Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
اللَّفْظ الْخَامِس إِذا نذر صَوْم الدَّهْر لزمَه وَقَوله ﷺ من صَامَ الدَّهْر فَلَا صَامَ أَرَادَ بِهِ أَن لَا يفْطر أَيَّام الْعِيدَيْنِ ثمَّ لَهُ الترخيص بِعُذْر السّفر وَالْمَرَض وَلَا قَضَاء إِذْ لَا يُمكن الْقَضَاء لِأَن الده مُسْتَغْرق وَلَو أفطر عمدا لزمَه الْقَضَاء وَتعذر لاستغراق الدهل فَعَلَيهِ الْمَدّ فَإِن نوى الْقَضَاء فِي يَوْم انْعَقَد قَضَاؤُهُ وَلَكِن فَاتَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم الْأَدَاء فَعَلَيهِ الْمَدّ لذَلِك الْيَوْم أما إِذْ عين نذر يَوْم الْعِيد لَغَا نَذره عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة
стр. 3327
رَحمَه الله وَهُوَ عندنَا كنذر يَوْم الْحيض وَفِي نذر يَوْم الشَّك وَنذر الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة خلاف وَكَذَلِكَ فِي أَيَّام التَّشْرِيق إِن قُلْنَا إِنَّه يقبل صَوْم الْمُتَمَتّع
стр. 3328
النَّوْع الثَّانِي الْحَج
وَمن نذر الْحَج لزمَه فَإِن نذر مَاشِيا فَفِي لُزُوم الْمَشْي قَولَانِ بِنَاء على أَن الْأَفْضَل هُوَ الرّكُوب أَو الْمَشْي فَإِن قُلْنَا الْمَشْي أفضل لزمَه لِأَنَّهُ صَار وَصفا لِلْعِبَادَةِ ثمَّ النّظر فِي ثلَاثه أُمُور
الأول فِي وَقت الْمَشْي فَلَو نذر الْمَشْي من دويرة أَهله قبل الْإِحْرَام فَفِي لُزُومه وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَن الْمَشْي قبل الْإِحْرَام لَيْسَ بِعبَادة
وَالثَّانِي نعم لِأَن الْحَج مَاشِيا كَذَلِك يكون
فَإِن قُلْنَا يلْزم فَلَو أطلق وَقَالَ أحج مَاشِيا أَو أَمْشِي حَاجا فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يحمل اللَّفْظ على الْعَادة فَيلْزم الْمَشْي من دويرة أَهله
وَالثَّانِي يحمل على الْحَقِيقَة وَالْحج من وَقت الْإِحْرَام
وَالثَّالِث أَنه إِن قَالَ أحج مَاشِيا فَمن وَقت الْإِحْرَام وَإِن قَالَ أَمْشِي حَاجا مَعْنَاهُ
стр. 3329
قَاصِدا لِلْحَجِّ فَمن دويرة أَهله
وَأما فِي آخر الْحَج فَلهُ الرّكُوب بعد التحللين وَهل لَهُ ذَلِك بَينهمَا فِيهِ وَجْهَان
النّظر الثَّانِي لَو فَاتَهُ الْحَج بعد الشُّرُوع أَو فسد عَلَيْهِ بِالْجِمَاعِ لزمَه لِقَاء الْبَيْت وَفِي لُزُوم الْمَشْي وَجْهَان من حَيْثُ إِن هَذَا غير وَاقع عَن الْمَنْذُور وَلكنه من لوازمه
النّظر الثَّالِث لَو ترك الْمَشْي بِعُذْر وَقع الْحَج عَن نَذره وَإِن ترك بِغَيْر عذر فَقَوْلَانِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ مَا أَتَى بالموصوف وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهر أَنه يَقع لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ لَكِن هَل يلْزمه الْفِدْيَة بترك الْمَشْي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَشْي من الأبعاض فِي الْحَج وَالثَّانِي نعم إِذْ لَا معنى للْبَعْض إِلَّا وَاجِب لَا يجوز تَركه وَالثَّالِث أَنه تجب إِن تَركه عمدا وَإِن تَركه بِعُذْر لم تجب
فروع
أَحدهَا لَو ركب فِي بعض الطَّرِيق وَمَشى فِي بعض قَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِذا عَاد للْقَضَاء مَشى حَيْثُ ركب وَركب حَيْثُ مَشى وَهَذَا تَفْرِيع على لُزُوم الْقَضَاء فَكَأَنَّهُ وَقع الْحَج الأول عَنهُ وَبَقِي الْمَشْي الْوَاجِب فَلم يُمكن قَضَاؤُهُ مُفردا فَقضى بِالْحَجِّ لَهُ وَكَفاهُ بعض الْمَشْي لذَلِك وَمِنْهُم من قَالَ وَجب الْمَشْي فِي جَمِيعه لِأَن الأول لم يَقع عَنهُ
стр. 3330
الثَّانِي لَو قَالَ لله عَليّ أَن أحج عَامي هَذَا تعين الْوَقْت لَهُ كَمَا فِي الصَّوْم فَلَو امْتنع بِعُذْر فَفِي الْقَضَاء خلاف كَمَا فِي الصَّوْم وَفِي الْإِحْصَار خلاف مُرَتّب وَأولى أَن لَا يجب الْقَضَاء وَنَصّ الشَّافِعِي ﵁ فِي الْإِحْصَار أَنه لَا يجب الْقَضَاء وَالْآخر تَخْرِيج ابْن سُرَيج
الثَّالِث لَو قَالَ لله عَليّ أَن أحج رَاكِبًا وَقُلْنَا إِن الرّكُوب أفضل فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْمَشْي
стр. 3331
النَّوْع الثَّالِث إتْيَان الْمَسَاجِد
إِذا نذر إتْيَان مَسْجِد سوى الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس لم يلْزمه شَيْء قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاث مَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا وَمَسْجِد إيلياء أَي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهَذَا لَا يُوجب تَحْرِيمًا وكراهية فِي شدّ الرّحال إِلَى غَيره على الصَّحِيح بل بَين أَن الْقرْبَة هَذَا فَقَط أما إِذا نذر إتْيَان مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس أَو مَسْجِد الْمَدِينَة فَفِي اللُّزُوم قَولَانِ
أَحدهمَا لَا إِذْ لَا يتَعَلَّق بهما نسك
وَالثَّانِي نعم لِأَن لَهما اختصاصا بالقربة على الْجُمْلَة فَإِن قُلْنَا يلْزم فَهَل يجب أَن يضم إِلَيْهِ قربَة أُخْرَى من اعْتِكَاف أَو صَلَاة فِيهِ وَجْهَان
стр. 3332
أَحدهمَا أَنه يلْزم إِذْ يبعد أَن يَكْفِي الإجتياز بِهِ
وَالثَّانِي أَنه لَا يلْزم إِلَّا مَا الْتزم فَهُوَ مُجَرّد زِيَارَة كزيارة الْعلمَاء والقبور فَإِن قُلْنَا تجب فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يجب فِيهِ الإعتكاف لِأَنَّهُ أخص بِالْمَسْجِدِ
وَالثَّانِي تجب الصَّلَاة وَلَو رَكْعَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ أظهر فَضِيلَة هَذِه الْمَسَاجِد بهَا فَقَالَ ﷺ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي مَسْجِد إيلياء تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي غَيره
стр. 3333
وَالثَّالِث أَنه يتَخَيَّر بَينهمَا وَزَاد الشَّيْخ أَبُو عَليّ أَنه يَكْفِيهِ زِيَارَة الْقَبْر فِي مَسْجِد الْمَدِينَة
فرع
