Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الأول أَنه يتَوَقَّف عَن الْقَضَاء إِذا علم كذب الشُّهُود يَقِينا بل يجب عَلَيْهِ التَّوَقُّف عِنْد الرِّيبَة فَكيف يقْضِي على خلاف معلومه
الثَّانِي أَنه يقْضِي بِهِ فِي عَدَالَة الشُّهُود وَمِنْهُم من قَالَ يحْتَاج إِلَى مزكين على هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ يتهم وَكَيف لَا وَالْعَدَالَة لَا تعلم يَقِينا
الثَّالِث يقْضِي على من أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء وَإِن رَجَعَ الْمقر فَإِنَّهُ أقوى الْحجَج وَأما إِن أقرّ عِنْده سرا فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من جوز أَيْضا على الْإِقْرَار سرا قولا وَاحِدًا
الرَّابِع أَنه لَو شهد شَاهد وَاحِد فَهَل يُغني علمه عَن الشَّاهِد الثَّانِي حَتَّى يكون هُوَ كشاهد آخر فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه
لَا يَكْفِي أما الْخط فَإِذا رأى القَاضِي خطه بِأَنِّي قضيت بِكَذَا لم يجز لَهُ إمضاؤه وَكَذَا الشَّاهِد
стр. 3362
بل لَا بُد وَأَن يتَذَكَّر الْوَاقِعَة بِجَمِيعِ حُدُودهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف يجوز الإعتماد على الْخط كَمَا فِي الْيَمين فَإِنَّهُ رأى خطّ أَبِيه جَازَ لَهُ أَن يحلف على الْبَتّ فِي طلب الْحُقُوق وإسقاطها إِذا وثق بِهِ وَقطع أَصْحَابنَا بِالْفرقِ لِأَن التزوير على الْخط بِحَيْثُ لَا يخْتَلف مُمكن وَفِي فتح هَذَا الْبَاب خطر عَام بِخِلَاف الْيَمين فَإِنَّهُ يُبَاح بغالب الظَّن وَلَا تُؤدِّي إِلَى ضَرَر عَام
فَإِذن الإعتماد على ثَلَاث دَرَجَات أوسعها الْحلف وأضيقها الْقَضَاء وَالشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط دون التَّذَكُّر وَبَينهمَا رِوَايَة الْأَحَادِيث فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط إِن أمكن التحريف لَكِن إِن صحت النُّسْخَة وحفظها بِنَفسِهِ وَأمن من التَّغَيُّر جَازَت الرِّوَايَة على الْأَظْهر وَعَلِيهِ عمل عُلَمَاء الْأَمْصَار وَسوى الصيدلاني بَينهمَا وَقَالَ لَا يحل للمحدث إِلَّا رِوَايَة مَا حفظ وتذكر فليرو كَذَلِك أَو ليترك الرِّوَايَة وَسوى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد على الْعَكْس من هَذَا وَقَالَ الشَّاهِد إِذا نسخ الْوَاقِعَة وَحفظ النُّسْخَة فِي خزانَة ووثق بِأَنَّهُ لم تحرف جَازَ لَهُ الشَّهَادَة وَإِن لم يذكر وَالْمَشْهُور بَين الْأَصْحَاب الْفرق بَين دَرَجَة الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فِي صُورَة حفظ النُّسْخَة وَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أقرب مِمَّا ذكره الصيدلاني
стр. 3363
فروع
الأول لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد القَاضِي بِأَنَّهُ قضى لم يجز لَهُ الحكم إِذا لم يتَذَكَّر ويشهدان عِنْد غَيره فَيثبت قَضَاؤُهُ وَإِن لم يذكرهُ وَلم يكذبهما وَلَكِن القَاضِي يَنْبَغِي أَن يطْلب من نَفسه الْيَقِين وَلَا يُمكنهُ طلب الْيَقِين من قَاض آخر وَيجوز هَذَا فِي الرِّوَايَة فَمن الْمَشَايِخ من كَانَ يَقُول حَدثنِي فلَان عني وَقَالَ أَبُو يُوسُف يقبل ذَلِك فِي الْقَضَاء أَيْضا
الثَّانِي أَنه لَو ادّعى خصم على قَاض أَنَّك قضيت لي فَأنْكر الْقَضَاء فَلَيْسَ لَهُ أَن يرفعهُ إِلَى قَاض آخر ويحلفه بل هُوَ كالشاهد لَا يحلف إِذا أنكر الشَّهَادَة وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن قُلْنَا إِن الْيَمين الْمَرْدُودَة كَالْإِقْرَارِ فَلهُ ذَلِك حَتَّى إِن نكل حلف الْخصم وَكَانَ كإقرار القَاضِي وَهَذَا ضَعِيف
الثَّالِث إِذا التمس صَاحب الْحق من القَاضِي أَن يُعْطِيهِ خطه بِأَنَّهُ قضى لَهُ وَيسلم إِلَيْهِ محضرا ديوانيا هَل تجب الْإِجَابَة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يجب إِذْ بِهِ إحكام الْأَمر وإتمامه
وَالثَّانِي لَا إِذْ لَا اعْتِمَاد على الْخط وَإِنَّمَا الْخط مُذَكّر فَقَط
فَإِن قُلْنَا يكْتب فالكاغد على الملتمس إِن لم يُطلق الإِمَام للقراطيس شَيْئا وَذَلِكَ مُسْتَحبّ إِطْلَاقه ثمَّ اعْلَم أَنا وَإِن لم نوجب كتبة الْمحْضر فَيُسْتَحَب للْقَاضِي اسْتِحْبَابا مؤكدا مهما جرت قَضِيَّة أَن يكْتب محضرا يذكر فِيهِ الْوَاقِعَة وَأَسْمَاء الْخَصْمَيْنِ فَإِن كَانَا غريبين كتب الْحِلْية ثمَّ يجمع محَاضِر كل أُسْبُوع فِي إضبارة ومحاضر الشَّهْر فِي قمطرة
стр. 3364
ومحاضر السّنة فِي خريطة وَيكْتب عَلَيْهِ التواريخ وَيخْتم القَاضِي على الخريطة بِنَفسِهِ ويحفظه بِنَفسِهِ أَو بِعدْل لَا يتمارى فِيهِ وَيدْفَع نُسْخَة أُخْرَى إِلَى صَاحب الْحق حَتَّى إِن ضَاعَت وَاحِدَة سهل الرُّجُوع إِلَى الْأُخْرَى وَهَذَا هُوَ الْعَادة فَإِن التَّذَكُّر من غير خطّ بعيد وَمن جوز للأمي أَن يكون قَاضِيا فَلَا يُمكنهُ إِيجَاب الكتبة وَإِن التمس صَاحب الْحق
стр. 3365
الْفَصْل الثَّالِث فِي التَّسْوِيَة بَين الْخَصْمَيْنِ
وَفِيه مسَائِل
الأولى أَن لَا يخصص أحد الْخَصْمَيْنِ بِالْإِذْنِ فِي الدُّخُول وَلَا بِجَوَاب السَّلَام وَلَا بمزيد الْبشر وَلَا بِالْقيامِ وَلَا بالبداية بالْكلَام وَلَا بِرَفْع الْمجْلس وَلَا بِالنّظرِ بل إِن نظر نظر إِلَيْهِمَا أَو أطرق وَقَالَ عَلَيْكُمَا السَّلَام
وَلَو بَادر أَحدهمَا بِالسَّلَامِ صَبر حَتَّى يسلم الثَّانِي فيجيب مَعًا إِلَّا أَن يظْهر التَّقَدُّم فيعذر فِي الْجَواب وَقيل يَنْبَغِي أَن يصبر قَالَ ﷺ لعَلي ﵁ سو بَين الْخَصْمَيْنِ فِي مجلسك ولحظك فيسوى بَين الشريف والوضيع فِي الْمجْلس إِلَّا أَن يكون أَحدهمَا ذِمِّيا فَيجوز أَن يرْتَفع عَلَيْهِ الْمُسلم على أحد الْوَجْهَيْنِ لما رُوِيَ أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دخل مَعَ خصم ذمِّي لَهُ إِلَى شُرَيْح فَقَامَ لَهُ شُرَيْح فَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هَذَا أول جورك ثمَّ أسْند عَليّ ﵁ ظَهره إِلَى الْجِدَار وَقَالَ أما إِن خصمي لَو كَانَ مُسلما لجلست بجنبه فَلَا بَأْس بِهَذَا الْقدر لأمر الْإِسْلَام أما التَّخْصِيص بِالْقيامِ فقد نهى عَنهُ ثمَّ لَا بَأْس أَن يَقُول القَاضِي من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا فَإِذا
стр. 3366
ابتدر أَحدهمَا بِدَعْوَى صَحِيحَة فَالظَّاهِر أَنه يَقُول للْآخر مَاذَا تَقول وَقيل إِنَّه يسكت حَتَّى يُجيب الآخر إِن شَاءَ ثمَّ إِن أقرّ ثَبت الْحق وَلم يفْتَقر إِلَى أَن يَقُول قضيت بِخِلَاف مَا لَو قَامَت بَيِّنَة لِأَن ذَلِك يتَعَلَّق بِاجْتِهَاد وَقيل يجب أَن يقْضِي أَيْضا فِي الْإِقْرَار
وَإِن أنكر قَالَ للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة وَقيل إِنَّه لَا يَقُول ذَلِك فَإِنَّهُ كالتلقين لإِظْهَار الْحجَّة وَلَيْسَ للْقَاضِي أَن يلقن إِقْرَارا وَإِنْكَارا وَحجَّة وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ سُؤال لَا تلقين فَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي حَاضِرَة ثمَّ بعد ذَلِك أَقَامَ قبل وَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي حَاضِرَة وَلَا غَائِبَة ثمَّ أَقَامَ بعد ذَلِك فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا تقبل لمناقضة قَوْله
