Полный текст (315 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وهذا كما تقول: " زيد لا يخلوا أن يكون في الدار أو في المسجد "، ذكرت
(أَوْ) لأنك أردت أحد الشيئين.
وتأمل الآية مع ما قبلها في التفسير تجدها كما ذكرت لك.
وأما قوله تعالى: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) .
فإنه ذكر قلوباً ولم يذكر قلباً واحداً، فهي على الجملة قاسية، وعلى التعيين: إما كالحجارة، ففيها ما هو كذلك.
وإما أشد قسوة ففيها ما هو كذلك أيضاً.
ومثل هذا قول ابن عُلْيَة:
فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما
أي: لا بد منهما على الجملة: ثم قال:
صدور رماح أشرعت أو سلاسل
يريد في حق كل منهم على التعيين، لا بد له من هذا أو من هذا.
وأما في الجملة فالأمران واقعان جميعاً.
وقد يجوز في قوله : (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) أن يكون مثل قوله:
(مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) .
وأما أو التي للتخيير فعلى أصلها، لأن المخبر إنما يريد أحد الشيئين.
وأما (أَوْ) التي زعموا أنها للإباحة نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، فلم
توجد الإباحة من لفظ (أَوْ) ولا من معناها، وإنما أخذَتْ من صيغة الأمر مع قرائن الأحوال.
و (أَوْ) غير معتمدة في هذا الكلام، وإنما دخلت لغلب العادة في أن المشتغل
بالفعل الواحد لا يشتغل بغيره، وأن المجالس للحسن أو ابن سيرين غير جامع بينهما معاً، ألا ترى أن المأمور بهذا لو جمع بين الشيئين المباحين لم يكن عاصياً، علماً بأن (أَوْ) ليست ههنا معتمدة. والله أعلم.
стр. 177
مسألة
وأما " لَكِنَّ " فأصح القولين فيها: أنها مركبة من " لا " و " إنَّ ".
و" الكاف ". و " الكاف " التي هي للخطاب - في قول الكوفيين - ما أراها إلا كاف التشبيه، لأن المعنى يدل عليها إِذا قلت: ذهب زيد لكنَّ عمراً مقيم، تريد: لا كفعل عمرو.
فلا لتوكيد النفي عن الأول، وإن لإيجاب الفعل الثاني، وهو المنفي عن
الأول، لأنك ذكرت الذهاب الذي هو ضده فدل على انتفائه.
فلا تقع " لَكِنَّ " إلا بين كلامين متنافيين، فلذلك تركبت من " لا " و " الكاف
و" إن "، إلا أنهم لما حذفوا " الهمزة " المكسورة، كسروا الكاف إِشعاراً بها. ولا بد بعدها من جملة إذا كان الكلام قبلها موجباً، شَدَّدْتَ نونها أو خَفَّفْت، فإذا كان ما قبلها منفياً اكتفيت بالاسم المفرد بعدها إذا خففت النون منها، لعلم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب، فلما اكتفت باسم مفرد - وكانت إذا خففت نونها لا تعمل - صارت كحروف العطف، فألحقوها بها، لأنهم حين استغنوا عن خبرها بما تقدم من الدلالة، كان إجراء ما بعدها على ما قبلها أولى وأحرى، ليتفق اللفظ كما اتفق المعنى.
فإن قيل: أليس مضادة النفي للوجوب بمثابة مضادة الوجوب للنفي، وهي في كل حال لا تقع إلا بين كلامين متضادين، فلم قالوا: ما قام زيد لكن عمرو، اكتفاء بدلالة النفي على نقيضه وهو الوجوب، ولم يقولوا: قام زيد لكن عمرو اكتفاء بدلالة الوجوب على نقيضه وهو النفي؟
فالجواب: أن الفعل الموجب قد يكون له معان تضاده وتناقض وجوده، كالعلم فإنه يناقض وجوده الظن والشك والغفلة والموت، وأخص أضداده به الجهل، فلو
стр. 178
قلت: قد علمت الخبر لكن زيد، لم يدر ما تضيف إلى زيد، أظن أم شك أم غفلة أم جهل؟ فلم يكن بُدٌّ من جملة قائمة بنفسها ليعلم ما تريد، فإذا تقدم النفي نحو قولك: ما علمت الخبر لكن زيد، اكتفىِ باسم واحد، لعلم المخاطب أنه لا يضاد نفي العلم إلا وجوده، لأن النفي يشتمل على جميع الأضداد المنافية للعلم.
* * *
(فصل)
فإن قيل: ولم إذاً خففت " لكن " وجب إلغاؤها، بخلاف " إن " و " أن "
و" كأن " فإنه يجوز فيها الوجهان مع التخفيف، كما قال:
كأنه ظبية تعطو إلى وارق السلم؟
قلنا: زعم الفارسي أن القياس فيهن كلهن الإلغاء إذا خففن، ولذلك ألزموا
" لَكِن " إذا خففت الإلغاء، تنبيها على أن ذلك هو الأصل في جميع الباب.
وهذا القول مع ما يلزم عليه من الضعف والوهن ينكسر عليه بأخواتها، فيقال له: فلم خصت " لكن " بذلك دون " إن " و " أن " و " كأن "؟
ولا جواب له على هذا.
وإنما الجواب في ذلك إنما لما كانت مركبة من " لا " و " إن " ثم حذفت الهمزة
اكتفاء بكسر (الكاف) ، بقي عمل (إن) لبقاء العلة الموجبة للعمل، وهى فتح
آخرها، وبذلك ضارعت الفعل، فلما حذفت النون المفتوحة وقد ذهبت الهمزة للتركيب، ولم يبق إلا النون الساكنة - وجب إبطال حكم العمل بذهاب طرفيها وارتفاع علة المضارعة للفعل، بخلاف أخواتها إذا خففن، فإن معظم لفظها باق،
стр. 179
فجاز أن يبقى حكمها، على أن الأستاذ أبا القاسم بن الزماك - رحمه الله تعالى - قد أفادني رواية عن (يونس) أنه حكى الإعمال في (لكن) مع تخفيفها. وكان أبو القاسم ﵀ يستغرب هذه الرواية، ورأيته حين ذكرني بها متعجباً منها، وكان إماماً في هذه الصناعة رحمه الله تعالى.
* * *
فصل
(في دخول الواو على لكن)
واعلم أن " لكن " لا تكون حرف عطف مع دخول (الواو) عليها، لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف، فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو، فالواو هي العاطفة دونه، فمن ذلك " إما " إذا قلت:
إما زيد وإما عمرو.
وكذلك " لا " إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت " لا " لتوكيد النفي.
وكذلك لا لتوكيد النفي، ولئلا يتوهم أن " الواو " جامعة، وأنت نفيت قيامها في وقت واحد.
* * *
فصل
(في لا العاطفة)
ولا تكون " لا " عاطفة إلا بعد إيجاب، وشرط آخر، وهو: أن يكون الكلام قبلها يتضمن مفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها، كقولك: جاءني رجل لا امرأة، ورجل عالم لا جاهل.
ولو قلت: مررت برجل لا زيد، لم يجز، وكذلك: مررت برجل لا عاقل، لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني، وهى لا تدخل إلا لتوكيد نفي.
стр. 180
فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ (غير) فتقول: مررت برجل غير زيد.
وبرجل غير عالم، ولا تقول: برجل غير امرأة، ولا بطويل غير قصير، لأن في مفهوم " الخطاب " ما يغنيك عن معنى النفي الذي في " غير "، وذلك المعنى الذي دَلَّ عليه المفهوم حين قلت: بطويل لا قصير.
وأما إذا كانا اسمين مُعَرفين نحو: مررت بزيد لا عمرو، فجائز هنا دخول (غير) لجمود الاسم العلم، وأنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين إلا (الضيْرَفي) من الشافعية، بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل، فإنه بمنزلة قولك " ذكر "، ولذلك دَلَّ بمفهومه على انتفاء الخبر عن المرأة، ويجوز أيضاً: مررت بزيد لا عمرو، لأنه اسم مخصوص بشخص فكأنك حين خصصته بالذكر، نفيت المرور عن عمرو، ثم أكدت ذلك النفي بلا.
أما الكلام المنفي فلا يعطف عليه بلا، لأن نفيك الفعل عن " زيد " إذا قلت:
ما قام زيد، لا يفهم منه نفيه عن " عمرو "، فيؤكد بلا.
