنِيّ الرِّبْح كُله لِلْعَامِلِ الأول وللعامل الثَّانِي أُجْرَة مثله على الأول
قَالَ بعض الْأَصْحَاب هَذَا غلط إِذْ الرِّبْح على الْجَدِيد للْغَاصِب وَالْعَامِل الثَّانِي هُوَ الْغَاصِب
وَمِنْهُم من وَافقه لِأَن الْعَامِل الثَّانِي مَا اشْترى لنَفسِهِ بل اشْترى لِلْعَامِلِ الأول فَكَأَن الأول هُوَ المُشْتَرِي كَمَا أَن الْغَاصِب هُوَ المُشْتَرِي لنَفسِهِ
الرَّابِعَة لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَن يُسَافر بِمَال الْقَرَاض دون الْإِذْن فَإِنَّهُ اقتحام خطر فَإِن فعل صَحَّ تَصَرُّفَاته وَلكنه يضمن الْأَعْيَان والأثمان جَمِيعًا لِأَن الْعدوان بِالنَّقْلِ يتَعَدَّى إِلَى الثّمن
وَإِن سَافر بِالْإِذْنِ جَازَ وَنَفَقَة النَّقْل وَحفظ المَال على مَال الْقَرَاض كَمَا أَن نَفَقَة الْوَزْن والكيل وَالْحمل الثقيل الذى لَا يعتاده التَّاجِر أَيْضا فِي الْبَلَد على رَأس المَال
فَإِن تعاطى شَيْئا من ذَلِك بِنَفسِهِ فَلَا أُجْرَة لَهُ
وَأما نشر الثَّوْب وطيه وَحمل الشئ الْخَفِيف فَهُوَ عَلَيْهِ للْعَادَة
فَإِن اسْتَأْجر عَلَيْهِ فَعَلَيهِ الْأُجْرَة وَكَذَا عَلَيْهِ نَفَقَته وسكناه فِي الْبَلَد وَأُجْرَة الْحَانُوت لَيْسَ عَلَيْهِ
أما نَفَقَته فِي السّفر فقد نَص الشَّافِعِي ﵁ أَن لَهُ نَفَقَته بِالْمَعْرُوفِ
стр. 1664
وروى الْبُوَيْطِيّ أَنه لَا نَفَقَة لَهُ
فَمنهمْ من قطع بِنَفْي النَّفَقَة عَن مَال الْقَرَاض قِيَاسا على الْحَضَر وَحمل النَّص على أُجْرَة النَّقْل وَالْحمل وَمِنْهُم من قَالَ قَولَانِ
وَوجه الْفرق أَنه فِي السّفر متجرد لهَذَا الشّغل دون غَيره فضاهى الْحرَّة المحتبسة بِسَبَب النِّكَاح بِخِلَاف الْحَاضِر فَإِنَّهُ لَيْسَ محتبسا على هَذَا المَال
وعَلى هَذَا فَلَو استصحب مَعَه مَال نَفسه توزع النَّفَقَة على الْمَالَيْنِ
وَإِن لم يستصحب فَفِي مِقْدَار الْوَاجِب قَولَانِ
أَحدهمَا مَا يزِيد بِالسَّفرِ وَالثَّانِي جَمِيع النَّفَقَة
وَلَو فاصله الْمَالِك أَو لقِيه فِي بلد فَفِي لُزُوم نَفَقَة إيابه إِلَى الْبَلَد وَجْهَان
وَالْمذهب أَنه إِذا عَاد إِلَى الْبَلَد رد السفرة والمطهرة وبقايا آلَات السّفر إِلَى الْمَالِك
الْخَامِسَة اخْتلف قَول الشَّافِعِي ﵁ فِي أَن الْعَامِل يملك الرِّبْح بالظهور أَو بالمقاسمة
стр. 1665
أَحدهمَا أَنه بالظهور فَإِن مُوجب الشَّرْط أَن مَا يحصل من ربح فَهُوَ لَهما وَقد حصل
وَالثَّانِي لَا لِأَن الْعَمَل مَجْهُول وَلم يتم فَأشبه الْجعَالَة وَلِأَنَّهُ لَو ملك لصار شَرِيكا وَلم يكن نصِيبه وقاية الخسران وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا لَا يملك فَلَو أتلف الْمَالِك المَال غرم حِصَّته لِأَن الْإِتْلَاف كالقسمة والاستيفاء وَكَذَا إِذا أتلف الْعَامِل شَيْئا غرم نصِيبه
وَلَو أَرَادَ الْعَامِل التنضيض لتَحْصِيل نصِيبه لم يمْنَع
وَلَو مَاتَ قَامَ ذُريَّته مقَامه لِأَن الْحق متأكد حَتَّى لَو كَانَ فِي مَال الْقَرَاض جَارِيَة لم يجر للْمَالِك وَطْؤُهَا لتأكد حَقه
وَكَذَا إِذا لم يكن لَهُ ربح لِأَن الرِّبْح بارتفاع السُّوق لَا يُوقف عَلَيْهِ وَالْوَطْء يحرم بِالشُّبْهَةِ
وَإِن قُلْنَا يملك بالظهور فَلَا يسْتَقرّ بل هُوَ وقاية رَأس المَال مَا دَامَ العقد بَاقِيا فَإِن فسخ وَقسم اسْتَقر وَإِن فسخ وَالْمَال ناض وَلم يقسم بعد
