← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6137

فتاوى ابن الصلاح

ابن الصلاح

Полный текст (727 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

@ بذلك فليفت على مَا وجده فِي الرقعة وَليقل هَذَا إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكر وَإِن كَانَ كَيْت وَكَيْت وَيذكر مَا علمه من الصُّورَة فَالْحكم كَذَا وَكَذَا قلت وَإِذا زَاد الْمُفْتِي على جَوَاب الْمَذْكُور فِي السُّؤَال مَا لَهُ بِهِ تعلق وَيحْتَاج إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَذَلِك حسن وَالله أعلم الثَّانِيَة عشرَة لَا يَنْبَغِي إِذا ضَاقَ مَوضِع الْفَتْوَى عَنْهَا أَن يكْتب الْجَواب فِي رقْعَة أُخْرَى خوفًا من الْحِيلَة عَلَيْهِ وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون جَوَابه مَوْصُولا بآخر سطر من الرقعة وَلَا يدع بَينهمَا فُرْجَة خوفًا من أَن يثبت السَّائِل فِيهَا غَرضا لَهُ ضارا وَكَذَا إِذا كَانَ فِي مَوضِع الْجَواب ورقة ملزقة كتب على مَوضِع الإلزاق وشغله بِشَيْء وَإِذا أجَاب على ظهر الرقعة فَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذيلها اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يبتدىء الْجَواب فِي أَسْفَلهَا مُتَّصِلا بالإستفتاء فيضيق عَلَيْهِ الْموضع فيمتد وَرَاءَهَا مِمَّا يَلِي أَسْفَلهَا ليتصل جَوَابه وَاخْتَارَ بَعضهم أَن لَا يكْتب على ظهرهَا وَلَا يكْتب على حاشيتها بِطُولِهَا وَالْمُخْتَار أَن حاشيتها أولى بذلك من ظهرهَا وَالْأَمر من ذَلِك قريب وَالله أعلم الثَّالِثَة عشرَة إِذا رأى الْمُفْتِي رقْعَة الإستفتاء قد سبق بِالْجَوَابِ فِيهَا من لَيْسَ أَهلا للْفَتْوَى فَعَن الإِمَام أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ ﵁ أَنه لَا يُفْتِي مَعَه لِأَن فِيهِ تَقْرِير مِنْهُ لمنكر بل يضْرب على ذَلِك بِإِذن صَاحب الرقعة وَلَو لم يستاذنه فِي هَذَا الْقدر جَازَ لَكِن لَيْسَ لَهُ إحتباس الرقعة إِلَّا بِإِذن صَاحبهَا وَله انتهار السَّائِل وزجره وتعريف قبح مَا أَتَاهُ وَإنَّهُ قد كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ الْبَحْث عَن أهل الْفَتْوَى وَطلب من يسْتَحق ذَلِك وَإِن رأى فِيهَا اسْم من لَا يعرفهُ سَأَلَ عَنهُ فَإِن لم يعرفهُ فبوسعه أَن يمْتَنع من الْفَتْوَى مَعَه خوفًا مِمَّا قُلْنَاهُ قَالَ وَكَانَ بَعضهم فِي مثل هَذَا يكْتب على ظهرهَا وَالْأولَى فِي هَذِه الْمَوَاضِع أَن يشار على صَاحبهَا بإبدالها فَإِن أَبى ذَلِك أَجَابَهُ شفاها قلت وَإِذا خَافَ فتْنَة من الضَّرْب على فتيا العادم للأهلية وَلم يكن خطأ عدل إِلَى الِامْتِنَاع من الْفتيا مَعَه وَإِن غلبت فَتَاوِيهِ لتغلبه على منصبها بجاه أَو

стр. 72

@ تلبيس أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ صَار امْتنَاع الْأَهْل من الْفتيا مَعَه ضارا بالمستفتيين فليفت مَعَه فَإِن ذَلِك أَهْون الضررين وليتلطف مَعَ ذَلِك فِي إِظْهَار قصوره لمن يجهله وَالله أعلم الرَّابِعَة عشرَة إِذا ظهر لَهُ أَن الْجَواب على خلاف غَرَض المستفتي وَأَنه لَا يرضى بكتبه فِي ورقته فليقتصر على مشافهته بِالْجَوَابِ حَدثنِي الشَّيْخ أَبُو المظفر عبد الرَّحِيم بن الْحَافِظ أبي سعيد عبد الْكَرِيم السَّمْعَانِيّ بِمَدِينَة مرو عَن وَالِده قَالَ سَمِعت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن الْحُسَيْن الشَّاهِد بواسط يَقُول دخلت على قَاضِي الْقُضَاة أبي عبد الله الدَّامغَانِي وَكَانَ معي رقْعَة فِيهَا مَسْأَلَة فَسَأَلته الْجَواب عَنْهَا فَأخذ الرقعة وَشرع يكْتب الْجَواب وَكنت أَدْعُو لَهُ فَقَالَ الْمُفْتِي إِذا وَافق جَوَابه غَرَض المستفتى يَدْعُو لَهُ وَإِذا لم يُوَافق سكت ثمَّ قَالَ غرم شَيخنَا أَبُو الْحسن بن الْقَدُورِيّ لرجل ورقة أفتى يَوْمًا فِي مَسْأَلَة استفتي عَنْهَا فأتفق الْجَواب على خلاف غَرَض المستفتي فَقَالَ لَهُ يَا شيخ اتلفت ورقتي قَالَ فَأخْرج شَيخنَا ورقة من عِنْده وَقَالَ هاك عوضهَا وَالله أعلم الْخَامِسَة عشرَة إِذا وجد فِي رقْعَة الاستفتاء فتيا غَيره وَهِي خطأ قطعا وَإِمَّا خطأ مُطلقًا لمخالفتها الدَّلِيل الْقَاطِع وَإِمَّا خطأ على مَذْهَب من يُفْتِي ذَلِك الْغَيْر على مذْهبه قطعا فَلَا يجوز لَهُ الإمتناع من الْإِفْتَاء فَهُوَ كالتنبيه على خطاياها إِذا لم يكفه ذَلِك غَيره بل عَلَيْهِ الضَّرْب عَلَيْهَا عِنْد تيسره أَو الْإِبْدَال وتقطيع الرقعة بِإِذن صَاحبهَا أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا تعذر ذَلِك وَمَا يقوم مقَامه كتب صَوَاب جَوَابه عِنْد ذَلِك الْخَطَأ ثمَّ إِذا كَانَ المخطىء أَهلا للْفَتْوَى فَحسن أَن يُعَاد إِلَيْهِ بِإِذن صَاحبهَا وَأما إِذا وجد فِيهَا فتيا مِمَّن هُوَ أهل للْفَتْوَى وَهُوَ على خلاف مَا يرَاهُ هُوَ غير أَنه لَا يقطع بخطاياها فليقتصر على أَن يكْتب جَوَاب نَفسه وَلَا يتَعَرَّض لفتيا غَيره بتخطئة وَلَا إعتراض عَلَيْهِ وبلغنا أَن الْملك الملقب بِجلَال الدولة من مُلُوك الديلم المتسلطين على

стр. 73

@ الْخُلَفَاء لما زيد فِي ألقابه شاهان شاه الْأَعْظَم ملك الْمُلُوك وخطب لَهُ بذلك بِبَغْدَاد على الْمِنْبَر جرى فِي ذَلِك إستفتاء فُقَهَاء بَغْدَاد فِي جَوَاز ذَلِك وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبع مائَة فَأفْتى غير وَاحِد من أَئِمَّة الْعَصْر بِجَوَاز ذَلِك مِنْهُم القَاضِي الإِمَام أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الْكَرْخِي وَابْن الْبَيْضَاوِيّ وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ الْحَنَفِيّ وَأَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ وَلم يفت مَعَهم القَاضِي أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ فَكتب إِلَيْهِ كَاتب الْخَلِيفَة يَخُصُّهُ بالإستفتاء فِي ذَلِك فَأفْتى بِأَن ذَلِك لَا يجوز وَلَقَد أصَاب فِي تَحْرِيمه ذَلِك وأخطاوا فِي تجويزه فَلَمَّا وقفُوا على جَوَابه تصدوا لنقضه وَأطَال القاضيان أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ وَأَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ فِي التشنيع عَلَيْهِ فَأجَاب الْمَاوَرْدِيّ عَن كِلَاهُمَا بِجَوَاب طَوِيل يذكر فِيهِ أَنَّهُمَا أخطا من وُجُوه مِنْهَا أَنه لَا يسوغ لمفت إِذا أفتى أَن يتَعَرَّض لجواب غَيره برد وَلَا بِخطْبَة ويجيب بِمَا عِنْده من مُوَافقَة أَو مُخَالفَة فقد يُفْتِي بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بِمَا يخالفهم فِيهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة فَلَا يتَعَرَّض أحد مِنْهُم لرد على صَاحبه وَالله أعلم السَّادِسَة عشرَة إِذا لم يفهم الْمُفْتِي السُّؤَال أصلا وَلم يحضر صَاحب الْوَاقِعَة فَعَن القَاضِي أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ الشَّافِعِي ﵀ أَن لَهُ أَن يكْتب يُزَاد فِي الشَّرْح لنجيب عَنهُ أَو لم أفهم مَا فِيهَا فَأُجِيب عَنهُ وَقَالَ بَعضهم لَا يكْتب شَيْئا أصلا قَالَ وَرَأَيْت بَعضهم كتب فِي مثل هَذَا يحضر السَّائِل لنخاطبه شفاها وَإِذا اشْتَمَلت الرقعة على مسَائِل فهم بَعْضهَا دون بعض أَو فهمها كلهَا وَلم يزدْ الْجَواب عَن بَعْضهَا أَو احْتَاجَ فِي بَعْضهَا إِلَى مطالعة رَأْيه أَو كتبه سكت عَن ذَلِك الْبَعْض وَأجَاب عَن الْبَعْض الآخر وَعَن الصَّيْمَرِيّ أَنه يَقُول فِي جَوَابه فَأَما بَاقِي الْمسَائِل قُلْنَا فِيهِ نظر أَو يَقُول مطالعة أَو يَقُول زِيَادَة تَأمل قلت وَإِذا فهم من السُّؤَال صُورَة وَهُوَ يحْتَمل غَيرهَا فلينهر عَلَيْهَا فِي

стр. 74

@ أول جَوَابه فَيَقُول إِن كَانَ قد قَالَ كَذَا وَكَذَا أَو فعل كَذَا وَكَذَا أَو مَا أشبه هَذَا ثمَّ يذكر حكم ذَلِك وَالله أعلم السَّابِعَة عشرَة لَيْسَ بمنكر أَن يذكر الْمُفْتِي فِي فتواه الْحجَّة إِذا كَانَت نصا وَاضحا مُخْتَصرا مثل أَن يسئل عَن عدَّة الْآيَة وَحسن أَن يكْتب فِي فتواه قَالَ الله ﵎ ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ أَو يسْأَل هَل يطهر جلد الْميتَة بالدباغ فَيكْتب نعم يطهر قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر) وَأما الأقيسة وَشبههَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ ذكر شَيْء مِنْهَا وَفِيمَا وَجَدْنَاهُ عَن الصَّيْمَرِيّ قَالَ لم تجر الْعَادة على أَن يذكر فِي فتواه طَرِيق الإجتهاد وَلَا وَجه الْقيَاس والإستدلال اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون الْفَتْوَى تتَعَلَّق بِنَظَر قَاض فيومىء فِيهَا طَرِيق الإجتهاد ويلوح بالنكثة الَّتِي عَلَيْهَا بني الْجَواب أَو يكون غَيره قد أفتى فِيهَا بفتوى غلظ فِيهَا عِنْده فيلوح بالنكثة الَّتِي أوجب خِلَافه ليقمْ عذره فِي مُخَالفَته قلت وَكَذَلِكَ لَو كَانَ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غموض فَحسن أَن يلوح بحجته وَهَذَا التَّفْصِيل أولى مِمَّا سبق قَرِيبا ذكره عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ من إِطْلَاقه القَوْل بِالْمَنْعِ من تعرضه للإحتجاج وَقد يحْتَاج الْمُفْتِي فِي بعض الوقائع إِلَى أَن يشدد ويبالغ فَيَقُول هَذَا اجماع الْمُسلمين أَو لَا أعلم فِي هَذَا خلافًا أَو فَمن خَالف هَذَا فقد خَالف الْوَاجِب وَعدل عَن الصَّوَاب أَو فقد أَثم وَفسق أَو على ولي الْأَمر أَن يَأْخُذ بِهَذَا وَلَا يهمل الْأَمر وَمَا اشبه هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة وتوجبه الْحَال وَالله أعلم

стр. 75

@ الثَّامِنَة عشرَة يجب على الْمُفْتِي عِنْد اجْتِمَاع الرّقاع بِحَضْرَتِهِ أَن يقدم الأسبق فالاسبق كَمَا يَفْعَله القَاضِي عِنْد اجْتِمَاع الْخُصُوم وَذَلِكَ فِيمَا يجب عَلَيْهِ الْإِفْتَاء وَعند التَّسَاوِي أَو الْجَهْل بالسابق يقدم بِالْقُرْعَةِ وَالصَّحِيح أَنه يجوز لَهُ تَقْدِيم الْمَرْأَة وَالْمُسَافر الَّذِي شدّ رَحْله وَفِي تَأْخِيره تخلفه عَن رفقته على من سبقهما إِلَّا إِذا أَكثر المسافرون وَالنِّسَاء بِحَيْثُ يلْحق غَيرهم من تقديمهم ضَرَر كثير فَيَعُود إِلَى التَّقْدِيم بِالسَّبقِ أَو القرعه ثمَّ لَا يقدم من يقدمهُ إِلَّا فتيا وَاحِدَة وَالله أعلم التَّاسِعَة عشرَة ليحذر أَن يمِيل فِي فتواه مَعَ المستفتي أَو مَعَ خَصمه ووجوه الْميل كَثِيرَة لَا تخفى وَمِنْهَا أَن يكْتب فِي جَوَابه مَا هُوَ لَهُ ويسكت عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يبتدىء فِي مسَائِل الدَّعَاوَى والبينات يذكر وُجُوه المخالص مِنْهَا وَإِذا سَأَلَهُ أحدهم وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تنْدَفع دَعْوَى كَذَا أَو كَذَا وَبَيِّنَة كَذَا أَو كَذَا لم يجبهُ كي لَا يتَوَصَّل بذلك إِلَى إبِْطَال حق وَله أَن يسْأَل عَن حَاله فِيمَا ادعِي عَلَيْهِ فَإِذا شَرحه لَهُ عرفه بِمَا فِيهِ من دَافع وَغير دَافع وَالله أعلم الْعشْرُونَ لَيْسَ لَهُ إِذا استفتي فِي شَيْء من الْمسَائِل الكلامية أَن يُفْتِي بالتفصيل بل يمْنَع مستفتيه وَسَائِر الْعَامَّة من الْخَوْض فِي ذَلِك أصلا وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقتصروا فِيهَا على الْإِيمَان جملَة من غير تَفْصِيل ويقولوا فِيهَا وَفِيمَا ورد من الْآيَات والاخبار المتشابهات أَن الثَّابِت فِيهَا فِي نفس الْأَمر كل مَا هُوَ لَائِق فِيهَا بِجلَال الله وكماله وتقديسه المطلقين وَذَلِكَ هُوَ معتقدنا فِيهَا وَلَيْسَ علينا تَفْصِيله وتعيينه وَلَيْسَ الْبَحْث عَنهُ من شَأْننَا بل نكل علم تَفْصِيله إِلَى الله ﵎ ونصرف عَن الْخَوْض فِيهِ قُلُوبنَا وألسنتنا فَهَذَا وَنَحْوه عَن أَئِمَّة الْفَتْوَى هُوَ الصَّوَاب فِي ذَلِك وَهُوَ سَبِيل سلف الْأمة وأئمة الْمذَاهب الْمُعْتَبرَة وأكابر الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أصوب وَأسلم للعامة وأشباههم مِمَّن يدغل قلبه بالخوض فِي ذَلِك وَمن كَانَ مِنْهُم إعتقد إعتقادا بَاطِلا تَفْصِيلًا

