← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 613

نتائج الفكر في النحو

السهيلي

Полный текст (315 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فلذلك فالوا: علمت أنك منطلق، كما قالوا: أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف كرهت وأحببت وسائر الأفعال، لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به، فمن ثم قالوا: علمت زيداً منطلقاً وزيد - عملت - منطلق،، ولم يقولوا: " كرهت زيداً أخاك، لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما متعلقها الأسماء، إلا أن تمنعها " أن " من العمل في الأسماء، فتصير متعلقة بالحديث، فافهمه. * * * فصل إن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك: لو أنك ذاهب فعلت، لا سيما و (لو) لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فعل ههنا؟ فما موضع (أن) وما بعدها؟. فالجواب: أن " أن " في معنى التوكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به (لو) ، حتى كأنه فعل وليها، ثم عملت ذلك المعنى في الحديث كأنك قلت: " لو ثبت أنك منطلق "، فصارت كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ، ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث. فإن قيل: ألم يتقدم أن لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟. قلنا: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي، فأما ههنا فلو لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له، تقوم مقام اللفظ بالعمل الذي هو التحقيق والتثبيت الذي دلت عليه " أن " بمعناها. ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع (لو) من قولك " لولا زيد " عمل الفعل، فصار زيد فاعلاً بذلك المعنى حتى كأنك قلت: لو انعدم زيد، أو: غاب زيد، ما كان كذا وكذا. ولولا مقارنة (لو) لهذا الحرف لما جاز هذا، لأن الحروف لا تعمل في الأسماء معانيها أصلاً، فالعامل في هذا الاسم الذي بعد (لولا) كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك: " لو أنك ذاهب لفعلت كذا ".

стр. 247

وأما اختصاص " لا " بالتركيب معها في باب " لولا زيد ذاهب لفعلت كذا ". فلأن " لا " قد تكون منفردة تغني عن الفعل، إذ قيل لك: هل قام زيد؟ فتقول: لا. فقد أخبرت عنه بالقعود. وإذا قيل لك: هل قعد؟ فقلت: لا. فكأنك مخبر بالقيام. وليس شيء من حروف النفي يكتفى به في الجواب حئى يكون بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف، فمن ثم صلح الاعتماد عليه في هذا الباب، وساغ تركيبه مع حروف لا تطلب إلا الفعل، فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل، وصار " زيد " بعدها بمنزلة الفاعل. ولذلك قال سيبويه: " إنه " مبني على " لولا ". وهذا هو الحق، لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف، لا يظهر، وخامل لا يذكر. * * * مسألة (أعلمت زيداً عمراً قائما) زكر سيبويه أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول. وتأول أصحابه قوله، قالوا: " لا يجوز: لا يحسن، لأن المعمول الأول هو الفاعل في المعنى، والفاعل يجوز الاقتصار عليه فتقول: علم زيد. وإنما الذي لا يجوز الاقتصار عليه المفعول الثاني الذي هو الأول قبل النقل. وعندي أن كلام سيبويه محمول على الظاهر، لأنك لا تريد بقولك: " أعلمت زيداً " أي: جعلته عالماً على الإطلاق، وهذا محال، إنما تريد: أعلمته بهذا - الحديث، فلاِ بد إذاً من ذكر الحديث الذي أعلمته به. فإن قيل: فهل يجوز: " أظننت زيداً عمراً قائما "، كما تقول: أعلمت؟ .

стр. 248

قلنا: الصحيح امتناعه، لأن الظن إن كان بعد علم - والعلم ضروري - فمحال أن يرجع ظنا، وإن كان العلم نظرياً لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان أو الذهول عن ركن من أركان النظر. وهذا ليس من فعلك أنت به، فلا تقول: " أظننته " بعد أن كان عالما. وإن كان قبل الظن شاكاً أو جاهلاً أو غافلاً فلا يتصور أيضاً أن تقول: " أظننته "، لأن الظن لا يكون عن دليل يوفقه عليه أو خبر صادق يخبر به كما يكون العلم. لأن الدليل لا يقتضى ظنا ولا يقتضيه أيضاً شبهة كما بينه أصحاب الأصول. فثبت أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئاً من أسبابه، فلم يجز: " أظننته " أي: جعلته ظاناً، وكذلك يمتنع: " أشككته " من الشك، أي: جعلته شاكاً ولكنهم قد يقولون " شككته "، إذا حدثته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك. فلذلك جاء على وزن " حدثته ". والله أعلم. * * * مسألة وقوله: " وفعل يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر ". أصل هذا الفصل أن كل فعل يقتضي مفعولاً ويطلبه، فلا يصل إلى ما بعده إلا بحرف الجر، ثم قد يحذف المفعول لعلم السامع به ويبقى المجرور. وربما تضمن الفعل معنى فعل آخر متعد بغير حرف، فيسقط حرف الجر من أجله، وربما كان الفعل يتعدى بغير حرف وفي ضمن الكلام ما يطلب الحرف، فيدخل الحرف من أجله، فالأول نحو: " نصحت لزيد ". و" شكرت له "، و " كلت له ": المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى ما بعده بحرف، لأن " نصحت " مأخوذ من قولك: نصح الخائط الثوب: إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: " نصحت له رأيه ". والتوبة النصوح إنما هي لما تمزق من الدين كنصح الثوب، ولكنهم يقولون: نصحت زيداً، فيسقطون الحرف، لأن النصيحة متضمنة للإرشاد، فكأنهم قالوا: أرشدت زيداً. وكذلك " شكرت " إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له، من " شكر بطنه ": إذا امتلأت،

стр. 249

فالأصل: " شكرت لزيد فعله "، ثم قد يحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد، ثم يحذف الحرف لأن " شكرت " متضمنة لحمدت أو مدحت، لأن من شكر فعلاً للرجل فقد حمده، أو مدحه. وأما " كلت لزيد "، ووزنت له فمفعولها غير " زيد "، لأن مطلوبهما ما يكال أو بوزن فالأصل دخول اللام، ثم قد يحذف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمعاوضة إلا مع حرف اللام، فإن قلت: كلت لزيد، أخبرت بكيل الطعام خاصة، وإذا قلت: " كلت زيداً " فقد أخبرت بمعاملة ومبايعة مع الكيل، كأنك قلت: بايعت زيداً بالكيل والوزن. قال الله : (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي: بايعوهم كيلاً ووزناً. وأما قوله: (اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) ، فإنما دخلت " على " لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري، ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زاد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاحتراز إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والبائع، ولهذا قال سبحانه: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) يعني من الحسئات، (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، يعني من السيئات، لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان، والحسنة تنال بهبة من الله - تعالى - من غير واسطة شهوة ولا إغواء عدو، فهذا الفرق بينهما. وأما قولهم: " سمع الله لمن حمده "، فمفعول (سمع) محذوف، لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون ما عداها، فاللام على بابها، إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على المعنى الزائد وهو الاستجابة لمن حمده. وهذا مثل توله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) . ليست " اللام " لام المفعول - كما زعموا - ولا هي زائدة، ولكن ردف فعل متعمد ومفعولها غير هذا الاسم، كما كان مفعول " سمع " غير الاسم المجرور، ومعنى ردف: تبع وجاء على

стр. 250

الأثر، فلو حملته على الاسم المجرور، لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى: ردف لكم استعجالكم وقولكم، لأنهم قالوا: (متى هذا الوعد) ، ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال، اتكالاً على فعل السامع، ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولاً، وآذنت أيضاً بفائدة أخرى وهي معنى " عجل لكم "، فهي متعلقة بهذا المعنى. فصار معنى الكلام: قل: عسى أن يكون عجل لكم " بعض الذي تستعجلون، فردف قولكم واستعجالكم فدلت ردف على أنهم قالوا: واستعجلوا، ودلت اللام على المعنى الآخر، فانتظم ْالكلام أحسن نظام واجتمع الإيجاز مع التمام. ومما يتصل بهذا الفصل: " قرأت الكتاب واللوح ونحوهما "، فإنها متعدية بغير حرف، وأما قرأت بأم القرآن و " قرأت بسورة كذا "، فإنما يكون إذا أرددت هذا المعنى، ولا بد من حذفها إذا لم ترده. وأما (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، فالباء متغلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر بالاكتفاء لأنك إذا قلت: " كفى الله " أو: " كفاك زيد "، فإنما تريد أن يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت الباء لهذا، فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هي كقولك: حسبك بزيد، ألا ترى أن حسبك مبتدأ وله خبر، ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول: " حسبك ينم الناس "، فينم جزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام. حكى هذا سيبويه عن العرب. * * * مسألة من باب ما تتعدى إليه الأفعال المتعدية وغير المتعدية . وهي تعدي الفعل إِلى المصدر وتعديه إليه على ثلاثة أنحاء، على أن يكون المصدر مفعولًا مطلقا، أو توكيداً، أو حالاً، قال سيبويه: " وإنما تذكرة لتبيين أي فعل فعلت، أو توكيداً ". وأما الحال فنحو: مشيت مشياً، وأنت تريد ماشياً، فقد تقول: مشيت ماشياً،

