← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6140

كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار

تقي الدين الحصني

Полный текст (576 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على عباده فِيهِ أَي أفضاله ثمَّ صَلَاة الْعِيد مَطْلُوبَة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ قيل المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا صَلَاة عيد النَّحْر وَلَا خَفَاء فِي أَنه ﵊ كَانَ يُصَلِّيهمَا هُوَ وَالصَّحَابَة مَعَه وَمن بعده وَرُوِيَ أَنه ﵊ أول عيد صلاه الْفطر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفيهَا فرضت زَكَاة الْفطر قَالَه الْمَاوَرْدِيّ ثمَّ الصَّلَاة سنة لقَوْل الْأَعرَابِي هَل عَليّ غَيرهَا أَي غير الصَّلَوَات الْخمس قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع وَهَذَا مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل إِنَّهَا فرض كِفَايَة لِأَنَّهَا من شَعَائِر الْإِسْلَام فَتَركهَا تهاون فِي الدّين وتشرع جمَاعَة بِالْإِجْمَاع وَالْمذهب أَنَّهَا تشرع للنفرد وَالْمُسَافر وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة لِأَنَّهَا نَافِلَة فَأَشْبَهت الاسْتِسْقَاء والكسوف نعم يكره للشابة الجميلة وَذَوَات الْهَيْئَة الْحُضُور وَيسْتَحب للعجوز الْحُضُور فِي ثِيَاب بذلتها بِلَا طيب قلت يَنْبَغِي الْقطع فِي زَمَاننَا بِتَحْرِيم خُرُوج الشابات وَذَوَات الهيئات لِكَثْرَة الْفساد وَحَدِيث أم عَطِيَّة وَإِن دلّ على الْخُرُوج إِلَّا أَن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي خير الْقُرُون قد زَالَ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ فِي الْمُسلمين قلَّة فَأذن رَسُول الله ﷺ لَهُنَّ فِي الْخُرُوج ليحصل بِهن الْكَثْرَة وَلِهَذَا أذن للْحيض مَعَ أَن الصَّلَاة مفقودة فِي حقهن وتعليله بشهودهن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا وَأَيْضًا فَكَانَ الزَّمَان زمَان أَمن فَكُن لَا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وَكَذَا الرِّجَال يَغُضُّونَ من أَبْصَارهم وَأما زَمَاننَا فخروجهن لأجل إبداء زينتهن وَلَا يغضضن أبصارهن وَلَا يغض الرِّجَال من أَبْصَارهم ومفاسد خروجهن مُحَققَة وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت (لَو رأى رَسُول الله ﷺ مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) فَهَذِهِ فَتْوَى أم الْمُؤمنِينَ فِي خير الْقُرُون فَكيف بزماننا هَذَا الْفَاسِد وَقد قَالَ بِمَنْع النِّسَاء من الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد خلق غير عَائِشَة ﵂ مِنْهُم عُرْوَة بن الزبير ﵁ وَالقَاسِم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة مرّة وَمرَّة أجَازه وَكَذَا مَنعه أَبُو يُوسُف وَهَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان وَأما فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا يتَوَقَّف أحد من الْمُسلمين فِي مَنعهنَّ إِلَّا غبي قَلِيل البضاعة فِي معرفَة أسرار الشَّرِيعَة قد تمسك بِظَاهِر دَلِيل حمل على ظَاهره دون فهم مَعْنَاهُ مَعَ إهماله فهم عَائِشَة ﵂ وَمن نحا نَحْوهَا وَمَعَ إهمال الْآيَات الدَّالَّة على تَحْرِيم إِظْهَار الزِّينَة وعَلى وجوب غض الْبَصَر فَالصَّوَاب الْجَزْم بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَالله أعلم ثمَّ وَقتهَا مَا بَين طُلُوع الشَّمْس والزوال وَقيل لَا يدْخل وَقتهَا إِلَّا بارتفاع الشَّمْس قدر رمح وَالصَّحِيح الأول والارتفاع قدر رمح مُسْتَحبّ ليزول وَقت الْكَرَاهَة وكيفيتها رَكْعَتَانِ للادلة وَإِجْمَاع الْأمة وَيَنْوِي صَلَاة عيد الْفطر أَو الْأَضْحَى وَيكبر فِي الأولى سبع

стр. 142

تَكْبِيرَات غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي الثَّانِيَة خمْسا سوى تَكْبِيرَة الْقيام من السُّجُود (رُوِيَ أَنه ﵊ كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي الأولى سبعا قبل الْقِرَاءَة وَفِي الثَّانِيَة خمْسا قبل الْقِرَاءَة) وَيقف بَين كل تكبيرتين قدر آيَة معتلة يهلل وَيكبر ويحمد ورد عَن ابْن مَسْعُود قولا وفعلاً وَمعنى يهلل يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله والتحميد التَّعْظِيم وَهَذَا إِشَارَة إِلَى التَّسْبِيح والتحميد وَيحسن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لِأَنَّهُ اللَّائِق بِالْحَال وجامع للأنواع الْمَشْرُوعَة للصَّلَاة وَهِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس ﵄ وَجَمَاعَة وَلَو نسي التَّكْبِيرَات وَشرع فِي الْقِرَاءَة فَاتَت وَيقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الأولى ق وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت بكمالها رَوَاهُ مُسلم وَتَكون الْقِرَاءَة جَهرا للسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَكَذَا يجْهر بالتكبيرات ثمَّ يسن بعد الصَّلَاة خطبتان ورد عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ وَأَبا بكر وَعمر ﵄ (كَانُوا يصلونَ الْعِيد قبل الْخطْبَة) فَلَو خطب قبل الصَّلَاة لم يعْتد بهَا على الصَّحِيح الصَّوَاب الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وتكرير الْخطْبَة هُوَ بِالْقِيَاسِ على الْجُمُعَة وَلَو يثبت فِيهِ حَدِيث قَالَه النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وَيسْتَحب أَن يفْتَتح الأولى بتسع تَكْبِيرَات وَالثَّانيَِة بِسبع تَكْبِيرَات وَاعْلَم أَن الصَّلَاة تجوز فِي الصَّحرَاء فَإِن كَانَ بِمَكَّة فالمسجد الْحَرَام أفضل وَإِن لم يكن عذر فَإِن ضَاقَ الْمَسْجِد فالصحراء أولى بل يكره فعلهَا فِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ الْمَسْجِد وَاسِعًا فَالصَّحِيح أَن الْمَسْجِد أولى وَالله أعلم قَالَ (وَيكبر من غرُوب الشَّمْس لَيْلَة الْعِيد إِلَى أَن يدْخل الإِمَام فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَضْحَى خلف الصَّلَوَات الْفَرَائِض من صبح يَوْم عَرَفَة إِلَى الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق) يسْتَحبّ التَّكْبِير بغروب الشَّمْس لَيْلَتي الْعِيد الْفطر والأضحى وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمَسَاجِد والبيوت والأسواق وَلَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَعند ازدحام النَّاس ليوافقوه على ذَلِك وَلَا فرق