وَالثَّانِي يقبل قَوْله فَلَعَلَّهُ تذكر وإصرار الْمُدعى عَلَيْهِ على السُّكُوت كإنكاره فِي جَوَاز إِقَامَة الْبَيِّنَة
الثَّانِيَة إِذا تساوق المدعون إِلَى مَجْلِسه فالسبق لمن سبق فَإِن لم يسْبق فالقرعة وَلَا يقدم لفضله إِلَّا أَن الْمُسَافِر يجوز تَقْدِيمه إِن رأى الْمصلحَة
ثمَّ من خرجت قرعته اقْتصر على خُصُومَة فَإِن أنشأ دَعْوَى أُخْرَى على ذَلِك الْخصم بِعَيْنِه فَالظَّاهِر الْمَنْع كشخص آخر وَمِنْهُم من جوز إِلَى ثَلَاث دعاوي وَيجوز تَقْدِيم الْمَرْأَة إِذا اقْتَضَت الْمصلحَة ذَلِك وَمِنْهُم من منع ذَلِك فِيهَا وَفِي الْمُسَافِر أصلا وَهُوَ بعيد وَكَذَلِكَ إِذا
стр. 3367
ازدحموا على الْمُفْتِي والمدرس فليعول على الْقرعَة أَو السَّبق إِلَّا إِذا كَانَ مَا يطْلب مِنْهُ من الْعلم غير وَاجِب تَعْلِيمه فإليه الإختيار والإيثار
فرع
لَو سبق أَحدهمَا إِلَى الدَّعْوَى فَقَالَ الآخر كنت الْمُدَّعِي فَيُقَال لَهُ الْآن اخْرُج عَن مُوجب الدَّعْوَى فَإِنَّهُ سبق إِلَى الدَّعْوَى فَإِن ابتدءا مَعًا أَقرع بَينهمَا
الثَّالِثَة يَنْبَغِي أَن لَا يقبل الْهَدِيَّة لَا من الْخَصْمَيْنِ وَلَا من أَحدهمَا بل يتْرك قبُول الْهَدَايَا أصلا وَلَا بَأْس بقبولها مِمَّن اعْتَادَ ذَلِك قبل الْقَضَاء وَلَا خُصُومَة لَهُ
وَإِن كَانَ لَا يعْتَاد ذَلِك وَلَا خُصُومَة لَهُ فِي الْحَال جَازَ الْقبُول وَالْأولَى أَن يثيب أَو يضع فِي بَيت المَال وَأما من تكون لَهُ خُصُومَة فَيحرم قبُول هديته وَهل يملكهُ إِن قبله فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه لَا يملك لِأَنَّهُ حرَام
وَالثَّانِي أَنه يملك كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة تصح وَيحرم فعلهَا وَكَذَا الْخلاف فِيمَن وهب المَاء وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ لوضوئه من غير عطشان
стр. 3368
الرَّابِعَة لَا يكره لَهُ حُضُور الولائم إِذا لم يخصص بالإجابة بَعضهم لِأَن فِي حُضُور الولائم أَخْبَارًا كَثِيرَة وَهَذَا فِي المأدبة الْعَامَّة أما مَا هيىء لأَجله فَلَا يحضرهُ فَإِنَّهُ كالهدية
وَلَا يحضر مأدبة الْخَصْمَيْنِ أصلا فَإِنَّهُ رُبمَا يتودد أَحدهمَا بِزِيَادَة تكلّف
стр. 3369
الْفَصْل الرَّابِع فِي التَّزْكِيَة
وَفِيه مسَائِل
الأولى أَن الإستزكاء عندنَا حق الله تَعَالَى فَإِن سكت الْخصم وَجب على القَاضِي إِلَّا إِذا علم عدالتهما فَإِن الظَّاهِر أَنه يعول على الْعلم هَهُنَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِن سكت الْخصم قضى
وَلَو أقرّ الْخصم بعدالتهما وَلَكِن قَالَ قد زلا فِي هَذِه الْوَاقِعَة فَفِي وجوب الإستزكاء وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه يقْضِي مُؤَاخذَة لَهُ بقوله وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀
الثَّانِيَة فِي كَيْفيَّة الإستزكاء
وَهُوَ أَن يكْتب القَاضِي إِلَى الْمُزَكي اسْم الشَّاهِدين والخصمين وَقدر المَال فَلَعَلَّهُ يعرف
стр. 3370
بَينهمَا عَدَاوَة وَرُبمَا يعدله فِي مِقْدَار يسير من المَال دون كثير وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ الْعدْل فِي الْيَسِير عدل فِي الْكثير فَذكر قدر المَال لَا يجب وَهُوَ الْأَشْهر
وليكتب إِلَى الْمُزَكي سرا حَتَّى لَا يتوسل الشَّاهِد إِلَى الإستمالة والتعرف إِلَى الْمُزَكي بِحسن الْحَال ثمَّ يسْتَحبّ أَن يشافه القَاضِي الْمُزَكي ظَاهرا فِي آخر الْأَمر وَيسْتَحب أَن يكون لَهُ جمَاعَة من المزكين أخفياء لَا يعْرفُونَ
الثَّالِثَة صِفَات المزكين كصفات الشُّهُود وَيزِيد أَمْرَانِ
أَحدهمَا الْعلم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل
وَالْآخر خبرته ببواطن الشُّهُود فَلَا يجوز التَّعْدِيل بِنَاء على الظَّاهِر وَلَا بُد من الذُّكُورَة وَلَا بُد من الْعدَد إِلَّا إِذا كَانَ مَنْصُوبًا للْحكم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وَسَمَاع الْبَيِّنَة فللقاضي أَن يعْتَمد قَوْله وَحده إِذا قَامَت الْبَيِّنَة عِنْده وَيجب على الْمُزَكي أَن يَقُول أشهد بِأَنَّهُ عدل إِن قُلْنَا تجب المشافهة وَإِن اكتفينا بالرقعة مَعَ الرَّسُول فَفِي اشْتِرَاط كتبه لفظ الشَّهَادَة خلاف كَمَا فِي المترجم
فرع
تركيته لوَلَده أَو وَالِده فِيهِ خلاف كَمَا فِي الْقَضَاء وَالْأَظْهَر أَنه كَالشَّهَادَةِ
الرَّابِعَة فِي مُسْتَند الْمُزَكي وَيَنْبَغِي أَن لَا يجرح إِلَّا بمعاينة سَبَب الْفسق أَو يَقِين وَعلم لِأَن ذَلِك يُمكن مَعْرفَته أما الْعَدَالَة فَلَا يُمكن مَعْرفَتهَا يَقِينا لِأَنَّهُ يرجع إِلَى أَنه لَيْسَ بفسق وَهُوَ نفي وَالْإِنْسَان يخفي عيوبه جهده وَإِنَّمَا يعدل إِذا خبر بَاطِنه بالصحبة مَعَه أَو شهد عِنْده
стр. 3371
عَدْلَانِ بعدالته إِن كَانَ مَنْصُوبًا للْحكم بالتعديل وَالْأَصْل فِيهِ مَا رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لمن عرف شَاهدا بالصلاح هَل كنت جارا لَهُ فتعرف إصباحه وإمساءه فَقَالَ لَا فَقَالَ هَل عاملته على الدِّينَار وَالدِّرْهَم فبهما تعرف الْأَمَانَات فَقَالَ لَا فَقَالَ هَل صحبته فِي السّفر فبه تعرف أَخْلَاق الرِّجَال فَقَالَ لَا فَقَالَ مَا أَرَاك إِلَّا رَأَيْته فِي الْمَسْجِد يهمهم فِي صلَاته يرفع رَأسه وَيخْفِضهُ هَات من يعرفك فَإِنَّهُ لَا يعرفك وَلِهَذَا يجب على القَاضِي أَن يعرف أَن الْمُزَكي هَل خبر بَاطِن الشَّاهِد أم لَا فِي كل مرّة إِلَّا إِذا علم من عَادَته أَنه لَا يُزكي إِلَّا بعد الْخِبْرَة
الْخَامِسَة كَيْفيَّة التَّعْدِيل أَن يَقُول هُوَ عدل عَليّ ولي أَو عدل مَقْبُول الشَّهَادَة فَإِن الْعدْل قد لَا تقبل شَهَادَته لكَون مغفلا
وَلَا يجب ذكر سَبَب الْعَدَالَة فَإِنَّهُ لَا ينْحَصر وَيجب ذكر سَبَب الْجرْح من شرب وزنا وَأكل حرَام وَغَيره وَهَذَا وَإِن كَانَ غيبَة فَهُوَ جَائِز لهَذِهِ الْحَاجة وَإِنَّمَا يجب الذّكر لِأَن للنَّاس مَذَاهِب فِي أَسبَاب الْجرْح فَمنهمْ من يفسق بِأَدْنَى خيال وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْمُزَكي من المتعصبين فِي الْمَذْهَب والأهواء
السَّادِسَة لَا تَكْفِي الرقعة إِلَى القَاضِي بالتعديل فَإِن الْخط لَا يعْتَمد وَالْأَظْهَر أَنه يجب المشافهة وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي يَكْفِي رَسُولا عَدْلَانِ إِذْ تَكْلِيفه الْحُضُور شهرة
стр. 3372
وَالْمُسْتَحب إخفاء الْمُزَكي
وَمن شَرط المشافهة أوجب لفظ الشَّهَادَة وَمن اكْتفى بالرسول ترددوا فِيهِ
السَّابِعَة إِذا زكى المزكون لَكِن ارتاب القَاضِي أَو توهم غَلطا فِي خُصُوص الْوَاقِعَة فليفرق الشُّهُود وليراجع أَنه كَيفَ رأى وَأي وَقت رأى فَرُبمَا عثر على تفَاوت بَين كلاميهما فَيكْشف بِهِ وَجه الْغَلَط والتهمة
