Полный текст (727 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
@ قَالَ وَإِن لم يُجَامِعهَا حَتَّى انْقِضَاء الْأَجَل وطالبت بالفرقة فَفرق الْحَاكِم بَينهمَا فَهَذَا الَّذِي أوردته كَاف من حَيْثُ الْإِجْمَال ثمَّ أتبرع بتفصيل السَّبَب الَّذِي لأَجله ترك شَيخنَا وَمن قبله من الْعلمَاء التَّفْصِيل الَّذِي ألزم بِهِ هَذَا الرجل وكما ذكر ذَلِك مِنْهُ على ذَهَابه عَن كَلَام الْعلمَاء فَكَذَلِك دلّ على ذَهَابه عَن إِدْرَاك مَوَاضِع الْأَلْفَاظ وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام الْمَذْكُور إِطْلَاق حتي يُقَال هلا فصلت وقيدت بل فِيهِ مَا يُقَيِّدهُ بِمَا وَقع فِيهِ الْكَلَام من مَانع التعنين فَإِنَّهُ جرى فِيهِ ذكر امْتنَاع الوطئ عقيب ذكر مَانع التعنين فَيَسْبق إِلَى فهم الخاصي والعامي أَن امْتِنَاعه كَانَ من أَجله لَا لمَانع آخر لم يجز ذكره فَيكون تَرْتِيب الْفَسْخ على ذَلِك صَحِيحا إِلَّا أَنه إِذا قَالَ الْقَائِل عثر فلَان عَن زَوجته ولت يَطَأهَا حتي فَارقهَا وَهِي بكر بعد فَإِن الْخَاص وَالْعَام يفهمون مِنْهُ حواله عدم وَطئه مَا ذكر من التعنين دون غَيره من الْمَوَانِع وَالْحَمْد الله وَحده
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة نقلا لما كَانَ فِي رقعته على وَجهه استفتاء مَا تَقول الْفُقَهَاء فِي رجل عِنْده قماش يكريه لجنائز الْأَمْوَات وَغَيره مثل ثِيَاب بيض وخضر وأقبية وشرابيش أطلس حمر وخضر وَثيَاب مذهبَة فَهَل يجوز لَهُ إكراؤها بطرِيق الْحَلَال أم لَا
الْجَواب لَا يجوز لَهُ ذَلِك فِي الأطلس وَالْحَرِير وكل مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة وَلَا بَأْس بِهِ فِيمَا الْمَقْصُود بِهِ ستْرَة الْمَيِّت وصيانته وَالله أعلم
الْأَخْذ هَذَا الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن النِّسَاء يجوز أَن يُكفن فِي الْحَرِير وَإِن كَانَ الأولى أَن لَا يفعل وَإِذا كَانَ تكفينهن فِيهِ غير محرم فَلم لَا يجوز إِجَارَته وَإِذا كَانَ تكفينهن فِي الْحَرِير لَا يحرم مَعَ أَن الْكَفَن يصير إِلَيّ الثوي والعفن فَلم لَا يجوز سترهن بِمَا لَا يكون عاقبته إِلَى ذَلِك وَأما قَوْله وكل مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن ذهب من الْعلمَاء إِلَى تَحْرِيم التَّكْفِين فِيهِ كالرفيع من الْكَتَّان والقطن وَالصُّوف والمرتفعات الموشية بِغَيْر الْحَرِير هَذَا أَخذه الَّذِي أملاه على جِهَته وشنع مَعَ ذَلِك وأشاع عَن شَيخنَا أَنه ارْتكب بذلك إِحْدَى عظيمات الْخَطَأ وَهَذَا من الْمُنْكَرَات
стр. 107
@ الشائعة الَّتِي سعى أستاذنا فِي إِبْطَالهَا وتقليلها فَأبى الشَّيْخ الْمَذْكُور إِلَّا السَّعْي فِي إبقائها أَو تكثيرها فَإِن هَذَا الَّذِي اعتاده أهل هَذِه الْبَلدة من تَزْيِين الْجَنَائِز وَإِجَارَة ثِيَاب الزِّينَة لذَلِك من الْبدع السخيفة والمنكرات الْفَاحِشَة الَّتِي يُبَادر إِلَى إنكارها قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ أَن لمورد الْمَوْت الهادم للذات الفاضح للدنيا حَتَّى لم يدع لَهَا قدرا من القَوْل مَا يكبر عَن الْوَصْف والمجهز مُتَرَدّد بَين أَمريْن عظيمين يسَار بِهِ لَا يدْرِي إِلَى رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار فَهَل يَلِيق بِهَذِهِ الْحَالة سوى الخضوع والانكسار وَهل تكون الزِّينَة فِيهَا والتزي فِيهَا بِذِي أهل السرُور والفرح إِلَّا من أعظم الْحمق وأبلغ السَّرف والسخف فَنَقُول مَا أفتى بِهِ شَيخنَا فِي ذَلِك هُوَ الصَّوَاب وَالْحق الَّذِي تشهد بِهِ أصُول الشَّرِيعَة ثمَّ أصل مذْهبه الَّذِي يُفْتِي عَلَيْهِ أما قَول هَذَا الرجل إِن هَذَا الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن ذَلِك جَائِز فِي النِّسَاء بِدَلِيل جَوَاز تكفينهن فِي الْحَرِير فَيجوز إِجَارَته لذَلِك فقد أَخطَأ فِيهِ وَاحْتج بِغَيْر مُسلم لَهُ لِأَن تكفينهن فِي الْحَرِير حرَام أَيْضا على وَجه لنا صَحِيح مَذْكُور فِي زَوَائِد الْمُهَذّب تأليف صَاحب الْبَيَان قَالَ لِأَنَّهُ لَا زِينَة بعد الْمَوْت وَمن قَالَ تكفينهن فِي الْحَرِير غير حرَام فتخريج هَذَا الرجل مَا نَحن فِيهِ من تَزْيِين جنائزهن من ذَلِك تَخْرِيج بَاطِل لِأَن تكفينهن فِيهِ من قبيل لبسهن لَهُ وتزيين جنائزهن بِهِ من قبيل تنجيد بُيُوتهنَّ وتزيينها بتعليق الديباج وَقد حكى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي التَّبْصِرَة من غير خلاف أَن ذَلِك غير مُبَاح وَأَنه يَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء قَالَ لِأَن ذَلِك يقْصد بِهِ المراياة والمكاثرة أَو نقُول هُوَ من قبيل افتراشهن للحرير هُوَ حرَام على مَا قطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَصَاحب التَّهْذِيب وَغَيرهمَا وَهُوَ الْوَجْه الصَّحِيح فِيهِ لِأَنَّهُنَّ استثنين فِي لبس الْحَرِير على الرِّجَال لما فِيهِ من تحسينهن لِأَزْوَاجِهِنَّ وتزينهن فِي أَعينهم مِمَّا لَا يحصل لَهُنَّ فِيهِ ذَلِك من ذَلِك فهن وَالرِّجَال فِيهِ سَوَاء وَمُوجب تَحْرِيمه يجمع الْفَرِيقَيْنِ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُنَّ استثنين فِي جَوَاز التحلي بِالذَّهَب وَالْفِضَّة سوى بَينهُنَّ وَبَين الرِّجَال فِي تَحْرِيمه وَهَذَا وَاضح ثمَّ نقُول من جَوَاز افتراشهن للحرير فِي حَال الْحَيَاة فَلَا يلْزم من تجويزه ذَلِك تَجْوِيز تَزْيِين جنائزهن بِهِ ليَكُون هَذَا وَاقعا فِي حَالَة الْمَوْت الهادم للذات المنافية للتصنع والتزيين وَذَلِكَ وَاقع فِي حَال
стр. 108
@ الْحَيَاة وَفِي مَظَنَّة الزِّينَة وَالنَّظَر إِلَى المظنة مَعْهُود فَإِن قلت فَكيف جوز تكفينهن فِي الْحَرِير بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ فِي حَالَة الْمَوْت قُلْنَا لَا جرم كَانَ ضَعِيفا بِمَا قدمنَا ذكره وَمَعَ ذَلِك فَلَا يتَخَرَّج مِنْهُ وَجه فِي جَوَاز تَزْيِين جنائزهن بالحرير فضلا عَن أَن يقطع من أَجله بخطأ من أفتى بِالْمَنْعِ من تَزْيِين جنائزهن بِهِ وشنع عَلَيْهِ كَمَا فعله هَذَا المؤذي وَهَذَا لِأَن قَول الْقَائِل يجوز تكفينهن فِيهِ لَا يعْطى أَكثر من أَنه يجوز اسْتِعْمَاله لما يقْصد بالتكفين من سره الْمَيِّت وإكرامه بذلك لَيْسَ فِيهِ أَنه يجوز ذَلِك مَقْصُودا بِهِ الزِّينَة والتجمل وكلامنا فِيمَا نَحن فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي التزيين بذلك وَهَكَذَا مَا نَقله من فَتْوَى شَيخنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْع من التزيين وَمَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة وَالْإِجَارَة لذَلِك فَإِنَّمَا يَصح استدلاله بِفضل الكفران لَو قَالَ أحد بِجَوَاز تكفينهن فِي الْحَرِير مَقْصُودا بِهِ الزِّينَة وَهَذَا لم يُوجد عَن أحد من أَصْحَابنَا وَلَا عَن أحد من الْعلمَاء قاطبة فقد بَطل إِذا تَخْرِيجه من الْكَفَن على كل وَجه وَأما تَعْمِيم شَيخنَا الْمَنْع فِي تَزْيِين الْجَنَائِز بِغَيْر الْحَرِير حَيْثُ قَالَ وَكلما الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن أصُول ذَلِك وشواهده تَزْيِين الْقَبْر فَمَا أشبه تَزْيِين النعش بتزيين الْقَبْر وَقد صَحَّ نهي رَسُول الله ﷺ عَن تجصيص الْقُبُور وَعلله الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ بِأَن ذَلِك يشبه الزِّينَة وَالْخُيَلَاء وَلَيْسَ الْمَوْت مَوضِع وَاحِد مِنْهُمَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر نهى فِيهِ عَن بعض مَا يُرَاد بِهِ تَزْيِين الْمَيِّت الْمَيِّت لَا يزين وَنَظِير فَتْوَى شَيخنَا يبْقى الْجَوَاز فِي ذَلِك على الْعُمُوم فِي غير الْحَرِير من فتاوي أَئِمَّة مَذْهَبنَا فَتْوَى قَاضِي الْقُضَاة بِبَغْدَاد أبي بكر الشَّامي وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة فِي طبقَة الشَّيْخ أبي أسْحَاق فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن تستير جدر الْمَسْجِد بالحرير
فَأجَاب لَا يجوز أَن تعلق على حيطان ستور من حَرِير وَلَا من غَيره وَلَا يَصح وَقفهَا عَلَيْهِ وَهِي بَاقِيَة على ملك الْوَقْف ثمَّ اعتذر عَن تستير الْكَعْبَة زَادهَا الله شرفا فَإِنَّمَا لَا يخفى أُفْتِي بذلك فِي دَار الْعلم وَالْعُلَمَاء وَمَا فاتهم إِلَّا جهبذنا هَذَا حَتَّى ينْتَقد عَلَيْهِ وَيكون ذَلِك الإِمَام بذلك مِنْهُ أولى من شَيخنَا فَإِن نفي الْجَوَاز فِيمَا ذكره شَيخنَا أوضح بدرجات وَفِيمَا أوردته إِيضَاح لبعضها قَالَ فِي أَخذه على هَذَا أما
