Полный текст (877 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
رب يسر وَبِه نستعين
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الأوحد فغر الْإِسْلَام وجماله أَبُو بكر بن أَحْمد الْحُسَيْن الشَّاشِي رَحمَه الله تَعَالَى قدره الْحَمد لله الَّذِي أيد الْإِسْلَام فِي كل عصر بِإِمَام وأقامه مقَام نبيه ﷺ فِي حفظ شَرعه ونصرة دينه وإمضاء حكمه وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وَآله الطيبين الطاهرين
أما بعد فَإِنَّهُ لما انْتَهَت الْإِمَامَة المعظمة والخلافة المكرمة إِلَى سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ المستظهر بِاللَّه أعز الله أنصاره ذِي الهمة الْعليا فِي أَمر الدّين وَالدُّنْيَا استخرت الله تَعَالَى فِي كتاب جَامع لأقاويل الْعلمَاء تقربا إِلَى الله تَعَالَى فِي اطِّلَاعه عَلَيْهِ رَجَاء أَن
стр. 2
يكون مَا يصدر عَنهُ غير خَارج عَن مَذْهَب من الْمذَاهب وَينْتَفع بِهِ كل نَاظر فِيهِ فأرزق الْأجر فِيهِ وَالثَّوَاب عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَعلم الشَّرْع منقسم فمتفق عَلَيْهِ ومختلف فِيهِ وَالِاخْتِلَاف منتشر جدا وَمن شَأْن الْمُجْتَهد أَن يكون عَارِفًا بمذاهب الْعلمَاء فَذكرت مَذْهَب صَاحب كل مقَالَة وطريقته فِي مذْهبه كالقولين للشَّافِعِيّ ﵀ والروايتين وَالرِّوَايَات لمن سواهُ وَذكرت طَرِيقَته فِي مذْهبه وَاخْتِلَاف أَصْحَاب كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا فرعوه على اصله من الْمُتَأَخِّرين والمتقدمين وَمَا انْفَرد بِهِ الْوَاحِد مِنْهُم بِاخْتِيَار عَن صَاحب الْمَذْهَب وَالله الْمُوفق لحسن الْقَصْد فِيهِ وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
فصل لَا يجوز للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِذا خَافَ الْمُجْتَهد فَوت الْعِبَادَة المؤقتة إِذا اشْتغل بِالِاجْتِهَادِ جَازَ لَهُ تَقْلِيد من يعرف ذَلِك
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن يجوز للْعَالم تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ
وَفرض الْعَاميّ التَّقْلِيد فِي أَحْكَام الشَّرْع ويقلد الأعلم الأروع من أهل الِاجْتِهَاد فِي الْعلم
وَقيل يُقَلّد من شَاءَ مِنْهُم
فَإِن اخْتلف عَلَيْهِ اجْتِهَاد اثْنَيْنِ
стр. 3
فَظَاهر كَلَام الشَّافِعِي ﵀ أَنه يُقَلّد آمنهما عِنْده فَإِن اسْتَويَا فِي ذَلِك أَخذ بقول أَيهمَا شَاءَ
وَقيل يلْزمه الْأَخْذ بالأشق من قَوْلهمَا
وَقيل يَأْخُذ بالأخف
وَفِي تَقْلِيد الْمَيِّت من الْعلمَاء فِيمَا ثَبت من قَوْله وَجْهَان أظهرهمَا جَوَازه
стр. 4
= كتاب الطَّهَارَة ﷺ َ - بَاب مَا تجوز بِهِ الطَّهَارَة من الْمِيَاه وَمَا لَا تجوز
تجوز طَهَارَة الْحَدث وَالنَّجس بِالْمَاءِ الْمُطلق على أَي صفة كَانَ من أصل الْخلقَة وَحكي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله
стр. 5
ابْن عمر ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا التَّيَمُّم أعجب إِلَيْنَا من التوضىء بِمَاء الْبَحْر
وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ إِذا ألجئت إِلَيْهِ فَتَوَضَّأ بِهِ
فَأَما المَاء الَّذِي ينْعَقد مِنْهُ الْملح كأعين الْملح الَّتِي يَنْبع مِنْهَا المَاء مالحا فَإِنَّهُ يجوز الْوضُوء بِهِ
стр. 6
وَحكي عَن الْقفال أَنه قَالَ لَا يجوز
وَلَا يكره من ذَلِك إِلَّا مَا قصد إِلَى تشميسه وَقيل لَا يكره وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد وَمَالك
стр. 7
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يخْتَص النَّهْي بِمَاء مشمس بتهامة والحجاز