стр. 251

وقعدت قاعداً، يجعلها حالاً مؤكدة. وعلى وجه أقرب من هذا وهو أن تريد نعت المصدر نحو قوله: مشيت مشياً شديداً أو مشيت مشياً، تريد: مشيا ما، فيكون مثل قوله: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) ، وهي الحال الموطأة، لأن الصفة وطأت الاسم الجامد أن يكون حالاً، فإن حذفت الاسم وبقيت الصفة وحدها لم يكن في الحال إشكال. ويبين ما قلناه نحوه: سرت شديداً، وهي أيضاً حال من المصدر الذي دل عليه الفعل، فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال. ويجوز تقديمه وتأخيره إذا كان مفعولاً مطلقا أو حالاً، ولا يجوز تقديمه على الفعل إذا كان توكيداً له، لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد. والعامل فيه إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه، والعامل فيه إذا كان مفعولاً مطلقا ليس هو لفظ الفعل بنفسه، وإنما هوما يتضمنه من معنى فعل - الذي هو: فاء

стр. 252

وعين ولام - لأنك إذا قلت: - ضربت ضرباً، فالضرب ليس بمضروب، ولكنك حين قلت: ضربت تضمن ضربت معنى قلت لأن كل ضرب فعل، وليس كل فعل ضرباً. فصار هذا بمنزلة تضمن الإنسان والحيوان، إذ كل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنساناً. وإذا كان الأمر هنا كذلك، فضرباً منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت. حتى كأنك قلت: فعلت ضرباً. ولا يكون المصدر مفعولاً مطلقاً حتى يكون منعوتا أو في حكم المنعوت. وإنما يكون توكيداً للفعل لأن الفعل يدل عليه دلالة مطلقة ولا يدل علمِه محدداً ولا منعوتا. وقد يكون مفعولاً مطلقاً وليس له نعت في اللفظ إذا كان في حكم المنعوت، كأنك تريد: ضربا ما، فلا يكون حينئذ توكيداً، إذ لا يؤكد الشيء بما فيه معنى زائد على معناه، لأن التوكيد تكرار محض. وقد احتج القتبي على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى ﵇ مجاز، بقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ، فأكد الفعل بالمصدر، ولا يصح المجاز مع التوكيد. فذاكرت بقوله هذا شيخنا أبا الحسين - رحمه الله تعالى - فقال: هذا حسن لولا أن سيبويه قد أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولًا مطلقا، وإن لم يكن منعوتا في اللفظ فيحتمل على هذا أن يريد، تكليماً ما، فلا يكون في الآية حجة قاطعة. والحجاج عليهم كثيرة لا يحتاج معها إلى الاحتجاج بالمحتملات. وقد سألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيداً للفعل، والتوكيد لا يعمل فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى، فما العامل فيه؟ فسكت قليلاً ثم قال: ما سألني عنه أحد قبلك! فأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسماً، لأنه لوكان اسماً كان منصوبا بفعلت المتضمنة فيه. ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب، فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه

стр. 253

سيبويه في باب المصادر، بل صرح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوباً بفعل هو التوكيد على الحقيقة، واختزل ذلك الفعل، وسد المصدر الذي هو معموله مسده، كما سدت (إياك) و (رويداً) مسد العامل فيهما، فصار التقدير: ضربت ضرباً، فضربت الثانية هي توكيد على الحقيقة، وقد سد ضربا مسدها، وهو معمولها، وإنما يقدر عليها فيه أنه مفعول مطلق لا توكيد. هذا معنى فول صاحب الكتاب مع زيادة في الشرح. ومن تأمله هناك وجده كذلك. والذي أقول به الآن قول الشيخ أبي الحسين، لأن الفعل المختزل معنى. والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكد بالألفاظ، وقولك ضربت فعل مشتق من المصدر، فهو يدل عليه، فكأنك قلت: فعلت الضرب. فضربت يتضمن الضرب المفعول ولذلك تضمره فتقول: من كذب فهو شر له، أي: فالكذب شر له وتقيده بالحال فتقول: قمنا سريعا، فسريعا حال من القيام، فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكتني عنه بـ هو، جاز أيضاً أن تؤكده بـ (ضرباً) ، كان قلت: ضرباً ضربا ونصب ضرباً الأول ضربا وبه يعمل في الثاني معنى فعلت، كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت: ضربت ضرباً شديداً، أي: فعلت ضرباً شديداً ليس المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ينتصب زيداً الثاني في قولك: ضربت زيداً زيداً مكرراً، انتصب من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرت له فعلاً، فتأمله. * * * مسألة (فيما بؤكد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكد) قد أشرنا إلى أن الفعل قسمان: خاص وعام، فالعام منه نحو: فعلت وعملت وصنعت، وأعمها كلها فعلت، لأن عملت عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة مع دؤب، ولذلك جاء على وزن فعل كـ تعب ونصب ومن ثم لم تجدها يخبر بها عن الله إلا أن يرد بها سمع فيحمل على المجاز المحض، ويلتمس له التأويل.

стр. 254

وإذا ثبت هذا ففعلت وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة لا تؤكد بمصدر، لأنها في الأفعال بمنزلة شي وجسم في الأسماء، لا يؤكد لأنه لم تثبت حقيقته عند المخاطب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع به الفائدة منه إلى توكيد فعلت، فلو قلت له: فعلت فعلت، وأكدته بغاية ما يمكن التوكيد، ما كان الكلام إلا غير مفيد وكذلك لو قلت: فعلت فعلاً، على التوكيد، لأن المصدر الذي كنت تؤكد به - لو أكدت - قياسه أن يكون مفتوح الفاء، لأنه ثلاثي، والمصدر الثلاثي قياسه أن يكون على هذا الوزن مفتوح الفاء، كما أن فعله مفتوح الفاء. فإذا ثبت هذا فلا يقع بعد فعلت إلا مفعول مطلق، إما من لفظها فيكون عاما نحو: فعلت فعلاً حسناً، ومن ثم جاء مكسور الفاء لأنه كالطحن والذبح، أي: إنه ليس بمصدر اشتق منه الفعل، بل هومشتق من فعلت. وإما أن يكون خاصا نحو: فعلت ضرباً، فضربا أيضاً مفعول مطلق من غير لفظ فعل فصار فعلت فعلاً كطحنت طحناً وفعلت ضربا كطحنت دقيقاً. فإن قيل: ألم يجيزوا في ضربت ضربا وقتلت قتلاً أن يكون مفعولاً مطلقا. فلم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولاً مطلقا، ومفتوحاً إذا كان مصدراً مؤكداً؟ قلنا: حدث حديثين امرأة! ، ألم يقدم في أول الفصل أنه لا يعمل في ضرباً إذا كان مفعولاً مطلقا إلا معنى فعلت، لا لفظ، ضربت، فلو عمل فيه لفظ ضربت لقلت: ضربت ضربا، مكسور الأول، مثل: طحنت طحناً، ولكن هذا محال، لأن الضرب لا يضرب، ولكن إذا اشتققت له اسماً من فعلت الئي هي عاملة فيه على الحقيقة فقلت: هو فعل. وإن اشتققت له اسماً من ضربت التي لا يعمل لفظها فيه، لم يجز أن تجعله كالطحن والذبح، لأن الاسم القابل لصورة الفعل إنما يشتق لفظه من لفظ ما عمل فيه، فثبت من هذا كله أن فعلت وعملت استغني بمفعولها المطلق عن مصدرها، لأنها لا تتعدى إلا إلى حدث، وذلك الحدث مشتق له اسم من لفظها، فيجتمع اللفظ والمعنى ويكون أفيد عند المخاطب من المصدر الذي اشتق منه الفعل، ولذلك لم يقولوا: صنعت صنعاً بفتح الصاد، ولا: عملت عملاً، بسكون الميم، مثل:

стр. 255

حمدت حمداً. ولا: فعلت فعلاً، بفتح الفاء، استغناء عن المصادر بالمفعولات المطلقة، لأن العمل مثل: القنص والقبض، والصنع مثل: الدهن والخبز، والفعل مثل الطحن، فكلها بمعنى المفعول لا بمعنى المصدر الذي اشتق منه الفعل. وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يخبر بها عن خالق الجواهر والأجسام وفاعلها في الحقيقة. وإنما يتعدى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة نحو: ضربت زيداً. ولذلك تقول: زيد مضروب على الإطلاق. وإن اشتققت له من لفظ فعلت لقلت: مفعول به، أي فعل به ضرب ولم يفعل هو. وأما حلمت في النوم حلماً، فإن حلمت في المنام بمنزلة فعلت وصنعت في اليقظة، لأن جميع أفعال النوم يشتمل عليها حلمت وكأن جميع أفعال اليقظة يشتمل عليها فعلت، فمن ثم لم يقولوا: حلمت حلماً على الأصل، لأن حلمت مغنية عن المصدر، كما كانت فعلت مغنية عنه، وإنما مطلوب المخاطب معرفة المحلوم والمفعول، فلذلك قالوا: حلماً، ولذلك جمعوه على أحلام وحلوم، لأن الأسماء هي التي تجمع وتثنى، وأما الفعل، أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر فلا تجمع ولا تثنى. وقولهم: إنما جمعت الحلوم والأشغال لاختلاف الأنواع. بل يقال لهم: وهل اختلف الأنواع إلا من حيث كانت بمثابة الأسماء المفعولة؟ ألا ترى أن الشغل على وزن فعل كالدهن، فهو عبارة عما يشتغل المرء به، فهو اسم مشتق من الفعل وليس الفعل مشتقاً منه، إنما هو مشتق من الشغل، والشغل هوالمصدر، كما أن الجعل والجعل كذلك. فعلى هذا ليس الأشغال والأحلام بجمع المصدر، إنما هو جمع اسم، والمصدر على الحقيقة لا يجمع، لأن المصادر وكلها جنس واحد. من حيث كانت كلها عبارة عن حركة الفاعل، والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها، ولولاهاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها، فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم، وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه، لأن اخئلاف الأنواع ليس راجعاً إليه، إنما هو راجع إلى المفعول المطلق. ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه - وهو الكفر - عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل، فهو مفعول مطلق لا مصدر