стр. 109
@ قَوْله وَكلما الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن ذهب من الْعلمَاء الى تَحْرِيم التَّكْفِين فِي الرفيع من الْكَتَّان والقطن فانظروا هَذَا المنتقد مَا كَانَ أغناه عَن الانتقاد إِنَّمَا قَالَ شَيخنَا لَا يجوز التزيين وَالْإِجَارَة لَهُ فَجعله قَائِلا أَنه يحرم وَأخذ يتَكَلَّم على التَّحْرِيم وَمَعْلُوم من أصُول الْفِقْه وَبَين فُقَهَاء هَذِه الأقطار أَنه لَا يلْزم فِي نفي الْجَوَاز حُصُول التَّحْرِيم وَإِن انْتِفَاء الْجَوَاز قد يكون بِالْكَرَاهَةِ فالمكروه عِنْدهم غير جَائِز وَلَا يُقَال إِنَّه حرَام وَإِنَّمَا الْجَوَاز تَسْوِيَة الشَّرْع بَين الْفِعْل وَالتّرْك وَمن أَرَادَ ذَلِك من المستصفي فَهُوَ فِيهِ
مَسْأَلَة إِذا فسخ الْوُجُوب هَل يبْقى الْجَوَاز وَخلاف أهل بخار أَلا يذكر فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي هَذَا الرجل فِيهِ مخطىء أحد فَإِن قَالَ فالمفتي لَا يَقُول فِي الْمَكْرُوه لَا يجوز فَإِنَّهُ قُلْنَا لَو سلمنَا لَك أَن النَّهْي عَن تَزْيِين الْجَنَائِز على فحشه وسخفه نهي كَرَاهَة يحن بالمفتي أَن يَقُول فِيهِ لَا يجوز فَإِنَّهُ من حَيْثُ الْحَقِيقَة حق على مَا قدمْنَاهُ وَهُوَ أبلغ فِي أَن لَا يَفْعَله السَّائِل وَلِهَذَا كَانَ الشَّارِع ﷺ ثمَّ الْفُقَهَاء الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَمن لَا يُحْصى مِنْهُم يطلقون لفظ النَّهْي فِي المنهى عَنهُ على سَبِيل الْكَرَاهَة والتنزية مَعَ أَن ظَاهر النَّهْي التَّحْرِيم وَقد سبقت حكايتنا قَول قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي من تستير جدر الْمَسْجِد بِغَيْر الْحَرِير وَقَول إِنَّه لَا يجوز فَلهَذَا اسوة بذلك سَوَاء كَانَ ذَلِك على وَجه التَّحْرِيم أَو على وَجه الْكَرَاهَة هَذَا مضى ثمَّ إِنَّه يعجز فِيهِ فُقَرَاء إِلَى التَّكْفِين الَّذِي لَا ذكر لَهُ فِي الْفَتْوَى وَأخذ مُسلما أَنه إِذا قَالَ لَا يجوز التزيين فقد قَالَ لَا يجوز التَّكْفِين وَهَذَا سوء فهم لما تقدم بَيَانه من أَن قَول الْقَائِل يجوز التَّكْفِين فِيهِ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من تَجْوِيز اسْتِعْمَاله لما يُرَاد بالكفن من ستْرَة الْمَيِّت وصيانته وكرامته وَلَيْسَ فِيهِ أَنه يجوز اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك مَقْصُودا بِهِ التزيين وَهَذَا قد سبق وَبعد هَذَا فالتكفين فِي الرفيع الغالي من الْقطن والكتان وأشباههما قد نهى عُلَمَاؤُنَا عَنهُ محتجين بِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سلبا سَرِيعا إِلَى لَا تكفنوا فِي الغالي ونسأل الله رِضَاهُ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
فَهَذَا وَالْحَمْد لله جَوَاب عَن أَخذه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاضح وضوحا يلجمه عَمَّا تعاطاه فِيمَا كَانَ اخْتَصَرَهُ شَيخنَا عَن هَذَا أَو أملاه فِي جَوَاب رقعته وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد جامله فِي الْخطاب وَلم يبح بِمَا فِي أَخذه من الفضائح وَلَا وَصفه بِمَا يسْتَحقّهُ من
стр. 110
@ الصِّفَات المذمومة وَأَشَارَ فِي بعضه إِلَى مَوْضُوع الْحجَّة بِعِبَارَة مختصرة بليغة ظنا من أَن ذَلِك يَكْفِيهِ ويكفه فيستحي ويرعوي من غير حَاجَة إِلَى مَا بَان أَنه أولى بِهِ من الْكَشْف فجازاه على هَذَا بِأَن جمع لَهُ فِي الْجَامِع لفيفا وتصدر بَينهم وَأخذ يُجيب عَن الْجَواب ويطعن ويعترض وَمَا بَينه وَبَين من يعْتَرض عَلَيْهِ إِلَّا خطوَات فَهَلا شافهه بذلك أَو كتبه إِلَيْهِ كَمَا كتب أصل الْأَخْذ فَكَانَت اعتراضاته على ذَلِك من جنس كَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ﵀ ينشد فِيهِ سَارَتْ مشرقة وسرت مغربا شتان بَين مشرق ومغرب وَمن جنس مَا حَكَاهُ لنا شَيخنَا عَن بعض مَشَايِخ الكرامية وهم مشبهة خُرَاسَان أَنه اعْترض وَاحِد على النَّحْوِيين فِي قَوْلهم الْمُبْتَدَأ مَرْفُوع وَقَالَ هَذَا بَاطِل بقوله ﵎ ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ بالشمس وَهِي مَكْسُورَة وَأَنا أقتصر على حِكَايَة غير مَا اعْترض بِهِ مَعَ أَنَّهَا عين عمياء كَانَ شَيخنَا فِي معرض حكايته عَن الْعلمَاء ووصفهم لمَرض التعنين بالدوام قد حكى عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ذَلِك وانه وَصفه بِكَوْنِهِ خلقه فَاعْترضَ على هَذَا وَأخذ فِي الْأَوْصَاف الخلقية تَنْقَسِم إِلَى مَا تدوم وَإِلَى مَالا يَدُوم
يَا هَذَا قد حُكيَ لَك ذَلِك عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَحكي طرق كَلَامه فَكيف صبرت على الِاعْتِرَاض قبل أَن تنظر فِي كَلَامه الميسر لمن أَرَادَهُ وَتَنصر هَل لِلْأَمْرِ على مَا حَكَاهُ وَهَذَا كَلَام الشَّيْخ فِي مهذبه قَالَ فَإِذا اخْتلفت الْمَرْأَة أَي على التعنين واعترف الزَّوْج أَجله الْحَاكِم سنة لِأَن الْعَجز عَن الوطىء قد يكون بالتعنين وَقد يكون الْعَارِض من حرارة أَو برودة أَو رُطُوبَة أَو يبوسة فَإِذا مَضَت عَلَيْهِ الْفُصُول الْأَرْبَعَة وَاخْتلفت عَلَيْهِ الأهوية وَلم يزل علم أَنه خلقَة فانظروا كَيفَ يتهيأ أَن يكون كلمة الْخلقَة هَا هُنَا من قبيل مَا يقبل التَّقْسِيم الَّذِي أوردهُ هَذَا الرجل وَهل يُمكن أَن يكون المُرَاد بهَا إِلَّا مَعْنَاهَا الْعرفِيّ الَّذِي شَأْنه الدَّوَام أَو اللُّزُوم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ فِيمَا كَانَ من الاوصاف لَازِما لبنية الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَنْهَا هَذَا خلقَة وَخلقِي وجبلة وطبع وطبعي أما معنى الْخلقَة فِي أصل الْوَضع الَّذِي يقبل مَا أوردهُ الانقسام فَأَي معنى لَهُ هَا هُنَا وَاعْترض على استشهاد شَيخنَا بقول الْقَائِل عَن فلَان عَن زَوجته فَلم يَطَأهَا وَقَالَ إِنَّمَا فهم ذَلِك من حرف الْفَاء لَا من كَونه مَذْكُورا عَقِيبه وَهَذَا خبط مِنْهُ فَإِنَّهُ لَو لم
стр. 111
@ يكن بِحرف الْفَاء لَكَانَ الْفَهم حَاصِلا فَإِنَّهُ لَو قَالَ عَن فلَان عَن زَوجته وَلم يَطَأهَا حَتَّى فَارقهَا بكرا لفهم الْعَام وَالْخَاص حواله ذَلِك على مَا تقدم من ذكر التعنين وَإِن لم يكن بِحرف الْفَاء وَكَذَا لَيْسَ حرف الْفَاء مَوْجُودا فِي شَوَاهِد ذَلِك مِمَّا حكيناه مِنْهَا عَن من سميناه من الْأَئِمَّة وَمَا لم نحك وَلَعَلَّه اشْتبهَ عَلَيْهِ هَذَا بِبَاب زنا مَاعِز فرجم والبابان مفترقان فَإِن ذَلِك وَقع النّظر فِيهِ فِي أصل سَببه مَا تقدم للمذكور عَقِيبه وَمَا نَحن فِيهِ إِنَّمَا هُوَ نظر فِي تعْيين السَّبَب بعد معرفَة سَبَبِيَّة مَا ذكر وسببية غَيره ثمَّ إِنِّي أَقُول لَا يخفى من حَيْثُ الْإِجْمَال على أحد من الفهماء الْفُقَهَاء أَن مَا تعاطاه من الْأَخْذ الثَّانِي على الْجَواب عَن الأول من جملَة الْعَجَائِب لِأَن ذَلِك الْجَواب كَلَام فَقِيه قد سَاقه مقررا مدلولا عَلَيْهِ فِي قَضِيَّة فقهية مِمَّا سَبيله الظنون وَلَيْسَ من سَبِيل القطعيات وَمَا هَذَا شَأْنه فَلَنْ يُورد عَلَيْهِ أبدا مَا يكون قَاطعا لَا جَوَاب لَهُ بل لَا يزَال الْفَقِيه يُجيب عَن مَا يُورد فِي مثل ذَلِك مقَاما مقَاما مثل مَا هُوَ مَعْهُود فِي مبَاحث الْفُقَهَاء ترى الْمُسْتَدلّ يسْتَدلّ فيورد الْمُعْتَرض عَلَيْهِ مَا إِذا سَمعه الْقَاصِر يَقُول هَذَا قَاطع مفحم لَا جَوَاب عَنهُ حَتَّى إِذا شرع الْمُسْتَدلّ فِي جَوَابه يضمحل شَيْئا فَشَيْئًا فَمَتَى عهد فِي مثل ذَلِك مثل مَا فعله هَذَا الرجل ونسأل الله الْكَرِيم إعزاز الْعلم وَأَهله وإذلال الْجَهْل وَأَهله آمين
