← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 613

نتائج الفكر في النحو

السهيلي

Полный текст (315 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنها أن يقال: ما فائدة تعريف الصراط المستقيم بالألف واللام، وهلَّا أخبر بمجرد اللفظ دونهما، كما قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) ، وكما قال: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) . ومنها أن يقال: ما معنى الصراط؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ ولم جاء على وزن فعال؟ ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن بهذا اللفظ. وذكر في سورة الأحقاف بلفظ الطريق، فقال: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) ؟ ومنها أن يقال: ما الحكمة في إضافته إلى (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) بهذا اللفظ، ولم يقل: النبيين ولا الصالحين، وجاء باللفظ مبهماً غير مفسر؟ ومنها أن يقال: لم عبر عنه بلفظ " الذين " موصولة بصلتها، وقد كان أوجز وأخصر أن يقال: المنعم عليهم، إذ الألف واللام في معنى الذي، كما قال: (المغضوب عليهم) ولم يقل: " الذين غضبت عليهم؟ ". ومنها أن يقال: لم وصفهم بـ (غير) ، وقد كان الظاهر أن يقول هاهنا " لا المغضوب عليهم "، كما تقول: " مررت بزيد لا عمرو، وبالعاقل لا الأحمق ". ومنها أن يقال: لم استحق اليهود دون النصارى اسم المغضوب عليهم. والمغضوب عليهم أيضاً النصارى؟ ولم استحق النصارى اسم (الضالين) ، وقد ضلت اليهود؟ ومنها أن يقال: لم قدم (المغضوب عليهم) على (الضالين) في اللفظ؟ ولم جاء لفظ (الضالين) على وزن " الفاعلين "، ولم يجئ على وزن " المفعولين "، كماجاء ما قبله، من قوله تعالى: (المغضوب عليهم) ومن قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، لأن معناه: المنعم عليهم، بلفظ المفعول؟. ومنها أن يقال: ما فائدة العطف بـ " لا " من قوله: (ولا الضالين) . ولو قال: (الضالين) ، لما اختل الكلام، وكان أوجز؟ ولم عطف بـ " لا "، وهي لا يعطف بها

стр. 212

مع " الواو " إلا بعد نفي، ولو كانت وحدها لعطف بها بعد إيجاب، كقولك: مررت بزيد لا عمرو؟. والجواب عن السؤال الأول، وهو: ما فائدة البدل في الدعاء؟ أن الآية وردت في معرض التعليم للعباد الدعاء، وحقُّ الداعي أن يستشعر عند دعائه ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به. إذ " الدعاء مخ العبادة ". والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا تحت دم ولحم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء، وجب أن يكون الطلب ممزوجاً بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب: للهداية ولفظ الرغبة مشوبا بالخير تصريحاً من الداعي به بمعتقده، وتوسلاً من الداعي بذلك المعتقد إلى ربه، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) . والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا، والداعي يجب عليه اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه، فلذلك أبدل وبين ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان، فأخبر مع الدعاء أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين. لا من خالفهم من الكافرين. وأما تعريف (الصِّرَاط) بالألف واللام، فإن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ألا ترى قولك: جالس فقيها أو عالما، ليس كقولك: جالس الفقيه أو العالم؟ ولا: أكلت طيباً، كقولك: أكلت الطيب؟ ألا ترى إلى قوله ﵊: " أنت الحق ووعدك الحق "، ثم قال: " ولقاؤك حق والجنة حق، والنار حق "، فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة، وأدخلها على اسم الباري وما هو صفة له، وهو القول والوعد. فإذا ثبت هذا فلو قال: " صراطاً مستقيماً " لكان الداعي إنما يطلب الهداية على صراط مستقيم على الإطلاق، وقد علم أنه على صراط مستقيم وهو الإسلام، فإنما يطلب ما هو أقوى من طريقته التي هو عليها في علمه، لأن كل فريق من المسلمين

стр. 213

مستقصر لنفسه في العمل، وراغب إلى ربه، في التوبة والهداية إلى الأفضل، حتى ينتهي الأمر إلى محمد ﷺ فيقولها أيضاً، لأنها أخوف لربه، وأكثر استقصاراً لعمله، وكان يستغفر ربه ويتوب إليه في اليوم مائة مرة، وقال في الحديث: " نظرت إلى جبريل كأنه حلس لاط، فعرفت فضل عمله علي ". فإن قيل: فقد قال تعالى لنبيه ﷺ : (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) وقد كان على الصراط الأقوم، فضلاً عن صراط مستقيم على الإطلاق؟ فالجواب: أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وكان المسلمين قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه، وكان الله ورسوله أعلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلم يرد صراطاً مستقيماً في الدين، وإنما أراد صراطاً مستقيماً في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . أي: تهدي من الكفر والضلال إلى صراطٍ مستقيم. ولو قال في هذا الموطن: " الصراط المستقيم "، لجعل للكفر والضلال حظاً من الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصوفة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرن به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر فيه طرف منه. وأما اشتقاق الصراط فمن " سرطت الشيء أسرطه "، إذا بلعته بلعاً سهلاً. فالصراط هو الطريق السهل القويم، وجاء على وزن " فعال "، لأنه مشتمل على سالكة اشتمال الحلق على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء، وكذلك الشكال والعنان، إلى سائر الباب. وأما ذكره بلفظ (الطريق) في سورة الأحقاف خاصة، فلأنه انتظم بقوله سبحانه: (سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) . وإنما أراد أنه سبيل مطروق قد

стр. 214

مرت عليه الرسل قبله، وأنه ليس ببدع، كما قال في السورة نفسها، فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ " الطريق "، لأنه " فعيل " بمعنى " مفعول ". أي: إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل، وليس في المواضع الأُخر ما يقتضي هذا المعنى. فكان لفظ الصراط بها أولى، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم. وأما إضافته إلى اللفظ المجمل، ولم يقل: " صراط النبيين والصالحين ". فلفائدتين: إحداهما: نفي التقليد عن القلب، واستشعار العمل بأن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى. والفائدة الأخرى أن الآية عامة في طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم. والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه، ولفظ (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يشمل الجميع، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم أصناف، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف. وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، ولم يقل: " المنعم عليهم "، فلأن ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر، وإبراز ضمير الفاعل العائد على الله سبحانه من قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ذكر لله تعالى باللسان والقلب، ولو قال: " المنعم عليهم " لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة بالدعاء، وهي الشكر والذكر، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵇: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) ؟ فأضاف الفعل إلى ربه، ثم قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) . ولم يقل: " أمرضني "، كما قال: (يُطْعِمُنِي) ، إذ ليس في قولك " أمرضني " إلا الإخبار المجرد عن الشكر والثناء، وربما اقترن به تسخط وتضجر، فعدل عنه إلى قوله: (مَرِضْتُ) . ولذلك قال سبحانه: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ولم يقل: " الذين غضبت عليهم "، إذ ليس في الإخبار عنه بالغضب من الشكر والإحسان ما في قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟ فكان اللفظ الوجيز أولى. ولفائدة أخرى وهي أن الغضب صفة ينبغي للعبد أن يشترك فيها مع الرب فيغضب لغضب الله تعالى، فاليهود قد غضب عليهم لغضب الله وجميع المؤمنين،

стр. 215

فاستشعر الداعي هذا المعنى فلم يقل: " الذين غضبت عليهم ". إذ لو قال ذلك لأخرج نفسه عن أن يغضب لغضب الله، كما أخرج نفسه عن أن ينعم، وأفرد الرب بالإنعام فقال: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) . وفائدة أخرى، وهو أن الألف واللام في (المغضوب) ، وإن كانت بمعنى " الذين " فليست مثلها في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات الاسم، فإن قولك: " الذين فعلوا " معناه: القوم الذين فعلوا، وقولك: " الضاربون والمضربون " ليس فيه ما في قولك " الذين ضَرَبوا أو ضُرِبوا "، وإذا صح هذا وتأملته فالذين أنعمت عليهم بلفظ (الذين) إشارة إلى تعرفهم بأعيانهم، وتعرفهم من الدين ولا سيما النبيين. بخلاف من غضب الله عليهم فوجب الإعراض عنهم وترك الالتفات إلى ذاتهم، فاقتصر على الصفة المذمومة دون أن يعينوا بالذين. وأما قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) نعتاً للذين، ولم يقل: " إلا الغضوب عليهم " فلفائدة وهو أن اليهود والنصارى يدعون أن الله - تعالى - أنعم عليهم بالكتابين، وأنهم على الصراط المستقيم، فبين سبحانه أن الذين أنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، وهم اليهود، ولم يقل اليهود، " تجريداً للفظ، ليخرجهم بذكر الغضب عن صفة المنعم عليهم، وكذلك الضالين. وقد تقدم في باب العطف ذكر " لا " في هذا الموضع، وأنها تعطي العطف بعد إيجاب فلو عطف بها هاهنا لم يكن في الكلام أكثر من نفي إضافة الصراط إلى اليهود والنصارى، فلما جاء بغير، وهي اسم ينعت بها، زاد في الكلام فائدة الوصف والثناء للذين أنعم عليهم. وأما استحقاق اليهود لهذا الاسم فلنزول غضب الله بهم في الدنيا، لتسليطه الملوك عليهم وانتزاع الملك منهم، كما قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) . فمن حيث أخبر عنهم أنهم قد باؤوا بغضب سماهم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) . وأما تقديمهم على (الضالين) فقد تقدم من أصول التقديم في باب العطف ذكر التقديم بالزمان، وذكر التقديم بالرتبة. واليهود متقدمون