стр. 143

بَين الْحَاضِر وَالْمُسَافر دَلِيله فِي عيد الْفطر قَوْله تَعَالَى ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي عيد الْأَضْحَى بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ويغني عَنهُ ورد عَن أم عَطِيَّة قَالَت (كُنَّا نؤمر فِي الْعِيدَيْنِ بِالْخرُوجِ حَتَّى تخرج الْحيض فيكُن خلف النَّاس يكبرن بتكبيرهم) وَأما آخر وَقت التَّكْبِير فَفِي عيد الْفطر حَتَّى يحرم الإِمَام بِصَلَاة الْعِيد هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأما فِي الْأَضْحَى فَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن آخر عقيب الصُّبْح من آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَعند النَّوَوِيّ الصَّحِيح أَنه عقيب الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق قَالَ وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الْمُحَقِّقين للْحَدِيث وابتداؤه بصبح يَوْم عَرَفَة ويشرع فِي الْأَضْحَى خلف الْفَرَائِض الْحَاضِرَة والفائتة وَكَذَا فِي كل صَلَاة نَافِلَة كَانَت ذَات سَبَب أَو مُطلقَة أَو فرض كِفَايَة كَصَلَاة جَنَازَة وَهل يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات فِي عيد الْفطر فِيهِ خلاف وَالأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة أَنه لَا يسْتَحبّ لعدم نَقله وَصحح النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار أَنه يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات كالأضحى وَيسْتَحب رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ للرِّجَال دون النِّسَاء وَالتَّكْبِير فِي وقته أفضل من غَيره من الْأَذْكَار لِأَنَّهُ شعار الْيَوْم وَالله أعلم (فرع) : الْحَاج يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر وَهُوَ يَوْم الْعِيد وَيخْتم بيصح آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن غير الْحَاج كالحاج وَالله أعلم قَالَ: بَاب صَلَاة الْكُسُوف والخسوف (فصل وَيصلى لكسوف الشَّمْس وخسوف الْقَمَر رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة قيامان يُطِيل الْقِرَاءَة فيهمَا وركوعان يُطِيل التَّسْبِيح فيهمَا دون السُّجُود) اعْلَم أَن الْكُسُوف والخسوف يُطلق على الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا نعم الأجود كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي أَن الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر وَالصَّلَاة لَهما سنة لقَوْله ﷺ (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فصلوا وَادعوا الله تَعَالَى) وَفِي رِوَايَة (أدعوا الله وصلوا حَتَّى ينْكَشف مَا بكم) ثمَّ أقلهَا أَن يحرم بنية صَلَاة الْكُسُوف وَيقْرَأ الْفَاتِحَة ويركع ثمَّ يرفع فَيقْرَأ الْفَاتِحَة ثمَّ يرْكَع ثَانِيًا ثمَّ يرفع ويطمئن ثمَّ يسْجد فَهَذِهِ رَكْعَة ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَة كَذَلِك فَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة قيامان وركوعان وَيقْرَأ الْفَاتِحَة فِي كل قيام فَلَو اسْتمرّ الْكُسُوف فَهَل يزِيد رُكُوعًا ثَالِثا وَجْهَان الصَّحِيح لَا يجوز كَسَائِر الصَّلَوَات وكما لَا يجوز زِيَادَة رُكُوع ثَالِث لَا يجوز

стр. 144

نقص رُكُوع لَو حصل الانجلاء وَلَو سلم من الصَّلَاة والكسوف بَاقٍ فَلَيْسَ لَهُ أَن يستفتح صَلَاة أُخْرَى على الْمَذْهَب والأكمل فِي هَذِه أَن يقْرَأ فِي الْقيام الأول بعد الْفَاتِحَة وَمَا يسْتَحبّ من الاستفتاح وَغَيره سُورَة الْبَقَرَة فَإِن لم يحسنها قَرَأَ بِقَدرِهَا وَفِي الْقيام الثَّانِي كمائتي آيَة مِنْهَا وَفِي الْقيام الثَّالِث يقْرَأ قدر مائَة وَخمسين آيَة وَفِي الرَّابِع قدر مائَة كَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَيسْتَحب أَن يطول فِي الرُّكُوع الأول بالتسبيح قدر مائَة آيَة من الْبَقَرَة وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ آيَة وَفِي الثَّالِث سبعين آيَة وَفِي الرَّابِع قدر خمسين آيَة لمجيئه فِي الْخَبَر وَلَا يطول السُّجُود على الصَّحِيح كالاعتدال قَالَه الرَّافِعِيّ وَصحح النَّوَوِيّ التَّطْوِيل قَالَ وَثَبت فِي الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ وتستحب الْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْكُسُوف وينادى لَهَا الصَّلَاة جَامِعَة وَلَو أدْرك الْمَسْبُوق الإِمَام فِي الرُّكُوع الثَّانِي لم يدْرك الرَّكْعَة على الْمَذْهَب لِأَن الرُّكُوع الثَّانِي يتبع الأول وَالله أعلم قَالَ (ويخطب بعْدهَا خطبتين وَيسر فِي كسوف الشَّمْس ويجهر فِي خُسُوف الْقَمَر) يسن أَن يخْطب بعد الصَّلَاة خطبتين كخطبتي الْجُمُعَة لفعله ﷺ الَّذِي ورد وَفِيه (قَامَ فَخَطب فَأثْنى على الله تَعَالَى) إِلَى أَن قَالَ (يَا أمة مُحَمَّد هَل من أحد أغير من الله أَن يرى عَبده أَو أمته يزنيان يَا أمة مُحَمَّد وَالله لَو تعلمُونَ مَا أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قَلِيلا أَلا هَل بلغت) وروى الْخطْبَة جمع من الصَّحَابَة فِي الصَّحِيح وَيَنْبَغِي أَن يحرضهم على الْإِعْتَاق وَالصَّدَََقَة ويحذرهم الْغَفْلَة والاغترار وَقد ورد أَنه ﵊ (أَمر بالعتاقة فِي كسوف الْقَمَر) وَمن صلى مُنْفَردا لم يخْطب وَيسْتَحب الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي خُسُوف الْقَمَر والإسرار فَفِي التِّرْمِذِيّ وَقَالَ إِنَّه حسن صَحِيح وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ إِنَّه على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَالله أعلم قَالَ بَاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء (فصل وَصَلَاة الاسْتِسْقَاء مسنونة فيأمرهم الإِمَام بِالتَّوْبَةِ وَالصَّدَََقَة وَالْخُرُوج من الْمَظَالِم

стр. 145

وَمُصَالَحَة الْأَعْدَاء وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يخرج بهم فِي الْيَوْم الرَّابِع فِي ثِيَاب بذلة واستكانة وتضرع وَيُصلي بهم رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الْعِيد) الاسْتِسْقَاء طلب السقيا من الله تَعَالَى عِنْد الْحَاجة وَصلَاته سنة مُؤَكدَة (خرج رَسُول الله ﷺ يَسْتَسْقِي فَجعل إِلَى النَّاس ظَهره واستقبل الْقبْلَة وحول رِدَاءَهُ) وَفِي رِوَايَة جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة ثمَّ قبل الْخُرُوج يَعِظهُمْ الْأَمَام ويخوفهم عَذَاب الله وَيذكرهُمْ بالعواقب وَيَأْمُرهُمْ بِالصَّدَقَةِ وأنواع الْبر وبالخروج من الْمَظَالِم وَالتَّوْبَة من الْمعاصِي فَإِن هَذِه الْأُمُور سَبَب انْقِطَاع الْغَيْث والأعين وحرمان الرزق وَسبب الْغَضَب وإرسال الْعُقُوبَات من الْخَوْف والجوع وَنقص الْأَمْوَال والزروع والثمرات بل سَبَب تدمير أهل ذَلِك الإقليم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميراً﴾ وَيَأْمُرهُمْ بصيام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات ثمَّ يخرج بهم فِي الْيَوْم الرَّابِع وهم صِيَام لِأَن دُعَاء الصّيام أقرب إِلَى الْإِجَابَة وَيَكُونُونَ فِي ثِيَاب البذلة وَهِي الْخدمَة ليكونوا على هَيْئَة السَّائِل وَعَلَيْهِم السكينَة فِي مشيتهم وَكَلَامهم وجلوسهم فقد ورد أَنه ﵊ (خرج متبذلاً متواضعاً متضرعاً حَتَّى أَتَى الْمصلى) وَلَا يتطيب لِأَنَّهُ من السرُور وَيَنْبَغِي أَن يكون الاسْتِسْقَاء بالمشايخ المنكسرين والعاجزين والمحزونات وَالصغَار لِأَن دُعَاء هَؤُلَاءِ أقرب إِلَى الْإِجَابَة والحذر أَن يَقع الاسْتِسْقَاء بقضاة الرشا وفقراء الزوايا الَّذين يَأْكُلُون من أَمْوَال الظلمَة ويتعبدون بآلات اللَّهْو فَإِنَّهُم فسقة ومعتقدون أَن مزمار الشَّيْطَان قربَة وزنادقة فَلَا يُؤمن على النَّاس بسؤالهم أَن يزْدَاد غضب الله على تِلْكَ النَّاحِيَة فَإِذا خرج الإِمَام بهم صلى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الْعِيد ويستغفر فِي الأولى سبعا وَفِي الثَّانِيَة خمْسا ويجهر بِالْقِرَاءَةِ للْحَدِيث وَيسْتَحب أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَة نوح ﵇ لِأَنَّهَا لائقة بِالْحَال وَقَالَ الشَّافِعِي يقْرَأ فيهمَا مَا يقْرَأ فِي الْعِيد ووقتها وَقت الْعِيد قَالَه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَذكر الرَّوْيَانِيّ وَآخَرُونَ أَنه يبْقى بعد الزَّوَال مَا لم يصل الْعَصْر وَقَالَ الْمُتَوَلِي لَا يخْتَص بِوَقْت قَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَصَححهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهَا لَا تخْتَص بِوَقْت كَمَا لَا تخْتَص بِيَوْم وَالله أعلم قَالَ