فَإِذا كَانَ الشَّاهِد فَقِيها فَلهُ الْإِصْرَار على كلمة وَاحِدَة وَلَا يلْزمه التَّفْصِيل فَلَا يفصل وَلَا يزِيد على الْإِعَادَة وَلَيْسَ للْقَاضِي إِجْبَاره وَلَكِن ليبحث عَن جِهَات أخر
فَإِن أصر الشَّاهِد وَبحث وَلم تزل الرِّيبَة وَجب الْقَضَاء فَإِنَّهُ غَايَة الْإِمْكَان وَلَو قضى قبل الْبَحْث مَعَ بَقَاء الرِّيبَة لم يجز لَهُ ذَلِك لِأَن الْبَحْث حق الله تَعَالَى
стр. 3373
فروع
الأول لَو عدل رجلَانِ وجرح رجن فالجرح أولى لِأَنَّهُ مُسْتَند إِلَى عيان وَلَو جرح رجل وَاحِد وَعدل رجلَانِ لم يقبل الْجرْح
الثَّانِي يتَوَقَّف القَاضِي إِذا توقف المزكون وَلَا يجوز للمزكي الْجرْح بِالتَّسَامُعِ فِي الْفسق بل التَّوَقُّف إِلَّا إِذا عاين أَو سمع أَو شهد عَدْلَانِ عِنْده على مُشَاهدَة الْفسق وَكَانَ حَاكما فِي التَّعْدِيل فَإِن عدل المزكون فللقاضي إِذا انْفَرد بتسامع الْفسق أَن يتَوَقَّف لِأَنَّهُ مَحل الرِّيبَة
الثَّالِث إِذا شهد الْمعدل مرّة أُخْرَى رُوجِعَ الْمُزَكي إِن طَال الزَّمَان إِذْ الْأَحْوَال تَتَغَيَّر وَإِن قرب الزَّمَان فَلَا وَلَو رَجَعَ الْمُزَكي فَفِي غرامته لِلْمَالِ وَجْهَان وَالله أعلم
стр. 3374
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِي الْقَضَاء على الْغَائِب وَكتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي ﷺ َ -
وَالْقَضَاء على الْغَائِب يجوز خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ وَالنَّظَر فِيهِ يتَعَلَّق بِسِتَّة أَرْكَان
الرُّكْن الأول الدَّعْوَى فَيشْتَرط فِيهَا ثَلَاثَة أُمُور
الأول الْإِعْلَام فَإِذا ادّعى دينا فليذكر قدره وجنسه وَهَذَا لَا يخْتَص بالغائب فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَدعِي عشرَة دَنَانِير أَو دَرَاهِم مَا لم يذكر أَي نوع هِيَ وَلَا ينزل مُطلق الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير على الْغَالِب كَمَا لَا ينزل فِي الْإِقْرَار على الْغَالِب بِخِلَاف الْعُقُود إِذْ الْعَادة تُؤثر فِي الْمُعَامَلَات ثمَّ يعرض القَاضِي عَنهُ أَو يستفصله فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا يعرض حَتَّى لَا يكون كالتلقين وَكَذَلِكَ إِذا أدّى الشَّاهِد شَهَادَة مَجْهُولَة فَلَا يرشده القَاضِي بل يسكت وَكَذَلِكَ لَو شَبَّبَ الْمُدَّعِي بِمَا لَو ذكره كَانَ إِقْرَارا لم يزجره القَاضِي
وَالثَّانِي أَنه يستفصل وَهُوَ الْأَصَح لِأَن هَذَا سُؤال لَا تلقين
الثَّانِي صَرِيح الدَّعْوَى فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَقُول لي على فلَان كَذَا مَا لم يقل إِنِّي الْآن مطَالب بِهِ فَلَو قَالَ لي عَلَيْهِ كَذَا وَيلْزمهُ التَّسْلِيم إِلَيّ فَهَذَا فِيهِ تردد لِأَنَّهُ لم يذكر
стр. 3375
الطّلب وَالدّين لَازم قبل الطّلب فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِطَلَب
الثَّالِث أَن يكون مَعَه بَيِّنَة وَيَدعِي جحود الْغَائِب إِذْ لَا معنى للدعوى على الْغَائِب من غير بَيِّنَة وَلَا تسمع الْبَيِّنَة من غير جحود وَمِنْهُم من قَالَ لَا يشْتَرط ذكر الْجُحُود لِأَنَّهُ من أَيْن يعلم جحوده فِي الْغَيْبَة وَكَيف يعول على مُجَرّد قَوْله بل تجْعَل الْغَيْبَة كالسكوت وَالْبَيِّنَة تسمع على السَّاكِت فَلَو قَالَ هُوَ يعْتَرف وَإِنَّمَا أقيم الْبَيِّنَة استظهارا لم تسمع وَلَا خلاف أَنه لَو اشْترى شَيْئا فَخرج مُسْتَحقّا وَالْبَائِع غَائِب سَمِعت بَينته وَإِن لم يذكر الْجُحُود لِأَن تقدم البيع مِنْهُ كالجحود
الرُّكْن الثَّانِي الشُّهُود وَلَا بُد أَن يستقصي القَاضِي الْبَحْث وَلَا يخْتَلف ذَلِك عندنَا بالحضور والغيبة فَإِن الْبَحْث حق الله تَعَالَى
الرُّكْن الثَّالِث الْمُدَّعِي وَحكمه لَا يخْتَلف إِلَّا فِي دَعْوَى الْجُحُود وإحضار الْبَيِّنَة وَأمر ثَالِث وَهُوَ أَن القَاضِي يحلفهُ أَنه مَا أَبْرَأ عَنهُ وَلَا عَن شَيْء مِنْهُ وَلَا اعتضاض عَنهُ وَلَا عَن شَيْء مِنْهُ وَلَا اسْتَوْفَاهُ وَلَا شَيْئا مِنْهُ وَأَنه يلْزمه التَّسْلِيم إِلَيْهِ وَأَن الشُّهُود صدقُوا
ثمَّ هَذِه الْيَمين وَاجِبَة إِن كَانَت الدَّعْوَى على صبي أَو مَجْنُون أَو ميت فَإِن كَانَ على حَيّ عَاقل بَالغ فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنه لَا يجب بل يحكم ثمَّ لَا ينحسم بَاب دَعْوَى الْإِبْرَاء والتوفية كَمَا على الْحَاضِر
وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ الْحَاضِر يُبَادر الدَّعْوَى والتسليط من غير استقصاء مِنْهُ محَال
ثمَّ على هَذَا لَا يجب التَّعَرُّض لصدق الشُّهُود وَإِنَّمَا يجب فِيمَن يحلف مَعَ شَاهد وَاحِد وَأما إِذا كملت الْبَيِّنَة فَلَا هَذَا إِذا ادّعى بِنَفسِهِ فَإِن ادّعى وَكيله وَهُوَ غَائِب فَلَا بُد
стр. 3376
من تَسْلِيم الْحق بل لَو حضر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِإِزَاءِ وَكيل الْمُدَّعِي فأقيمت الْبَيِّنَة عَلَيْهِ فَقَالَ إِن موكلك قد أبرأني فَأُرِيد يَمِينه توقف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فُقَهَاء الْفَرِيقَيْنِ بمرو فِي وَاقعَة فاستدرك الْقفال وَقَالَ يسلم الْحق إِذْ لَو فتح هَذَا الْبَاب تعذر طلب الْحُقُوق الغائبة بالوكلاء
الرُّكْن الرَّابِع فِي إنهاء الحكم إِلَى قَاض آخر وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ أَو الْإِشْهَاد أَو المشافهة
أما مُجَرّد الْكِتَابَة فَلَا يعْتَمد إِذْ لَا تعويل على الْخط وَمُجَرَّد الْإِشْهَاد بعدلين دون الْكتاب كَاف وَإِن كتب فَهُوَ تذكرة للشاهدين وَلَا يعْتَمد حَتَّى لَو ضَاعَ لم يضر وَلَو شَهدا بِخِلَاف مَا فِي الْكتاب سمع لِأَن الإعتماد عل الْعلم وَيحصل علمهما بِأَن يجْرِي القَاضِي الْقَضَاء بَين يديهما ويشهدهما عَلَيْهِ وَلَا يَكْتَفِي أَن يسلم إِلَيْهِمَا الْكتاب وَيَقُول أشهد كَمَا أَن هَذَا خطي فَإِن قَالَ أشهد كَمَا أَن مَضْمُون الْكتاب قضائي قَالَ الْإِصْطَخْرِي يَكْفِي ذَلِك لِأَن هَذَا إِقْرَار بِمَجْهُول يُمكن مَعْرفَته وَقَالَ الْأَصْحَاب لَا يَكْفِي حَتَّى يذكر تَفْصِيل قَضَائِهِ للشاهدين وَيقرب من هَذَا مَا لَو سلم الْمقر القبالة إِلَى الشَّاهِد وَقَالَ أشهدك على مَا فِيهِ وَأَنا عَالم بِهِ وَلَعَلَّ الْأَصَح أَن هَذَا يَكْفِي لِأَنَّهُ مقرّ على نَفسه بِمَا لَا يتَعَلَّق بِحَق غَيره وَالْإِقْرَار بِالْمَجْهُولِ صَحِيح وَأما القَاضِي فمقر على نَفسه لَكِن بِمَا يرجع ضَرَره على غَيره فالإحتياط فِيهِ أهم
стр. 3377
ثمَّ الأولى أَن يكْتب الْكتاب مَعَ الشُّهُود للتذكرة ويختمه وَيسلم إِلَيْهِمَا نُسْخَة غير مختومة للمطالعة وَيكْتب فِي الْكتاب اسْم الْخَصْمَيْنِ وَاسم أَبِيهِمَا وجدهما وحليتهما ومسكنهما إِلَى حَيْثُ يحصل التَّمْيِيز فَهُوَ الْمَقْصُود وَيذكر قدر المَال وتاريخ الدَّعْوَى وَيَقُول قَامَت عِنْدِي بذلك بَيِّنَة عادلة وحلفته مَعَ الْبَيِّنَة وَالْتمس مني الْقَضَاء والكتبة إِلَيْك لتستوفي فأجبته إِلَى ذَلِك وأشهدت عَلَيْهِ فلَانا وَفُلَانًا