لَو نذر الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة وإيلياء قطع المراوزة باللزوم وَحكى الْعِرَاقِيُّونَ طرد الْقَوْلَيْنِ فِي تعْيين الْمَسْجِد وَلَو نذر الْمَشْي إِلَى المسجدين فَفِي الْمَشْي وَجْهَان كَمَا فِي الْمَشْي من دويرة أَهله قبل الْإِحْرَام وَأما إِذا نذر إتْيَان الْمَسْجِد الْحَرَام فَيلْزمهُ حج أَو عمْرَة إِن قُلْنَا يحمل النّذر على أقل وَاجِب وَإِن قُلْنَا يحمل على مُجَرّد الإسم فَلَا بُد من إِحْرَام إِن قُلْنَا إِن ذَلِك يجب بِدُخُول مَكَّة وَإِن قُلْنَا لَا يجب نزل منزلَة المسجدين فَيخرج اللُّزُوم بِالنذرِ على قَوْلَيْنِ ثمَّ لَا فرق بَين لفظ الْمَشْي وَبَين قَوْله آتِي أَو أَسِير إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يجب إِلَّا بِلَفْظ الْمَشْي وَلَا فرق بَين أَن يَقُول إِلَى مَكَّة أَو الْحرم أَو الْمَسْجِد أَو مَسْجِد الْخيف وَجَمِيع مَوَاضِع الْحرم
ثمَّ إِن قُلْنَا يجب أَن يُضَاف إِلَى الْإِتْيَان اعْتِكَاف أَو صَلَاة فها هُنَا تزيد الْعمرَة وَالْحج فَإِنَّهُمَا أخص بِهِ وَلَا يبعد أَن يكْتَفى بِمُجَرَّد طواف وَهُوَ أَيْضا أخص من الإعتكاف وَلَو قَالَ آتِي عَرَفَة لم يلْزمه شَيْء لِأَن ذَلِك لَيْسَ بقربة إِذا لم يكن فِي حج وَقَالَ القَاضِي إِن خطر لَهُ شُهُود يَوْم عَرَفَة مَعَ الحجيج لم يبعد لُزُومه لما فِيهِ من الْبركَة وَلَو نوى بِهِ الْحَج لزمَه الْحَج وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِلَى بَيت الله تَعَالَى فَلَا يلْزمه شَيْء لِأَن جَمِيع الْمَسَاجِد بَيت الله إِلَّا إِذا نوى بِهِ الْكَعْبَة
стр. 3334
النَّوْع الرَّابِع تعْيين الْمَسَاجِد
فَإِذا قَالَ لله عَليّ أَن أُصَلِّي الْفَرَائِض فِي الْمَسْجِد لزمَه إِذا قُلْنَا إِن صفة الْفَرَائِض تفرض بالالتزام أما إِذا عين مَسْجِدا لم يتَعَيَّن إِلَّا الْمَسَاجِد الثَّلَاث وَهل يقوم بَعْضهَا مقَام بعض فِي الْمَسْجِد سوى الْمَسْجِد الْحَرَام فِيهِ خلاف مِنْهُم من قَالَ يقوم لِأَن النَّبِي ﷺ سوى بَينهمَا بالتعديل بِأَلف صَلَاة وعَلى هَذَا يقوم الْمَسْجِد الْحَرَام مقامهما وَمِنْهُم من قَالَ إِذا عين فَلَا بُد من التعين وَمِنْهُم من طرد هَذَا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَالَ لَا يقوم مقَام المسجدين
وَلَا خلاف أَنه لَو نذر ألف صَلَاة لَا تكفيه صَلَاة وَاحِدَة فِي هَذِه الْمَسَاجِد
وَلَو نذر صَلَاة فِي الْكَعْبَة جَازَ الصَّلَاة فِي أرجاء الْمَسْجِد
стр. 3335
النَّوْع الْخَامِس فِي الضَّحَايَا والهدايا
وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الْحَج ونتكلم الْآن فِي أَلْفَاظ خَمْسَة
الأول لَو نذر أَن يتَقرَّب بسوق شَاة إِلَى مَكَّة لزمَه وَلم يكفه الذّبْح فِي غير مَكَّة ثمَّ يلْزمه التَّفْرِقَة بِمَكَّة لِأَن التلطيخ وَحده لَيْسَ بِقُرْبِهِ وَفِيه وَجه أَنه لَا تلْزمهُ التَّفْرِقَة بهَا بل يجوز النَّقْل لِأَنَّهُ لم يلتزمه مَقْصُودا وَأما إِذا لم يذكر لفظ الضحية وَلَا لفظا يدل على الْقرْبَة بل قَالَ لله عَليّ أَن أذبح بِمَكَّة فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه لِأَن اقترانه بِذكر الله تَعَالَى وَمَكَّة يشْعر بِقصد التَّقَرُّب وَمِنْهُم من قَالَ لَا يلْزمه لِأَن الذّبْح الْمَذْكُور بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ بقربة مَا لم يُوصف بِمَا يدل عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لله عَليّ أَن أذبح بنيسابور فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يجب لِأَن لفظ مَكَّة قرينَة مَعَ ذكر اسْم الله تَعَالَى
التَّفْرِيع إِن قُلْنَا يلْزم لَو ذكر لفظ التَّضْحِيَة بنيسابور فَهَل يتَعَيَّن تَفْرِقَة اللَّحْم بهَا فِيهِ وَجْهَان يستمدام نن جَوَاز نقل الصَّدَقَة وَيخرج عَلَيْهِ الْخلاف فِي أَن الْفَقِير هَل يتَعَيَّن للتصدق عَلَيْهِ إِذا عين فَفِي وَجه لَا يلْزم إِذْ لم تثبت قربَة فِي هَذِه الْأَعْيَان بِخِلَاف مَكَّة فَإِن قُلْنَا لَا يلْزم فَالظَّاهِر أَنه يلْزم النّذر وَيسْقط التَّعْيِين وَيحْتَمل أَن يُقَال فسد أصل النّذر فَإِن قُلْنَا تتَعَيَّن للتفرقة فَهَل يتَعَيَّن للذبح فِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِن تَخْصِيص الْبِلَاد بِالزَّكَاةِ مَعْهُود أما بِالذبْحِ فَلَا إِلَّا فِي مَكَّة وَلَكِن لَا يبعد أَن يجب تَابعا للتفرقة
اللَّفْظ الثَّانِي إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أضحي بِبدنِهِ لزمَه بعير وَهل يقوم مقَامه بقرة أَو سبع من الْغنم فِيهِ طَرِيقَانِ
أَحدهمَا إِن عدمت الْبَدنَة جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ
стр. 3336
وَالثَّانِي إِن وجدت لم يجز وَإِن عدمت فَوَجْهَانِ ومأخذ الْخلاف الإلتفات إِلَى مُوجب اللَّفْظ أَو وضع الشَّرْع فِي التَّعْدِيل وَلَا خلاف فِي أَنه لَو نذر دَرَاهِم فَلَا يتَصَدَّق بِجِنْس آخر
التَّفْرِيع
إِن جَوَّزنَا الْإِبْدَال فَلَا يشْتَرط المعادلة فِي الْقيمَة وَفِيه وَجه بعيد أَنه يشْتَرط وَأما الصّفة فَالصَّحِيح أَنه يتَعَيَّن من الْإِبِل الْبَعِير الثني الَّذِي يجزىء فِي الضحية بقوله عَليّ أَن أضحي وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها أَنه ينزل على مَا يُسمى بَدَنَة وَإِن كَانَ معيبا نعم لَا يجزىء الفصيل فَإِنَّهُ لَا يُسمى بَدَنَة
اللَّفْظ الثَّالِث إِذا قَالَ لله عَليّ هدي وَإِن نزلناه على أقل وَاجِب الشَّرْع فَعَلَيهِ حَيَوَان من النعم سليم من الْعُيُوب وَيلْزمهُ السُّوق إِلَى الْحرم وَفِيه وَجه أَن السُّوق لَا يجب لِأَن دم الْإِحْصَار وَدم الْحَيَوَان تجزىء فِي غير الْحرم وَإِن قُلْنَا ينزل على جَائِز الشَّرْع فَكل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْهدى والمنحة وَلَو دانق يتَصَدَّق بِهِ حَيْثُ كَانَ وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من تَبْلِيغ الْحرم لاسم الْهَدْي وَهُوَ بعيد