стр. 146

(ثمَّ يخْطب بعْدهَا خطبتين ويحول رِدَاءَهُ وَيجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله وَيكثر من الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار) إِذا فرغ من الصَّلَاة اسْتحبَّ لَهُ أَن يخْطب على شَيْء عَال خطبتين لِأَنَّهُ ﵊ (خطب للاستسقاء على مِنْبَر) ويستغفر الله الْكَرِيم فِي افْتِتَاح الأولى تسعا وَالثَّانيَِة سبعا لِأَن الاسْتِغْفَار لَائِق بِالْحَال وليحذر كل الحذر أَن يسْتَغْفر بِلِسَانِهِ وَقَلبه مصر على بَقَائِهِ على الظُّلم والجور وَعدم إِقَامَة الْحُدُود وبقائه على الْغِشّ للرعية فيبوء بغضب من الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهَا صفة الْيَهُود وَقد ذمهم الله تَعَالَى على ذَلِك وَلِأَنَّهُ نوع استهزاء وَقد صرح الْعلمَاء بِأَن هَذَا الاسْتِغْفَار ذَنْب قد ذكر أَن عمر ﵁ لما استسقى لم يزدْ على الاسْتِغْفَار فَقَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نرَاك اسْتَسْقَيْت فَقَالَ قد طلبت الْغَيْث بِمَجَادِيح السَّمَاء الَّتِي يسْتَنْزل بهَا الْمَطَر ثمَّ قَرَأَ ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ الْآيَات والمجاديح نُجُوم كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا تمطر فَأخْبر عمر ﵁ أَن المجاديح الَّتِي يستمطر بهَا هُوَ الاسْتِغْفَار لَا النُّجُوم ويحول رداءة كَمَا ذكره الشَّيْخ وَيفْعل النَّاس مثل الْخَطِيب فِي التَّحْوِيل وَفِيه إِشَارَة إِلَى تَحْويل الْحَال من الشدَّة إِلَى الرخَاء وَمن الْعسر إِلَى الْيُسْر وَمن الْغَضَب إِلَى الرأفة وَيرْفَع يَدَيْهِ وَيَدْعُو رَوَاهُ مُسلم ثمَّ يَدْعُو بِدُعَاء رَسُول الله صلى اللخ عَلَيْهِ وَسلم ويبالغ فِي الدُّعَاء سرا وجهراً لقَوْله تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ فَإِذا أسر دَعَا النَّاس وَإِذا جهر أمنُوا وَمن جملَة الْأَدْعِيَة اللَّهُمَّ إِن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مَا لَا يشتكي إِلَّا إِلَيْك اللَّهُمَّ انبت لنا الزَّرْع وأدر لنا الضَّرع واسقنا من بَرَكَات السَّمَاء وَأنْبت لنا من بَرَكَات الأَرْض اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجهد والجوع والعرى واكشف عَنَّا من الْبلَاء مَا لَا يكشفه غَيْرك اللَّهُمَّ إِنَّا نستغفرك إِنَّك كنت بِنَا غفارًا فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارا وَالله أعلم قَالَ بَاب صَلَاة الْخَوْف (فصل وَصَلَاة الْخَوْف على ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة فيفرقهم الإِمَام فرْقَتَيْن فرقة تقف فِي وَجه الْعَدو وَفرْقَة تقف خَلفه فَيصَلي بالفرقة الَّتِي خَلفه رَكْعَة ثمَّ لنَفسهَا وتمضي إِلَى وَجه الْعَدو

стр. 147

وتجيء الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَيُصلي بهَا رَكْعَة ثمَّ تتمّ لنَفسهَا ثمَّ يسلم بهَا) صَلَاة الْخَوْف مَشْرُوعَة فِي حَقنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد صلاهَا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بعده وَلِأَن سَببهَا بَاقٍ فتفعل كالقصر قَالَ الشَّيْخ وَهِي ثَلَاثَة أضْرب الأول أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة فيفرقهم الإِمَام كَمَا قَالَ الشَّيْخ فرْقَتَيْن وَفرض الْمَسْأَلَة أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة بِحَيْثُ لَا تمكن مشاهدتنا لَهُم فِي الصَّلَاة وَلم نَأْمَن أَن يكبسونا فِي الصَّلَاة وَأَن يكون فِي الْمُسلمين كَثْرَة بِحَيْثُ تكون كل فرقة تقاوم الْعَدو وَحِينَئِذٍ فتذهب فرقة إِلَى وَجه الْعَدو ويتأخر بفرقة إِلَى حَيْثُ لَا تبلغهم سِهَام الْعَدو فيفتتح بهم الصَّلَاة وَيُصلي بهم رَكْعَة فَإِذا قَامَ إِلَى الثَّانِيَة خرج المقتدون عَن مُتَابَعَته بنية الْمُفَارقَة فَإِن لم ينووا الْمُفَارقَة بطلت صلَاتهم فَإِذا فارقوه أَتموا لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة وتشهدوا وسلموا وذهبوا إِلَى وَجه الْعَدو وَجَاءَت الطَّائِفَة الَّتِي فِي وَجه الْعَدو فاقتدوا بِالْإِمَامِ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة ويطيل الإِمَام الْقيام إِلَى لحوقهم فَإِذا لحقوه صلى بهم الثَّانِيَة فَإِذا جلس الإِمَام للتَّشَهُّد قَامُوا وَأَتمُّوا الثَّانِيَة وَالْإِمَام ينتظرهم فِي التَّشَهُّد فَإِذا لحقوه سلم بهم وَهَذِه الصَّلَاة على هَذِه الْكَيْفِيَّة هِيَ الَّتِي فعلهَا رَسُول الله ﷺ بِذَات الرّقاع وَذَات الرّقاع مَوضِع بِنَجْد وَسميت الْوَقْعَة بذلك لَان الْوَقْعَة كَانَت عِنْد شَجَرَة تسمى بذلك وَقيل لأَنهم لفوا على بواطن أَقْدَامهم الْخرق لِأَنَّهَا كَانَت قد تمزقت وَهَذَا أصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي الصَّحِيح وَقيل غير ذَلِك قَالَ (الثَّانِي أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة فيصفهم الإِمَام صفّين وَيحرم بِهِ فَإِذا سجد سجد مَعَه أحد الصفين ووقف الصَّفّ يحرسهم فَإِذا رفع سجدوا ولحقوه) هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة فيرتب الإِمَام النَّاس صفّين وَيحرم بِالْجمعِ فيصلون مَعَه حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الِاعْتِدَال عَن رُكُوع الرَّكْعَة الأولى فَإِذا سجد سجد مَعَه أحج الصفين إِمَّا الأول أَو الثَّانِي هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح وَلَا يتَعَيَّن صف للحراسة فَإِذا قَامَ الإِمَام وَمن مَعَه إِلَى الثَّانِيَة سجد الصَّفّ الآخر ولحقوه وَقَرَأَ بِالْجَمِيعِ وَركع بِالْجَمِيعِ فَإِذا اعتدل