فصل وأملى هَذَا الْمَوْصُوف على الشَّيْخ صدر الدّين بن الْبكْرِيّ رفع الله قدره أَخذه على فتيا شَيخنَا فِي مسَائِل سبق بَعْضهَا وَبَقِي مِنْهَا رجل كَانَ لَهُ طاحونة فأحرقها رجل فجابر أجل الْوَالِي إِلَى بَيت أُخْت الَّذِي أحرق فاستنزلها من الْبَيْت حَتَّى يُرِيهم بَيت أَخِيهَا ثمَّ إِنَّهَا طرحت بعد أَيَّام وَمَاتَتْ فَالضَّمَان يلْزم صَاحب الطاحونة أم الراجل فَذكر أَن جَوَاب شَيخنَا فِيهَا لَا يلْزمهُمَا شَيْء إِذا إِذا لم يكن قد وجد من وَاحِد مِنْهُمَا مَا أوجب الطرح وَالْمَوْت من إفزاع أَو غَيره وان وجد ذَلِك وَجب الضَّمَان على من وجد ذَلِك مِنْهُ ثمَّ قَالَ الْأَخْذ أَن الدِّيَة إِنَّمَا تجب فِي هَذَا على الْعَاقِلَة وَله زمَان يُبَالغ فِي الشناعة بِهَذَا وَيَزْعُم أَنه خطأ فَاحش فِي حكم الْمَسْأَلَة وَقد تكَرر من شَيخنَا الْفَتْوَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن كَانَ لفظ فتياه فِي بَعْضهَا الَّذِي أنكرهُ غير مُنكر بل هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم مَوْجُود فِي كَلَام الْأَئِمَّة
стр. 112
@ وَالدَّلِيل على صِحَّته ظَاهر وكل وَاحِد من هذَيْن الْأَمريْنِ كَاف فِي حَال المشنع
أما دَلِيل صِحَّته فَإِن الدِّيَة فِي ذَلِك وَفِي سَائِر هَذَا الْبَاب يُجيب على الرَّأْي الصحي على الْجَانِي ثمَّ يتحملها عَنهُ عَاقِلَته وَهَذَا مَعْرُوف مُقَرر فِي كتب الْمَذْهَب فحصر الْمُعْتَرض وَقَوله إِنَّمَا يُجيب على الْعَاقِلَة نافيا لوُجُوبهَا على الْجَانِب خطأ فِي فِي مقَام الْأَخْذ ظَاهر وَمن قَالَ تجب على من وجدت مِنْهُ الْجِنَايَة وَلم ينف وُجُوبهَا على عَاقِلَته فقد أصَاب وَالْمَذْكُور من فَتْوَى شَيخنَا هُوَ هَكَذَا لَيْسَ فِيهِ تعرض لتحمل الْعَاقِلَة بِنَفْي وَلَا إِثْبَات
وَمثل هَذَا يحسن إِذا اجْتمع فِي الْحَادِثَة فعل شَخْصَيْنِ أَو أَكثر وَقع النّظر وَالسُّؤَال عَن تعْيين من يكون فعله مِنْهُم هُوَ الْمُوجب للضَّمَان فَلَا بَأْس أَن يُقَال فِي جَوَابه يجب الضَّمَان على الشَّخْص الْفُلَانِيّ مِنْهُم ويقتصر على هَذَا من غير تعرض لتحمل الْعَاقِلَة فَإِن ذَلِك واف بِمَا سُئِلَ عَنهُ من بَيَان مَا تعلق الضَّمَان بِفِعْلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يبين أَن الضَّمَان يسْتَوْفى من صَاحب الْفِعْل الَّذِي تعلق الضَّمَان بِهِ أَو يسْتَوْفى من عَاقِلَته بتحمله عَنهُ أَو ولي يَنُوب عَنهُ فَإِن ذَلِك من تفاصيله الَّتِي لم يتَوَجَّه نَحْوهَا السُّؤَال وَمَا يجْرِي ذكره لَا فِي مَوْضِعه لسَبَب من الْأَسْبَاب فَإِن الْمُتَكَلّم يمر بِهِ مرا وَلَا يعرج عَن تَفْصِيله واستقصائه فَإِن الْغَرَض حِينَئِذٍ غير ذَلِك فَهُوَ وَاضح لَا غُبَار عَلَيْهِ
وَلنَا أَن الَّذِي أنكرهُ مُسْتَعْمل مَوْجُود فِي كَلَام الْأَئِمَّة فَيقْتَصر فِيهِ على حِكَايَة كَلَام الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ﵁ فِي الْمُهَذّب فَإِنَّهُ كَاف فِي إِظْهَار قلَّة خبْرَة الرجل وَفِيه غنية عَن التَّطْوِيل بحكاية كَلَام غَيره
قَالَ ﵁ فِي مهذبه وَإِن حفر بِئْرا فِي الطَّرِيق وَوضع آخر حجرا فتعثر رجل بِالْحجرِ وَوَقع فِي الْبِئْر فَمَاتَ وَجب الضَّمَان على وَاضع الْحجر وَقَالَ أَيْضا إِن وضع رجل حجرا فِي الطَّرِيق وَوضع آخر حَدِيدَة بِقُرْبِهِ فتعثر رجل بِالْحجرِ وَوَقع على الحديدة فَمَاتَ وَجب الضَّمَان على وَاضع الْحجر فَهَذَا كَلَام هَذَا الإِمَام أضَاف وجوب الضَّمَان إِلَى من وجدت مِنْهُ الْجِنَايَة وَسكت عَن الْعَاقِلَة مَعَ إِنَّه وَاجِب
стр. 113
@ عَلَيْهَا بطرِيق التَّحَمُّل مثل مَا قَالَه أستاذنا سَوَاء وَزَاد الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق على ذَلِك فَأطلق مثل ذَلِك فِي صور لم يجْتَمع فِيهَا فعل شَخْصَيْنِ حَتَّى يَجِيء فِيهَا مَا ذَكرْنَاهُ من الْمَعْنى المحسن للسكون عَن ذكر الْعَاقِلَة فَقَالَ وَإِن حفر بِئْرا فِي طَرِيق النَّاس أَو وضع حجرا أَو طرح فِيهِ مَاء أَو قشر بطيخ فَيهْلك بِهِ إِنْسَان وَجب الضَّمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تعدى بِهِ فضمن من هلك بِهِ فعلى هَذَا مَا شنع بِهِ هَذَا الشَّخْص لَا حق بِهَذَا الإِمَام وَزِيَادَة وَالْكل جَائِز مطْعن فِيهِ لما تقدم بَيَانه وَشَرحه وَللَّه الْحَمد
وَقد كلم بعض أَصْحَابنَا هَذَا الرجل فِي شناعته فِي ذَلِك وأفهمه مَا تقدم ذكره من وجوب الضَّمَان أَولا على الْجَانِي فَلم يرتدع وَلم يخجل وَقَالَ فَهَذَا يُوهم الْعَاميّ أَن الضَّمَان لَا يُؤْخَذ من الْعَاقِلَة وَأَيْنَ يَقع هَذَا من تَقْرِير مَا ادَّعَاهُ على شَيخنَا من الْخَطَأ فِي حكم الْمَسْأَلَة ثمَّ أَنه قد علم أَن الْفَتْوَى فِي هَذِه الْوَاقِعَة وأمثالها الَّتِي يَقع فِيهَا التداعي والتنازع بَين خصمين لَا يرجع إمضاؤها وَالْعَمَل بهَا إِلَى الْعَوام وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الْقَضَاء يحمل إِلَيْهِم ويسألون الْعَمَل بهَا وهم لَا يخفى عَلَيْهِم تحمل الْعَاقِلَة عَن الْجَانِي الْمَذْكُور وَلَا يخْشَى عَلَيْهِم التَّوَهُّم الَّذِي ذكره وَحسب الْمُتَكَلّم من مفت أَو غَيره أَن يكون كَلَامه فِي نَفسه صَحِيحا وَمَا عَلَيْهِ من توهمات أهل النَّقْص والقصور وَمَا خلا كَلَام أحد من الْمُفْتِينَ والمصنفين وَسَائِر الْمُتَكَلِّمين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين عَن مثل مَا زَعمه هَذَا الزاعم من غير أَن يلحقهم بِهِ عتب وَطعن ثمَّ إِنِّي أَقُول هَذَا من الْعَجَائِب بَيْنَمَا هُوَ ينْسب شَيخنَا إِلَى أَنه أَخطَأ فِي حكم الْمَسْأَلَة خطأ فَاحِشا إِذْ أرجع أمره إِلَى اسْتِدْرَاك لَفْظِي من جنس المؤاخذات اللفظية الَّتِي كَانَ المبتدئون يردونها قبل سنة الستمائة على فتاوي المستدلين فِي مجَالِس المناظرات ويستخف بهَا أهل التَّحْقِيق فَقدر هَذَا الرجل قدرهَا حَتَّى بلغ بهَا إِلَى أَن جعلهَا عُمْدَة فِي تخطئة الْمُفْتِينَ وتضليلهم وَالله حسيبه وَمِنْهَا قَالَ سُئِلَ عَن كفلا كفلوا بدين على الروس وكفل كل وَاحِد مِمَّا على الآخرين فَأدى أحدهم مَا عَلَيْهِ وَمَا على الآخرين فَهَل يرجع عَلَيْهِم فَزعم هَذَا الرجل أَن شَيخنَا أجَاب بِأَنَّهُ يرجع عَلَيْهِم وَخَطأَهُ من حَيْثُ لم يُقيد إِذا كَانَ الضَّمَان بِإِذن الْمَضْمُون عَنهُ وَقد علم الله تَعَالَى أَن شَيخنَا بَدَأَ من الْفَتْوَى على الصُّورَة الَّتِي زعم وَأما تمسكه بخطئه وَأَنه لَيْسَ فِيهِ ذكر الْقَيْد
стр. 114
@ الْمَذْكُور فَلذَلِك سَبَب نَحن وغيرنا نعرفه جعله الله تَعَالَى فتْنَة لذَلِك الْمِسْكِين وَذَلِكَ أَن أَصْحَاب الْوَاقِعَة استفتوا شَيخنَا وَلم يكن فِي رقْعَة الإستفتاء قيد الْإِذْن وَطلب شَيخنَا مِنْهُم الْوُقُوف على وَثِيقَة الْكفَالَة لينظروا ذَلِك مِنْهَا فأحضروا الْوَثِيقَة فَوجدَ فِيهَا الْإِذْن فَقَالَ أصلحوا الاستفتاء وَقَالَ زيدوا فِيهِ ذكر الْإِذْن وَقَالَ لصَاحبه الْفَقِيه الإِمَام السَّيِّد الْجَلِيل كَمَال الدّين إِسْحَاق افْعَل ذَلِك وَكتب شَيخنَا لَهُ الرُّجُوع وَالْحَالة هَذِه إِشَارَة مِنْهُ إِلَى حَالَة الْإِذْن الَّتِي قَالَ لَهُ اذْكُرْهَا فبينها الْفَقِيه كَمَال الدّين إِسْحَاق عَن ذكر ذَلِك وزيادته فِي صدر الاستفتاء وَنحن كُنَّا حاضرين مَا جرى على الصُّورَة الَّتِي حكيتها ونعلم أَيْضا أَن أَصْحَاب الْوَاقِعَة وَفِيهِمْ شَاب من بني القواس وَيعلم ذَلِك من كَانَ حَاضرا من الْفُقَهَاء وهم حاضرون يشْهدُونَ بجريان الْأَمر على ذَلِك ثمَّ ظَاهر الْحَال شَاهد بذلك أَيْضا فَإِن هَذَا الْأَمر من الواضحات وَهُوَ مسطور فِي التَّنْبِيه فضلا عَن غَيره ويعرفه المبتدئون فضلا عَن مثل شَيخنَا وَمَا هُوَ مَعْرُوف بِهِ من التأني والتثبت فِي غَفلَة صدرت مِنْهُ عَن عجلة ونسأل الله التَّوْفِيق والعصمة
وَمِنْهَا امْرَأَة مَاتَت وخلفت وَرَثَة بَعضهم فُقَرَاء وأوصت أَن تخرج عَنْهَا حجَّة وخلفت خمس مائَة دِرْهَم فَهَل تحج عَنْهَا أَو يصرف إِلَى الْفُقَرَاء من ورثتها فَزعم أَنه فِي جَوَاب شَيخنَا إِن كَانَت حجَّة فرض فَهِيَ مُقَدّمَة من رَأس المَال وَقَالَ الْأَخْذ أَنَّهَا غير مُقَدّمَة من رَأس المَال بل يجب التَّفْصِيل أَنه إِن كَانَت الْحجَّة من الْمِيقَات أَو من دويرة أَهله هَذَا كَلَامه الَّذِي أملاه على الشَّيْخ صدر الدّين وَفقه الله تَعَالَى وَكتب بِخَطِّهِ وَهُوَ كَلَام رجل يتَصَرَّف فِي الْأَحْكَام من عِنْده هَذِه الْمَسْأَلَة مسطورة فِيمَا لَا نحصيه من كتب الْفِقْه على الْوَجْه الَّذِي ذكر أستاذنا قَالُوا إِذا وصّى بِحجَّة الْإِسْلَام وَأطلق حسب من رَأس المَال على الْمَذْهَب أَو على الْأَصَح وَنَحْو هَذَا من الْعِبَادَات وَلم يلتزموا التَّفْصِيل الَّذِي يزْعم هَذَا الرجل أَنه لَازم وَمَا زَالَ الْفُقَهَاء يتناطقون بذلك كَذَلِك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَفِيمَا حكمه فِي ذَلِك حكمهَا من الْمسَائِل