وَمِنْهُم من قَالَ يرجع إِلَى عدُول أهل الطِّبّ هَل يُورث البرص أم لَا
وَمِنْهُم من قَالَ يكره اسْتِعْمَاله فِي الْبدن وَلَا يكره غسل الثَّوْب والإناء بِهِ وَالْمذهب الأول
وَحكي عَن مُجَاهِد أَنه كره المَاء المسخن بالنَّار
стр. 8
وَكره أَحْمد المَاء المسخن بِالنَّجَاسَةِ زَاد فِي الْمُعْتَمد فِي هَذَا الْوَجْه وَأَن يكون فِي آنِية الصفر والنحاس وَأَن تكون مغطاة الرَّأْس
وَمَا عدا المَاء الْمُطلق من الْمَائِعَات كالخل وَمَاء الْورْد والنبيذ وَمَا اعتصر من شجر أَو ثَمَر فَلَا تجوز بِهِ طَهَارَة الْحَدث وَلَا طَهَارَة النَّجس وَهُوَ قَول مَالك غير أَنه قَالَ فِي السَّيْف إِذا أَصَابَهُ دم يجزىء مَسحه
وَقَالَ الْأَصَم وَابْن أبي ليلى يجوز رفع الْحَدث وَإِزَالَة النَّجس بِسَائِر الْمَائِعَات
стр. 9
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف يجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِكُل مَائِع طَاهِر مزيل للعين وَلَا يجوز رفع الْحَدث إِلَّا بِالْمَاءِ
وَأما النَّبِيذ فنجس
وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ طَاهِر وَعنهُ فِي جَوَاز الطَّهَارَة بِهِ ثَلَاث رِوَايَات
إِحْدَاهَا نَحْو قَوْلنَا وَهِي أَي أَنه لَا يرفع الْحَدث وَلَا
стр. 10
الْخبث قَول أبي يُوسُف
وَالثَّانيَِة أَنه يتَوَضَّأ بِهِ ويضيف إِلَيْهِ التَّيَمُّم وَهُوَ قَول مُحَمَّد
стр. 11
وَالثَّالِثَة أَنه يجوز التَّوَضُّؤ بنبيذ التَّمْر فِي السّفر عِنْد عدم المَاء
وَاخْتلف أَصْحَابه فِي النَّبِيذ الَّذِي يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ
فَقَالَ أَبُو طَاهِر الدباس يجوز التَّوَضُّؤ بالنبيذ النيء الحلو
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي لَا يجوز التَّوَضُّؤ إِلَّا بالمطبوخ المشتد
وَفِي الفتوحات المكية الَّذِي أَقُول بِهِ منع التطهر بالنبيذ لعدم صِحَة الْخَبَر الْمَرْوِيّ فِيهِ وَلَو أَن الحَدِيث صَحَّ لم يكن نصا فِي الْوضُوء بِهِ فَإِن الْوَارِد أَنه ﷺ قَالَ ثَمَرَة طيبَة وَمَاء طهُور أَي قَلِيل الامتزاج والتغير عَن وصف المَاء وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى مَا شرع لنا الطَّهَارَة عِنْد فقد المَاء إِلَّا بِالتَّيَمُّمِ خَاصَّة
فَإِن كَانَ يحْتَاج فِي طَهَارَته إِلَى خَمْسَة أَرْطَال وَمَعَهُ أقل من ذَلِك فكمله بمائع لم يتَغَيَّر بِهِ لقلته وَتَوَضَّأ بِهِ صحت طَهَارَته فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
стр. 12
وَذكر أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ فِي الإفصاح أَنه لَا يَصح
فَإِن طرح فِي مَا يَكْفِيهِ مَائِعا وَلم يتَغَيَّر بِهِ لموافقته المَاء فِي الطّعْم واللون والرائحة فَفِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه إِن كَانَت الْغَلَبَة للْمَاء جَازَت الطَّهَارَة بِهِ وَإِن لم تكن الْغَلَبَة لَهُ لم يجز
وَالثَّانِي أَنه يعْتَبر تغيره بِمَا يُغير فَإِن كَانَ قدرا لَو كَانَ مُخَالفا للْمَاء فِي صِفَاته غَيره منع الطَّهَارَة بِهِ
وَالشَّيْخ ابو نصر ﵀ قَالَ يقدر من جِهَة الْعَادة أَن لَا يُخَالِفهُ فِي صفة من صِفَاته
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وأيده الله وَوجدت
стр. 13
القَاضِي أَبَا الطّيب ﵀ قد ذكر هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فِي المَاء الْمُسْتَعْمل إِذا طرح على مَاء مُطلق
وَإِن طرح فِيهِ تُرَاب فَتغير بِهِ جَازَت الطَّهَارَة بِهِ
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز
وَمِنْهُم من حكى فِيهِ قَوْلَيْنِ
وَإِن طرح فِي المَاء ملح مائي فَتغير بِهِ جَازَ الطَّهَارَة بِهِ
وَحكي عَن صَاحب التَّلْخِيص أَنه قَالَ يمْنَع من التطهر بِهِ