стр. 256

اشتق منه الفعل، إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب، وشكوت يتعدى باللام، التي هي لام الإضافة، لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة، وهي مضافة إلى المنعم، وكذلك المكفور لي الحقيقة هي النعمة ولكن كفرها تكذيب وجحد. فلذلك قالوا: كفر بالله، وكفر بأنعمه وشكر لزيد، وشكر له نعمته. وإذا ثبت أن الشكر من قولك: شكرت شكراً مفعول مطلق، وهو مختلف الأنواع، لأن مكافأة النعم تختلف، فجائز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل. فيحمل قوله سبحانه: (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) على أنه جمع الشكر، وكذلك: كفر كفوراً، ولا يجعل بمنزلة القعود والجلوس، لأنه متعد، ومصدر الفعل المتعدي لا يجىء على الفعول. ويزيد هذا الفصل بيانا ووضوحاً قوله: أحببت حباً، فالحب ليس بمصدر لأحببت، إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب، ولذلك جاء على وزنه مضموم الأول. ومن ثم جمع كما جمع الشغل والحلم، قال الشاعر: ثلاثَةُ أحبابٍ فَحُبُّ علاقةٍ ... وحُبُّ تِمِلاَّقٍ وحُبُّ هو القتلُ فقد انكشف لك بقولهم: " أحببت حباً " ولم يقولوا: " إحباباً " استغناء بالمفعول المطلق، الذي هو أفيد عند المخاطب من الإحباب - أن حلمت حلماً وشكرت شكراً وكفر كفراً وصنع صنعاً، كلها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول، وناصبة له نصب المفعول المطلق. وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك، لأنها أعم من أحببت إذ الشكر واقع على أشياء مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحلم. وكلما كان الفعل أعم

стр. 257

وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى، وكان فعل ويفعل، مغنياً عنه. ولولا كشف الشاعر لاختلاف أنواع الحب ما كدنا نعرف ما فيه من العموم. ولكنه لما فيه من العموم وأنه في معنى الشغل صار أحببت كشغك، وصار الحب كالشغل. ولو قال: أحباباً، لكان بمنزلة شغلت شغلاً، بفتح الشين. ولعلنا أن نستوفي مسألة أحببت في باب حبذا، إن شاء الله تعالى، ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال، نحو: الإكرام، وعلى وزن (الانفعال والافتعال، وعلى وزن التفعيل، نحو: التكبير والتضريب، إلا أن يكون محدوداً. فهذا يدلك على أنهم لا يجمعون مصدراً ألبتَّة، إلا أن يكون محدوداً فيكون كالتمرة من تمر والبرة من بر. وأما أن بجمع لاختلاف أنواع فلا اختلاف أنواع فيه، إنما اختلاف الأنواع فيما كان اسما مشتقاً من الفعل استغنى به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر، وذلك لا نجده من الثلاثي إلا على وزن فعل أو فعل ألا ترى أنهم لا يجمعون الفرق والحذر، ولا شيئا من ذلك الباب نحو: الرمد، والعمش، والبرص، والبرش، والحوص والخفش، والظمأ والعطش. فإن قيل: فقد قالوا: سقم وأسقام، والسقم مصدر يسقم، فهذا جمع لاختلاف الأنواع لا لأنه اسم كما ذكرت. قلنا: هذا غفلة أليس قد قالوا: سقم، بضم السين، فهو عبارة عن

стр. 258

الداء الذي به يسقم الإنسان، فصار كالدهن والشغل، وهو في ذاته مختلف الأنواع، فجمع. وأما المرض فقد يكون عبارة عن (السقم) والعلة، فيجمع على أمراض، وقد يكون مصدر المرض فلا يجمع. فإن قيل: تفريقك بين الأمرين دعوى، فما دليلها؟ قلنا: العرق، من قولك: عرق يعرق عرقا، لا يخفى على أحد أنه مصدر لعرق، والعرق الذي هو جسم مائع سائل من الجسد، لا يخفى على أحد أنه غير العرق الذي هو المصدر، وإن كان اللفظ واحداً، فكذلك المرض يكون عبارةً عن المصدر، وعبارة عن السقم والعلة، فعلى هذا تقول: تصبب زيد عرقاً، فيكون له إعرابان: تمييز - إذا أردت المائع - ومفعول من أجله، أو مصدر مؤكد - إذا أردت المصدر. وكذلك: دميت إصبعي دما، إذا أردت المصدر فهو الدمي، مثل العمى. فإن أردت الشيء المائع فهو دم مثل يد، وقد يسمى المائع بالمصدر. قال الشاعر: ولكن على أقدامنا تقطر الدما وقال الآخر: جَرَى الدَّميَانِ بالخبرِ اليقين

стр. 259

فصل (في الحال من المصدر وفيما ورد من المصادر على وزن فعل) ومن حيث امتنع أن يؤكد الفعل العام بالمصدر لشيوعه كامتناع النكرة من التوكيد لشيوعها، وأنها لم تثبت لها عين - فمن ثم لم يجز أن يخبر عنه كما لا يخبر عن النكرة، لا تقول: من فعل كان شراً له بخلاف: من كذب كان شراً له، لأن كذب فعل خاص فجاز الإخبار عما تضمنه من المصدر، ومن ثم لم يقولوا: فعلت سريعاً ولا: عملت طويلاً، كما تقول: سرت سريعاً، وقعدت طويلاً على الحال من المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة. فإن قلت: اجعله نعتاً للمفعول المطلق، كأنك قلت: فعلت فعلاً سريعاً وعملت عملاً كثيراً. قلنا: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط، وفد تقدمت في باب النعت، فليس قولهم: سرت سريعاً نعتاً لمصدر نكرة محذوف، إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه. ففد استقام المنسم للناظر في فصول هذه المسألة، واستتب القياس فيها من كل وجه، والحمد لله. فإن قيل: فما قولكم في علمت علماً، أليس هو مصدراً لعلمت، فلم جاء مكسور الأول كالطحن والذبح؟ قلنا: العلم يكون عبارة عن المعلوم، كما تقول: قرأت العلم، ويكون عبارة عن المصدر نفسه الذي اشتق منه علمت إلا أن ذلك المصدر مفعول لعلمت، لأنه معلوم بنفس العلم لأنك إذا علمث الشيء فقد علمت، وعلمت أنك قد علمته بعلم واحد، فقد صار العلم معلوماً بنفسه، فلذلك جاء على وزن الطحن والذبح. وليس له نظير في الكلام إلا قليل، لا أعلم فعلاً يتناول المفعول ويتناول نفسه إلا

стр. 260

العلم والكلام، لأنك تقول للمخاطب: تكلم. فيقول: قد تكلمت. فيكون صادقاً وإن لم ينطق قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ للأعرابي حين قال له يا ابن عبد المطلب -: قد أجبتك ". فكان قد أجبتك جواباً وخبراً عن الجواب، فتناول القول نفسه. وكذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . لأن قل أمر يتناول ما بعده ويتناول نفسه، فمن ثم جاء مصدر القول على القيل، كما جاء مصدر علمت على لعلم، وجاء أيضا على القال، وهو على وزن القبض لأن القول قد يكون مقولاً بنفسه. وجاء أيضا على الأصل مفتوح الأول. وأما العلم فلم يجئ إلا مكسوراً كان مصدراً أو مفعولًا، لأنه لا يكون أبداً إلا معلوما بنفسه، والقول بخلاف ذلك، قد يتناول نفسه في بعضر الكلام وقد لا يتناول إلا المقول، وهو الأغلب فيه، والله المستعان. وأما الفكر فهو كالعلم لقربه منه في معناه، ومشاركته له في محله، وليس باسم عند سيبويه، ولذلك منع من جمعه فقال: لا يجمع الفكر على أفكار، حمله على المصادر التي لا تجمع. وقد استهوى الخطباء والقصاص خلاف هذا القول. والله الموفق للصواب. وأما الذكر فبمنزلة العلم، لأنه نوع منه. * * * فصل (فيما يحدد من المصادر بالهاء، وفيه بقايا من الفصل الأول) قد تقدم أن الفعل لا يدل على مصدره إلا مطلقاً غير محدود ولا منعوت، وأنك إذا قلت: ضربت ضربة فإنما هي مفعول مطلق لا توكيد، لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد، ومن ثم لا تقول: سير زيد سريعة، تريد: سيرة سريعة، ولا: قعدت طويلةً، لأن الفعل لا يدل بلفظه على المرة الواحدة.