стр. 76

@ فَفِي إِلْزَامه بِهَذَا صرف لَهُ عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد الْبَاطِل بِمَا هُوَ أَهْون وأيسر وَأسلم وَإِذا عزّر ولي الْأَمر من حاد مِنْهُم عَن هَذِه الطَّرِيقَة فقد تأسى بعمر بن الْخطاب ﵁ فِي تعزيره ضبيع بن عسل الَّذِي كَانَ يسْأَل عَن المتشابهات على ذَلِك والمتكلمون من أَصْحَابنَا معترفون بِصِحَّة هَذِه الطَّرِيقَة وبأنها أسلم لمن سلمت لَهُ وَكَانَ الْغَزالِيّ مِنْهُم فِي آخر أمره شَدِيد الْمُبَالغَة فِي الدُّعَاء إِلَيْهَا والبرهنة عَلَيْهَا وَذكر شَيْخه الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي فِي كِتَابه الغياثي أَن الإِمَام يحرص مَا أمكنه على جمع الْعَامَّة من الْخلق على سلوك سَبِيل السّلف فِي ذَلِك واستفتى الْغَزالِيّ فِي كَلَام الله ﵎ وَكَانَ من جَوَابه وَأما الْخَوْض فِي أَن كَلَامه تَعَالَى حرف وَصَوت أَو لَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ بِدعَة وكل من يَدْعُو الْعَوام إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا فَلَيْسَ من أَئِمَّة الدّين وَإِنَّمَا هُوَ من المضلين ومثاله من يَدْعُو الصّبيان الَّذين لَا يعْرفُونَ السباحة إِلَى خوض الْبَحْر وَمن يَدْعُو الزَّمن المقعد إِلَى السّفر فِي البراري من غير مركوب وَقَالَ فِي رِسَالَة لَهُ الصَّوَاب لِلْخلقِ كلهم إِلَّا الشاذ النَّادِر الَّذِي لَا تسمح الإعصار إِلَّا بِوَاحِد مِنْهُم أَو اثْنَيْنِ سلوك مَسْلَك السّلف فِي الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل بِكُل مَا أنزلهُ الله تَعَالَى وَأخْبر بِهِ رَسُوله ﷺ من غير بحث وتفتيش والإشتغال بالفتوى فَفِيهِ شغل شاغل وَفِي كتاب أدب الْمُفْتِي والمستفتي للصيمري أبي الْقَاسِم أَن مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْفَتْوَى أَن من كَانَ مَنْسُوبا بالفتوى فِي الْفِقْه لم يَنْبغ أَن يضع حَظه بفتوى فِي مسئلة من الْكَلَام كالقضاء وَالْقدر والرؤية وَخلق الْقُرْآن وَكَانَ بَعضهم لَا يستتم قِرَاءَة مثل هَذِه الرقعة وَحكى أَبُو عمر بن عبد الْبر الْفَقِيه الْحَافِظ الأندلسي الِامْتِنَاع من

стр. 77

@ الْكَلَام فِي كل ذَلِك عَن الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء قَدِيما وحديثا من أهل الحَدِيث وَالْفَتْوَى وَقَالَ إِنَّمَا خَالف ذَلِك أهل الْبدع قلت فَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا يُؤمن فِي تَفْصِيل جوابها من ضَرَر الْخَوْض الْمَذْكُور جَازَ الْجَواب تَفْصِيلًا وَذَلِكَ بِأَن يكون جوابها مُخْتَصرا مفهوما فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَاف يتجاذبها المتنازعون وَالسُّؤَال عَنهُ صادر من مسترشد خَاص منقاد أَو من عَامَّة قَليلَة التَّنَازُع والمماراة والمفتي مِمَّن ينقادون لفتواه وَنَحْو هَذَا وعَلى هَذَا أَو نَحوه يخرج مَا جَاءَ عَن بعض السّلف من بعض الْفَتْوَى فِي بعض الْمسَائِل الكلامية وَذَلِكَ مِنْهُم قَلِيل نَادِر وَالله أعلم القَوْل فِي صفة المستفتي وَأَحْكَامه وآدابه أما صفته فَكل من لم يبلغ دَرَجَة الْمُفْتِي فَهُوَ فِيمَا يسْأَل عَنهُ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مستفت ومقلد لمن يفتيه وحد التَّقْلِيد فِي اختيارنا وتحريرنا قبُول قَول من يجوز عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الْخَطَأ بِغَيْر حجَّة على عين مَا قبل قَوْله فِيهِ وَيجب عَلَيْهِ الاستفتاء إِذا نزلت بِهِ حَادِثَة يجب عَلَيْهِ تعلم حكمهَا وَفِي أَحْكَامه وآدابه مسَائِل الأولى إختلفوا فِي أَنه هَل يجب عَلَيْهِ الْبَحْث وَالِاجْتِهَاد عَن أَعْيَان الْمُفْتِينَ وَلَيْسَ هَذَا الْخلاف على الْإِطْلَاق فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قطعا الْبَحْث الَّذِي يعرف بِهِ صَلَاحِية من يستفتيه للإفتاء إِذا لم يكن قد تقدّمت مَعْرفَته بذلك وَلَا

стр. 78

@ يجوز لَهُ استفتاء كل من اعتزى إِلَى الْعلم أَو انتصب فِي منصب التدريس أَو غَيره من مناصب أهل الْعلم بِمُجَرَّد ذَلِك وَيجوز لَهُ استفتاء من تَوَاتر بَين النَّاس واستفاض فيهم كَونه أَهلا للْفَتْوَى وَعند بعض أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين إِنَّمَا يعْتَمد قَوْله أَنا أهل للْفَتْوَى لَا يشْهد لَهُ بذلك والتواتر لِأَن التَّوَاتُر لَا يُفِيد الْعلم إِذا لم يسْتَند إِلَى مَعْلُوم محسوس والشهرة بَين الْعَامَّة لَا يوثق بهَا وَقد يكون أَصْلهَا التلبيس وَيجوز لَهُ أَيْضا استفتاء من أخبر الْمَشْهُور الْمَذْكُور عَن أَهْلِيَّته وَلَا يَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي فِي هَذِه الازمان بِمُجَرَّد تصديه للْفَتْوَى واشتهاره بمباشرتها لَا بأهليته لَهَا وَقد أطلق الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَغَيره أَن يقبل فِيهِ خبر الْعدْل الْوَاحِد وَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ أَن يكون عِنْده من الْعلم وَالْبَصَر مَا يُمَيّز بِهِ الملبس من غَيره وَلَا يعْتَمد فِي ذَلِك على خبر احاد الْعَامَّة لِكَثْرَة مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِم من التلبيس فِي ذَلِك إِذا عرفت هَذَا فَإِذا اجْتمع إثنان أَو أَكثر مِمَّن يجوز استفتاؤهم فَهَل يجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي أعيانهم والبحث عَن الأعلم الأودع الأوثق ليقلده دون غَيره فَهَذَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا وَهُوَ فِي طَريقَة الْعرَاق مَنْسُوب إِلَى أَكثر أَصْحَابنَا وَهُوَ الصَّحِيح فِيهَا أَنه لَا يجب ذَلِك وَله استفتاء من شَاءَ مِنْهُم لِأَن الْجَمِيع أهل وَقد أسقطنا الِاجْتِهَاد عَن الْعَاميّ وَالثَّانِي يجب عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ قَول ابْن سُرَيج وإختيار الْقفال الْمروزِي وَالصَّحِيح عِنْد صَاحبه القَاضِي حُسَيْن لِأَنَّهُ يُمكنهُ هَذَا الْقدر من الِاجْتِهَاد بالبحث وَالسُّؤَال وشواهد الْأَحْوَال فَلم يسْقط عَنهُ

стр. 79

@ وَالْأول أصح وَهُوَ الظَّاهِر من حَال الْأَوَّلين وَلَكِن مَتى اطلع على الأوثق مِنْهُمَا فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه تَقْلِيده دون الآخر كَمَا وَجب تَقْدِيم أرجح الدَّلِيلَيْنِ وأوثق الروايين فعلى هَذَا يلْزمه تَقْلِيد الاورع من الْعَالمين والأعلم من الورعين فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أورع قلد الأعلم على الْأَصَح وَالله أعلم الثَّانِيَة فِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت وَجْهَان أَحدهمَا لَا يجوز لِأَن أَهْلِيَّته زَالَت لمَوْته فَهُوَ كَمَا لَو فسق وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل الْجَوَاز لِأَن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلِهَذَا يعْتد بهَا بعدهمْ فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف وَمَوْت الشَّاهِد قبل الحكم لَا يمْنَع من الحكم بِشَهَادَتِهِ بِخِلَاف الْفسق وَالْقَوْل بِالْأولِ يجر ضبطا فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة الثَّالِثَة هَل يجوز للعامي أَن يتَخَيَّر ويقلد أَي مَذْهَب شَاءَ لينْظر إِن كَانَ منتسبا إِلَى مَذْهَب معِين بنينَا ذَلِك على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْن فِي أَن للعامي هَل لَهُ مَذْهَب أَولا أَحدهمَا أَنه لَا مَذْهَب لَهُ لِأَن الْمَذْهَب إِنَّمَا يكون لمن يعرف الْأَدِلَّة فعلى هَذَا لَهُ أَن يستفتي من شَاءَ شَافِعِيّ أَو حَنَفِيّ أَو غَيرهمَا وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الْقفال الْمروزِي أَن لَهُ مذهبا لِأَنَّهُ اعْتقد أَن الْمَذْهَب الَّذِي انتسب إِلَيْهِ هُوَ الْحق وَرجحه على غَيره فَعَلَيهِ الْوَفَاء بِمُوجب إعتقاده ذَلِك فَإِن كَانَ شافعيا لم يكن لَهُ أَن يستفتي حنفيا وَلَا يُخَالف إِمَامه فقد ذكرنَا فِي الْمُفْتِي المنتسب مَا يجوز لَهُ أَن يُخَالف إِمَامه فِيهِ وَإِن لم يكن قد انتسب إِلَى مَذْهَب معِين فنبني ذَلِك فِيهِ على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا ابْن برهَان فِي أَن الْعَاميّ هَل يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب معِين يَأْخُذ بِرُخصِهِ وعزائمه

стр. 80

@ أَحدهمَا أَلا يلْزمه ذَلِك كَمَا لم يلْزم فِي عصر أَوَائِل الْأمة أَن يخص الْعَاميّ عَالما معينا بتقليده قلت فعلى هَذَا هَل لَهُ أَن يستفتي على أَي مَذْهَب شَاءَ أَو يلْزمه أَن يبْحَث حَتَّى يعلم علم مثله أَسد الْمذَاهب وأصحها أصلا فيستفتي أَهله فِيهِ وَجْهَان مذكوران كالوجهين اللَّذين سبقا فِي إِلْزَامه بالبحث عَن الأعلم والأوثق من الْمُفْتِينَ وَالثَّانِي يلْزمه ذَلِك وَبِه قطع الكيا أَبُو الْحسن وَهُوَ جَار فِي كل من لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد من الْفُقَهَاء وأرباب سَائِر الْعُلُوم وَوَجهه أَنه لَو جَازَ لَهُ اتِّبَاع اي مَذْهَب شَاءَ لأفضى إِلَى أَن يتَلَفَّظ رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ ومتخيرا بَين التَّحْرِيم والتجويز فِي ذَلِك الْخلاف رُتْبَة التَّكْلِيف بِخِلَاف الْعَصْر الأول فَإِنَّهُ لم تكن الْمذَاهب الوافية بِأَحْكَام الْحَوَادِث حِينَئِذٍ قد مهدت وَعرفت فعلى هَذَا يلْزمه أَن يجْتَهد فِي اخْتِيَار مَذْهَب يقلده على التَّعْيِين وَهَذَا أولى بِإِيجَاب الِاجْتِهَاد فِيهِ على الْعَاميّ مِمَّا سبق ذكره فِي الاستفتاء وَنحن نمهد لَهُ طَرِيقا يسلكه فِي اجْتِهَاده سهلا فَنَقُول أَولا لَيْسَ لَهُ أَن يتبع فِي ذَلِك مُجَرّد التشهي والميل إِلَى مَا وجد عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَيْسَ لَهُ التمذهب بِمذهب أحد من أَئِمَّة الصَّحَابَة وَغَيرهم من الْأَوَّلين وَإِن كَانُوا أعلم وَأَعْلَى دَرَجَة من بعدهمْ لأَنهم لم يتفرغوا لتدوين الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه وَلَيْسَ لأحد مِنْهُم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها كمالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وَلما كَانَ الشَّافِعِي قد تَأَخّر عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَنظر فِي مذاهبهم نَحْو نظرهم فِي مَذَاهِب من قبلهم فسبرها وحبرها وانتقدها وَاخْتَارَ أرجحها وَوجد من قبله قد كَفاهُ مُؤنَة التأصيل فتفرغ للاختيار وَالتَّرْجِيح والتنقيح والتكميل مَعَ كَمَال آليته وبراعته فِي الْعُلُوم وترجحه

стр. 81

@ فِي ذَلِك على من سبقه ثمَّ لم يُوجد بعده من بلغ مَحَله فِي ذَلِك كَانَ مذْهبه أولى الْمذَاهب بالاتباع والتقليد وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ الْإِنْصَاف والسلامة من الْقدح فِي أحد الْأَئِمَّة جلي وَاضح إِذا تَأمله الْعَاميّ قَادَهُ إِلَى اخْتِيَار مَذْهَب الشَّافِعِي والتمذهب وَالله أعلم الرَّابِعَة إِذا اخْتلف عَلَيْهِ فَتْوَى مفتيين فللأصحاب فِيهِ أوجه أَحدهَا أَنه يَأْخُذ بأغلظها فَيَأْخُذ بالحظر دون الْإِبَاحَة لِأَن أحوط وَلِأَن الْحق ثقيل الثَّانِي يَأْخُذ بأخفها لِأَنَّهُ ﷺ بعث بالحنيفية السمحة السهلة وَالثَّالِث يجْتَهد فِي الأوثق فَيَأْخُذ بفتوى الأعلم الأورع كَمَا سبق شَرحه وَاخْتَارَهُ السَّمْعَانِيّ الْكَبِير وَنَصّ الشَّافِعِي على مثله فِي الْقبْلَة وَالرَّابِع يسْأَل مفتيا آخر فَيعْمل بفتوى من يُوَافقهُ وَالْخَامِس يتَخَيَّر فَيَأْخُذ بقول أَيهمَا شَاءَ وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّيْخ أبي إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَاخْتَارَهُ صَاحب الشَّامِل فِيمَا إِذا تساوى المفتيان فِي نَفسه وَالْمُخْتَار أَن عَلَيْهِ أَن يجْتَهد ويبحث عَن الْأَرْجَح فَيعْمل بِهِ فَإِنَّهُ حكم التَّعَارُض وَقد وَقع وَلَيْسَ كَمَا سبق ذكره من التَّرْجِيح الْمُخْتَلف فِيهِ عِنْد الاستفتاء وَعند هَذَا الْبَحْث عَن الأوثق من المفتيين فَيعْمل بفتياه فَإِن لم يتَرَجَّح أَحدهمَا عِنْده استفتى آخر وَعمل بفتوى من وَافقه الآخر فَإِن تعذر ذَلِك وَكَانَ اخْتِلَافهمَا فِي الْحَظْر وَالْإِبَاحَة وَقبل الْعَمَل اخْتَار جَانب الْحَظْر وَترك غَيره فَإِنَّهُ أحوط وَإِن تَسَاويا من كل وَجه خيرناه بَينهمَا وَإِن ابْنا التَّخْيِير فِي غَيره لِأَنَّهُ ضَرُورَة فِي صُورَة نادرة ثمَّ إِنَّا نخاطب بِمَا ذَكرْنَاهُ المفتيين وَأما الْعَاميّ الَّذِي وَقع لَهُ ذَلِك فَحكمه أَن يسْأَل عَن ذَلِك المفتيين أَو مفتيا