وَإِن تغير المَاء بِعُود أَو دهن طيب فقد نقل الْمُزنِيّ أَنه يجوز الْوضُوء بِهِ
وَنقل الْبُوَيْطِيّ أَنه لَا يجوز
стр. 14
وَإِن وَقع فِي المَاء قَلِيل كافور فَتغير بِهِ رِيحه فَفِيهِ وَجْهَان
وَإِن تغير بمخالطة شَيْء سوى ذَلِك مِمَّا يَسْتَغْنِي المَاء عَنهُ لم تجز الطَّهَارَة بِهِ وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد
وَمن أَصْحَابنَا من حكى فِي الْحِنْطَة وَالشعِير إِذا طبخا فِي المَاء فَتغير من غير انحلال أَجزَاء وَجْهَيْن
قَالَ الإِمَام ابو بكر وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن التَّغَيُّر بذلك لَا يكون إِلَّا بانحلال أَجزَاء
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه تغير المَاء بالطاهر لَا يمْنَع الطَّهَارَة بِهِ مَا لم يطْبخ بِهِ أَو يغلب على أَجْزَائِهِ بِأَن يثخن إِن كَانَ رَقِيقا أَو فَقَالَ حل فِيهِ مَاء إِن كَانَ مَائِعا
стр. 15
فَإِن وَقع فِي المَاء قطران فَغَيره فقد قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي الْأُم لَا يجوز اسْتِعْمَاله وَقَالَ بعده بأسطر يجوز وَالْمَسْأَلَة على اخْتِلَاف حَالين لِأَن القطران على ضَرْبَيْنِ ضرب فِيهِ دهنية فَلَا يخْتَلط بِالْمَاءِ وَضرب لَا دهنية فِيهِ فيختلط بِهِ
وَإِن تغير المَاء بطول الْمكْث لم يمْنَع من الطَّهَارَة بِهِ
وَحكي عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ يمْنَع
وَلَا يكره الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء فِي مَاء زَمْزَم
стр. 16
وَقَالَ أَحْمد يكره فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ
стр. 17
- ﷺ َ - بَاب مَا يفْسد المَاء من النَّجَاسَة وَمَا لَا يُفْسِدهُ
إِذا وَقعت فِي المَاء الراكد نَجَاسَة يُدْرِكهَا الطّرف من خمر أَو بَوْل أَو ميتَة لَهَا نفس سَائِلَة وَهُوَ أقل من قُلَّتَيْنِ نجس وَإِن كَانَ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدا فَتغير فِيهِ أحد أَوْصَافه من طعم أَو لون أَو رَائِحَة نجس وَإِن لم يتَغَيَّر لم ينجس
والقلتان خَمْسمِائَة رَطْل بالبغدادي وَهل ذَلِك تقريب أَو تَحْدِيد فِيهِ وَجْهَان
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ القلتان خَمْسمِائَة منا
стр. 18
وَقَالَ أَبُو عبد الله الزبيرِي القلتان ثَلَاثمِائَة منا وَاخْتَارَهُ الْقفال وبقولنا قَالَ أَحْمد وَأَبُو ثَوْر وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ
وَحكي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَنه قدر المَاء الْكثير بِأَرْبَعِينَ قلَّة وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر
وَمِنْهُم من قدره بكر وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين ووكيع
стр. 19
وَالْكر عِنْدهم أَرْبَعُونَ قَفِيزا والقفيز اثْنَان وَثَلَاثُونَ رطلا
وَقَالَ مَالك الِاعْتِبَار بِتَغَيُّر المَاء بِكُل حَال وَبِه قَالَ دَاوُد ويروى عَن عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ
стр. 20
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه كل مَوضِع تَيَقنا وُصُول النَّجَاسَة إِلَيْهِ أَو غلب على ظننا وُصُول النَّجَاسَة إِلَيْهِ حكمنَا بِنَجَاسَتِهِ وَجعل حَرَكَة المَاء بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ عَلامَة على وصولها إِلَى حَيْثُ انْتَهَت الْحَرَكَة وَمَا لم تصل إِلَيْهِ طَاهِرَة من غير نظر إِلَى كَثْرَة وَلَا إِلَى تَغْيِير
وَحكي عَن دَاوُد تَفْرِيع عَجِيب على هَذَا الأَصْل بِدَلِيل خبر حمله عَلَيْهِ ترك الْقيَاس فَقَالَ إِذا بَال فِي مَاء راكد وَلم يتَغَيَّر لم ينجس وَلَا يجوز لَهُ أَن يتَوَضَّأ مِنْهُ وَيجوز لغيره أَن يتَوَضَّأ مِنْهُ