فإن قلت: أُؤكد بها النفي المتقدم.
قيل لك: وأي شيء يكون حينئذ إعراب " عمرو "، وهو اسم مفرد، ولم يدخل
стр. 181
عليه عاطفٌ بعطفه على ما قبله؟ فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي له بخبر، فتقول: مما قام زيد لا عمرو وهو القائم، وأما أن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو، إما وحدها وإما مع " لا "، ولا تكون " الواو " عاطفة ومعها " لا " إلا بعد نفي.
وأما قوله : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) .
فإن معنى النفي موجود في " غير ".
فإن قيل: فهلا قلت: " لا المغضوب عليهم ولا الضالين؟.
فالجواب: أن في ذكر (غَيْرِ) بيان الفضيلة للذين أنعم الله عليهم، وتخصيصاً
لنفي صفة الغضب والضلال عنهم، وأنهم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم.
ولو قال: " ولا المغضوب عليهم " لم يكن ذلك إلا تأكيد نفي إضافة
الصراط إلى المغضوب عليهم، كما تقول: هذا غلام زيد لا عمرو، أكدت نفي الإضافة عن عمرو، بخلاف قولك: هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث، فإنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره، وبين نفي الصفة المذمومة عن الفقيه، فافهمه.
فإن قيل: وأي شيء أكدت " لا " حين أدخلت عليها الواو، وقد قلت: إنها لا تؤكد النفي المتقدم، وإنما تؤكد نفياً يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما، كقولك: جاءني عالم لا جاهل؟
فالجواب: أنك حين قلت: ما جاءني زيد، لم يدل الكلام على نفي المجيء
عن " عمرو " كما تقدم، فلما عطف بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن
عمرو، كما انتفى عن الأول، لمقام الواو مقام تكرار حرف النفي، فدخلت لا لتأكيد النفي عن الثاني.
стр. 182
مسألة
(في أم العاطفة)
قوله وأما أم فلا يعطف بها إلا بعد استفهام.
هو كما قال، إذا أردت المعادلة بين أمرين متساويين، إما على جهة
الاستفهام وإما على جهة التقرير أو التوبيخ، ثم قد تكون أم إضراباً ولكن ليس بمنزلة بل كما زعم بعضهم، ولكن إذا مضى كلامك على اليقين ثم أدركت الشك مثل قولهم: " إنها لإبل. أم شاء؟ "
أضرب عن اليقين ورجع إلى الاستفهام حين أدركه الشك.
ونظيره قول الزباء حين تكلمت بعسى،، ثم أدركها اليقين فقالت: " عسى
الغوير " وهي متوقعة شراً، ثم غلب على ظنها الشر فختمت الكلام بحكم ما غلب على ظنها لا بحكم عسى، لأن عسى لا يكون خبرها اسماً غير حدث، فكأنها قالت: " صار الغويرا بؤسا ".
وهذه أم التي هي مشوبة المعنى بالإضراب والاستفهام، ولا ينبغي أن تكون
في القرآن، وإن كانت فعلى جهة التقرير، نحو قوله (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي. . .؟) .
وأحسب جميع ما وقع منها في القرآن إنما هو على أصلها الأول من المعادلة.
وإن لم يكن قبلها ألف استفهام، نحو قوله: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ)
و (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ. . .؟) .
لأن القرآن كله مبني على تقريع الجاحدين
стр. 183
وتبكيت المعاندين، وهو كله كلام واحد، كأنه معطوف بعضه على بعض، فإذا وجدت أم وليس قبلها استفهام في اللفظ، فهو متضمن في المعنى معلوم بقوة الكلام، كأنه يقول: أتقولون كذا، أم تقولون كذا؟
و: أبلغك كذا أم حسبت أن الأمر كذا؟
ونظيره ما يتكرر في القرآن من قوله سبحانه: (وإذ قلنا) و (إذ فرقنا) .
بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في " إذ "، لأن الكلام في معرض تعداد النعم وتكرار الأقاصيص، فيشير بالواو العاطفة إليها، كأنها مذكورة في اللفظ، لعلم المخاطب بالمراد.
ومن هذا الباب الواو المتضمنة لمعنى (رب) ، فإنك تجدها في أول الكلام
كثيراً إشارة منهم إلى تعداد المذكور قبلها، من فخر أو مدح أو غير ذلك.
فهذه كلها معان مضمرة في النفس، وهذه الحروف عاطفة عليها، وربما
صرحت العرب بذلك المضمر، كقول ابن مسعود ﵁:
(دع ما حاك في نفسك، وإن أفتوك عنه وأفتوك. .) .
ولذلك حذف كثير من الجوابات في القرآن لدلالة الواو عليها، لعلم
المخاطب أن الواو عاطفة، ولا يعطف بها إلا على شيء، كقوله تعالى:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ) .
وكقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) .
وهو كثير مما يحذف فيه الجواب، وعطف بالواو على المحذوف.
ومن المسألة الأولى قوله تعالى: (مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)
ليس على معنى بل، ولكن عطفاً على الاستفهام المتضمن في
الكلام، كأنه يقول: أحضر أم كان من الغائبين؟
ألا تراه يقول: (مَا لِيَ) كالمستفهم عن نفسه.
إن كان حاضراً فمالي لا أراه؟
ولولا هذا التقدير والإضمار لقال: ما للهدهد لا أراه؟
ولم يقل: لا أرى الهدهد.
стр. 184
مسألة
(في حذف حرف العطف)
لا يجوز إضمار حروف العطف، خلافاً للفارسي ومن قال بقوله، لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم، فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يسفر به عما في نفس مُكلِّمه وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والتمني والترجي وغير ذلك، اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن، لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر، إلا أنهم احتجوا لمذهبهم بآي من كتاب الله تعالى، وأشياء من كلام العرب هي عند التأمل والتحصيل حجة
عليهم، كقول الشاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت ... مما يثبت الود في فُؤاد الكريم
هو عندهم على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة ولا استمرار عليهما.
ولم يرد الشاعر ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائره.
يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه، كما تقول: قرأت ألفاً باء، جعلت ذكر هذين الحرفين ترجمةً لسائر الباب وعنواناً للغرض المقصود.
ولو قلت: قرأت ألفاً وباء، لأشعرت بانقضاء المقروء حيث عطفت الباء على الألف دونما بعدها، فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين.
ألا ترى كيف أشعرت الواو العاطفة في قوله سبحانه:
(وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) ، على انقضاء العدد المتنازع فيه.
وما مثلوا به من قولهم: " اضرب زيداً عمراً خالداً "، ليس كما ظنوه من إضمار الواو ولو كان كذلك لاختص الأمر بالمذكورين، وإنما المراد الإشارة بهم إلى ما
стр. 185
بعدهم ومنه قولهم: " بَوَّبتُ الكتاب باباً باباً "
و" قَسَمت المالَ درهماً درهماً "، ليس على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك لانحصر الأمر في " درهمين وبابين "
وأما ما احتجوا به من قوله سبحانه:
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ) .
فليس على معنى الواو كما توهموه.
ولكن جواب إذا في قوله: قلت: لا أجد، وقوله تعالى: (تولوا وأعينهم) إخبار عنهم وثناء عليهم، لأنها نزلت في قوم مخصوصين، وهم سبعة ذكرهم ابن إسحاق وغيره، والكلام غير محتاج إلى العطف بالواو، لأنه مرتبط بما قبله كالتفسير له.
وبلغني عن بعض أشياخنا الجلَّة أنه جعل من هذا الباب قول عمر بن
الخطاب ﵁:
" لا يَغُرنك هذه التي أعجبك حسنها حب رسول الله ﷺ لها ".
وقال: المعنى: حسنها وحب رسول الله ﷺ لها.
وبلغ الاستحسان بالسامعين لهذا القول إلى أن علقوه في الحواشي من كتاب الصحيح للبخاري، رحمه الله تعالى وليس الأمر كذلك، ولكن الحبَّ بدلٌ من قوله (هذه) بدل اشتمال في موضع رفع.* * *
مسألة
(في أن " الواو " لا تدل على الترتيب ولا التعقيب)
تقول: صمت رمضان وشعبان، وإن شئت: شعبان ورمضان.
بخلاف الفاء وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهو ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا
стр. 186
يهمانهم ويعنيانهم.
هذا لفظ سيبويه، وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين.