стр. 82

@ آخر وَقد أرشدنا الْمُفْتِي إِلَى مَا يجِيبه بِهِ فِي ذَلِك فَهَذَا جَامع لمحاسن الْوُجُوه الْمَذْكُورَة ومنصب فِي قالب التَّحْقِيق وَالله أعلم الْخَامِسَة قَالَ أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ إِذا سمع المستفتي جَوَاب الْمُفْتِي لم يلْزمه الْعَمَل بِهِ إِلَّا بالتزامه وَيجوز أَن يُقَال أَنه يلْزمه إِذا أَخذ فِي الْعَمَل بِهِ وَقيل يلْزمه إِذا وَقع فِي نَفسه صِحَّته وَحَقِيقَته قَالَ وَهَذَا أولى الْأَوْجه قلت لم أجد هَذَا لغيره وَقد حكى هُوَ بعد ذَلِك عَن بعض الْأُصُولِيِّينَ أَنه إِذا أفتاه هُوَ مُخْتَلف فِيهِ خَيره بَين أَن يقبل مِنْهُ أَو من غَيره ثمَّ اخْتَار هُوَ أَنه يلْزمه الِاجْتِهَاد فِي أَعْيَان المفتيين وَيلْزمهُ الْأَخْذ بِفُتْيَا من اخْتَارَهُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يجب تخييره وَالَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد أَن يفصل فَيَقُول إِذا أفتاه الْمُفْتِي نظر فَإِن لم يُوجد مفت آخر لزمَه الْأَخْذ بفتياه وَلَا يتَوَقَّف ذَلِك على الْتِزَامه لَا بِالْأَخْذِ فِي الْعَمَل وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا يتَوَقَّف أَيْضا على سُكُون نَفسه إِلَى صِحَّته فِي نفس الامر فَإِن فرْصَة التَّقْلِيد كَمَا عرف وَإِن وجد مفتيا آخر فَإِن استبان أَن الَّذِي أفتاه هُوَ الأعلم الأوثق لزمَه مَا أفتاه بِهِ بِنَاء على الْأَصَح تَعْيِينه كَمَا سبق وَإِن لم يستبن ذَلِك لم يلْزمه مَا أفتاه لمُجَرّد إفتائه إِذْ يجوز لَهُ استفتاء غَيره وتقليده وَلَا يعلم أتفاقهما فِي الْفَتْوَى فَإِن وجد الِاتِّفَاق وَحكم بِهِ عَلَيْهِ حَاكم لزمَه حنئذ وَالله أعلم السَّادِسَة إِذا استفتي فَأفْتى ثمَّ حدثت لَهُ تِلْكَ الْحَادِثَة مرّة أُخْرَى فَهَل يلْزمه تَجْدِيد السُّؤَال فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يلْزمه لجَوَاز تَغْيِير رَأْي الْمُفْتِي وَالثَّانِي لَا يلْزمه وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ قد عرف الحكم وَالْأَصْل اسْتِمْرَار الْمُفْتِي عَلَيْهِ وخصص صَاحب الشَّامِل الْخلاف فِيمَا إِذا قلد حَيا وَقع فِيمَا

стр. 83

@ إِذا كَانَ ذَلِك خَبرا عَن ميت بِأَنَّهُ لَا يلْزمه وَلَا يخْتَص ذَلِك كَمَا قَالَه فَإِن الْمُفْتِي على مَذْهَب الْمَيِّت قد تغير جَوَابه على مذْهبه وَالله أعلم السَّابِعَة لَهُ أَن يستفتي بِنَفسِهِ وَله أَن يُقَلّد ثِقَة يقبل خَبره لِيَسْتَفْتِيَ لَهُ وَيجوز لَهُ الِاعْتِمَاد على خطّ الْمُفْتِي إِذا أخبرهُ من يَثِق بقوله أَنه خطه أَو كَانَ يعرف خطه وَلم يتشكك فِي كَون ذَلِك الْجَواب بِخَطِّهِ وَالله أعلم الثَّامِنَة يَنْبَغِي للمستفتي أَن يحفظ الْأَدَب مَعَ الْمُفْتِي ويبجله فِي خطابه وسؤاله وَنَحْو ذَلِك وَلَا يوميء بِيَدِهِ فِي وَجهه وَلَا يَقُول لَهُ مَا تحفظ فِي كَذَا وَكَذَا أَو مَا مَذْهَب إمامك الشَّافِعِي فِي كَذَا وَكَذَا وَلَا يَقُول إِذا أَجَابَهُ هَكَذَا قلت أَنا وَكَذَا وَقع لي وَلَا يقل لَهُ أفتاني فلَان أَو أفتاني غَيْرك كَذَا وَكَذَا وَلَا يَقُول إِذا استفتي فِي رقْعَة إِن كَانَ جوابك مُوَافقا لما أجَاب فِيهِ فاكتبه وَإِلَّا فَلَا تكْتب وَلَا يسْأَله وَهُوَ قَائِم أَو مستوفزا أَو على حَالَة ضجر أَو هم أَو غير ذَلِك مِمَّا يشغل الْقلب وَيبدأ بالأسن الأعلم من المفتيين وبالأولى فَالْأولى على مَا سبق بَيَانه وَقَالَ الصَّيْمَرِيّ إِذا أَرَادَ جمع الجوابات فِي رقْعَة قدم الأسن والأعلم وَإِن أَرَادَ إِفْرَاد الجوابات فِي رقاع فَلَا يُبَالِي بِأَيِّهِمْ بَدَأَ وَالله أعلم التَّاسِعَة يَنْبَغِي أَن تكون رقْعَة الإستفتاء وَاسِعَة ليتَمَكَّن المستفتي من اسْتِيفَاء الْجَواب فَإِنَّهُ إِذا ضَاقَ الْبيَاض آختصر فأضر بذلك بالسائل وَلَا يدع الدُّعَاء لمن يُفْتِي إِمَّا خَاصّا إِن خص وَاحِدًا باستفتائه وَإِمَّا عَاما إِن استفتى الْفُقَهَاء مُطلقًا وَكَانَ بَعضهم يخْتَار أَن يدْفع الرقعة إِلَى الْمُفْتِي منشورة وَلَا يحوجه إِلَى نشرها ويأخذها من يَده إِذا أفتى وَلَا يحوجه إِلَى طيها وَيَنْبَغِي أَن يكون كَاتب الاستفتاء مِمَّن يحسن السُّؤَال ويضعه على الْغَرَض مَعَ إبانة الْخط وَاللَّفْظ وصيانتهما عَمَّا يتَعَرَّض للتصحيف كنحو مَا حُكيَ أَن مستفتيا استفتى بِبَغْدَاد فِي رقْعَة عَمَّن قَالَ أَنْت طَالِق إِن ثمَّ أمسك عَن ذكر الشَّرْط لأمر لحقه فَقَالَ مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل قَالَ لإمرأته أَنْت طَالِق إِن ثمَّ وقف عِنْد إِن يَعْنِي ثمَّ

стр. 84

@ أمسك ووقف عِنْد إِن فتصحف ذَلِك على الْفُقَهَاء لكَون السُّؤَال عريا عَن الضَّبْط واعتقدوه تَعْلِيقا للطَّلَاق على تَمام وقف رجل اسْمه عَبْدَانِ فَقَالُوا إِن ثمَّ وقف عَبْدَانِ طلقت وَإِن لم يتم الْوَقْف فَلَا طَلَاق حَتَّى حملت إِلَى أبي الْحسن الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ وَقيل إِلَى أبي مجَالد الضَّرِير فَتنبه لحقيقة الْأَمر فِيهَا فَأجَاب على ذَلِك فَاسْتحْسن مِنْهُ قَالَ الصَّيْمَرِيّ ويحرص أَن يكون كاتبها من أهل الْعلم وَقد كَانَ بعض الْفُقَهَاء مِمَّن لَهُ رياسة لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رقْعَة كتبهَا رجل بِعَيْنِه من أهل الْعلم بِبَلَدِهِ وَالله أعلم الْعَاشِرَة لَا يَنْبَغِي للعامي أَن يُطَالب الْمُفْتِي بِالْحجَّةِ فِيمَا أفتاه بِهِ وَلَا يَقُول لَهُ لم وَكَيف فَإِن أحب أَن تسكن نَفسه لسَمَاع الْحجَّة فِي ذَلِك سَأَلَ عَنْهَا فِي مجْلِس آخر أَو فِي ذَلِك الْمجْلس بعد قبُول الْفَتْوَى مُجَرّدَة عَن الْحجَّة وَذكر السَّمْعَانِيّ أَنه لَا يمْنَع من أَن يُطَالب الْمُفْتِي بِالدَّلِيلِ لإجل احتياطه لنَفسِهِ وَأَنه يلْزمه أَن يذكر لَهُ الدَّلِيل إِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا يلْزمه ذَلِك إِن لم يكن مَقْطُوعًا بِهِ لافتقاره إِلَى اجْتِهَاد يقصر عَنهُ الْعَاميّ وَالله أعلم انْتهى

стр. 85

@ نجز كتاب الْفَتْوَى تصنيف الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة تَقِيّ الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح تغمده الله برحمته وَأَسْكَنَهُ فردوس جنته وَافق الْفَرَاغ من نسخه بعون الله تَعَالَى فِي يَوْم الثُّلَاثَاء وَقت آذان الْعَصْر فِي عشْرين شهر رَجَب أحد الْأَشْهر الْحرم عَام إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة على يَد العَبْد الْفَقِير الراجي عَفْو ربه الْقَدِير الْمُعْتَرف بالذنب وَالتَّقْصِير مُحَمَّد بن الْقفال متخير لي الْقسم الشَّافِعِي مذهبا عاملهما الله بِلُطْفِهِ الْخَفي وَغفر لَهما ولطف بهما وَأحسن عافيتهما فِي الدُّنْيَا والأخرة

стр. 86

@ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقل رب زِدْنِي علما بَيَان صِحَة الفتاوي الَّتِي صدرت من الشَّيْخ ابْن الصّلاح الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْمُرْسلين وَسَائِر النَّبِيين وَالْكل وَسَائِر الصَّالِحين اللَّهُمَّ الهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أَنْفُسنَا وَمن شَرّ الأشرار وَكيد الْفجار وارزقنا طَهَارَة الْأَسْرَار وموافقة الْأَبْرَار وأعذنا من أَن نقُول بِغَيْر علم أَو نسعى فِي جهل أَو مأثم هَذَا بَيَان صِحَة الفتاوي الَّتِي صدرت من الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ نَاصِر الشَّرِيعَة بَقِيَّة السّلف تَقِيّ الدّين أبي عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح ﵁ وانتصب للشناعة عَلَيْهِ فِيهَا الشَّخْص الْمَعْرُوف بأذية الْمُؤمنِينَ المتصدي لِلطَّعْنِ فِي الْأَعْيَان والقضاة والمفتين اعتنى بهما من تلامذته وَأَصْحَابه من طلب الْفَائِدَة وَرَجا الْأجر والمثوبة لما رأى المشنع عَلَيْهِ قد أفرط فِي ظلمه وطغى وأسرف فِي الشناعة عَلَيْهِ وبغى ووسم صَوَابه بسمة الْخَطَأ وَجعل يَقُول هَذَا يضل النَّاس وَأَنا مُتَعَيّن لبَيَان ضلاله وكشف حَاله فَكَانَ لكل وصمة بِالْعلمِ وَالدّين وَأَهْلهَا شذت فِي هَذَا الْبَلَد الْجَلِيل حَيْثُ تمكن فِيهِ مثل هَذَا الرجل من أَن يتسلط وينتصب فِي منصب الْأَخْذ والاعتراض على الْمُفْتِينَ ويسكت عَنهُ حَتَّى تَمَادى فِي عدوانه الْفَاحِش ويصول بِالْبَاطِلِ على حق دلائله ظَاهِرَة وَكتب الْأَئِمَّة والمساطير مُوضحَة لَهُ وحاصرة

стр. 87

@ الشَّخْص الَّذِي افتظ من الْبَغي عَلَيْهِ حَاضر ناهض بِالْحجَّةِ كاشف للشُّبْهَة تتيسر مُرَاجعَته واستيضاح الْأَمر من جِهَته واستتابته ثمَّ شَوَاهِد حَاله قبل ذَلِك كَافِيَة فِي أَن لَا يحْتَمل من التشنيع عَلَيْهِ مَا فعله من حَقه بِمُجَرَّد الدَّعْوَى من غير مُرَاجعَة الْمُدعى عَلَيْهِ ومساءلته عَمَّا عِنْده فَهَذَا قَول وجيز كَاف إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي إِيضَاح بطلَان مَا زعم المشنع قَاطع الْعذر من آغتر بِهِ موجه عَلَيْهِ تعزيزات كَثِيرَة على قدر شناعته وإفحاشه فِي الزَّمَان المتطاول وَلَا سَبِيل لَهُ وَمَا شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ إِلَى الْجَواب وَإِسْقَاط التَّعْزِير عَنهُ فِي شَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُ بعد أَن نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِالْبَيَانِ الْوَاضِح أَن مَا زعم أَنه خطأ لَيْسَ بخطأ لَا فِي نفس الْأَمر وَلَا فِي الْمَذْهَب الَّذِي يُفْتِي عَلَيْهِ من نسبه إِلَى الْخَطَأ فغايته أَن يذكر فِي بعض ذَلِك مَا يكون نصْرَة وتوجيها للْحكم الآخر بِحَيْثُ لَا يخرج عَن أَن يكون الطرفان من قبيل الْوَجْهَيْنِ والمذهبين اللَّذين يسوغ فيهمَا الِاخْتِلَاف ويتجاذب فيهمَا المختلفون من غير أَن يجوز فِيهِ التشنيع من بعض على بعض والتخطئة والإيذاء وَذَلِكَ وَاضح للنَّاظِر فِي ذَلِك وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل مِمَّا عظم فِيهِ تشنيعه وجاهر بالقبيح والإزراء استفتاء مضمونه أَن شَخْصَيْنِ تنَازعا فِي قَوْله ﷺ لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك

стр. 88

@ فَقَالَ أَحدهمَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ الآخر إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فِي الْآخِرَة فَمن الْمُصِيب مِنْهُمَا وَمن المخطىء فَكتب هُوَ أَخطَأ من زعم أَن ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَكتب شَيخنَا لم يصب وَاحِد مِنْهُمَا بل ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَعًا فَإِنَّهُ عبارَة عَن الرِّضَا بِهِ وَالْقَبُول وَذَلِكَ ثَابت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله أعلم فَعَاد هُوَ وَكتب فِي الورقة وَلم يكن قد بَقِي فِي وَجههَا بَيَاض فَكتب على ظهرهَا من أطلق مَا قَيده رَسُول الله ﷺ فَهُوَ مخطىء جَاهِل بِالسنةِ إِذا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله

стр. 89

@ من ريح الْمسك يَوْم الْقِيَامَة بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَإِذا اتخذ النَّاس رؤوسا جُهَّالًا فأفتوا بِغَيْر علم ضلوا وأضلوا وَالله أعلم وصال بِلِسَانِهِ عَلَيْهِ فأفحش ونادى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد ارْتكب فَاحِشَة من فواحش الْجَهْل وَالْخَطَأ وَلم يدر الْمِسْكِين أَنه قد تنَاول بِمَا قَالَه من الْفُحْش أَئِمَّة الْعلمَاء الشَّارِحين للْحَدِيث وَأَن ذَلِك مِنْهُ زيغ عَن حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَأَنه عدم فهم الَّذِي احْتج من قَوْله يَوْم الْقِيَامَة الْوَارِد فِي بعض رِوَايَات الحَدِيث إِمَّا أَن ذَلِك مِنْهُ زيغ عَن حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَهَذَا الْمسند الصَّحِيح الْمُؤلف على التقاسيم والأنواع للْإِمَام أبي حَاتِم بن حبَان البستي أحد أَئِمَّة الحَدِيث فِيهِ بَاب فِي كَون ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة وَبَاب فِي كَونه أَيْضا فِي الدُّنْيَا وَرُوِيَ من هَذَا الْبَاب بِإِسْنَادِهِ الثَّابِت من بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ لخلوف فَم الصَّائِم حِين يخلف أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وروى أَيْضا الإِمَام الْحسن بن سُفْيَان النسوي صَاحب الْمسند وَغَيره فِي إِسْنَاده وَتكلم فِي تَوْثِيق رِجَاله عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَعْطَيْت أمتِي فِي شهر رَمَضَان خمْسا وَقَالَ وَأما الثَّانِيَة فَإِنَّهُم يمسون وخلوف أَفْوَاههم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك

стр. 90

@ وروى هَذَا الحَدِيث الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ ﵀ فِي أَمَالِيهِ وأملى فِيهِ مَجْلِسا كَبِيرا وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن فَكل وَاحِد من الْحَدِيثين مُصَرح بِأَنَّهُ وَقت وجود الخلوف فِي دَار الدُّنْيَا بتحقيق الْوَصْف بِكَوْنِهِ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَأما بَيَان أَنه تنَاول بِمَا كتبه وَقَالَهُ من الرَّد والتشنيع على من تقدم من الْعلمَاء الشَّارِحين للْحَدِيث لِأَن الَّذِي رده من قَول شَيخنَا هُوَ الَّذِي قَالَ الْعلمَاء شرقا وغربا على اخْتِلَاف مذاهبهم هَذَا كتاب الْإِعْلَام من شرح صَحِيح البُخَارِيّ تأليف الإِمَام أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ الشَّافِعِي قد قَالَ فِيهِ طيبه عِنْد الله وَرضَاهُ بِهِ وثناؤه عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر إِمَام الْمغرب فِي التَّمْهِيد فِي شرح الْمُوَطَّأ وَهُوَ من أكبر الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي شرح الحَدِيث أَرَادَ ﷺ بذلك أَنه أزكى عِنْد الله تَعَالَى وَأقرب إِلَيْهِ وَأَرْفَع عِنْده من ريح الْمسك وَفِي شرح السّنة للْإِمَام الْحُسَيْن الْبَغَوِيّ صَاحب التَّهْذِيب أَن مَعْنَاهُ الثَّنَاء على الصَّائِم والرضى بِفِعْلِهِ وَهَكَذَا قَالَ الإِمَام الْقَدُورِيّ إِمَام أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه فِي الْخلاف مَعْنَاهُ أَنه عِنْد الله أفضل من الرَّائِحَة الطّيبَة

стр. 91

@ وَمثل ذَلِك ذكر الْبونِي من مُتَقَدِّمي أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة فِي شَرحه للموطأ وَكَذَا ذكر الإِمَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي وَالْإِمَام أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ وَالْإِمَام أَبُو حَفْص بن الصفار الشافعيون فِي أماليهم وَهَكَذَا شَرحه القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي فِي كِتَابه عارضة الأحوذي فِي شرح التِّرْمِذِيّ وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن يمل تعدادهم فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْمُسلمين شرقا وغربا لم يذكر أحد مِنْهُم سوى مَا ذكره شَيخنَا وَلَا أورد أحد مِنْهُم وَجها مثل مَا قَالَه هَذَا المشنع فضلا عَن أَن يَقُولُوا مَا سواهُ خطأ كَمَا زَعمه مَعَ أَن كتبهمْ مبسوطة جَامِعَة للوجوه الْمَشْهُورَة والغريبة وَمَعَ أَن الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا زِيَادَة قَوْله ﷺ يَوْم الْقِيَامَة مَعْرُوفَة مَوْجُودَة فِي الصَّحِيح الَّذِي بعض تصانيفهم الْمَذْكُورَة شرح لَهُ فَلم يحملوه على أَن ذَلِك مَخْصُوص بِالآخِرَة يُوجد فِيهَا محسوسا نَحْو مَا ورد فِي دم الشُّهَدَاء كَمَا زعم هَذَا المتعسف بل قطعُوا القَوْل بِأَن ذَلِك عبارَة عَن الرضى وَالْقَبُول وَنَحْوهمَا مِمَّا هُوَ ثَابت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة غير مَخْصُوص الْوُجُود بِوَاحِدَة مِنْهُمَا وَقد أخبر من يوثق بِخَبَرِهِ أَنه لما أخبر بقول الْعلمَاء فِي ذَلِك قَالَ أخطأوا كلهم وَأما بَيَان أَنه لم يفهم معنى قَوْله ﷺ يَوْم الْقِيَامَة فَنَقُول لَو لم نحط بِمَا ذكره من الحَدِيث وأقاويل الْعلمَاء لم يكن لنا أَن نصير إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ من القَوْل بِانْتِفَاء ذَلِك فِي الدُّنْيَا أخذا مِمَّا ذكره فَإِنَّهُ من بَاب التَّمَسُّك بِالْمَفْهُومِ وَالِاسْتِدْلَال بالتخصيص والقيد على النَّفْي عَمَّا عداهُ وَشرط ذَلِك عِنْد كل من يَقُول بِهِ أَن لَا يظْهر لتخصيص الْوَصْف الْمَذْكُور فَائِدَة وَسبب غير انْتِفَاء ذَلِك عَمَّا عداهُ وَلِهَذَا لم يجْعَلُوا قَوْله ﵎ ﴿ربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم﴾ دَلِيلا على انْتِفَاء التَّحْرِيم فِي الربيبة الَّتِي لَا تكون فِي الْحجر لما ظهر للتخصيص سَبَب

стр. 92

@ آخر وَهُوَ كَونه الْغَالِب الْأَكْثَر وأمثال ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة لَا يُحْصى وَهَذَا الَّذِي نَحن فِيهِ من هَذَا الْجِنْس فَإِن لتخصيص ذَلِك بِيَوْم الْقِيَامَة سَببا ظَاهرا غير انتفائه عَن غير يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ كَون الْقِيَامَة يَوْم الْجَزَاء وَالْيَوْم الَّذِي يُوفى فِيهِ جَزَاء الخلوف الْجَزَاء الأوفى وَتظهر فِيهِ فضيلته فِي الْمِيزَان على فَضِيلَة الْمسك الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ العَبْد دفعا للرائحة الكريهة طلبا بذلك رضى الرب ﵎ حَيْثُ يكون دَافع الرَّائِحَة الكريهة وجلب الرَّائِحَة الطّيبَة مَأْمُورا بِهِ كَمَا فِي الْمَسَاجِد والصلوات والعبادات فَأعْلم ﷺ أَن ثقل الخلوف فِي الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة أَكثر من ثقل الْمسك إِذا اسْتَعْملهُ العَبْد طلبا لمرضاة الرب تَعَالَى فَخص يَوْم الْقِيَامَة بِالذكر فِي بعض الرِّوَايَات من أجل ذَلِك وَأطلق وَلم يخص فِي أَكثر الرِّوَايَات نظرا إِلَى أصل فضيلته على الْمسك عِنْد الله وقبوله وَرضَاهُ بِهِ الَّذِي هُوَ مُطلق ثَابت فِي الدَّاريْنِ وَنَظِير قَوْله ﵎ ﴿أَفلا يعلم إِذا بعثر مَا فِي الْقُبُور وَحصل مَا فِي الصُّدُور إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير﴾ فقيد بِيَوْم الْقِيَامَة كَونه خَبِيرا بهم مَعَ أَنه خَبِير بهم مُطلقًا لَكِن خص يَوْم الْقِيَامَة بِالذكر لِأَنَّهُ يَوْم المجازاة على أَعْمَالهم الَّتِي هُوَ بهَا سُبْحَانَهُ خَبِير عليم وَهَذَا وَاضح لَا غُبَار عَلَيْهِ ثمَّ إِنِّي أَقُول لَو كَانَ مِمَّن يعرف مَرَاتِب الْأَدِلَّة لم يعْمل هَذَا كُله بِسَبَب دَلِيل الْمَفْهُوم الَّذِي هُوَ سلم شرطة لَهُ لَكَانَ مِمَّا لَا يقوى على مَا يعْتَرف بِهِ وآثار ذَلِك تظهر فِي علم أصُول الْفِقْه وَقد أبطل دلَالَته الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵁ وَأَصْحَابه وَبَعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَعند هَذَا نقُول كَمَا أَنه لم يسلم من شتيمته الْفَاحِشَة الْعلمَاء الشارحون للْحَدِيث على مَا تقدم بَيَانه فَكَذَلِك لم يسلم مِنْهَا من وَجه آخر الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵁ وَأَصْحَابه فَإِنَّهُ قد قَالَ من أطلق مَا قَيده رَسُول الله ﷺ فَهُوَ مخطىء جَاهِل بِالسنةِ إِلَى آخر قَوْله وَأَبُو حنيفَة لما كَانَ نافيا دلَالَة الْمَفْهُوم أطلق مَا قَيده رَسُول الله ﷺ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا قَالَ ﷺ من بَاعَ نخلا بعد أَن تؤبر فثمرتها

стр. 93

@ للْبَائِع وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ هِيَ للْبَائِع بعد أَن تؤبر وَقبل أَن تؤبر فقد أطلق مَا قَيده رَسُول الله ﷺ مَعَ أَنه لَا يرى أَن ذَلِك مُتَوَقف على وجود مَنْطُوق نَص آخر يُوجب الْإِطْلَاق على ظُهُور سَبَب آخر للتَّقْيِيد غير اخْتِصَاص الحكم وَمَا نَحن فِيهِ قد بَينا فِيهِ وجود نَص آخر يُوجب الْإِطْلَاق وَظُهُور سَبَب آخر للتَّقْيِيد وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد وَالْحَالة هَذِه على وجوب إِطْلَاق مَا قيد فَإِذا مَا أُتِي بِهِ فَهُوَ إِلَى أُولَئِكَ الْأَئِمَّة أسبق وأسرع فنسأل الله الْعَافِيَة وَالْعَفو مَسْأَلَة أُخْرَى كتب فِيهَا أَيْضا تَحت جَوَاب شَيخنَا قَوْله تَعَالَى ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾ وَصُورَة سؤالها إِذا كَانَ لجَماعَة ملك مشَاع وَفِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم قدر حِصَّته من غير قسْمَة جرت بَينهم فغصب من وَاحِد مِنْهُم بعض مَا فِي يَده فَهَل يكون الْغَصْب عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ أَو يكون على الْجَمِيع بِقدر حصصهم فَكتب هُوَ إِذا خص وَاحِدًا بِالْغَصْبِ فَلَا يكون ذَلِك غصبا من غَيره وَالله أعلم وَكتب شَيخنَا إِذا غصب من أحدهم قِطْعَة مُعينَة مِمَّا فِي يَده فالغصب وَاقع على الْجَمِيع ضَرُورَة الاشاعة فِي تِلْكَ الْقطعَة الْمَغْصُوبَة فَتكون وَالْحَالة هَذِه ذَاهِبَة من الْجَمِيع وَالله أعلم فَوَقَعت الرقعة مرّة ثَانِيَة فِي يَده فَكتب تَحت جَوَاب شَيخنَا بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ ثمَّ شنع وَبَعض أَصْحَابنَا يسمع وَكَانَ من حَقه لما وقف على جَوَاب شَيخنَا أَن يتَنَبَّه وَيصْلح جَوَاب نَفسه وَلَكِن أَبى إِلَّا التَّمَادِي فِي الْبَاطِل فَنَقُول لم يتْرك شَيخنَا مُوَافَقَته فِي جَوَابه لعدم الْإِحَاطَة بِأَنَّهُ إِذا خص وَاحِدًا

стр. 94

@ بِالْغَصْبِ اخْتصَّ بِهِ فَإِن هَذَا ظَاهر لَا يخفى وَإِنَّمَا عدل عَنهُ لِأَنَّهُ جَوَاب فَاسد من حَيْثُ أَنه لَيْسَ جَوَابا للواقعة المسؤول عَنْهَا وَقد صرح بِهَذَا المستفتي السَّائِل وَلم يُصَرح بِهِ فَلفظ الاستفتاء كَاف فِي إِدْرَاك ذَلِك فَإِن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن قِطْعَة مُعينَة أخذت من يَد أحدهم غصبا فَتكون لَا محَالة مَغْصُوبَة من الْجَمِيع وَلِهَذَا لما عرض ذَلِك فِي رقْعَة أُخْرَى على الْمَشَايِخ كتبُوا الْغَصْب وَاقع على الْجَمِيع وَلم يحتاجوا إِلَى أَن يعلقوا كَلَامهم بِصِيغَة الشَّرْط وَإِنَّمَا احْتَاجَ شَيخنَا إِلَى التَّعْلِيق بِصِيغَة الشَّرْط فَقَالَ إِذا غصب من أحدهم قِطْعَة مُعينَة فالغصب وَاقع على الْجَمِيع لِأَن جَوَاب ذَلِك كَانَ فِي الرقعة الَّتِي كتب فِيهَا شَيخنَا فأوضح بذلك صُورَة الْوَاقِعَة المسؤول عَنْهَا وَلَو أَن هَذَا الرجل فصل وَأورد فِي ضمن التَّفْصِيل مَا ذكره من صُورَة التَّخْصِيص لَكَانَ جَوَابه صَحِيحا أما الِاقْتِصَار على صُورَة نادرة لَيست بالسابقة إِلَى الْفَهم من لفظ الاستفتاء كَمَا فعل فخطأ وَالْجَوَاب بِخِلَاف الِاقْتِصَار على صُورَة هِيَ السَّابِقَة إِلَى الْفَهم فَإِن ذَلِك سَائِغ مُعْتَاد بَين أهل الْفَتْوَى وَالله أعلم مَسْأَلَة أُخْرَى استفتي شَيخنَا فِي الَّذين يصلونَ صَلَاة الْجُمُعَة خَارج بَاب الْجَامِع الشَّرْقِي تَحت السَّاعَات قُدَّام الْبَاب الَّذِي يَلِي مشْهد أبي بكر ﵁ فأفتاهم بِمذهب الشَّافِعِي ﵁ وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أَهله بِأَن صلَاتهم بَاطِلَة فَوقف ذَلِك الرجل هُنَاكَ وَخطأ شَيخنَا وشنع وأعلن وتقلدهم من ذمَّته صِحَة صلَاتهم وَقَالَ يبسط لي فِي هَذَا الْمَكَان حَتَّى أُصَلِّي الْجُمُعَة فِيهِ وأظن أَنه فعل ذَلِك واعتقد أَنه قد وَقع دون غَيره على مَا هُوَ الْمَذْهَب من ذَلِك بإدراكه الْفَائِق وَأخذ يحْتَج بِمَسْأَلَة خُرُوج الْمُعْتَكف إِلَى المنارة الْمُتَّصِلَة بِالْمَسْجِدِ الَّتِي بَابهَا فِيهِ للأذان فِيهَا وَقَالَ قُولُوا لَهُ يطالع هَذَا من كتاب الِاعْتِكَاف من مَجْمُوع الْمحَامِلِي ﵀ فَنَقُول هَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا ولنظائرها وأصولها وفروعها بَاب مَعْرُوف خلاه وَذهب يتعرف حكمهَا من بَاب آخر بعيد مباين وَالْمَسْأَلَة فِي بَابهَا منصوصة مسطورة مَشْهُورَة فِي كتب الْأَئِمَّة الْعِرَاقِيّين والخراسانيين مِنْهَا الشَّامِل وَالْحَاوِي وَكتاب