стр. 1666
فَالصَّحِيح الِاسْتِقْرَار فَإِن فسخ وَالْمَال عرُوض فَإِن قُلْنَا الْعَامِل يجْبر على البيع فَلَا اسْتِقْرَار وَإِن قُلْنَا لَا يجْبر كَمَا سَيَأْتِي فَوَجْهَانِ
السَّادِسَة فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان العينية
أما الزِّيَادَة فَهِيَ من مَال الْقَرَاض كَمَا إِذا نتجت شَاة أَو أثمرت حديقة أَو ولدت جَارِيَة فَهُوَ من مَال الْقَرَاض ويعد ذَلِك من الرِّبْح
وَكَذَا أُجْرَة الْمَنَافِع إِذا آجر دَوَاب المَال أَو تعدى غَيره باستعمالها
وَكَذَا مهر الْجَارِيَة إِذا وطِئت حَتَّى لَو وَطئهَا السَّيِّد جعل مستردا مِقْدَار الْعقر وَلَو اسْتَوْلدهَا كَانَ مستردا قدر الْجَارِيَة وَهل يُضَاف إِلَيْهِ العقد أَيْضا فِيهِ تردد
وَأما النُّقْصَان فَمَا يَقع بانخفاض الأسعار فَهُوَ خسران عَلَيْهِ جبره وَكَذَلِكَ مَا يَقع يتعيب المَال وَمرض الدَّوَابّ
فَأَما مَا يَقع بِتَلف المَال أَو سَرقَة فَفِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَن عَلَيْهِ جبره لِأَن التَّاجِر بصدد ذَلِك وَقد حَسبنَا لَهُ الزِّيَادَة العينية فيحسب عَلَيْهِ النُّقْصَان الْعَيْنِيّ أَيْضا وكما حَسبنَا عَلَيْهِ التعييب فِي الصِّفَات هَذَا إِذا كَانَ بعد التَّصَرُّف الثَّانِي
стр. 1667
فَإِن كَانَ قبل التَّصَرُّف بِأَن سلم إِلَيْهِ أَلفَيْنِ فَتلف ألف وَبَقِي ألف فرأس المَال ألف أم أَلفَانِ فِيهِ وَجْهَان
وَوجه قَوْلنَا ألف أَن ذَلِك فَاتَ قبل الْخَوْض فِي التِّجَارَة فَلَا تكون التِّجَارَة متناولة لَهُ فَلَا يجْبر
وَإِن اشْترى بِأَلفَيْنِ عَبْدَيْنِ فَقبل بيعهمَا تلف أَحدهمَا فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن يجْبر لِأَنَّهُ خَاضَ فِي التَّصَرُّف
وَوجه الآخر أَن التِّجَارَة هُوَ البيع وَتَحْصِيل الرِّبْح بِبيعِهِ أما الشِّرَاء فَإِنَّهُ تهيئة مَحل التِّجَارَة
فرع
إِذا سلم إِلَيْهِ ألفا فَاشْترى عبدا فَتلف الْألف نظر إِن اشْترى بِعَيْنِه انْفَسَخ وَإِن اشْترى فِي الذِّمَّة لَا يَنْفَسِخ وَفِي انصراف العقد إِلَى الْعَامِل وَجْهَان
فَإِن قُلْنَا لَا ينْصَرف فعلى الْمَالِك تَسْلِيم ألف آخر ثمَّ إِذا سلم فرأس المَال ألف
стр. 1668
أم أَلفَانِ فِيهِ وَجْهَان مرتبان وَهَاهُنَا أولى بِأَن يكون رَأس المَال ألفا لِأَنَّهُ لم يبْق مِمَّا يتَنَاوَلهُ العقد الأول شئ هَذَا إِذا تلف بِآفَة سَمَاوِيَّة
أما إِذا تلف رَأس المَال أَو بعضه بِإِتْلَاف أَجْنَبِي فالقراض مُسْتَمر وَالْبدل ثَابت فِي ذمَّته
وَإِن أتْلفه الْمَالِك فَهُوَ مسترد وَعَلِيهِ حِصَّة الْعَامِل
وَإِن كَانَ بِإِتْلَاف الْعَامِل انْفَسَخ إِذْ لَا يدْخل الْبَدَل فِي ملك الْمَالِك إِلَّا بِقَبْضِهِ مِنْهُ
стр. 1669
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِي حكم التفاسخ والتنازع ﷺ َ - وَفِيه أَربع مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى إِذا انْفَسَخ الْقَرَاض بِفَسْخ أحد الْمُتَعَاقدين فَإِنَّهُ جَائِز من الْجَانِبَيْنِ فللمال ثَلَاثَة أَحْوَال
الأولى أَن يكون ناضا من جنس رَأس المَال فَازَ بِهِ الْمَالِك إِن لم يكن ربح وَلم يكن لِلْعَامِلِ مَنعه ليستربح وَإِن كَانَ ربح عمل بِمُوجب الشَّرْط