стр. 261

ومن ثم بطل ما أجازه (النحاس) ، وغيره من قولهم: زيد ظننتها منطلق. تريد الظنة، لأن الفعل لا يدل عليها. وإذا ثبت هذا فالتحديد في المصادر ليس يطرد في جميعها، ولكن فيما كان منها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديد غالباً، لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد فيه والجنس بهاء التأنيث نحو: تمرة وتمر، ونخلة ونخل. وكذلك نقول: ضربة وضرب. وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو: علم وحذر وفرق ووجل، وكذلك ما كان طبعا نحو: ظرف وشرف - فلا يقال في شيء من ذلك: فعلة، لا يقال: فهم فهمة، ولا: ظرف ظرفة. وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقلة نحو: طال وقصر، وكبر وصغر، وقل وكثر، لا تقول: كبرة ولا: صغرة. وأما قولهم: الكبرة، في الهرم، فعبارة عن الصفة وليست بواحدة من الكبر. وكذلك الكبرة ليست كالضربة من الضرب، لأنك لا تقول: كثر كثراً. وأما حمداً فما أحسبه يقال في تحديده: حمدة، كما تقول: مدحته مدحة. لأن حمد فعل يتضمن الثناء مع العلم بما يثني به، فإن تجرد عن العلم كان مدحاً ولم يكن حمداً، فكل حمد مدح وليس كل مدح حمداً. ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازياً لعلم، ولم يجئ كذلك مدح. فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه، ومن ثم لم نجد في لكتاب ولا في السنة: حمد ربنا فلاناً. وفد تقول: مدح الله - سبحانه - فلاناً، وأثنى على فلان. ولا تقول حمد إلا لنفسه. ولذلك قال الله - سبحانه -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالألف واللام التي للجنس. فالحمد كله له إما ملكاً وإما استحقاقاً، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له

стр. 262

وحمد بعضهم لبعض ملك له، فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحقاق وقد تعلق بغيره. فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن يسمى مسمى حمداً؟ قلنا: لا يسمى حمداً على الإطلاق إلا ما ينضمن (العلم) بالمحاسن على الكمال، وذلك معدوم في غيره سبحانه، فإذا مدح فإنه يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد، وهو أعلم بنقصانها، وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته. وقد تعدينا طورنا في الفصل فلنرجع إليه ونقول: كل ما حدد من المصادر فيجوز تثنيته وجمعته، وما لم يحدد فعلى الأصل الذي تقدم لا يثني ولا يجمع. وقولهم: إلا أن تختلف أنواعه، لا تختلف أنواعه، إلا إذا كان عبارة عن مفعول مطلق اشتق من لفظ الفعل لا عند مصدر اشتق الفعل منه، ولذلك تجده على وزن فعل بالكسر، وعلى وزن فعل نحو شغل، وعلى وزن فعل نحو عمل. والذي هو مصدر حقيقة إنما تجده على وزن فعل، نحو ضرب وقتل. وأما الشرب والشرب، فالشرب هو المصدر بالفتح والشرب عبارة عن المشروبات أو عن الحدث الذي هو مفعول مطلق في الأصل، وربما اتسع فيه فاجرى مجرى المصدر الذي اشتق الفعل منه، كما قال: (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) . فإن قيل: فإن الفهم والعقل والوهم والظن، مصادر وليست مما ذكرت، وقد جمعت فقلت: أفهام وعقول؟

стр. 263

قلنا: هذه مصادر في أصل وضعها، ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء، حيث صارت عبارة عن صفات لازمة وعن حاسة باطنة كالبصرة، ألا ترى أنك إذا قلت: عقلت البعير عقلاً، لم يجز في هذا المصدر الجمع، فإذا أردت به المعنى الذي استعير له - وهو عقل الإنسان - جاز جمعه، إذ صار للإنسان كأنه حاسة باطنة كالبصر، ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن مع السمع فهو مجموع، والسمع غير مجموع في أجود الكلام، لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية، ولكون البصر على وزن " فعل " كالأسماء، ولأنه يراد به الحاسة. وقد يجوز في السمع - على ضعف - أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون المصدر كما تجمع الفهم على أفهام، ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط، وهو أن يكون الأفهام والأسماع ونحوهما مضافة إلى جمع، نحو: أفهام القوم، وأسماع الزيدين. ولو كان هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر، لما جاز أن تقول: عرفت أفهام القوم في هذه المسألة، وعرفت علومهم بزيد، لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها، بل هي متماثلة وإن اختلفت محالها، فعلم زيد وعلم عمرو، إذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان، وعلم زيد بشيء واحد وعلم بشيء آخر مختلفان، لاختلاف المعلومين، ولا نطول بإقامة البرهان على هذا الأصل، فإنه ثابت في كتب الأصول وإنما أردنا أن نبين أن الأفهام والعقول لم تجمع لاختلاف أنواعها، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد. وتجيء مفردة عند اختلافها نحو: فهم زيد بالحساب وفهمه بالنحو وفهمه بغير ذلك. لا يقال: عرفت أفهام زيد بالصناعات، ولكن تقول: " عرفت فهم زيد " بالإفراد مع اختلاف متعلقه، واختلاف متعلقه يوجب اختلافه. وإذا ثبت هذا فلم يجمع " الفهم " على أفهام إلا من حيث كانت بمنزلة حاسة باطنة للإنسان، فإذا أضيف إلى أناسي كثيرة جمع، وإذا أضيف إلى إنسان واحد لم يجمع، لأنه كالحاسة الواحدة، وإن كان في أصله مصدراً، فرب مصدر أجري مجرى الأسماء كقولهم: ضيف وضيوف، وعدل وعدول، وصيد وصيود.

стр. 264

وأما رؤية العين فليست الهاء فيها للتحديد، وإنما هي لتأنيث الصفة كالكدرة والحمرة والصفرة، وكان الأصل أن يكون مصدر " رأيت ": " رأياً "، ولكنهم إنما يستعملون هذا المصدر مضافاً إلى العين. نحو قوله تعالى: (رَأْيَ الْعَيْنِ) . فإذا لم يضف استعمل في الرأي المعقول، واستعملت الرؤية في المعنى الآخر للفرق. وأما " الظن " فمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تريد به الأمور المظنونة. نحو قوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) أي: تظنون به أشياء وأموراً كاذبة. فالظنون - على هذا - مفعول مطلق، لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في الأصل، والله أعلم. * * * مسألة قال: " واعلم أن سحراً إذا أردته ليوم بعينه، لم تصرفه. . . . . " إلى آخر الفصل. حكم (سحر) إذا كان ليوم بعينه - معرفة كان اليوم أو نكرةً - إذا كان اليوم ظرفا ولم يكن مفعولاً ولا فاعلاً - فحكم " سحر " حينئذ أن يكون ظرفاً غير منون لأنه معرفة إما بمعنى الإضافة كأنك تريد: سحر ذلك اليوم، فانحذف التنوين لهذا، كما انحذف في " أجمع " و " أكتع " حيث كان مضافاً في المعنى. فهذا وجه قد قيل. وأحسن منه ما ذهب إليه سيبويه من أنه معرف بالألف واللام كأنك حين ذكرت يوماً قبله وجعلته ظرفاً، ثم ذكرت " سحر "، فكأنك أردت: السحر الذي من ذلك اليوم، واستغنيت عن " الألف واللام " بذكر اليوم. وإنما اخترت هذا القول عن الأول للفرق الذي بين (سحر) وبين (أجمع)

стр. 265

فإن (أجمع) توكيد بمنزلة: " كله " و " نفسه "، فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد من (أجمع) لا يكون إلا تابعا له، ولا يكون مخبراً عنه بحال. وليس كذلك " السحر "، لأنه بمنزلة (الفرس) و (الجمل) ، فإن أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف بالألف واللام، كما قال سيبويه. وهذا كله لما كان اليوم ظرفاً ولم يكن مفعولاً، فلو جعلته مفعولاً وفاعلاً لم يكن " سحر " ظرفا، ولكان بدلاً مضاف إلى ضمير اليوم، مثال ذلك أن تقول: كرهت يوم الخميس سحره، كما تقول: " أكلت سمكة رأسها ". فإن قيل: فهلا جعلتموه بدلاً إذاً كان ما قبله ظرفاً، لأنه بعض اليوم، فيكون بدل البعض من الكل، كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولاً؟. قلنا: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح. ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموماً في المبدل منه. فإذا قلت: " أكلت السمكة رأسها "، لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولاً. وليس كذلك: " خرجت يوم الجمعة سحر "، لأن الظرف مقدر بـ (في) ، وجعل " سحر " ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا أيضاً، بل يبقى على حاله، لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه، فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر " سحر ". نعم، وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان، كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في " سحر ". وتخصيصك سحر بالذكر لا يخرج شيئاً من هذه أن يكون ظرفاً لذلك الفعل. فلذلك اعتمد الكلام على اليوم، واستغنى به عن تجديد آلة التعريف. بخلاف قولك " كرهت يوم الخميس سحره "، أو: " السحر منه "، بل لا بد من البدل من أحد هذين الأمرين. فقد بانَ لك الفرق بين المسألتين، وبانَت علة ارتفاع التنوين، لأنه لا يجتمع