стр. 216

بالرتبة والمكان، لأنهم كانوا مجاورين لرسول الله ﷺ وللمخاطبين بالآية. وأقرب إليهم (ذكراً) من النصارى. وأما ذكر (الضالين) بلفظ " فاعلين "، ولم يرد بلفظ المفعولين، لئلا يكون كالعذر لهم، وإنما ينبغي أن يخبر عنهم باكتسابهم ضلالهم، لا بإضلال الله إياهم وأما فائدة العطف بلا مع " الواو " فلتأكيد النفي الذي تضمنه (غير) ، فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف بلا مع " الواو ". وفائدة هذه التوكيد أن لا يتوهم أن " الضالين " داخل في حكم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ، أو وصف لهم، ألا ترى أنك إذا قلت: " ما مررت بزيد وعمرو "، توهم أنك إنما تنفي الجميع بينهما خاصة، فإذا قلت: " ما مررت بزيد وعمرو "، علم أنك تنفي الفعل عنهما جميعاً، على كل حال من اجتماع وافتراق؟ * * * مسألة (في ذكر بدل البعض من الكل وبدل المصدر من الاسم) وهما جميعاً يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، إلا أن البدل في هذين الموضعين لا بد من إضافته إلى ضمير المبدل منه، بخلاف (بدل) الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. أما اتفاقهم في المعنى فلأنك إذا قلت: رأيت القوم أكثرهم أو نصفهم، فإنما تكلمت بالعموم وأنت تريد الخصوص، وهو شائع في اللغة لا ينكر جوازه أحد، وإذا كان كذلك فإنما أردت: لقيت بعض القوم، وجعلت أكثرهم أو نصفهم تبييناً لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسم المبدل مضافاً أيضاً إلى القوم، فقد آل الكلام إلى أنك أبدلت شيئاً من شيء وهما لعين واحدة. وأما بدل المصدر من الاسم فكذلك أيضاً، لأن الاسم من حيث كان جوهراً أو جسما لا يعجب ولا ينفع ولا يضر، وإنما يتعلق المدح والإعجاب وغير ذلك من المعاني بصفات وأعراض قائمة بالجسم، وعلم ذلك ضرورة حتى استغني عن ذكرها

стр. 217

لفظاً وهي معلومة المعنى، فإذا قلت: " نفعني عبد الله "، علم أن النافع فيه صفة وعرض مضاف إليه، فبينت ذلك العرض ما هو، فقلت: " علمه أو رأيه،، ثم أضفت العلم إلى ضمير الاسم، كما كان الاسم المبدل منه مضافاً إليه في المعنى، فصار التقدير: " نفعني صفة زيد أو خصلته " ثم بينت بقولك: " علمه "، فعلم ما هي - تلك الخصلة، فآل المعنى إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. وإذا ثبت هذا فلا يصح في بدل الاشتمال أن يكون الاسم الثاني جوهراً، لأنه لا يبدل جوهر من عرض، ولا بد من إضافته إلى ضمير الاسم لأنه بيان لما هو مضاف إلى ذلك الاسم. والعجب كل العجب من إمام صنعة النحو في زمانه، وفارس هذا الشأن ومالك عنانه، يقول في كتاب " الإيضاح " في قوله سبحانه: (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) : إنها بدل من (الأخدود) بدل الاشتمال، والنار جوهر وليست بعرض، ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود، وليس فيها شرط من شروط بدل الاشتمال. . . وذهل أبو علي عن هذا، وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال: " قتل أصحاب الأخدود، أخدود النار ذات الوقود ". فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، كما قال: رَضيعَيْ لِبانِ ... ثَدْيِ أُمٍّ تَحالَفَا وفي رواية الخفف، أراد: لبان ثدي أم، فحذف المضاف إيجازاً واختصاراً. * * * مسألة واستشهد في هذا الباب بقول الله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) . و (حِجُّ الْبَيْتِ) مبتدأ، خبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله (عَلَى النَّاسِ) ، لأنه وجوب، والوجوب متعد بـ على.

стр. 218

فإن قيل: إذا كان موضع الخبر ومقر الفائدة فيه، فلم أخر وقد قال سيبويه: " متى جعلته مسنقراً قدمته ". فالجواب: إن تقديم المجرور الأول لفائدتين: إحداهما: أنه اسم للموجب لهذا الغرض، فيقدم تقدم السبب على المسبب. والفائدة الأخرى: أن الاسم المجرور من حيث كان اسماً لله - سبحانه - وجب الاهتمام بتقديمه، تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره. وأما (مَن) فهي بدل كما ذكره. وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل بالمصدر، كأنه قال: " أن يحج البيت من استطاع ". وهذا القول يضعف من وجوه: أحدهما: من جهة المعنى، وهو أن الحج فرض على التعيين بلا خلاف، ولو كان التأويل ما ذكروه لكان فرض كفاية، فإذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم وفرغت ساحتهم من التكليف، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض على جميع الناس حج المستطيعون أو قعدوا، ولكنه عذر بعدم الاستطاعة إلى أن توجد الاستطاعة، ألا ترى أنك إذا قلت: " واجب على أهل هذا القطر أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد "، فإذا جاهدت تلك الطائفة سقط وجوب الجهاد عن الباقين، مستطيعين كانوا أو غير مستطيعين، بخلاف الحج. ومما يضعف به ذلك القول، أن إضافة المصدر إلى الفاعل - إذا وجد - أولى من اضافته إلى المفعول، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول أو معقول، فلو كان " مَن " هو الفاعل لأضيف المصدر إليه. وإذا ثبت أن " من " بدل بعض من كل، وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود

стр. 219

إلى الناس، كأنه قال: " من استطاع منهم "، وحذف هذا الضمير قبيح في أكثر الكلام، وحسنه هاهنا أمور، منها: أن " مَن " واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه، فارتبطت به. ومنها أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت أعم لقبح حذف الضمير العائد مثال ذلك أنك لو قلت: " رأيت إخوتك مَن ذهب إلى السوق "، تربد: مَن ذهب منهم، لكان قبيحاً، لأن الذاهب إلى السوق زعم من الإخوة. وكذلك لو قلت: " البس الثياب ما حسن وكمل "، تريد: ما حسن منها، ولم تذكر الضمير، لكان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما أعم من لفظ الثياب، وكذلك الحسن والكامل. وحق بدل البعض من الكل أن يكون أخصَّ المبدل منه، فإن كان أعم وأضفته إلى ضمير، أو قيدته بضمير يعود إلى الأول، ارتفع العموم وبقي الخصوص. ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم، طول الكلام بالصلة والموصول. وأما المجرور من قوله: (إليه) فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع حال من (سبيلاً) ، كأنه نعت نكرة قدم عليها. لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل. والثاني: أن يكون متعلقاً بسبيل. فإن قيل: وكيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ قلنا: " السبيل " هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوة وزاد ونحوهما. فلما كان في معنى الفعل الموصل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، صار فيه معنى (الفعل) وصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وإنما يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهم ببيانه أعنى.

стр. 220

مسألة واستشهد أيضاً في الباب بقوله سبحانه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية في هذه الآية دليل على أن ما وقع به الفعل - أو فيه - فإنه مشتمل عليه كما يشتمل الفاعل على الفعل الذي هو حركة له أو صفة فيه، ولذلك أضيف المصدر إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وأخبر (به) عما لم يسم فاعله، وبني بناء فاعل في نحو قوله تعالى: (عيشة راضية) في أحد الأقوال. وإذا ثبت هذا صح البدل في قوله، وهو عمر ﵁ لحفصة: " لا يغرنَّك هذه التي أعجبها حسنها، حبُّ رسول الله ﷺ إياها) ، فحب بدل من (هذه) ، وإن لم يكن فعلاً لها، وإنما هو واقع بها، كما أن " القتال " بدل من الشهر فإن لم يكن فعلاً له، وإنما هو واقع فيه. ومن فوائد هذه الآية أن يسأل عن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) : " لم قدم الشهر الحرام؟ ، ولم يقل: يسألونك عن قتال الشهر الحرام، وهم لم يسألوا عن الشهر إلا من أجل القتال فيه، فكان الاهتمام بالقتال والتقديم له أولى في الظاهر؟. والجواب أن يقال: هذا السؤال لم يقع إلا بعد وقوع القتال في الشهر، وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر، فلذلك قدم في الذكر. وفيها سؤال آخر، وهو أنه أعاد ذكر القتال بلفظ الظاهر، وكان القياس أن يعيد بلفظ المضمر فيقول: " قل: هو كبير "، كما لو سأل إنسان عن رجل في الدار لقال: هو فلان، أو: هو طويل أو قصير، بلفظ المضمر، ويقبح أن يقول بلفظ الظاهر، لأن المضمر - إذا عرف المعنى - أوجز وأولى.