اللَّفْظ الرَّابِع إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أهدي هَذِه الظبية إِلَى مَكَّة لزمَه التَّبْلِيغ وَيتَصَدَّق بهَا حَيَّة بِمَكَّة إِذْ لَا قربَة فِي ذَبحهَا كَمَا لَو نذر عشرَة أَذْرع من كرباس لَا يخيطه قَمِيصًا وَلَو نذر بَعِيرًا معيبا لَا يجزىء فِي الضحية فَفِي وجوب ذبحه بمكه وَجْهَان لِأَنَّهُ من جنس الضحية
стр. 3337
وَإِن لم يكن بِصفتِهِ فَلَو عين مَالا وَقَالَ عَليّ أَن أهديه إِلَى مَكَّة لزمَه النَّقْل بِعَيْنِه إِلَّا أَن يكون عقارا أَو حجر رحى مِمَّا لَا يُمكن النَّقْل فيبيع وينقل الْقيمَة وَخرج من هَذَا أَن مَكَّة تتَعَيَّن فِي الصَّدَقَة وَالصَّلَاة إِذا عينت وَهل تتَعَيَّن للصَّوْم الظَّاهِر أَنه لَا تتَعَيَّن إِذْ لم يثبت لَهَا اخْتِصَاص فِي الصَّوْم بِخِلَاف الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة
اللَّفْظ الْخَامِس إِذا قَالَ عَليّ أَن أستر الْكَعْبَة أَو أطيبها لزمَه لِأَن السّتْر عهد فِي الْعَصْر الأول وَلم يُنكر وَهَذَا يدل على أَن مَا لَيْسَ بقربة مَقْصُودَة أَيْضا يلْزم بِالنذرِ وَيجوز ستر الْكَعْبَة بالحرير لِأَن ذَلِك محرم على الرِّجَال أَن يلبسوه بِأَنْفسِهِم لَا فِي التزين وَفِي إلتزام تطييب المسجدين الآخرين تردد وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 3338
= كتاب أدب الْقَضَاء =
وَفِيه أَرْبَعَة أَبْوَاب
стр. 3339
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي التَّوْلِيَة والعزل وَفِيه فصلان ﷺ َ -
الْفَصْل الأول فِي التَّوْلِيَة
وَفِيه سِتّ مسَائِل
الأولى فِي فَضِيلَة الْقَضَاء وَالْقِيَام بمصالح الْمُسلمين
والإنتصاف للمظلومين من أفضل القربات وَهُوَ من فروض الكفايات وَهُوَ أفضل من الْجِهَاد وأهم مِنْهُ لِأَن الْجِهَاد لطلب الزِّيَادَة وَالْقَضَاء لحفظ الْمَوْجُود وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَوْم وَاحِد من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة وحد يُقَام فِي أَرض بِحقِّهِ أزكى من مطر أَرْبَعِينَ خَرِيفًا فلأجل فَضِيلَة الْولَايَة وَكَونهَا مهما لنظام الدّين وَالدُّنْيَا تجب الْإِجَابَة على من دعِي إِلَى الحكم وَالْمُسْتَحب أَن يَقُول إِذا دعِي سمعا وَطَاعَة
الثَّانِيَة فِي جَوَاز طلب الْقَضَاء والولايات
وَقد ورد فِيهِ التحذير مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ من الْفضل فقد قَالَ ﷺ من ولي الْقَضَاء فقد ذبح بِغَيْر سكين وَقَالَ لعبد الرحمن بن سَمُرَة لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن
стр. 3340
مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا من غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا وَقَالَ عمر ﵁ مَا من أَمِير وَلَا وَال إِلَّا وَيُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه أطلقهُ عدله أَو أوبقه جوره
وَإِنَّمَا هَذِه التحذيرات لِأَن هَذِه الْولَايَة تستخرج من النَّفس خفايا الْخبث حَتَّى يمِيل على الْعَدو وينتقم مِنْهُ وَينظر للصديق وَيتبع الْأَغْرَاض وَقد يظنّ بِنَفسِهِ التَّقْوَى فَإِذا ولي تغير فَنَقُول للطَّالِب أَرْبَعَة أَحْوَال
إِحْدَاهَا أَن يكون مُتَعَيّنا بِأَن لَا يُوجد غَيره مِمَّن يصلح فالطب فرض عَلَيْهِ وَإِن كَانَ خاملا فَعَلَيهِ أَن يشهر نَفسه عِنْد الإِمَام حَتَّى يُولى ثمَّ إِن كَانَ يخَاف على نَفسه الْخِيَانَة والميل لم يكن هَذَا عذارا بل عَلَيْهِ أَن يُجَاهد نَفسه ويلازم سمت التَّقْوَى فَإِن تولى وَمَال عصى وَإِن امْتنع من الْقبُول خوفًا من الْميل عصى وَهُوَ مُتَرَدّد بَين إِحْدَى معصيتين لَا محَالة
الثَّانِيَة أَن يكون فِي النَّاحِيَة من هُوَ أصلح مِنْهُ فَفِي انْعِقَاد إِمَامَة الْمَفْضُول خلاف
стр. 3341
فَإِن منعنَا فَفِي انْعِقَاد قَضَاء الْمَفْضُول وتوليته خلاف وَالأَصَح أَنه ينْعَقد لِأَن مَا يفوت من مزية الْإِمَامَة لَا جبر لَهَا ونقصان القَاضِي يجْبرهُ نظر الإِمَام من وَرَائه فَإِن قُلْنَا لَا ينْعَقد حرم عَلَيْهِ الْقبُول وَحرم على الإِمَام التَّوْلِيَة فَإِن قُلْنَا ينْعَقد جَازَ للمفضول الْقبُول إِن ولي بِغَيْر مسأله وَأولى أَن لَا يقبل وَأما الطّلب فمكروه وَلَا يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيم وَقيل إِنَّه يحرم وَهَذَا كُله فِي الواثق بِنَفسِهِ الَّذِي اختبر ورعها وتقواها فَإِن كَانَ مَعَه استشعار خِيَانَة فَيحرم الطّلب
الثَّالِثَة أَن يكون فِي الْبَلَد من هُوَ دونه فَإِن قُلْنَا لَا تَنْعَقِد ولَايَة الْمَفْضُول الْتحق بالصورة الأولى وَإِن قُلْنَا تَنْعَقِد جَازَ الْقبُول بل هُوَ الأولى لتَحْصِيل تِلْكَ المزية للْمُسلمين وَأما الطّلب فَهُوَ جَائِز وَإِن قلد بِغَيْر سُؤال فَهَل يلْزمه الْقبُول فِيهِ وَجْهَان وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ واثقا بِنَفسِهِ فَإِن كَانَ خَائفًا فَهَذَا لَا يوازيه مزية الْفَضِيلَة فليمتنع
الرَّابِعَة أَن يكون فِي النَّاحِيَة مثله فالقبول جَائِز وَإِن ولي بِغَيْر سُؤال فَلَا يجب الْقبُول على الْأَظْهر لِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن لَكِن الأولى الْقبُول لِأَنَّهُ أَتَاهُ من غير مَسْأَلَة فيعان عَلَيْهِ وَأما الطّلب فَيحْتَمل أَن يكره للخطر وَيحْتَمل أَن يسْتَحبّ للفضيلة وكل هَذَا إِذا لم يخف على نَفسه فَإِن خَافَ خوفًا ظَاهرا فَعَلَيهِ الحذر
وَإِن كَانَ لَا يستشعر ميلًا وَلكنه لم يجرب نَفسه فِي الولايات فَإِن كَانَ لَهُ حَاجَة لطلب رزق وكفاية فَلَا تطلق لَهُ الْكَرَاهِيَة بالتوهم مَعَ الْحَاجة فَلهُ الطّلب وَإِن لم تكن حَاجَة فَيكْرَه لَهُ الطّلب بِمُجَرَّد هَذَا الإستشعار وَلَا يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي صِفَات الْقُضَاة وَلَا بُد أَن يكون حرا ذكرا مفتيا بَصيرًا إِذْ لَا ولَايَة للْعَبد وَلَا للْمَرْأَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يجوز تَوْلِيَة الْمَرْأَة فِيمَا لَهَا فِيهِ شَهَادَة