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون عرُوضا فَإِن لم يكن ربح فَهَل للْمَالِك إِجْبَار الْعَامِل على الرَّد إِلَى النضوض وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَن العقد قد انْفَسَخ وَهُوَ لم يلْتَزم أمرا
وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ مُلْتَزم أَن يرد جنس مَا أَخذ مِنْهُ ليخرج عَن الْعهْدَة
فَإِن رَضِي الْمَالِك بِأَن لَا يُبَاع فَأبى الْعَامِل إِلَّا البيع فَهُوَ مَمْنُوع مِنْهُ إِلَّا إِذا صَادف زبونا يَشْتَرِي بِزِيَادَة يَسْتَفِيد بِهِ ربحا على رَأس المَال فَعِنْدَ ذَلِك يُمكن
فَلَو لم يبع ورد الْعرُوض فارتفعت الْأَسْوَاق وَظهر ربح بعد الرَّد فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَهُ طلب نصِيبه فَإِنَّهُ رد على ظن أَنه لَا ربح فِيهِ وَقد ظهر الْآن
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ ظُهُور بعد الْفَسْخ
وَإِن كَانَ فِي المَال ربح وَجب على الْعَامِل أَن ينض رَأس المَال فَيبقى الْبَاقِي
стр. 1670
مُشْتَركا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعه فَإِنَّهُ لم يلتزمه
وَإِن امْتنع الْعَامِل من البيع أجبر فَإِن الرِّبْح لَا يظْهر إِلَّا بِظُهُور قدر رَأس المَال بالتنضيض
فَإِن قَالَ دَعونِي فقد تركت ربحي فَإِن قُلْنَا ملك بالظهور فَلَا يسْقط بالإسقاط وَإِن قُلْنَا لَا يملك فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا يسْقط كالغنيمة قبل الْقِسْمَة
وَالثَّانِي لَا لِأَن الْغَنِيمَة غير مَقْصُودَة فِي الْجِهَاد الذى هُوَ إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَالرِّبْح مَقْصُود وَقد تَأَكد سَببه
فَإِن قُلْنَا لَا يسْقط فَعَلَيهِ البيع وَإِن قُلْنَا يسْقط فَهُوَ كَمَا إِذا لم يكن ربح فَفِيهِ وَجْهَان
فرع
لَيْسَ لأَحَدهمَا أَن يطْلب قسْمَة الرِّبْح لِأَنَّهُ يعرض جبر الخسران فيتضرر الْعَامِل برده إِن طلب الْمَالِك وَالْمَالِك بِخُرُوجِهِ عَن جبر الخسران إِن طلب الْعَامِل
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يرد المَال إِلَى نقد لَا من جنس رَأس المَال
فَيلْزمهُ الرَّد إِلَى ذَلِك الْجِنْس وَإِن كَانَ هُوَ النَّقْد الْغَالِب لِأَن الرِّبْح لَا يظْهر إِلَّا بِهِ
فَإِن كَانَ مكسرا وَرَأس المَال صِحَاح فيشتري بهَا مثله إِن وجد وَإِلَّا فيحذر من الرِّبَا وَيَشْتَرِي بِهِ الذَّهَب إِذا كَانَ رَأس المَال فضَّة غير مكسرة وبالذهب الصِّحَاح
فَلَو اشْترى بِهِ عرضا ليَبِيعهُ بِالذَّهَب فَهَل يُمكن فِيهِ وَجْهَان
стр. 1671
وَوجه الْمَنْع أَن الْعرض قد يصير معوقا عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا تفاسخا وَكَانَ الْمَالِك قد اسْتردَّ من قبل طَائِفَة من المَال فَإِن لم يكن وَقت الِاسْتِرْدَاد لَا ربح وَلَا خسران فَلَا إِشْكَال إِذْ رَأس المَال هُوَ الْبَاقِي وَإِن كَانَ فِيهِ ربح فَمَا استرده وَقع شَائِعا فالقدر الذى يخص الرِّبْح يسْتَقرّ لِلْعَامِلِ نصِيبه مِنْهُ فَلَا يضيع بعد ذَلِك بخسران
وَإِن كَانَ فِي المَال خسران فَمَا استرده بِحِصَّة جُزْء من الخسران فَلَا يجب على الْعَامِل جبر الْقدر الذى يخص المسترد من الرِّبْح الذى بعده بَيَانه صُورَتَانِ