وَإِن بَال فِي إِنَاء ثمَّ طَرحه فِيهِ وَلم يتَغَيَّر لم ينجس وَجَاز لَهُ وَلغيره أَن يتَوَضَّأ مِنْهُ
وَإِن كَانَت النَّجَاسَة مِمَّا لَا يُدْرِكهَا الطّرف فَظَاهر مَا نَقله الْمُزنِيّ أَنه لَا ينجس
وَفِي الْبُوَيْطِيّ فِي الثَّوْب أَنه ينجس أدْركهُ الطّرف أَو لم يُدْرِكهُ
стр. 21
فَحصل فِي المَاء وَالثَّوْب سِتّ طرق
أَحدهَا أَنه ينجس المَاء وَالثَّوْب
وَالثَّانِي أَنه لَا ينجس المَاء وَلَا الثَّوْب وَهُوَ قَول أبي الطّيب بن سَلمَة
وَالثَّالِث فِيهِ قَولَانِ
وَالرَّابِع حمل النصين على ظَاهر هما وَالْفرق بَينهمَا
وَالْخَامِس عكس ذَلِك وَهُوَ أَن ينجس المَاء وَلَا ينجس الثَّوْب
وَقَالَ أَبُو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة ينجس الثَّوْب وَفِي المَاء قَولَانِ
وَالشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق ﵀ حصل من ذَلِك ثَلَاث طرق وَهِي
стр. 22
الأولى فِي المَاء وَالثَّوْب جَمِيعًا واسقط مَا زَاد على ذَلِك إِذا مَاتَ مَا لَيْسَ لَهُ نفس سَائِلَة من ذُبَاب أَو زنبور فِي مَاء قَلِيل أَو طَعَام لم يُنجسهُ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْأَصَح للنَّاس
стр. 23
وينجسه فِي الآخر وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر وَيحيى بن ابي كثير فَإِن كثر فِيهِ مَا غير المَاء نجسه فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَمَا يعِيش فِي المَاء مِمَّا لَا يحل أكله كالضفدع وَغَيره إِذا مَاتَ فِي المَاء الْقَلِيل نجسه
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يُنجسهُ
فصل إِذا أَرَادَ تَطْهِير المَاء الَّذِي حكمنَا بِنَجَاسَتِهِ
فَإِنَّهُ إِن كَانَت نَجَاسَته بالتغير وَكَانَ أَكثر من قُلَّتَيْنِ طهر بِزَوَال التَّغْيِير بِنَفسِهِ أَو بِأخذ بعضه وَذَلِكَ فِي الْبِئْر إِذا كَانَ يَنْبع مِنْهَا المَاء فَإِن نزح المَاء مِنْهَا ونبع مَا يبلغ قُلَّتَيْنِ وَزَالَ التَّغَيُّر طهرت الْبِئْر وَالْمَاء وَإِن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ طهر مَا ورد عَلَيْهِ المَاء من الْبِئْر وَالْمَاء الْمُسْتَعْمل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة فَيكون طَاهِرا على مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ ونجسا على قَول الْأنمَاطِي
стр. 24
وَقد ذكر أَصْحَابنَا فِيهِ إِذا كَانَ الثَّوْب جَمِيعه نجسا فَغسل نصفه ثمَّ غسل النّصْف الآخر لم يطهر ونبع المَاء لشَيْء بعد شَيْء من الْبِئْر بِمَنْزِلَتِهِ ويطهر أَيْضا بِأَن يطْرَح عَلَيْهِ مَاء آخر حَتَّى يَزُول التَّغَيُّر
وَإِن طرح فِيهِ تُرَاب أَو جص فَزَالَ التَّغَيُّر طهر فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ
وَذكر الشَّيْخ ابو حَامِد ﵀ فِي التَّعْلِيق أَن الْقَوْلَيْنِ فِي التُّرَاب وَمَا سواهُ لَا يظْهر قولا وَاحِدًا وَلَيْسَ بِشَيْء
وَإِن كَانَ المَاء أقل من قُلَّتَيْنِ وَلم يتَغَيَّر طهر بالمكاثرة وَإِن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ إِذا لم تكن عين النَّجَاسَة فِيهِ قَائِمَة
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يطهر بالمكاثرة من غير أَن يبلغ قُلَّتَيْنِ وَالْمذهب الأول
فَإِن كَانَ قلتان من المَاء النَّجس فِي إناءين من غير تغير فَجمع بَينهمَا فِي إِنَاء وَاحِد طهرتا
стр. 25
وَقَالَ اصحاب أَحْمد لَا يحكم بِالطَّهَارَةِ فيهمَا
وَحكم المَاء فِي الْبِئْر حكم المَاء فِي الصنع فِي التَّطْهِير حكم الغدير الَّذِي لَا يَتَحَرَّك أحد الطَّرفَيْنِ فِي تَحْرِيك الطّرف الآخر