стр. 148

حرس الصَّفّ الَّذِي سجد فِي الأولى وَسجد الصَّفّ الآخر فَإِذا رفعوا رؤوسهم يسْجد الصَّفّ الحارس وَهَذِه صَلَاة رَسُول الله ﷺ بعسفان كَمَا رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَغَيره وَإِن كَانَ فِي رِوَايَة مُسلم أَن الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ هُوَ الَّذِي يسْجد أَولا وَقَامَ الصَّفّ الآخر فِي نحر الْعَدو وَقَالَ الْأَصْحَاب ولهذه الصَّلَاة ثَلَاثَة شُرُوط أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة وَأَن يكون على جبل أَو مستو من الأَرْض لَا يسترهم شَيْء عَن أبصار الْمُسلمين وَأَن يكون فِي الْمُسلمين كَثْرَة تسْجد طَائِفَة وتحرس أُخْرَى وَاعْلَم أَنه لَو رتبهم صُفُوفا جَازَ وَكَذَا لَو حرس بعض صف وَالله أعلم قَالَ الْحَال (الثَّالِث أَن يَكُونُوا فِي شدَّة الْخَوْف والتحام الْحَرْب فَيصَلي كَيفَ أمكنه رَاجِلا أَو رَاكِبًا مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَغير مُسْتَقْبل لَهَا) الضَّرْب الثَّالِث صَلَاة شدَّة الْخَوْف فَإِذا اشْتَدَّ الْخَوْف وَلم يُمكن قسْمَة الْقَوْم لِكَثْرَة الْعَدو وَنَحْو ذَلِك والتحم الْقِتَال فَلم يقدروا على النُّزُول حَيْثُ كَانُوا ركباناً وَلَا على الانحراف إِن كَانُوا رجالة صلوا رجَالًا أَو ركباناً إِلَى الْقبْلَة وَإِلَى غَيرهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالاً أَو ركباناً﴾ قَالَ ابْن عمر ﵁ مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها وَكَذَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع مولى ابْن عمر ﵃ وَقَالَ مَا أرَاهُ إِلَّا ذكره عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ رَوَاهُ الشَّافِعِي بِسَنَدِهِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْأَصْحَاب يصلونَ بِحَسب الْإِمْكَان وَلَيْسَ لَهُم تَأْخِير الصَّلَاة عَن الْوَقْت وَإِذا صلوها على هَذِه الْكَيْفِيَّة فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِم وَلِهَذَا تَتِمَّة مرت فِي فصل الِاسْتِقْبَال وَالله أعلم قَالَ بَاب مَا يحرم على الرِّجَال من لِبَاس وَغَيره (فصل وَيحرم على الرِّجَال لبس الْحَرِير والتختم بِالذَّهَب وَيحل للنِّسَاء ويسير الذَّهَب وَكَثِيره سَوَاء) يحرم على الرِّجَال لبس الْحَرِير وَكَذَا التغطية بِهِ والاستناد إِلَيْهِ وافتراشه والتدثر بِهِ وَكَذَا اتِّخَاذه بطانة وستراً وَسَائِر وُجُوه الِاسْتِعْمَال وَحجَّة ذَلِك نَهْيه ﷺ عَن ذَلِك وَفِي رِوَايَة (نَهَانَا رَسُول الله ﷺ عَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ) وَعلة النَّهْي أَن فِيهِ خُيَلَاء وخنوثة

стр. 149

لَا تلِيق بشهامة الرِّجَال وَلِهَذَا لَا يلْبسهُ إِلَّا الأرذال الَّذين يتشبهون بِالنسَاء الملعونون على لِسَان الرَّسُول ﷺ وَيحل لبسه للنِّسَاء لقَوْله ﷺ (أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإناث أمتِي وَحرم على ذكورها) وَفِيه لَطِيفَة شَرْعِيَّة وَهُوَ أَن لبسه يمِيل الطَّبْع إِلَى وَطْء النِّسَاء فَيُؤَدِّي إِلَى مَا طلبه سيد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ وَهُوَ كَثْرَة النَّسْل وَهل يحرم على النِّسَاء افتراش الْحَرِير فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الرَّافِعِيّ يحرم لما فِيهِ من السَّرف وَالْخُيَلَاء أَلا ترى أَنه يجوز لَهُنَّ لبس الذَّهَب دون الْأكل فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلِأَن الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِي اللّبْس بِتَمَامِهِ مَفْقُود فِي الافتراش وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ الْجَوَاز وَقَوله يحرم على الرِّجَال يُؤْخَذ مِنْهُ أَن لَا يحرم على الصّبيان حَتَّى أَنه يجوز لوَلِيّ الصَّبِي أَن يلْبسهُ وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير بِشَرْط أَن يكون دون سبع سِنِين وَالصَّحِيح فِي الْمُحَرر وَعند النَّوَوِيّ الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخ وَقَول الشَّيْخ ويسير الذَّهَب وَكَثِيره سَوَاء يَعْنِي فِي التَّحْرِيم وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﷺ (لَا تلبسوا الْحَرِير والديباج وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلكم فِي الْآخِرَة) لهَذَا تَتِمَّة مهمة مرت فِي أول الْكتاب وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا كَانَ بعض الثَّوْب إبْريسَمًا وَبَعضه قطنا أَو كتانا جَازَ لبسه مَا لم يكن الابريسم غَالِبا) حرم مَا حرم اسْتِعْمَاله من الْحَرِير الصّرْف وَإِذا ركب مَعَ غَيره مِمَّا يُبَاح اسْتِعْمَاله كالكتان وَغَيره مَا حكمه ينظر إِن كَانَ الْأَغْلَب الْحَرِير حرم وَإِن كَانَ الْأَغْلَب غَيره حل تَغْلِيبًا لجَانب الْأَكْثَر إِذْ الْكَثْرَة من أَسبَاب التَّرْجِيح فَإِن اسْتَويَا فَوَجْهَانِ الْأَصَح الْحل لِأَنَّهُ لَا يُسمى ثوب حَرِير وَالْأَصْل فِي الْمَنَافِع الْإِبَاحَة وَقيل يحرم تَغْلِيبًا لجَانب التَّحْرِيم وَهُوَ الْقيَاس لِأَن الْقَاعِدَة التَّحْرِيم عِنْد اجْتِمَاع الْحَلَال وَالْحرَام وَالصَّحِيح أَن الِاعْتِبَار بِالْوَزْنِ فِي الْكَثْرَة والقلة وَقيل الِاعْتِبَار بالظهور وَهُوَ قوي لوُجُود الْمَعْنى من الْخُيَلَاء وميل النَّفس وَاعْلَم أَنه يحل الثَّوْب الْمُطَرز والمطرف الَّذِي جعل طرفه حَرِيرًا كالطوق والفرج ورؤوس الأكمام والذيل ظَاهرا كَانَ التطريف أَو بَاطِنا وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَحَادِيث مِنْهَا مَا ورد عَن عمر ﵁ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن لبس الْحَرِير إِلَّا فِي مَوضِع أصْبع أَو أصبعين أَو ثَلَاث أَو أَربع وَهَذَا فِي التطريف والتطريز بالحرير

стр. 150

أما الذَّهَب فَإِنَّهُ حرَام لشدَّة السَّرف وَقد صرح بذلك الْبَغَوِيّ وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة يَنْبَغِي أَن يتَنَبَّه لَهَا فَإِن كثيرا من الأرذال من أَبنَاء الدُّنْيَا يدْفع إِلَيْهِ فِي وَقت الْوضُوء أَو الْحمام شَمله أَو منشفة مطرفة بِالذَّهَب فيستعملها وَرُبمَا جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد ووضعها تَحت جَبهته فِي وَقت الصَّلَاة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ بعض الْعلمَاء الْفِتْنَة الْكفْر عَافَانَا الله تَعَالَى من ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