إِحْدَاهمَا المَال مائَة وَربح عشْرين فاسترد الْمَالِك عشْرين ثمَّ خسر عشْرين فَعَاد إِلَى ثَمَانِينَ فَلَيْسَ للْمَالِك أَن يَأْخُذ الْكل وَيَزْعُم أَن رَأس المَال كَانَ مائَة لِأَنَّهُ إِذا اسْتردَّ عشْرين وَهُوَ سدس جملَة المَال فسدس الْعشْرين ربح وَهُوَ ثَلَاثَة وَثلث فقد اسْتَقر لِلْعَامِلِ نصفه وَهُوَ دِرْهَم وَثُلُثَانِ فَلَا يلْزمه جبر ذَلِك بل يَأْخُذ هَذَا الْقدر من الثَّمَانِينَ وَيرد الْبَاقِي
الثَّانِيَة المَال مائَة وخسر عشْرين واسترد الْمَالِك عشْرين فَصَارَ سِتِّينَ ثمَّ ربح عشْرين فترقى إِلَى ثَمَانِينَ فَلَيْسَ للْمَالِك أَن يَقُول ربح عشْرين بخسران عشْرين وَالْكل لي لِأَنَّهُ خسر أَولا عشْرين فتوزع على الْبَاقِي وَهُوَ ثَمَانُون فيخص كل وَاحِد من عشْرين خَمْسَة فَلَا يلْزمه جبر تيك الْخَمْسَة فَكَأَنَّهُ بَقِي المَال خَمْسَة وَسبعين وَإِذا صَار الْآن ثَمَانِينَ تكون الْخَمْسَة فضلا فَيقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ
стр. 1672
حَتَّى يفوز الْمَالِك بسبعة وَسبعين وَنصف من جملَة الثَّمَانِينَ الْبَاقِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْقَرَاض يَنْفَسِخ بالجنون وَالْمَوْت
فَلَو مَاتَ الْمَالِك فلوارثه مُطَالبَة الْعَامِل بالتنضيض حَيْثُ كَانَ يجوز للْمَالِك لَو فَسخه بِنَفسِهِ وَهُوَ حَيّ ثمَّ يقدر ربح الْعَامِل وَلَا يصرف إِلَى دُيُون الْمَالِك لِأَن حَقه وَإِن لم يملك بالظهور لَا يتقاعد عَن حق الْمُرْتَهن فَيقدم على الدُّيُون فَلَو أَرَادَ وَارِث الْمَالِك تَقْرِيره فَقَالَ قررتك على مَا مضى فَقَالَ قبلت فَفِيهِ وَجْهَان يجْرِي مثلهمَا فِي الْوَارِث إِذا قَالَ أجزت الْوَصِيَّة وَقُلْنَا إِنَّهَا ابْتِدَاء عَطِيَّة وَوجه الْمَنْع ظَاهر لِأَن مَا مضى قد بَطل فَلَا معنى للتقرير
وَوجه الْجَوَاز أَن التَّقْرِير يبْنى على إِعَادَة مثل مَا سبق حَتَّى طردوا هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ البَائِع للْمُشْتَرِي بعد فسخ البيع قررتك على مَا مضى وَلم يسمح بِهَذَا فِي النِّكَاح بِحَال لما فِيهِ من التَّعَبُّد
هَذَا إِذا كَانَ المَال ناضا فَإِن كَانَ عرضا فَوَجْهَانِ وَوجه الْجَوَاز أَنه عرض هُوَ اشْتَرَاهُ فَلَا يضيق عَلَيْهِ وَقد تعين جنس رَأس المَال من قبل فَأمكن الرُّجُوع إِلَيْهِ بِخِلَاف العقد على الْعرُوض ابْتِدَاء
أما إِذا مَاتَ الْعَامِل فقد انْفَسَخ العقد فَإِن قرر الْمَالِك وَارثه فَالْخِلَاف الْوَاقِع فِي لفظ التَّقْرِير كَمَا مضى
стр. 1673
أما إِذا كَانَ المَال عرُوضا لم يجز لِأَن وَارِث الْعَامِل لم يشتر المَال بِنَفسِهِ فَيكون الْعرُوض كلا عَلَيْهِ وَإِن لم يكن على الْعَامِل المُشْتَرِي
وعَلى الْأَحْوَال كلهَا فلوارثه طلب نصيب الْعَامِل من الرِّبْح وَقطع الْأَصْحَاب يتجويز اسْتِئْنَاف الْقَرَاض مَعَه وَإِن كَانَ فِي المَال ربح إِذا كَانَ المَال ناضا وَهَذَا يدل على أَن الْقَرَاض مَعَ الشَّرِيك جَائِز إِذا كَانَ الْعَامِل مستبدا بِالْيَدِ فَيقسم الرِّبْح على نِسْبَة الْملك ثمَّ يقسم الْبَاقِي بِالشّرطِ
فَأَما إِذا كَانَ الشريكان متعاونين على الْعَمَل وَالْمَال فِي يدهما لَا يجوز تَغْيِير نِسْبَة الْملك بِالشّرطِ وَلَو اخْتصَّ أَحدهمَا بمزيد عمل فَفِي جَوَاز ذَلِك وَجْهَان