فيقال: متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقديم ويكون المتكلم ببيانه أعنى؟
والجواب: أن هذا أصل يجب الاعتناء به، لعظم منفعته في كتاب الله تعالى.
وحديث رسوله ﷺ إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم في القرآن وتأخير ما أخر، كنحو: (السمع والبصر) .
و (الظلمات والنور) ، و (الليل والنهار) و (الجن والإنس) في أكثر الآي.
وفي بعضها: (الإنس والجن)
وتقديم السماء على الأرض في الذكر، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو قوله تعالى: (سميع عليم) ، ولم يجئ: (عليم سميع) ، وكذلك: (عزيز
حكيم) ، و (غفور رحيم) ، وفي آية أخرى: (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) إلى غير ذلك
مما لا يكاد ينحصر، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير.
وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلًا يقف بك على الأصح.
ويرشدك بعون الله إلى الطريق الأوضح، فنقول:
ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان.
والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال.
فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخلد والفكر بأحد هي الأسباب الخمسة، أو
بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكان ترتيب الألفاظ بحسب ذلك.
نعم، وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى.
كقوله: (ربيعة ومضر) وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكنهم آثروا الخفة، لأنك لو قدمت (مضر) في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف عليها بالسكون.
قلت: ومن هذا النحو " الجن والإنس "، فإن الإنس أخف لفظاً لمكان النون،
стр. 187
الخفيفة والسين المهموسة، فكان (تقديم) الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف
لنشاط المتكلم وجماحه.
وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر
والأغلب.
وسنشير إليها في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
وأما ما تقدم بتقدم الزمان فكـ (عاد وثمود) ، و (الظلمات والنور) .
فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل.
قال : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) .
وانتفاء العلم ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور الإدراكات، ولذلك قال سبحانه ونعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) ، فهي ثلاث محسوسات: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات
وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة، إذ لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، قال علي ﵁: قال رسول الله ﷺ :
" إن الله خلق عباده في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره ".
ومن المتقدم بالطبع نحو: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، ونحوه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) الآية.
وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان، والجسم على الحيوان.
ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم، لأنه عزَّ فلما عزَّ حكم.
وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن
والكلام، نحو قوله: (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، لأن التوبة سبب
стр. 188
الطهارة، وكذلك: (كل أفاك أثيم) ، لأن الإفك سبب الإثم.
وكذلك: (كل معتد أثيم) .
وأما تقدم (هَمَّازٍ) على (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) فبالرتبة، لأن المشي مترتب على
القعود في المكان، والهَمَّازٍ هو: المغتاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة.
وأما تقدم (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) على (مُعْتَدٍ) فبالرتبة أيضاً، لأن المناع يمنع خير
نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره، ونفسه في الرتبة قبل غبره.
ومن المقدم بالرتبة قوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) ، لأن
الذي يأتي رجالًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنه قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " وددت أني حججت راجلًا) ، لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن.
فجعله ابن عباس ﵄ من تقديم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان، وربما قدم الشيء لثلاثة معاني وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.
ومما قدم للفضل والشرف قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)
وقوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ) .
ومنه تقديم " السمع " على " البصر "، (وتقديم (سميع) على (بصير) .
ومنه تقديم (الجن) على (الإنس) في أكثر المواضع، لأن الجن يشتمل
على الملائكة (وغيرهم) مما اجتن على الأبصار، قال الله :
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) .
وقال الأعشى:
وسَخَّرَ من جِنِّ الملائِكِ تِسعةً ... قِياماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بلا أَجْرِ
стр. 189
وأما قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) .
وقوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) .
وقوله: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) .
فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال، لنزاهتهم عن
العيوب، وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب.
فلما لم يتناولهم عموم لفظ الجن، لهذه القرينة، بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.
وأما تقديم " السماء " على " الأرض " فبالرتبة أيضاً وبالفضل والشرف.
وأما تقديم (الأرض) من قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)
فبالرتبة، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه، وهم
المخاطبون بقوله تعالى: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) .
فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها، بخلاف الآية التي في " سبأ "، فإنها منتظمة بقوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ) .
وأما تقديم المال على الولد في كثير من الآي، فلأن الولد بعد وجود المال
نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من تقديم السبب على المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.
وأما قوله تعالى: (حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) .
فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقديم البنين على الأموال بالرتبة.
ومما قدم بالرتبة ذكر بالسمع والعلم من قوله تعالى: (سميع عليم) ، حيث
وقع، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من يسمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك - في العادة - ممن يقال لك: إنه يعلم، وإن كان علم الباري - سبحانه - متعلقا بما ظهر وبطن، وواقعاً على ما قرب وشطن، ولكن ذى السميع أوقع في باب التخويف من ذلك العليم.
فهو أولى بالتقديم.
وأما تقديم (الغفور) على (الرحيم) فهو أولى بالطبع، لأن المغفرة سلامة
стр. 190
والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ألا ترى لقوله ﵇ لعمرو بن العاص ﵁:
" أبعثُك وجهاً يسلمك الله تعالى ويغنمك، وأرغب لك
رغبة من المال ".
فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة
قبل الكسب، والعطية الأولى من التقدم بالطبع، والثانية من التقدم بالسبب.
وأما قوله: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) في (سبأ) ، فالرحمة هناك متقدمة على
المغفرة، إما بالفضل والكمال، وإما بالطبع، لأنها منتظمة بذكر أوصاف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشمهلم والمغفرة تخصهم، والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله تعالى: (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) .
وكقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) .
افتتح بالعموم، الذي هو متقدم بالطبع على الخصوص.
ومما قدم للفضل قوله: (اسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، لأن السجود
أفضل، قال ﵇:
" أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً ".
فإن قيل: فالركوع قبل السجود بالزمان والطبع والعادة لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض فهلا قدم في الذكر على السجود لهاتين العلتين؟
فالجواب أن يقال لهذا السائل: انتبه لمعنى هذه الآية من قوله:
(ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، ولم يقل: اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة كلها، وأراد صلاتها في بيتها، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من صلاتها مع قومها.
ثم قال لها: (ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، أي: صلي مع المصلين في بيت
المقدس، ولم يرد أيضاً الركوع وحده دون سائر أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع
стр. 191
عن الصلاة كلها، كما تقول: ركعت ركعتين وركعت أربع ركعات، إنما تريد الصلاة لا الركوع بمجرده، فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر عنها بالسجود، لأن السجود أفضل حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها، ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع، لأنه في الفضل دون السجود، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها، وهذا نظم بديع وفقه دقيق، وبالله التوفيق.
وهذه نبذ تشير لك إلى ما وراء، أو تنبذن وأنت صحيح
بالعراء، إن شاء الله تعالى.
ومما يليق ذكره بهذا الباب ما تضمنه قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) من الحكم الباهرة، والفوائد الباطنة والظاهرة، فإنه تعالى بداً بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين، وجمعهم جمع السلامة، لأن جمع السلامة أدلُّ على لفظ الفعل الذي هو علة يتعلق بها حكم التطهير، ولو قال مكان الطائفين: الطواف، لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: (الطائفين) .
ألا ترى أنك تقول: يطوفون، كما تقول:
طائفون، فاللفظ مضارع للفظ.
فإن قيل: فهلا أتي بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: طهر بيتي للذين
يطوفون؟.
فالجواب: أن الحكم معلل بالفعل لا بذوات الأشخاص.
ولفظ (الذين) ينبئ عن الشخص والذات، ولفظ " الطواف " يخفي معنى الفعل ولا يبينه، فكان لفظ (الطائفين) أولى بهذا الموطن.
ثم يليه في الترتيب (القائمين) ، لأنه في معنى العاكفين، وهو في معنى قوله
تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) ، أي: مثابراً ملازماً، وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهير به، ثم يليه بالرتبة لفظ الركع، لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين، ولذلك لم يتعلق حكم النطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجئ
стр. 192
بلفظ الجمع المسلم، إذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله.
ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله، لأن الركع هم السجود، والشيء لا يعطف بالواو على نفسه، ولفائدة أخرى، وهو أن " السجود " في الأغلب عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع، فلو عطفت بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت.
وفائدة ثالثة، وهو أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو عطفت بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله.