стр. 151

كتاب الْجَنَائِز بَاب مَا يلْزم الْمَيِّت (فصل وَيلْزم فِي الْمَيِّت أَرْبَعَة أَشْيَاء غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفنه) لَا خلاف أَن الْمَيِّت الْمُسلم يلْزم النَّاس الْقيام بأَمْره فِي هَذِه الْأَرْبَعَة وَالْقِيَام بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة فرض كِفَايَة بِالْإِجْمَاع ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَفِيه شَيْء وَالْفرق بَين فرض الْعين والكفاية أَن الْخطاب فِي فرض الْعين يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد بِعَيْنِه كالصلوات الْخمس وَأما فرض الْكِفَايَة فَهُوَ الَّذِي يتَنَاوَل بَعْضًا غير معِين كالجهاد وَسمي فرض كِفَايَة لِأَن فعل الْبَعْض كَاف فِي تَحْصِيل الْمَقْصُود إِذا عرفت هَذَا فَمَتَى تحقق موت الْمُسلم اسْتحبَّ الْمُبَادرَة إِلَى تَجْهِيزه وَأَقل الْغسْل اسْتِيعَاب بدنه بِالْغسْلِ بعد إِزَالَة النَّجَاسَة لِأَن ذَلِك هُوَ الْوَاجِب فِي حق الْحَيّ فِي غسل الْجَنَابَة وَهل تشْتَرط نِيَّة الْغَاسِل فِي غسل الْمَيِّت وَجْهَان الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر لَا يجب لِأَن الْمَقْصُود من غسل الْمَيِّت النَّظَافَة وَهِي تحصل بِلَا نِيَّة وَلِأَن الْمَيِّت لَيْسَ من أهل النِّيَّة بِخِلَاف الْحَيّ فعلى هَذَا يَكْفِي غسل الْكَافِر وَلَا الغريق لحُصُول النَّظَافَة وَالثَّانِي أَنه يشْتَرط النِّيَّة فعلى هَذَا لايكفي غسل الْكَافِر وَلَا الغريق وَعلل بِأَنا مأمورون بِغسْلِهِ وَصحح النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وجوب غسل الغريق بعد تَصْحِيحه عدم اشْتِرَاط النِّيَّة وَالْعجب أَن الرَّافِعِيّ رجح فِي شرحيه وجوب غسل الغريق وَيسْتَحب أَن يوضئه الْغَاسِل كوضوء الْحَيّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَلَو خرج مِنْهُ شَيْء بعد الْغسْل وَجب إِزَالَته فَقَط دون الْوضُوء وَالْغسْل على الصَّحِيح وَلَو تحرق بِحَيْثُ لَو غسل تهري يمم وَإِن كَانَ بِهِ قُرُوح وَخيف من تغسيله تسارع البلى بعد الدّفن غسل لأَنا صائرون إِلَيْهِ وَلَا يختتن الْمَيِّت على الْمَذْهَب وَالله أعلم وَأما الْكَفَن فأقله ثوب وَاحِد فِي حق الرجل وَالْمَرْأَة لقصة مُصعب بن عُمَيْر وَهِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحكم الصَّلَاة يَأْتِي وَأما الدّفن فأقله حُفْرَة تكْتم رَائِحَة الْمَيِّت وتحرسه عَن السبَاع

стр. 152

بِحَيْثُ يتَعَذَّر نبش مثلهَا غَالِبا وَالله أعلم قَالَ (وَاثْنَانِ لَا يغسلان وَلَا يصلى عَلَيْهِمَا الشَّهِيد فِي معركة الْكفَّار والسقط الَّذِي لم يستهل) وَيصلى عَلَيْهِ إِن اختلج اعْلَم أَن الشَّهِيد يصدق على كل من قتل ظلما أَو مَاتَ بغرق أَو حرق أَو هدم أَو مَاتَ مبطوناً أَو مطعوناً أَو مَاتَ عشقاً أَو كَانَت امْرَأَة وَمَاتَتْ فِي الطلق وَنَحْو ذَلِك وَكَذَا من مَاتَ فَجْأَة أَو فِي دَار الْحَرْب قَالَه ابْن الرّفْعَة وَمَعَ صَدَقَة أَنهم شُهَدَاء فَهَؤُلَاءِ يغسلون وَيصلى عَلَيْهِم كَسَائِر الْمَوْتَى وَمعنى الشَّهَادَة لَهُم أَنهم أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَأما من مَاتَ فِي قتال الْكفَّار مُدبرا غير متحرف لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى الفئة أَو كَانَ يُقَاتل رِيَاء وَسُمْعَة فَهَذَا شَهِيد فِي الحكم بِمَعْنى أَنه لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَهُوَ شَهِيد فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة وَأما من مَاتَ فِي قتال الْكفَّار بِسَبَب الْقِتَال على الْوَجْه المرضي فَهَذَا شَهِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كمن قتل مُشْرك أَو أَصَابَهُ سلَاح مُسلم خطأ أَو عَاد عَلَيْهِ سلَاح نَفسه أَو سقط عَن فرسه أَو رمحته دَابَّته أَو تردى فِي وهدة فَمَاتَ وَكَذَا لَو وجدنَا قَتِيلا عِنْد انكشاف الْحَرْب وَلم يعلم سَبَب مَوته سَوَاء كَانَ عَلَيْهِ أثر دم أم لَا لِأَن الظَّاهِر أَنه مَاتَ بِسَبَب الْقِتَال فَهَذَا لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ سَوَاء فِي ذَلِك الْبَالِغ وَالصَّبِيّ وَالْحر وَالْعَبْد وَالرجل وَالْمَرْأَة كَمَا ورد عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ (لم يغسل قَتْلَى أحد وَلم يُصَلِّي عَلَيْهِم) وَأما من مَاتَ حَال معركة الْكفَّار لَا بِسَبَب الْقِتَال بل بِمَرَض أَو فَجْأَة فَالْمَذْهَب أَنه لَيْسَ بِشَهِيد وَلَو جرح فِي الْقِتَال وَمَات بعد الْقِتَال وَمَات بعد الْقِتَال فَإِن قطع بوته من تِلْكَ الْجراحَة وَبَقِي فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة بعد انْقِضَاء الْحَرْب فَفِيهِ خلاف وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بِشَهِيد وَإِن قصر الزَّمَان وَإِن بَقِي أَيَّامًا فَلَيْسَ بِشَهِيد بِلَا خلاف وَاعْلَم أَن ظَاهر إِطْلَاق الشَّيْخ يَشْمَل الشَّهِيد الْجنب وَهُوَ كَذَلِك فَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَحجَّة ذَلِك أَن حَنْظَلَة قتل يَوْم أحد فَلم يغسلهُ النَّبِي ﷺ وَقَالَ (رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله) فَلَو كَانَ وَاجِبا لم يسْقط إِلَّا بفعلنا وَالله أعلم وَأما السقط حالتان الأولى أَن يستهل أَي يرفع صَوته بالبكاء أَو لم يستهل وَلَكِن شرب اللَّبن أَو نظر أَو تحرّك حَرَكَة كَبِيرَة تدل على الْحَيَاة ثمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يغسل وَيصلى عَلَيْهِ بِلَا خلاف لأَنا تَيَقنا حَيَاته وَفِي الحَدِيث (إِذا اسْتهلّ الصَّبِي ورث وَصلى عَلَيْهِ) قَالَ ابْن الْمُنْذر إِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على الصَّلَاة