وَسبب ذَلِك أَن الْكَلَام فِي ذَلِك يَقع فِي نفس حكم الْحَج فيذكر الحكم
стр. 115
@ مُضَافا إِلَى مُسَمّى الْحَج وَأما التَّعَرُّض لكَونه من الْمِيقَات أَو من بَلَده فَأمر زَائِد يفردونه بِمَسْأَلَة أُخْرَى على أَنا نقُول قَول الْقَائِل إِذا كَانَ حجَّة الْإِسْلَام أَو حجَّة الْفَرْض فَهِيَ من رَأس المَال حَتَّى يتَوَجَّه مَا ذكره الْمُعْتَرض لِأَن الْحَج وَغَيره إِذا ذكر مُطلقًا فَهُوَ مَحْمُول فِي كيفيته على الْقدر الْوَاجِب مِنْهُ دون مَا هُوَ نَافِلَة فِيهِ فَإِذا قيل يجب عَلَيْك الْحَج وَالصَّلَاة أَو غَيرهمَا فَلَا يفهم مِنْهُ سوى مَا ذَكرْنَاهُ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقولنا حجَّة الْإِسْلَام مُقَدّمَة من رَأس المَال مَحْمُول على مَا هُوَ من الْمِيقَات فَهُوَ إِذا الْمَفْهُوم وَهُوَ المُرَاد ونسأل الله تَعَالَى بُلُوغ المُرَاد وليختم عِنْد هَذَا الْمُنْتَهى خوفًا من مَحْذُور التَّطْوِيل والإملال وَقد كَانَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَو مسَائِل مِنْهُ غنية
ونسأل الله سُبْحَانَهُ أَن لَا يحرمنا ثَوَاب الذب عَن الْعلم وَأَهله وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح لم سمى الْغَزالِيّ بذلك فَقَالَ حَدثنِي من أَثِق بِهِ عَن الشَّيْخ أَي الجرم الماكشي الأديب قَالَ حَدثنِي أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود القرصي قَالَ حَدثنَا تَاج الاسلام ابْن خَمِيس قَالَ قَالَ لي الْغَزالِيّ ﵀ النَّاس يَقُولُونَ الْغَزالِيّ وَلست الْغَزالِيّ وَإِنَّمَا أَنا مَنْسُوب إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا غزالة وَهِي قَرْيَة من قرى طوس وَالْحَمْد لله الْكَرِيم وَحده
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه روى عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ وَغَيره أَنه كَانَ فِي الْمِائَة الأولى عمر بن عبد الْعَزِيز وَفِي الثَّانِيَة الإِمَام الشَّافِعِي ﵄ قَالَ وَعَن غير أَحْمد وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الثَّالِثَة أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَقَالَ بَعضهم بل هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن شُرَيْح الْفَقِيه وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الرَّابِعَة ابْن الباقلاني القَاضِي أَبُو بكر وَقيل أَبُو الطّيب سهل بن مُحَمَّد الصعلوكي وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الْخَامِسَة أَمِير الْمُؤمنِينَ المسترشد بِاللَّه قَالَ الْحَافِظ بن عَسَاكِر ﵀ وَعِنْدِي أَن الَّذِي كَانَ على رَأس الْخمس مائَة
стр. 116
@ الإِمَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْغَزالِيّ الطوسي الْفَقِيه لِأَنَّهُ كَانَ عَالما فَقِيها فَاضلا أصوليا كَامِلا مصنفا عَاقِلا انْتَشَر ذكره بِالْعلمِ فِي الْآفَاق وبرز على من عاصره بخراسان وَالشَّام وَالْعراق
قَالَ ﵀ وَقَول من قَالَ على رَأس الثَّلَاث مائَة أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ أصوب لِأَن قِيَامه بنصرة السّنة إِلَى تَجْدِيد الدّين أقرب فَهُوَ الَّذِي انتدب للرَّدّ على الْمُعْتَزلَة وَسَائِر أَصْنَاف المبتدعة المضللة وحالته فِي ذَلِك مشتهرة وَكتبه فِي الرَّد عَلَيْهِم مَشْهُورَة مشتهرة وَقَول من قَالَ العَاصِي بن الباقلاني على رَأس الْأَرْبَع مائَة أولى من الثَّانِي لِأَنَّهُ أشهر من أبي الطّيب الصعلوكي مَكَانا وَأَعْلَى فِي رتب الْعلم شَأْنًا وَذكره أكبر من أَن يُنكر وَقدره أظهر من أَن يستر وتصانيفه أشهر من أَن تشهر وتآليفه أَكثر من أَن تذكر فَأَما عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس فَكَانَت وَفَاته ﵁ لأَرْبَع بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة وَهُوَ ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة وَنصف وَقيل توفّي يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من رَجَب وقبره بدير سمْعَان وَكَانَت ولَايَته سنتَيْن وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام وَأما الشَّافِعِي فَكَانَت وَفَاته فِي آخر رَجَب سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَأما الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد سنة أَربع وَعشْرين وَثَلَاث مائَة وَقيل سنة عشْرين وَثَلَاثَة مائَة وَقيل سنة ثَلَاثِينَ وَقيل سنة نَيف وَثَلَاثِينَ وثلثمائة قَالَ وَهَذَا القَوْل الْأَخير لَا أرَاهُ صَحِيحا وَالأَصَح سنة أَربع وَعشْرين وَأما وَفَاة ابْن الباقلاني فَكَانَت يَوْم السبت لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَأَرْبع مائَة وَأما وَفَاة أبي حَامِد الْغَزالِيّ فَكَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع عشر من جمادي الْآخِرَة سنة خمس وَخمْس مائَة وَذكر الْحَافِظ بن عَسَاكِر ﵀ ذَلِك بأسانيده ﵃ أَجْمَعِينَ نقل من نُسْخَة صورته كَذَا نقل من نُسْخَة ذكر كاتبها أَنه نقلهَا من نُسْخَة كتاب تَبْيِين كذب المفتري فِيمَا نسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام مُطلقًا ذُو الْفُنُون وَالتَّحْقِيق فِيهَا تَقِيّ الدّين أَبُو عمر وَعُثْمَان عبد الرَّحْمَن النصري الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح ﵀ فِي إِسْنَاد طَرِيقَته فِي
стр. 117
@ النَّفَقَة أما طَريقَة الخراسانين فَإِنِّي تفقهت على أبي ﵀ وتفقه هوشيا على شيخ الْمَذْهَب فِي زَمَانه أبي الْقِسْمَة بن البرزي الْجَزرِي بِجَزِيرَة ابْن عمر وتفقه ابْن البرزي على الإِمَام أبي الْحسن الكيا الطَّبَرِيّ وتفقه الكيا على إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي وتفقه أَبُو الْمَعَالِي على وَالِده الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وتفقه أَبُو مُحَمَّد على الإِمَام أبي بكر الْقفال الْمروزِي وتفقه الْقفال على أبي زيد الْمروزِي وتفقه أَبُو زيد على أبي إِسْحَاق الْمروزِي وتفقه أَبُو اسحاق على أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج وتفقه ابْن سُرَيج على أبي الْقسم الْأنمَاطِي وتفقه الْأنمَاطِي عَليّ أبي إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ وتفقه الْمُزنِيّ على الإِمَام الشَّافِعِي ﵃
وَأما طَريقَة الْعِرَاقِيّين فَإِنِّي تفقهت على وَالِدي كَمَا سبق وتفقه هُوَ على الشَّيْخ المعمراني سعد بن أبي عصرون الْموصِلِي وتفقه أَبُو سعد على القَاضِي أبي عَليّ الغارقي وتفقه القَاضِي أَبُو عَليّ على الشَّيْخ أبي اسحاق الشِّيرَازِيّ وعَلى أبي نصر بن الصّباغ صَاحب الشَّامِل وتفقها على القَاضِي الإِمَام أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وتفقه أَبُو الطّيب على أبي الْحسن الماسرخسي وتفقه الماسرخسي على أبي اسحاق الْمروزِي وَقد تقدم ذكر إِسْنَاده بالتفقه وَالله أعلم
صُورَة استفتاء جَاءَ إِلَى الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أبي عَمْرو عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح مُصَنف هَذَا الْكتاب ﵀ مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل قيل لَهُ هَل مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ الْآن رَسُول أم لَا فَقَالَ كَانَ مُرْسلا وَنحن الْآن فِي حكم الرسَالَة الْمُتَقَدّمَة وَلَيْسَ هُوَ فِي زَمَاننَا هَذَا مُرْسلا فَهَذَا صَوَاب أم خطأ أفتونا مَأْجُورِينَ مشكورين
أجَاب ﵁ هُوَ ﷺ رَسُول الله الْآن وَمن حَيْثُ أرسل وَهُوَ جَزَاء وَلَا يتَوَقَّف وَصفه بذلك على قيام مَا بِهِ اتّصف من الِابْتِدَاء بِهَذِهِ الصّفة كَمَا فِي أَحْوَال كَثِيرَة كَانَت لَهُ ﷺ لم يكن لَهُ ذَلِك فِيهَا ثمَّ كَانَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة
والأنبياء أَحيَاء بعد انقلابهم إِلَى الْآخِرَة من الدُّنْيَا فليحذر الْمَرْء من أَن يُطلق لِسَانه فِي نفي ذَلِك عَنهُ الْآن ﷺ فَإِنَّهُ من عَظِيم الْخَطَأ وَقد كَانَت الكرامية شنعت