стр. 221

والجواب أن يقال: في إعادة لفظ الظاهر هنا فائدة، وهي عموم الحكم، ولو جاء بلفظ المضمر فيقول: " هو كبير "، لاختص الحكم بذلك القتال الواقع في القصة، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام. ونظير هذه ال مسألة قوله ﷺ وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: " هو الطهور ماؤه ". ولم يقل: نعم، توضؤوا منه، لئلا يتوهم أن الحكم مخصوص بالسائل، فلما أخبر عنه أنه الطهور ماؤه استمر الحكم فيه على العموم ولم يتوهم قصره على السبب. وكذلك هذا حين قال: (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ، فجعل الاسم المخبر عنه (قِتَالٌ) . وخصصه بالمجرور الذي هو ضمير الشهر، فتعلق الحكم به على العموم متى وقع، لأن اللفظ المضمر لا تقتضي صيغته إلا تخصيص الخبر بما يعود عليه. * * * مسألة وأنشدوا في هذا الباب قول كثير: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلتِ

стр. 222

أجاز بعض النحويين في " رجل صحيحة " أرجلًا صحيحة، على أنها حال موطأة بالنعت، مثل قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) لأن الحال من النكرة غير ممتنع من حيث كان الاسم الأول نكرة كما تقدم في باب النعت. وقالوا: هي حال من المضاف إليه، لأن الحال من المضاف إليه كثير نحو قوله: كأن حواميه مدبرا وهذا غلط، لأن الحال من المضاف إليه لا يجوز على الإطلاق، لأنها مفعول فيها فهي كالظرف والمفعول، فلا بد لها من عامل يعمل فيها، ولا يجوز أن يعمل فيها معنى الإضافة، لأنه أضعف من لام الإضافة، ولام الإضافة لا يعمل معناه في ظرف ولا حال، فمعناها - إذا لم يلفظ بها - أضعف وأجدر ألا يعمل. لو قلت: " هذا غلام هند ضاحكة "، لم يجز لما ذكرناه. فإن قلت: يعمل فيها ما يعمل في الغلام المضاف، فهو محال. لأن " ضاحكة " من صفة هند، لا من صفة " الغلام "، فبطل من كل وجه، ولكنه يجوز الحال من المضاف إليه إذا كان في المضاف معنى الفعل نحو: " هذا ضارب هند قائمة "

стр. 223

أو: أعجبني خروجها راكبة "، ونحو قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) ، لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حال منه، بخلاف الغلام ونحوه مما ليس فيه معنى فعل. وقد يجوز أيضاً الحال من المضاف إليه نحو: " رأيت وجه هند قائمة "، لأن البعض يجري عليه حكم الكل، فيعمل في الحال ما يعمل في البعض من حيث أجروا البعض مجرى الكل في قوله: " ذهبت بعض أصابعه " و: " شرقت صدر القناة "، و: " تواضعت سور المدينة "، وهو كثير، فعلى هذا جاء: كأن حواميه مدبرا ومنه قول حبيب: والعلم في شهب الأرماح لامعة وأنشد في هذا الباب قول الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم نصب " يسأم " بإضمار (أن) كيلا ينعطف الفعل على الاسم، وإنما استحال أن ينعطف الفعل على الاسم كيلا يشترك معه في العامل الذي يعمل فيه، إذ لا تعمل عوامل الأسماء في الأفعال، فأضمروا (أن) لأنها مع الفعل في تأويل الاسم. فإن قيل: وكيف يجوز إضمار الناصب وأنتم لا تجيزون إضمار الخافض

стр. 224

ولا الجازم، نعم ولا إضمار الحروف الناصبة للأسماء، وعوامل الأسماً عندكم أقوى من عوامل الأفعال؟ فالجواب: أنا لا نجيز إضمار " أن " إلا بإحدى شرائط، أما مع الواو العاطفة على مصدر، نحو قوله: للبس عباءة وتقر عيني تقضي لبانات ويسأم سائم ألا ترى أنك لو جعلت مكان " اللبس " و " التقضي " اسماً غير مصدر فقلت: يعجبني زيد ويذهب عمرو " لم يجز، وإنما جاز هذا مع المصدر لأن الفعل المنصوب بأن مشتق من المصدر ودال عليه بلفظه، فكأنك عطفت مصدراً على مصدر. فإن قيل: فكان ينبغي إذاً أن يستغنى بمجرد لفظ الفعل عن إضمار " أن "؟ قلنا: هو فعل مضارع معرب، وعطفه بالواو على ما قبله يشركه معه في الإعراب والعامل، وهما لا يشتركان في عامل واحد، فأضمرت " أن " واكتفي بأثرها وعملها عن ظهور لفظها، وكانت " الواو " كالعوض منها كما كانت " حتى " و " لام " العلة، و " لام " الجحود و " الفاء " في باب الجواب وغير ذلك كالعوض من " أن " الناصبة للفعل، وكما كان الاستفهام كالعوض من الجار في قولك: " الله لأفعلن؟ " ونحوه. وقد جاء عطف الفعل على الاسم في معنى الفعل، نحو قوله تعالى: (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) ونحو: (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ) .

стр. 225

لأن الاسم المعطوف عليه حامل للضمير، فصار بمنزلة الفعل مع الاسم، ولو كان مصدراً لم يجز، كما تقدم في: للبس عباءة وتقر عيني لأن المصدر ليس بحامل للضمير، فلا يجوز العطف عليه إلا بإضمار " أن ". فإن قيل: فإذا جاز عطف الفعل على الاسم الحامل للضمير، فينبغي أن يجوز عطف الاسم على الفعل، فيقول: " مررت برجل يقوم وقاعد "؟ قلنا: هذا ممتنع على قبح، والزجاج قد أجازه في (المعاني) قياسا على الأول، وليس هو مثله، لأنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رددت الفرع إلى الأصل، لأن الاسم المشتق من الفعل فرع للفعل، فهو متضمن لمعناه، فجاز عطف الفعل عليه. وإذا عطفت الاسم المشتق على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعاً، وصيرت الفعل في المعنى الاسم، وهو فعل محف، وإن كان قد وقع موقع الاسم فلم يقع موقع اسم جامد، وإنما وقع موقع اسم في تأويل فعل، فلم يخرجه ذلك إلى أن يكون في تأويل الاسم. وإنما هو فعل محض فلا يجوز عطف الاسم عليه، لأنك تشرك الاسم مع الفعل في عامل واحد، وإذا قلت: " مررت برجل قائم ويقعد "، ففي يقعد ضمير فاعل، كما في " قائم " ضمير فاعل، فكأنك إنما عطفت جملة على جملة، وتوهمت في " قائم " الفعل المحض من حيث كان مشتفا منه وفرعاً عليه، ولم يمكنك أن تتوهم في " يقوم " الاسم المحض ولا الاسم المشتق أيضا، لأن الفرع يتضمن الأصل ويدل عليه، والأصل لا يدل على الفرع بنفسه، لأنه كالمستغنى عنه. فافهمه فإني لم أقصد الإطالة إلا لأسد أبواب الاعتراض، وأحمي جنبات الكلام من الطعن عليه، والله الموفق لما يزلف لديه. وأبين من هذه العبارة أن يقال: عطف الفعل على الاسم في مثل قوله تعالى: (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ) ونحو: " مررت برجل قائم ويقعد "، لأن الاسم معتمد على ما قبله، وإذا كان (اسم الفاعل) معتمداً على عمل الفعل،

стр. 226

والاعتماد أن يكون نعتاً أو خبراً، والذي بعد (الواو) ليس بمعتمد، ولو عكست المسألة فقلت: " برجل يقوم وقاعد " أو: " يصففن وقابضات "، قبح، لأن ما بعد (الواو) اسم محض وليس بمعتمد فيجري مجرى الفعل. * * * مسألة (من باب أقسام الأفعال) الفعل غير المتعدي هو الذي لزم محله ولم يجاوزه إِلى غيره، فهو فعل الفاعل في نفسه، ولذلك جاء مصدره مثقلاً بالحركات، إذ الثقل من صفة ما لزم محله ولم ينقل وجميع مصادر الأفعال المتعدية الواقعة بمحل غير الفاعل الحامل لها والمتصف بها، فكان خفة اللفظ في هذا الباب موازياً للمعنى الذي هو ثبوت في محل الفعل واختصاص به وعدم تجاوز له، فما لزم مكانه فهو الثقيل، وما تجاوزه وتعداه فهو الخفيف لفظا ومعنى. ومن ههنا يرجح قول سيبويه إن " دخلت البيت " غير متعد إلى مفعول، لأن مصدره الدخول، فهو كالخروج والقعود ونحوه، إِلا أن الفعل منه لم يجئ على " فعل " لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه، فإن كان الفعل عبارة عما هو طبع وخصلة ثابتة، ثقل بضم العين، كظرف وكرم. فهذا الباب ألزم للفاعل من باب " قعد "، فكان أثقل منه لفظا. وباب " قعد "