وَلَا فَائِدَة فِي ذكر عَدَالَة شَاهِدي الْكتاب فَإِنَّهُ لَا تثبت عدالتهما بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا بِمُجَرَّد الْكتاب وهما يَشْهَدَانِ على الْكتاب بل يَنْبَغِي أَن تظهر عدالتهما للْقَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بطرِيق آخر فَإِن قيل إِذا لم يبْق إِلَّا اسْتِيفَاء الْحق فَلم لَا يُكَاتب واليا غير القَاضِي حَتَّى يَسْتَوْفِي قُلْنَا لِأَن الْكتاب لَا يثبت عِنْد الْوَالِي إِلَّا بِشَهَادَة الشُّهُود ومنصب سَماع الشَّهَادَة يخْتَص بالقضاة فَإِن شافه الْوَالِي جَازَ لَهُ الإستيفاء فِي بَلْدَة هِيَ من ولَايَة القَاضِي فَإِن كَانَت خَارِجَة عَن ولَايَته فَفِي وجوب اسْتِيفَائه نظر لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُ على تِلْكَ الْبقْعَة وَلَكِن الصَّحِيح وُجُوبه لِأَن سَماع الْوَالِي بالمشافهة كسماع قَاض آخر شَهَادَة الشُّهُود
أما المشافهة فَهِيَ أقوى لَكِن بِشَرْط أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَحل ولَايَته بِأَن يَكُونَا قاضيي بَلْدَة وَاحِدَة على الْعُمُوم أَو شقي بَلْدَة فيناديا فِي الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا يَكْفِي ذَلِك إِذا
стр. 3378
قَالَ قضيت فاستوف
أما إِذا قَالَ سَمِعت الْبَيِّنَة فاحكم فَلَا فَائِدَة لَهُ فِي خبْرَة الْبَيِّنَة لِأَن قَوْله فرع عَن الشُّهُود وَإِنَّمَا يُفِيد عِنْد الْعَجز عَنْهُم بِالْمَوْتِ أَو الْغَيْبَة هَذَا هُوَ الْأَظْهر وَفِيه وَجه سَيَأْتِي
أما إِذا اجْتمعَا فِي أحد الشقين فَقَالَ لَهُ صَاحب الْولَايَة إِذا رجعت إِلَى شقك فاستوف فَإِنِّي قد قضيت فَإِذا رَجَعَ جَازَ لَهُ الإستيفاء إِن جَوَّزنَا الْقَضَاء بِالْعلمِ لِأَنَّهُ علم حصل فِي غير مَحل ولَايَته وَإِن لم نجوز فقد أطلق بعض الْأَصْحَاب جَوَازه وَقَالَ الإِمَام لَا يجوز بل هُوَ كسماعه الشَّهَادَة فِي غير مَحل ولَايَته لِأَنَّهُ سمع حَيْثُ لم يكن أَهلا للسماع فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ لَهُ سَمِعت الْبَيِّنَة وَلم يبْق إِلَّا الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا خلاف أَنه لَا يقْضِي إِذا رَجَعَ إِلَى شقَّه إِذْ قَول القَاضِي فرع لشهادة الشُّهُود فسماعه لَا يزِيد على سَماع الشَّهَادَة وَهَذَا يلْزمه أَن يَقُول الْوَالِي الَّذِي لَيْسَ بقاض لَا يَسْتَوْفِي لِأَن كَونه قَاضِيا لَا يُخرجهُ عَن كَونه واليا لَكِن يُمكن أَن يُجَاب بِأَن الْوَالِي لَا يقْضِي إِلَّا بِعِلْمِهِ ومستند علمه قَوْله قضيت فَكَذَلِك يجوز أَيْضا للْقَاضِي إِذا قُلْنَا إِنَّه يقْضِي بِعِلْمِهِ
أما إِذا قَالَ فِي غير مَحل ولَايَته لقاض آخر قضيت فِي ولايتي فاحكم أَو استوف فَلَا خلاف أَنه لَا يسمع إِذْ لَا حجَّة فِي قَوْله إِلَّا فِي مَحل ولَايَته
стр. 3379
فروع
الأول إِذا كتب إِلَى قَاض فَمَاتَ الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ جَازَ لكل من شهد عِنْده الشُّهُود من الْقُضَاة الحكم بِهِ لِأَن الْحجَّة فِي حكمه لَا فِي كِتَابه وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يجوز ذَلِك إِلَّا إِذا كتب إِلَى فلَان وَإِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من الْقُضَاة وَكَأَنَّهُ يَجْعَل ذَلِك تفويضا
الثَّانِي إِذا قضى القَاضِي وَاقْتصر على قَوْله حكمت على أَحْمد بن مُحَمَّد فاعترف رجل فِي تِلْكَ الْبَلدة بِأَنَّهُ أَحْمد بن مُحَمَّد وَأَنه المعني بِالْكتاب وَأنكر الْحق فَلَا يلْزمه شَيْء لِأَن الحكم فِي نَفسه بَاطِل لِأَنَّهُ على مُتَّهم غير معِين لَا بِالْإِشَارَةِ وَلَا بِوَصْف مستقص كَامِل فَلَا يتم الحكم باعترافه بِأَنَّهُ المعني إِلَّا أَن يقر بِالْحَقِّ فَيُؤْخَذ الْحق بِإِقْرَارِهِ
أما إِذا استقصى فَذكر اسْم أَبِيه وجده وحليته ومسكنه ومحلته وأتى بالممكن فإمكان اشتراكه فِي جملَة هَذِه الصِّفَات على الندور لَا ينقدح فَإِن قَالَ الْمَأْخُوذ لست مُسَمّى بِهَذَا الإسم فعلى الْخصم إِن نقم بَيِّنَة على الإسم وَالنّسب فَإِن عجز حلفه فَإِن حلف انْصَرف عَنهُ الْقَضَاء وَإِن نكل توجه الْحق بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة
فَلَو أَخذ يحلف على أَن الْحق لَا يلْزمه وَلَيْسَ يحلف على نفي الإسم فَلَا يسمع بِخِلَاف من ادعِي عَلَيْهِ قرض فَلم يُنكر وَلَكِن قَالَ لَا يلْزَمنِي تَسْلِيم شَيْء يقبل لِأَنَّهُ رُبمَا أخد ورد وَلَو اعْترف لطولب بِالْبَيِّنَةِ لِأَن مُجَرّد الدَّعْوَى لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ وَهَاهُنَا قد قَامَت الْبَيِّنَة على الإسم وَتوجه الْحق إِن ثَبت الإسم وَقَالَ الصيدلاني يقبل ذَلِك مِنْهُ كتلك الْمَسْأَلَة وَهُوَ ضَعِيف وَالْفرق أظهر
стр. 3380
وَأما إِذا قَالَ أَنا مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات وَلَكِن فِي الْبَلَد من يساويني فَإِذا أظهر ذَلِك وَلَو مَيتا انْصَرف الْقَضَاء عَنهُ وَهَذَا كُله إِذا قضى القَاضِي بِالْبَيِّنَةِ وَلم يبْق لَهُ إِلَّا الإستيفاء أما إِذا سمع الْبَيِّنَة وَكتب إِلَى قَاض آخر بِسَمَاع الْبَيِّنَة فَهَذَا جَائِز بالإتفاق وساعد عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة ﵀ وَفِيه إِشْكَال لِأَنَّهُ إِن كَانَ تحملا كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة فَلَا يَكْتَفِي بِوَاحِد وَإِن كَانَ قَضَاء بِقِيَام الْبَيِّنَة وسماعها حَتَّى ينزل سَمَاعه منزلَة سَماع القَاضِي الثَّانِي فَلم يجب ذكر الشُّهُود فِي الْكتاب وصفتهم وَلَا يجب ذكر شُهُود الْوَاقِعَة إِذا تمم القَاضِي وَكَأن هَذَا قَضَاء مشوب بِالنَّقْلِ والأغلب عَلَيْهِ أَنه قَضَاء بأَدَاء الشَّهَادَة حَتَّى يقوم سَمَاعه مقَام سَماع الآخر وَلَكِن وَجب ذكر الشُّهُود لِأَن الآخر إِنَّمَا يقْضِي بقَوْلهمْ والمذاهب فِي الْحجَج مُخْتَلفَة فَرُبمَا لَا يرى القَاضِي الْقَضَاء بقَوْلهمْ
ثمَّ لَا خلاف أَنه لَو سمع وَلم يعدل وفوض التَّعْدِيل إِلَى الآخر جَازَ وَإِن كَانَ الأولى أَن يعدل لِأَن أهل بلدهم أعرف بهم وَلَو عدل القَاضِي وَأشْهد على التَّعْدِيل شُهُود الْكتاب جَازَ ذَلِك ثمَّ إِن ادّعى الْخصم جرحا فلظهر شَاهِدين عَدْلَيْنِ فَيقدم بَيِّنَة الْجرْح على التَّعْدِيل الَّذِي فِي الْكتاب فَإِن استمهل أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن قَالَ لَا أتمكن مِنْهُ إِلَّا فِي بلد الشُّهُود لم يُمْهل لِأَن ذَلِك يطول وَيصير ذَلِك ذَرِيعَة لَكِن يسلم المَال ثمَّ إِن أثبت الْجرْح اسْتردَّ قولا وَاحِدًا وَلم يخرج على مَا لَو كَانَ الْخصم حَاضرا وَأظْهر الْجرْح بعد الحكم فَإِن فِي نقض الْقَضَاء بِهِ قَوْلَيْنِ لِأَن الْحَاضِر مقصر وَهُوَ مَعْذُور
الثَّالِث لَو كَانَ للبلد قاضيان وجوزناه فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر سَمِعت الْبَيِّنَة فَاقْض فَلهُ ذَلِك إِن قُلْنَا الْغَالِب عَلَيْهِ الْقَضَاء وكأنهما تعاونا على حكم وَاحِد وَإِن قُلْنَا الْغَالِب النَّقْل لم يجز ذَلِك مَعَ حُضُور الشُّهُود فَإِن القَاضِي كالفرع للشُّهُود