стр. 153

على مثل هَذَا وعَلى تغسيله وَفِي دَعْوَى الْإِجْمَاع شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة الْحَالة الثَّانِيَة أَن لَا يتَيَقَّن حَيَاته بِأَن لَا يستهل وَلَا ينظر وَلَا يمتص وَنَحْوه فَينْظر إِن عرى عَن أَمارَة الْحَيَاة كالاختلاج وَنَحْوه فَينْظر أَيْضا إِن لم يبلغ حدا ينْفخ فِيهِ الرّوح وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر فَصَاعِدا لم يصل عَلَيْهِ بِلَا خلاف فِي الرَّوْضَة وَلَا يغسل على الْمَذْهَب لِأَن الْغسْل أخف من الصَّلَاة وَلِهَذَا يغسل الذِّمِّيّ وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَإِن بلغ أَرْبَعَة أشهر فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه أَيْضا لَا يصلى عَلَيْهِ لَكِن يغسل على الْمَذْهَب وَأما إِذا اختلج أَو تحرّك فيصلى عَلَيْهِ على الْأَظْهر وَيغسل على الْمَذْهَب وَاعْلَم أَن مَا لم تظهر فِيهِ خلقَة آدَمِيّ يَكْفِي فِيهِ المواراة كَيفَ كَانَ وَبعد ظُهُور خلقَة الْآدَمِيّ حكم التَّكْفِين حكم الْغسْل وَالله أعلم قَالَ (وَيغسل الْمَيِّت وترا وَيكون فِي أول غسله سدر وَفِي آخِره شَيْء يسير من الكافور) قد مر ذكر أقل الْغسْل وَأما أكمله فأمور كَثِيرَة مِنْهَا مَا ذكره الشَّيْخ فَيغسل بعد توضئته رَأسه ثمَّ لحيته بسدر وخطمي وَنَحْوهمَا وَيغسل الشق الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثَلَاثًا لما روى البُخَارِيّ عَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَت دخل علينا رَسُول الله وَنحن نغسل ابْنَته فَقَالَ (اغسلنها ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو أَكثر من ذَلِك إِن رأيتن ذَلِك بِمَاء وَسدر واجعلن فِي الْآخِرَة كافوراً أَو شَيْئا من كافور وابدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا قَالَت فضفرنا شعرهَا ثَلَاثَة أَثلَاث قرنيها وناصيتها) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ (وألقيناها خلفهَا) وَيسْتَحب تَسْرِيح لحيته وَرَأسه إِن كَانَ عَلَيْهِمَا شعر بِمشْط وَاسع الْأَسْنَان وَيكون بِرِفْق لِئَلَّا ينتف فَإِن انتتف شَيْء رده بعد غسله إِلَيْهِ وَوَضعه مَعَه فِي الْكَفَن إِكْرَاما لأجل الْآيَة كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَعَن القَاضِي حُسَيْن أَنه يردهُ وَعنهُ أَنه يردهُ إِلَيْهِ وَاعْلَم أَنه يجب الِاحْتِرَاز عَن كَبه على وَجهه فَإِذا غسله بالسدر وَنَحْوه أَزَال ذَلِك ثمَّ بعد زَوَاله يغسل بِالْمَاءِ القراح ثَلَاثًا وَيجْعَل فِي كل غسلة كافورا وَفِي غسلته الْأَخِيرَة آكِد وَليكن الكافور قَلِيلا لِئَلَّا يتَغَيَّر بِهِ المَاء فيلبه الطّهُورِيَّة فَلَا يَكْفِي ذَلِك فِي الْغسْل كَمَا لَا يَكْفِي المَاء الْمَخْلُوط بالسدر وَنَحْوه فليتنبه لذَلِك وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة بقول الشَّيْخ شَيْء يسير من كافور وَالله أعلم قَالَ (ويكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة)

стр. 154

تقدم أقل الْكَفَن وَيسْتَحب أَن يُكفن الرجل فِي ثَلَاثَة أَثوَاب وأفضلها الْبيَاض وَلَا يكون فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة بل إِزَار ولفافتان فالإزار من سرته إِلَى ركبته وَالثَّانِي من عُنُقه إِلَى كَعبه وَالثَّالِث يستر جَمِيع بدنه وَأما الْمَرْأَة فَفِي خَمْسَة أَثوَاب إِزَار وخمار وقميص ولفافتان وَهَذِه الْأُمُور ثَابِتَة بِالسنةِ وَالله أعلم وَاعْلَم أَن كل شخص يُكفن بِمَا يجوز لَهُ لبسه فِي حَيَاته فَيجوز تكفين الْمَرْأَة فِي الْحَرِير لَكِن يكره وَيحرم ذَلِك فِي حق الرجل وَيكرهُ المزعفر والمعصفر ثمَّ الْجَوْدَة والرداءة تتَعَلَّق بِحَال الْمَيِّت فَإِن كَانَ مكثراً فَمن جِيَاد الثِّيَاب وَإِن كَانَ متوسطاً فَمن وَسطهَا وَإِن كَانَ مقلا فَمن أخشن الثِّيَاب وَتكره المغالاة فِي الْكَفَن والمغسول أولى لِأَن الْجَدِيد أليق بالحي وَيكون صفيقاً غير رَقِيق لِأَن الْمَقْصُود بَقَاؤُهُ دون الزِّينَة وَالله أعلم قَالَ (وَيكبر عَلَيْهِ أَربع تَكْبِيرَات يقْرَأ الْفَاتِحَة بعد الأولى وَيصلى على النَّبِي ﷺ بعد الثَّانِيَة وَيَدْعُو للْمَيت بعد الثَّالِثَة وَيسلم بعد الرَّابِعَة) قد علمت أَن الصَّلَاة على الْمَيِّت فرض كِفَايَة فَيشْتَرط فِيمَن يُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَة أُمُور أَن يكون مَيتا مُسلما غير شَهِيد كَمَا مر إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن للصَّلَاة على الْمَيِّت سَبْعَة أَرْكَان الأولى النِّيَّة وَيشْتَرط التَّعَرُّض لذكر الْفَرْضِيَّة على الصَّحِيح ثمَّ إِن كَانَ الْمَيِّت وَاحِدًا نوى الصَّلَاة عَلَيْهِ وَإِن حضر موتى نوى الصَّلَاة عَلَيْهِم وَلَا يشْتَرط تعين الْمَيِّت بل لَو نوى الصَّلَاة على من صلى عَلَيْهِ الإِمَام كفى نعم لَو عين الْمَيِّت وَأَخْطَأ لم تصح وَتجب نِيَّة الِاقْتِدَاء الْفَرْض الثَّانِي الْقيام عِنْد الْقُدْرَة الرُّكْن الثَّالِث التَّكْبِيرَات وَهِي أَربع فَلَو كبر خمْسا لم تبطل صلَاته لثُبُوت ذَلِك فِي الصَّحِيح مُسلم وَلِأَنَّهُ ذكر الرُّكْن الرَّابِع: السَّلَام الْخَامِس قرائة الفاتحه بعد الأولى لما روى النَّسَائِيّ على شَرط الصَّحِيح عَن سهل قَالَ السّنة فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة أَن يقْرَأ فِي التكبيره الاولى بِأم الْقُرْآن مَخَافَة السِّرّ كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي التِّبْيَان إِنَّهَا تجب بعد التَّكْبِيرَة الأولى وَخَالف ذَلِك فِي الرَّوْضَة فَقَالَ تبعا للرافعي فِي الشَّرْح إِنَّه يجوز تَأْخِيرهَا إِلَى الثَّانِيَة وَخَالف ذَلِك فِي الْمِنْهَاج فَقَالَ