وَقَالَ أَبُو حنيفَة مَاء الْبِئْر يُخَالف مَاء الغدير فَإِذا مَاتَ فِي الْبِئْر فَأْرَة أَو عُصْفُور نزح مِنْهَا عشرُون دلوا وطهرت وَإِن وَقع فِيهَا دَمهَا نزح جَمِيعهَا وَكَذَا إِن وَقع فِيهَا بَوْل أَو دم
وَإِن مَاتَ فِيهَا هرة أَو دجَاجَة نزح مِنْهَا اربعون دلوا وطهر الْبَاقِي وَإِن مَاتَ فِيهَا شَاة نزح جَمِيعهَا
فَإِن أَرَادَ الطَّهَارَة من المَاء الَّذِي وَقعت فِيهِ نَجَاسَة وَحكم بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ وطهر بالمكاثرة وَلم يبلغ قُلَّتَيْنِ لم تجز الطَّهَارَة بِهِ وَإِن كَانَ أَكثر من قُلَّتَيْنِ جَازَ الطَّهَارَة مِنْهُ
стр. 26
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَابْن الْقَاص إِن كَانَ فِيهِ نَجَاسَة جامدة لم يجز أَن يتَوَضَّأ من مَوضِع يكون بَينه وَبَين النَّجَاسَة أقل من قُلَّتَيْنِ وَالْمذهب الأول
وَإِن كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ وَفِيه نَجَاسَة جامدة فَالْمَذْهَب أَنه يجوز أَن يغترف مِنْهُ بِإِنَاء وَيتَوَضَّأ بِهِ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يجوز فَإِن أخرج النَّجَاسَة مِنْهُ جَازَ أَن يتَوَضَّأ بِهِ وَجها وَاحِدًا وَإِن كَانَت النَّجَاسَة فِي الْقلَّتَيْنِ مائعة وَقد طهر المَاء جَازَ الطَّهَارَة بِجَمِيعِهِ
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يبْقى فِيهِ قدر النَّجَاسَة وَلَيْسَ بِشَيْء
فَأَما الْجَارِي إِذا كَانَ فِيهِ النَّجَاسَة جَارِيَة فَإِنَّهُ إِن كَانَ المَاء الَّذِي يُحِيط
стр. 27
بِالنَّجَاسَةِ يبلغ قُلَّتَيْنِ وَلم يتَغَيَّر فَهُوَ طَاهِر وَإِن نقص عَن قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَلَا يجوز التَّوَضُّؤ مِنْهُ حَتَّى يجْتَمع فِي مَوضِع ويبلغ قُلَّتَيْنِ وَهُوَ غير متغير
وَقَالَ ابْن الْقَاص للشَّافِعِيّ ﵁ قَول فِي الْقَدِيم إِن المَاء الْجَارِي لَا ينجس إِلَّا بالتغيير وَإِن كَانَ قَلِيلا وَكَذَا حكم النَّجَاسَة الْوَاقِعَة فِي النَّهر وَالْمَاء يجْرِي عَلَيْهَا على مَا ذَكرْنَاهُ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَابْن الْقَاص وَالْقَاضِي أَبُو حَامِد يجوز أَن يتَوَضَّأ من مَوضِع يكون بَينه وَبَين النَّجَاسَة قلتان فِي طول النَّهر
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ تعْتَبر القلتان فِي المَاء الَّذِي يلاقي جَمِيعه النَّجَاسَة من الْجَارِي فَأَما إِذا كَانَت النَّجَاسَة راسية فِي أَسْفَل المَاء وقراره وَالْمَاء يجْرِي عَلَيْهَا فَالَّذِي يلقاها الطَّبَقَة السُّفْلى من المَاء وَهِي أقل من قُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَة
стр. 28
وَفِي الطَّبَقَة الْعليا وَجْهَان
أَحدهمَا أَنَّهَا طَاهِرَة
وَالثَّانِي أَنَّهَا نَجِسَة
وَإِن كَانَت النَّجَاسَة طافية على رَأس المَاء وَالَّذِي يلاقيها مِنْهُ أقل من قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَمَا فِي الْقَرار فِيهِ وَجْهَان
وَقد ذكر الشَّيْخ ابو نصر ﵀ فِيهِ إِذا تغير أحد جَانِبي النَّهر أَن قِيَاس الْمَذْهَب أَن ينجس مَا يحاذيه من الْجَانِب الآخر وَإِن لم يتَغَيَّر حَتَّى ينْفَصل عَن محاذاته فيطهر وَيَجِيء فِيهِ تَخْرِيج الْوَجْه الآخر فَإِنَّهُ مثله
ذكر القَاضِي حُسَيْن ﵀ أَنه إِذا وَقعت فِي قُلَّتَيْنِ من المَاء نَجَاسَة لَا تخَالف المَاء فِي صِفَاته فَإِنَّهُ يعْتَبر بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي تخَالف المَاء فِي الصّفة فَيُقَال هَذَا الْقدر من النَّجَاسَة لَو كَانَ مُخَالفا للْمَاء فِي صفته هَل كَانَ يطهر عَلَيْهِ فَيقْضى فِيهِ بِحكمِهِ
стр. 29