стр. 3381
الرُّكْن الْخَامِس فِي الْمَحْكُوم بِهِ
وَذَلِكَ إِن كَانَ دينا أَو عقارا يُمكن تحديده فَهُوَ سهل وَإِن كَانَ عينا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن تَعْرِيفه بِالصّفةِ كالفرس وَالْجَارِيَة وَالْعَبْد أَو يكثر أَمْثَالهَا كالأمتعة والكرباس مثلا أما العَبْد وَأَمْثَاله فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه لَا ترتبط الدَّعْوَى وَالْقَضَاء بِعَيْنِه بل بِقِيمَتِه كالكرباس لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ عرف بِالنّسَبِ وتعريف العَبْد وَالْفرس غير مُمكن
وَالثَّانِي أَنه يجوز أَن يقْضِي على عينه كالمحكوم عَلَيْهِ إِذا كَانَ خاملا
وَالثَّالِث أَنه يسمع الْبَيِّنَة على عينه وَلَا يقْضِي لِأَن إبراهم الحكم مَعَ هَذِه الْجَهَالَة صَعب
التَّفْرِيع إِن قُلْنَا إِنَّه يتَعَلَّق بِعَيْنِه فالمدعى عَلَيْهِ إِذا عين عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلدة عبد فَيصْرف الْقَضَاء عَنهُ بِأَن يظْهر فِي الْبَلَد عبد آخر بِتِلْكَ الصّفة إِمَّا من ملكه أَو ملك غَيره فَإِن أظهر من ملكه لم يلْزمه تَسْلِيم أَحدهمَا بل صَار الْقَضَاء بَاطِلا لكَونه مُبْهما وَإِن لم يبين لزمَه تَسْلِيم العَبْد الْمَوْصُوف
وَإِن قُلْنَا إِنَّه يسمع الْبَيِّنَة فَقَط ففائدة الْمُدَّعِي أَن يُطَالب بِتَسْلِيم العَبْد إِلَيْهِ حَتَّى يُعينهُ
стр. 3382
الشُّهُود فِي بَلَده ثمَّ فِي الإحتياط لملكه قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه يلْزم الْمُدَّعِي كَفِيلا بِالْبدنِ
وَالثَّانِي أَن الْكفَالَة بِالْبدنِ ضَعِيف فَلَا يلْزمه بل يلْزمه أَن يَشْتَرِي ويتكفل بِالْمَالِ ضَامِن حَتَّى إِن تلف تلف من ضَمَانه وَإِن ثَبت ملكه فِيهِ بَان بطلَان الشِّرَاء وَيحْتَمل هَذَا الْوَقْف للْحَاجة وَذكر الفوراني أَنه يلْزمه تَسْلِيم الْقيمَة إِلَيْهِ للْحَيْلُولَة فِي الْحَال من غير بَيِّنَة فَإِن ثَبت ملكه اسْتردَّ الْقيمَة وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ إِذْ كَفَالَة الْبدن ضَعِيفَة الْفَائِدَة وَالْبيع رُبمَا لَا يرضى بِهِ صَاحب الْيَد
هَذَا فِي العَبْد أما الْجَارِيَة فتسلم إِلَى أَمِين لِأَن حفظ الْفروج وَاجِب وَمن يَدعِي الْملك لَا يمْتَنع من الْمُبَاشرَة وَإِن قُلْنَا إِنَّه كالكرباس فَلَا ترتبط الدَّعْوَى بِعَيْنِه بل ترتبط بِالْقيمَةِ فيذكر كرباسا أَو عبدا قِيمَته عشرَة مثلا وَلَا بَأْس بِذكر صِفَات الْعين وَلَا يجب كَمَا أَنه لَا بَأْس بِذكر قيمَة الْعقار وَقِيمَة العَبْد على قَوْلنَا تتَعَلَّق بِعَيْنِه وَلَكِن لَا يجب على الظَّاهِر
أما إِذا كَانَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ حَاضرا وَالْعَبْد والكرباس حاضرين وَلَكِن لم يحضرهُ مجْلِس الحكم فهاهنا يفْتَرق الكرباس وَالْعَبْد إِذْ الْمُنكر لَا يلْزمه إِحْضَار الكرباس لِأَنَّهُ يتماثل وَإِن أحضر وَأما العَبْد فَيحكم القَاضِي بِهِ وَإِن كَانَ غَائِبا إِذا عرفه القَاضِي بِعَيْنِه وَإِن لم يعرفهُ فَلَا بُد من إِحْضَاره للتعيين وَيجب ذَلِك على الْمُدعى عَلَيْهِ إِن اعْترف بِأَن فِي يَده عبدا هَذَا صفته وَإِن لم يعْتَرف حلف على أَنه لَيْسَ فِي يَده مثل هَذَا العَبْد فَإِن نكل فَحلف الْمُدَّعِي أَو أَقَامَ بَيِّنَة على أَن فِي يَده مثله حبس الْمُدعى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر ويتأبد عَلَيْهِ الْحَبْس وَلَا يتَخَلَّص إِلَّا بالإحضار أَو بِدَعْوَى التّلف فَعِنْدَ ذَلِك يقبل قَوْله للضَّرُورَة ويقنع بِالْقيمَةِ ثمَّ إِن حضر فعلى الشُّهُود على الْوَصْف إِعَادَة الشَّهَادَة على الْعين
فَإِن علم الْمُدَّعِي حَيْثُ لَا بَينه لَهُ أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يُبَالِي بِالْحلف عل أَنه لَيْسَ فِي يَده فطريق الْجَزْم لَهُ أَن يصرف الدَّعْوَى إِلَى الْقيمَة وَيثبت الْمَالِيَّة بِالشَّهَادَةِ على الْوَصْف مهما لم يطْلب الْعين فَلَو قَالَ أَدعِي عبدا صفته كَذَا وَقِيمَته كَذَا فإمَّا أَن يرد الْعين أَو الْقيمَة فَهَذِهِ دَعْوَى غير مجزومة فَفِي سماعهَا وَجْهَان وَلَكِن اتّفق الْقُضَاة على سماعهَا للْحَاجة اصْطِلَاحا
فرع إِذا حضر العَبْد الْغَائِب وَلم يثبت ملك الْمُدَّعِي فعلى الْمُدَّعِي مئونة الْإِحْضَار
стр. 3383
ومئونة الرَّد إِلَى مَكَانَهُ هَذَا مَا ذكره الْأَصْحَاب وَلم يتَعَرَّضُوا لأجرة منفعَته الَّتِي تعطلت وَلَا لمَنْفَعَة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ إِذا تعطل بالحضور وَكَأن ذَلِك احتملوه لمصْلحَة الإيالة وَجعل ذَلِك وَاجِبا لإجابة القَاضِي فَلم يلْزمه بَدَلا أما مُؤنَة إِحْضَار العَبْد فَلم تحْتَمل
الرُّكْن السَّادِس الْمَحْكُوم عَلَيْهِ
وَشَرطه أَن يكون غَائِبا فَإِن كَانَ فِي الْبَلَد فَفِي جَوَاز سَماع الْبَيِّنَة قبل استحضاره وَجْهَان أَحدهمَا تسمع إِذْ إِنْكَاره غير مَشْرُوط وَإِنَّمَا الشَّرْط عدم إِقْرَاره وَهُوَ مَعْدُوم فِي الْحَال
وَالثَّانِي أَنه لَا يجوز لِأَن إِقْرَاره متوقع على قرب وسلوك أقرب الطّرق وَاجِب فِي الْقَضَاء
فَإِن قُلْنَا تسمع فَالْمَذْهَب أَنه لَا يقْضِي إِلَّا فِي حُضُوره فَلَعَلَّهُ يجد مطعنا ودفعا بِخِلَاف الْغَائِب فَإِن انْتِظَاره يطول وَفِيه وَجه بعيد أَنه يقْضِي كالغائب
أما إِذا حضر فَفِي جَوَاز سَماع الْبَيِّنَة من دون مُرَاجعَة الْخصم وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالْمَنْعِ وَوجه الْجَوَاز أَنه قَادر على الدّفع وَالْكَلَام فَلْيَتَكَلَّمْ إِن أَرَادَ
أما إِذا توارى وَتعذر فَالْمَذْهَب أَنه يقْضِي عَلَيْهِ كالغائب وَذكر القَاضِي وَجها أَن الْمَنْع لَا يَجْعَل كالعجز كَمَا أَن منع الْمهْر وَالثمن لَا يلْحق بالإفلاس على وَجه واختتام الْبَاب بتنبيهات
الأول أَن فِي قبُول كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِي الْحُدُود قَوْلَيْنِ وَفِي الْقصاص قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْقبُولِ
стр. 3384
الثَّانِي أَن حد الْغَيْبَة مَا فَوق مَسَافَة الْعَدْوى وَهُوَ أَن يعدو من بَيته فَلَا يرجع إِلَيْهِ مسَاء فَإِن أمكن ذَلِك فَهُوَ كالحاضر فَيجب عَلَيْهِ إِجَابَة القَاضِي إِذا دَعَاهُ وَإِن دَعَاهُ صَاحب الْحق لم يجب الْحُضُور بل الْوَاجِب هُوَ الْحق إِن كَانَ صَادِقا وَإِلَّا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجب الْحُضُور طَاعَة للْقَاضِي لأجل الْمصلحَة
الثَّالِث أَنه إِن لم يكن على مَسَافَة الْعَدْوى حَاكم فَيجوز للْقَاضِي إِحْضَاره وَلَكِن بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة إِذْ تَكْلِيفه ذَلِك من غير حجَّة إِضْرَار وَلِهَذَا يجب على القَاضِي أَن لَا يخلي مثل هَذِه الْمسَافَة من حَاكم