стр. 118
@ بخراسان على الْأَشْعَرِيّ بِمثل هَذَا فَبين أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ والقشيري وَغَيرهمَا بَرَاءَته من ذَلِك ثمَّ أشغل الْمَرْء قلبه وَلسَانه بِمثل هَذَا من الفضول المجانب للفضل والورع وَالله أعلم
وَكتب ابْن الصّلاح ثمَّ
وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد نَبِي الرَّحْمَة وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا مُبَارَكًا طيبا دَائِما إِلَى يَوْم الدّين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
بلغ مُقَابلَة بِحَسب الطَّاقَة والإمكان وَالله أعلم
стр. 119
@
فتاوي ومسائل
ابْن الصّلاح
فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأُصُول وَالْفِقْه
وَمَعَهُ
أدب الْمُفْتِي والمستفتي
حَقَّقَهُ وَخرج حَدِيثه وعلق عَلَيْهِ
الدكتور عبد الْمُعْطِي امين قلعجي
стр. 120
@ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَهُوَ حسبي وَكفى
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام الأكملان أبدا على سيد الْمُرْسلين وَسَائِر النَّبِيين وآلهم وصحبهم أَجْمَعِينَ اللَّهُمَّ ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أَنْفُسنَا وَمن شَرّ الأشرار وَكيد الْفجار وارزقنا طَهَارَة الْأَسْرَار وموافقة الْأَبْرَار وأعذنا من عَذَاب النَّار بِرَحْمَتك يَا عَزِيز يَا غفار
هَذِه الفتاوي الَّتِي صدرت من شَيخنَا سيدنَا الإِمَام الْعَالم الْعَامِل مفتي الشَّام شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أبي عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ابْن مُوسَى بن أبي نصر الْبَصْرِيّ الشهرزوري الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح أثابه الله الْجنَّة وَغفر لَهُ وَلَهُم وللمسلمين أَجْمَعِينَ آمين اعتنى بجمعها وترتيبها على حسب الْإِمْكَان من تلامذته وَأَصْحَابه من طلب
стр. 121
@ الْفَائِدَة ورجاء الْأجر والمثوبة الشَّيْخ كَمَال الدّين إِسْحَق بن أَحْمد بن عُثْمَان عَفا الله عَنهُ وَعَن وَالِده وَعَن جَمِيع الْمُسلمين آمين وأسأل الله أَن ينفع بهَا إِنَّه قريب مُجيب وعَلى ذَلِك قدير وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه أنيب
رتبتها على أَرْبَعَة أَقسَام
قسم فِي شرح آيَات من كتاب الله تَعَالَى
وَقسم فِي شرح أَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الرَّقَائِق
وَقسم ثَالِث يُطلق بالعقائد وَالْأُصُول
وَقسم رَابِع فِي الْفِقْه على ترتيبه
стр. 122
@
الْقسم الأول
فِي شرح آيَات من كتاب الله تَعَالَى
١ - مَسْأَلَة فِي قَوْله ﵎ ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت﴾ إِلَى آخر الْآيَة
قَالَ المستفتي يُرِيد تَفْسِيرهَا على الْوَجْه الصَّحِيح بِحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ من الصِّحَاح أَو بِمَا أجمع أهل الْحق على صِحَّته وَقَوله ﵎ ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ وَمَا معنى أضغاث أَحْلَام وَمن أَيْن يفهم الْمَنَام الصَّالح من الْمَنَام الْفَاسِد
وَهل يجب على الزَّوْج أَن يعلم زَوجته فَرَائض الصَّلَاة وَجَمِيع الْوَاجِبَات الَّتِي عَلَيْهَا أم لَا وَإِذا وهب من إِنْسَان شَيْئا أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ فَهَل لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ مِنْهُ أم لَا أجَاب ﵁ أما قَوْله ﵎ ﴿الله يتوفى الْأَنْفس﴾
стр. 123
@ الْآيَة فتفسيره الله يقبض الْأَنْفس حِين انْقِضَاء أجلهَا بِمَوْت أجسادها وَالَّتِي يقبضهَا أَيْضا عِنْد نومها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت بِمَوْت أجسادها فَلَا يردهَا إِلَى أجسادها وَيُرْسل الْأُخْرَى الَّتِي لم تقبض بِمَوْت أجسادها حَتَّى تعود إِلَى أجسادها إِلَى أَن يَأْتِي أجلهَا الْمُسَمّى لموتها ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ لدلالات المتفكرين على عَظِيم قدرَة الله سُبْحَانَهُ وعَلى أَمر الْبَعْث فَإِن الاستيقاظ بعد النّوم شَبيه بِهِ وَدَلِيل عَلَيْهِ
نقل أَن فِي التَّوْرَاة يَا ابْن آدم كلما تنام تَمُوت وَكلما تستيقظ تبْعَث فَهَذَا وَاضح وَالَّذِي يشكل فِي ذَلِك أَن النَّفس المتوفاة فِي الْمَنَام أَهِي الرّوح المتوفاة عِنْد الْمَوْت أم هِيَ غَيرهَا فَإِن كَانَت هِيَ الرّوح فتوفيها فِي النّوم يكون بمفارقتها الْجَسَد أم لَا وَقد أعوز الحَدِيث الصَّحِيح وَالنَّص الصَّرِيح وَالْإِجْمَاع أَيْضا لوُقُوع الْخلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء فَمنهمْ من يرى أَن للانسان نفسا تتوفى عِنْد مَنَامه غير النَّفس الَّتِي هِيَ الرّوح وَالروح لَا تفارق الْجَسَد عِنْد النّوم وَتلك النَّفس المتوفاة فِي النّوم هِيَ الَّتِي يكون بهَا التَّمْيِيز والفهم وَأما الرّوح فِيهَا تكون الْحَيَاة وَلَا تقبض إِلَّا عِنْد الْمَوْت ويروى معنى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 124
@
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن النَّفس الَّتِي تتوفى عِنْد النّوم هِيَ الرّوح نَفسهَا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي توفيها فَمنهمْ من يذهب إِلَى أَن معنى وَفَاة الرّوح بِالنَّوْمِ قبضهَا عَن التَّصَرُّفَات مَعَ بَقَائِهَا فِي الْجَسَد وَهَذَا مُوَافق للْأولِ من وَجه ومخالف من وَجه وَهُوَ قَول بعض أهل النّظر وَمن الْمُعْتَزلَة وَمِنْهُم من ذهب الى أَن الرّوح تتوفى عِنْد النّوم بقبضها من الْجَسَد ومفارقتها لَهُ وَهَذَا الَّذِي نجيب بِهِ وَهُوَ الْأَشْبَه بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة
وَقد أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن أبي الْفرج النَّيْسَابُورِي بهَا قَالَ أَنا جدي أَبُو مُحَمَّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الطوسي عَن القَاضِي أبي سعيد الفرخزاذي عَن الإِمَام أبي اسحق أَحْمد بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَن أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات تلتقي فِي الْمَنَام فتتعارف مَا شَاءَ الله فَإِذا أَرَادَت جَمِيعهَا الرُّجُوع إِلَى أجسادها أمسك الله أَرْوَاح الْأَمْوَات عِنْده وحبسها وَأرْسل أَرْوَاح الْأَحْيَاء حَتَّى ترجع إِلَى أجسادها
وَلَفظ هَذَا الإِمَام فِي هَذَا الشَّأْن يُعْطي أَن قَول أَكثر أهل الْعلم بِهَذَا الْفَنّ وَعند هَذَا فَيكون الْفرق بَين القبضتين والوفاتين أَن الرّوح فِي حَالَة النّوم تفارق الْجَسَد على أَنَّهَا تعود إِلَيْهِ فَلَا تخرج خُرُوجًا يَنْقَطِع بِهِ العلاقة بَينهَا وَبَين الْجَسَد بل يبْقى أَثَرهَا الَّذِي هُوَ حَيَاة الْجَسَد بَاقِيا فِيهِ فَأَما فِي حَالَة
стр. 125
@ الْمَوْت فالروح تخرج من الْجَسَد مُفَارقَة لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا تخلف فِيهِ شَيْئا من أَثَرهَا فَلذَلِك تذْهب الْحَيَاة مَعهَا عِنْد الْمَوْت دون النّوم ثمَّ إِن إِدْرَاك كَيْفيَّة ذَلِك وَالْوُقُوف على حَقِيقَته مُتَعَذر فانه من أَمر الرّوح وَقد اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ الْجَلِيل ﵎ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾
وَأما قَوْله ﵎ ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ فَإِن الأضغاث جمع ضغث وَهُوَ الحزمة الَّتِي تقبض بالكف من الْحَشِيش وَنَحْوه والأحلام جمع حلم وَهِي للرؤيا مُطلقًا وَقد تخْتَص بالرؤيا الَّتِي تكون من الشَّيْطَان وَلما روى فِي حَدِيث الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان فَمَعْنَى الْآيَة أَنهم قَالُوا للْملك إِن الَّذِي رَأَيْته أَحْلَام مختلطة وَلَا يَصح تَأْوِيلهَا
وَقد أفرد بعض أهل التَّعْبِير اصْطِلَاحا لأضغاث أَحْلَام فَذكر أَن من شَأْنهَا أَنَّهَا لَا تدل على الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة وَإِنَّمَا تدل على الْأُمُور الْحَاضِرَة والماضية ونجد مَعهَا أَن يكون الرَّأْي خَائفًا من شَيْء أَو راجيا لشَيْء وَفِي معنى
стр. 126