فإن قيل: فلم قال: (السجود) على وزن فعول، ولم يقل السُّجَّد كما قال
الرُّكَّع، وكما قال في آية أخرى: (رُكَّعًا سُجَّدًا) ؟
وما الحكمة في جمع ساجد على سجود، ولم يجمع راكع على ركوع؟
فالجواب: أن السجود - في أصل موضوعه - عبارة عن الفعل، وهو في
معنى الخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: " السُّجَّد " جمع ساجد لم يتناول إلى المعنى الظاهر.
وكذلك الرُّكَّع، ألا تراه يقول: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) : يعني رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هاهنا الركوع
الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر، وأما الخشوع والخضوع الدي يتناوله لفظ الركوع، دون لفظ الركع فليس مشروطاً بالتوجه إلى البيت.
وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جعل وصفاً للركع ومتمماً
لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضاً السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت، حسن انتظامه أيضاً بما قبله، مما هو معطوف على الطائفين الدين ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلُبِّه، ترفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد.
стр. 193
مسألة
من باب التوكيد
قوله: " الأسماء التي يؤكد بها المذكر: كله، ونفسه، وعينه "
إلى آخر الفصل.
الكلام في كل في ثلاثة فصول: في كونه توكيداً، وفي كونه مبتدأ مضافاً، وفي كونه مفرداً عن الإضافة مخبراً عنه، والأصل من هذه الثلاثة أن يكون توكيداً لجملة أو ما هو في حكم الجملة مما يتيقن، لأن موضوعه الإحاطة من حيث كان لفظه مأخوذاً من لفظ الإكليل والكلة، والكلالة، مما هو في معنى الإحاطة بالشيء.
وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه، أو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن
يؤكد به الجمع، لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله، إن كان جمعا فجمع، وإن كان واحداً فواحد.
وأما كونه مضافاً غير توكيد فحقه أن يكون مضافاً إلى اسم منكور شائع في
الجنس من حيث اقتضى الإحاطة، فإن أضفته إلى جملة معرفة كقولك: كل إخوتك ذاهب، قبح إلا في الابتداء، لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد، تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة، لأن النكرة شائعة في الجنس.
وهو إنما يطلب جنسا يحيط به (فكأنما تقول) : كل واحد من إخوتك ذاهباً.
فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل، وهو إضافة إلى اسم مفرد نكرة.
فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة، كقولك: رأيت كل إخوتك.
وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله، لأنك لم تضفه إلى جنس، ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم: كلهم ذاهب، وكل القوم عاقل، فإن أضفته إلى جنس معرف بالألف واللام
стр. 194
كقوله : (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)
حسن ذلك، لأن الألف واللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح، كقولك: خذ من كل الثمرات التي عندك
والتي من شأنها كذا، لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة، وأردت معنى الإحاطة فيها، فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله، فتؤكد المعرفة بـ كل، فتقول: خذ من الثمرات كلها، لأنك لم تضطر إلى إخراجها عن التوكيد، كما اضطررت في النكرة حين قلت: " لقيت كل رجل "، لأن النكرة لا تؤكد، وهي أيضاً شائعة في الجنس كما تقدم.
فإن قيل: فإذا استوى الأمران في قوله: كل من كل الثمرات، وكل من الثمرات كلها، فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين بأن يكون من نظم القرآن دون الآخر؟
قلنا: لو كان هذا السؤال من كلام غير هذا الكلام العزيز لم يحفل به، لأن
الفصيح يتكلم بما شاء من الوجوه الجائزات ولا اعتراض عليه، ولكن الكلام الإلهي والنظم المعجز الخارق للعادات يقتضي حكمة ومزيد فائدة في اختصاص أحد الوجهين دون الآخر.
أما قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)
فمن هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، إنما يريد الثمرات بأنفسها، لا أنه أخرج منها شيئا، وأدخل من لبيان الجنس كله.
ولو قال: أخرجنا به (من) الثمرات كلها، لقيل؟ أي شيء أخرج منها؟
وذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف، وأن مفعول أخرجنا فيما بعد، ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل، لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت - وكانت - توكيداً - اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة، جنساً شائعاً كان أو معهوداً معروفا.
وأما قوله : (كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) .
ولم يقل: من الثمرات كلها، ففيها الحكمة التي في الآية قبلها.
ومزيد فائدة وهو أنه قد تقدمت في النظم
قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ) ، لأن الألف واللام إنما تردك إلى المعهود
стр. 195
عندك، أو المتقدم في الخطاب، فكان الابتداء بـ كل أحصن للمعنى، وأجمع
للجنس، وأرفع للبس، وأبدع في النظم المعجز لذوي الألباب.
والله الموفق للصواب.
وأما الفصل الثالث، وهو أن تكون مقطوعة عن الإضافة مفردة مخبراً عنها.
فحقها أن تكون ابتداء، ويكون خبرها جمعاً، ولا بد من مذكورين قبلها، لأنها إن لم يذكر قبلها جملة، ولا أضيفت إلى جملة، بطل معنى الإحاطة فيها، ولم يعقل لها معنى.
وإنما وجب أن يكون خبرها جمعاً لأنها اسم في معنى الجمع، فتقول: كل
ذاهبوان إذا تقدم ذكر قوم، لأنك معتمد في المعنى عليهم، وإن كنت مخبراً عن كل فصارت بمنزلة قولك: الرهط ذاهبوان والنفر منطلقون.
لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع.
والشاهد لما قلناه قوله :
(وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، و (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) ، (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) .
فإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ، لم تجد خبرها إلا مفرداً، للحكمة
التى قدمناها قبل، وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة، فتقول:
" كل إخوتك ذاهب " أي: كل واحد منهم ذاهب، ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت:
كلهم ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها، وعلى ما في معناها من معنى الجمع، واعتمادها إذا أضفتها على الاسم المفرد، إما لفظاً وإما تقديراً، كقوله ﵊
" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ".
ولم يقل: " راعون "
ولا " مسؤولون "، وكقوله:
" أحسنوا الملأ، كلكم سيروي "
وكقول عمر ﵁:
" أو كُل الناس يجد ثياباً ".
ولم يقل: " يجدون "
ومثله قوله :
стр. 196
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ولم يقل: فانون، كما قال : (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)
وقوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) .
إلى غير ذلك من الشواهد التي يغني عن غايتها الشاهد.
فإن قيل: فقد ورد في القرآن موضعان أفرد فيها الخبر عن " كل "، وهي غيم
مضافة إلى شيء بعدها، وهما قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)
و (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) ، ولم يقل: كذبوا؟.
فالجواب: أنه في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ
دون غيره أما قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين، وذكر مؤمنين وظالمين، فلو قال: " كل يعملون "
وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف، فكان لفظ الإفراد أدل على المراد، كان يقول: " كل فريق يعمل على شاكلته ".
وأما قوله تعالى: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) ، فلأنه ذكر قروناً وأمماً، وختم ذكرهم
بذكر قوم تُبَّع، فلو قال: كل كذبوا، و (كُلٌّ) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة، أنهم كذبوا الرسل، فلما قال: (كُلٌّ كَذَّبَ) علم أنه يريد كل قرن منهم كذب، لأن إفراد الخبر عن (كُلٌّ) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم، ومثله قوله تعالى: (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) .
وأما قولنا في: (كُلّ) إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة
فإنما تريد أنها مبتدأة مخبر عنها، أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها، كقولك: كلًّا ضربت، وبكل مررت، قال الشاعر:
كلًّا بلوت فلا النعماء تبطرني
стр. 197
وقال الخثعمي:
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت منفردة، كقولك: ضربت كلا.
ومررت بكل من أجل أن يقطعها عن المذكورين قبلها في اللفظ، لأن العامل اللفظي له صدر الكلام، وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها ولا بعدها، قبح ذلك.
وأما إذا كان العامل معنوياً نحو: كل ذاهبون، فليس بقاطع لها عما قبلها من
المذكورين، لأنه لا وجود له في اللفظ، فإذا قلت: ضربت (زيداً) وعمراً
وخالداً، وشتمت كلاً، أو ضربت كلًّا، وما أشبه ذلك، لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه، والله أعلم.
وأما " كلا " فاختلاف النحويين فيها مشهور، واحتجاج البصريين والكوفيين
مذكور، لكننا نشير إلى ضروب من الترجيح لكل فريق، ترشد الناظر فيها إلى واضح الطريق، فنقول:
أما من ذهب إلى أنها اسم مفرد وألفها لام الفعل وليست ألف التثنية، فمعظم
حجته أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، أعني حال الرفع
والنصب والخفض، وإنما تنقلب ياء في حال الخفض والنصب مع المضمر خاصة كما ينقلب ما ليس بألف التثنية، نحو: لديهما وعليهما.