стр. 3342
وَقَوْلنَا مفتي أردنَا الْمُجْتَهد الَّذِي تقبل فتواه وَيخرج عَنهُ الصَّبِي وَالْفَاسِق إِذْ لَا تقبل فتواهما نعم الفاص مفت فِي حق نَفسه حَتَّى لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غَيره وَلَكِن لَا يوثق بفتواه ونعني الْمُجْتَهد المتمكن من دَرك أَحْكَام الشَّرْع اسْتِقْلَالا من غير تَقْلِيد غَيره ويستقصى تَفْصِيل ذَلِك فِي علم الْوُصُول أما الْمُقَلّد فَلَا يصلح للْقَضَاء وَأما من بلغ مبلغ الإجتهاد فِي مَذْهَب إِمَام لَا فِي أصل الشَّرْع فَفِي جَوَاز الْفَتْوَى لَهُ خلاف مَبْنِيّ على أَن من قَلّدهُ كَانَ قد قلد إِمَامه الْمَيِّت أم قَلّدهُ فِي نَفسه فَمن جوز تَقْلِيد الْمَيِّت وَهُوَ الصَّحِيح جوز لَهُ
стр. 3343
الْفَتْوَى وَمَعَ هَذَا فَلَا تجوز تَوليته مَعَ الْقُدْرَة على مُجْتَهد مُسْتَقل وَإِذا لم يُوجد غَيره وَجب تَقْدِيمه على الْجَاهِل وَالَّذِي لم يبلغ مبلغ الإجتهاد فِي الْمَذْهَب
وَيَنْبَغِي أَن يعْتَبر مَعَ هَذِه الْخِصَال الْكَفَاءَة اللائقة بِالْقضَاءِ فمجرد الْعلم لَا يَكْفِي لهَذِهِ الْأُمُور
وَفِي تَوْلِيَة الْأُمِّي الَّذِي لَا يحسن الْكِتَابَة وَجْهَان أصَحهمَا الْجَوَاز إِذْ كَانَ ﷺ أُمِّيا وَأما الْعَمى فمينع الْقَضَاء لِأَنَّهُ لَا يُمَيّز بَين الْخُصُوم وَالشُّهُود
ثمَّ هَذِه الشُّرُوط أطلقها أَصْحَابنَا وَقد تعذر فِي عصرنا لِأَن مصدر الولايات خَال عَن هَذِه الصِّفَات وَقد خلا الْعَصْر أَيْضا عَن الْمُجْتَهد المستقل وَالْوَجْه الْقطع بتنفيذ قَضَاء من ولاه السُّلْطَان ذُو الشَّوْكَة كَيْلا تتعطل مصَالح الْخلق فَإنَّا ننفذ قَضَاء أهل الْبَغي للْحَاجة فَكيف يجوز تَعْطِيل الْقَضَاء الْآن نعم يَعْصِي السُّلْطَان بتفويضه إِلَى الْفَاسِق وَالْجَاهِل وَلَكِن بعد أَن ولاه فَلَا بُد من تَنْفِيذ أَحْكَامه للضَّرُورَة
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي الإستخلاف وَالْأولَى بِالْإِمَامِ أَن يُصَرح بِالْإِذْنِ فِيهِ فَإِن نهى
стр. 3344
امْتنع وَإِن أطلق فَثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يمْتَنع لِأَنَّهُ لم يُفَوض إِلَيْهِ وَولَايَة الْقَضَاء عِنْد الشَّافِعِي ﵁ تتجزأ حَتَّى لَو فوض إِلَيْهِ قَضَاء الرِّجَال دون النِّسَاء أَو قَضَاء الْأَمْوَال دون النُّفُوس أَو اسْتثْنى شخصا وَاحِدًا عَن ولَايَته نفذ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ فَكَذَلِك إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ الإستخلاف
وَالثَّانِي أَن الْمُطلق ينزل على الْمُعْتَاد فَيجوز لَهُ الإستخلاف
وَالثَّالِث أَنه إِن اتسعت خطة الْولَايَة بِحَيْثُ لَا يقدر على الْقيام بِنَفسِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
وتشترط صِفَات الْقُضَاة فِي النَّائِب إِلَّا إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ إِلَّا تعْيين الشُّهُود أَو التَّزْكِيَة فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط من الْعلم إِلَّا مَا يَلِيق بِهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد نَائِب القَاضِي فِي الْقرى إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ إِمْضَاء الحكم بل سَماع الْبَيِّنَة ونقلها فَلَا يشْتَرط منصب الإجتهاد بل الْعلم اللَّائِق بِأَحْكَام الْبَينَات
فرع
لَيْسَ لَهُ أَن يشْتَرط على النَّائِب الحكم بِخِلَاف اجْتِهَاده أَو بِخِلَاف اعْتِقَاده حَيْثُ يجوز تَوْلِيَة الْمُقَلّد للضَّرُورَة بل اعْتِقَاد الْمُقَلّد فِي حَقه كالإجتهاد فِي حق الْمُجْتَهد فَإِن شَرط حَنَفِيّ على نَائِبه الشَّافِعِي الحكم بِمذهب أبي حنيفَة ﵀ جَازَ لَهُ الحكم فِي كل مَسْأَلَة توَافق فِيهَا المذهبان وَمَا فِيهِ خلاف لَا يحكم فِيهِ أصلا لَا بِمذهب أبي حنيفَة رَحمَه
стр. 3345
الله فَإِنَّهُ خلاف اعْتِقَاده وَلَا بِمذهب الشَّافِعِي ﵁ فَإِنَّهُ لم يُفَوض إِلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا نصب فِي بَلْدَة قاضيين على أَن لَا يسْتَقلّ أَحدهمَا دون الآخر لم يجز لِأَن الإختلاف يكثر فِي الإجتهاد فَيُؤَدِّي إِلَى بَقَاء الْخُصُومَات ناشئة وَلَو خصص كل قَاض بِطرف من أَطْرَاف الْبَلَد جَازَ كَمَا يعْتَاد فِي بَغْدَاد وَإِن أثبت لكل وَاحِد الإستقلال فِي جَمِيع الْبَلَد فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا إِذْ يتنازع الخصمان فِي اخْتِيَار أَحدهمَا وَكَذَلِكَ فِي إِجَابَة داعيهما بِخِلَاف دَاعِي الإِمَام وَالْقَاضِي أَو خَلِيفَته فَإِن دَاعِي الأَصْل يقدم وَكَذَلِكَ من اخْتَارَهُ
وَالثَّانِي أَنه يجوز وَيحكم عِنْد النزاع بِالْقُرْعَةِ فِي التَّقْدِيم
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي التَّحْكِيم
إِذا حكم رجلَانِ اخْتَصمَا فِي مَال هَل ينفذ حكمه عَلَيْهِمَا فِيهِ قَولَانِ وَالنِّكَاح مُرَتّب على المَال وَأولى بِأَن لَا ينفذ والعقوبات مرتبَة على النِّكَاح وَأولى بِأَن لَا تنفذ ثمَّ اخْتلف فِي مَحل الْقَوْلَيْنِ قيل إِنَّه إِذا لم يكن فِي الْبَلَد قَاض فَإِن كَانَ لم يجز وَقيل إِن لم
стр. 3346
يكن فَهُوَ جَائِز وَإِن كَانَ فَقَوْلَانِ وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ مُطلقًا وَالأَصَح الْمَنْع بِكُل حَال وَقد ذكرنَا تَوْجِيه ذَلِك فِي مَسْأَلَة مُفْردَة التمس بعضه الْفُقَهَاء بِالشَّام
التَّفْرِيع
إِن جَوَّزنَا ذَلِك فَلْيَكُن الْمُحكم على صفة تجوز للْقَاضِي تَوليته ثمَّ لَا ينفذ إِلَّا على من رَضِي فَلَو تعلق بثالث كَمَا إِذا كَانَ فِي قتل الْخَطَأ لم يضْرب الدِّيَة على الْعَاقِلَة إِذا لم يرْضوا بِحكمِهِ وَفِيه وَجه أَن رضَا الْقَاتِل كَاف فِيهِ لأَنهم تبع لَهُ وَهُوَ بعيد لِأَن إِقْرَار الْقَاتِل لَا يلْزمهُم فَكيف يلْزمهُم رِضَاهُ وَالْمذهب أَنه لَا يحكم فِي الإستيفاء بل لَيْسَ إِلَيْهِ إِلَّا الْإِثْبَات وَفِيه وَجه