@ الْخَوْف والرجاء والحزن على شَيْء وَالسُّرُور بِشَيْء فاذا أَنَام من اتّصف بذلك لذَلِك رأى فِي نَومه ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه أَن يكون خَالِيا من شَيْء هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ كالجائع والعطشان يرى فِي نَومه كَأَنَّهُ يَأْكُل وَيشْرب أَو يكون ممتلئا من شَيْء فَيرى كَأَنَّهُ يتجنبه كالممتلىء من الطَّعَام يرى كَأَنَّهُ يقذف وَذكر أَن هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة مهما سلم الرَّأْي مِنْهَا فرؤياه لَا تكون من أضغاث الأحلام الَّتِي لَا تَعْبِير لَهَا وَهَذَا الَّذِي ذكره ضَابِط حسن لَو سلم فِي طَرفَيْهِ لَكِن الْحصْر شَدِيد وَمَا ذكره فَعنده من المنامات الْفَاسِدَة شاركته فِي الاندراج فِي قبيل الأضغاث
وَأما سُؤَاله من أَيْن يفهم الْمَنَام الصَّالح من الْمَنَام الْفَاسِد فَإِن للرؤيا الْفَاسِدَة أمارت يسْتَدلّ بهَا عَلَيْهَا وَمَا تقدم حكايته فِي شرح أضغاث الأحلام طرف مِنْهَا
فَمِنْهَا أَن يرى مَا لَا يكون كالمحالات وَغَيرهَا مِمَّا يعلم أَنه لَا يُوجد بِأَن الله على صفة مستحيلة عَلَيْهِ أَو يرى نَبيا يعْمل عمل الفراعنة أَو يرى قولا لَا يحل التفوه بِهِ وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح من أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله ﷺ إِنِّي رَأَيْت رَأْسِي قطع وَأَنا أتبعه الحَدِيث الْمَعْرُوف وَهَذِه هِيَ الرُّؤْيَا الشيطانية الَّتِي ورد الحَدِيث بِأَنَّهَا تحزين من الشَّيْطَان أَو تلعب مِنْهُ بالانسان وَمن هَذَا النَّوْع
стр. 127
@ الِاحْتِلَام فَإِنَّهُ من الشَّيْطَان وَلِهَذَا لَا تحتلم الْأَنْبِيَاء ﵈
وَمن أَمَارَات الرُّؤْيَا الْفَاسِدَة أَن يكون مَا رَآهُ فِي النّوم قد رَآهُ فِي الْيَقَظَة وأدركه حسه بِعَهْد قريب قبل نَومه وَصورته بَاقِيَة فِي خياله فيراه بِعَينهَا فِي نَومه
وَمِنْهَا أَن يكون مَا رَآهُ مناسبا لما هُوَ عَلَيْهِ من تَغْيِير المزاج بِأَن تغلب عَلَيْهِ الْحَرَارَة من الصَّفْرَاء فَيرى فِي نَومه النيرَان وَالشَّمْس المحرقة أَو يغلب عَلَيْهِ الْبُرُودَة فَيرى الثلوج أَو يغلب عَلَيْهِ الرُّطُوبَة فَيرى الأمطار والمياه أَو يغلب عَلَيْهِ اليبوسة والسوادء فَيرى الْأَشْيَاء الْمظْلمَة والأهوال فالرؤيا السوداوية فَجَمِيع هَذِه الآنواع فَاسِدَة لَا تَعْبِير لَهَا فاذا سلم الانسان فِي رُؤْيَاهُ من هَذِه الْأُمُور وَغلب على الظَّن سَلامَة رُؤْيَاهُ من الْفساد وَوَقعت الْعِنَايَة بتعبيرها واذا انْضَمَّ الى ذَلِك كَونه من أهل الصدْق وَالصَّلَاح قوي الظَّن بِكَوْنِهَا صَادِقَة صَالِحَة وَفِي الحَدِيث الثَّابِت عَنهُ ﷺ أصدقهم رُؤْيا أصدقهم حَدِيثا
وَمن أَمَارَات صدقهَا من حَيْثُ الزَّمَان كَونهَا فِي الأسحار لحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أصدق الرُّؤْيَا بالأسحار
стр. 128
@ وَكَونهَا عِنْد اقتراب الزَّمَان لقَوْله ﷺ فِيمَا صَحَّ عَنهُ إِذا اقْترب الزَّمَان لم تكد رُؤْيا الْمُسلم تكذب
واقتراب الزَّمَان قيل هُوَ اعتداله وَقت اسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَيَزْعُم المعبرون أَن أصدق الرُّؤْيَا مَا كَانَ أَيَّام الرّبيع وَقيل اقتراب الزَّمَان قرب قيام السَّاعَة وَمن أَمَارَات صَلَاحهَا أَن يكون تبشير بالثواب على الطَّاعَة أَو تحذير من الْمعْصِيَة ثمَّ إِن الْقطع على الرُّؤْيَا بِكَوْنِهَا صَالِحَة لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ غَلَبَة الظَّن وَنَظِير ذَلِك من حَال الْيَقَظَة الخواطر وَمَعْلُوم أَن إِدْرَاك مَا هُوَ حق مِنْهَا فَمَا هُوَ بَاطِل وعر الطَّرِيق أَن ظن الأظنان وَالله أعلم
وَأما تَعْلِيم الزَّوْجَة مَا يجب عَلَيْهَا تعلمه من الْفَرَائِض فَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِ وعَلى غَيره مِمَّن يتَمَكَّن من تعليمها فرضا على الْكِفَايَة فَإِذا لم يقم بِهِ غَيره وَلم يقم هُوَ بِهِ أَثم وأثموا وَيتَعَيَّن عَلَيْهِ الْوُجُوب فِي تعليمها الْوَاجِبَات الَّتِي يحْتَاج تعليمها إِلَى سَماع صَوتهَا كالفاتحة وَغَيرهَا إِذا لم يُوجد لَهَا محرم وَلَا امْرَأَة يتَمَكَّن من تعليمها فَذَلِك يَخُصُّهُ الْوُجُود مِنْهُ ذَهَابًا إِلَى أَن غير الْمحرم وَالْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا تعليمها والوجهان فِيمَا إِذا أصدقهَا تَعْلِيم سُورَة ثمَّ طَلقهَا قبل التَّعْلِيم
وَكَذَلِكَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ فرض تعليمها إِذا لم يعلم بحاجتها إِلَى التَّعْلِيم غَيره وَالله أعلم
وَأما ابتياعه شَيْئا وهبه أَو تصدق بِهِ من المهتب والمتصدق عَلَيْهِ فَيصح ذَلِك وَلَكِن يكره فِي الصَّدَقَة ذَلِك للْحَدِيث الصَّحِيح فِي كتاب مُسلم وَغَيره أَن عمر بن الْخطاب ﵁ حمل على فرس فِي سَبِيل الله
стр. 129
@ ثمَّ وجده عِنْد صَاحبه وَقد أضاعه فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ أَن يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَقَالَ ﷺ لَا تشتريه وَإِن أَعْطيته بدرهم فَإِن مثل الْعَائِد فِي صدقته كَمثل الْكَلْب يعود فِي قيئه
وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقَالَ لَا تشتريه وَلَا شَيْئا من نتاجه
وَقد نهى الشَّافِعِي ﵁ على كَرَاهَة ذَلِك
وَأما الْهِبَة فَالْأَمْر فِيهَا أَهْون وَمَعَ ذَلِك فَأصل الْكَرَاهَة فِي استفادة الْمَوْهُوب بِالشِّرَاءِ ثَابت أَيْضا فِيمَا يظْهر لي بِأَن حَدِيث عمر الْمَذْكُور دلّ على كَون المُشْتَرِي عَائِدًا وَالْعود مَكْرُوه فِي الْهِبَة
وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه وَالله أعلم
٢ - مَسْأَلَة قَول الله ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ مَا هِيَ الْخِصَال الَّتِي إِذا فعلهَا الانسان كَانَ متقيا لله حق تُقَاته وَهل نسخت هَذِه الْآيَة بقول الله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ أم لَا
أجَاب ﵁ لم تنسخها بل فسرتها وَحقّ تُقَاته أَن يطاع فَلَا يعْصى غير إِذا تجنب الْكَبَائِر وَلم يصر على صَغِيرَة وَإِذا عمل صَغِيرَة يعقبها بالإستغفار كَانَ من جملَة الْمُتَّقِينَ وَالله أعلم
٣ - مَسْأَلَة قَوْله إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ
стр. 130
@ إِلَى آخر الْآيَة
مَا الْكَبَائِر وَمَا الصَّغَائِر وَكم الْمُتَّفق عَلَيْهِ من الْكَبَائِر وَمَا الْفرق بَين الصَّغَائِر والكبائر وَهل تحْتَاج الصَّغَائِر إِلَى تَوْبَة أم لَا وَهل تذْهب الصَّغَائِر بالصلوات كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أم لَا بُد من ذَلِك من التَّوْبَة وَإِن احْتَاجَت إِلَى التَّوْبَة فَمَا الْفرق بَينهمَا وَبَين الْكَبَائِر وبماذا يعد الْمصر على الصَّغِيرَة مصرا بِفعل الصَّغِيرَة مرّة وَاحِدَة أم مرَارًا أم بالعزم والنيه فَإِن قُلْنَا بِالْفِعْلِ مرَارًا فَمَا عدد تِلْكَ المرات
أجَاب ﵁ قد اخْتلف النَّاس فِي الصَّغَائِر والكبائر فِي وُجُوه مِنْهُم من نفى الْفرق من الأَصْل وَجعل الذُّنُوب كلهَا كَبَائِر وَهُوَ مطرح
وَالَّذين أثبتوا الْفرق وهم جَمَاهِير اضْطَرَبَتْ أَقْوَالهم فِي تَحْدِيد الْكَبَائِر وتعديدها
стр. 131
@
وَقد قلت فِي ذَلِك قولا رَجَوْت أَنه صَوَاب وَهُوَ أَن الْكَبِيرَة ذَنْب كَبِير وَعظم عظما يَصح مَعَه أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْكَبِير وَوصف بِكَوْنِهِ عَظِيما يَصح مَعَه أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْكَبِير وَوصف يكون عَظِيما على الْإِطْلَاق فَهَذَا فاصل لَهَا عَن الصَّغِيرَة الَّتِي وان كَانَت كَبِيرَة بِالْإِضَافَة الى مَا دونهَا فَلَيْسَتْ كَبِيرَة يُطلق عَلَيْهَا الْوَصْف بِالْكبرِ والعظم اطلاقا ثمَّ إِن لكبر الْكَبِيرَة وعظمها أَمَارَات مَعْرُوفَة بهَا مِنْهَا إِيجَاب الْحَد وَمِنْهَا أَلا يُعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ النَّار وَنَحْوهَا فِي الْكتاب أَو السّنة وَمِنْهَا وصف فاعلها بِالْفِسْقِ نصا وَمِنْهَا اللَّعْن كَمَا قي قَوْله لعن الله من غير منار الأَرْض فِي أشباه لذَلِك لَا نحصيها وَعند هَذَا يعلم أَن عدد الْكَبَائِر غير مَحْصُور وَالله أعلم