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر وَهَذَا أشبه بِمَا ذَكرْنَاهُ من الطَّاهِر الْمُوَافق للْمَاء فِي صِفَاته فَلَا يتَغَيَّر بِهِ وَقد استبعد الشَّيْخ أَبُو نصر ﵀ وجود ذَلِك هُنَاكَ فالنجالسة بالاستبعاد أولى
فصل أما المَاء الْمُسْتَعْمل
فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسْتَعْملا فِي رفع حدث فَهُوَ طَاهِر
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن ابي حنيفَة أَنه قَالَ هُوَ نجس وَهُوَ قَول أبي يُوسُف
وَلَا يجوز التطهر بِهِ على الْمَشْهُور من الْمَذْهَب وَهُوَ قَول أَحْمد وَالْمَشْهُور عَن ابي حنيفَة وَقَول مُحَمَّد بن الْحسن
стр. 30
وَحكى عِيسَى بن أبان عَن الشَّافِعِي ﵀ جَوَاز التطهر بِهِ وَهُوَ قَول مَالك وَدَاوُد
فَمن اصحابنا من لم يثبت هَذِه الرِّوَايَة مذهبا لَهُ فَإِذا قُلْنَا لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ فَهَل تجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ فِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه لَا يجوز
فَإِن اسْتعْمل المَاء فِي نفل الطَّهَارَة كتجديد الْوضُوء جَازَ التَّوَضُّؤ بِهِ فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
ذكر بعض أَصْحَابنَا أَن المَاء إِذا انْفَصل من عُضْو إِلَى عُضْو صَار مُسْتَعْملا فِي طَهَارَة الْحَدث وَفِي غسل الْجَنَابَة وَجْهَان
أصَحهمَا أَنه لَا يصير مُسْتَعْملا حَتَّى ينْفَصل من جَمِيع الْبدن
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أيده الله وَعِنْدِي أَنه لَا اعْتِبَار
стр. 31
بالعضو والعضوين وَلَا يخْتَلف باخْتلَاف الطهارتين وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بالانفصال عَن الْمحل فَإِنَّهُ يصير مُسْتَعْملا وَإِن كَانَ فِي عُضْو وَاحِد وَمثله فِي الْجَنَابَة وَمَا دَامَ يجْرِي مُتَّصِلا با الْمحل فَإِنَّهُ لَا يصير مُسْتَعْملا غير أَن أَعْضَاء الْبدن يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض فينحدر المَاء من عُضْو إِلَى عُضْو مُتَّصِلا
فَإِن غسل رَأسه مَكَان الْمسْح فَهَل يصير المَاء مُسْتَعْملا
حكى أَبُو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة فِيهِ وَجْهَيْن
أصَحهمَا أَنه يصير مُسْتَعْملا وَيسْتَحب تَجْدِيد الْوضُوء إِذا كَانَ قد صلى بِهِ فَرِيضَة
وَإِن كَانَ قد صلى بِهِ نَافِلَة فَهَل يسْتَحبّ التَّجْدِيد
حكى فِيهِ بعض أَصْحَابنَا وَجْهَيْن وبناه على أَن المَاء الْمُسْتَعْمل فِي نفل الطَّهَارَة هَل يصير مُسْتَعْملا أم لَا وَفرع عَلَيْهِ تَفْصِيلًا عجيبا
وَالصَّحِيح فِي ذَلِك أَن يكون قد فعل بِالطَّهَارَةِ مَا ترَاد لَهُ الطَّهَارَة شرعا فترتفع كَرَاهَة التَّجْدِيد
فَإِن جمع المَاء الْمُسْتَعْمل حَتَّى يبلغ قُلَّتَيْنِ زَالَ حكم الِاسْتِعْمَال فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
стр. 32
فَأَما المَاء الْمُسْتَعْمل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة إِذا لم يتَغَيَّر فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أظهرها أَنه طَاهِر وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق
وَالثَّانِي أَنه نجس وَهُوَ قَول ابي الْقَاسِم الْأنمَاطِي وَقَول ابي حنيفَة
وَالثَّالِث أَنه إِن انْفَصل وَالْمحل طَاهِر فَهُوَ طَاهِر وَإِن انْفَصل وَالْمحل نجس فَهُوَ نجس وَهُوَ قَول ابْن الْقَاص
فَإِذا قُلْنَا إِنَّه طَاهِر فَهَل يجوز الْوضُوء بِهِ فِيهِ وَجْهَان
стр. 33
- ﷺ َ - بَاب الشَّك فِي نَجَاسَة المَاء والتحري فِيهِ
إِذا أكلت الْهِرَّة نَجَاسَة وولغت فِي مَاء قَلِيل فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه نجس