وَلَا شكّ أَنه مَمْنُوع من اسْتِيفَاء الْعُقُوبَات لِأَنَّهُ يخرم أبهة الْولَايَة ثمَّ للمحكم أَن يرجع عَن التَّحْكِيم قبل تَمام الحكم وَبعده فَلَا ينفع وَإِن لم يجدد رضَا بعد الحكم فَهَل يلْزم بِمُجَرَّد الرِّضَا السَّابِق ذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهَيْن
стр. 3347
الْفَصْل الثَّانِي فِي الْعَزْل وَحكمه
وَفِيه خمس مسَائِل
الأولى فِي الإنعزال وينعزل بِكُل صفة لَو قارنت التَّوْلِيَة لامتنع كالعمى وَالْجُنُون وَالنِّسْيَان أما الْفسق فالإمام الْأَعْظَم لَا يَنْعَزِل بطرآنه إِذْ فِيهِ خطر ويجر ذَلِك فَسَادًا أما القَاضِي إِذا فسق وَجب على الإِمَام عَزله وَقطع الْفُقَهَاء المعتبرون بانعزاله وَقَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ لَا يَنْعَزِل إِلَّا أَن يعْزل
فرع
لَو جنالقاضي ثمَّ أَفَاق فَهَل يعود قَضَاؤُهُ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه لَا يعود كَالْوكَالَةِ لِأَن الْقَضَاء أَيْضا جَائِز إِذْ للْقَاضِي أَن يعْزل نَفسه
الثَّانِيَة فِي جَوَاز الْعَزْل فللإمام عزل القَاضِي إِذا رابه مِنْهُ أَمر وَيَكْفِي غَلَبَة الظَّن فَإِن لم يظْهر سَبَب فَعَزله بِمن هُوَ أفضل نفذ وَإِن عَزله بِمن هُوَ دونه لم ينفذ على الْأَظْهر وَإِن عَزله بِمثلِهِ فَوَجْهَانِ وَاخْتَارَ الإِمَام نُفُوذ عَزله بِكُل حَال إِذْ رُبمَا يرى من هُوَ دونه أصلح لَهُم مِنْهُ نعم عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَن لَا يعْزل إِلَّا لمصْلحَة الْمُسلمين فَإِن خَالف الْمصلحَة عصى وَلَكِن يَنْبَغِي أَن ينفذ عَزله فَإِن ذَلِك يجر فَسَادًا فِي الْأَقْضِيَة
فرع
حَيْثُ ينفذ الْعَزْل فَهَل يقف على بُلُوغ الْخَبَر إِلَيْهِ طَرِيقَانِ
أَحدهمَا أَنه على قَوْلَيْنِ كَالْوَكِيلِ
وَالثَّانِي الْقطع بِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِل لما فِيهِ من الضَّرَر
стр. 3348
أما إِذا كتب إِذا قَرَأت كتابي هَذَا فينعزل عِنْد الْقِرَاءَة وَكَذَلِكَ إِذا قرىء عَلَيْهِ بِخِلَاف الطَّلَاق فَإِن ذَلِك يَنْبَنِي على اللَّفْظ وَهَذَا يَنْبَنِي على الْمَقْصُود وَلَا يقْصد الإِمَام الجاد فِي الْعَزْل قِرَاءَته بِنَفسِهِ وَفِيه وَجه أَن هَذَا كَالطَّلَاقِ
الثَّالِثَة إِذا انْعَزل الإِمَام لم يَنْعَزِل الْقُضَاة وَكَذَا إِذا مَاتَ إِذْ يعظم الضَّرَر فِي خلو الخطة عَن الْقُضَاة وَلَو انْعَزل القَاضِي بعزل أَو موت أَو غَيره انْعَزل كل من فوض إِلَيْهِ شغلا معينا كمن يصغي إِلَى شَهَادَة مُعينَة وَأما خَلِيفَته ونوابه فِي الْقرى وقيم الْأَطْفَال فَفِي انعزالهم ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنهم لَا ينعزلون كَمَا لَا يَنْعَزِل القَاضِي بِمَوْت الإِمَام
الثَّانِي ينعزلون كَمَا يَنْعَزِل الْوَكِيل
وَالثَّالِث أَنه إِن اسْتخْلف بِالْإِذْنِ الصَّرِيح لم ينعزلوا وَإِن اسْتَقل بالإستخلاف انعزلوا
الرَّابِعَة إِذا قَالَ القَاضِي بعد الْعَزْل كنت قضيت لفُلَان لم يقبل قَوْله كَالْوَكِيلِ بعد الْعَزْل وَيقبل بِمُجَرَّد قَوْله قبل الْعَزْل وَإِن لم تكن بَيِّنَة وَإِن قضينا بِأَنَّهُ لَا يحكم بِمُجَرَّد علمه وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أهل الْإِنْشَاء فِي الْحَال وَلَو شهد عَدْلَانِ بعد الْعَزْل على قَضَائِهِ ثَبت وَإِن كَانَ هُوَ أحد العدلين وَقَالَ أشهد أَنِّي قضيت لم يقبل وَلَو قَالَ أشهد أَن قَاضِيا قضى فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا تقبل كَمَا تقبل شَهَادَة الْمُرضعَة كَذَلِك
стр. 3349
وَالثَّانِي لَا لِأَن نِسْبَة الْقَضَاء إِلَيْهِ ظَاهر فَكَأَنَّهُ صرح بِهِ
الْخَامِسَة من ادّعى على قَاض مَعْزُول أَنه أَخذ مِنْهُ رشوة حمله إِلَى القَاضِي الْمَنْصُوب ليفصل بَينهمَا الْخُصُومَة بطريقها
وَإِن ادّعى أَنه أَخذ مني المَال بِشَهَادَة عَبْدَيْنِ أَو معلنين بِالْفِسْقِ فَكَذَلِك وَإِن ادّعى مُجَرّد الحكم دون أَخذ المَال فَفِي قبُول الدَّعْوَى وَجْهَان ينبنيان على أَن القَاضِي إِذا أقرّ على نَفسه بذلك هَل يغرم أم يخْتَص الْغرم بالشهود
لَو حاسب الصَّارِف الْأُمَنَاء فَادّعى وَاحِد مِنْهُم أَنه أَخذ مِنْهُ أُجْرَة قدرهَا لَهُ الْمَعْزُول فَلَا أثر لتصديق الْمَعْزُول وَلَكِن الزَّائِد على أُجْرَة الْمثل يسْتَردّ وَهل تصدق يَمِينه فِي قدر أُجْرَة الْمثل فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ مُدع
وَالثَّانِي نعم لِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يعْمل مجَّانا وَقد فَاتَت مَنَافِعه فَلَا بُد من عوض
стр. 3350
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي جَامع آدَاب الْقَضَاء وَفِيه فُصُول ﷺ َ -
الْفَصْل الأول فِي آدَاب مُتَفَرِّقَة
وَهِي عشرَة
الأول أَن من قبل الْولَايَة فِي الحضرة فليقدم إِلَى الْبَلَد من يشيع ولَايَته فَإِن انْصَرف على الْفَوْر وَقدم فَجْأَة وَلم يستفض فَادّعى أَنه قَاض فَلهم الإمتناع من الطَّاعَة إِن لم يكن مَعَه كتاب وَإِن كَانَ كتاب من غير استفاضة وَلَا شَهَادَة عَدْلَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يجب اعْتِمَاد الْكتاب مَعَ مخايل الصدْق وَبعد الجرأة على التلبيس فِي مثل هَذَا على السُّلْطَان
وَالثَّانِي أَن ابْتِدَاء الْأُمُور الْعَظِيمَة لَا بُد من الإحتياط فِيهَا فَلَا بُد من عَدْلَيْنِ يخبران عَن التَّوْلِيَة وَإِن لم تكن على صِيغَة الشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَيْسَ لذَلِك خصم معِين حَتَّى تُقَام عَلَيْهِ وَلَا ثمَّ قَاض آخر تثبت عِنْده وَإِن ظَهرت مخايل الْخِيَانَة فَلَا حرج على النَّاس فِي التَّوَقُّف أصلا
الْأَدَب الثَّانِي أَنه كَمَا قدم فَيَنْبَغِي أَن لَا يشْتَغل بِشَيْء حَتَّى يفتش عَن المحبوسين
стр. 3351