стр. 227

ألزم للفاعل من المتعدي إلى المفعول، فكان أثقل منه مصدراً، وإن اتفقا على لفظ الفعل. ولزم مصدر " فعل " - الذي هو طبع وخصلة - وزن الفعل نحو: الجمال والكمال والبهاء والسناء والجلال والعلاء، هذا إذا كان المعنى عاماً يشتمل على خصال ولا يختص بخصلة واحدة، فإن اختص المعنى بخصلة واحدة صار كالمحدود ولزمته " هاء " التأنيث لأنَّ هاءالتأنيث تدل على نهاية ما دخلت عليه كالضربة من الضرب، وحذفها في هذا الباب وفي أكثر الأبواب يدل على انتفاء النهاية، ألا ترى أن الضرب يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية، وكذلك التمر والبر وسائر الأجناس، وإنما استحقت " الهاء " ذلك لأن مخرجها من منتهى الصوت وغايته فصلحت للغايات، ولذلك قالوا: علامة ونسابة أي: غاية في صفتيهما. فإذا ثبت هذا فالجمال والكمال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه " الهاء " المخصوصة بالتحديد والنهاية. وقولك: ملح ملاحة، وفصح فصاحة، على وزن: جمل جمالاً، كمل كمالاً، إلا في تاء التأنيث، لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال، فحددت بالهاء، لأنها ليست بجنس عام كالجمال، فصارت تشبه باب الضربة والتمرة من الضرب والتمر، لمكان التحديد والنهاية، ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان - وقد قالت له عرسه -: " إنك لجميل "، فقال: " أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه؟ ولكن قولي: إنك لمليح ظريف ". فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال، فبان صحة ما قلناه. وعلى هذا قالوا: الحلاوة والأصالة والرجالة، وكذلك في ضد هذا المعنى نحو: السفاهة والوضاعة والرذالة والحماقة، لأنها كلها خصال محدودة بالإضافة إلى السفال، والسفال في مقابلة العلاء والكمال، لأنه جنس يجمع الأنواع التي تحته.

стр. 228

وهذا الأصل في هذا الباب، ولا يشرد عن هذا القياس شيء إلا ويمكن رده إليه، إلا أن تكون ألفاظ قد أدخلت في هذا الباب بوجه من المجاز، فنجد مصادرها مخالفة لهذا الأصل في وزنها أو شيء من أحكامها، وليس ذلك إلا لنقلها بالاستعارة والمجاز عن أصل موضوعها، لقولهم: شرف الرجل شرفاً، ولم يقولوا: شرافا، كقولك: جمالاً وكمالاً ولا: شرافة، كقولك: جلالة، لأن الشرفْ رفعة في الآباء. والآباء شيء خارج عن محل الفعل، فهو مستعار من شرف الأرض، والشرف في الأرض كالهدف والعلم، فاستعيد للرجل الرفيع في قومه، كأنَّ آباءه الذين ذكر بهم وارتفع بسببهم شرف له، إذ الشرف من الأرض يرتفع بسببه ويظهر منه. وكذلك قالوا في هذا الباب: الحسب، لأنه من باب القبض والقنص، وليس من باب المصادر، لأن الحسب ما يحسب الإنسان لنفسه من خصال كرام وخصال حميدة، فقد تبين أنه لا يخرج عن هذا الباب شيء إلا لسبب ما، وأن الأصل ما تقدم، واستحق الاسم العام في هذا الباب الفعال - بفتح الفاء والعين - بعدهما ألف والألف فتح، ليكون اللفظ بتوالي الفتح فيه موازيا لانفتاح المعنى واتساعه. وكذلك اطرد في الجمع الكثير نحو: " مفاعل، و " فعائل "، وبابه، واطرد في باب " تفاعل " نحو: تقاتل، وتخاصم، ونحو: تمارض، وتغافل، وتراقد، لأنه إظهار للأمر وانتشار له. ومن هذا الباب مما يوافقه في وجهٍ ويخالفه في وجه آخر حلم، لأنه يدل على ثبات الصفة، فوافق ما قبله في الضم وخالفه: في المصدر مخالفته له في المعنى. لأنه صفة نفي، وليس بصفة عرضية معنوية، وإنما هو عبارة عن تملك المعاقبة ونفيها. ومن هذا الباب: " كبر " و " صغر "، هو موافق لما قبل في ثبوت الفعل فجاء على وزنه، وهو مخالف له في الحدث، لأن الصغر والكبر وما كان على هذا البناء عبارة عن كثرة أجزاء الجسم وقلتها، لا عن عرض ومعنى زائد كالجمال ونحوه. واستقصاء المصادر والأفعال وتتبع نوادرها وأسرارها، يأتي في بابها إن شاء الله تعالى.

стр. 229

فصل ومن غير المتعدي " انفعل "، نحو: " انطلقاً، وهو أيضاً فعل الفاعل في نفسه بعد تقدم منع واستدعاء من فعل آخر، فيسمونه فعل المطاوعة، ونحو: كسرته فانكسر، وشويته فانشوى، فمن حيث كان فعل الفاعل في نفسه لم يتعد، ومن حيث لم يقع من فاعله إلا بعد استدعاء وسبب زيدت النون في أوله قبل الحروف الأصلية، وزيدت ساكنة كيلا تتوالى الحركات، ثم وصل إليها بهمزة الوصل. وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازية للمعاني الزائدة على معنى الكلمة، فإن كان المعنى الزائد مترتبا قبل المعنى الأصلي، كان الحرف الزائد قبل الحروف الأصلية، كالنون في انفعال، وكحروف المضارعة في بابها، وإن كان المعنى الزائد على الكلمة آخراً كان الحرف الزائد على الحروف الأصلية آخراً، كعلامة التأنيث وعلامة التثنية. ومن هذا الباب: " تفعلل " و " تفاعل " و " تفعل ". أما " تفعلل " فلا يتعدى ألبتَّة، لأن التاء فيه بمثابة النون في انفعل، إلا أنهم خصوا الرباعي بالتاء، وخصوا الثلاثي بالنون فرفاً بينهما، ولم تكن التاء ههنا ساكنة كالنون، لسكون عين الفعل. فلم يلزم فيها من توالي الحركات ما لزم هناك. وأما " تفاعل " فقد توجد متعدية لأنها لا يراد بها المطاوعة كما أريد بتفعلل. وإنما هو فعل دخلته التاء زيادة على " فاعل " المتعدية، فصار حكمه - إن كان متعدياً إلى مفعولين قبل دخول التاء أن يتعدى بعد دخول التاء إلى مفعول نحو: " نازعت زيداً الحديث "، ثم تقول: " ما تنازعنا الحديث " وإن كان متعدياً إلى مفعول لم يتعد بعد دخول " التاء " إلى شيء آخر، نحو: خاصمث زيداً. وتخاصمنا. وأما " احمرَّ " و " احمارَّ " ففعل مشتق من الاسم، كانتعل من النعل، وتمسكن من المسكنة، لأن الحمرة والصفرة ونحوهما أسماء لأعراض ثابتة عند الفلاسفة، أو في حكم الثابتة عند الأشعرية، إذ ليس عندهم عرض ثابت.

стр. 230

وسيأتي استقصاء هذا الفصل والبحث عليه في باب التعجب، إن شاء الله تعالى. إلا أن أبا سليمان الخطابي زعم أن معنى " احمرَّ " مخالف لمعنى " احمارَّ " وبابه، وذهب إلى أن " افعلَّ " يقال فيما لم يخالطه لون آخر، وافعالَّ يقال لما خالطه لون آخر. والخطابي ثقة في نقله، والقياس يقتضي صحة قوله، لأن الألف لم تزد في أضعاف حروف الكلمة إلا لدخول معنى زائد بين أضعاف معناها - وقد تقدم هذا الأصل. * * * مسألة وقال في الفعل المتعدي إلى مفعولين: " أعطى زيد عمراً درهما ". وهذا وأشباهه من المنقول الذي صير فاعله مفعولاً. وقد اختلفوا: أهو قياس مستتب في جميع الأفعال أم لا؟ وليس مذهب سيبويه فيه طرد القياس في جميع الأفعال، وهو الصحيح. ولكني أشير لك إلى أصل ينبني عليه هذا الباب، وهو أن تنظر إلى كل فعل حصل منه في الفاعل صفة ما، فهو الذي يجوز فيه النقل، لأنك إذا قلت: أفعلته، فإنما معناه: جعلته على هذه الصفة. وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إِذا كان ثلاثيا نحو: قعد وأقعدته، وطال وأطلته. وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعل منه صفة في نفسه ولا يكون اعتماده في الثاني على المفعول فيجوز نقله، مثل: طعم زيد الخبز وأطعمته، وكذلك: جرع الماء وأجرعته، وكذلك بلع، وشم وسمع، لأنها كلها يحصل منها للفاعل صفة في نفسه، غير خارجة عنه، ولذلك جاءت أو أكثرها على فعل - بكسر العين -