стр. 95

@ الْعدة للطبري فِي شرح الْإِبَانَة وَمن غَيرهَا وَهِي من الْوَسِيط مسطورة فِي بعض صورها بل هِيَ منصوصة للشَّافِعِيّ صَاحب الْمَذْهَب ﵁ مَفْرُوضَة فِي بعض صورها والفقيه يُدْرِكهَا من ذَلِك فِي جَمِيع صورها لما يُعلمهُ من شُمُول عَلَيْهَا فنكتفي بِنَقْل نَص الْمَسْأَلَة من كتاب الشَّامِل كَيْلا تطول قَالَ فِيهِ إِذا كَانَ بَاب الْمَسْجِد مَفْتُوحًا فَوقف مَأْمُوم بحذاء الْبَاب فَصلَاته صَحِيحَة وَكَذَلِكَ إِن صلى قوم عَن يَمِينه أَو شِمَاله أَو وَرَائه فَإِن وقف بَين يَدي هَذَا الصَّفّ صف آخر لَا يشاهدون من فِي الْمَسْجِد لَهُم تصح صلَاتهم على الْمَذْهَب الْمَشْهُور هَذَا كَلَامه وَلم يذكر دَلِيله لوضوحه وَالدَّلِيل مَعْرُوف وَهُوَ أَن من وقف خَارِجا قُدَّام الْبَاب فَلَا اتِّصَال بَينه وَبَين من فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ بَينه وَبينهمْ حَائِلا مَوْضُوعا للفصل وَهُوَ جِدَار الْمَسْجِد الْمَانِع من الاستطراق والمشاهدة على مَا تقرر من أصل مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ من أَن جِدَار الْمَسْجِد حَائِل قَاطع للاتصال وَأَصله مَا سلمه من خَالفه وَهُوَ مَا إِذا وليه شَارِع بعد هَذَا فَلَو صحت صَلَاة هَؤُلَاءِ لَكَانَ ذَلِك بطرِيق التّبعِيَّة لمن حصل لَهُ الِاتِّصَال وَهُوَ من وقف بحذاء الْبَاب وتبعيتهم لَهُم قد انْتَفَت لتقدمهم عَلَيْهِم كَمَا انْقَطَعت تَبَعِيَّة الْمَأْمُوم بتقدمه على الإِمَام بِخِلَاف الصَّفّ الْوَاقِف خَارج الْبَاب والصف الممتد على الْبَاب الْمُتَّصِل بِمن هُوَ فِي الْمَسْجِد وَقَول صَاحب الشَّامِل على الْمَذْهَب الْمَشْهُور لَيْسَ إِشَارَة إِلَى وَجه غَرِيب مُوَافق لما قَالَه هَذَا الْمُعْتَرض وَإِنَّمَا هُوَ إِشَارَة إِلَى الْوَجْه المحكي عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي من أَن جِدَار الْمَسْجِد لَيْسَ بِحَائِل مَانع من الصُّحْبَة من غير فرق بَين الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْبَاب والجهة الَّتِي لَا بَاب فِيهَا وَهُوَ بعيد فِي الْمَذْهَب قَالَ صَاحب الشَّامِل وَلَا يَصح عَن أبي إِسْحَاق أما الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْمُعْتَرض من إِلْحَاق هَذَا بالمعتكف فِي خُرُوجه من الْمَسْجِد للأذان إِلَى المنارة الْمُتَّصِلَة بِهِ الَّتِي بَابهَا إِلَى الْمَسْجِد فَلَيْسَ وَجها فِي الْمَذْهَب أصلا وَمن كَانَ فَقِيها قد أَخذ عَن الْمَشَايِخ لَا يخفى عَلَيْهِ تبَاعد الْبَابَيْنِ لِأَن ذَلِك من الْأَشْيَاء الَّتِي جَازَ للمعتكتف فِيهَا الْخُرُوج من الْمَسْجِد إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ حكم لحاجات وَأَسْبَاب مُتعَدِّدَة أحصاها بعض المصنفين سَبْعَة عشر وَجعل هَذَا أَحدهمَا وَالسَّبَب فِيهِ نَشأ من كَونه خرج من الْمَسْجِد للأذان الَّذِي هُوَ شعار الْمَسْجِد إِلَى المنارة المبنية لإِقَامَة شعار

стр. 96

@ الْمَسْجِد فَجعل هَذَا من جملَة مَا استفتي من أَنْوَاع الْخُرُوج وَلَيْسَ ذَلِك إِثْبَاتًا لحكم الْمَسْجِد للمنارة فَإِنَّهُ لَا يجوز الِاعْتِكَاف فِيهَا وَفِي حَرِيم الْمَسْجِد قطعا بِهِ وَلَا يثبت لذَلِك أَيْضا حكم الْمَسْجِد من تَحْرِيم الْمكْث على الْجنب وَالْحَائِض وَهَذَا مُبين فِي نِهَايَة الْمطلب وَغَيرهَا كَلَام الْمحَامِلِي عِنْد من أَخذ هَذِه الْمَسْأَلَة من مظانها وفهمها تنزل على وفَاق مَا ذكره غَيره فَكَلَام الْأَئِمَّة يُفَسر بعضه بَعْضًا وَإِذا تَأمل الْفَقِيه كَلَام الْمحَامِلِي أدْرك مِنْهُ ذَلِك فقد أَتَى فِيمَا إِذا كَانَت المنارة مُنْقَطِعَة عَن الْمَسْجِد بِمَا يفهم الْفَقِيه من أَنه لم يزدْ على أَن جعل الْخَارِج إِلَى المنارة فِي حكم من لم يخرج من الْمَسْجِد فِي بَقَاء اعْتِكَافه كَمَا قَالَ غَيره وَالله أعلم ثمَّ إِن هَذَا الْمُعْتَرض لم يعرف أَيْضا مَسْأَلَة الِاعْتِكَاف على وَجههَا فَإِنَّهُ لَو عرفهَا على وَجههَا لمنعته أَحْكَامهَا من تَخْرِيجه الْبَاطِل فِي الصَّلَاة إِذْ من أَحْكَامهَا المقررة المسطورة أَن الْمُعْتَكف لَو خرج إِلَى المنارة لغير الْأَذَان بَطل اعْتِكَافه مُطلقًا وَأَن الْمُؤَذّن الْمُعْتَكف لَو خرج إِلَى حجرَة مهيأة للسُّكْنَى مُتَّصِلَة بِالْمَسْجِدِ بَابهَا فِيهِ بَطل اعْتِكَافه بِخِلَاف المئذنة وَأَنه لَا يبطل اعْتِكَافه أَيْضا بِالْخرُوجِ للأذان إِلَى المنارة الْخَارِجَة من الْمَسْجِد المنقطعة عَنهُ على ظَاهر النَّص وَمَا عَلَيْهِ عَامَّة الْأَصْحَاب وَلَا حَاجَة بِنَا فِي التَّعْرِيف لخطأه وتعديه وقصوره إِلَى هَذَا الْبَيَان وَالتَّحْقِيق فقد علم طلبة الْعلم وَغَيرهم أَن حكم الْمَسْأَلَة إِذا كَانَ مسطورا فِي كتب الْمَذْهَب فخالفه إِنْسَان لَا اجْتِهَاد لَهُ من أجل ذَلِك الْمَذْهَب كَانَ معدودا من المخطئين وَإِن أَخذ بِوَجْه مَا قَالَه ويخرجه لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَقيل لَهُ لست من الْمُجْتَهدين وَلَا من الْأَئِمَّة الَّذين لَهُم أَن يخرجُوا من نُصُوص الْمَذْهَب وأصوله أقوالا مخرجة تُضَاف إِلَى الْمَنْقُول وَهَذَا صَوَاب مِنْهُم لَهُ دَلِيل مُقَرر فَإِن أضَاف صَاحب هَذَا الْخَطَأ إِلَى خطئه تخطيئه من أصَاب وَوَافَقَ الْمَنْصُوص الْمُقَرّر كَمَا فعل هَذَا الْمُعْتَرض فَكَذَلِك عِنْدهم يسْتَحق أَن يعرف قدره بِالْفِعْلِ وَلَا يرضى لَهُ بِمُجَرَّد القَوْل وأسأل الله التَّوْفِيق والعصمة أعجوبة أُخْرَى كُنَّا فِي درس شَيخنَا يَوْمًا فَدخل الْفَارِسِي الَّذِي يَسْتَعِين بِهِ فِي الشناعة وتصدر بصولة وَأخرج فتيا قد بعث بهَا مَعَه مُعْتَقدًا أَنه يظْهر بهَا خطأ

стр. 97

@ أستاذنا على درس الأشهاد وَهُوَ سُؤال عَن قَاض من قُضَاة أَعمال الرستاق يقْضِي بِعِلْمِهِ فِيمَا جرى الْخلاف فِي جَوَاز قَضَاء القَاضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ وَقد أفتى شَيخنَا بِأَنَّهُ لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ اخْتِيَارا مِنْهُ فِي أَمْثَال ذَلِك القَاضِي لِلْقَوْلِ الَّذِي هُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا وَقَالَ فِي فتواه فَإِن قضى فِي ذَلِك بِعِلْمِهِ لم ينفذ حكمه فَأخذ الْمَذْكُور عَلَيْهِ هَذَا وَزعم أَنه غلط فَإِنَّهُ إِذا قضى بِعِلْمِهِ فقد قضى بمختلف فِيهِ فَلَا ينْقض حكمه فَقضى شَيخنَا الْعجب مِنْهُ وَبَين لرَسُوله وَلمن حضر أَنه سوء فهم مِنْهُ فَإِنَّهُ اعْتقد أَنه لما قَالَ ينقذ حكمه قد قَالَ بِنَقْض حكمه وَبَين الْأَمريْنِ فرق بَين فَفِي هَذَا مسَائِل ثَلَاث إِحْدَاهَا إِذا حكم الْحَاكِم بِمَا يرَاهُ فِي مَوضِع الْخلاف السائغ فَلَيْسَ لحَاكم يُخَالف فِي رَأْيه أَن ينْقض حكمه أَي لَا يتَعَرَّض عَلَيْهِ فِيمَا حكم بِهِ فَيردهُ ويبطله الثَّانِيَة هَل ينفذ حكمه الْمَذْكُور أَي مَا صَار ذَلِك الْمُخْتَلف باتصال الحكم بِهِ نَافِذا ثَابتا فِي نفس الْأَمر فَهَذَا فِيهِ الْخلاف الْمَعْرُوف من طَريقَة خُرَاسَان فِي أَن حكم الْحَاكِم فِي مجَال الِاجْتِهَاد هَل يحِيل الْبَاطِن والأليق بِأَصْل الشَّافِعِي ﵁ أم لَا الثَّالِثَة هَل ينفذ حكمه أَي على الْحَاكِم الْمُخَالف تَنْفِيذ حكمه وإمضاؤه وَالْعَمَل بِهِ فِيهِ خلاف قيل قَولَانِ وَهَذَا الْخلاف يَتَرَتَّب على الْخلاف فِي الَّتِي قبلهَا فَإِذا لَا ينْقض حكمه قطعا من غير خلاف وَفِي نفاذه وتنفيذه خلاف ووراء هَذَا كَلَام يتَعَلَّق بذلك فِي الْفرق بَين أَن يكون أصل الْخلاف فِي الْمَحْكُوم بِهِ كَالنِّكَاحِ بِلَا ولي وَغَيره إِذا حكم فِيهِ حَاكم وَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بذلك وَإِذا وقف على هَذَا من عِنْده فهم وَدين دنى لشَيْخِنَا حَيْثُ صَار عرضة لاستدراك مثل هَذَا الرجل عَلَيْهِ ونسأل الله السَّلامَة آمين مَسْأَلَة أُخْرَى صُورَة سؤالها رجل وصّى اعْتِرَاف أَنه أَخذ من مَال الْمُوصي شَيْئا ذكر قدره وَقَالَ خبأته لأجل الْوَرَثَة ثمَّ ذكر أَنه ضمه إِلَى المَال وقسمه بَينهم فَقَالَ لَهُ الْوَرَثَة إِلَّا أَنَّك لما قسمت المَال علينا لم تقسم الْقدر الَّذِي اعْترفت انك خبأته فَقَالَ بلَى قسمته فِي جملَة مَا قسمت وَوَقع النزاع بَينهم فَهَل يصدق الْوَصِيّ فِي ذَلِك بِغَيْر بَيِّنَة أم لَا فَأفْتى شَيخنَا بِأَنَّهُ لَا يصدق فِي ذَلِك بِغَيْر بَيِّنَة فاستدركه عَلَيْهِ الْمَذْكُور وَعمل فِي ذَلِك حَدِيثا وتشنيعا فجدد بعض الصُّوفِيَّة الإستفتاء

стр. 98

@ وأتى بِهِ شَيخنَا وَسَأَلَهُ أَن يذكر فِيهِ جَوَابه بدليله على وَجه يبطل خيال من اعْترض فَكتب لَهُ جَوَابه كَذَلِك وَضَمنَهُ مَا يبطل عُمْدَة المشنع وَأَنا أحكيه على جِهَته فَفِيهِ كِفَايَة قَالَ الْجَواب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب أَنه لَا يصدق فِي ذَلِك بِغَيْر بَيِّنَة فَإِن قَوْله قسمته بَيْنكُم ادِّعَاء مِنْهُ لدفعه إِلَيْهِم وَلَا يقبل قَوْله فِي ذَلِك إِلَّا بَيِّنَة وَهَذَا مُسْتَمر على ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ ومنصوصه فِي أَن الْوَصِيّ لَا يقبل قَوْله فِي دفع المَال إِلَيّ الْوَارِث إِلَّا بِبَيِّنَة ومندرج تَحت الْقَاعِدَة المحفوظة المقررة فِي أَن من ادّعى الرَّد على غير من ائتمنه فَلَا يصدق من غير بَيِّنَة ثمَّ إِنَّه يَكْفِي الْوَصِيّ فِيمَا يقيمه من الْبَيِّنَة أَن يُقيم بَيِّنَة على قسمته مَالا هُوَ بِقدر ذَلِك المَال المخبوء على صفته وَلَا يقبل عَلَيْهِ عِنْد ذَلِك قَول الْوَرَثَة إِن ذَلِك مَال لنا آخر مَا لم يقيموا حجَّة توجب مَا ادعوهُ فَإِن قَالَ الْمُعْتَرض دَعوَاهُم على خلاف ظَاهر الْحَال فَإِن الْقِسْمَة الَّتِي جرت كَانَت لإيصالهم إِلَى كَمَال حَقهم فَعدم نزاعهم حَالَة الْقِسْمَة ورضاهم بهَا دَلِيل على اندراج الْقدر المخبوء فِي جملَة الْمَقْسُوم بَينهم فَلَا يقبل دَعوَاهُم على خلاف ذَلِك وَأَصله مَا إِذا كَانَ لإِنْسَان على إِنْسَان عشرَة أَقْفِزَة من صبرَة فَحَضَرَ ليقْبض مِنْهُ حَقه ثمَّ ادّعى بعد الْقَبْض والتفرق أَنه لم يقبض كَمَال حَقه فَإِنَّهُ لَا يقبل قَوْله قلت هَذَا إِنَّمَا يتَّجه لَو كَانَت الْقِسْمَة الْمَذْكُورَة هِيَ الْقِسْمَة المنشأة لتوزيع مَالهم عَلَيْهِم وَلَيْسَ فِي السُّؤَال مَا يظْهر مِنْهُ ذَلِك عِنْد من يُمَيّز مواقع الْأَلْفَاظ وَلَو قَدرنَا أَن الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ أَيْضا القَوْل قَول الْوَرَثَة مَعَ إِيمَانهم وَأما الْمَسْأَلَة الْمُسْتَدلّ بهَا فممنوعة فَالْقَوْل فِيهَا أَيْضا قَول الْقَابِض على قَول لِأَن الأَصْل عدم الْقَبْض وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّحِيح عِنْد بعض أَئِمَّتنَا وَإِن قُلْنَا بالْقَوْل الآخر هُنَاكَ فَلَا يَجِيء ذَلِك القَوْل فِيمَا نَحن فِيهِ فَإِن دَعْوَى الْقَابِض هُنَاكَ وَقعت على خلاف الظَّاهِر من حَيْثُ أَنه يعرف مِقْدَار حَقه وَحضر ليقْبض كَمَال حَقه فَالظَّاهِر أَنه لَا يُغَادر مِنْهُ شَيْئا وَهَذَا غير مَوْجُود فِي الْوَرَثَة الْمَذْكُورين الَّذين لَا يَدْرُونَ كم بَقِي من أَمْوَالهم بَعْدَمَا سبق من الْمُتَوَلِي عَلَيْهِم من الانفاقات والتصرفات وَإِن أمكن ذَلِك فَلَيْسَ بِالظَّاهِرِ من حَالهم فَإِن قَالَ أَلَيْسَ إِذا ادّعى أحد الشَّرِيكَيْنِ بعد الْقِسْمَة بقاشى من حَقه بِسَبَب الْغَلَط فَإِنَّهُ لَا يقبل مِنْهُ فَلَا يُجَاب قَائِل هَذَا بِأَكْثَرَ من أَن تشرح لَهُ تِلْكَ