الرَّابِع إِذا كَانَ للْغَائِب مَال فِي الْبَلَد وَجب على القَاضِي التوفية وَهل يُطَالب الْمُدَّعِي بكفيل فَرُبمَا توقع استدارك فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا إِذْ كل حكم يُمكن فِيهِ الإستدراك وَقد تمّ الحكم فِي الْحَال
وَالثَّانِي نعم لِأَن الْخصم غَائِب والإستدراك غَالب
الْخَامِس إِذا عزل القَاضِي بعد سَماع الْبَيِّنَة ثمَّ ولي يلْزمه استعادة الْبَيِّنَة إِذْ بَطل بِالْعَزْلِ سَمَاعه السَّابِق وَإِن خرج عَن مَحل ولَايَته ثمَّ رَجَعَ فَفِي الإستعادة وَجْهَان
السَّادِس المخدرة لَا تحضر مجْلِس القَاضِي لِأَن ضَرَر إبِْطَال الخدر أعظم من ضَرَر الْمَرَض بل يحضر القَاضِي أَو مَأْذُون من جِهَته فَكل من لَا تخرج أصلا إِلَّا لضَرُورَة مرهقة فَهِيَ مخدرة أما من لَا تخرج إِلَى العزايا والزيارات إِلَّا نَادرا قَالَ القَاضِي هِيَ أَيْضا مخدرة وَقيل بل هِيَ الَّتِي لَا تخرج إِلَّا لضَرُورَة وَقيل بل هِيَ الَّتِي لَا تصير مبتذلة بِكَثْرَة الْخُرُوج وَإِن كَانَت تخرج على الْجُمْلَة وَقَالَ الْقفال يجب إِحْضَار المخدرة لِأَن الْحُضُور بِهَذَا الْعذر لَا
стр. 3385
يبطل التخدر وَخَالفهُ جَمِيع الْأَصْحَاب فِيهِ
السَّابِع للْقَاضِي أَن يتَصَرَّف فِي مَال حَاضر ليتيم خَارج عَن مَحل ولَايَته إِذا أشرف على الْهَلَاك كَمَا يتَصَرَّف فِي مَال كل غَائِب وَلَكِن هَل لَهُ نصب قيم للتَّصَرُّف فِيهِ تردد القَاضِي فِيهِ وَلم يبت جَوَابا فَإِنَّهُ نصب على الْيَتِيم وَفِي المَال أَيْضا
فَإِذا كَانَ الْيَتِيم فِي ولَايَته وَمَاله فِي ولَايَة أُخْرَى رُبمَا أدّى إِلَى أَن ينصب كل وَاحِد من القاضيين قيمًا وَلَعَلَّ الأولى أَن يُلَاحظ مَكَان الْيَتِيم لَا مَكَان المَال
وَأما إِذا زوج امْرَأَة خَارِجَة عَن مَحل ولَايَته من غَائِب خَارج عَن مَحل ولَايَته بِرِضَاهَا فَهَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يَصح وَلَا يَكْفِي حُضُور الزَّوْج إِذْ لَا تعلق للولاية بِهِ بل حُضُور الْمَرْأَة مُعْتَبر لِأَنَّهُ ولي عَلَيْهَا بِخِلَاف المَال وَلَيْسَ ذَلِك كَمَا لَو حكم فِي مَحل ولَايَته على غَائِب خَارج عَن مَحل ولَايَته إِذْ الْمُدَّعِي حَاضر وَالْولَايَة مُتَعَلقَة بِهِ
стр. 3386
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِي القسام وأجرته
وَلَا يَنْبَغِي أَن يخلي الْحَاكِم النواحي عَن القسام لمسيس الْحَاجة إِلَيْهِ وَليكن لَهُم رزق من بَيت المَال وَكَذَا القَاضِي والمزكي أما الشَّاهِد فَلَا يعْطى كَيْلا يتهم مَعَ أَن الشُّهُود لَا ينحصرون
وَإِن لم يكن لَهُم رزق فَلَا يَنْبَغِي أَن يعين الْحَاكِم وَاحِدًا فيحسم على النَّاس اسْتِئْجَار غَيره وَفِي اشْتِرَاط الْعدَد فِي القسام قَولَانِ مأخذهما أَن منصبه منصب الْحَاكِم أَو الشَّاهِد
وَإِن نصب حَاكما للتقويم أَو للتزكية أَو للْقِسْمَة فَيثبت عِنْدهم بِشَاهِدين ثمَّ القَاضِي يعول على قَوْلهم على الإنفراد وَلَا يجوز أَن ينصب حَاكما ليحكم بالتقويم بِاجْتِهَادِهِ أَو ليزكي بِنَظَر نَفسه وَإِن فرعنا على أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ نعم للْقَاضِي أَن يعْتَمد على مَا يعرفهُ من
стр. 3387
عَدَالَة الشَّاهِد على رَأْي وَهل لَهُ أَن يَكْتَفِي ببصيرة نَفسه فِي التَّقْوِيم مِنْهُم من قطع بِالْمَنْعِ لِأَنَّهُ تخمين وَمِنْهُم من خرج على الْقَوْلَيْنِ
ثمَّ أُجْرَة القسام عِنْد تفَاوت الحصص تقسم على الرُّءُوس أَو على عدد قدر الحصص فِيهِ قَولَانِ كَمَا فِي الشُّفْعَة وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ على قدر الحصص لِأَن الْعَمَل فِي الْكثير بالمساحة أَكثر لَا محَالة
هَذَا إِذا أطلق الشُّرَكَاء العقد فَأَما إِذا انْفَرد كل وَاحِد بِذكر نصِيبه أتبع ذَلِك وَلَكِن لَيْسَ لوَاحِد أَن ينْفَرد بالإستئجار دون إِذن الشَّرِيك لِأَن تردده فِي الْملك الْمُشْتَرك مَمْنُوع دون الْإِذْن فَيكون الْعَمَل مَمْنُوعًا وَالْإِجَارَة فَاسِدَة بل يعْقد كل وَاحِد بِإِذن الآخرين أَو الْوَكِيل بِإِذن جَمِيعهم
فرع إِذا كَانَ أحد الشَّرِيكَيْنِ طفْلا وَطلب الْقيم الْقِسْمَة حَيْثُ لَا غِبْطَة رد القَاضِي عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهِ غِبْطَة فَعَلَيهِ حِصَّة من الْأُجْرَة
وَإِن طلب الشَّرِيك حَيْثُ لَا غِبْطَة فَفِي لُزُوم أُجْرَة لنصيب الطِّفْل وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه يجب إِذا لَزِمت الْإِجَابَة كَمَا فِي الْبَالِغ وَالْأُجْرَة تتبع لُزُوم الْقِسْمَة
стр. 3388
الْفَصْل الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْقِسْمَة
فَإِن جرت فِي ذَوَات الْأَمْثَال جَازَت التَّسْوِيَة بِالْوَزْنِ والكيل وَكَذَا فِي الربويات إِن قُلْنَا إِنَّهَا إِفْرَاز حق وَإِن قُلْنَا إِنَّهَا بيع فَلَا يجوز فِي الْمكيل إِلَّا الْكَيْل فَإِن كَانَت فِي عَرصَة مُتَسَاوِيَة الْأَجْزَاء فالتسوية بالمساحة وتقسم الحصص وَتَكون الْأَجْزَاء على حسب أقل الحصص
بَيَانه عَرصَة لوَاحِد نصفهَا ولواحد ثلثهَا ولواحد سدسها فتجعل الأَرْض سِتَّة أَجزَاء مُتَسَاوِيَة بالمساحة وَإِن افْتقر إِلَى التَّعْدِيل بِالْقيمَةِ عدل كَذَلِك ثمَّ يكْتب أَسمَاء الْملاك على ثَلَاثَة رقاع لأَنهم ثَلَاثَة ويدرجها فِي بَنَادِق من شمع أَو طين مُتَسَاوِيَة وتسلم إِلَى من لم يشْهد ذَلِك حَتَّى يخرج وَاحِدًا وَيقف القسام على الطّرف فَإِن خرج اسْم صَاحب النّصْف أعطَاهُ الْجُزْء الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث على الإتصال حَتَّى لَا يتفرق نصِيبه ثمَّ يخرج الآخر فَإِن خرج اسْم صَاحب الثُّلُث أعطَاهُ الرَّابِع وَالْخَامِس وَيتَعَيَّن السَّادِس لصَاحب السُّدس
وَإِن خرج اسْم صَاحب السُّدس أعطَاهُ الرَّابِع وَتعين الْبَاقِي لصَاحب الثُّلُث وَتعين مَا مِنْهُ ابْتِدَاء التَّسْلِيم إِلَى تحكم القسام فيقف على أَي طرف شَاءَ
وَقد نَص الشَّافِعِي ﵁ فِيمَن أعتق عبيدا لَا يملك غَيرهم أَنه يكْتب على الرقعة الْحُرِّيَّة وَالرّق لَا اسْم العبيد وَالْوَرَثَة وَهَا هُنَا لم يكْتب الثُّلُث وَالسُّدُس وَالنّصف فَمنهمْ من قَالَ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَمِنْهُم من فرق بِأَن مُسْتَحقّ الْحُرِّيَّة هُوَ الله تَعَالَى دون العبيد فَيكْتب الْحُرِّيَّة ليندفع عَنْهَا الْوَرَثَة وَبَقِيَّة العبيد
وعَلى الْجُمْلَة هَذَا فِي الإستحباب إِذْ يجوز كتبة الْأَجْزَاء هَا هُنَا وكتبة الْأَسْمَاء ثمَّ
стр. 3389
وَالْغَرَض يحصل فَإِن قُلْنَا يكْتب أَسمَاء الْملاك فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يكْتب باسم صَاحب النّصْف ثَلَاث رقاع وباسم صَاحب الثُّلُث اثْنَتَيْنِ لِأَن صَاحب الْكثير أولى بِاسْتِحْقَاق الطّرف وَفِي تَكْثِير اسْمه مَا يُوجب التَّقْدِيم إِذْ الْغَالِب أَنه يسْبق وَاحِد من ثَلَاثَة وَالصَّحِيح أَنه لَا حق لَهُ إِلَّا فِي الْكَثْرَة فَيَكْفِي ثَلَاث رقاع
فرعان