وهذا معنى قول الخليل وسيبويه، ولمْ يبعد عن الصواب من عول
عليه.!
ومما احتج لهذا المذهب قول العرب: كلاهما ذاهب، ولم يقل: ذاهبان.
стр. 198
وكِلا يَومَيْ أُمامةَ يوْمُ صَدٍّ.
وقوله سبحانه وقعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا) ، فأفرد الخبر عن (كلا) .
ولا حجة فيه، ولذلك عدل سيبويه في الاستدلال عنه، بما تقدم من أنك تضيف كلى كلا فتفرد الخبر عنه، فتقول: " كلكم راع " حملا على المعنى، إذ المعنى: كل واحد منكم راع.
وكذلك (كلا) إنما معناه: كل واحد مئهما ذاهب.
فإن قيل: إنما أفرد الخبر عن " كل " لأنه اسم مفرد، وكذلك (كلا) لا للعلة
الني ذكرت؟
قلنا: فلم وكد الجمع بها، والجمع لا يوكد بالواحد، كما لا ينت بالواحد.
وهو في التوكيد أبعد، لأنه تكرار للمؤكد؟
ولم يقل : (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)
و (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ)
وقد ثبت بما تقدم من الشواهد السمعية والأدلة القياسية أنه
اسم للجمع بمنزلة قوم، وأنت لا تقول: قوم ذاهب، ولا قومك خارج فثبت أنه ليس باسم مفرد، وإنما هو اسم للجمع.
وإنما التعديل لمن ذهب مذهب سيبويه على الحجة الأولى، على أنها معارضة
بضروب من الاحتجاج، منها: أنها توكيد للاثنين ولا يؤكد الاثنان بواحد، كما لا ينعت الاثنان بواحد، وليس لقائل أن يقول فيها كما في " كل " إنها اسم للجمع، لأن الجمع تختلف صوره فيكون مسلما ومكسراً وأسماء الجمع لا واحد لها كرهط وقوم.
ولا يكون للتثنية إلا صورة واحدة وحد واحد، وإذا بطل أن يكون واحداً في معنى التثنية، وبطل توكيد الاثنين بواحد ولم يبق إلا أن يكون (كلاهما) لفظاً مثنى تقلب ألفه ياء في النصب والخفض مع المضمر خاصة، لأنك إذا أضفته إلى مظهر استغنيت عن قلب ألفه ياء فى الخفض والنصب، بانقلاب ألف المظهرين اللذين تضيف إليهما إذا قلت رأيت كلا أخويك.
ولو قلت: رأيت كلا أخويك، كنت قد جمعمتا بين علامتي
إعراب في اسم واحد، لأنهما لا ينفصلان أبداً ولا تنفك " كلا " هذه عن الإضافة
стр. 199
بحال، ألا ترى كيف رفضوا: ضربت رأسي الزيدين، وعدلوا إلى أن قالوا:
رؤوسهما، لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد.
هذا مع أن الرؤوس اسم ينفصل عن الإضافة في أكثر الكلام، وكذلك القلوب من قوله تعالى: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا ننفك عنه؟
فهذا الذي حملهم على أن لا يقولوا: ضربت كل أخويك، ومررت بكلى أخويك وألزموها الألف في جميع الأحوال مع الظاهر، ولم يبعد ذلك كما لم يبعد في لغة طيء وخثعم وبني الحارث بن كعب أن يقولوا: رأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، فلم يستنكروا هذا في كلامهم والتزموه بوجود التثنية في الاسم اللازم له، وهو المضاف إليه، فإذا
أضافوه إلى المضمرين قلبوا ألفه في النصب والخفض ياء، لأن المضاف إليه لا يثنى بالياء في نصبه ولا في خفضه، ولكنه أبداً بالألف، كقولك: ضربت كلاهما، ومررت بكليهما، فقد زالت العلة التي رفضوها في كلا أخويك حين لم يجتمع علامتا نصب ولا علامتا خفض في المضمر.
ومن الحجة لهذا القول الآخر أيضا أن (كلا) يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ
(كل) ، وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام الفعل " واو "، وأنه من غير لفظ
" كل "، فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له ويؤيده.
فإن قيل لهم: ولم كسرت الكاف من " كلا " وهي في " كل " مضمومة؟
فلهم أن يقولوا: كسرت إشعاراً وتنبيهاً على معنى الاثنين، كما يبدأ لفظ
الاثنين بالكسر، ألا تراهم كسروا العين من عشرين إشعاراً بتثنية العشر.
ومن حجتهم أن كلتا بمنزلة " بنتا " و " ثنتا "، والألف في " ثنتا " لا خلاف أنها
ألف تثنية، فكذلك كلتاهما.
ومن ادعى أن الأصل فيهما " كلواهما "، فقد ادعى ما تستبعده العقول، ولا
يقوم عليه الدليل ولا البرهان.
стр. 200
ومن حجتهم أيضاً أن تقول في التوكيد: مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم.
فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول في الثثنية كذلك: مررت بأخويك اثنيهما، فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه، وإذا كان في معناه فهو تثنية مثله -
فإن قيل: فإنك تقول: كلا أخويك جاء، ولا تقول: اثنا أخويك جاء، فكيف يكون في معناه؟
قلنا: العدد الذي تؤكد به إنما يكون توكيداً مؤخراً تابعاً لما قبله، فأما إذا قدم لم يجز ذلك، لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يقدم على الموصوف، فلا تقول: ثلاثة إخوتك جاءوني.
وهذا بخلاف كل وكلا، لأن فيهما معنى الإحاطة، فصار كالحرف الداخل
لمعنى فيما بعده، فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنهما، وتأخيرهما في حال
التوكيد (بهما) والله المستعان.
* * *
مسألة
(في التوكيد بأجمع وأجمعين)
أما أجمع فاسم يؤكد به الاسم الذي لا يتبعض، ولا يؤكد به من يعقل، لأن
حقيقته لا تتبعض.
فإن قيل: فقد تقول: رأيت زيداً أجمع، إذا رأيته بارزاً من طاق أو نحوه.
فليس هذا توكيداً لزيد في الحقيقة، لأنك لا تريد نفسه وحقيقته، وإنما تريد بدنه أو ما تدرك العين منه.
وأجمع هذا اسم معرفة، تعرف بمعنى الإضافة، لأن معنى
" قبضت المال أجمع " بمعنى " قبضته كله "، فلما كان مضافا في المعنى تعرف ووكد به المعرفة.
وإنما استغنى عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه، ولم يستغن عن لفظ
المضاف إليه مع كل إذا قلت: قبضت المال كله، لأن " كلا " تكون توكيداً وغير توكيد،
стр. 201
وتتقدم في أول الكلام إذا قلت: كلكم ذاهب، فصار بمنزلة نفسه وعينه، لأن كل واحد منهما يكون توكيداً وغير توكيد، وإذا أكدت به لم يكن بدٌّ من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يعلم أنه توكيد، وليس كذلك " أجمع " لأنه لا يجيء إلا تابعاً لما قبله، فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد، واستغنى به عن التصريح بضميره كما فعل بـ " سحر " حين أردته ليوم بعينه، فإنه عرف بمعنى الإضافة واستغنى عن التصريح
بالمضاف إليه اتكالاً على ذكر اليوم قبله.
فإن قيل: ولم لم يقدم " أجمع " كما قدم " كل "، فتقول: " قبضت أجمع
مالك؟ "
فالجواب: أن " أجمع " فيه معنى الصفة، لأنه مشتق من جمعت فلم يقع
إلا تابعاً، بخلاف (كل) .
ومن أحكامه أنه لا يثنى ولا يجمع على لفظه، لا تقول: قبضت الدرهمين
أجمعين، ولا يقال في جمعه: أجامع، كما تقول في جمع الأفضل: الأفاضل، ولا جمع كلما تقول في أحمر: حمراً.
أما امتناع التثنية فيه فلأنه وضع لتوكيد الاسم المفرد الذي يتبعض، فلو ثنيته
وقلت: هذا الدرهمان أجمعان، لم يكن في قولك " أجمعان " توكيد لمعنى التثنية، كما يكون في قولك " كلاهما "، لأن التوكيد تكرار لمعنى المؤكد، إِذا قلت
" درهمان ": علم أنهما اثنان، فإذا قلت " كلاهما " أكدت ذلك المعنى، كأنك قلت: " اثناهما ".