стр. 266

مع " الألف واللام "، ولا مع معناها، وإن كان في حكم المضاف - كما زعم بعضهم - فلذلك أيضاً يمتنع من تنويه. وأما الذي يمنع من تصوفه وتمكنه، فإنك أردته ليوم هو ظرف، فإن تمكن خرج عن أن يكون من ذلك اليوم، لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم فإذا قلت: سير زيد يوم الجمعة " سحر " وجعلته مفعولاً على سعة الكلام، لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم. فإن أردت هذا المعنى فقل: " سير زيد يوم الجمعة سحر " أو: " السحر منه "، حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر " الألف واللام " من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما. وأما إذا كان اسما متمكناً كسائر الأسماء، فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم. فإن قلت: فقد أجازوا: " سير زيد يوم الجمعة سحر " برفع " اليوم " ونصب " سحر " فلم لا يجوز أيضاً: " يوم الجمعة سحر "، بنصب " اليوم " ورفع " سحر "؟ قلنا: لأن اليوم - وإن اتسع فيه - فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على " السحر " ولا يشتمل " السحر " عليه، فلا يجوز إذاً أن يتعرف " السحر " تعريفاً معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه، ليكون تقدم اليوم مع كونه ظرفاً معيناً عن آلة التعريف. * * * فصل وأما " ضحوة "، و " عشية " و " مساء " ونحو ذلك، فإنها مفارقة لسحر من حيث كانت منونة وإن أردتها اليوم بعينه، وهي موافقة له في عدم التصرف والتمكن. والفرق بينهما أن هذه الأسماء فيها معنى الوصف، لأنها مشتقة مما توصف به الأوقات التي هي ساعات اليوم، فالعشي من العشاء. والضحوة من قولك:

стр. 267

" فرس أضحى " و " ليلة أضحيان "، تريد البياض. والصباح من " الأصبح " وهي لون بين لونين فإذا قلت: خرجت اليوم عشيّاً وظلاماً وضحى وبصراً - حكاه سيبويه - فإنما تريد: خرجت اليوم في ساعة وصفها كذا. أو: خرجت يوماً مظلماً أو مبصراً أو مغشياً، أو نحو ذلك. فقد بانَ لك أنها أوصاف لنكرات، وتلك النكرات هي أجزاء اليوم وساعاته، ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت اليوم ساعةً منه، أو: مشيت اليوم وقتا منه - لم يكن إلا منونا، إلا أن الساعة ووقتاً غير معين وضحوة وعشية قد تخصصا بالصفة، ولكنه لم يتعرف وإن كان ليوم بعينه، لأنه غير معرف بمعنى الألف واللام كما كان سحر، لأن " سحر " اسم جامد يتعرف كالأسماء ويخبر عنه، وأما اسمه النعت فلا يكون كذلك. لأن النعت لا يكون فاعلاً ولا مفعولاً، ولا يقام مقام المنعوت الأعلى شروط ذكرت في باب النعت. فإن قلت: أليست هذه الأوقات معروفة عند المخاطب من حيث كانت ليوم بعينه، فلم لا تكون معرفة كما كان " سحر " إذا كان ليوم بعينه؟. قلنا: إن " سحر " لم يتعرف بشيء إلا بمعنى الألف واللام، لا من حيث كان ليوم بعينه، فقد تعرف المخاطب الشيء بصفته، كما تعرفه بآلة التعريف، فتقول لزيد مثلاً: " رأيت رجلا من صفاته كذا "، وتنعته حتى يعلم أنه أبوه، فيسرى إليه التعريف والاسم مع ذلك نكرة. وكذلك " ضحوة " و " عشية "، وإنما استغنى عن ذكر المنعوت بهذه الصفات

стр. 268

لتقدم ذكر اليوم الذي هو مشتمل على الأوقات الموصوفة لهذه المعاني، كما استغنى عن ذكر المنعوت إذا قلت: زيد قائم، ولا شك أن المعنى: زيد رجل قائم، ولكن ترك ذكر الرجل لأنه " زيد ". وكذلك: جاءني زيد صالحاً، أي: رجلاً صالحاً. ولكن زيداً هو الرجل. فأغناك عن ذكره. وكذلك ما نحن بسبيله من هذه الأسماء التي هي نفسها أوصاف لأوقات أغنى ذكر اليوم - الذي هو له - عن ذكرها لاشتمالها عليه. ولم يكن ذلك في " سحر ". ومن ثم أيضاً لم تتمكن، فتقول: سير عليه يوم الجمعة ضحوة وعشية، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويبطل منها معنى الصفة، فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له. وتنضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدمت في فصل " سحر ". وكذلك كل ما كان من الظروف نعتاً في الأصل نحو: " ذا صباح " و" ذات مرة "، و " أقمت طويلاً " و" جلست قريباً " - لا يتمكن ولا يخرج عن الظرف. ويلحق بهذا الفصل " نهاراً " إذا قلت: خرجت اليوم نهاراً، لأنه مشتق من قوله ﵊: " أَنْهِرُوا الدَّمَ بِمَا شِئْتُمْ ". يريد الانتشار والسعة. ومنه " النهر من الماء، لأنه بالإضافة إلى المفجرة بمنزلة النهار بالإضافة إلى فجره، لأن النهار ما ينتشر ويتسع، فما انفجر من الماء بمنزلة ما انتشر واتسع من فجر الضياء، واليوم أوسع من النهار في معناه، فصار قولك: " خرجت اليوم نهاراً " كقولك " خرجت اليوم ظهراً وعشياً ". معنى الاشتقاق فيها كلها بين، فجرت بمعنى الأوصاف النكرات في تنوينها وعدم تمكنها. * * * فصل وأما " غدوة " و " بكرة " فهما اسمان علمان، وعدم التنوين فيهما للتعريف والتأنيث، والذي أخرجهما من باب " ضحوةا " و " عشية " - وإن كان فيهما معنى

стр. 269

الغدو والبكور - كما كان في أخواتها معنى الفعل - أنهما قد بنيا بناء لا تكون عليه المصادر ولا النعوت وغيرتا للعملية كما غير " عمارة " و " عمر " وأشباههما، وكما غير " الدبران " وفيه معنى الدبور، إيذاناً بالعملية وتحقيقاً لمعناها، ألا ترى أن " ضحوة " على وزن " صعبة " من النعوت، وعلى وزن " ضربة " من المصادر، والمصادر ينعت بها. و" ضحى " على وزن " هدىً " وعلى وزن " حُطم " من النعوت. وكذلك سائر تلك الأسماء. و " غدوة " و " بكرة " بخلاف ذلك قد غيرتا من لفظ الغدو والبكور تغييراً بيناً، ففارقتا الفصل المتقدم. فإن قيل: فلعل امتناع التنوين منهما بمثابة امتناعه في " سحر " إذا أردته ليوم بعينه؟. قلنا: كلام العرب يدل على خلاف ذلك، لأنهم لا يكادون يقولون: خرجت اليوم في الغدوة، ولا: الغدوة خير من أول النهار، كما يقال: السحر خير من أول الليل. فالسحر كسائر الأجناس في تنكيره وتعريفه، وغدوة وبكرة من اليوم بمنزلة رجب وصفر من العام. فقد تبين مخالفتهما لسحر وضحوة وأخواتها، وأنها بمنزلة الشهور الأعلام وأسماء الأيام الأعلام، نحو السبت والجمعة. وإذا ثبت هذا فهما اسمان متمكنان يجوز إقامتهما مقام الفاعل إذا قلت: " سير زيد يوم الجمعة غدوة ". ولا يحتاج إلى إضافة ولا إلى لام التعريف. وتقول أيضاً: " سير زيد يوم الجمعة غدوة "، على الظرف فيهما جميعا، لأنها

стр. 270

بعض اليوم كما تقول: " سرت العام رجباً كله ". وتقول أيضاً: " سير زيد يوم الجمعة غدوة " برفعهما، كأنها بدل من اليوم، ولا يحتاج أيضاً إلى الضمير كما يحتاج في بدل البعض من الكل، لأنها ظرف في المعنى. ولو قلت: " كره يوم الخميس غدوة " - على البدل - لم يكن بد من إضافة " غدوة " إلى ضمير المبدل منه، لأن اليوم ليس بظرف، فيكون كقولك: " كرهت يوم الخميس سحره، إذا أردت البدل، لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم، وإنما يستغني عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفاً على حاله، لأن بعض اليوم إذا كان ظرفا لفعل، كان جميع اليوم ظرفاً لذلك الفعل، وقد تقدم هذا. واعلم أنه ما كان من الظروف له اسم علم، فإن الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه، وكان الظرف مفعولاً، على سعة الكلام. فإذا قلت: " سرت غدوة " فالسير وقع في الوقت كله. وكذلك: " سرت السبت والجمعة "، و " سرت المحرم وصفر ". وكل هذا مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل، لأن هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان، إنما هي عبارة عن معان أخر، فإن أردت أن تجعل شيئا منها ظرفاً، ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليها، كقولك: " سرت يوم السبت، و " شهر المحرم ". فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلا بدليل، والشهر ظرف. وكذلك اليوم. قال سيبويه: " ومما لا يكون الفعل إلا واقعاً به كله، " سرت المحرم وصفر ". هذا معنى كلامه. وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان وأشباههما أسماء أعلام إذا أردتهما لعام بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفهما إليه. فإن لم يكن