стр. 155

تجزيء بعد غير الأولى وَذكر نَحوه فِي شرح الْمُهَذّب وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا تجوز بعد الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة وَالله أعلم الرُّكْن السَّادِس الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ بعد الثَّانِيَة لوروده فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَالصَّحِيح أَن الصَّلَاة على الْآل لَا تجب لِأَن صَلَاة الْجِنَازَة مَبْنِيَّة على التَّخْفِيف الرُّكْن السَّابِع الدُّعَاء للْمَيت بعد التَّكْبِيرَة الثَّالِثَة وَالْوَاجِب مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء وَأما الْأَكْمَل فأدعيه كَثِيرَة جَامِعَة فأحسنها مَا رَوَاهُ مُسلم عَن عَوْف بن مَالك ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ على جَنَازَة فَسَمعته يَقُول (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله ووسع مدخله واغسله بِمَاء الثَّلج وَالْبرد ونقه من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَار خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خير من زوجه وقه فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار) قَالَ عَوْف فتمنيت أَن أكون أَنا الْمَيِّت وَيَقُول فِي الطِّفْل (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فرطا لِأَبَوَيْهِ وسلفاً وذخراً وعظةً واعتباراً وشفيعاً وَثقل بِهِ موازينهما وأفرغ الصَّبْر الْجَمِيل على قلوبهما) وَهُوَ مُنَاسِب لَائِق بِالْحَال وَيسن مَعَه (وَلَا تفتنهما بعده وَلَا تحرمهما أُجْرَة) قَالَ النَّوَوِيّ وَيَقُول بعد الرَّابِعَة اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَصَحَّ أَنه ﵊ كَانَ يَدْعُو بِهِ وَيسن أَن يزِيد واغفر لنا وَله وَالله أعلم (فرع) الْمَأْمُوم الْمُوَافق إِذا تخلف عَن الإِمَام بِلَا عذر فَلم يكبر حَتَّى كبر الإِمَام أُخْرَى بطلت صلَاته لِأَن التَّخَلُّف بالتكبيرة كالتخلف بِرَكْعَة فِي غير صَلَاة الْجِنَازَة وَأما الْمَسْبُوق فيكبر وَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَإِن كَانَ الإِمَام فِي الصَّلَاة عِنْد الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ أَو الدُّعَاء بل يُرَاعِي نظم صَلَاة نَفسه فَلَو كبر الإِمَام أُخْرَى قبل شُرُوعه فِي الْفَاتِحَة كبر مَعَه سَقَطت الْقِرَاءَة كَمَا لَو ركع الإِمَام فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يرْكَع مَعَه وَلَا يقْرَأ وان كبر الإِمَام والمسبوق فِي الْفَاتِحَة ترك الْبَقِيَّة وَتَابعه على الْمَذْهَب مُحَافظَة على الْمُتَابَعَة فَإِذا سلم الإِمَام تدارك الْمَأْمُوم بَاقِي الصَّلَاة بتكبيراتها وأذكارها وَيسْتَحب أَن لَا ترفع الْجِنَازَة حَتَّى يتم المقتدون صلَاتهم وَلَا يضر رَفعهَا قبله وَيُصلي على الْغَائِب عَن الْبَلَد لِأَنَّهُ ﵊ صلى على النَّجَاشِيّ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَلَو صلى على من مَاتَ فِي يَوْمه وَغسل

стр. 156

صَحَّ قَالَه الرَّوْيَانِيّ وَلَو صلى على من دفن صحت صلَاته لِأَنَّهُ ﵊ صلى على قبر بعد مَا دفن رَوَاهُ الشَّيْخَانِ زَاد الدَّارَقُطْنِيّ بعد شهر وَالله أعلم قَالَ (ويدفن فِي لحد مُسْتَقْبل الْقبْلَة ويسطح الْقَبْر بعد أَن يعمق وَلَا يبْنى عَلَيْهِ وَلَا يجصص) تقدم أَن الدّفن فرض كِفَايَة وَأَن أَقَله حُفْرَة تمنع الرَّائِحَة وَالسِّبَاع وَيسْتَحب أَن يدْفن فِي اللَّحْد وَهُوَ أفضل من الشق لما ورد عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه قَالَ (اتَّخذُوا لي لحداً وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا كَمَا فعل برَسُول الله ﷺ وَفِي رِوَايَة (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) وَلَو كَانَت الأَرْض رخوة تعين الشق وَقَالَ الْمُتَوَلِي يلْحد بِالْبِنَاءِ واللحد أَن يحْفر فِي أَسْفَل الْقَبْر مِمَّا يَلِي الْقبْلَة حُفْرَة تسع الْمَيِّت والشق أَن يحْفر فِي وسط الْقَبْر كالنهر ويبنى جانباه وَيُوضَع الْمَيِّت بَينهمَا ويسقف بِاللَّبنِ وَيجب أَن يدْفن الْمَيِّت مُسْتَقْبل الْقبْلَة حَتَّى لَو دفن مستدبراً أَو مُسْتَلْقِيا فَإِنَّهُ ينبش وَيُوجه إِلَى الْقبْلَة مَا لم يتَغَيَّر وَيسْتَحب أَن يُوسع الْقَبْر ويعمق قدر قامة وبسطة لِأَن عمر ﵁ أوصى بذلك وَالزِّيَادَة على هَذَا التعميق غير مأثورة وَالْمرَاد قامة رجل معتدل يقوم ويبسط يَدَيْهِ مرفوعتين وَذَلِكَ ثَلَاثَة أَذْرع وَنصف قَالَه الرَّافِعِيّ وَقيل أَرْبَعَة وَنصف وَصَوَّبَهُ فِي الرَّوْضَة وَنَقله عَن الْجُمْهُور وَقَالَ فِي الدقائق الأول غلط وَقيل الْمُسْتَحبّ قدر قامة فَقَط وَهُوَ ثَلَاثَة أَذْرع وَيرْفَع الْقَبْر قدر شبر فَقَط ليعرف فيزار ويحترم روى ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَن قبر ﷺ كَذَلِك وَالصَّحِيح أَن تسطيحه أفضل من تسنيمه رُوِيَ أَن قَبره ﵊ وقبر أبي بكر الصّديق والفاروق ﵄ فَإِن قلت روى البُخَارِيّ عَن سُفْيَان التمار أَنه رأى قبر رَسُول الله ﷺ مسنماً فَالْجَوَاب كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ أَنه كَانَ أَولا مسطحًا فَلَمَّا سقط الْجِدَار فِي زمن الْوَلِيد وَقيل فِي زمن ابْن عبد الْعَزِيز جعل مسنما وَالْمُسْتَحب أَن لَا يُزَاد فِي الْقَبْر على ترابه الَّذِي خرج مِنْهُ وَيكرهُ تجصيصه وَالْكِتَابَة عَلَيْهِ وَكَذَا الْبناء عَلَيْهِ فَلَو بنى عَلَيْهِ إِمَّا قبَّة أَو محوطاً وَنَحْوه نظر إِن كَانَ فِي مَقْبرَة مسْلبَةٌ هدم لِأَن الْبناء وَالْحَالة هَذِه حرَام قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا بِلَا خلاف وَهل يطين الْقَبْر قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ لَا وَلم يذكر جُمْهُور الْأَصْحَاب وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ لَا بَأْس بالتطيين وَيسْتَحب أَن يرش على الْقَبْر مَاء وَأَن يوضع عَلَيْهِ حَصى وَأَن يوضع عِنْد رَأسه صَخْرَة أَو خَشَبَة وَنَحْوهَا وَيكرهُ أَن يضْرب عَلَيْهِ خيمة وَلَا بَأْس بِالْمَشْيِ بالنعل بَين الْقُبُور وَلَا يسْتَند أحد إِلَى قبر وَلَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يُوطأ لما ورد (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا عَلَيْهَا) وَفِي التِّرْمِذِيّ

стр. 157

النَّهْي عَن وَطئهَا وكل ذَلِك حرَام صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَجزم بِهِ فِي آخر كتاب الْجَنَائِز وَإِن كَانَ فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه مَكْرُوه وَالله أعلم قَالَ (وَلَا بَأْس بالبكاء على الْمَيِّت من غير نوح وَلَا شقّ جيب وَلَا ضرب خد) يجوز الْبكاء على الْمَيِّت قبل الْمَوْت وَبعده أما قبله فلرواية أنس ﵁ قَالَ (دَخَلنَا على رَسُول الله ﷺ وَإِبْرَاهِيم وَلَده يجود بِنَفسِهِ فَجعلت عينا رَسُول الله ﷺ تَذْرِفَانِ) يَعْنِي تسيلان وَأما بعده فَلَمَّا رَوَاهُ أنس أَيْضا قَالَ شَهِدنَا دفن بنت رَسُول الله ﷺ (فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ وَهُوَ جَالس على قبرها) وَورد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﵊ (زار قبر أمه فَبكى وأبكى من حوله) وَاعْلَم أَن الأولى عدم الْبكاء بعد الْمَوْت وَقد قَالَ بَعضهم بِالْكَرَاهَةِ لقَوْله ﷺ (إِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية) إِسْنَاده صَحِيح وَمعنى وَجَبت خرجت والبكا بِالْقصرِ الدمع وبالمد رفع الصَّوْت وَتحرم النِّيَاحَة على الْمَيِّت ولصاحبها عُقُوبَة عَظِيمَة قَالَ رَسُول الله ﷺ (النائحة إِذا لم تتب تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب) وَالنوح رفع الصَّوْت بالندب وَالنَّدْب أَن تَقول الخاسرة واسنداه واقوة ظهراه واعزاه واظريف الشَّمَائِل وَنَحْو ذَلِك قَالَ ﵊ (مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واجبلاه واسنداه وَنَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه أهكذا كنت) واللهز ضرب الصَّدْر بِالْيَدِ وَهِي مَقْبُوضَة وَأما شقّ الجيب وَضرب الصَّدْر والخد ونثر الشّعْر وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا كُله حرَام وَأمر جاهلي قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَيْسَ منا من ضرب الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (برىء رَسُول الله ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة) والصلق رفع الصَّوْت عِنْد الْمُصِيبَة وَالْمعْنَى فِي تَحْرِيم ذَلِك أَنه يشبه التظلم مِمَّن ظلمه والاستغاثة من ذَلِك وَذَلِكَ عدل من