الأول إِذا اسْتحق الْمَتَاع الْوَاقِع فِي حِصَّة أَحدهمَا أَو بعضه انتقضت الْقِسْمَة فَإِن اسْتحق عينا من يَد وَاحِد وَاسْتحق مثلهَا فِي الْقِسْمَة من يَد الآخر لم تبطل الْقِسْمَة وَفِيه وَجه أَنه تسْتَأْنف الْقِسْمَة ويلتفت على تَفْرِيق الصَّفْقَة وَإِن كَانَ المَال أَرضًا قسم بَينهمَا وَاسْتحق ثلث الْكل فقد بطلت الْقِسْمَة فِي ذَلِك الْقدر وَالْبَاقِي يخرج على تَفْرِيق الصَّفْقَة وَالأَصَح أَنه لَا ينْتَقض
أما إِذا ظهر دين أَو وَصِيَّة بعد الْقِسْمَة فَإِن قُلْنَا إِنَّهَا إِفْرَاز فالقسمة تبقى على الصِّحَّة إِن وفوا الدّين وَإِن قُلْنَا إِنَّهَا بيع فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا الْبطلَان لِأَن الدّين إِمَّا أَن يمْنَع الْملك أَو يَجْعَل التَّرِكَة مَرْهُونَة
وَالثَّانِي أَنه يَصح بل التَّرِكَة كَالْعَبْدِ الْجَانِي فَينفذ بَيْعه إِلَّا أَن لَا يُوفي الدّين
الْفَرْع الثَّانِي إِذا ادّعى بعض الشُّرَكَاء غَلطا فِي الْقِسْمَة على قسام القَاضِي لم يكن لَهُ تَحْلِيفه لِأَنَّهُ حَاكم لَكِن لم تنقض الْقِسْمَة إِن أَقَامَ بَيِّنَة وَإِلَّا فَلهُ أَن يحلف شركاءه فَإِن حلف بَعضهم وَنكل بَعضهم فتفيد الْيَمين الْمَرْدُودَة نقض الْقِسْمَة فِي حق الناكلين دون الحالفين
стр. 3390
هَذَا فِي قسْمَة القَاضِي بالإجبار أما إِذا كَانَ القسام مَنْصُوب الشُّرَكَاء بِالتَّرَاضِي أَو توَلّوا الْقِسْمَة بِأَنْفسِهِم فظهور الْغَلَط بعد تَمام الْقِسْمَة هَل يُوجب نقضهَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا تنقض لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ فَصَارَ كَمَا إِذا اشْترى بِغَبن وَهَذَا يتَّجه على قَوْلنَا إِنَّهَا بيع فَإِن جعلناها إِفْرَاز حق فَلَا يُمكن ذَلِك مَعَ التَّفَاوُت وَكَذَا إِن جَعَلْنَاهُ بيعا وَلم يجر لفظ البيع أَو مَا يقوم مقَامه
стр. 3391
الْفَصْل الثَّالِث فِي الْإِجْبَار
وَالْقِسْمَة ثَلَاثَة قسْمَة إِفْرَاز أَو تَعْدِيل أَو رد
أما قسْمَة الْإِفْرَاز فَهُوَ أَن يكون الشَّيْء متساوي الْأَجْزَاء كَالثَّوْبِ الْوَاحِد والعرصة المتساوية أَو المكيلات والموزونات فَيجْبر على هَذِه الْقِسْمَة من امْتنع قهرا بِشَرْط أَن تبقى الحصص بعد الْقِسْمَة منفعا بهَا الْمَنْفَعَة الَّتِي كَانَت فَلَا يجْبر على قسْمَة الطاحونة وَالْحمام الصَّغِير إِذا لم يُمكن الإنتفاع بِهِ بعده وَفِيه وَجه بعيد أَنه يجْبر إِذا كَانَ يبْقى أصل الإنتفاع وَإِن لم يبْق ذَلِك النَّوْع أما إِذا كَانَ الْحمام كَبِيرا تبقى بِهِ الْمَنْفَعَة عِنْد إِحْدَاث مستوقد آخر وبئر آخر وَمَا يجْرِي مجْرَاه فَفِي الْإِجْبَار تَفْرِيعا على الْمَشْهُور وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه لَا يجْبر لِأَنَّهُ تَعْطِيل إِلَّا بإحداث أَمر جَدِيد
وَالثَّانِي أَنه يجْبر لِأَن إبْقَاء أصل الْمَنْفَعَة بِأَمْر قريب مُمكن
فرع
إِذا ملك من دَار عشرهَا وَالْعشر الْمُفْرد لَا يصلح للمسكن فَالصَّحِيح أَن صَاحبه لَا يُجَاب إِلَى الْقِسْمَة لِأَنَّهُ متعنت وَهل يلْزمه الْإِجَابَة إِذا طلب شَرِيكه لصِحَّة غَرَضه فِيهِ وَجْهَان
стр. 3392
أَحدهمَا نعم لتمييز ملكه
وَالثَّانِي لَا لِأَن فِيهِ تَعْطِيل الْمَنْفَعَة على الشَّرِيك فَكَأَنَّهُ فِي حَقه لَا يقبل الْقِسْمَة
وَإِن قُلْنَا لَا قسْمَة لوَاحِد مِنْهُمَا فَلَا شُفْعَة لوَاحِد مِنْهُمَا إِذا بَاعَ صَاحبه لِأَن الشُّفْعَة لدفع ضَرَر مُؤنَة الْقِسْمَة
أما إِذا كَانَ النّصْف لوَاحِد وَالنّصف الآخر لخمسة فَإِذا بَاعَ الْخَمْسَة النّصْف فَلصَاحِب النّصْف الآخر الشُّفْعَة لِأَن الْخَمْسَة لَو اجْتَمعُوا وطالبوه بِالْقِسْمَةِ أجبر وَإِنَّمَا لَا يجْبر إِذا كَانَ الطَّالِب وَاحِدًا وَفِيه وَجه أَيْضا أَن صَاحب الْعشْر يُجَاب إِذْ يَقُول لي أَن أعطل الْملك على نَفسِي فَلم لَا أجَاب وَهَذَا وَإِن كَانَ غير مَشْهُور فَهُوَ منقاس
الْقِسْمَة الثَّانِيَة قسْمَة التَّعْدِيل
وَهُوَ أَن يخلف الرجل على ثَلَاثَة بَنِينَ ثَلَاثَة عبيد متساوي الْقيمَة فَفِي الْإِجْبَار عَلَيْهِ خلاف مَشْهُور ذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه يجْبر كَمَا فِي الْإِفْرَاز إِذْ لَا ضَرَر فِيهِ وَالثَّانِي أَنه لَا يجْبر إِذْ كل عبد يخْتَص بغرض وَصفَة لَا تُوجد فِي الْبَاقِي فَلَا يَكْفِي تَسَاوِي الْمَالِيَّة مَعَ تفَاوت الْأَغْرَاض وَذَلِكَ غير مَوْجُود فِي الأَرْض وَذَوَات الْأَمْثَال
وَإِن خلف بَين ثَلَاثَة بَنِينَ أَرْبَعَة أعبد قيمَة وَاحِد مائَة وَقِيمَة آخر مائَة وَقِيمَة الْإِثْنَيْنِ
стр. 3393
الآخرين مائَة فَالْخِلَاف هَا هُنَا مُرَتّب وَأولى بِأَن لَا يجْبر لِأَن تفَاوت الْعدَد انْضَمَّ إِلَى تفَاوت الصّفة وَفِي الحمامات والطواحين الَّتِي لَا تقبل الْقِسْمَة وتتساوى قيمتهَا خلاف مُرَتّب وَأولى بِالْمَنْعِ إِذْ الْغَرَض يخْتَلف باخْتلَاف أماكنها اخْتِلَافا ظَاهرا
فَإِن خلف طاحونة وعبدا وحماما متساوي الْقيم فَالْخِلَاف مُرَتّب وَأولى بِالْمَنْعِ
أما إِذا خلف قطعا من الأَرْض متباينة وآحادها يقبل قسْمَة الْإِفْرَاز فَلَا يجْبر على قسْمَة التَّعْدِيل بِالْقيمَةِ لِأَن ذَلِك جوز ضَرُورَة للعجز عَن الْإِفْرَاز وميل نُصُوص الشَّافِعِي ﵁ إِلَى منع الْإِجْبَار فِي هَذِه الْقِسْمَة
فروع
الأول دَار مُخْتَلفَة الجوانب فقسمتها من قسْمَة التَّعْدِيل إِلَّا إِذا كَانَ فِي كل جَانب بِنَاء يماثل الْجَانِب الآخر وَيُمكن قسْمَة الْعَرَصَة فَذَلِك كالأراضي فَإِن احْتِيجَ إِلَى التَّعْدِيل بِالْقيمَةِ مَعَ التَّفَاوُت فَلَا فرق بَينهمَا وَبَين الْأَمْتِعَة
الثَّانِي عَرصَة بَين شَرِيكَيْنِ وَقِيمَة أحد الْجَانِبَيْنِ تزيد لقُرْبه من المَاء حَتَّى يكون الثُّلُث بالمساحة نصفا بِالْقيمَةِ قَالَ الْأَصْحَاب يجْبر على هَذِه الْقِسْمَة وَلم يخرجوه على الْخلاف وَلم يكترثوا بِمثل هَذَا التَّفَاوُت النَّادِر
الثَّالِث قسْمَة اللبنات المتساوية القوالب من قبيل قسْمَة الْإِفْرَاز فَإِن تفاوتت القوالب فَهِيَ من قسْمَة التَّعْدِيل
الْقِسْمَة الثَّالِثَة قسْمَة الرَّد
وَهُوَ أَن يتْرك عَبْدَيْنِ قيمَة أَحدهمَا سِتّمائَة وَقِيمَة الآخر ألف فَلَو أَخذ أَحدهمَا
стр. 3394
النفيس ورد مِائَتَيْنِ اسْتَويَا وَلَكِن هَذَا لَا يجْبر عَلَيْهِ قطعا لِأَن فِيهِ تَمْلِيكًا جَدِيدا
لَو قَالَ أَحدهمَا يخْتَص أَحَدنَا بالخسيس وَخمْس من النفيس فَهَذَا هَل يجْبر عَلَيْهِ ليتخلص فِي أحد الْعَبْدَيْنِ عَن الشّركَة فِيهِ خلاف وَالظَّاهِر أَنه لَا يجْبر لِأَن أصل الشّركَة لَيْسَ يَنْقَطِع
فَإِن قيل فَمَا حَقِيقَة الْقِسْمَة قُلْنَا أما قسْمَة الْإِفْرَاز فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه إِفْرَاز إِذْ لَو كَانَ بيعا لما أجبر عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قد تبين بِالْقِسْمَةِ أَن مَا خصّه هُوَ الَّذِي ملكه
وَالثَّانِي أَنه بيع إِذْ يَسْتَحِيل أَن يُقَال إِنَّه لم يَرث من أَبِيه إِلَّا هَذِه الْحصَّة على الْخُصُوص