فَمن كَانَ مَحْبُوسًا ظلما أَو فِي تَعْزِير أطلقهُ وَمن أقرّ بِأَنَّهُ مَحْبُوس بِحَق رده إِلَى الْحَبْس فَإِن لم يعْتَرف سَأَلَهُ عَن خَصمه فَإِن ذكر خصما حَاضرا أحضرهُ فطالبه بابتداء الْخُصُومَة فَإِن أَقَامَ الْحجَّة على أَن القَاضِي الأول حكم عَلَيْهِ رده إِلَى الْحَبْس وَإِلَّا خلاه حَتَّى يسْتَأْنف الْخُصُومَة فَإِن قَالَ الْمَحْبُوس حبست ظلما قَالَ بَعضهم يخلى فَإِن إمسكانه من غير حجَّة لَا وَجه لَهُ وخصمه يحْتَاج إِلَى ابْتِدَاء الْخُصُومَة لَا محَالة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا بُد أَن يحضر خَصمه أَولا وَيسْأل فَإِن لم يظْهر لَهُ خصم أطلق فَإِن قَالَ لَا أَدْرِي لم حبست يُنَادى عَلَيْهِ إِلَى حد الإشاعة فَإِن لم يظْهر لَهُ خصم أطلق وَفِي مُدَّة الإشاعة لَا يحبس وَلَا يخلى بل يراقب وَهل يُطَالب بكفيل بِبدنِهِ فِيهِ وَجْهَان وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يلْزمه ذَلِك فَإِن ذكر خصما غَائِبا وَقَالَ أَنا مظلوم فَمنهمْ من قطع بِأَنَّهُ يخلى وَمِنْهُم من ذكر وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه يكْتب إِلَى خَصمه حَتَّى يجْتَهد فِي التَّعْجِيل ويحضر فَإِن تخلف أطلق
وَالثَّانِي أَنه يُطلق لِأَن انْتِظَار الْغَائِب يطول بِخِلَاف الْحَاضِر
ثمَّ يَنْبَغِي أَن يُبَادر بعد الْفَرَاغ من المحبوسين إِلَى النّظر فِي أَمْوَال الْأَيْتَام والأوصياء ومحاسبتهم فَإِنَّهَا وقائع لَا رَافع لَهَا إِلَيْهِ فَإِن وَقعت حَادِثَة فِي أثْنَاء ذَلِك وَلم يتَفَرَّع لفصلها مَعَ شغل الأوصياء اسْتخْلف من يقوم بِأحد المهمين وَالْغَرَض مبادرة هَذِه الْأُمُور
الْأَدَب الثَّالِث أَن يتروى بعد ذَلِك فِي تَرْتِيب الْكتاب والمزكين والمترجمين أما الْكَاتِب
стр. 3352
فَلْيَكُن عدلا عَاقِلا نزها عَن الطمع وَيَكْفِي كَاتب وَاحِد وَلَا أقل من مزكيين وَسَتَأْتِي صفاتهم
وَأما المترجم فَلَا بُد أَيْضا من عَددهمْ وَأما المسمع وَهُوَ الَّذِي يسمع القَاضِي الْأَصَم فَفِي اشْتِرَاط الْعدَد ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يشْتَرط كالمترجم فَإِنَّهُ ينْقل عين اللَّفْظ كَمَا أَن ذَلِك ينْقل معنى اللَّفْظ
وَالثَّانِي لَا لِأَن المسمع لَو غير عرفه الخصمان والحاضرون بِخِلَاف التَّرْجَمَة
وَالثَّالِث أَن الْعدَد لَا يشْتَرط إِلَّا أَن يكون الخصمان أصمين فَإِن الْقَوْم قد يغفلون عَن تَغْيِيره والخصم هُوَ الَّذِي يعتني بِهِ
التَّفْرِيع
إِن لم نشترط الْعدَد فَلَا نرعى لفظ الشَّهَادَة
وَهل تشْتَرط الْحُرِّيَّة فِيهِ خلاف كَمَا فِي شَهَادَة رُؤْيَة الْهلَال لرمضان وَالصَّحِيح أَنه يسْلك بِهِ مَسْلَك الرِّوَايَة وَإِن شَرط الْعدَد فَفِي لفظ الشَّهَادَة وَجْهَان وعَلى الْجُمْلَة لَيست هَذِه شَهَادَة مُحَققَة وَلَكِن لَا يبعد الإستظهار فِيهَا بِالْعدَدِ وَاللَّفْظ
وَقد حصل أَن الْعدَد شَرط فِي الشَّاهِد والمزكى والمترجم والمقوم وَلَا يشْتَرط فِي الْقَائِف
стр. 3353
للْخَبَر وَهل يشْتَرط فِي الخارص وَالقَاسِم والمسمع فِيهِ وَجْهَان
ثمَّ إِن شرطنا الْعدَد فِي المسمع فَلَا بُد من رجلَيْنِ وَإِن كَانَت الْخُصُومَة فِي مَال وَكَذَا فِي الشَّهَادَة على الْوكَالَة بِالْمَالِ لِأَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ لَيْسَ بِمَال فِي نَفسه وَإِن كَانَ إِلَيْهِ يَئُول
فرع
إِذا طلب المسمع أُجْرَة فَهِيَ على صَاحب الْحق أم هِيَ من بَيت المَال على وَجْهَيْن
الْأَدَب الرَّابِع أَن يتَّخذ القَاضِي مَجْلِسا رفيقعا يكون مهب الرِّيَاح فِي الصَّيف وَفِي الشتَاء كَمَا كسا وَالْمَقْصُود أَن لَا يتسارع إِلَيْهِ الْملَل فيستضر الْخُصُوم وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ الْمَسْجِد مَجْلِسا للْقَضَاء فَإِن فعل ذَلِك فَهُوَ مَكْرُوه وَلَيْسَ بِمحرم وَسبب الْكَرَاهَة إفضاؤه إِلَى رفع الْأَصْوَات وَدخُول النِّسَاء الْحيض وَالصبيان وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِذا كنت
стр. 3354
أكره ذَلِك فإقامة الْحُدُود أكره وَلَا بَأْس بفصل قَضِيَّة أَو قضايا فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة وَقد فعل ذَلِك رَسُول الله ﷺ وَلَكِن لم يَتَّخِذهُ مَجْلِسا وَكَلَام الْمُزنِيّ يُشِير إِلَى أَن اتِّخَاذه مَجْلِسا لَا يكره لَكِن الأولى تَركه وَالصَّحِيح الْكَرَاهِيَة
فرع
ذكر الصيدلاني وَجْهَيْن فِي أَن القَاضِي هَل يتَّخذ حاجبا وبوابا وَالْوَجْه أَن يُقَال لَهُ ذَلِك إِن كَانَ فِي خلْوَة وَإِن جلس للْحكم وخشي الرَّحْمَة فَلهُ ذَلِك وَإِلَّا فَلْينْظر إِلَى الْمصلحَة نعم ينقدح التَّرَدُّد إِن لم يخمش الزحمة من حَيْثُ إِن فِيهِ توقفا لصَاحب الْحق إِلَى الإستئذان فَيجوز أَن يمْنَع مِنْهُ وَيجوز أَن يحْتَمل ذَلِك ليستعد القَاضِي وَيتْرك انبساطه فِي الْبَيْت ويتصدى لَهُ
الْأَدَب الْخَامِس أَن لَا يقْضِي فِي حَال غضب وحزن بَين وألم مبرح وجوع غَالب إِذْ يسوء خلقه فيمتد غَضَبه قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان وَفِي
стр. 3355
مَعْنَاهُ كل مَا يمْنَع من التؤدة وَاسْتِيفَاء الْفِكر
الْأَدَب السَّادِس أَن لَا يخرج حَتَّى يجْتَمع عُلَمَاء الْفَرِيقَيْنِ ليشاورهم فَيكون أبعد من التُّهْمَة قَالَ تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ كَانَ ﵊ مستغنيا عَن مشاورتهم وَلَكِن أَرَادَ أَن تصير سنة للحكام
الْأَدَب السَّابِع أَن لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِنَفسِهِ وَلَا بوكيل مَعْرُوف لِأَنَّهُ يستحيا مِنْهُ أَو يخَاف فيحابى فَيكون مرتشيا بِقدر الْمُسَامحَة
الْأَدَب الثَّامِن إِذا أَسَاءَ وَاحِد أدبه فِي مَجْلِسه بمجاوزة حد الشَّرْع فِي الْخِصَام أَو مشافهة الشُّهُود بالتكذيب زَجره بِاللِّسَانِ فَإِن عَاد عزره وراعى التدريج فِيهِ فَإِن ظهر لَهُ شَهَادَة زور عزّر المزور على مَلأ من النَّاس ونادى عَلَيْهِ حَتَّى لَا يحمل الشَّهَادَة بعده