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي التَّنَازُع وَله صور
الأولى إِذا تنَازعا فِي تلف المَال فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَنَّهُ أَمِين مَا لم يَتَعَدَّ كَالْمُودعِ وَإِن تنَازعا فِي الرَّد فَكَذَلِك
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي الرَّد وَجْهَان وَزَعَمُوا أَنه لَا يلْحق فِي هَذَا بالمودع على أحد الْوَجْهَيْنِ
الثَّانِيَة لَو اخْتلفَا فِي قدر الرِّبْح الْمَشْرُوط فيتحالفان لِأَنَّهُ نزاع فِي قدر الْعِوَض فَإِذا تحَالفا سلم كل الرِّبْح للْمَالِك وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ إِلَّا أُجْرَة الْمثل
الثَّالِثَة إِذا اخْتلفَا فِي قدر رَأس المَال وَلَا ربح فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَنَّهُ نزاع فِي الْقَبْض وَالْأَصْل عَدمه
وَإِن كَانَ فِيهِ ربح فَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح وَقيل إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ لِأَن
стр. 1674
قدر الرّيح يتَفَاوَت بِهِ
الرَّابِعَة فِي المَال عبد فَقَالَ الْمَالِك اشْتَرَيْته للقراض وَقَالَ الْعَامِل بل لنَفْسي أَو بِالْعَكْسِ فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَنَّهُ أعرف بنيته
الْخَامِسَة لَو قَالَ كنت نهيتك عَن شِرَاء العَبْد فَأنْكر فَالْقَوْل قَوْله إِذْ الأَصْل عدم النَّهْي
السَّادِسَة تنَازعا فِي الرِّبْح ووجوده فَالْقَوْل قَول الْعَامِل فَإِن أقرّ بِالرِّبْحِ ثمَّ قَالَ غَلطت أَو كذبت خيفة أَن ينتزع المَال من يَدي لم يسمع رُجُوعه
وَإِن قَالَ صدقت وَلَكِن خسرت بعده فَالْقَوْل قَوْله
السَّابِعَة سلم رجلَانِ كل وَاحِد ألفا إِلَى رجل فَاشْترى لكل وَاحِد عبدا والتبس واعترفوا بالإشكال فقد نَص الشَّافِعِي ﵁ على قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا أَنه يُبَاع العبدان وَيقسم الثّمن عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا ينقلبان إِلَى الْوَكِيل وَيغرم هُوَ لَهما قيمتهمَا بِالسَّوِيَّةِ
فَإِن زَاد فَذَاك وَإِن نقص غرم قدر النُّقْصَان وَكَأَنَّهُ مقصر بِالنِّسْيَانِ وَهَذَا فِيهِ مزِيد نظر ذَكرْنَاهُ فِي الْمَذْهَب الْبَسِيط وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 1675
= كتاب الْمُسَاقَاة = وَفِيه بَابَانِ
стр. 1676
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَانه ﷺ َ - وَهِي أَرْبَعَة
الرُّكْن الأول فِي الأَصْل الذى يعْقد عَلَيْهِ العقد وَله شَرَائِط
الأول أَن يكون شَجرا والنخيل هُوَ الأَصْل إِذْ ساقى رَسُول الله ﷺ أهل خَيْبَر على النّصْف مِمَّا يخرج من تمر وَزرع وَهَذِه الْمُعَامَلَة قريبَة من الْقَرَاض وَلَكِن تخالفها فِي اللُّزُوم والتأقيت فَإِنَّهُمَا لَا يليقان بالقراض وَفِي أَن الثِّمَار تملك بِمُجَرَّد الظُّهُور فَإِنَّهُ لَيْسَ وقاية للنخيل بِخِلَاف الْقَرَاض وَفِي طَريقَة الْعرَاق وَجه أَنه كالربح حَتَّى يخرج على الْقَوْلَيْنِ ثمَّ لَا خلاف فِي أَن الْكَرم بِمَعْنى النخيل لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِمَا يتقارب وَالزَّكَاة تجب فيهمَا وَفِي سَائِر الْأَشْجَار المثرة قَولَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا فِي مَعْنَاهُمَا للْحَاجة إِلَيْهِ