стр. 231

مشابهة لباب: فزع وحذر وحزن ومرض، إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل وغموض معنى فيه، ولذلك كانت حركة العين كسراً، لأن الكسر خفض للصوت وإخفاء له، فشاكل اللفظ المعنى. ومن هذا النحو: لبس الثوب وألبسه إياه، لأن الفعل - وإن كان متعدياً - فحاصل معناه في نفس الفاعل، كأنه لم يفعل بالثوب شيئا، وإنما فعل بنفسه. ولذلك جاء على فعل مقابلة لعرى، وكذلك كسى، ولم يقولوا: أكسيته الثوب، لأن الكسوة ستر للعورة، فجاء على وزن سترته وحجبته ونحو ذلك. وأما أكل وأخذ وضرب فلا تنقل، لأن الفعل واقع بالمفعول، ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة، فلا تقول: أضربت زيداً عمراً، ولا: أقتلته خالداً. لأنك لم تجعله على صفة في نفسه كما تقدم. وأما " أعطيته " فمنقول من: " عطا يعطو " إذ أشار للتناول، وليس معناه الأخذ. ألا تراهم يقولون: " عاط بغيو أنواط "، فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل بشيء، فلذلك نقل كما نقل غير المتعدي لقربه منه، فقالوا: أعطيت زيداً درهماً، أي: جعلته عاطياً له. وأما " أنلت " فمنقول من " نال " المتعدية، وهي بمنزلة " عطا يعطو "، لا تنبئ إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به، ألا ترى إلى قوله سبحانه: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى) . ولو كان فعلاً مؤثراً في مفعوله لم يجز هذا، إنما هو منبئ هو الوصول فقط. وأما " آتيت المال زيداً " فمنقول من " أتى "، لأنها غير مؤثرة في المفعول، وقد حصل منها للفاعل صفة. فإن قيل: يلزمك أن تجيزت " أتيت زيداً عمراً، أو المدينة "، أي: جعلته يأتيهما؟ قلنا: بينهما فرق، وهو أن إتيان المال زيداً كسب وتمليك، فلما اقترن به هذا المعنى صار كقولك: أكسبته مالاً أو: أملكته إياه، وليس كذلك: " أتى زيد عمراً، فهذا الفرق بينهما.

стр. 232

وأما " شرب زيد الماء " فلم يقولوا فيه: أشربته، لأنه بمثابة الأكل والأخذ ومعظم أثره في المفعول، وإن كان قد جاء على " فعل " مثل (بلع) ، ولكنه ليس مثله، إلا أن تريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصلت من الشرب صفة في الشارب فيجوز حينئذ، كما قال سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) . وعلى هذا يقال: " أشربت الخبز اللبن،، لأن شرب الخبز اللبن والماء ليس كشرب زيد له، فتأمله. وأما " ذكر زيد عمراً " فإن كان من ذكر اللسان لم تنقله، لأنه بمنزلة شتم ولطم. وإن كان من ذكر القلب نقلته فتقول: " أذكرته الحديث "، بمنزلة أفهمته وأعلمته، أي: جعلته على هذه الصفة. * * * مسألة وقال في الباب: " اخترت الرجال زيداً "، واستشهد بالآية. والأصل في هذا التعدي بحرف الجر وهو (مِن) ، لأن المعنى إخراج شيء من شيء، وإنما حذف لتضمن الفعل معنى فعل آخر متعد، كأنك حين قلت: اخترت من الرجال، أردت: نخلت الرجال ونقدتهم فأخذت منهم زيداً، فمن ههنا أسقط حرف الجر كما أسقط في: " أمرتك الخير " إذا كان الأمر تكليفاً، كأنك قلت: كلفتك هذا الأمر. وإذا ثبت هذا فللمسألة أحكام نذكرها، منها: أن الاختيار تقديم الاسم المجرور إذا لم يسقط حرف الجر، يجوز فيه التأخير، تقول: " اخترت من الرجال عشرةً " ولو قدمت العشرة لم يحسن، لأن المخاطب يتوهم أن المجرور في موضع النعت للعشرة وليس في موضع المفعول الثاني. وأيضاً فإن الرجال معرفة فتقديمه أحق بالاهتمام، كما لزم تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك: " في الدار رجل "، لكون المجرور معرفة، فكأنه المخبر عنه. فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بدٌّ من التقديم للاسم الذي كان مجروراً نحو:

стр. 233

" اخترت الرجال عشرةً " ولو قلت: " اخترت عشرة قومك " أو اخترت فرساً الخيل، لم يجز. والحكمة في ذلك أن المعنى الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ، فلم يقو على حذف الجر إلا بعد اتصاله به وقربه منه. ولوجه آخر أيضاً وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم ولي الفعل الذي هو " اخترت " يوهم أنه مختار منه أيضاً، لأن كل ما يتبعض يجوز أن يختار منه وأن يختار، فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه، وكان أولى بذلك لما سبق من القول، فإن كان مما لا يتبعض نحو: زيد، وعمرو، فربما جاز على قلة من الكلام نحو قوله: منا الذي اختير الرجال سماحة وليس حكم هذا حكم قولك: " اخترت فرسا الخيل "، لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعض مثله ويختار منه، و " زيد " من حيث كان جسما يتبعض، ومن حيث كان " زيداً "، أي: اسما علما للشيء بعينه لا يتبعض، فتأمل هذا ولا تغفله، فقلما رأيت مشتغلاً به، وهو أصل يجب تفقده، والقياس والسماع يعضده، وبالله التوفيق. * * * مسألة وقال في هذا الباب: " استغفر زيدٌ ربَّه ذنبه ". هذه المسألة في تأخير الاسم المسقط منه حرف جر، بخلاف التي قبلها،

стр. 234

لأن التي قبلها وهي: " اخترت الرجال " كان الأصل فيها حرف الجر، فأسقط للمعنى الذي ذكرناه في الفعل عند اتصال الفعل به. وأما هذه فالأصل فيها سقوط حرف الجر، وأن يكون " الذنب " مفعولاً بالغفران الذي لا يتعدى بحرف، لأنه من " غفرت الشيء "، إذا غطيته وسترته، مع أن الاسم الأول هو فاعل في الحقيقة وليس كذلك " زيد " وسبعين رجلاً في باب (اختار) فلذلك تقول: " استغفر زيد ذنبه ربه! في جيد الكلام. فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل، فمن إذاً زائدة، كما قال الكسائي، وليس كما قال سيبويه ولا الزجاجي: إنما حذفت حرف الجر ثم نصبت. قلنا: إنما سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو: " غفر "، وأما إذا قلت: " أستغفر "، أو " أستغفر أنا الله "، ففي ضمن الكلام ما لا بد له من حرف الجر، لأنك لا تطلب كفراً مجرداً من معنى التوبة والخروج من الذنب، وإنما تريد الاستغفار خروجا من الذنب وتطهيراً منه، فلزمت " مِن " في الكلام لهذا المعنى فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ، فإن حذفتها تعدى الفعل ونصب، وكان بمنزلة قولك: " أمرتك الخير ".

стр. 235

فإن قيل: فما قولكم في نحو قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ) و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ) ؟. قلنا: هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والخروج من الذنوب، وإنما دخلت لتؤذن. بهذا المعنى ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل الذي هو المذنب، نحو قوله: لكم، لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان، ولو قلت: (يغفر من ذنوبكم) - دون أن تذكر الاسم المجرور - لم يحسن إلا على معنى التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ، قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه. فإن قلت: فقد قال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) وقال في سورة الصف: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فما الحكمة في سقوطها ههنا؟ وما الفرق؟. فالجواب: أن هذا إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب، وهي غير محيطة بهم كإحاطة الكفر المهلك بالكافر، فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ، إذ ليس ثم الإحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب، لأن الحسنات يذهبن السيئات، بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم وبخلصهم مما أحاط بهم وهو الكفر، وأما المؤمنون فقد أنقذوا. وأما قوله في آية الصدقات: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) . فهي في موضع (مِن) التي للتبعيض، لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب كالجهاد. ومن هذا النحو قوله ﵇: " فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ". فأدخل في كلامه " عن " لتؤذن بمعنى الخروج عن اليمين، لما ذكر الخارج الفاعل وهو الضمير المستتر في (يكفر) فكأنه قال: فليخرج بالكفارة عن يمينه، ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله سبحانه: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) . لم يدخل " عن " ولا احتيج إليها، وأضيفت (الكفارة) إلى (الأيمان) إضافة المصدر إلى المفعول، وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة حل لعقدة اليمين،