ولا يستقيم ذلك في قوله " أجمعان "، لأنه بمنزلة من يقول: " أجمع
وأجمع " كما أن (الزيدان) بمنزلة زيد وزيد، فلم يفدك أجمعان تكرار بمعنى
التثنبة، وإنما أفادك تثنية واحدة، بخلاف (كلاهما) إلا أنه ليس بمنزلة
قولك: (كلًّا) و (كل) ، وكذلك " اثناهما " الذي استغنى عنه بكلاهما لا ينفرد فيقال فيه: اثن واثن، (فإنما هي) تثنية لا تنحل ولا تنفرد، فلم يصلح لمعنى التوكيد تثنية غيرها، فلا ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه، لئلا يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوفة بعضها على بعض بالواو
стр. 202
وهذه علة امتناع الجمع فيه، لأنك لو جمعنه كان جمعاً لواحد من لفظه، ولا
يؤكده معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد.
وسنبين بعد هذا أن " أجمعين " و " أكتعين " لا واحد له من " لفظه، وإن شئت
قلت: إن أجمع فيه معنى " كل "، و " كل " لا يثنى ولا يجمع، إنما يثنى الضمير الذي يضاف إليه كل.
وأما قولهم في تأنيثه: جمعاء ولم يقولوا: جمعى،، كما يقولون في تأنيث
" الأكبر " الكبرى، " والأصغر ": الصغرى، إذا كان فيه الألف واللام، أو كان مضافاً فلأنه أقرب إلى باب " أحمر " و " حمراء " منه إلى باب " الأفعل "
و" الفعلى "، لأنه لا يدخله الألف واللام.
ولا يضاف إضافة مصرحاً بها في اللفظ، فكان أقرب إلى باب " أفعل، الذي
مؤنثه " فعلاء "، وإن كان قد يخالف أيضاً من وجوه، ولكنه أشبه به.
فإن قيل: كيف قلتم إنه لا يجمع، وأنتم تقولون: جاء الزيدون أجمعون، وهل " أجمعون " إلا كقولك " الأكرمون " جمع أكرم؟
وقلتم: إنه أقرب إلى باب " أحمر وحمراء " والعرب لا تقول: الأحمرون والأصفرون، وإنما تقول: الحمر والصفر؟
والجواب: ما تقدم من أن (أجمعين) ليس جمعاً لأجمع، ولا له واحد من
لفظه، وإنما هو بمنزلة قولك: الياسمين، وبمنزلة قولك: أبَينُون تصغير أبناء.
فهذا جمع مسلم وليس له واحد من لفظه.
ولو كان واحد " أجمعين " أجمع، لما قالوا في مؤنثه جمع، لأن " فعل " - بفتح
العين - لا يكون واحده فعلاً، وجمعاء التي هي مؤنث أجمع ولو جمعت لقيل:
جمعاوات أو " جمع " - على وزن حُمْر - وأما فعل فإنما هو جمع لفعلي، بضم الفاء.
وإنما جاء أجمعون بناء على " الأكرمون " و " الأرذلون "، لأنه طرفاً من معنى التفضيل كما في الأكرمين والأرذلين، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها فإذا كثر العدد احتيج إلى كثرة التوكيد، حرصاً على التحقيق ورفع المجاز، فإذا قلت: جاء القوم كلهم، وكان العدد كثيراً، توهم أنه قد شذ منهم البعض فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول، وهو أجمعون وأكتعون، فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله، دخله
стр. 203
معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل جمع جمع السلامة، كما يجمع
" أفعل " الذي فيه ذلك المعنى، وجمع مؤنثه على " فعَل " كما يجمع مؤنث ما فيه التفضيل.
وأما أجمع الذي هو توكيد الاسم الواحد، فليس فيه من معنى التفضيل شيء، فكان كباب " أحمر "، ولذلك استغني أن يقال: " كلاهما أجمعان "، كما يقال: " كلهم أجمعون " لأن التثنية أقل من أن تحتاج في توكيدها إلى هذا المعنى فثبت أن " أجمعون " لا واحد له من لفظه، لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول فيمن يعقل: " جاءني زيد أجمع "، فكيف يكون:
" جاءني الزيدون أجمعون " جمعاً له، وهو غير مستعمل في الإفراد؟.
وحكمة هذا ما تقدم من أنهم لا يؤكدون معنى الجمع والتثنية إلا بجمع لا
واحد له من لفظه، أو تثنية لا واحد لها مستعملاً، ليكون توكيداً على الحقيقة، لأن كل جمع ينحل لفظه إلى واحد فهو عارض في معنى الجمع، فكيف يؤكد به معنى الجمع، والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام، فوجب أن يكون فيما يثبث لفظاً ومعنى.
وأما حذف التنوين من " جمع " فكحذفه من " سحر "، لأنه مضاف في المعنى.
فإن قيل: ونون الجمع أيضا محذوفة في الإضافة.
قلنا: الإضافة المعنوية لا تقوى على حذف النون المتحركة التي هي كالعوض
من الحركة والتنوين، ألا ترى أن نون الجمع تئبت مع الألف واللام مع أنهما مانع لفظي وتثبت في الوقف، والتنوين بخلاف ذلك، فقويت بالإضافة المعنوية على حذفه، ولم تقو على حذف النون إلا الإضافة اللفظية.
فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي أقوى من المعنوي؟
قلنا: اللفظ لا يكون إلا متضمناً لمعناه، فاجتمعا معاً، بخلاف المعنى المفرد
عن اللفظ، فوجب أن يكون أضعف، وهذا بديع لمن أنصف.
стр. 204
مسألة
(في التوكيد بنفسه وعينه، وتحقيق معني العين والذات)
أما قولهم: (جاءني زيد عينهاً، فالعين هنا يراد بها حقيقة الشيء المدركة
بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان، وليست اللفظة على أصل موضوعها، لأن أصلها أن تكون مصدراً وصفةً لمن قامت به، ثم عُبِّر عن حقيقة الشيء بالعين، كما عُبِّرَ عن الوحش بالصيد، وإنما الصيد في أصل موضوعه مصدر، من (صاد يصيد) .
ومن هاهنا لم ترد في الشريعة عبارة عن نفس الباري سبحانه، لأن نفسه
- سبحانه - غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم، وأما عين القبلة وعين الذهب وعين الميزان، فراجعة إلى هذا المعنى.
وأما العين الجارية فشبيه بعين الإنسان لموافقتها لها في كثير من صفاتها، وأما
عين الإنسان فمسماة بما هو أصله أن يكون صفة ومصدراً، لأن العين في أصل الوضع مصدر كالزين والدين والبين والأين وما جاء على بنائه، ألا تراهم يقولون:
" رجل عيون وعائن " ويقولون: " عنته ": أصبته بالعين و: " عاينته: رأيته
(بالعين) ، فرقوا بين المعنيين، وجاء: " عاينته " على وزن " فاعلته "، لأنه يتضمن معنى قابلته، لأن الرؤية في العادة لا تكون إلا مع مقابلة، بخلاف رؤية الباري سبحانه، ولذلك تقول في الباري - تعالى -: (رأى) ، ولا تقول: (عاين) لتقدسه عن معنى قابل.
ومما يدلك (أيضاً) أنها مصدر في الأصل قوله سبحانه: (عين اليقين) .
كما قال تعالى: (علم اليقين) ، فكما أن العمل المضاف إلى اليقين مصدر
وصفة فكذلك العين.
وإذا ثبت هذا فالعين التي هي الجارحة سميت عيناً لأنها آلة ومحل لهذه
الصفة التي هي العين، وهذا من باب قولهم: " امرأة ضعيف وعدل ".
وهو تسمية
стр. 205
الفاعل بالمصدر، والعين - التي هي حقيقة الشيء ونفسه - من باب تسمية المفعول بالمصدر، كصيد.