وَالثَّانِي لَا لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِمَا يقل فَيمكن الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ
стр. 1677
ونعني بِالشَّجَرِ كل مَا يثبت أَصله فِي الأَرْض ويفصل ثمره
أما الْمزَارِع وقصب السكر والبطيخ والقثاء والباذنجان فَلَا يعْقد عَلَيْهَا هَذِه الْمُعَامَلَة لِأَن جَمِيعهَا فِي معنى المخابرة والمزارعة
وَالْمُخَابَرَة هِيَ صُورَة هَذِه الْمُعَامَلَة على الأَرْض وَالْبذْر من الْعَامِل
والمزارعة هى بِعَينهَا وَالْبذْر من الْمَالِك
وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَنْهُمَا وساقى
فَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يرد إِحْدَى السنتين بِالْأُخْرَى خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ حَيْثُ أبطل الْمُسَاقَاة قِيَاسا على الْمُزَارعَة
стр. 1678
ثمَّ البقل من قبيل الزَّرْع وَإِن ثبتَتْ أُصُوله
فَإِن قيل فقد ساقى ﵇ على الزَّرْع وَالتَّمْر جَمِيعًا قُلْنَا لَا جرم بقول تصح الْمُزَارعَة تبعا للمساقاة فِي الأَرْض المتحللة بَين النخيل بِخَمْسَة شَرَائِط اثْنَان مُتَّفق عَلَيْهِمَا
وَهُوَ أَن يكون الْعَامِل على النخيل وَالزَّرْع وَاحِدًا
وَالثَّانِي أَن تكون الْأَرَاضِي بِحَيْثُ لَا يُمكن إفرادها بِالْعَمَلِ إِذْ بسقيها وتقليبها ينْتَفع النخيل
وَاخْتلفُوا فِي ثَلَاث شَرَائِط
أَحدهَا اتِّحَاد الصَّفْقَة فَلَو عقدهَا فِي صفقتين فَثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يَصح ثمَّ إِن أخرت الْمُزَارعَة تبِعت الْمُسَاقَاة السَّابِقَة وَإِن قدمت كَانَت مَوْقُوفَة الصِّحَّة على الْمُسَاقَاة بعْدهَا
وَالثَّانِي لَا يَصح مُطلقًا لِانْعِدَامِ التّبعِيَّة بالتمييز
стр. 1679
وَالثَّالِث إِن قدمت الْمُزَارعَة فَسدتْ إِذْ لَا متبوع وَإِن أخرت صحت ثمَّ لَو جَمعهمَا فِي صَفْقَة وَاحِدَة وَلَكِن جعل لِلْعَامِلِ من الثِّمَار النّصْف وَمن الزَّرْع جُزْءا آخر أقل أَو أَكثر فَفِيهِ أَيْضا تردد لِأَن التَّغَيُّر يكَاد يقطع حكم التّبعِيَّة
وَالثَّانِي أَن لَا تكْثر الْأَرَاضِي فَإِن كثرت إِمَّا بِكَثْرَة الِارْتفَاع بِالْإِضَافَة إِلَى النخيل أَو باتساع الساحة بِالْإِضَافَة إِلَى مغارس النخيل فَوَجْهَانِ وَالأَصَح الصِّحَّة مهما لم يُمكن إفرادها بِالْعَمَلِ مَعَ الْكَثْرَة
الثَّالِث أَن يكون الْبذر من رب النخيل فَإِن كَانَ من الْعَامِل فقد حصل نوع مُغَايرَة بَين الجنسين فَفِي انْقِطَاع التّبعِيَّة وَجْهَان
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون شَجرا غير بارزة الثِّمَار عِنْد الْمُسَاقَاة فَإِن برزت الثِّمَار نَص فِي الْقَدِيم أَنَّهَا فَاسِدَة إِذْ لم تخرج الثِّمَار بِعَمَلِهِ وَهُوَ مَوْضُوع العقد وَنَصّ فِي
стр. 1680
الْجَدِيد على أَنه إِذا جَازَ قبل البروز فبعده أجوز وَعَن الْغرَر أبعد لِأَنَّهُ بَقِي الْعَمَل وَالثَّمَر صَار موثوقا بِهِ
الشَّرْط الثَّالِث أَن تكون الحديقة مرئية
فَإِن ساقاه على مَا لم ير فطريقان
أَحدهمَا فِيهِ قَولَانِ كَبيع الْغَائِب
وَالثَّانِي الْبطلَان لِأَنَّهُ عقد غرر فَلَا يحْتَمل فِيهِ هَذَا الْجَهْل