الْأَدَب التَّاسِع أَن لَا يقْضِي لوَلَده وَلَا على عدوه بِعِلْمِهِ وَإِن قُلْنَا يقْضِي بِالْعلمِ وَهل يقْضِي بِالْبَيِّنَةِ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ أَسِير شَاهِدين فَلَيْسَ إِلَيْهِ شَيْء بِخِلَاف الشَّاهِد فَإِنَّهُ يقدر على الْكَذِب
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح أَنه لَا يقْضِي إِذْ إِلَيْهِ الإستقصاء فِي دقائق أَدَاء الشَّهَادَة وَالرَّدّ بالتهمة وَإِلَيْهِ التسامح فِيهِ فولده كنفسه فيرفع إِلَى الإِمَام فَإِن رفع إِلَى نَائِبه وَحكم بِهِ فَفِيهِ وَجْهَان يلتفتان على أَنه هَل يَنْعَزِل بِمَوْتِهِ فَإِنَّهُ إِن لم يَنْعَزِل يشابه قَاضِيا مُسْتقِلّا
ووصى الْيَتِيم إِذا ولي الْقَضَاء فَلَا يقْضِي لَهُ لِأَنَّهُ خصم فِي حَقه كَمَا فِي حق نَفسه
стр. 3356
وَولده وَقَالَ الْقفال يقْضِي لِأَن كل قَاض فَهُوَ ولي الْأَيْتَام وَهُوَ الصَّحِيح
الْأَدَب الْعَاشِر أَن لَا ينْقض قَضَاء نَفسه وَلَا قَضَاء غَيره بِظَنّ واجتهاد يُقَارب ظَنّه الأول قضى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِإِسْقَاط الْأَخ من الْأَب وَالأُم فِي مَسْأَلَة المشركة بعد أَن شرك فِي الْعَام الأول فروجع فِيهِ فَقَالَ ذَاك على مَا قضينا وَهَذَا على مَا نقضي وينقض فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع
الأول أَن يُخَالف نَص الْكتاب أَو سنة متواترة أَو إِجْمَاعًا وَهَذَا ظَاهر
الثَّانِي أَن يُخَالف قِيَاسه واجتهاده خبر الْوَاحِد الصَّحِيح الصَّرِيح الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا تَأْوِيلا
стр. 3357
بَعيدا ينبو الْفَهم عَن قبُوله فينقض قَضَاء الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة خِيَار الْمجْلس والعرايا وذكاة الْجَنِين وَألْحق الْأَصْحَاب بِهِ النِّكَاح بِلَا ولي وَالْحكم بِشَهَادَة الْفَاسِق وَبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأَمْثَاله وَقَالُوا لَا نبالي بتنزيل الْمُتَبَايعين فِي خِيَار الْمجْلس على المتقاولين وتنزيل الْمَرْأَة فِي النِّكَاح بِلَا ولي على الْأمة وَالصَّغِيرَة فَإِنَّهُ جلي الْبطلَان
الثَّالِث أَن يُخَالف الْقيَاس الْجَلِيّ فينقض قَضَاء أَصْحَاب الظَّاهِر المعتقدين بطلَان
стр. 3358
الْقيَاس لِأَنَّهُ بَاطِل بِدَلِيل أصولي قَاطع
وينقض قَضَاء الْحَنَفِيّ إِن قضى بالإستحسان الْمُخَالف للْقِيَاس الْجَلِيّ إِلَّا أَن يعْنى بِهِ اتِّبَاع الْخَبَر أَو الْقيَاس الْخَفي فَمن اسْتحْسنَ بِغَيْر ذَلِك فقد شرع نعم قد اسْتحْسنَ الشَّافِعِي ﵁ الْحلف بالمصحف وَلكنه مصلحَة من غير مُخَالفَة خبر وَقِيَاس فَهُوَ جَائِز
وينقض مَذْهَب الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة الْقَتْل بالمثقل ومعظم مسَائِل الْحُدُود وَالْغَصْب لِأَنَّهُ على خلاف القانون الْكُلِّي وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ أنقض قَضَاء من حكم لزوجة الْمَفْقُود بِأَن تنْكح بعد تربص أَربع سِنِين وَإِن كَانَ ذَلِك مَذْهَب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
الرَّابِع أَن يُقَاوم الْقيَاس الْجَلِيّ قِيَاس خَفِي يسْتَند إِلَى وَاقعَة شَاذَّة لَا يُمكن تلفيقه إِلَّا بتكلف كَقَوْل أبي حنيفَة ﵀ إِن الْمَأْذُون فِي التِّجَارَة لَا يقْتَصر على الْإِذْن بل يتَعَدَّى لقياس يتَكَلَّف استنباطه من مَسْأَلَة الْعهْدَة بالحيلة وَقَوْلنَا إِنَّه يتبع إِذن الْمَالِك قِيَاس جلي يعلم الأصولي سُقُوط خيالهم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
وعَلى الْجُمْلَة فَإِذا لم ينقدح عِنْده إِمْكَان الْإِصَابَة عِنْد الله بعد إِحَالَة وَقع فينقضه
стр. 3359
وَهَذَا مِمَّا يخْتَلف بالمجتهدين والوقائع وَإِنَّمَا لَا ينْقض الْقَضَاء حِين يتقارب النظران تقاربا لَا يبعد وهم الْإِصَابَة أَو الْمصير إِلَى أَن كل وَاحِد مُصِيب
ثمَّ الْقَضَاء وَإِن لم ينْقض فَلَا يتَغَيَّر بِهِ الحكم بَاطِنا وَإِنَّمَا ينفذ الْقَضَاء عندنَا ظَاهرا وَإِن وَقع فِي مَحل الإجتهاد وَقَالَ الْقفال يحل بَاطِنا وَقطع الأصوليون بِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر أَمر الْبَاطِن وَهُوَ الصَّحِيح فَلَا يحل للشفعوي شُفْعَة الْجَار وَإِن قضى لَهُ الْحَنَفِيّ بهَا
وَهل يمنعهُ الْحَنَفِيّ عَن طلبه على خلاف اعْتِقَاده فِيهِ تردد وَالظَّاهِر أَنه لَا يمْنَع إِذْ القَاضِي لَا يلْتَفت إِلَى مَذْهَب غَيره
فرع لَو ظهر لَهُ خطأ فِي وَاقعَة فليتتبع وَإِن لم ترفع إِلَيْهِ وَإِن ظهر لَهُ خطأ القَاضِي الْمَعْزُول لَا يلْزمه التتبع مَا لم ترفع إِلَيْهِ
стр. 3360
الْفَصْل الثَّانِي فِي مُسْتَند قَضَائِهِ
وَلَا يخفى استناده إِلَى الْحجَج وَالْغَرَض الْقَضَاء بِالْعلمِ والخط أما الْقَضَاء بِمَا ينْفَرد بِعِلْمِهِ فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه يقْضِي بِهِ وَهُوَ أقوى من شَاهِدين
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ يتَعَرَّض للتُّهمَةِ ويوغر الصُّدُور وَلَا يَلِيق بالإيالة فتح هَذَا الْبَاب فَيصير أَيْضا وَسِيلَة لقضاة السوء وَفِي الْعُقُوبَات قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يقْضِي وَالصَّحِيح أَنه لَا معنى للتَّرْتِيب مَعَ حُصُول حَقِيقَة الْعلم والعقوبات فِيهِ كَالْمَالِ
فَإِن قُلْنَا يقْضِي فَلَا خلاف أَنه لَا يقْضِي بظنه الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى بَيِّنَة وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ كَيفَ كَانَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يقْضِي إِلَّا بِعلم حصل فِي زمَان ولَايَته وَمَكَان ولَايَته وَإِن قُلْنَا لَا يقْضِي فيستثنى عَنهُ أَرْبَعَة أُمُور
стр. 3361
الأول أَنه يتَوَقَّف عَن الْقَضَاء إِذا علم كذب الشُّهُود يَقِينا بل يجب عَلَيْهِ التَّوَقُّف عِنْد الرِّيبَة فَكيف يقْضِي على خلاف معلومه