والصغائر قد تمحى من غير تَوْبَة بالصلوات وَغَيرهَا كَمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ أَن فَاعل الصَّغِيرَة لَو أتبعهَا حَسَنَة أَو حَسَنَات وَهُوَ غافل عَن التندم والعزم على عدم الْعود المشترطين فِي صِحَة التَّوْبَة لَكَانَ ذَلِك ماحيا لصغيرة ومكفرا لَهَا كَمَا ورد بِهِ النَّص وَإِن لم تُوجد مِنْهُ التَّوْبَة لعدم ركنها لَا لتلبسه بأضدادها والمصر على الصَّغِيرَة من تلبس من أضداد التَّوْبَة باستمرار الْعَزْم على المعاودة أَو باستدامة الْفِعْل بِحَيْثُ يدْخل بِهِ ذَنبه فِي حيّز مَا يُطلق
стр. 132
@ عَلَيْهِ الْوَصْف بصيرورته كَبِيرا وعظيما وَلَيْسَ لزمان ذَلِك وعدده حصر وَالله أعلم
٤ - مَسْأَلَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ وَقد ثَبت أَن أَعمال الْأَبدَان لَا تنْتَقل وَقد ورد عَن النَّبِي ﷺ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاثَة صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ
وَقد اخْتلف فِي الْقُرْآن هَل يصل إِلَى الْمَيِّت أم لَا كَيفَ يكون الدُّعَاء يصل إِلَيْهِ وَالْقُرْآن أفضل
أجَاب ﵁ هَذَا قد اخْتلف فِيهِ وَأهل الْخَيْر وجدوا الْبركَة فِي مُوَاصلَة الْأَمْوَات بِالْقُرْآنِ وَلَيْسَ الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كالاختلاف فِي الْأُصُول بل هِيَ من مسَائِل الْفُرُوع وَلَيْسَ نَص الْآيَة الْمَذْكُورَة دَالا على بطلَان قَول من قَالَ أَنه يصل فَإِن المُرَاد أَنه لَا حق لَهُ وَلَا جَزَاء إِلَّا فِيمَا سعى فَلَا يدْخل فِيمَا يتَبَرَّع عَلَيْهِ الْغَيْر من قِرَاءَة أَو دُعَاء فانه لَا حق لَهُ فِي ذَلِك وَلَا مجازاة وَإِنَّمَا أعطَاهُ إِيَّاه الْغَيْر تَبَرعا وَكَذَلِكَ الحَدِيث لَا يدل على بطلَان قَوْله فَإِنَّهُ فِي عمله وَهَذَا من عمل غَيره
٥ - مَسْأَلَة قَوْله الذَّاكِرِينَ الله كثيرا والذكرات مَا هُوَ الذّكر
стр. 133
@ وَمَا هُوَ مِقْدَاره الَّذِي يصير بِهِ الْمُؤمن من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَهل قِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من سَائِر الْأَذْكَار من التَّسْبِيح والتهليل وَالتَّكْبِير وَمَا معنى الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات مَعَ أَنا نعلم ذَلِك بقوله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ فتخصيص الْخَيْر بِقِرَاءَة الْقُرْآن بِكُل حرف عشر حَسَنَات لَا بُد لَهُ من فَائِدَة وَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَأفضل أَوْقَات الذّكر مَا هِيَ
أجَاب ﵁ إِذا واظب على الْأَذْكَار المأثورة المثبتة صباحا وَمَسَاء وَفِي الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة فِي ليل العَبْد ونهاره وَهِي مبينَة فِي كتاب عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة كَانَ من الذَّاكِرِينَ الله ﵎ كثيرا وَقِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من سَائِر الْأَذْكَار
وَقَوله لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات فِيهِ فَائِدَة زَائِدَة وَهِي الْأَعْلَام بِأَن الْحَسَنَة هُنَا لَيست مَخْصُوصَة فِي أَن يَأْتِي بِالْكَلِمَةِ محصورة بكمالها بل تحصل بِحرف مِنْهَا وَأفضل أَوْقَات الْأَذْكَار هِيَ الْأَوْقَات الشَّرِيفَة الْمَعْرُوفَة إِذا اقترنت بالأحوال الصافية
٦ - مَسْأَلَة قَوْله فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين
стр. 134
@ هن يراؤن وَيمْنَعُونَ الماعون من الساهون والمراؤن وَالَّذين يمْنَعُونَ الماعون وَهل إِذا فعل إِحْدَى هَذِه الثَّلَاث كَانَ من أَصْحَاب الويل أم إِذا فعل الثَّلَاث
أجَاب ﵁ الساهون الغافلون عَن الصَّلَاة التاركون لَهَا والمراؤن هم من يعْمل مَا هُوَ طَاعَة لغير الله أَو لله ولغير الله وَالَّذين يمْنَعُونَ الماعون اخْتلفُوا فِيهِ وَالْأَظْهَر أَن الماعون مهمات آلَات الْبَيْت من قدر ومغرفة وفاس ومجرفة وأشباههما هَذَا لما كَانَت الْإِعَارَة وَاجِبَة وَهُوَ ظَاهر الْآيَة ثمَّ نسخ وَالْأَظْهَر أَن اسْتِحْقَاق الويل مَخْصُوص بِمن جمع بَين الثَّلَاث وَالله أعلم
٧ - مَسْأَلَة قَول الله ﵎ فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا إِن ذَلِك لمحيي الْمَوْتَى لم أَمر بِالنّظرِ
стр. 135
@ إِلَى الْأَثر وَلم يَأْمر بِالنّظرِ إِلَى الرَّحْمَة وَهل يجوز لأحد أَن يُفَسر الْقُرْآن بِمَا يخْطر فِي نفس أَو يغلب على ظَنّه من غير نقل عَن أحد الْمُفَسّرين وَمن غير علم بِالْعَرَبِيَّةِ واللغة
أجَاب ﵁ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك لِأَن الْآيَة وَارِدَة لِلْأَمْرِ بِالنّظرِ إِلَى الْمَطَر الَّذِي يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا والمطر الَّذِي هَذَا شَأْنه وَسَائِر صنوف الْأَنْعَام آثَار للرحمة لأنفس الرَّحْمَة فَإِن الرَّحْمَة عِنْد الْمُحَقِّقين من صِفَات الذَّات نَحْو الارادة وَلَا سَبِيل إِلَى النّظر اليها وَمهما سمي الْمَطَر وَغَيره من وُجُوه الإنعام رَحْمَة فعلى سَبِيل التَّجَوُّز وَالْأَصْل هُوَ الأول
وَأما تَفْسِير الْقُرْآن مِمَّن هُوَ على الصّفة الْمَذْكُورَة فَمن كَبَائِر الْإِثْم وَرووا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
وَفِي رِوَايَة من قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر علمه فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار خرجه أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَخرج أَيْضا عَن جُنْدُب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَأصَاب فقد أَخطَأ
الحَدِيث الأول من حسانها وَهَذَا دونه والمفسر الْمَوْصُوف قَائِل فِي الْقُرْآن قولا لَا يسْتَند إِلَى أصل وَحجَّة تعتمد وَهَذَا هُوَ القَوْل بِالرَّأْيِ المذموم قَائِله وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى من قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر علم كالمفسر لهَذَا ونسأل الله الْعِصْمَة من ذَلِك وَمن سَائِر مَا يسخطه سُبْحَانَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعلم
٨ - مَسْأَلَة فِي قَوْله الله كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو
стр. 136
@ الْجلَال وَالْإِكْرَام هَل يجوز الْوَقْف على قَوْله سُبْحَانَهُ وَيبقى والابتداء بِمَا بعده وَفِي الْوَقْف على فان وفيمن قَالَ إِنَّمَا الْوَقْف على قَوْله وَيبقى دون قَوْله فان
أجَاب ﵁ الْوَقْف على وَيبقى مِمَّا يجب أَن يعاف ويتقى لِأَنَّهُ مَعَ أَنه مُخَالف قَول من تناهى إِلَيْنَا قَوْله من مفسري الْقرَان الْعَظِيم ومقرئيه وَالْعُلَمَاء فَإِنَّهُ يَدْفَعهُ الدَّلِيل ويأباه لِأَنَّهُ ترك للظَّاهِر الأسبق الى الْفَهم وَقد تقرر أَنه غير سَائِغ إِلَّا مُسْتَند يُقَوي قُوَّة يصير بِهِ خلاف الظَّاهِر أرجح مِنْهُ وَلَيْسَ الْوَقْف على يبْقى مُسْتَند يتنزل هَذِه الْمنزلَة وَلَا قَرِيبا مِنْهَا وقصارى الصائر إِلَيْهِ أَن يبين اتجاه معنى أَو مَجِيئه على مُتَقَدم نقلا واحتماله معنى لَا يسوغه مَعَ أَن الْأَظْهر غَيره وَنَقله غير مُتَقَدم لَو ترك فِي يَده لم يَنْفَعهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز الْعُدُول عَن قَول الجماهير بِمُجَرَّد قَول فأرد وَهَذَا وَإِن فِيهِ إِثْبَات تَفْسِير الاية أَو نَحوه يبْعَث الشذوذ فِي الْقرَان كَمَا فِي الأَصْل والجرأة عَلَيْهِ عَظِيمَة وَإِنَّمَا يتوقاها المتقون وَالله أعلم
٩ - مَسْأَلَة مَا قَول أَئِمَّة الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْعُلَمَاء بِالْأَيَّامِ وَالسير
стр. 137
@ فِي الْبَقَرَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن الْعَزِيز فِي سُورَة الْبَقَرَة هَل هِيَ أُنْثَى أَو ذكر وَفِي بغلة النَّبِي ﷺ المسماه بدلدل هَل هِيَ أُنْثَى أَو ذكر بينوا ذَلِك
أجَاب ﵁ كل مِنْهُمَا أُنْثَى لَا ذكر وَلَا تستفيد ذَلِك من هَاء التَّأْنِيث فيهمَا فَإِنَّهُ يُقَال للذّكر بقرة وَبغلة أَيْضا حَتَّى صَار بعض أَئِمَّة الشافعيين إِلَى أَنه لَو أوصى ببقرة أَو بغلة جَازَ إِخْرَاج الذّكر وَالْأُنْثَى وَمن خصص بِالْأُنْثَى فلغة عرف الِاسْتِعْمَال فِيهَا لَا لِأَنَّهَا فِي اللُّغَة مَخْصُوصَة بِالْأُنْثَى وَإِنَّمَا استفدنا الْأُنُوثَة فِي المذكورتين من معارف غير ذَلِك أما الْبَقَرَة فَفِي إناثها مَا يُوضح الْأُنُوثَة فِيهَا وَذَلِكَ فِي غير مَوضِع مِمَّا ذكره الله ﵎ فِي صفاتها فَمن ذَلِك قَوْله ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ فان صفة الْأُنْثَى النّصْف وَفِي التَّفْسِير أَنَّهَا الْأُنْثَى الَّتِي ولدت بَطنا أَو بطنين وَمن ذَلِك قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ فَإِنَّهُ إِذا قيل للذّكر بقرة قيل عِنْد الْوَصْف بقرة أصفر لَا صفراء وَلذَلِك لَا يُقَال تسر بل يسر وَفِي ذَلِك غير هَذَا