الرُّكْن الثَّانِي فِي الْمَشْرُوط لِلْعَامِلِ وَهُوَ الثِّمَار
فَلْيَكُن مَشْرُوطًا على الاستهام ومخصوصا بهما ومعلوما بالجزئية لَا بالتقدير كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الرِّبْح فِي الْقَرَاض وننبه هَاهُنَا على أُمُور ثَلَاثَة
الأول أَنه لَو ساقى على ودي نظر فَإِن لم يكن مغروسا فَقَالَ خُذْهُ واغرسه فَإِن علق فَهُوَ بَيْننَا فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ تَسْلِيم بذر فَهُوَ فِي معنى الْمُزَارعَة
فَإِن قَالَ اغرسه ونمه وَمَا حصل من الثِّمَار فَهُوَ بَيْننَا فَهُوَ أَيْضا فَاسد إِذْ الْغَرْس لَيْسَ من أَعمال الْمُسَاقَاة وَقد ضم إِلَيْهَا فَكَانَ كَمَا إِذا ضم غير التِّجَارَة إِلَيْهَا فِي الْقَرَاض
стр. 1681
وَفِي الصُّورَتَيْنِ وَجه أَنه لَا يَصح حَكَاهُ صَاحب التَّقْرِيب
أما إِذا كَانَ مغروسا نظر فَإِن ساقاه عَلَيْهِ مُدَّة لَا يُثمر فِيهَا إِلَّا بثمرة تحصل بعد الْمدَّة فَهُوَ بَاطِل إِذْ مَا يحصل بعد مُضِيّ الْمدَّة لَا يتَعَلَّق بِهِ العقد
وَإِن كَانَ يعلم حُصُوله فِي الْمدَّة وَلَو فِي آخر السنين وساقاه على عشر سِنِين مثلا فَهُوَ صَحِيح وخلو أول الْمدَّة عَن الثِّمَار كخلو أول السّنة الْوَاحِدَة
وَإِن كَانَ يتَوَهَّم الثَّمَرَة وَلَا يعلم قَالَ القَاضِي إِن غلب الْوُجُود صَحَّ وَإِن غلب الْعَدَم بَطل وَإِن تساوى الِاحْتِمَال فَوَجْهَانِ
وَقيل إِن غلب الْعَدَم بَطل وَإِن غلب الْوُجُود فَوَجْهَانِ وَقيل عَكسه أَيْضا
أما إِذا كَانَ بِحَيْثُ يُثمر كل سنة فساقاه عشر سِنِين على جُزْء من ثَمَرَة السّنة الْأَخِيرَة فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنه يجوز وليقدر مَا سبق مَعْدُوما
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ تعرية الْعَمَل عَن الْعِوَض فِي مُدَّة وجود مَا حَقه أَن يكون عوضا فِي هَذَا العقد
стр. 1682
وَفِي أصل زِيَادَة مُدَّة الْمُسَاقَاة على سنة كَلَام يجْرِي مثله فِي كل إِجَارَة وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْإِجَارَة
الْأَمر الثَّانِي لَو كَانَ فِي الْبُسْتَان عَجْوَة وصيحاني فَقَالَ ساقيتك على أَن لَك من الصيحاني نصفه وَمن الْعَجْوَة ربعه لَا يَصح مَا لم يعرف قدر الْعَجْوَة والصيحاني أَعنِي الْأَشْجَار نظرا أَو تخمينا
وَإِن شَرط النّصْف مِنْهُمَا فَلَا يشْتَرط هَذِه الْمعرفَة وَكَذَلِكَ إِذا ساقي رجلَانِ وَاحِدًا على أَن لَهُ النّصْف من نصيبهما وَلَا يشْتَرط مَعْرفَته بِقدر النَّصِيبَيْنِ وَإِن تفَاوت الشَّرْط وَجَبت الْمعرفَة
وَلَو قَالَ ساقيتك على النّصْف إِن سقيت بالنضح أَو الرّبع إِن سقيت بالسماء فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ مردد بَين جِهَتَيْنِ
الْأَمر الثَّالِث أَن أحد الشَّرِيكَيْنِ فِي النخيل لَو ساقى شَرِيكه على أَن يتعاونا على الْعَمَل فَهُوَ فَاسد إِذْ رب النخيل لَا يَنْبَغِي أَن يَخُوض فِي الْعَمَل
وَلَو كَانَ الشَّرِيك الْعَامِل يستبد بِجَمِيعِ الْعَمَل صحت الْمُسَاقَاة بِشَرْط أَن يشْتَرط لَهُ مزيدا على مَا تَقْتَضِيه نِسْبَة الْملك
فَلَو كَانَ بَينهمَا نِصْفَيْنِ فَشرط لَهُ النّصْف فَلم يشرط لَهُ شئ فتفسد الْمُسَاقَاة وَلَا يسْتَحق أُجْرَة الْمثل عِنْد الْمُزنِيّ وَيسْتَحق عِنْد ابْن سُرَيج