стр. 271

ذلك صار الاسم نكرة، تقول: " صمت رمضان ورمضاناً آخر ". و" صمت الجمعة وجمعة أخرى "، إنما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك. وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهراً واحداً، كما تكون النكرة في قولك: " ضربت رجلاً "، إنما تريد وأحداً. وأما إذا كان معرفة يكون بما يدل على التمادي وتوالي الأعوام، لم يكن حينئذ واحداً، كقولك: " المؤمن يصوم رمضان "، فهو معرفة لأنك لا تريده لعام بعينه، إذ المعنى: يصوم رمضان من كل عام على التمادي، وذكر الإيمان قرينة تدل على المراد، ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن محمله إلا على العام الذي أنت فيه أو عام تقدم له ذكر. وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) . وقال ﷺ : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً ". وقال: " إذا دخل رمضان فتحت. . . " الحديث. وترك لفظاً الشهر ". ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازاً واختصاراً، لأن القرآن أبلغ إيجازاً وأبين إعجازاً، ومحال أيضاً أن يدع ﵇ لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه، وما علم من عادته من الاقتداء به، فيدع ذلك لغير حكمة، بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعبن وقد ارتبك الناس في هذا الباب، فكرهت طائفة منهم أن يقولوا: " رمضان " ولا " شهر رمضان ". واستهوى ذلك الكتاب. واعتان بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس ﵁ أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولذلك أضيف إليه الشهر، وبعضهم يقول: إن رمضان من الرمضاء، وهو الحر، وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إنما هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن. وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسوي، لعلمه وحذقه فقال في

стр. 272

مصنفه: باب جواز أن يقال: دخل رمضان، أو: " صمت رمضان ". وذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم. وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة، فقد تقدم أن الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعها ولا يكون ظرفاَ مقدراً بفي حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفاً. وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية. وإذا ثبث هذا فقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) في ذكر الشهر فائدئان، وربما كانت أكثر من ذلك: الأولى: أنه لو قال: " رمضان الذي أنزل فيه القرآن،، لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه، كما تقدم من قول " سيبويه ". وهذا خلاف المعنى، لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منها، في ساعة منها، فكيف يتناول جميع الشهر؟ فكان ذكر الشهر - الذي هو غير علم - موافقاً للمعنى، كما تقول: " سرت في شهر كذا " فلا يكون السير متناولاً لجميع الشهر. والفائدة الأخرى: أنه لو قال: (رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) لكان حكم المدح والتعظيم مقصوراً على شهر واحد بعينه، إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله، إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها، لم يكن محمله إلا العام الذي أنت فيه، أو العام المذكور قبله. فكان ذكر الشهر - الذي هو الهلال في الحقيقة. قال الشاعر: والشهر مثل قلامة الظفر يريد الهلال - فكان ذكره مضافاً إلى " رمضان " مقتضياً لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم، متى كان، وفي أي عام كان. مع أن

стр. 273

" رمضان " وما كان مثله، لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن، لأنه لم يرد العام بعينه، ألا ترى أن الآية في سورة البقرة، وهي من آخر ما نزل. وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين. ولو قلت: " رمضان حج فيه زيد "، نريد فيما سلف، لقيل لك: " أي رمضان كان؟ ". ولزمك أن تقول: حج في رمضان من رمضانات، حتى تريد عاماً بعينه، كما سبق. وفائدة أخرى في ذكر " الشهر "، وهو التبيين في الأيام المعدودات، لأن الأيام لتبين بالأيام وبالشهر ونحوه، ولا تتبين بلفظ " رمضان "، لأنه لفظ مأخوذ من مادة أخرى، وهو أيضاً علم فلا ينبغي أن تبين به الأيام المعدودات، حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه. وأما قوله ﷺ " من صام رمضان "، ففي حذف الشهر وترك ذكره فائدة (أيضاً) ، وهو تناول الصيام لجميع الشهر، فلو قال: " من صام شهر رمضان "، لصار ظرفاً مقدراً بـ في ولم يتناول الصيام جميعه. فرمضان في هذا الحديث مفعول على السعة، مثل قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) ، لأنه لو كان ظرفاً لم يحتج الى قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) . فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله: من صام رمضان مقصوراً على العام الذي هو فيه، لما تقدم من قولكم: إنه إنما يكون معرفة علماً إذا أردته لعامك أو لعام بعينه؟. قلنا: قوله: " من صام رمضان " على العموم، خطاب لكل قرن ولأهل كل عام، فصار بمنزلة قولك: " من صام كل عام رمضان غفر له "، كما تقول: " إن جئتني كل يوم سحراً أعطيتك "، فقد اقترنت به قرينة تدل على التمادي وتنوب مناب ذكر كل عام. وقد اتضح الفرق بين الحديث والآية. فإذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها، ثم لم تعدل عندك

стр. 274

هذه الفائدة جميع الدنيا (بأسرها) فما قدرتها حق قدرها. والله المستعان على واجب شكرها. * * * مسألة (تشتمل على فصول من الباب) الفعل لا يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظه، كالمصدر والفاعل والمفعول به أو فيما كان صفة لواحد من هذه نحو: " سرت سريعاً ". و" جاء زيد ضاحكا "، لأن الحال هي صاحب الحال في المعنى. وكذلك النعت والتوكيد والبدل، كل واحد من هذه هو الاسم الأول في المعنى، فلم يعمل الفعل إلا فيما دل عليه لفظه، لأنك إذا قلت: " ضرب " اقتضى هذا اللفظ: " ضرباً " و " ضارباً " و " مضروباً ". وأقوى دلالته على المصدر، لأنه هو الفعل في المعنى، ولا فائدة في ذكره مع الفعل إلا أن نريد التوكيد أو تبيين النوع منه، وإلا فلفظ الفعل مغن عنه. ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على المفعول به من وجهين: أحدهما: أنه يدل على الفاعل بعمومه وخصوصه، نحو: فعل زيد، عمل زيد. وأما الخصوص فنحو: ضرب زيد عمراً. ولا تقول: فعل زيد عمراً، إلا أن يكون الفاعل هو الباري سبحانه. والوجه الآخر: أن الفعل هو حركة الفاعلٍ، والحركة لا تقوم بنفسها، وإنما هي متصلة بمحلها، فوجب أن يكون الفعل متصلا بفاعله لا بمفعوله. ومن ثم قالوا: ضربت، فجعلوا ضمير الفاعل كبعض حروف الفعل. ومن ثم قالوا: ضرب زيد لعمرو، وضرب زيد عمراً، فأضافوه إلى المفعول باللام تارة وبغير اللام أخرى. ولم بضيفوه إلى الفاعل باللام أصلاً، لأن اللام تؤذن بالانفصال، ولا يصح انفصال الفعل عن الفاعل لفظاً، كما لا ينفصل عنه معنى. فإن قيل: فإن الفعل لا يدل على الفاعل معيناً، ولا على المفعول معيناً

стр. 275

وإنما يدل عليهما مطلقا، لأنك إذا قلت: " ضرب "، لم يدل على " زيد " بعينه، وإنما يدل على " ضارب ". (وكذلك " المضروب "، فكان ينبغي أن لا يعمل حتى تقول: " ضرب ضارب " مضروباً "، بهذا اللفظ، لأن لفظ " زيد " لا يدل عليه لفظ الفعل ولا يقتضيه؟. قلنا: الأمر كما ذكرت، ولكن لا فائدة عند المخاطب في الضارب المطلق. ولا في المفعول المطلق، لأن لفظ الفعل قد تضمنها، فوضع الاسم المعين مكان الاسم المطلق تبيينا له، فعمل فيه الفعل، لأنه هو هو في المعنى، وليس بغيره. وإذا ثبت ما قلناه، فما عدا هذه الأشياء - فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة حرف، نحو: " المفعول معه " و " الظرف " من المكان، نحو: قمت في الدار، لأنه لا يدل عليه بلفظه. وأما " الظرف " من الزمان فكذلك أيضاً، لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا ببنيته وإنما يدل ببنيته على اختلاف أحوال الحدث، وبلفظه على الحدث نفسه. وهكذا قال سيبويه في أول الكتاب، وإن تسامح في موضع آخر. وأما الزمان فهو حركة الفلك فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة الاتفاق والمصاحبة إلا أنهم قالوا: " الفعل فعلت اليوم "، لأن اليوم ونحوه أسماء وضعت للزمان ليؤرخ بها الفعل الواقع فيها، فإذا سمعها المخاطب علم المراد بها، واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار. فإن أضمرتها لم يكف لفظ الإضمار، ولا أغنى عن