وَالثَّانِي أَنَّهَا إِن غَابَتْ ثمَّ عَادَتْ وولغت فِيهِ لم ينجس
وَالثَّالِث أَنه لَا ينجس بذلك بِحَال
وَإِذا ورد على مَاء فَأخْبرهُ رجل بِنَجَاسَتِهِ قبل خَبره وَلم يجْتَهد
стр. 34
فَإِن أخبرهُ رجل أَن الْكَلْب ولغَ فِي هَذَا الْإِنَاء فِي وَقت عينه دون الآخر وَقَالَ آخر بل ولغَ فِي الْإِنَاء الآخر فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه دون هَذَا الْإِنَاء ذَاته فَإِنَّهُ يَبْنِي على الْقَوْلَيْنِ بتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ
فَإِن قُلْنَا إنَّهُمَا يسقطان سقط خبرهما وَتَوَضَّأ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَإِن قُلْنَا إنَّهُمَا يستعملان أراقهما أَو صب أَحدهمَا فِي الآخر وَتيَمّم
ذكر فِي الْحَاوِي أَنه إِذا أخبرهُ رجل أَن هَذَا الْكَلْب ولغَ فِي هَذَا الْإِنَاء فِي وَقت عينه وَقَالَ آخر هَذَا الْكَلْب فِي ذَلِك الْوَقْت لم يكن فِي ذَلِك الْمَكَان فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه طَاهِر لتعارض الْخَبَرَيْنِ وسقوطهما
وَالثَّانِي أَنه نجس لِأَن الْكَلْب تشتبه وَهَذَا الْوَجْه لَيْسَ بِشَيْء
فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء طَاهِر وَمَاء نجس تحرى فيهمَا فَمَا أَدَاء اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَته تَوَضَّأ بِهِ
стр. 35
وَقَالَ الْمُزنِيّ وَأَبُو ثَوْر لَا يتحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَيتَيَمَّم وَيُصلي وَبِه قَالَ أَحْمد وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي وجوب إراقتهما قبل التَّيَمُّم
وَقَالَ عبد الْملك بن الْمَاجشون لَا يتحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَلكنه يتَوَضَّأ بِأَحَدِهِمَا وَيُصلي ثمَّ يتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيُعِيد الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة يتَوَضَّأ بِأَحَدِهِمَا وَيُصلي ثمَّ يغسل مَا أَصَابَهُ من المَاء الأول وَيتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيُعِيد الصَّلَاة
стр. 36
وَقَالَ غَيرهمَا من أَصْحَاب مَالك مثل قَوْلنَا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَ عدد الطَّاهِر أَكثر جَازَ التَّحَرِّي وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يجز
فَإِن تَوَضَّأ بِأحد الإناءين من غير تحر ثمَّ بَان لَهُ أَنه الطَّاهِر وَأَن الآخر نجس لم تصح طَهَارَته فِي اخْتِيَار الشَّيْخ الإِمَام أبي إِسْحَاق ﵀
وَاخْتَارَ الشَّيْخ أَبُو نصر بن الصّباغ ﵀ أَنه تصح طَهَارَته
فَإِن انْقَلب أحد الإناءين قبل التَّحَرِّي فَهَل يجوز التَّحَرِّي فِي الآخر فِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه لَا يجوز وَمَا الَّذِي يصنع فِيهِ وَجْهَان
قَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ يتَوَضَّأ بِهِ
وَقَالَ القَاضِي أَبُو حَامِد يتَيَمَّم
فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ إناءان وَهُنَاكَ إِنَاء ثَالِث طَاهِر فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فيهمَا فِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه لَا يجوز وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو نصر ﵀
وَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء مُسْتَعْمل وَمَاء مُطلق فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فِيهِ وَجْهَان
стр. 37
أَحدهمَا يتحَرَّى
وَالثَّانِي لَا يتحَرَّى وَيتَوَضَّأ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا
وَمن أَصْحَابنَا من بنى جَوَاز التَّحَرِّي بَين المَاء الْمُسْتَعْمل وَالْمُطلق على زَوَال حكم الِاسْتِعْمَال ببلوغ الْقلَّتَيْنِ فِيهِ فَإِن قُلْنَا لَا يَزُول لم يجز التَّحَرِّي وَهَذَا عِنْدِي بِنَاء فَاسد
فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء وَبَوْل أَو مَاء وَمَاء ورد لم يتحر بَينهمَا وأراق المَاء وَالْبَوْل وَتيَمّم وَتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وَمَاء الْورْد
وَقَالَ أَبُو زيد المالقي يتحَرَّى فيهمَا
وَذكر فِي الْحَاوِي إِنَّه إِذا اشْتبهَ المَاء وَمَاء الْورْد وَاحْتَاجَ إِلَى الشّرْب تحرى بَينهمَا لأجل الشّرْب فيجتهد أَيهمَا مَاء الْورْد ليشربه فَيخرج الآخر بِالِاجْتِهَادِ ان يكون مَاء الْورْد وَهَذَا عِنْدِي بِنَاء فَاسد لِأَن الشّرْب لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّحَرِّي فيشرب مَا شَاءَ مِنْهُمَا وَيتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيتَيَمَّم
وَقَالَ ابو حنيفَة إِن كَانَ عدد الطَّاهِر المطهر أَكثر جَازَ التَّحَرِّي كَمَا يجوز فِي الْمِيَاه
стр. 38
وَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ طَعَام طَاهِر وَطَعَام نجس تحرى بَينهمَا
وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد إِن ذَلِك يَنْبَنِي على الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِبَاه الإناءين
وَهُنَاكَ ثَالِث ظَاهر فِي جَوَاز التَّحَرِّي
قَالَ الشَّيْخ أَبُو نصر ﵀ وَهَذَا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَن يعْتَبر فِي التَّحَرِّي الضَّرُورَة وَهَا هُنَا لَا يلْزمه أكل وَاحِد مِنْهُمَا وَهَذَا الَّذِي ذكره فِيهِ نظر
وَاخْتلف فِي المَاء لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي الطَّهَارَة للصَّلَاة
فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ إناءان فتحرى فيهمَا فأداه اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَة أَحدهمَا فَتَوَضَّأ بِهِ وَصلى وَلم يرق الآخر حَتَّى حضرت الصَّلَاة الثَّانِيَة أعَاد الِاجْتِهَاد
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يلْزمه ذَلِك فَإِن أعَاد الِاجْتِهَاد وَأَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَة الثَّانِي لَا نَجَاسَة الأول
فالمنصوص أَنه يتركهما وَيتَيَمَّم وَيُعِيد كل صَلَاة صلاهَا بِالتَّيَمُّمِ فِي أحد الْوُجُوه مَعَ بَقَاء شَيْء من الْإِنَاء الأول
وَفِي الثَّانِي لَا يُعِيد
وَفِي الثَّالِث وَهُوَ قَول أبي الطّيب بن سَلمَة أَنه إِن كَانَ قد بَقِي من الْإِنَاء الأول شَيْء أعَاد الصَّلَاة وَإِن لم يبْق مِنْهُ شَيْء لم يعد
стр. 39
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يتَوَضَّأ بِالثَّانِي وَلَا يتَيَمَّم وَيغسل مَا أَصَابَهُ من المَاء الأول وَلَا يُعِيد الصَّلَاة
وَذكر القَاضِي حُسَيْن ﵀ فَقَالَ هَل يعْتَبر فِي التَّحَرِّي نوع دَلِيل أم يَكْفِي مُجَرّد الظَّن فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يَكْفِيهِ ظن يَقع لَهُ من غير أَمارَة وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء يذكر
فَإِن اشْتبهَ إناءان على أعمى فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فِيهِ قَولَانِ
فَإِن قُلْنَا يتحَرَّى فتحرى فَلم يَقع لَهُ الطَّاهِر مِنْهُمَا فَهَل يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه يجوز
стр. 40
فَإِن اخْتلف اجْتِهَاد رجلَيْنِ فِي إناءين تَوَضَّأ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَته وَلم يأتم أَحدهمَا بِالْآخرِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْر يجوز أَن يأتم بِهِ
следующие страницы →