стр. 99

@ الْمَسْأَلَة بتفاصيلها وعللها حَتَّى يعرف ان ذَلِك فِي وَاد وَهَذَا فِي وَاد وَالله أعلم وَمن ذَلِك مَسْأَلَة الْجُمُعَة وَهِي أول مَسْأَلَة جسر فِيهَا على التشنيع وَذَلِكَ من أَيَّام الْمَشَايِخ الَّذين مضوا ﵏ وَصورتهَا شخص تكَرر مِنْهُ ترك الْجُمُعَة من غير عذر يجوز تَركهَا فَهَل يجب قَتله فَأجَاب شَيخنَا ﵁ على أَصله بِأَنَّهُ يجب قَتله ويستتاب فشنع ذَلِك عَلَيْهِ وأشاع عَنهُ أَنه أَخطَأ فِيهَا وَزعم أَن الصَّوَاب فِيهَا التَّفْصِيل وَالْفرق بَين أَن يُصَلِّي بدلهَا الظّهْر أَو لَا يُصليهَا فَإِن صلى الظّهْر لم يقبل وأقدم على من غير أَن يكون عِنْده فِيهَا نقل ومستند سوى مُجَرّد خيالاته الَّتِي قد عدهَا من كَلِمَاته وَاسْتغْنى بهَا عَن نَفسه عَن الِاطِّلَاع على مساطير الْمَذْهَب الَّذِي يُفْتِي عَلَيْهِ واذا سُئِلَ فَعَنْهُ يسْأَل لَا عَن اجْتِهَاد نَفسه وَأما شَيخنَا فَإِنَّهُ لم يخرج فِي ذَلِك عَن عاداته فِي فَتَاوِيهِ من الْجمع بَين النَّقْل وَالدَّلِيل أما النَّقْل فَعَن الإِمَام أبي بكر الشَّاشِي وَذَلِكَ هَا هُنَا مَوْجُود فِي فَتَاوِيهِ وَلَيْسَ الِاقْتِصَار على الشَّاشِي لكَونه لم يقل ذَلِك غَيره بل لِأَن الْمَسْأَلَة غَرِيبَة مَا تعرضوا لَهَا فِي كتبهمْ وَحكى لنا الشَّيْخ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لم تجدها فِي تصانيف الْمَذْهَب وَأَنه كَانَ وجدهَا فِي مُدَّة مديدة بِمَدِينَة الْموصل فِي فتاوي الشَّاشِي فعلقها لغرابتها فِي جملَة مَا انتخبه من فَتَاوِيهِ وَأما الدَّلِيل فَإِن الشَّاشِي لم يذكر دليلها فَلَمَّا ابتلى شَيخنَا بتشنيع هَذَا الشَّخْص صنف الْمَسْأَلَة وأوضح دليلها وَقَررهُ بالاعتراض وَالْجَوَاب وَنقل فِيهَا أَولا قطع الشَّاشِي بذلك من غير تشبيب بِخِلَاف وفتواه بِأَنَّهُ يقتل وَإِن صلاهَا ظهرا ثمَّ دلّ على صِحَة ذَلِك من حَيْثُ الْمَعْنى وَالْخَبَر لَا الْخَبَر الَّذِي جَاءَ من مُطلق الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة بل خبر ورد رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي ترك الْجُمُعَة على الْخُصُوص وَضمن كَلَامه مَعَ اخْتِصَار بليغ غرائب وفوائد يفرح بهَا من خدم الْعلم وَأَهله وَذَلِكَ حَاضر عندنَا ميسر لمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فَلَا أطول هَذِه الرسَالَة بإيراده غير أَنِّي أُشير إِلَى مسرع الدَّلِيل الفقهي على وَجه يَكْتَفِي بِهِ من لَهُ فهم وَهُوَ أَن بِفِعْلِهِ الظّهْر لَيْسَ تَائِبًا من ترك

стр. 100

@ الْجُمُعَة وَلَا مواديا لَهَا وَلَا قَاضِيا فَلَا يسْقط بذلك مَا يُوجِبهُ التّرْك من قَتله كَمَا فِي بَاقِي الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة إِذا فعل مثل ذَلِك فِيهَا وَهَذَا وَاضح على قَوْلنَا كل وَاحِد من الْجُمُعَة وَالظّهْر أصل بِنَفسِهِ لَيْسَ أَحدهمَا بَدَلا عَن الآخر فَيكون كمن ترك الظّهْر وَصلى بدلهَا الْعَصْر وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّحِيح وَالظّهْر وَإِن كَانَت تصلى عِنْد فَوَات الْجُمُعَة بِأَمْر آخر على مَا قرر فِي مَوْضِعه وَقد قرر شَيخنَا ﵀ ذَلِك فِيمَا صنفه على كل قَول وعَلى كل تَقْدِير وَبَعض هَذَا يَكْفِي فِي إبِْطَال دَعْوَى ذَلِك عَلَيْهِ الْخَطَأ والشذوذ وَإنَّهُ قَالَ مَالا يَصح نقلا ودليلا وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان مَسْأَلَة أُخْرَى استفتا من السوَاد فِيهِ السُّؤَال عَن الْحَرْف وَالصَّوْت والاستواء وَعَن سنة رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون وَالْأَئِمَّة المهديون والتابعون وينسلى فِيهِ مِمَّا وَقع بَينهم من الشَّرّ بخوضهم وتنازعهم فِي ذَلِك حَتَّى تناظرت الْأَعْرَاب والحمقى وَذُو الْأَلْبَاب وَكفر بَعضهم بَعْضًا وَترك من أجل ذَلِك الْقَارئ وَصلي خلف الْأُمِّي وَيسْأل فِيهِ أَئِمَّة الْمُسلمين أَن يجتهدوا فِي كشف هَذِه الظلمَة وتعطيل هَذِه الْفِتَن وَإِظْهَار السّنَن فَأجَاب أستاذنا بأليق جَوَاب بِحَال من صدر مِنْهُ السُّؤَال وأفظع شيئ للفتن جرى فِيهِ على طَريقَة أهل الْوَرع وَالصَّالِحِينَ وسلك مسلكا يشْتَرك فِي قبُوله أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة ويقبله أهل الْقُلُوب الَّذين زين الله فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وَكره إِلَيْهِم الْكفْر والفسوق والعصيان فَقَالَ لقد حرمُوا هَؤُلَاءِ التَّوْفِيق وأخطأوا الطَّرِيق إِنَّمَا يجب عَلَيْهِم أَولا أَن يعتقدوا أَن الله ﵎ كل صفة كَمَال وَأَنه مقدس عَن كل صفة نقص منزه عَن كل تَشْبِيه وتمثيل وليقولوا عَن اعْتِقَاد جازم آمنا بِاللَّه وَبِمَا قَالَ الله على الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ وآمنا بِمَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَهُ رَسُول الله ﷺ فَهَذَا جَامع جمل الْإِيمَان إِذا أَتَوا بِهِ فقد وفوا بِمَا كلفوا بِهِ من ذَلِك وَلَيْسَ من الدّين الْكَلَام فِي الْحَرْف وَالصَّوْت والاستواء وَمَا شابه ذَلِك من كل تعرض لشَيْء من كيفيته صِفَات الله ﵎ بل ذَلِك من مصائب الدّين وآفات الْيَقِين وَهُوَ زيغ عَظِيم عَن سنة رَسُول الله ﷺ وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَسَائِر

стр. 101

@ أَئِمَّة الْمُتَّقِينَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم باحسان من السالفين والخالفين ﵃ أَجْمَعِينَ وسبيل من أَرَادَ سلوك سبيلهم فِي هَذِه الْأُمُور وَفِي سَائِر الْآيَات المشتبهات وَالْأَخْبَار المشتبهة أَن يَقُول هَذِه لَهَا معنى يَلِيق بِجلَال الله وكماله وتقديسه الْمُطلق الله الْعَالم بِهِ وَلَيْسَ الْبَحْث عَنهُ من شأني ثمَّ يلازم السُّكُوت فِي ذَلِك وَلَا يسْأَل عَن معنى ذَلِك وَلَا يَخُوض فِيهِ وَيعلم أَن سُؤَاله عَنهُ بِدعَة وَإنَّهُ إِذا شرع فِيهِ فقد خاطر بِدِينِهِ وَلَعَلَّه يكفر فِيهِ أَو يشارف الْكفْر فِيهِ وَهُوَ لَا يدْرِي ويحفظ أَيْضا قلبه عَن الْكفْر فِيهِ والبحث عَنهُ وَيدْفَع خواطر ذَلِك بِمَا يدْفع بِهِ الوسواس من الِاسْتِعَاذَة وَغَيرهَا ثمَّ لَا يتَصَرَّف فِي أَلْفَاظ تِلْكَ الْآيَات وَالْأَخْبَار وَلَا يزِيد فِيهَا وَلَا ينْقض وَلَا يفرق مِنْهَا مجتمعا وَلَا يجمع مِنْهَا مُتَفَرقًا بل ينْطق بهَا كَمَا جَاءَت واكلا علمهَا إِلَى من أحَاط بهَا وَبِكُل شَيْء علما هَذَا سَبِيل السَّلامَة ومنهج الإستقامة وعَلى ولي الْأَمر وَفقه الله تَعَالَى أَن يمْنَع هَؤُلَاءِ الْقَوْم وأشباههم عَن الحيد عَن هَذَا السَّبِيل وَيُعَزر كل مُتَكَلم مِنْهُم فِي شَيْء من هَذَا الْقَبِيل من أَي فريق كَانَ وعَلى أَي مَذْهَب كَانَ تعزيزا رادعا وتأديبا بَالغا متأسيا بعمر بن الْخطاب ﵁ فِيمَا عَامل بِهِ صبيغ بن عسل الَّذِي كَانَ يسْأَل عَن المتشابهات ضربه على ذَلِك ونفاه ونفعه الله بذلك ونسأل الله الْعِصْمَة والتوفيق وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل فَهَذَا جَوَاب فِي نَفسه برهانه وَلما وقف عَلَيْهِ ذَلِك الرجل ثار فبدع وشنع وافترى وأفحش وَزعم أَنه لَا بُد من الْخَوْض وَالتَّفْصِيل وَنسب شَيخنَا إِلَى الحشو وَسُبْحَان الله كَيفَ يكون حَشْوًا وَهُوَ سَبِيل سلف الْأمة وسادتها وَمذهب الْأَئِمَّة أَرْبَاب الْمذَاهب فُقَهَاء الْملَّة لَا سِيمَا الشَّافِعِي وشيخي أَصْحَابه الْمُزنِيّ وَابْن شُرَيْح فأخبارهم وكتبهم ناطقة بمبالغتهم فِي ذَلِك وتسديد الإِمَام الشَّافِعِي على من حاد عَن هَذَا مَعْرُوف مَشْهُور وَمَا للبيهقي فِيهِ من تَأْوِيل وَتَخْصِيص فَهُوَ غلفة مِنْهُ وَذُهُول وَفِي كَلَام الشَّافِعِي فِي مَوَاضِع عدَّة مَا يُوضح بطلَان تَأْوِيله وَلم يزل على ذَلِك اخْتِيَار كبار فُقَهَاء الْمُسلمين وَجَمِيع صالحيهم والمتكلمون من أَصْحَابنَا لَا يقدحون فِي هَذِه الطَّرِيقَة وَإِن كَانَ الْخَوْض شغلهمْ وَفِيهِمْ فهم يرَوْنَ جَوَاز الْخَوْض من غير قدح فِي هَذَا بل يرونه أولى لمن سلم لَهُ وَأسلم للعامة ولأكثر النَّاس وَهَذَا الإِمَام الْغَزالِيّ

стр. 102

@ ﵀ قد صنف فِي تَقْرِير مثل هَذَا الْجَواب الَّذِي أجَاب شَيخنَا كتابا هُوَ آخر تصانيفه سَمَّاهُ إلجام الْعَوام عَن علم الْكَلَام بَين فِيهِ بالأدلة الساطعة كل مَا فِي جَوَاب شَيخنَا وَذكر أَنه لَا خلاف بَين السّلف فِي أَن ذَلِك هُوَ الْجَواب على كل الْعَوام وَلَوْلَا أَن هَذَا الْكتاب مَوْجُود مَشْهُور لنقلت مِنْهُ بسط مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيخنَا فِي جَوَابه من الدَّلِيل على صِحَّته لَكنا عرضنَا من بَيَان بطلَان مَا قَالَه هَذَا الْمُعْتَرض لَا يتَوَقَّف على التَّطْوِيل بل ينْقل ذَلِك إِلَى هَا هُنَا إرشاد من أَرَادَهُ إِلَى مَوْضِعه وَأَشَارَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ على نظام الْملك فِيمَا صنفه لَهُ بإلزام الْعَامَّة بسلوك السَّبِيل واستفتى الإِمَام الْغَزالِيّ مثل هَذَا الاستفتاء فَأجَاب بِجَوَاب مَوْجُود مَنْقُول قرر فِيهِ مثل مَا أجَاب شَيخنَا بِكَلَام من جملَته وَأما الْكَلَام فِي أَن كَلَامه حرف وَصَوت أَو لَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ بِدعَة لِأَن السّلف لم يخوضوا فِي هَذَا وَلم يزِيدُوا عَليّ قَوْلهم الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق فالسكوت عَمَّا يسكت عَنهُ السّلف تَقْصِير والخوض فِيمَا لم يخوضوا فِيهِ فضول قَالَ وكل من يدعوا الْعَوام إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا فَلَيْسَ من أَئِمَّة الدّين وَإِنَّمَا هُوَ من المضلين ومثاله من يدعوا الصّبيان الَّذين لَا يعرفوا السباحة إِلَى خوض الْبَحْر وَمن يدعوا الزَّمن المقعد إِلَى السّفر فِي البراري من غير مركوب وَقَالَ فِي رسَالَته إِلَى الزَّاهِد الْفَقِيه أَحْمد بن سَلَامه الدممي رحمهمَا الله فِي كَلَام أجراه فِي هَذَا الْمَعْنى الصَّوَاب لِلْخلقِ كلهم الْآن الشاذ النَّادِر الَّذِي لَا تسمح الْأَعْصَار إِلَّا بِوَاحِد مِنْهُم أَو اثْنَيْنِ سلوك مَسْلَك السّلف فِي الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل بِكُل مَا أنزلهُ الله تَعَالَى وَأخْبر بِهِ رَسُول الله ﷺ من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى فَفِيهِ شغل شاغل هَذَا كَلَامه بِعَيْنِه ثمَّ إِن فِي سُؤال أَصْحَاب الاستفتاء الْمَذْكُور مزِيد اقْتِضَاء لذَلِك إِذا فِيهِ سُؤَالهمْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاء الراشدون والتابعون وَمَا أَجَابَهُ بِهِ شَيخنَا هُوَ الَّذِي يُطَابق هَذَا لِأَن الْخَوْض وَالتَّفْصِيل الكلامي وَفِي الاستفتاء أَيْضا الشَّك بِهِ مِمَّا وَقع بَينهم من الشَّرّ والتكفير بِسَبَب تنازعهم فِي ذَلِك وسألوا أَن يجْتَهد لَهُم فِي تَعْطِيل هَذِه الْفِتَن فَهَل يَلِيق بِهَذَا المُرَاد وَيقرب من حُصُول هَذَا المرتاد مَا أجابهم بِهِ شَيخنَا أَو التَّفْصِيل الَّذِي إِذا ورد على هَؤُلَاءِ من قبل فقهائهم ورد ضِدّه على أُولَئِكَ الآخرين من قبل فقهائهم فتمسك