стр. 276

الحرف لأن لفظ الإضمار يصلح للزمان ولغيره فقلت: " يوم الجمعة خرجت فيه ". وقد تقول: " خرجت في يوم الجمعة "، لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتاريخ - فقد يخبر عنها فتقول: " ذهب اليوم "، كما يخبر عن المكان، إلا أن الإخبار عن المكان المحدود أكثر وأقوى، لأن الأمكنة أشخاص كزيد وعمرو، وظروف الزمان بخلاف ذلك، فمن ثم قالوا: " سرت اليوم " و" سرت في اليوم "، ولم يقولوا: " جلست الدار "، بغير حرف الوعاء. * * * فصل (في تعدي الفعل إلى الظرف) فإن كان الظرف مشتقاً من فعل، تعدي الفعل إليه بنفسه، لأنه في معنى الصفة التي لا تتمكن ولا يخبر عنها. وذلك نحو " قبل " و " بعد " و " قريباً " منك، لأن في " قبل " معنى المقابلة، وهو من لفظ " قبل ". و " بعد " من لفظ " بعد "، وهذا المعنى هو من صفة المصدر، لأنك إذا قلت: " جلست قبل جلوس زيد "، فما في " قبل " من معنى المقابلة فهو من صفة جلوسك. ولم يمتنع الإخبار عن " قبل " و " بعد " من حيث كان غير محدود، لأن الزمان والدهر قد يخبر عنهما، وهما غير محدودين، تقول: " قمت في الدهر مرة ". وإنما امتنع " قمت في قبلك " للعلة التي ذكرناها. ومن هذا النحو ما تقدم في فصل " غدوة " و " عشية "، من امتناع تلك الأسماء من التمكن لما فيها من معنى الوصف، وما فيها من معنى الوصف راجع إلى الاسم الذي هو الفاعل، نحو: " خرجت بصراً وظلاماً "، أي: مبصراً ومظلماً، وكذلك " عشياً " و " ضحى ". وإن كنا قد قدمنا أن هذه المعاني أوصاف للأوقات فليس بمناقض لما قلناه آنفاً، لأن هذه الأوقات قد توصف بهذه المعاني مجازاً، وأما في الحقيقة فالأوقات هي الفلك، والحركة لا توصف بصفة معنوية، لأن العرض لا يكون حاملاً للوصف. ومن هذا الفصل: " خرجت ذات يوم " و " ذات مرة "، لأن " ذات " في أصل

стр. 277

وضعها وصف للخرجة ونحوها، كأنك قلت: " خرجت خرجة ذات يوم "، أي: لم تكن إلا في يوم واحد، فمن ثم لا يجز فيها إلا النصب، ولم يجز دخول الجار عليها. وكذلك: " ذا صباح " و " ذا مساء " في غير لغة خثعم. فإن قيل: فلم أعربها النحويون ظرفاً إذا كانت في الأصل مصدراً؟. قلنا: لأنك إذا قلت: " ذات يوم "، عُلِم أنك تريد يوماً واحداً، وقد اختزل المصدر ولم يبق إلا لفظ اليوم مع الذات، فمن ثم أعربوه ظرفاً. وسره في اللغة ما تقدم. وأما " مرة " فإن أردت بها فعلة واحدة من مرور الزمان، فهي ظرف زمان، وإن أردت بها فعلة واحدة من المصدر مثل قولك: " لقيته مرة. أي: لقيته) لقية، فهي مصدر، وعبرت عنها بالمرة، لأنك لما قطعت اللقاء ولم تصله بالدوام صار بمنزلة شيء مررت به ولم تقم عنده، فإذا جعلت المرة ظرفاً فاللفظ حقيقة، لأنها من مرور الزمان، وإن جعلتها مصدراً فاللفظ مجاز، إلا أن تقول: " مررت مرة "، فيكون حينئذ حقيقة. * * * فصل (في تعدي الفعل إلى الظرف) ومن هذا القبيل: جلست خلفك وأمامك، وكذلك: فوق وتحت وإزاء وتلقاء وحذاء. وكذلك قربك وعندك، لأن عندك في معنى القرب، وهي أيضاً من لفظ " العند " قال الراجز:

стр. 278

كُلُّ شيء يُحِبُّ ولَدَهُ ... حتى الحُبَارَى فتطير عنده أي: إلى جنبه. وهذه الألفاظ كلها ليس يخفي بأدنى نظر أنها مأخوذة من لفظ الفعل فخلف من " خلفت "، و " قدام " من " تقدمت "، و " فوق " من فقت ". و" أمام " وأم من " أممت "، أي: قصدت. وكذلك سائرها، إلا أنهم لم يستعملوا فعلاً من " تحت "، ولكنها مصدر في الأصل أميت فعله. وإذا كان الأمر فيها كلها كذلك، فقد صارت قبل وبعد في الزمان، وكعشي وقريب، وصار فيها كلها معنى الوصف. فلذلك عمل الفعل بنفسه، كما يعمل فيما هو وصف للمصدر أو وصف للفاعل أو المفعول به، لأن الوصف هو الموصوف في المعنى، فلا يعمل الفعل إلا في هذه الثلاثة أوما هو في معناها، لأنه لا يدل بلفظه إلا عليها كما تقدم. فقد بانَ لك أنه لم يمتنع الإخبار عنها ولا دخول الجار عليها من جهة الإبهام، كما قالوه، لأنه لا فرق بينها وبين غير المبهم في انقطاع دلالة الفعل عنها، إذ لا يدل الفعل بلفظه على مبهمها ولا على محدودها ولا على حركة فلك، وإنما يدل بلفظه على مصدره وفاعله إذا كان الفاعل مطلقا، وعلى المفعول به كذلك. فإن قيل: فأين لفظ الفعل في " ميل " و " فرسخ "؟ وأي معنى للوصف فيه والفعل قد تعدى إليه بغير حرف، وعمل فيه بلا واسطة؟. قلنا: المراد بالميل والفرسخ تبيين مقدار المشي لا تبيين مقدار الأرض، فصار الميل عبارة عن عدة خطا، فكأنك قلت: " سرت خطا عدتها كيت وكيت "، فلم يتعد

стр. 279

الفعل في الحقيقة إِلا إِلى المصدر المقدر بعدد معلوم، كقولك: " ضربت ألف ضربة " و " مشيت ألف خطوة "، ألا ترى أن " الميل " عندهم ثلاثة آلاف وخمسمائة، والفرسخ أضعاف ذلك ثلاث مرات. فلم ينكسر ما أصلناه من أن الفعل لا يتعدى إِلا إلى ما ذكرناه. وإنما سموا هذا المقدار من الخطا والأذرع ميلاً لأنهم كانوا ينصبون في رأس ثلث فرسخ نصبا كهيئة الميل الذي يكتحل به، إِلا أنه كبير، ثم يكتبون في رأسه عدد ما مشوه ومقدار ما تخطوه، ذكر قاسم بن ثابت أنَّ هشام ابن عبد الملك مر في بعض أسفاره بميل، وأمر أعرابياً أن ينظر في الميل كم مكتوباً فيه؟ وكان الأعرابي أمياً، فنظر فيه، ثم رجع إليه فقال: أفيه محجن، وحلقة، وثلاثة كأطباء الكلية، وهامة كهامة القطا ". فضحك هشام وقال: معناه خمسة أميال. فقد وضح لك أن الأمثال مقادير المشي، والمشي مصدر، فمن ثم عمل فيه الفعل، ومن ثم عمل في المكان نحو: " جلست مكان زيد، لأنه مفعل من الكون، فهو في أصل وضعه مصدر عبر به عن الموضع. والموضع أيضاً من لفظ الوضع، فلا يعمل الفعل في شيء من هذا القبيل بحرف. والذي قلناه في مكان أنه من الكون هو قول الخليل في كتاب " العين "، إلا أنهم شبهواً (الميم) بالحرف الأصلي للزومها، فقالوا في الجمع " أمكنة ". حتى كأنه على وزن في " فعال "، وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة، شبهوا الزائد بالأصلي نحو: " تمدرع " و " تمسكن "، ولهما نظائر.

стр. 280

وأما: " جلست يمينك وشمالك "، فليس من هذا ال فصل ، ولكنه مما حذف منه الجار لعلم السامع به، أرادوا: " عن يمينك وعن شمالك " أي: الجارحتين، ثم حذف الحرف الجار، فتعدى الفعل فنصب. فهو من باب " أمرتك الخير ". وإنما حذف (الحرف) لما تضمنه الفعل مرة من معنى الناصب، لأنك إذا قلت: " جلست عن يمينك " فمعنى الكلام: قابك يمينك وحاذيته، ونحو ذلك. * * * فصل ومن هذا الأصل تعدي الفعل إلى الحال بنفسه، ونعني بالحال صفة الفاعل التي فيها ضمير، أو صفة المفعول، أو صفة المصدر الذي عمل فيها، لأن الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف. وذلك نحو: " سرت سريعاً " و " جاء زيد ضاحكاً " و " ضربته قائماً ". فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالًا، لأن الحال غير الاسم الذي يدل عليه الفعل، ألا ترى أنك لو صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف نحو: جاء زيد في حال ضحك ولا تقول: " جاء زيد حال ضحك " لأن الحال غير " زيد ". وكذلك لا تقول: " جاء زيد ضحكاً "، لأن الضحك غير " زيد "، وغير المجيء فلا يعمل " جاء " فيه إلا بواسطة. فإذا قلت: " ضاحكاً " عمل فيه، لأن الضاحك هو زيد. وإذا قلت: " جاء زيد مشياً "، عمل فيه أيضاً لا من حيث كان صفة لزيد، لأنه لا ضمير فيه يعود على " زيد "، ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو (المجيء) فيعمل فيه " جاء " كما يعمل في المصدر. وأما عمله في المفعول من أجله، فإنه لم يعمل فيه بلفظه عندي، ولكنه دل