стр. 236

فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد، إذ اليمين عقد والكفارة حل له، والله المستعان. * * * فصل (من مسألة النقل والتعدية) المفعول (الثاني) من نحو قولك: " ألبست زيداً الثوب " ليس منتصباً بأفعلت. لما تقدم من أنك لا تنقله عن الفاعل ويصير الفاعل مفعولاً، حتى يكون الفعل حاصلاً في الفاعل ولكن المفعول الثاني منتصب بما كان منتصبا به قبل دخول الهمزة والنقل، وذلك أنهم اعتقدوا طرحها حين كانت زائدة، كما فعلوا في تصغير " حميد " و " زهير "، وكما فعلوا حين قالوا: (أورث النبت فهو وارس) ، ولم يبنوه على " أورس ". وقال الله : (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) . فلم يجئ بالمصدر على " أنبت ". ومما يوضح لك هذا أنهم أعلوا الفعل فقالوا: " أطال الصلاة وأقامها "، فلم يقولوا: " أطول "، ولا " أقوم "، مراعاةً لحكم الفعل قبل دخول " الهمزة "، ألا ترى أنهم حيث نقلوه في التعجب واعتقدوا ثبات " الهمزة " لم يعدوه إلى مفعول ثان، بل قالوا: ما أضرب زيداً لعمرو باللام، لأن التعجب تعظيم لصفة المتعجب منه، وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم يتعد، ومن ثم صححوه في التعجب فقالوا: ما أقومه وأطوله، حيث لم يعتقدوا سقوط الهمزة، كما صححوا الفعل من " استحوذ " و " استنوق الجمل "، حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة له غير عارضة فيه، والحمد لله. * * * مسألة حذف " الباء " من " أمرتك الخير " إنما يكون بشرطين:

стр. 237

أحدهما: اتصال الفعل بالمجرور فإن تباعد منه لم يكن بد من " الباء ": نحو قولك: " أمرت الرجل يوم الجمعة بالخير " يقبح حذف الباء، لأن المعنى الذي من أجله حدفث " الباء " ليس بلفظ، وإنما هو معنى في الكلمة، وهو ما تضمنته في معنى " كلفتك " فلم يقو على الحذف إلا مع القرب من الاسم كما كان ذلك في (اخترت) ، وقد تقدم، ألا ترى إلى قوله : (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ) كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال الأول بالصلة وكذلك قوله: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا) ، على أحد القولين، فإذا أعيد حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول، فإثبات الحرف من نحو: " أمرتك الخير " إذا طال الاسم أجدر والشرط الثاني: أن يكون المأمور به حدثاً، فإن كان جسماً أو جوهراً، لم تحذف الباء من نحو: " أمرتك بزيد "، ولا تقول: أمرتك زيداً، لأن الأمر في الحقيقة ليس به ولا للتكليف به متعلق، وإنما تدخل الباء عليه مجازاً، كأنك قلت: أمرتك بضرب زيد أو إكرامه "، ثم حدفت. وأما " نهيتكن عن الشر " فلا يجوز حذف الحرف الجار فتقول: نهيتك الشر، لأنه ليس في ضمن الكلام ما يتضمن النصب، والنهي عن الشيء إبعاد عنه وكف وزجر، وكل هذه المعاني متعدية بـ عن، فلم يكن بد منها، بخلاف الأمر فإنه إغراء بالشيء وإلزاق به فمن ثم تعدى بالباء وهو أيضا بمعنى التكليف والإلزام، فمن ثّمَّ جاز إسقاط الباء. * * * مسألة (في " عرفت " و " علمت " ونحوهما) أما " عرفت " فأصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفرداً من معنى زائد عليه، وهذه اللفظة مأخوذة من لفظ " العرف "، وهو ما ارتفع من الأرض حتى يظهر ويتميز. وأما " علمت " فأصل موضوعها للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة، ومعنى

стр. 238

التركيب إضافة الصفة إلى المحل، وذلك أنك تعرف " زيداً " على حدته، وتعرف معنى " القيام " على حدته، ثم تضيف القيام إلى " زيد " فإضافة القيام إلى زيد هو التركيب، وهو متعلق العلم. فإذا قلت: (علمت) فمطلوبها ثلاثة معان: جوهر وهو المحل، وصفة وهو القيام، وإضافة الصفة إلى المحل، فهي ثلاث معلومات متلازمة في العقل: الجوهر (منها معروف) وماهية الصفة معروفة على حدتها، والحدث الذي هو مركب من الجوهر والصفة معلوم متضمن ثلاث معلومات. إذا ثبت هذا فلا يضاف إلى الله - سبحانه - إلا العلم. ولا يقال فيه: " عرف " ولا " يعرف "، لأن علمه متعلق بالأشياء كلها، مركبها ومفردها، تعلقاً واحداً، بخلاف علم المحدثين فإن معرفتهم بشيءآخر. ومازعموه من قولهم: قد يكون " علمت " بمعنى " عرفت "، واستشهادهم بالآي التي استشهدوا بها، ليس هو حقيقة، لأن تعدي " علمت " إلى مفعول واحد في اللفظ لا يخرجها إلى معنى " عرفت "، ولكن على جهة المجاز والاختصار. فقوله: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ، ليس ينفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم، وإنما ينفي عنه العلم بعداوتهم ونفاقهم، وما تقدم من الكلام يدل على ذلك. وكذلك توله : (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ) ، فربما كانوا يعرفونهم ولا يعلمون أنهم أعداء، فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف، وذاته، وإنما مثل من يقول: إن " علمت " يكون بمعنى " عرفت "، من أجل أنه رآها

стр. 239

متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ، كمثل من يقول: إن (سألت) تتعدى إلى غير الآدميين فيقول: اسالت الحائط والدابة، ويحتج بقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف، وكذلك ما تقدم. وأما نصب (علمت) و (ظننت) لمفعولين، فليس هما مفعولان في الحقيقة. وإنما هو المبتدأ والخبر، وهو حديث إما معلوم وإما مظنون، فكان حق الاسم الأول أن يرتفع بالابتداء والثاني بالخبر، ويلغى الفعل؛ لأنه لا تأثير له في الاسم، وإنما التأثير لعرفت المتعلقة بالاسم المفرد تعييناً وتمييزاً، ولكنهم أرادوا تشبث " علمت " بالجملة التي هي الحديث، كيلا يتوهم الانقطاع بين المبتدأ وبين ما قبله. لأن الابتداء عامل في الاسم وقاطع له مما قبله، وهم إنما يريدون إعلام المخاطب بأن هذا الحديث معلوم، فكان إعمال (علمت) فيه ونصبه له إظهاراً لتشبثها، ولم يكن عملها في أحد الاسمين أولى من الآخر، فعملت فيهما معا. وكذلك " ظننت "؛ لأنه لا يتحدث بحديث حتى يكون عند المتكلم إما مظنونا وإما معلوما، فإن كان مشكوكاً فيه أو مجهولًا عنده لم يسغ له الحديث، فمن ثم لم يعملوا (شككت) ولا (جهلت) فيما عملت فيه ظننت وعلمت، لأن الشك تردد بين أمرين من غير اعتماد على أحدهما، بخلاف الظن فإنك معتمد فيه على أحد الأمرين، وأما العلم فأنت فيه قاطع بأحدهما، ومن ثم تعدى الشك بحرف (في) لأنه مستعار من " شككت الحائط بالمسمار ". * * * شَكَّ الفَريصَةَ بالمِدْرى. . .. وشك الحائط إيلاج فيه من غير ميل إلى أحد الجانبين، كما أن الشك في الحديث تردد فيه من غير ترجيح لأحد الجانبين. ونظير إعمالهمم " علمت " وأخواتها في المبتدأ والخبر اللذين هما بمعنى الحديث، إعمالهم " كان " وأخواتها في الجملة، وإنما (كان) أصلها أن ترفع فاعلا

стр. 240

واحداً نحو: " كان الأمر "، أي: حدث، فلما خلعوا منها معنى الحدث ولم يبق فيها إلا معنى الزمان، ثم أرادوا أن يخبروا بها عن الحدث الذي هو (زيد قائم) أي: إن زمان هذا الحديث ماض أو مستقبل - أعملوها في الجملة ليظهر تشبثها بها ولا يتوهم انقطاعها عنها، لأن الجملة قائمة بنفسها. و" كان " كلمة قد يوقف عليها أو تكون خبراً عما قبلها، فكان عملها في الجملة دليلًا على تشبثها بها، وأنها خبرٌ عن هذا الحديث، ولم تكن لتنصب الاثنين لأن أصلها أن ترفع ما بعدها، ولم تكن لترفعهما معا فلا يظهر عملها، فلذلك رفعت أحدهما ونصبت الآخر. نعم، ومنهم من يقول: " كان زيد قائم "، فيجعل الحديث هو الفاعل بكان، فيكون معمولها معنوياً لا لفظياً، كأنك قلت كان هذا الحديث. وإن أضمرت الأمر والشأن ودلت عليه قرينة حال فالمسألة على حالها، لأن الجملة، حينئذ بدل من ذلك المضمر لأنها في معنى الحديث، وذلك الحديث هو الأمر المضمر، فهذا بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. ونظير هذا المعمول المعنوي الذي هو الحديث، معمول (علمت) و (ظننت) إذا ألغيت نحو: " زيد ظننت قائم "، كأنك قلت: ظننت هذا الحديث، فلم تعملها لفظا إنما أعملتها معنى. ومن هذا الباب إعمالهم " إن " وأخواتها، وإنما دخلت لمعان في الجملة والحديث، إلا أنها كلمات يصح الوقف عليهن، لأن حروفهن ثلاثة فصاعداً، ألا ترى إلى قوله: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ

стр. 241

وقال الآخر: ليث شعري. . وأين مني ليت؟ . . .. وقال حبيب: . . . . . . . . . . . . . . . . عسى وطن يدنوا بهم ولعلما وإذا كان هذا حكمها فلو رفع ما بعدها بالابتداء على الأصل، لم يظهر تشبثها بالحديث الذي دخلت لمعنى فيه، فكان إعمالها في الاسم المبتدأ إظهاراً لتشبثها بالجملة وكيلا يتوهم انقطاعها عنها، وكان عملها نصباً لأن المعاني التي تضمنتها لو لفظ بها لنصبت نحو: التوكيد والترجي والتنمي، فإنها معان في نفس المتكلم تقديرها: أؤكد وأتمنى، وليست هذه المعاني مضافة إلى الاسم المخبر عنه، فإن (زيداً) من قوله: (إِن زيداً) ، و (ليت زيداً) لم يؤكد شيئا ولا تمناه، ولكن الحديث هو المؤكد أو المتمني، فكان عملها نصباً بهذا، وبقي الاسم الآخر مرفوعاً لم يعمل فيه، حيث لم تقل أفعالاً كعلمت وظننت فتعمل في الجملة كلها، وإنما أرادوا إظهار تشبثها بالجملة فاكتفوا بتأثيرها في الاسم الأول، يدلك على أنها لم تعمل في الاسم الثاني أنه لا يليها، لأنه لا يلي العامل ما عمل فيه غيره، فلو عملت فيه لوليها، كما يلي (كان) خبرها، ويلي الفعل مفعوله. نعم، ومن العرب من أعملها في الاسمين جميعاً، وهو قوي في القياس،

стр. 242

لأنها دخلت لمعانٍ في الجملة فليس أحد الاسمين أولى بأن يعمل فيه من الآخر. قال الراجز: إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَرُوزا ... تأكلُ كلَّ ليلةٍ قَفيزا واعلم أن معاني هذه الحروف لا تعمل في حال ولا ظرف، ولا يتعلق بها مجرور، لأنها في نفس المتكلم كالاستفهام والنفي وسائر المعاني التي جعلت الحروف أمارات لها وليس لها وجود في اللفظ، فإذا قلت: هل زيد فائم؟ فمعناه: استفهم عن هذا الحديث. وكذلك " لا " معناها أن الحديث نفي، وكذلك " ليس معناها انتفاء الحديث. وكذلك حين أرادوا إظهار تشبثها بالجملة لم ينصبوا بها الاسم الأول، كما نصبوا بأن، حيث لم يكن معناها يقتضي نصباً إذا لفظ به، كما يقتضي معنى (إن) و (لعل) إذا لفظ به. وأما (كأنَّ) فمفارقة لأخواتها من وجه، وهي أنها تدل على التشبيه، وهو معنى في نفس المتكلم واقع على الاسم الذي بعدها فكأنك تخبر عن الاسم بعدها أنه مشبه غيره، فصار معنى التشبيه مسنداً إلى الاسم بعدها، كما أن معاني الأفعال مسندة إلى الأسماء بعدها، فمن ثَمَّ عملت في الحال والظرف، تقول: " كأن زيداً يوم الجمعة أمير "، فيعمل التشبيه في القول، ومن ذلك قوله: كأنَّه خارِجٌ من جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّوْدُ شَرْبٍ نَسُوْهُ عند مُفْتَأَدِ ومن ثم وفعت في موضع الحال والنعت، كما تقع الأفعال المخبر بها عن الأسماء، تقول: " مررت برجل كأنه أسد "، و: " جاءني رجل كأنه أمير "، وليس ذلك في أخواتها لا تكون في موضع نعت ولا في موضع حال، بل لها صدر الكلام كما لحروف الشرط والاستفهام لأنها داخلة لمعان في الجمل فانقطعت مما قبلها، وإنما

стр. 243

كانت " كأن " مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه، من حيث كانت مركبة من " كاف " التشبيه، و " أن " التي للتوكيد، فكان أصلها: " إن زيداً الأسد "، أي: مثل الأسد، ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكد إن، لتؤذن أن الحديث مشبه به. وحكم " إن " إذا دخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها، فصار اللفظ: (كأن زيداً الأسد "، فلما في كلمة من التشبيه المخبر به عن " زيد "، صار " زيد " بمنزلة من أخبر عنه بالفعل، فوقع موقع النعت والحال، وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات ومن حيث كان في الكلمة وعني إن دخلت في هذا الباب، ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: " كأن زيداً يقوم ". والجملة نحو: " كأن زيداً أبوه أمير ". ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا، لأن الاسم لا يشبه بفعل ولا بجملة، ولكنه حديث مؤكد بإن، والكاف تدل على أن خبراً أشبه من هذا الخبر، وذلك الخبر الذي شبه بهذا الخبر هو الذي دل عليه " زيد "، فكان المعنى: زيد قائم وكأنه قاعد. و" زيد أبوه وضيع وكأن أبوه أمير "، فشبهت حديثا بحديث، والذي يؤكد الحديث " أن " والذي يدل على التشبيه " الكاف "، فلم يكن بد من اجتماعهما. * * * فصل وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها لفظا أو معنى. أما اللفظ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد، وهذه الحروف عوامل. وأما المعنى فلا تقول: " سرني زيد قائم "، أي: سرني هذا الحديث. ولا " كرهت زيد قائم " أي: كرهت هذا الحديث، كما يكون ذلك في كان وليس لأن كان ليست بفعل محض فجاز أن تقول: " كأن زيد قائم ". أي: كأن هذا الحدبث، ولم يجز في " سرني " ولا " بلغني ". فإن أدخلت " ليت " أو " لعل " أو " إن " المكسورة لم يجز أيضا، لأن هذه المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع قبلها فعل معمل ولا ملغى.

стр. 244

فإن جئت بـ " أن " المفتوحة قلت: " بلغني أن زيداً منطلقاً، فأعملت الفعل في معمول معنوي، وهو الحديث، لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى. وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه " أن "، ولا بد له من معمول فيه، فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث، حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه " أن ". وكذلك: " كرهت أن زيداً منطلق "، المفعول وهو الحديث، وهو معنى لا لفظ. فإن قيل: وهلَّا كان لأن صدر الكلام كما كان لليت ولعل ولجميع الحروف الداخلة على الجمل؟. قلنا: ليس في " أن " معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد، وتوكيد الشيء هو بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه، فصح أن يكون الحديث المؤكد بها معمولاً لما قبلها، حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها، فتسلط العامل الذي قبلها على الحديث، ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه عنه كما كان ذلك في غيرها. فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعاراً بتجريد المعنى الذي هو التأكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها. فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى، إلا أنهم إذا أرادواً توطئة الجملة لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وأن يصيروها في معنى الحديث. فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة ليؤذنوا بالابتداء والانقطاع عما قبل، وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني، وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره. وكان الكسر بهذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفعل، والثقل أولى ما يعتمد عليه ويصدر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد الكلام لخفته، وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجمامه، مع أن المفتوحة قد تلي الضم والكسر من قولك: لأنك، وبأنك، وعلمت أنك، فلو كسرت لتوالي الثقل. فإن قيل: فما المانع من أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدأ، كما كانت

стр. 245

فى موضع الفاعل والمفعول والمجرور؟ أليس قد صيرت في الجملة في معنى الحديث فلم لا تقول " أنك منطلق معجب لي "، وما الفرق بينها وبين أن التي هي وما بعدها في تأويل الاسم نحو: " أن يقوم زيد خير من أن يجلس "، فلم تكون تلك في موضع المبتدأ، ولا تكون هذه كذلك؟. والجواب: أن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي، والعامل المعنوي لولا أثره في المعمول اللفظي لما عقل، وهذه الجملة المؤكدة بأن إنما يصح أن تكون معمولا لعامل لفظي، لأن العامل معنى والمعمول معنى أيضاً، وهذا لا يفهمه المخاطب ولا يصل إلى علمه إلا بوحي، فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة في موضع المبتدا لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثم لم تدخل عليها عوامل الابتداء من " كان " وأخواتها و " إن " وأخواتها، لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة عن حرف يصير الجملة في معنى الحديث المعمول فيه، فلا تقول: " كان أنك منطلق "، لا حاجة إلى " أن " مع عمل هذه الحروف في الجملة. وجواب آخر، وهو أنهم لو جعلوها في موضع المبتدأ لم يسبق إلى الذهن إلا الاعتماد على مجرد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها، فكأنك تكسر همزتها. وقد تقدم أن الكسر إشعار بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو التوكيد، فلم يتصور فتحها في الابتداء إلا بتقدم عامل لفظي يدل على المراد بفتحها، لأن العامل اللفظي يطلب معموله، فإن وجده لفظا فهذا غير ممنوع منه، وإلا تسلط على المعنى، والابتداء بخلاف هذا. فإن قيل: فلم قالوا: " علمت أن زيداً قائم " و" ظننت أنك ذاهب "، هلا اكتفوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث، كما اكتفوا في باب (كان) و (أن) ؟. والجواب: أن الفرق بينهما أن هذه أفعال تدل على الحدث والزمان، وليست بمنزلة (ليس) و (كان) ، ولا بمنزلة (إن) و (ليت) ، فأجريت مجرى (كرهت) و (أحببت) .