فإذا علمت هذا فاعلم أن العين إذا أضيفت إلى الباري - سبحانه - كقوله
تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فهي حقيقة لا مجاز، كما توهم أكثر الناس، لأنها صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجاز في تسمية العضو بها، وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري حقيقة ولا مجازاً، ألا ترى كيف كفر الرومية النصارى حين قالوا في عيسى ﵇: " إنه ولد، على المجاز لا على الحقيقة "، فكفروا ولم يعذروا ألا ترى كيف لم يضف - سبحانه إِلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة حقيقة ولا مجازاً، نعم ولا لفظ الإبصار، لأنه لا يعطى معنى البصر والرؤية مجرداً، ولكنه يقتضى مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما، وكذلك لا يضاف إليه سبحانه شيء من آلات الإدراك كالأذن ونحوها، لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي آلة لها، فلم ينقل لفظها إلى الصفة، أعني السمع مجازاً ولا حقيقة، إلا أشياء وردت على جهة المثل، مما يعرف بأدق نظر أنها أمثال مضروبة، نحو قوله في الحجر الأسود:
" يمين الله في الأرض ".
و" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ".
وأشباه ذلك مما عرفت العرب المراد به بأول وهلة.
وأما اليد فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر، عبارة عن صفة لموصوف.
ألا ترى قول الشاعر:
يَدَيْتُ على ابنِ حَسْحاسِ بنِ وَهبٍ ... بأَسْفَلِ ذِي الجِذاةِ يَدَ الكَريمِ
стр. 206
فيديت: فعل مأخوذ من مصدر لا محالة والمصدر صفة لموصوف، ولذلك
مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله تعالى:
(الأيدي والأبصار) .
ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر.
وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري: أن (اليد) من قوله:
(وخلق آدم بيده) ، ومن قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، صفة ورد بها الشرع، ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى (النعمة) ، ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزاً منه لمخالفة السلف، وقطع بأنها صفة تحرزاً منه عن مذاهب أهل التشبيه والتجسيم.
فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة
لا يفهم معناه؟
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت أحد من المؤمنين رسول الله ﷺ عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا احتاج مع فهمه إلى شرح وتنبيه.
стр. 207
وكذلك الكفار لو كانت اليد عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في
دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أنه ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يداً كأيدينا، وعينا كأعيننا؟
ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازاً، ثم
استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة. ورب مجاز كثر واستعمل حتى نسي أصله وتركته حقيقته.
والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص
منها معنى، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فكل شيء أحبه الله فقد أراده، وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة وليس كل واقع بالقدرة واقعاً باليد، (فاليد) أخص معنى من القدرة، ولذلك كان فيها تشريف لآدم ﵇.
ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي من أجله قال:
(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) بحرف " على ".
وقال في موضع آخر: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) .
وكذلك: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) .
والفرق بين الموضعين أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفياً وإبداء ما
كان مكتوبا، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سراً، فلما أراد الله أن يصنع موسى ويغذي ويربي على حال أمن وظهور أمر، لا تحت خوف واستسرار، دخلت " على " في اللفظ تنبيها على المعنى، لأنها تعطى معنى الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وابتداء، فكأنه يقول سبحانه:
ولتصنع على أمن لا تحت خوف، وذكر (العين) لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) ، فإنه إنما يريد: برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى على بخلاف ما تقدم.
وأما (النفس) فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الموجود دون
стр. 208
معنى زائد، وقد استعمل أيضاً من لفظها: النفاسة والشيء النفسي، فصلحت للتعبير
عن الباري . بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية.
وأما " الذات "، فقد استهوى أكثر الناس - ولا سيما المتكلمين - القول فيها، إنها في معنى النفس والحقيقة، ويقولون: (ذات الباري هي نفسه) ، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته، ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله ﵇ في قصة إبراهيم:
" ثلاث كذبات كلها في ذات الله ".
وقول خبيب:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان
كذلك لجاز أن يقال: " عبدت ذات الباري سبحانه "، و " احذر ذاته ".
كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ، أو: " فعلت ذاته ":.
وذلك غير مسموع، ولا يقول إلا بحرف (في) الجارة، وحرف " في " للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس الباري سبحانه، إذا قلت:
" جاهدت في الله "، و " أحببتك في الله " محال أن يكون هذا
اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء، وإنما هو على حذف المضاف، أي: في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه ومعناه، كأنك قلت: فعلى هذا محسوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله - تعالى - وطاعة له.
وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال، وإذا ثبت هذا فقوله:
" في ذات الله " و " في ذات الإله "، إنما يريد في الديانة أو الشريعة التي هي ذات الله، فذات وصف للديانة.
وكذلك هي في أصل موضوعها نعت لمؤنث، ألا ترى أن فيها " تاء " التأنيث؟
وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله لا عن نفسه.
وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة:
مَجَلَّتُهم ذاتُ الإِله ودِيُنهم قَوِيم.
стр. 209
فقد بانَ غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيفت إليه، وبانَ غلط من قال من الفقهاء: " إنه فوق عرشه المجيد بذاته "، وغلط من جهة اللفظ والمعنى.
أما اللفظ فهو ما قدمناه، وأما المعنى فمذكور في كتب الأصول، ومعلوم بأدلة العقول.
* * *
مسألة
(من باب البدل)
استشهد في هذا الباب بقوله : (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) .
فإن قيل: ما فائدة البدل من المعرفة وتبيينها بالنكرة، فإن كانت الفائدة في
النكرة المنعوتة فلم ذكرت المعرفة؟
وإن كانت الفائدة في المعرفة فما بال ذكر النكرة والتبيين بها؟
فالجواب أن تقول: الآية نزلت في رجل بعينه، وهو أبو جهل، ثم تعلق
حكمها بكل من اتصف بصفته، فلو اقتصر على الاسم المعرفة لاختص الحكم به دون غيره، ولو اقتصر على الاسم النكرة لخرج عن هذا الوعيد الشديد من نزلت الآية بسببه.
وكذلك حكم المعرفة إذا أبدل منها النكرة أن تكون النكرة منعوتة، وإلا لم يقع بها فائدة، ولا كانت بيانا لما قبلها.
وأما قوله سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
стр. 210
ثم قال: (شَيْئًا) ، على البدل من (رِزْقًا) ، و " رزق " أبين من " شيء ".
لأنه أخص منه، والأخص أبين من الأعم، فإنما ذلك من أجل تقدم النفي، لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي، فلما اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات، ووقعت الفائدة به من أجل النفي، صلح أن يكون بدلاً من (رِزْقًا) ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكن إخلالاً بالكلام.
على أنه قد قيل: إن (شَيْئًا) هاهنا مفعول بالرزق، وأن الرزق مصدر.
والأشهر أنه اسم لأنه على وزن الطحن والذبح، ولو أراد المصدر لفتح الراء، كما جاء في الشعر من نحو قوله في عمر بن عبد العزيز ﵀:
واقصد إلى الخير ولا توقه ... وارزق عيال المسلمين رزقه
* * *
مسألة
واستشهد أيضا بقوله سبحانه:
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
وفي هذه الآية ضروب من الأسئلة، منها أن يقال:
ما فائدة البدل في الدعاء، والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان، والبدل
يقصد به بيان الاسم الأول؟
стр. 211
ومنها أن يقال: ما فائدة تعريف الصراط المستقيم بالألف واللام، وهلَّا أخبر
بمجرد اللفظ دونهما، كما قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) ، وكما قال: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) .
ومنها أن يقال: ما معنى الصراط؟
ومن أي شيء اشتقاقه؟ ولم جاء على وزن فعال؟
ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن بهذا اللفظ.
وذكر في سورة الأحقاف بلفظ الطريق، فقال: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) ؟
ومنها أن يقال: ما الحكمة في إضافته إلى (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
بهذا اللفظ، ولم يقل: النبيين ولا الصالحين، وجاء باللفظ مبهماً غير مفسر؟
ومنها أن يقال: لم عبر عنه بلفظ " الذين " موصولة بصلتها، وقد كان أوجز
وأخصر أن يقال: المنعم عليهم، إذ الألف واللام في معنى الذي، كما قال:
(المغضوب عليهم) ولم يقل: " الذين غضبت عليهم؟ ".
ومنها أن يقال: لم وصفهم بـ (غير) ، وقد كان الظاهر أن يقول هاهنا
" لا المغضوب عليهم "، كما تقول: " مررت بزيد لا عمرو، وبالعاقل لا الأحمق ".
ومنها أن يقال: لم استحق اليهود دون النصارى اسم المغضوب عليهم.