وَلَو شَرط لَهُ الْكل فَيفْسد وَفِي أُجْرَة الْمثل وَجْهَان مأخذهما أَنه لم ينْو
стр. 1683
بِعَمَلِهِ مستأجره فضاهى الْأَجِير فِي الْحَج إِذا نوى بعد التَّلْبِيَة صرف الْحَج إِلَى نَفسه فَلَا ينْصَرف إِلَيْهِ وَهل تسْقط أجرته فِيهِ وَجْهَان
الرُّكْن الثَّالِث الْعَمَل الموظف على الْعَامِل
وَله شَرَائِط يُنَبه عَنْهَا مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْقَرَاض
الأول أَن يكون لَا يشْتَرط عَلَيْهِ عمل لَيْسَ من الْمُسَاقَاة
الثَّانِي أَن يستبد بِالْيَدِ فِي الحديقة ليتَمَكَّن من الْعَمَل لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَو شَرط الْمَالِك الْيَد لنَفسِهِ فسد وَلَو سلم الْمِفْتَاح إِلَيْهِ وَلَكِن بِشَرْط أَن يدْخل هُوَ أَيْضا فَفِيهِ خلاف وَالأَصَح الْجَوَاز
الثَّالِث أَن يعرف بتأقيت مُدَّة العقد لَا بِتَعْيِين الْعَمَل ثمَّ يجوز التَّعْرِيف بِالسنةِ الْعَرَبيَّة وَهل يجوز التَّعْرِيف بِإِدْرَاك الثِّمَار فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ يتَفَاوَت بالبرد وَالْحر
وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ الْمَقْصُود وَهُوَ مُتَقَارب
وَإِن عرف بِالْأَشْهرِ فَجَائِز
стр. 1684
فرع
لَو ساقى سنتَيْن فَهُوَ شريك فِي كل سنة فَلَو برز شئ فِي آخر السّنة الْأَخِيرَة من الثِّمَار وَانْقَضَت الْمدَّة قبل الْإِدْرَاك فالعامل شريك فِيمَا برز فِي مُدَّة عمله
الشَّرْط الرَّابِع أَن ينْفَرد الْعَامِل بِعَمَلِهِ وَأَن لَا يشْتَرط مُشَاركَة الْمَالِك فِي الْعَمَل فَإِن شَرط فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ تَغْيِير الْموضع كَمَا فِي الْقَرَاض
وَإِن شَرط أَن يعْمل غُلَام الْمَالِك مَعَه فقد نَص الشَّافِعِي ﵁ على الْجَوَاز وَذكر الْأَصْحَاب ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا الْمَنْع هَاهُنَا وَفِي الْقَرَاض لِأَن يَد العَبْد يَد الْمَالِك فَيبْطل الاستبداد بِالْيَدِ
وَالثَّانِي الْجَوَاز لِأَن العَبْد يكون مستعارا على التَّحْقِيق فالإعانة بِهِ كالإعانة بالثيران وَلَا خلاف فِي جَوَازهَا شرطا
وَالثَّالِث أَنه يَصح فِي الْمُسَاقَاة إِذْ من الْأَعْمَال مَا يجب على الْمَالِك كبناء الجدران وَحفظ الْأُصُول كَمَا سَيَأْتِي بِخِلَاف الْقَرَاض فَلَا عمل فِيهِ على الْمَالِك
стр. 1685
التقريع إِذا حكمنَا بِالْجَوَازِ فنفقه الْغُلَام على من
إِن شَرط على الْمَالِك أَو أطلق فَهُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ شَرط إِعَانَة
وَإِن شَرط على الْعَامِل فَفِي جَوَاز ذَلِك وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ قطع لنفقة الْملك عَن الْمَالِك
وَالثَّانِي نعم لِأَن الأَصْل أَن الْعَمَل عَلَيْهِ فَلَا يبعد أَن ينْفق على من يُعينهُ وَفِي طَريقَة الْعرَاق أَنه يتبع فِيهِ الشَّرْط قطعا
وَإِن أطلق فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه على الْمَالِك وَالثَّانِي أَنه على الْعَامِل
وَالثَّالِث أَنه من الثَّمَرَة وَهُوَ بعيد إِذْ رد الشَّافِعِي ﵁ على مَالك ﵀ حَيْثُ أوجب نَفَقَة العبيد على الْعَامِل عِنْد الْإِطْلَاق فَقَالَ أوجب أُجْرَة مثل أُجْرَة العبيد إِن كنت توجب النَّفَقَة
следующие страницы →