стр. 281

على فعل باطن من أفعال النفس والقلب، آثار هذا الفعل الظاهر، وصار ذلك الفعل الباطن عاملاً في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة، والفعل الظاهر دال عليه، ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوباً حتى يجتمع فيه ثلاثة شروط: الأول: أن يكون مصدراً. والثاني: أن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة. والثالث: أن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره. نحو: " جاء زيد خوفاً "، و " رغبة فيك "، فإن الخوف والرغبة من أفعال النفس الباطنة وهو من فعل الفاعل المذكور في الجملة. فلو قلت: " جاء زيد قراءة للعلم " أو: " قتلاً للكافر " - لم يجز أن يجعل ذلك مفعولاً من أجله، لأنها أفعال ظاهرة، فقد بانَ لك أن المجيء إنما يظهر ما كان باطناً خفيا حتى كأنك قلت: جاء زيد مظهر بمجيئه الخوف والرغبة أو الحرص وأشباه ذلك. فهذه الأفعال الظاهرة تبدي لك الباطنة، فهي مفعولات في المعنى والظاهرة دالة على ما ينصبها فإن جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرنا، لم يصل الفعل إليه إلا بحرف نحو: " جئت لكذا " أو: " من أجل كذا "، والله أعلم. ثم نرجع إلى الحال فنقول: إذا كانت صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها، وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل، صلح أن تكون حالاً، لأنها مشتقة من التحول، فلا تكون إلا صفة يتحول عنها، وكذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل، لأن الفعل حركة غير ثابتة. وقد تجيء غير مشتقة ولكنها في المعنى كالمشتق، نحو قوله ﷺ : يتمثل لي الملك رجلاً ". أي: يتحول عن حال إلى حال، ويرجع متصوراً في صورة الرجال. فصار قولك: " رجلأ " كقولك: متصوراً على هذه الصورة، ومتحولاً إلى هذه الحال ". وأما قولهم: جاء زيد رجلاً صالحاً، فالصلة وطأت الاسم للحال. ولولا " صالحاً " ما كان " رجلاً " حالًا.

стр. 282

وكذلك قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) . فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد؟ وهلا اكتفى بصالح وعربي؟. قلنا: في ذكر الاسم موصوفاً بالصفة، في هذا الموطن، دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها، وأنها مستمرة له، وليس كقولك: " جاء زيد صالحاً "، لأن " صالحاً " ليس فيه غير لفظ الفعل، والفعل غير دائم. وفي قولك: " رجلاً صالحاً " لفظ رجل وهو دائم، فلذلك ذكر. فإن قيل: فكيف يصح في قوله : (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أن يكون حالاً. والحال تعطي التحول والانتقال إليها عن حالة أخرى. وأنت لو قلت: جاء زيد قرشياً أوحبشياً "، لم يجز، لأنه لم يزل كذلك؟. فالجواب: أن قوله : (لِسَانًا عَرَبِيًّا) حال من الضمير في (مُصَدِّقٌ) . لا من (كتاب) ، لأنه نكرة والعامل في الحال ما في (مُصَدِّقٌ) من معنى الفعل. فصار المعنى: أنه مصدق لك في هذه الحال، والاسم - الذي هو صاحب الحال - قديم، وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى وداود ﵈، وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد ﷺ مصدقاً له ولما بين يديه من الكتاب، فقد أوضحت فيه معنى الحال، وبرح الإشكال. وأما قوله : (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) ، فقد حكوا أنها حال مؤكدة. ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل، لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى، وذلك نحو: " قم قائماً " و " مشيت ماشياً "، و " أما: زيد معروفاً "، هذه هى الحال المؤكدة في الحقيقة. وأما (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) فليسث بحال مؤكدة، لأنه قال: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) . وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق، إذ ليس من شروط الحق أن يكون مصدقاً لفلان ولا مكذباً له، بل الحق في نفسه (حق) وإن لم يكن مصدقاْ لغيره. ولكن (مُصَدِّقًا) ههنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) وقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ) جملة في معنى الحال أيضاً، والمعنى: كيف تكفرون

стр. 283

بما وراءه وهو في هذا الحال؟ أعني مصدقاً لما معهم، كما تقول: لا تشتم زيداً وهو أمير محسناً إليك فالجملة حال، " ومحسناً " حال بعدها، والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك " محسناً " و (مصدقا) - أنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في " محسن، و (مصدق) ، ألا ترى أنك لو قلت: " أتشتم زيداً محسناً إليك (وهو أمير) - لذهب الوهم إلى أنك تريد؟ محسناً إليك في هذه الحال. فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس. هذا وجه لا يبعد في هذا الموضع. ووجه آخر يطرد في هذه الآية، وفي الأخرى التي في سورة فاطر، قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) ، وهو أن يكون (مُصَدِّقًا) ههنا حالاً يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها " الألف واللام "، لأن " الألف واللام " قد تنبئ عما تنبئ عنه أسماء الإشارة، حكي سيبويه: " لمن الدار مفتوحاً بابها؟ ". (فقولك: مفتوحاً بابها) لا يعمل فيه الاستقرار الذي يتلق به " لمن "، لأن ذلك خلاف المعنى المقصود، وتصحيح المعنى: " لمن هذه الدار مفتوحا بابها؟ " فاستغنى بذكر " الألف واللام " وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب بالإشارة إلى النظر، وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملاً في الحال. وكذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) ، كأنه يقول: " هو ذلك الحق "، لأن الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة. فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال، كما إذا قلت: " هذا زيد قائما "، نبهت الإشارة المخاطب على النظر، فكأنك قلت: " انظر إلى زيد قائماً " لأن الاسم الذي هو " ذا " ليس هو العامل، ولكنه مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال، وذلك المعنى هو " انظر ". وسنزيد هذا المعنى وضوحا فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومما أغنت فيه " الألف واللام " عن أسماء الإشارة قولهم: " اليوم قمت "،

стр. 284

و " الساعة تكلمت " " الليلة فعلت "، تريد: " هذا اليوم " و " هذه الليلة "، اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة والإبهام، والله ولي التوفيق والإفهام. * * * مسألة (في الحال) " هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطباً ". فيه أسئلة: أحدها: ما العامل في هاتين الحالين، هل واحد أم لا؟ والئاني: متى يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين؟ ومتى لا يجوز؟. الثالث: من أي اسم هي حال؟ أعني الأولى. ومن أي اسم هي - الثانية - حال؟ وهل هما حالان من اسم واحد أم لا؟ الرابع: هل يجوز التقديم والتأخير فيهما جميعاً أم لا؟. الخامس: كيف تصورت الحال في اسم غير مشتق، وهو " البسر " ونحوه؟. السادس: إلى أي شيء هي الإشارة في قولهم: هذا بسراً؟. السابع: لم عول في إعرابهما على الحال، واختاره " سيبويه "، وعدلتم عن إضمار كان؟ وتركتم قول من قال: إن التقدير: هذا إذا كان بسراً أطيب منه إذا كان رطبا؟ أما العامل في الحال الأولى فهو ما في " أطيب " من معنى الفعل، لأنك تريد: طيبه في حال البسرية يزيد على طيبه في حال الرطبية. (فالطيب) أمر واقع في هذه الحال، فلذلك قال سيبويه: هذا باب ما ينصب من الأسماء على إنها أحوال وقعت فيها الأمور وأما الحال الثانية وهي " رطباً "، فالعامل فيها مضى الفعل الذي تعلق به الجار في قولك: منه، لأن (منه) متعلق بمعنى غير الطيب. لأن " طاب يطيب " لا يتعدى بمن، ولكن صيغة (أفعل) تقتضي التفضيل بين شيئين

стр. 285

مشتركين في صفة واحدة، إلا أن أحدهما متميز من الآخر ومنفصل منه بزيادة في تلك الصفة فمعنى التميز والانفصال الذي تضمنه أفعل هو الذي تعلق به حرف الجر وهو الذي يعمل في الحال الثانية، كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف الجر من قولك: " زيد في الدار قائماً " في الحال التي هي قائما. فإن قيل: فهلا أعمل فيهماجميعا ما في " أطيب " من معنى الطيب؟. قلنا: لو تجرد ما فيه من معنى الطيب من معنى التفضيل فقلت: " هذا طيب بسراً " لم يصح عمله إلا في حال واحدة، لأن الفعل الواحد لا يقع في حالتين ولا في ظرفين لا تقول: " زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس ". فإن قلت: " زيد أقوم يوم الجمعة منه يوم الخميس "، جاز، لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني، لأنك فضلت حين قلت: " أقوم "، قياماً على قيام آخر، وفضلت حالاً من حال بمزية وزيادة. وكذلك حين قلت: " هذا بسر أطيب منه رطباً ". وليس يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين، إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك:، زيد خارج يوم الجمعة ضحوةا ". لأن الضحوة في يوم الجمعة. وكذلك " سرت راكباً مسرعاً "، ولو قلت: " مسرعاً مبطئأ " لم يجز، لاستحالة الجمع بينهما وكذلك: " بسراً " و " رطبا " يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخلين كما سبق. وفد فرغنا من السؤال الثاني. وأما السؤال الثالث، وهو عن صاحب الحال ههنا، فإن الاسم المضمر في " أطيب " الذي هو راجع على المبتدأ من خبره هو صاحب الحال الأول، فبسراً حال منه، و " رطباً " حال من الضمير المجرور بمن وان كان المجرور بمن هو المرفوع المستتر في " أطيب " من جهة المعنى، ولكنه تنزل منزلة الأجنبي، ألا ترى أنك لو قلت: " زيد قائماً أخطب من عمرو قاعداً،، لكان قاعداً " حال من الاسم المخفوص بمن - وهو عمرو - فكذلك (رطبا) حال من الاسم المضمر المجرور بمن.
следующие страницы →