والمغضوب عليهم أيضاً النصارى؟
ولم استحق النصارى اسم (الضالين) ، وقد ضلت اليهود؟
ومنها أن يقال: لم قدم (المغضوب عليهم) على (الضالين) في اللفظ؟
ولم جاء لفظ (الضالين) على وزن " الفاعلين "، ولم يجئ على وزن
" المفعولين "، كماجاء ما قبله، من قوله تعالى: (المغضوب عليهم)
ومن قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، لأن معناه: المنعم عليهم، بلفظ المفعول؟.
ومنها أن يقال: ما فائدة العطف بـ " لا " من قوله: (ولا الضالين) .
ولو قال: (الضالين) ، لما اختل الكلام، وكان أوجز؟
ولم عطف بـ " لا "، وهي لا يعطف بها
стр. 212
مع " الواو " إلا بعد نفي، ولو كانت وحدها لعطف بها بعد إيجاب، كقولك: مررت بزيد لا عمرو؟.
والجواب عن السؤال الأول، وهو: ما فائدة البدل في الدعاء؟
أن الآية وردت في معرض التعليم للعباد الدعاء، وحقُّ الداعي أن يستشعر عند دعائه ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به.
إذ " الدعاء مخ العبادة ".
والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا تحت دم ولحم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء، وجب أن يكون الطلب ممزوجاً بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب: للهداية ولفظ الرغبة مشوبا بالخير تصريحاً من الداعي به بمعتقده، وتوسلاً من الداعي بذلك
المعتقد إلى ربه، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) .
والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا، والداعي يجب عليه اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه، فلذلك أبدل وبين ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان، فأخبر مع الدعاء أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.
لا من خالفهم من الكافرين.
وأما تعريف (الصِّرَاط) بالألف واللام، فإن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ألا ترى قولك: جالس فقيها أو عالما، ليس كقولك: جالس الفقيه أو العالم؟
ولا: أكلت طيباً، كقولك: أكلت الطيب؟
ألا ترى إلى قوله ﵊:
" أنت الحق ووعدك الحق "، ثم قال: " ولقاؤك حق والجنة حق، والنار حق "، فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة، وأدخلها على اسم الباري وما هو صفة له، وهو القول والوعد.
فإذا ثبت هذا فلو قال: " صراطاً مستقيماً " لكان الداعي إنما يطلب الهداية على صراط مستقيم على الإطلاق، وقد علم أنه على صراط مستقيم وهو الإسلام، فإنما يطلب ما هو أقوى من طريقته التي هو عليها في علمه، لأن كل فريق من المسلمين
стр. 213
مستقصر لنفسه في العمل، وراغب إلى ربه، في التوبة والهداية إلى الأفضل، حتى ينتهي الأمر إلى محمد ﷺ فيقولها أيضاً، لأنها أخوف لربه، وأكثر استقصاراً لعمله، وكان يستغفر ربه ويتوب إليه في اليوم مائة مرة، وقال في الحديث:
" نظرت إلى جبريل كأنه حلس لاط، فعرفت فضل عمله علي ".
فإن قيل: فقد قال تعالى لنبيه ﷺ : (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) وقد كان على الصراط الأقوم، فضلاً عن صراط مستقيم على الإطلاق؟
فالجواب: أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وكان المسلمين قد كرهوا
ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه، وكان الله ورسوله أعلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلم يرد صراطاً مستقيماً في الدين، وإنما أراد صراطاً مستقيماً في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تعالى:
(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
أي: تهدي من الكفر والضلال إلى صراطٍ مستقيم.
ولو قال في هذا الموطن: " الصراط المستقيم "، لجعل للكفر والضلال حظاً من الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصوفة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرن
به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر فيه طرف منه.
وأما اشتقاق الصراط فمن " سرطت الشيء أسرطه "، إذا بلعته بلعاً سهلاً.
فالصراط هو الطريق السهل القويم، وجاء على وزن " فعال "، لأنه مشتمل على سالكة اشتمال الحلق على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء، وكذلك الشكال والعنان، إلى سائر الباب.
وأما ذكره بلفظ (الطريق) في سورة الأحقاف خاصة، فلأنه انتظم بقوله
سبحانه: (سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) .
وإنما أراد أنه سبيل مطروق قد
стр. 214
مرت عليه الرسل قبله، وأنه ليس ببدع، كما قال في السورة نفسها، فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ " الطريق "، لأنه " فعيل " بمعنى " مفعول ".
أي: إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل، وليس في المواضع الأُخر ما يقتضي هذا المعنى.
فكان لفظ الصراط بها أولى، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم.
وأما إضافته إلى اللفظ المجمل، ولم يقل: " صراط النبيين والصالحين ".
فلفائدتين: إحداهما: نفي التقليد عن القلب، واستشعار العمل بأن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى.
والفائدة الأخرى أن الآية عامة في طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم.
والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه، ولفظ
(الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يشمل الجميع، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم أصناف، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف.
وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، ولم يقل: " المنعم عليهم "، فلأن
ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر، وإبراز ضمير الفاعل العائد على الله سبحانه من قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ذكر لله تعالى باللسان والقلب، ولو قال: " المنعم عليهم " لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة بالدعاء، وهي الشكر والذكر، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵇: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) ؟
فأضاف الفعل إلى ربه، ثم قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .
ولم يقل: " أمرضني "، كما قال: (يُطْعِمُنِي) ، إذ ليس في قولك
" أمرضني " إلا الإخبار المجرد عن الشكر والثناء، وربما اقترن به تسخط وتضجر، فعدل عنه إلى قوله: (مَرِضْتُ) .
ولذلك قال سبحانه: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ولم يقل:
" الذين غضبت عليهم "، إذ ليس في الإخبار عنه بالغضب من الشكر والإحسان ما في قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟
فكان اللفظ الوجيز أولى.
ولفائدة أخرى وهي أن الغضب صفة ينبغي للعبد أن يشترك فيها مع الرب
فيغضب لغضب الله تعالى، فاليهود قد غضب عليهم لغضب الله وجميع المؤمنين،
стр. 215
فاستشعر الداعي هذا المعنى فلم يقل: " الذين غضبت عليهم ".
إذ لو قال ذلك لأخرج نفسه عن أن يغضب لغضب الله، كما أخرج نفسه عن أن ينعم، وأفرد الرب بالإنعام فقال: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .
وفائدة أخرى، وهو أن الألف واللام في (المغضوب) ، وإن كانت بمعنى
" الذين " فليست مثلها في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات الاسم، فإن قولك: " الذين فعلوا " معناه: القوم الذين فعلوا، وقولك:
" الضاربون والمضربون " ليس فيه ما في قولك " الذين ضَرَبوا أو ضُرِبوا "، وإذا صح هذا وتأملته فالذين أنعمت عليهم بلفظ (الذين) إشارة إلى تعرفهم بأعيانهم، وتعرفهم من الدين ولا سيما النبيين.
بخلاف من غضب الله عليهم فوجب الإعراض عنهم وترك الالتفات إلى ذاتهم، فاقتصر على الصفة المذمومة دون أن يعينوا بالذين.
وأما قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) نعتاً للذين، ولم يقل: " إلا الغضوب عليهم "
فلفائدة وهو أن اليهود والنصارى يدعون أن الله - تعالى - أنعم عليهم بالكتابين، وأنهم على الصراط المستقيم، فبين سبحانه أن الذين أنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، وهم اليهود، ولم يقل اليهود، " تجريداً للفظ، ليخرجهم بذكر الغضب عن صفة المنعم عليهم، وكذلك الضالين.
وقد تقدم في باب العطف ذكر " لا " في هذا الموضع، وأنها تعطي العطف بعد
إيجاب فلو عطف بها هاهنا لم يكن في الكلام أكثر من نفي إضافة الصراط إلى اليهود والنصارى، فلما جاء بغير، وهي اسم ينعت بها، زاد في الكلام فائدة الوصف والثناء للذين أنعم عليهم.
وأما استحقاق اليهود لهذا الاسم فلنزول غضب الله بهم في الدنيا، لتسليطه
الملوك عليهم وانتزاع الملك منهم، كما قال تعالى:
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) .
فمن حيث أخبر عنهم أنهم قد باؤوا بغضب سماهم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) .
وأما تقديمهم على (الضالين) فقد تقدم من أصول التقديم في باب العطف ذكر التقديم بالزمان، وذكر التقديم بالرتبة.
واليهود متقدمون
следующие страницы →