стр. 246

فلذلك فالوا: علمت أنك منطلق، كما قالوا: أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف كرهت وأحببت وسائر الأفعال، لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به، فمن ثم قالوا: علمت زيداً منطلقاً وزيد - عملت - منطلق،، ولم يقولوا: " كرهت زيداً أخاك، لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما متعلقها الأسماء، إلا أن تمنعها " أن " من العمل في الأسماء، فتصير متعلقة بالحديث، فافهمه. * * * فصل إن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك: لو أنك ذاهب فعلت، لا سيما و (لو) لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فعل ههنا؟ فما موضع (أن) وما بعدها؟. فالجواب: أن " أن " في معنى التوكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به (لو) ، حتى كأنه فعل وليها، ثم عملت ذلك المعنى في الحديث كأنك قلت: " لو ثبت أنك منطلق "، فصارت كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ، ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث. فإن قيل: ألم يتقدم أن لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟. قلنا: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي، فأما ههنا فلو لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له، تقوم مقام اللفظ بالعمل الذي هو التحقيق والتثبيت الذي دلت عليه " أن " بمعناها. ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع (لو) من قولك " لولا زيد " عمل الفعل، فصار زيد فاعلاً بذلك المعنى حتى كأنك قلت: لو انعدم زيد، أو: غاب زيد، ما كان كذا وكذا. ولولا مقارنة (لو) لهذا الحرف لما جاز هذا، لأن الحروف لا تعمل في الأسماء معانيها أصلاً، فالعامل في هذا الاسم الذي بعد (لولا) كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك: " لو أنك ذاهب لفعلت كذا ".

стр. 247

وأما اختصاص " لا " بالتركيب معها في باب " لولا زيد ذاهب لفعلت كذا ". فلأن " لا " قد تكون منفردة تغني عن الفعل، إذ قيل لك: هل قام زيد؟ فتقول: لا. فقد أخبرت عنه بالقعود. وإذا قيل لك: هل قعد؟ فقلت: لا. فكأنك مخبر بالقيام. وليس شيء من حروف النفي يكتفى به في الجواب حئى يكون بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف، فمن ثم صلح الاعتماد عليه في هذا الباب، وساغ تركيبه مع حروف لا تطلب إلا الفعل، فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل، وصار " زيد " بعدها بمنزلة الفاعل. ولذلك قال سيبويه: " إنه " مبني على " لولا ". وهذا هو الحق، لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف، لا يظهر، وخامل لا يذكر. * * * مسألة (أعلمت زيداً عمراً قائما) زكر سيبويه أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول. وتأول أصحابه قوله، قالوا: " لا يجوز: لا يحسن، لأن المعمول الأول هو الفاعل في المعنى، والفاعل يجوز الاقتصار عليه فتقول: علم زيد. وإنما الذي لا يجوز الاقتصار عليه المفعول الثاني الذي هو الأول قبل النقل. وعندي أن كلام سيبويه محمول على الظاهر، لأنك لا تريد بقولك: " أعلمت زيداً " أي: جعلته عالماً على الإطلاق، وهذا محال، إنما تريد: أعلمته بهذا - الحديث، فلاِ بد إذاً من ذكر الحديث الذي أعلمته به. فإن قيل: فهل يجوز: " أظننت زيداً عمراً قائما "، كما تقول: أعلمت؟ .

стр. 248

قلنا: الصحيح امتناعه، لأن الظن إن كان بعد علم - والعلم ضروري - فمحال أن يرجع ظنا، وإن كان العلم نظرياً لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان أو الذهول عن ركن من أركان النظر. وهذا ليس من فعلك أنت به، فلا تقول: " أظننته " بعد أن كان عالما. وإن كان قبل الظن شاكاً أو جاهلاً أو غافلاً فلا يتصور أيضاً أن تقول: " أظننته "، لأن الظن لا يكون عن دليل يوفقه عليه أو خبر صادق يخبر به كما يكون العلم. لأن الدليل لا يقتضى ظنا ولا يقتضيه أيضاً شبهة كما بينه أصحاب الأصول. فثبت أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئاً من أسبابه، فلم يجز: " أظننته " أي: جعلته ظاناً، وكذلك يمتنع: " أشككته " من الشك، أي: جعلته شاكاً ولكنهم قد يقولون " شككته "، إذا حدثته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك. فلذلك جاء على وزن " حدثته ". والله أعلم. * * * مسألة وقوله: " وفعل يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر ". أصل هذا الفصل أن كل فعل يقتضي مفعولاً ويطلبه، فلا يصل إلى ما بعده إلا بحرف الجر، ثم قد يحذف المفعول لعلم السامع به ويبقى المجرور. وربما تضمن الفعل معنى فعل آخر متعد بغير حرف، فيسقط حرف الجر من أجله، وربما كان الفعل يتعدى بغير حرف وفي ضمن الكلام ما يطلب الحرف، فيدخل الحرف من أجله، فالأول نحو: " نصحت لزيد ". و" شكرت له "، و " كلت له ": المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى ما بعده بحرف، لأن " نصحت " مأخوذ من قولك: نصح الخائط الثوب: إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: " نصحت له رأيه ". والتوبة النصوح إنما هي لما تمزق من الدين كنصح الثوب، ولكنهم يقولون: نصحت زيداً، فيسقطون الحرف، لأن النصيحة متضمنة للإرشاد، فكأنهم قالوا: أرشدت زيداً. وكذلك " شكرت " إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له، من " شكر بطنه ": إذا امتلأت،

стр. 249

فالأصل: " شكرت لزيد فعله "، ثم قد يحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد، ثم يحذف الحرف لأن " شكرت " متضمنة لحمدت أو مدحت، لأن من شكر فعلاً للرجل فقد حمده، أو مدحه. وأما " كلت لزيد "، ووزنت له فمفعولها غير " زيد "، لأن مطلوبهما ما يكال أو بوزن فالأصل دخول اللام، ثم قد يحذف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمعاوضة إلا مع حرف اللام، فإن قلت: كلت لزيد، أخبرت بكيل الطعام خاصة، وإذا قلت: " كلت زيداً " فقد أخبرت بمعاملة ومبايعة مع الكيل، كأنك قلت: بايعت زيداً بالكيل والوزن. قال الله : (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي: بايعوهم كيلاً ووزناً. وأما قوله: (اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) ، فإنما دخلت " على " لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري، ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زاد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاحتراز إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والبائع، ولهذا قال سبحانه: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) يعني من الحسئات، (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، يعني من السيئات، لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان، والحسنة تنال بهبة من الله - تعالى - من غير واسطة شهوة ولا إغواء عدو، فهذا الفرق بينهما. وأما قولهم: " سمع الله لمن حمده "، فمفعول (سمع) محذوف، لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون ما عداها، فاللام على بابها، إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على المعنى الزائد وهو الاستجابة لمن حمده. وهذا مثل توله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) . ليست " اللام " لام المفعول - كما زعموا - ولا هي زائدة، ولكن ردف فعل متعمد ومفعولها غير هذا الاسم، كما كان مفعول " سمع " غير الاسم المجرور، ومعنى ردف: تبع وجاء على

стр. 250

الأثر، فلو حملته على الاسم المجرور، لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى: ردف لكم استعجالكم وقولكم، لأنهم قالوا: (متى هذا الوعد) ، ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال، اتكالاً على فعل السامع، ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولاً، وآذنت أيضاً بفائدة أخرى وهي معنى " عجل لكم "، فهي متعلقة بهذا المعنى. فصار معنى الكلام: قل: عسى أن يكون عجل لكم " بعض الذي تستعجلون، فردف قولكم واستعجالكم فدلت ردف على أنهم قالوا: واستعجلوا، ودلت اللام على المعنى الآخر، فانتظم ْالكلام أحسن نظام واجتمع الإيجاز مع التمام. ومما يتصل بهذا الفصل: " قرأت الكتاب واللوح ونحوهما "، فإنها متعدية بغير حرف، وأما قرأت بأم القرآن و " قرأت بسورة كذا "، فإنما يكون إذا أرددت هذا المعنى، ولا بد من حذفها إذا لم ترده. وأما (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، فالباء متغلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر بالاكتفاء لأنك إذا قلت: " كفى الله " أو: " كفاك زيد "، فإنما تريد أن يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت الباء لهذا، فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هي كقولك: حسبك بزيد، ألا ترى أن حسبك مبتدأ وله خبر، ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول: " حسبك ينم الناس "، فينم جزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام. حكى هذا سيبويه عن العرب. * * * مسألة من باب ما تتعدى إليه الأفعال المتعدية وغير المتعدية . وهي تعدي الفعل إِلى المصدر وتعديه إليه على ثلاثة أنحاء، على أن يكون المصدر مفعولًا مطلقا، أو توكيداً، أو حالاً، قال سيبويه: " وإنما تذكرة لتبيين أي فعل فعلت، أو توكيداً ". وأما الحال فنحو: مشيت مشياً، وأنت تريد ماشياً، فقد تقول: مشيت ماشياً،
следующие страницы →