стр. 103

@ كل فريق مِنْهُم بقول فقهائهم وَلَا يتعدونه على مَا تقدّمت تجربته فِي حق أَصْحَاب هَذِه الْفتيا خُصُوصا وَفِي حق غَيرهم من الْعَامَّة عُمُوما فيتنازعون ويتجادلون مَعَ عامتهم وجهالهم فَيَزْدَاد الضال مِنْهُم ضلالا ويشارف الْمُهْتَدي مِنْهُم بخوضه بِلَا ألة زيغا وغواية ويتفاقم مَا سيل إطغاؤه من ثائرة الْفِتَن الَّتِي أثار مَا بَينهم التَّنَازُع وَلَا يبرح من ساحتهم مَا شكوه من التباغض والتقاطع وَأما شنع بِهِ هَذَا الرجل على شَيخنَا من أَنه فِي جَوَابه فِي طعن على من خَاضَ من الْعلمَاء فِي ذَلِك وَمن صنف فِيهِ فَهَذَا التشنيع يلْحق للْإِمَام الْغَزالِيّ لَا لَهُ فَإِنَّهُ سوى فِي كِتَابه إلجام الْعَوام وَفِي غَيره بَين طوائف الْعَوام وَطَوَائِف الْعلمَاء فِي الْمَنْع من الْخَوْض وَلم يكون ذَلِك إِلَّا لكبار الصَّالِحين والأولياء العارفين بِاللَّه تَعَالَى وَأما جَوَاب شَيخنَا فَهُوَ مَخْصُوص بالعوام وَأَصْحَاب الْوَاقِعَة وهم أَقوام فلاحون وَقد بَين هَذَا الْخُصُوص بقوله أَولا لقد حرم هَؤُلَاءِ ثمَّ بقوله ثَانِيًا يمْنَع هَؤُلَاءِ الْقَوْم وأشباههم عَن الحيد عَن هَذَا السَّبِيل وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَهُوَ أعلم فصل وَمن عجائب هَذَا الرجل أَنه بعث إِلَى شَيخنَا فتوتين لَهُ زعم أَنه أَخطَأ فيهمَا وَقد حكى فِي الورقة صُورَة الإستفتاء وَالْفَتْوَى ثمَّ أمْلى تَحت ذَلِك الْأَخْذ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ شَيخنَا من الفضائح وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يُجَاب عَنهُ بِغَيْر السُّكُوت والإعراض لَكِن تجَاوز وأملى جَوَابا بليغا موجزا آرسله إِلَيْهِ وَإِن أوردهُ هَا هُنَا بِمَعْنَاهُ ومقاصده بِعِبَارَة وَاضِحَة لَا يتمشى لَهُ مَعهَا مَا تعاطاه فِي ذَلِك مِمَّا سأحكيه بعد الْجَواب إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْكَرِيم وَهَذِه حِكَايَة صُورَة ذَلِك فِي رقْعَة استفتاء مَا يَقُول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل تزوج بإمرأة بكر عَاقِلَة بَالِغَة وَله مَعَه دون السّنة وَلم يَطَأهَا وَإِن أَهلهَا طلبُوا أَن يطلقوها مِنْهُ لذَلِك وَالرجل لم يشته أَن يطلقهَا فَهَل يَصح لأَهْلهَا أَن يطلقوها مِنْهُ بِغَيْر اخْتِيَاره بِنَاء على كرنه عنينا أم لَا الْجَواب إِنَّه لَيْسَ ذَلِك لأَهْلهَا اسْتِقْلَالا وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَيْهَا إِذا ثَبت كَونه عنينا بِإِقْرَارِهِ أَو يَمِينهَا بعد نُكُوله وألفين أَن يكون فِي عضوه مرض دَائِم قد أسقط قوته وانتشاره ثمَّ لَا يثبت لَهَا الْفَسْخ بعد ثُبُوت التعنين حَتَّى يضْرب لَهُ الْحَاكِم أجل سنة فَإِذا مَضَت السّنة وَلم يَطَأهَا فلهَا الْفَسْخ بِحكم الْحَاكِم وَالله أعلم

стр. 104

@ الْأَخْذ من شَرط دوَام الْمَرَض من الْعلمَاء وَمن شَرط سُقُوط الْقُوَّة والإنتشار مَعَ أَنه قد يعن عَن امْرَأَة دون أُخْرَى وَهل لَا فصل إِذا مَضَت السّنة وَلم يطَأ بَين أَن يكون امْتِنَاعه من الوطئ العائق غير الْعَجز من سفر أَو مرض لَا يَتَأَتَّى مَعَه الوقاع أَو حبس أَو غير ذَلِك من الْأَعْذَار وَبَين أَن يكون لعَجزه عَن الوطئ هَذَا مَا أملاه فِي رقعته على جِهَته فَنَقُول أما قَوْله من شَرط دوَام الْمَرَض من الْعلمَاء فانظروا إِلَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ شَيخنَا مِنْهُ أنكر أَن يكون أحد من الْعلمَاء شَرط ذَلِك وكل عُلَمَائِنَا مَعَ غَيرهم شرطُوا ذَلِك فِي ذَلِك وَجَمِيع المختصرات فِي الْمَذْهَب فضلا عَن المبسوطات ناطقة بذلك فَإِن كلهم قد اشْترط فِي مرض التعنين حُصُول الْيَأْس من زَوَاله وَلم يضْربُوا أجل سنة بعد إِقْرَاره بِالْعَجزِ والتعنين إِلَّا لتبين الْيَأْس والاستثبات فِيهِ وَهَذِه تصانيف النَّاس الْوَسِيط فَمَا فَوْقه وَمَا دونه يُنَادي كلهَا بذلك وَإِذا كَانَ ميئوسا من زَوَاله فَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بِكَوْنِهِ مَرضا دَائِما فِي كَلَام النَّاس وعرفهم لهَذَا وصف فِي الْوَسِيط وَغَيره مرض الإستحاضة وَغَيره من الْأَمْرَاض الَّتِي يوئس من زَوَالهَا بِكَوْنِهَا أمراضا دائمة وَهَكَذَا إِلَّا فِيمَا أنكرهُ من اشتراطهم سُقُوط قُوَّة الْعُضْو وانتشاره بل إِنْكَاره لهَذَا أَنْكَرُوا طم أزلا عنين عِنْد النَّاس أَجْمَعِينَ إِلَّا من سَقَطت قُوَّة عضوه وانتشاره بِالنِّسْبَةِ إِلَى من أعن عَنْهَا وَهَذَا أَمر محسوس فِي الْعنين وَمن لم يُوجد ذَلِك فِيهِ فَلَيْسَ عنينا بِلَا خلاف بَينهم وَلَا إِشْكَال وَفِي الْوَسِيط معِين الْعنَّة سُقُوط الْقُوَّة الناشرة للألة وَالْأَمر أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى الِاحْتِجَاج بالوسيط فَإِنَّهُ من الشَّائِع الذائع بَين المتعلمين فضلا عَن الْعلمَاء فَمن قَالَ التعنين مثبتا كعلمائنا وَمن وافقهم لم يثبت ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ بِهَذِهِ المثابة وَمن خَالف وَقَالَ الْعنَّة لَا تثبت الْخِيَار فَلَا يَعْنِي بالعنة أَيْضا إِلَّا ذَلِك وَإِلَّا لم يتوارد النزاع على مَحل وَاحِد فَصَارَ ذَلِك إِذا قَول الْجَمِيع وَأما شبهته واحتجاجه بِأَنَّهُ قد يعن عَن امْرَأَة دون أُخْرَى فَنَقُول إِنَّمَا شرحنا وَشرح الْعلمَاء الْعنَّة حَيْثُ وجدت وَفِي حق من تعلّقت بِهِ لَا حَيْثُ لم يُوجد تعلقهَا فَإِن كَانَ مَا شرحناها بِهِ متحققا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي أعن عَنْهَا كَمَا شهد بِهِ الْحسن واقتضاه الْبَيَان الْوَاضِح الَّذِي قدمْنَاهُ فَتَقول أَصْحَابنَا قد لَا يعن عَن امْرَأَة أُخْرَى لَا يدعوا من لَهُ أقل فهم إِلَى إِنْكَار هَذَا المحسوس الْمَقْطُوع

стр. 105

@ بِوُجُودِهِ بِالْإِضَافَة إِلَى من أعن عَنْهَا بل ينْتَظر فَإِن استقام لَهُ كَون الْعنَّة أمرا إضافيا يُوجد بِالنِّسْبَةِ إِلَى امْرَأَة وينتفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُخْرَى كَمَا علم مثله فِي الْأُمُور الإضافية اعْترف بذلك وَقَالَهُ وَإِن لم يستقم لَهُ ذَلِك فينكر احْتِمَال انْتِفَاء ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى امْرَأَة أُخْرَى ونقول إِذا عَن عَن امْرَأَة أعن فقد أعن عَن غَيرهَا لَا أَن تكابر المحسوس وينكر وجود الْمَرَض الميؤس مِنْهُ الْمسْقط لقُوَّة الانتشار فِي حق الْمَرْأَة الَّتِي علم تعنينه عَنْهَا وَلِهَذَا كَانَ الْمَعْهُود فِي مبَاحث الْفُقَهَاء والمتفقهة إِذا انْتَهوا إِلَى هَذَا الْبَاب أَن يُورد أحدهم مَا شرحنا بِهِ الْعنَّة من سُقُوط الْقُوَّة والانتشار وَحُصُول الْيَأْس من زَوَاله على قَول المُصَنّف أَو الْمدرس قد لَا يعن عَن امْرَأَة أُخْرَى ويجعله إشْكَالًا عَلَيْهِ وَلَا يَجْسُر أحد مِنْهُم يغْفل مِنْهُم على أَن يعكس هَذَا كَمَا فعله هَذَا الرجل فَيجْعَل كَونه لَا يعن عَن امْرَأَة أُخْرَى أصلا وتورده على مَا لَا ريب فِيهِ فِي معنى الْعنَّة من سُقُوط الْقُوَّة وَحُصُول الْيَأْس من عودهَا وَبعدهَا فبيان أَنه لَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ سهل على الْفَقِيه وَذَلِكَ أَن الْعنَّة عجز نسبي إضافي إِذْ يُقَوي ميله إِلَى امْرَأَة بِعَينهَا بِحَيْثُ يثور من فرط اشتهائه لَهَا مَا يكون ناشرا لعضوه جالبا لحرارة تقطع مُعَارضَة غالبه لما حل فِيهِ من الْمعَارض الْمسْقط لقُوَّة انتشاره الَّذِي لَيْسَ ينْقل عَنهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير تِلْكَ الْمَرْأَة فَمن لَا تميل إِلَيْهَا ذَلِك الْميل وَلَا يعظمه تَأْثِير شَهْوَته لَهَا وَهَذَا بَين غير خَافَ وَأما مَا أَخذه على قَول شَيخنَا إِذا مَضَت السّنة وَلم يطَأ فلهَا الْفَسْخ حَيْثُ أطلق وَلم يفصل بَين أَن يكون امْتنَاع وَطئه لعجز التعنين أَو لعائق آخر من سفر أَو غَيره فالشيخ الإِمَام من أَخذه هَذَا أَخذ على أَئِمَّة النَّاس قَدِيما وحديثا فِي الْفَتْوَى وَغير الْفَتْوَى إِذا هَكَذَا أفتى إِمَام الْهدى الَّذِي جعل الْعلمَاء فتياه أصلا فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا روى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ عَنهُ يُؤَجل الْعنين سنة فَإِن جَامع وَلَا فرق بَينهمَا وَهَكَذَا قَالَ صَاحب الْمَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وتكرر ذَلِك فِي مَوَاضِع من كَلَامه من جملها قَوْله فَإِن أَصَابَهَا مرّة فَهِيَ امْرَأَته وَإِن لم يصبهَا خَيرهَا السُّلْطَان وَهَكَذَا قَالَ من لَا نحصيه من عُلَمَاء النَّاس مِنْهُم إِمَام الْحَرَمَيْنِ قَالَه فِي غير مَوضِع وَكَذَا قَالَ وَالِده الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَهَكَذَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ لم يزدْ فِي مهذبه مَعَ بَيَانه على أَن

стр. 106

@ قَالَ وَإِن لم يُجَامِعهَا حَتَّى انْقِضَاء الْأَجَل وطالبت بالفرقة فَفرق الْحَاكِم بَينهمَا فَهَذَا الَّذِي أوردته كَاف من حَيْثُ الْإِجْمَال ثمَّ أتبرع بتفصيل السَّبَب الَّذِي لأَجله ترك شَيخنَا وَمن قبله من الْعلمَاء التَّفْصِيل الَّذِي ألزم بِهِ هَذَا الرجل وكما ذكر ذَلِك مِنْهُ على ذَهَابه عَن كَلَام الْعلمَاء فَكَذَلِك دلّ على ذَهَابه عَن إِدْرَاك مَوَاضِع الْأَلْفَاظ وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام الْمَذْكُور إِطْلَاق حتي يُقَال هلا فصلت وقيدت بل فِيهِ مَا يُقَيِّدهُ بِمَا وَقع فِيهِ الْكَلَام من مَانع التعنين فَإِنَّهُ جرى فِيهِ ذكر امْتنَاع الوطئ عقيب ذكر مَانع التعنين فَيَسْبق إِلَى فهم الخاصي والعامي أَن امْتِنَاعه كَانَ من أَجله لَا لمَانع آخر لم يجز ذكره فَيكون تَرْتِيب الْفَسْخ على ذَلِك صَحِيحا إِلَّا أَنه إِذا قَالَ الْقَائِل عثر فلَان عَن زَوجته ولت يَطَأهَا حتي فَارقهَا وَهِي بكر بعد فَإِن الْخَاص وَالْعَام يفهمون مِنْهُ حواله عدم وَطئه مَا ذكر من التعنين دون غَيره من الْمَوَانِع وَالْحَمْد الله وَحده الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة نقلا لما كَانَ فِي رقعته على وَجهه استفتاء مَا تَقول الْفُقَهَاء فِي رجل عِنْده قماش يكريه لجنائز الْأَمْوَات وَغَيره مثل ثِيَاب بيض وخضر وأقبية وشرابيش أطلس حمر وخضر وَثيَاب مذهبَة فَهَل يجوز لَهُ إكراؤها بطرِيق الْحَلَال أم لَا الْجَواب لَا يجوز لَهُ ذَلِك فِي الأطلس وَالْحَرِير وكل مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة وَلَا بَأْس بِهِ فِيمَا الْمَقْصُود بِهِ ستْرَة الْمَيِّت وصيانته وَالله أعلم الْأَخْذ هَذَا الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن النِّسَاء يجوز أَن يُكفن فِي الْحَرِير وَإِن كَانَ الأولى أَن لَا يفعل وَإِذا كَانَ تكفينهن فِيهِ غير محرم فَلم لَا يجوز إِجَارَته وَإِذا كَانَ تكفينهن فِي الْحَرِير لَا يحرم مَعَ أَن الْكَفَن يصير إِلَيّ الثوي والعفن فَلم لَا يجوز سترهن بِمَا لَا يكون عاقبته إِلَى ذَلِك وَأما قَوْله وكل مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن ذهب من الْعلمَاء إِلَى تَحْرِيم التَّكْفِين فِيهِ كالرفيع من الْكَتَّان والقطن وَالصُّوف والمرتفعات الموشية بِغَيْر الْحَرِير هَذَا أَخذه الَّذِي أملاه على جِهَته وشنع مَعَ ذَلِك وأشاع عَن شَيخنَا أَنه ارْتكب بذلك إِحْدَى عظيمات الْخَطَأ وَهَذَا من الْمُنْكَرَات