الثَّانِي أَنه يقْضِي بِهِ فِي عَدَالَة الشُّهُود وَمِنْهُم من قَالَ يحْتَاج إِلَى مزكين على هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ يتهم وَكَيف لَا وَالْعَدَالَة لَا تعلم يَقِينا
الثَّالِث يقْضِي على من أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء وَإِن رَجَعَ الْمقر فَإِنَّهُ أقوى الْحجَج وَأما إِن أقرّ عِنْده سرا فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من جوز أَيْضا على الْإِقْرَار سرا قولا وَاحِدًا
الرَّابِع أَنه لَو شهد شَاهد وَاحِد فَهَل يُغني علمه عَن الشَّاهِد الثَّانِي حَتَّى يكون هُوَ كشاهد آخر فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه
لَا يَكْفِي أما الْخط فَإِذا رأى القَاضِي خطه بِأَنِّي قضيت بِكَذَا لم يجز لَهُ إمضاؤه وَكَذَا الشَّاهِد
стр. 3362
بل لَا بُد وَأَن يتَذَكَّر الْوَاقِعَة بِجَمِيعِ حُدُودهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف يجوز الإعتماد على الْخط كَمَا فِي الْيَمين فَإِنَّهُ رأى خطّ أَبِيه جَازَ لَهُ أَن يحلف على الْبَتّ فِي طلب الْحُقُوق وإسقاطها إِذا وثق بِهِ وَقطع أَصْحَابنَا بِالْفرقِ لِأَن التزوير على الْخط بِحَيْثُ لَا يخْتَلف مُمكن وَفِي فتح هَذَا الْبَاب خطر عَام بِخِلَاف الْيَمين فَإِنَّهُ يُبَاح بغالب الظَّن وَلَا تُؤدِّي إِلَى ضَرَر عَام
فَإِذن الإعتماد على ثَلَاث دَرَجَات أوسعها الْحلف وأضيقها الْقَضَاء وَالشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط دون التَّذَكُّر وَبَينهمَا رِوَايَة الْأَحَادِيث فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط إِن أمكن التحريف لَكِن إِن صحت النُّسْخَة وحفظها بِنَفسِهِ وَأمن من التَّغَيُّر جَازَت الرِّوَايَة على الْأَظْهر وَعَلِيهِ عمل عُلَمَاء الْأَمْصَار وَسوى الصيدلاني بَينهمَا وَقَالَ لَا يحل للمحدث إِلَّا رِوَايَة مَا حفظ وتذكر فليرو كَذَلِك أَو ليترك الرِّوَايَة وَسوى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد على الْعَكْس من هَذَا وَقَالَ الشَّاهِد إِذا نسخ الْوَاقِعَة وَحفظ النُّسْخَة فِي خزانَة ووثق بِأَنَّهُ لم تحرف جَازَ لَهُ الشَّهَادَة وَإِن لم يذكر وَالْمَشْهُور بَين الْأَصْحَاب الْفرق بَين دَرَجَة الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فِي صُورَة حفظ النُّسْخَة وَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أقرب مِمَّا ذكره الصيدلاني
стр. 3363
فروع
الأول لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد القَاضِي بِأَنَّهُ قضى لم يجز لَهُ الحكم إِذا لم يتَذَكَّر ويشهدان عِنْد غَيره فَيثبت قَضَاؤُهُ وَإِن لم يذكرهُ وَلم يكذبهما وَلَكِن القَاضِي يَنْبَغِي أَن يطْلب من نَفسه الْيَقِين وَلَا يُمكنهُ طلب الْيَقِين من قَاض آخر وَيجوز هَذَا فِي الرِّوَايَة فَمن الْمَشَايِخ من كَانَ يَقُول حَدثنِي فلَان عني وَقَالَ أَبُو يُوسُف يقبل ذَلِك فِي الْقَضَاء أَيْضا
الثَّانِي أَنه لَو ادّعى خصم على قَاض أَنَّك قضيت لي فَأنْكر الْقَضَاء فَلَيْسَ لَهُ أَن يرفعهُ إِلَى قَاض آخر ويحلفه بل هُوَ كالشاهد لَا يحلف إِذا أنكر الشَّهَادَة وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن قُلْنَا إِن الْيَمين الْمَرْدُودَة كَالْإِقْرَارِ فَلهُ ذَلِك حَتَّى إِن نكل حلف الْخصم وَكَانَ كإقرار القَاضِي وَهَذَا ضَعِيف
الثَّالِث إِذا التمس صَاحب الْحق من القَاضِي أَن يُعْطِيهِ خطه بِأَنَّهُ قضى لَهُ وَيسلم إِلَيْهِ محضرا ديوانيا هَل تجب الْإِجَابَة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يجب إِذْ بِهِ إحكام الْأَمر وإتمامه
وَالثَّانِي لَا إِذْ لَا اعْتِمَاد على الْخط وَإِنَّمَا الْخط مُذَكّر فَقَط
فَإِن قُلْنَا يكْتب فالكاغد على الملتمس إِن لم يُطلق الإِمَام للقراطيس شَيْئا وَذَلِكَ مُسْتَحبّ إِطْلَاقه ثمَّ اعْلَم أَنا وَإِن لم نوجب كتبة الْمحْضر فَيُسْتَحَب للْقَاضِي اسْتِحْبَابا مؤكدا مهما جرت قَضِيَّة أَن يكْتب محضرا يذكر فِيهِ الْوَاقِعَة وَأَسْمَاء الْخَصْمَيْنِ فَإِن كَانَا غريبين كتب الْحِلْية ثمَّ يجمع محَاضِر كل أُسْبُوع فِي إضبارة ومحاضر الشَّهْر فِي قمطرة
стр. 3364
ومحاضر السّنة فِي خريطة وَيكْتب عَلَيْهِ التواريخ وَيخْتم القَاضِي على الخريطة بِنَفسِهِ ويحفظه بِنَفسِهِ أَو بِعدْل لَا يتمارى فِيهِ وَيدْفَع نُسْخَة أُخْرَى إِلَى صَاحب الْحق حَتَّى إِن ضَاعَت وَاحِدَة سهل الرُّجُوع إِلَى الْأُخْرَى وَهَذَا هُوَ الْعَادة فَإِن التَّذَكُّر من غير خطّ بعيد وَمن جوز للأمي أَن يكون قَاضِيا فَلَا يُمكنهُ إِيجَاب الكتبة وَإِن التمس صَاحب الْحق
стр. 3365
الْفَصْل الثَّالِث فِي التَّسْوِيَة بَين الْخَصْمَيْنِ
وَفِيه مسَائِل
الأولى أَن لَا يخصص أحد الْخَصْمَيْنِ بِالْإِذْنِ فِي الدُّخُول وَلَا بِجَوَاب السَّلَام وَلَا بمزيد الْبشر وَلَا بِالْقيامِ وَلَا بالبداية بالْكلَام وَلَا بِرَفْع الْمجْلس وَلَا بِالنّظرِ بل إِن نظر نظر إِلَيْهِمَا أَو أطرق وَقَالَ عَلَيْكُمَا السَّلَام
وَلَو بَادر أَحدهمَا بِالسَّلَامِ صَبر حَتَّى يسلم الثَّانِي فيجيب مَعًا إِلَّا أَن يظْهر التَّقَدُّم فيعذر فِي الْجَواب وَقيل يَنْبَغِي أَن يصبر قَالَ ﷺ لعَلي ﵁ سو بَين الْخَصْمَيْنِ فِي مجلسك ولحظك فيسوى بَين الشريف والوضيع فِي الْمجْلس إِلَّا أَن يكون أَحدهمَا ذِمِّيا فَيجوز أَن يرْتَفع عَلَيْهِ الْمُسلم على أحد الْوَجْهَيْنِ لما رُوِيَ أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دخل مَعَ خصم ذمِّي لَهُ إِلَى شُرَيْح فَقَامَ لَهُ شُرَيْح فَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هَذَا أول جورك ثمَّ أسْند عَليّ ﵁ ظَهره إِلَى الْجِدَار وَقَالَ أما إِن خصمي لَو كَانَ مُسلما لجلست بجنبه فَلَا بَأْس بِهَذَا الْقدر لأمر الْإِسْلَام أما التَّخْصِيص بِالْقيامِ فقد نهى عَنهُ ثمَّ لَا بَأْس أَن يَقُول القَاضِي من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا فَإِذا
следующие страницы →