وَأما قسْمَة الرَّد فَهُوَ بيع فِي الْقدر الَّذِي يُقَابله الْعِوَض وَفِي قسْمَة الْبَاقِي وَفِي قسْمَة التَّعْدِيل بيع أَيْضا إِن قُلْنَا لَا يجْبر عَلَيْهِ وَإِن قُلْنَا إِنَّه يجْبر فطريقان مِنْهُم من خرج على الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ بيع وَلَكِن يجْبر للْحَاجة
وَيخرج على الْقَوْلَيْنِ مسَائِل فِي الربويات وَالزَّكَاة وَالْوَقْف فَإِذا قُلْنَا إِنَّه بيع لم يجز فصل الْوَقْف عَن الْملك لِأَنَّهُ بيع أما فصل الْوَقْف من الْوَقْف فَلَا يجوز وَإِن قُلْنَا إِنَّه إِفْرَاز لِأَنَّهُ كالتغيير لشرط الْوَاقِف وَفِيه وَجه أَنه يجوز لِأَنَّهُ قد يشرف على الإنهدام فَيحْتَاج إِلَى الْقِسْمَة فَإِن قيل فَهَل يشْتَرط الرِّضَا قُلْنَا لَا يشْتَرط فِي قسْمَة الْإِجْبَار وَيشْتَرط فِي قسْمَة التَّرَاضِي وَلَا بُد من لفظ وَهُوَ قَوْله رضيت وَيجب تجديده بعد خُرُوج الْقرعَة فَيَقُول رضيت بِهَذَا وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَكْفِي السُّكُوت بعد الرِّضَا إِلَى خُرُوج الْقرعَة فَلَا يجب التَّجْدِيد
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يشْتَرط لفظ البيع وَإِن قُلْنَا إِنَّه بيع وَمِنْهُم من شَرط أَن يَقُول
стр. 3395
قاسمتك على هَذَا الْوَجْه أَو رضيت بِالْقِسْمَةِ ليتلفظ بِالْقِسْمَةِ وَلَا يَكْفِي قَوْله رضيت بِهَذَا لِأَن الْقِسْمَة تُؤدِّي معنى التَّمْلِيك والتملك
فرعان
أَحدهمَا أَن الْقبَّة والقناة وَالْحمام وَمَا لَا يقبل الْقِسْمَة فَالصَّوَاب الْمُهَايَأَة فِيهَا بِالتَّرَاضِي وَمن رَجَعَ قبل اسْتِيفَاء نوبَته فَلهُ ذَلِك وَإِن استوفى ثمَّ رَجَعَ فَوَجْهَانِ أقيسهما أَنه يرجع وَيغرم مَا انْفَرد بِهِ
وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذِه مُعَاملَة جرى عَلَيْهَا الْأَولونَ فَلَا تشوش وَقَالَ ابْن سُرَيج يجْبر على الْمُهَايَأَة لِأَن بعض من يَسْتَغْنِي عَنهُ لثروته قد يعطل على الشُّرَكَاء بِكَذَا وَالصَّحِيح أَنهم لَو تنازعوا وتناكدوا تركُوا إِلَى أَن يصطلحوا
الثَّانِي أَنه لَو تقدم جمَاعَة فالتمسوا من القَاضِي قسْمَة مَال بَينهم من غير إِقَامَة حجَّة على أَنه ملكهم فَالصَّحِيح أَن القَاضِي يقسم وَيكْتب فِي الْحجَّة إِنِّي قسمت بقَوْلهمْ وَكَذَلِكَ إِذا جَاءَ وَاحِد مِنْهُم وَطلب وَفِيه قَول آخر أَنه لَا يُجيب لِأَنَّهُ رُبمَا يكون متصرفا فِي مَال الْغَيْر من غير بَيِّنَة وَهُوَ بعيد لِأَن الْيَد لَهُم فِي الْحَال
стр. 3396
= كتاب الشَّهَادَات =
وَفِيه سِتَّة أَبْوَاب
стр. 3397
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِيمَا يُفِيد أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وقبولها من الْأَوْصَاف ﷺ َ -
وَهِي سِتَّة ثَلَاثَة مِنْهَا لَا يطول النّظر فِيهَا وَهِي التَّكْلِيف وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام فَلَا تقبل شَهَادَة صبي وَلَا مَجْنُون وَلَا تقبل شَهَادَة كَافِر لَا على كَافِر وَلَا على مُسلم وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ تقبل على الْكَافِر
وَلَا تقبل شَهَادَة العَبْد أصلا وَقَالَ دَاوُد تقبل وَثَلَاثَة يطول النّظر فِيهَا وَهِي الْعَدَالَة وَحفظ الْمُرُوءَة والإنفكاك عَن التُّهْمَة
стр. 3398
الْوَصْف الأول الْعَدَالَة
قَالَ الشَّافِعِي ﵁ وَلَيْسَ أحد من النَّاس نعلمهُ إِلَّا قَلِيلا يمحض الطَّاعَة حَتَّى لَا يخلطها بِمَعْصِيَة أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْعِصْمَة من الْمعاصِي لَيْسَ بِشَرْط إِذْ ذَلِك يحسم بَاب الشَّهَادَة وَلَكِن من قارف كَبِيرَة أَو أصر على صَغِيرَة لم تقبل شَهَادَته لِأَن ذَلِك يشْعر بالتهاون بِأَمْر الدّيانَة وَمثله جدير بِأَن لَا يخَاف وبال الْكَذِب أما من يلم بالصغيرة أَحْيَانًا لفترة تقع من مراقبة التَّقْوَى وفلتة تقع للنَّفس فِي الْخُرُوج عَن لجام الْوَرع وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَا يَنْفَكّ عَن تندم واستشعار خوف فَهَذَا لَا ترد بِهِ الشَّهَادَة قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَخْلُو الْمُؤمن من الذَّنب يُصِيبهُ الفينة بعد الفينة أَي الْوَقْت بعد الْوَقْت وَإِنَّمَا الْفسق المرون على الْمعْصِيَة وَإِن كَانَت صَغِيرَة
وَالْفرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة يطول وَقد استقصيناه فِي كتاب التَّوْبَة من كتب إحْيَاء عُلُوم الدّين ونشير الْآن إِلَى بعض مَا يعْتَاد من الصَّغَائِر وَهِي سِتَّة
الأولى اللّعب بالشطرنج لَيْسَ بِحرَام وَلكنه مَكْرُوه وَإِن قُلْنَا إِنَّه مُبَاح أردنَا أَنه لَا إِثْم فِيهِ لَا كَرَاهِيَة فِيهِ فَلَا ترد بِهِ الشَّهَادَة إِلَّا أَن يخْتَلط بِهِ قمار وَهُوَ أَخذ مَال المقمور واشتراطه أَو الْيَمين الْفَاجِرَة وَقد رُوِيَ أَن سعيد بن جُبَير ﵁ كَانَ يلْعَب بِهِ
стр. 3399
وَهُوَ مستدبره وَلَا يرَاهُ وَقَول عَليّ ﵁ مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون لَعَلَّه كَانَ فِي معرض السُّؤَال إِذْ أشكل عَلَيْهِ صُورَة تِلْكَ الأشكال وَأَنَّهَا مَا هِيَ أما المداومة عَلَيْهِ فقد تقدح فِي الْمُرُوءَة وتعطل الْمُهِمَّات وَقد ينشأ رد الشَّهَادَة من هَذَا وَسَيَأْتِي
الثَّانِيَة اللّعب النَّرْد حرَام لما رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ مَلْعُون من لعب بالنردشير وَقَالَ اللاعب بالنرد كعابد الوثن وَنقل عَن ابْن خيران وَأبي إِسْحَق الْمروزِي أَنه كالشطرنج وَهُوَ الْقيَاس وَلَكِن الْخَبَر مَانع مِنْهُ ثمَّ وَإِن قُلْنَا إِنَّه حرَام فالمداومة عَلَيْهِ ترد الشَّهَادَة دون الْمرة الْوَاحِدَة وَقيل إِن الْمرة الْوَاحِدَة فسق ترد الشَّهَادَة
وَأما اللّعب بالحمام فَلَيْسَ بِحرَام وَتردد الْعِرَاقِيُّونَ فِي كراهيته ورد الشَّهَادَة بِهِ إِنَّمَا يكون من جِهَة الْمُرُوءَة فِي حق من يقْدَح فِي مروءته
الثَّالِثَة قَالَ الشَّافِعِي ﵁ الْحَنَفِيّ إِذا شرب النَّبِيذ حددته وَقبلت شَهَادَته أما الْحَد فللزجر حَتَّى لَا يعود إِلَيْهِ إِذْ يجر إِلَى الْفساد وَأما قبولنا الشَّهَادَة فَلِأَن إقدامه على
стр. 3400
شربهَا لم يشْعر بتهاونه إِذْ اعْتقد إِبَاحَته واستبعد الْمُزنِيّ هَذَا الْفرق فَمن الْأَصْحَاب من قَالَ يحد وَلَا تقبل الشَّهَادَة وَمِنْهُم من قَالَ لَا يحد وَتقبل شَهَادَته فتحصلنا على ثَلَاثَة أوجه فَإِن قُلْنَا إِن الْحَنَفِيّ لَا يحد فَفِي الشفعوي وَجْهَان لشُبْهَة الْخلاف فِي الْإِبَاحَة
الرَّابِعَة المعازف والأوتار حرَام لِأَنَّهَا تشوق إِلَى الشّرْب وَهُوَ شعار الشّرْب فَحرم التَّشَبُّه بهم وَأما الدُّف إِن لم يكن فِيهِ جلاجل فَهُوَ حَلَال ضرب فِي بَيت رَسُول الله ﷺ
وَإِن كَانَ فِيهِ جلاجل فَوَجْهَانِ وَفِي اليراع وَجْهَان وَالأَصَح أَنه لَا يحرم والمزمار الْعِرَاقِيّ حرَام لِأَنَّهُ عَادَة أهل الشّرْب والطبول كلهَا مُبَاح إِلَّا الكوبة قَالَ فَإِن طبل المخنثين وَهُوَ طبل طَوِيل متسع الطَّرفَيْنِ ضيق الْوسط وَسبب تَحْرِيمه التَّشَبُّه بهم وَكَذَا الضَّرْب بالصفاقتين حرَام لِأَنَّهُ من عَادَتهم
следующие страницы →