стр. 107

@ الشائعة الَّتِي سعى أستاذنا فِي إِبْطَالهَا وتقليلها فَأبى الشَّيْخ الْمَذْكُور إِلَّا السَّعْي فِي إبقائها أَو تكثيرها فَإِن هَذَا الَّذِي اعتاده أهل هَذِه الْبَلدة من تَزْيِين الْجَنَائِز وَإِجَارَة ثِيَاب الزِّينَة لذَلِك من الْبدع السخيفة والمنكرات الْفَاحِشَة الَّتِي يُبَادر إِلَى إنكارها قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ أَن لمورد الْمَوْت الهادم للذات الفاضح للدنيا حَتَّى لم يدع لَهَا قدرا من القَوْل مَا يكبر عَن الْوَصْف والمجهز مُتَرَدّد بَين أَمريْن عظيمين يسَار بِهِ لَا يدْرِي إِلَى رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار فَهَل يَلِيق بِهَذِهِ الْحَالة سوى الخضوع والانكسار وَهل تكون الزِّينَة فِيهَا والتزي فِيهَا بِذِي أهل السرُور والفرح إِلَّا من أعظم الْحمق وأبلغ السَّرف والسخف فَنَقُول مَا أفتى بِهِ شَيخنَا فِي ذَلِك هُوَ الصَّوَاب وَالْحق الَّذِي تشهد بِهِ أصُول الشَّرِيعَة ثمَّ أصل مذْهبه الَّذِي يُفْتِي عَلَيْهِ أما قَول هَذَا الرجل إِن هَذَا الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن ذَلِك جَائِز فِي النِّسَاء بِدَلِيل جَوَاز تكفينهن فِي الْحَرِير فَيجوز إِجَارَته لذَلِك فقد أَخطَأ فِيهِ وَاحْتج بِغَيْر مُسلم لَهُ لِأَن تكفينهن فِي الْحَرِير حرَام أَيْضا على وَجه لنا صَحِيح مَذْكُور فِي زَوَائِد الْمُهَذّب تأليف صَاحب الْبَيَان قَالَ لِأَنَّهُ لَا زِينَة بعد الْمَوْت وَمن قَالَ تكفينهن فِي الْحَرِير غير حرَام فتخريج هَذَا الرجل مَا نَحن فِيهِ من تَزْيِين جنائزهن من ذَلِك تَخْرِيج بَاطِل لِأَن تكفينهن فِيهِ من قبيل لبسهن لَهُ وتزيين جنائزهن بِهِ من قبيل تنجيد بُيُوتهنَّ وتزيينها بتعليق الديباج وَقد حكى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي التَّبْصِرَة من غير خلاف أَن ذَلِك غير مُبَاح وَأَنه يَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء قَالَ لِأَن ذَلِك يقْصد بِهِ المراياة والمكاثرة أَو نقُول هُوَ من قبيل افتراشهن للحرير هُوَ حرَام على مَا قطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَصَاحب التَّهْذِيب وَغَيرهمَا وَهُوَ الْوَجْه الصَّحِيح فِيهِ لِأَنَّهُنَّ استثنين فِي لبس الْحَرِير على الرِّجَال لما فِيهِ من تحسينهن لِأَزْوَاجِهِنَّ وتزينهن فِي أَعينهم مِمَّا لَا يحصل لَهُنَّ فِيهِ ذَلِك من ذَلِك فهن وَالرِّجَال فِيهِ سَوَاء وَمُوجب تَحْرِيمه يجمع الْفَرِيقَيْنِ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُنَّ استثنين فِي جَوَاز التحلي بِالذَّهَب وَالْفِضَّة سوى بَينهُنَّ وَبَين الرِّجَال فِي تَحْرِيمه وَهَذَا وَاضح ثمَّ نقُول من جَوَاز افتراشهن للحرير فِي حَال الْحَيَاة فَلَا يلْزم من تجويزه ذَلِك تَجْوِيز تَزْيِين جنائزهن بِهِ ليَكُون هَذَا وَاقعا فِي حَالَة الْمَوْت الهادم للذات المنافية للتصنع والتزيين وَذَلِكَ وَاقع فِي حَال

стр. 108

@ الْحَيَاة وَفِي مَظَنَّة الزِّينَة وَالنَّظَر إِلَى المظنة مَعْهُود فَإِن قلت فَكيف جوز تكفينهن فِي الْحَرِير بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ فِي حَالَة الْمَوْت قُلْنَا لَا جرم كَانَ ضَعِيفا بِمَا قدمنَا ذكره وَمَعَ ذَلِك فَلَا يتَخَرَّج مِنْهُ وَجه فِي جَوَاز تَزْيِين جنائزهن بالحرير فضلا عَن أَن يقطع من أَجله بخطأ من أفتى بِالْمَنْعِ من تَزْيِين جنائزهن بِهِ وشنع عَلَيْهِ كَمَا فعله هَذَا المؤذي وَهَذَا لِأَن قَول الْقَائِل يجوز تكفينهن فِيهِ لَا يعْطى أَكثر من أَنه يجوز اسْتِعْمَاله لما يقْصد بالتكفين من سره الْمَيِّت وإكرامه بذلك لَيْسَ فِيهِ أَنه يجوز ذَلِك مَقْصُودا بِهِ الزِّينَة والتجمل وكلامنا فِيمَا نَحن فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي التزيين بذلك وَهَكَذَا مَا نَقله من فَتْوَى شَيخنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْع من التزيين وَمَا الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة وَالْإِجَارَة لذَلِك فَإِنَّمَا يَصح استدلاله بِفضل الكفران لَو قَالَ أحد بِجَوَاز تكفينهن فِي الْحَرِير مَقْصُودا بِهِ الزِّينَة وَهَذَا لم يُوجد عَن أحد من أَصْحَابنَا وَلَا عَن أحد من الْعلمَاء قاطبة فقد بَطل إِذا تَخْرِيجه من الْكَفَن على كل وَجه وَأما تَعْمِيم شَيخنَا الْمَنْع فِي تَزْيِين الْجَنَائِز بِغَيْر الْحَرِير حَيْثُ قَالَ وَكلما الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن أصُول ذَلِك وشواهده تَزْيِين الْقَبْر فَمَا أشبه تَزْيِين النعش بتزيين الْقَبْر وَقد صَحَّ نهي رَسُول الله ﷺ عَن تجصيص الْقُبُور وَعلله الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ بِأَن ذَلِك يشبه الزِّينَة وَالْخُيَلَاء وَلَيْسَ الْمَوْت مَوضِع وَاحِد مِنْهُمَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر نهى فِيهِ عَن بعض مَا يُرَاد بِهِ تَزْيِين الْمَيِّت الْمَيِّت لَا يزين وَنَظِير فَتْوَى شَيخنَا يبْقى الْجَوَاز فِي ذَلِك على الْعُمُوم فِي غير الْحَرِير من فتاوي أَئِمَّة مَذْهَبنَا فَتْوَى قَاضِي الْقُضَاة بِبَغْدَاد أبي بكر الشَّامي وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة فِي طبقَة الشَّيْخ أبي أسْحَاق فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن تستير جدر الْمَسْجِد بالحرير فَأجَاب لَا يجوز أَن تعلق على حيطان ستور من حَرِير وَلَا من غَيره وَلَا يَصح وَقفهَا عَلَيْهِ وَهِي بَاقِيَة على ملك الْوَقْف ثمَّ اعتذر عَن تستير الْكَعْبَة زَادهَا الله شرفا فَإِنَّمَا لَا يخفى أُفْتِي بذلك فِي دَار الْعلم وَالْعُلَمَاء وَمَا فاتهم إِلَّا جهبذنا هَذَا حَتَّى ينْتَقد عَلَيْهِ وَيكون ذَلِك الإِمَام بذلك مِنْهُ أولى من شَيخنَا فَإِن نفي الْجَوَاز فِيمَا ذكره شَيخنَا أوضح بدرجات وَفِيمَا أوردته إِيضَاح لبعضها قَالَ فِي أَخذه على هَذَا أما

стр. 109

@ قَوْله وَكلما الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّينَة فَمن ذهب من الْعلمَاء الى تَحْرِيم التَّكْفِين فِي الرفيع من الْكَتَّان والقطن فانظروا هَذَا المنتقد مَا كَانَ أغناه عَن الانتقاد إِنَّمَا قَالَ شَيخنَا لَا يجوز التزيين وَالْإِجَارَة لَهُ فَجعله قَائِلا أَنه يحرم وَأخذ يتَكَلَّم على التَّحْرِيم وَمَعْلُوم من أصُول الْفِقْه وَبَين فُقَهَاء هَذِه الأقطار أَنه لَا يلْزم فِي نفي الْجَوَاز حُصُول التَّحْرِيم وَإِن انْتِفَاء الْجَوَاز قد يكون بِالْكَرَاهَةِ فالمكروه عِنْدهم غير جَائِز وَلَا يُقَال إِنَّه حرَام وَإِنَّمَا الْجَوَاز تَسْوِيَة الشَّرْع بَين الْفِعْل وَالتّرْك وَمن أَرَادَ ذَلِك من المستصفي فَهُوَ فِيهِ مَسْأَلَة إِذا فسخ الْوُجُوب هَل يبْقى الْجَوَاز وَخلاف أهل بخار أَلا يذكر فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي هَذَا الرجل فِيهِ مخطىء أحد فَإِن قَالَ فالمفتي لَا يَقُول فِي الْمَكْرُوه لَا يجوز فَإِنَّهُ قُلْنَا لَو سلمنَا لَك أَن النَّهْي عَن تَزْيِين الْجَنَائِز على فحشه وسخفه نهي كَرَاهَة يحن بالمفتي أَن يَقُول فِيهِ لَا يجوز فَإِنَّهُ من حَيْثُ الْحَقِيقَة حق على مَا قدمْنَاهُ وَهُوَ أبلغ فِي أَن لَا يَفْعَله السَّائِل وَلِهَذَا كَانَ الشَّارِع ﷺ ثمَّ الْفُقَهَاء الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَمن لَا يُحْصى مِنْهُم يطلقون لفظ النَّهْي فِي المنهى عَنهُ على سَبِيل الْكَرَاهَة والتنزية مَعَ أَن ظَاهر النَّهْي التَّحْرِيم وَقد سبقت حكايتنا قَول قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي من تستير جدر الْمَسْجِد بِغَيْر الْحَرِير وَقَول إِنَّه لَا يجوز فَلهَذَا اسوة بذلك سَوَاء كَانَ ذَلِك على وَجه التَّحْرِيم أَو على وَجه الْكَرَاهَة هَذَا مضى ثمَّ إِنَّه يعجز فِيهِ فُقَرَاء إِلَى التَّكْفِين الَّذِي لَا ذكر لَهُ فِي الْفَتْوَى وَأخذ مُسلما أَنه إِذا قَالَ لَا يجوز التزيين فقد قَالَ لَا يجوز التَّكْفِين وَهَذَا سوء فهم لما تقدم بَيَانه من أَن قَول الْقَائِل يجوز التَّكْفِين فِيهِ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من تَجْوِيز اسْتِعْمَاله لما يُرَاد بالكفن من ستْرَة الْمَيِّت وصيانته وكرامته وَلَيْسَ فِيهِ أَنه يجوز اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك مَقْصُودا بِهِ التزيين وَهَذَا قد سبق وَبعد هَذَا فالتكفين فِي الرفيع الغالي من الْقطن والكتان وأشباههما قد نهى عُلَمَاؤُنَا عَنهُ محتجين بِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سلبا سَرِيعا إِلَى لَا تكفنوا فِي الغالي ونسأل الله رِضَاهُ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فَهَذَا وَالْحَمْد لله جَوَاب عَن أَخذه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاضح وضوحا يلجمه عَمَّا تعاطاه فِيمَا كَانَ اخْتَصَرَهُ شَيخنَا عَن هَذَا أَو أملاه فِي جَوَاب رقعته وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد جامله فِي الْخطاب وَلم يبح بِمَا فِي أَخذه من الفضائح وَلَا وَصفه بِمَا يسْتَحقّهُ من

стр. 110

@ الصِّفَات المذمومة وَأَشَارَ فِي بعضه إِلَى مَوْضُوع الْحجَّة بِعِبَارَة مختصرة بليغة ظنا من أَن ذَلِك يَكْفِيهِ ويكفه فيستحي ويرعوي من غير حَاجَة إِلَى مَا بَان أَنه أولى بِهِ من الْكَشْف فجازاه على هَذَا بِأَن جمع لَهُ فِي الْجَامِع لفيفا وتصدر بَينهم وَأخذ يُجيب عَن الْجَواب ويطعن ويعترض وَمَا بَينه وَبَين من يعْتَرض عَلَيْهِ إِلَّا خطوَات فَهَلا شافهه بذلك أَو كتبه إِلَيْهِ كَمَا كتب أصل الْأَخْذ فَكَانَت اعتراضاته على ذَلِك من جنس كَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ﵀ ينشد فِيهِ سَارَتْ مشرقة وسرت مغربا شتان بَين مشرق ومغرب وَمن جنس مَا حَكَاهُ لنا شَيخنَا عَن بعض مَشَايِخ الكرامية وهم مشبهة خُرَاسَان أَنه اعْترض وَاحِد على النَّحْوِيين فِي قَوْلهم الْمُبْتَدَأ مَرْفُوع وَقَالَ هَذَا بَاطِل بقوله ﵎ ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ بالشمس وَهِي مَكْسُورَة وَأَنا أقتصر على حِكَايَة غير مَا اعْترض بِهِ مَعَ أَنَّهَا عين عمياء كَانَ شَيخنَا فِي معرض حكايته عَن الْعلمَاء ووصفهم لمَرض التعنين بالدوام قد حكى عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ذَلِك وانه وَصفه بِكَوْنِهِ خلقه فَاعْترضَ على هَذَا وَأخذ فِي الْأَوْصَاف الخلقية تَنْقَسِم إِلَى مَا تدوم وَإِلَى مَالا يَدُوم يَا هَذَا قد حُكيَ لَك ذَلِك عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَحكي طرق كَلَامه فَكيف صبرت على الِاعْتِرَاض قبل أَن تنظر فِي كَلَامه الميسر لمن أَرَادَهُ وَتَنصر هَل لِلْأَمْرِ على مَا حَكَاهُ وَهَذَا كَلَام الشَّيْخ فِي مهذبه قَالَ فَإِذا اخْتلفت الْمَرْأَة أَي على التعنين واعترف الزَّوْج أَجله الْحَاكِم سنة لِأَن الْعَجز عَن الوطىء قد يكون بالتعنين وَقد يكون الْعَارِض من حرارة أَو برودة أَو رُطُوبَة أَو يبوسة فَإِذا مَضَت عَلَيْهِ الْفُصُول الْأَرْبَعَة وَاخْتلفت عَلَيْهِ الأهوية وَلم يزل علم أَنه خلقَة فانظروا كَيفَ يتهيأ أَن يكون كلمة الْخلقَة هَا هُنَا من قبيل مَا يقبل التَّقْسِيم الَّذِي أوردهُ هَذَا الرجل وَهل يُمكن أَن يكون المُرَاد بهَا إِلَّا مَعْنَاهَا الْعرفِيّ الَّذِي شَأْنه الدَّوَام أَو اللُّزُوم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ فِيمَا كَانَ من الاوصاف لَازِما لبنية الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَنْهَا هَذَا خلقَة وَخلقِي وجبلة وطبع وطبعي أما معنى الْخلقَة فِي أصل الْوَضع الَّذِي يقبل مَا أوردهُ الانقسام فَأَي معنى لَهُ هَا هُنَا وَاعْترض على استشهاد شَيخنَا بقول الْقَائِل عَن فلَان عَن زَوجته فَلم يَطَأهَا وَقَالَ إِنَّمَا فهم ذَلِك من حرف الْفَاء لَا من كَونه مَذْكُورا عَقِيبه وَهَذَا خبط مِنْهُ فَإِنَّهُ لَو لم
следующие страницы →