стр. 138
@
وَأما بغلة النَّبِي ﷺ المسماه بدلدل فَمن الدَّلِيل على أَنَّهَا كَانَت أُنْثَى مَا جَاءَ فِي خَبَرهَا عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه قَالَ كَانَت دُلْدُل بغلة النَّبِي ﷺ أول بغلة رؤيت فِي الْإِسْلَام أهداها لَهُ الْمُقَوْقس
قَالَ الرَّاوِي وَبقيت حَتَّى كَانَ زمن مُعَاوِيَة وروى مُحَمَّد بن سعد بِسَنَد لَهُ أَن اسْم بغلة النَّبِي ﷺ الدلْدل وَكَانَت شهباء وَكَانَ بينبع حتي مَاتَت ثمَّ قَالَ ابْن سعد وَهُوَ ثِقَة أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأَسدي وَقبيصَة بن عقبَة قَالَا حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر عَن أَبِيه قَالَ كَانَت بغلة النَّبِي ﷺ تسمى الشَّهْبَاء وَهَذَا إِسْنَاد رِجَاله أثبت وبمثل هَذَا لَا يُوصف بِهِ الذّكر وَإِن أَجَازُوا فِيهِ أَن يُقَال بغلة فَلم يخبروا فِي صفة وَفِيمَا يرجع إِلَيْهِ من الضمائر مثل هَذَا الَّذِي ترَاهُ وبابه وَلَا الْتِفَات فِي ذَلِك إِلَى تَأْنِيث اللَّفْظ كَمَا فِي قَوْلنَا طَلْحَة وَحَمْزَة فَلَا يُقَال طَلْحَة سرتني أَو كَانَت وَنَحْو ذَلِك وَلَا حَمْزَة الْبَيْضَاء بل الْأَبْيَض فَقَط وَالله أعلم
стр. 139
@ ثمَّ إِذا ضم مَا أردته من أَمر دُلْدُل إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن الْحَارِث صهر رَسُول الله ﷺ أخي جوَيْرِية بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة الَّذين تفرد البُخَارِيّ عَن مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيثهمْ قَالَ مَا ترك رَسُول الله ﷺ عِنْد مَوته درهما وَلَا دِينَارا وَلَا عبدا وَلَا أمة وَلَا شَيْئا إِلَّا بغلته الْبَيْضَاء الَّتِي كَانَ يركبهَا وسلاحه وأرضا جعلهَا لِابْنِ السَّبِيل صَدَقَة
ظهر من ذَلِك أَن بغلته ﷺ المسماه بدلدل هِيَ الَّتِي تسمى الْبَيْضَاء وَكَانَت تسمى الشَّهْبَاء ذكره السُّهيْلي صَاحب الرَّوْض الْأنف فِي شرح السِّيرَة من أَن الْمُسَمَّاة بالبيضاء غير الْمُسَمَّاة بدلدل غير مرض ومعتمد وَالله أعلم
١٠ - مَسْأَلَة قَوْله ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أخباركم فَعلم الله السَّابِق وَهُوَ قَوْله
стр. 140
@ حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم أَو هُوَ علم يَأْتِي وَسمعت شخصا يَقُول فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى نعلم يَتَجَدَّد لَهُ علم ثَان وَالْحق لَهُ علمَان أَو علم وَاحِد بَين لنا هَذَا على الْوَجْه الصَّحِيح الَّذِي لَا ريب فِيهِ فِي الدّين
أجَاب ﵁ الَّذِي قَالَه الشَّخْص خطأ وَلَا يَتَجَدَّد لله سُبْحَانَهُ علم وَإِنَّمَا علمه يخْتَلف مُتَعَلقَة فَتعلق قبل وجود مجاهدتهم بِأَنَّهُ يستوجد مجاهدتهم وَبعد وجودهَا بِأَنَّهَا قد وجدت فَإِذا معنى الْآيَة حَتَّى نعلم مجاهدتكم مَوْجُودَة فنجازيكم عَلَيْهَا وَالله أعلم
стр. 141
@
الْقسم الثَّانِي
فِي شرح أَحَادِيث وَردت عَن رَسُول الله ﷺ
فَمن ذَلِك
١١ - مَسْأَلَة فِي قَوْله ﷺ يُؤْتى بالعالم يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال إِنَّمَا تعلمت الْعلم ليقال كَذَا وَكَذَا وَقد قيل الحَدِيث
стр. 142
@ مَا مَعْنَاهُ أَيحلُّ على أَنه كَانَت لَهُ حَسَنَات غير الْعلم فأحبطت نِيَّته فِي الْعلم حَسَنَاته وَهَذَا خلاف قَوْله إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات أَو يحمل على أَنه لم يكن لَهُ حَسَنَة سوى الْعلم وَكَذَا الْمُجَاهِد وَهَذَا خلاف الظَّاهِر أم لَهُ معنى غير هذَيْن
أجَاب ﵁ هَذَا فِي شخص كَانَ بِمَثَابَة لَو أخْلص فِيهَا فِي علمه لنجاه علمه من الْعَذَاب الَّذِي وجد مُقْتَضَاهُ فَلَمَّا لم يخلص نزل بِهِ مُوجب الْمُقْتَضى لعذاب أَو هَذَا فِيمَن ترجحت سيئاته لريائه بِالْعلمِ على حَسَنَاته فَلم تدفع عَنهُ حَسَنَاته عَذَاب ذَنْب الرِّيَاء فعذب وَالله أعلم
٢١ - مَسْأَلَة قَوْله ﷺ الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهمَا ورمضان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا
стр. 143
@ وَإِذا كَانَت الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لما بَينهَا فَمَا يكفر الْجُمُعَة ورمضان بَين لنا
أجَاب ﵁ هِيَ كَفَّارَات وَإِن لم تصادف شَيْئا تكفره بِمَعْنى أَنَّهَا أَسبَاب للتكفير وَقد يَنْتَفِي عَن السَّبَب مسببه لأمر من الْأُمُور فَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن كَونه سَببا ثمَّ جَوَاب آخر وَهُوَ أَن الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة للصغائر على مَا نطق بِهِ الحَدِيث والمرجو أَن الْكَفَّارَة الثَّانِيَة إِذا لم تصادف صَغِيرَة تكفر بعض الْكَبَائِر وَالله أعلم
١٣ - مَسْأَلَة فِي أَن الْخَبَر إِذا ورد من جِهَة الله لَا يتَصَوَّر وجوده على خلاف الْمخبر بِهِ وَهل هُوَ كَمَا أطلق أم ثمَّ فرق بَين وعد ووعيده وَإِذا لم يَصح الْإِطْلَاق فَمَا الْفرق بَينهمَا وَهل يَكْفِي فِي الْفرق أَن يُقَال إِن إخلاف الْوَعيد لَا يَلِيق بِجَانِب الله تَعَالَى وَالْعَفو عَن الْوَعيد لَائِق بِهِ أم لَا
أجَاب ﵁ نعم هُوَ على أصح إِطْلَاقه فَلَا يَقع أصلا شَيْء من أخباره على خلاف مخبره وَمن ذَلِك الْوَعْد وَأما الْوَعيد فالعفو متطرق إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِك خلفا فِي خَبره فِيهِ فَإِن الْوَعيد مُقَيّد من حَيْثُ الْمَعْنى بِحَالَة عدم الْعَفو فَإِذا قَالَ لأعذبن الظَّالِم مثلا فتقديره إِن لم أعف عَنهُ أَو إِلَى أَن أسامحه أَو أتكرم عَلَيْهِ وَنَحْو هَذَا وَهَذَا الْقَيْد عرف من عَادَة الْعَرَب فِي إيعاداتها وَمن أَخْبَار الشَّارِع عَن ذَلِك على الْجُمْلَة والعموم فِي مثل قَوْله ﷺ فِيمَا روينَاهُ عَن وعد الله على من عمل ثَوابًا فَهُوَ
стр. 144
@ منجز لَهُ وَمن وعده على عمل عقَابا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ وَالله أعلم
١٤ - مَسْأَلَة رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يدْخل فُقَرَاء أمتِي الْجنَّة قبل أغنيائها بِنصْف يَوْم فَهَل هَذَا يُطلق على الْفَقِير الَّذِي قد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل أم الْفَقِير الَّذِي قد منع الدُّنْيَا وَلَا حَظّ لَهُ فِيهَا فَيكون دُخُوله الْجنَّة جبرا لِقَلْبِهِ يَوْم الْقِيَامَة حَيْثُ يتَمَنَّى شَيْئا لَا يقدر عَلَيْهِ وَإِن أطلق ذَلِك على الْفَقِير الَّذِي قد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل فَذَلِك هُوَ الْغَنِيّ الْأَكْبَر وَمَا هُوَ الْفَقِير والغني الَّذِي ورد فيهم بَين لنا
أجَاب ﵁ يدْخل فِي هَذَا الْفَقِير الَّذِي لَا يملك شَيْئا والمسكين الَّذِي يملك شَيْئا وَلَكِن لَا يملك تَمام كِفَايَته إِذا كَانُوا مُؤمنين غير مرتكبين شَيْئا من الْكَبَائِر وَلَا مصرين على شَيْء من الصَّغَائِر وَيشْتَرط فِي ذَلِك أَن يَكُونَا صابرين على الْفقر والمسكنة راضين بهما وَالله أعلم
١٥ - مَسْأَلَة قَوْله ﷺ خير الْقُرُون قَرْني الَّذِي أَنا فِيهِ ثمَّ
стр. 145
@ الَّذِي يَلُونَهُمْ الحَدِيث مَا الْفرق بَين هَذَا وَبَين قَوْله ﷺ على تَقْدِير صِحَّته أمتِي كالغيث لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره وَمَا معنى قَوْله ﷺ للصَّائِم فرحتان فرحة عِنْد إفطاره وفرحة عِنْد لِقَاء ربه الفرحة عِنْد افطاره مَا هِيَ كَونه يفرح بِالْأَكْلِ وَالشرب وفرحة كَونه حصلت لَهُ عبَادَة هَذَا الْيَوْم
أجَاب ﵁ أما الحديثان الْأَوَّلَانِ فَلَا تنَاقض بَينهمَا لِأَن آخر الْأمة فِي الحَدِيث الثَّانِي المضطرب عبارَة عَن الْمهْدي وَعِيسَى بن مَرْيَم ﷺ وَمن مَعَهُمَا وَأما فرحة الصَّائِم عِنْد إفطاره فَجَائِز حملهَا على الْأَمريْنِ فرحة النَّفس بِمَا تتَنَاوَل وَلَا مَحْذُور فِيهَا وفرحة بِتمَام الْعِبَادَة الفاضلة لَهُ وَالله أعلم
следующие страницы →