стр. 158

الله سُبْحَانَهُ الْعَزِيز الْحَكِيم وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح (إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ) فَلَو وَقعت هَذِه الْأُمُور هَل يعذب الْمَيِّت بِهَذِهِ الْأَفْعَال الْجَاهِلِيَّة ينظر إِن أوصى بذلك كَمَا يَفْعَله بعض أهل الثروة وَبَعض أهل الْبَوَادِي بِأَن يوصيهم بذلك وَيَقُول إِذا مت فنوحوا عَليّ يحزنهم بذلك فَهَذَا يعذب لِأَنَّهُ أوصى بِمَا جَاءَ رَسُول الله ﷺ بِتَرْكِهِ وإماتته وَإِن لم يوص بل فعل أَهله ذَلِك لَا بِرِضَاهُ وَلَا بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يعذب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله أعلم قَالَ (ويعزى أَهله إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام من دَفنه) التَّعْزِيَة فِي اللُّغَة التسلية عَمَّن يعزى عَلَيْهِ وَعند حمله الشَّرِيعَة الْحمل على الصَّبْر على الْمَيِّت بِذكر مَا وعد الله تَعَالَى من الثَّوَاب والتحذير من الْجزع الْمَذْهَب لِلْأجرِ والمكسب للوزر وَالدُّعَاء للْمَيت بالمغفرة وَلِصَاحِب الْمُصِيبَة بجبر مصيبته وَهِي سنة لما ورد عَن أُسَامَة ﵁ قَالَ (أرْسلت إِحْدَى بَنَات رَسُول الله ﷺ تَدعُوهُ وَتُخْبِرهُ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ للرسول ارْجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا أَن لله مَا أَخذ وَله مَا أعْطى وكل شَيْء عِنْده بِأَجل مُسَمّى فَمُرْهَا فَلتَصْبِر ولتحتسب) وَفِي هَذَا الحَدِيث فَائِدَتَانِ جليلتان من استعملهما بِإِيمَان قلبِي فقد ذاق حلاوة الْإِيمَان وَذَلِكَ أَن الشَّخْص إِذا ذاق طعم أَن لله مَا أعْطى وَله مَا أَخذ فَلَا ملك لَهُ فَلَا يشق عَلَيْهِ أَمر مصيبته فَإِن فَاتَهُ ذَلِك وَغلب عَلَيْهِ الْوَازِع الطبيعي دَفعه الْوَازِع الشَّرْعِيّ بِالصبرِ والاحتساب فَإِن فَاتَهُ ذَلِك تعدّدت مصيبته وَهَذَا إِنَّمَا ينشاً من فرَاغ النَّفس عَن الله تَعَالَى بِخِلَاف العامر بِهِ فَإِنَّهُ يرى الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد فتْنَة وبعداً عَن بغيته وَلِهَذَا لما تعجب أَصْحَاب ابْن مَسْعُود من حسن أَوْلَاده قَالَ لَهُم لَعَلَّكُمْ تتعجبون من حسنهم وَالله لفراغ يَدي من تربيتهم أحب إِلَيّ من بقائهم علم أَنهم مَظَنَّة قطعه عَن محبوبه فتآلى على ذَلِك خشيَة الشّغل بهم عَنهُ فيفوته الْمقَام الْأَسْنَى ﵁ وَيسْتَحب أَن يعم بالتعزية أهل الْمَيِّت صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ ذكرهم وأنثاهم نعم لَا يعزي الشَّابَّة إِلَّا محارمها وَالْأولَى أَن تكون قبل الدّفن لِأَنَّهُ وَقت شدَّة الْحزن وَتَكون فِي ثَلَاثَة أَيَّام لِأَن قُوَّة الْحزن لَا تزيد عَلَيْهَا فِي الْغَالِب وَبعد الثَّلَاثَة مَكْرُوه لِأَنَّهَا تجدّد الْحزن وَقد جعل رَسُول الله ﷺ نِهَايَة الْحزن ثَلَاثًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا) وَابْتِدَاء الثَّلَاثَة من

стр. 159

الدّفن جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَنَقله عَن الْأَصْحَاب نعم جزم الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهَا من الْمَوْت وَبِه جزم ابْن الرّفْعَة وَصَححهُ الْخَوَارِزْمِيّ وَيسْتَثْنى مَا إِذا كَانَ المعزى أَو المعزي غَائِبا فَإِنَّهَا تمتد إِلَى قدوم الْغَائِب فَإِذا قدم هَل تمتد ثَلَاثَة أَيَّام أم تخْتَص بِحَالَة الْحُضُور قَالَ الإسنائي كَلَام الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ يُوهم مَشْرُوعِيَّة الثَّلَاث عِنْد قدوم الْغَائِب وَهُوَ كَذَلِك أم تخْتَص بِحَالَة الْحُضُور قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ شيخ مَكَّة لم أر فِيهِ نقلا وَالظَّاهِر مَشْرُوعِيَّة الثَّلَاثَة بعد الْحُضُور وَالله أعلم

стр. 160

كتاب الزَّكَاة بَاب مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وشرائط وُجُوبهَا فِيهِ (تجب الزَّكَاة فِي خَمْسَة أَشْيَاء الْمَوَاشِي والأثمان والزروع وَالثِّمَار وعروض التِّجَارَة) الزَّكَاة فِي اللُّغَة النمو وَالْبركَة وَكَثْرَة الْخَيْر يُقَال زكا الزَّرْع إِذا نما وزكا فلَان أَي كَثْرَة بره وخيره وَهِي فِي الشَّرْع اسْم لقدر من المَال مَخْصُوص يصرف لأصناف مَخْصُوصَة بشرائط وَسميت بذلك لِأَن المَال يَنْمُو ببركة إخْرَاجهَا ودعا الْآخِذ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتيتم من زَكَاة تُرِيدُونَ وَجه الله فَأُولَئِك هم المضعفون﴾ ثمَّ وجوب الزَّكَاة ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَمن السّنة حَدِيث (بني الْإِسْلَام على خمس) وَمِنْهَا الزَّكَاة وَلِهَذَا كَانَت أحد أَرْكَان الْإِسْلَام فَمن جَحدهَا كفر إِلَّا أَن يكون قريب عهد بِالْإِسْلَامِ فَيعرف وَمن منعهَا وَهُوَ يعْتَقد وُجُوبهَا أخذت مِنْهُ قهرا ثمَّ الزَّكَاة نَوْعَانِ أَحدهَا يتَعَلَّق بِالْبدنِ وَهِي زَكَاة الْفطر وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي محلهَا

стр. 161

وَالثَّانِي يتَعَلَّق بِالْمَالِ وَهِي هَذِه الْأُمُور الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ وَسَتَأْتِي مفصلة فِي محلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله أعلم قَالَ (فَأَما الْمَوَاشِي فَتجب الزَّكَاة فِي ثَلَاثَة أَجنَاس مِنْهَا وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم) دَلِيل وُجُوبهَا فِي هَذِه الثَّلَاثَة الاجماع وَغَيره وَالْمعْنَى فِي تخصيصها كثرتها وَكَثْرَة نمائها وَكَثْرَة الِانْتِفَاع بهَا مَعَ كَونهَا مأكولة فاحتملت الْمُوَاسَاة بِخِلَاف غَيرهَا وَبِأَن الأَصْل عدم وُجُوبهَا فِي غَيرهَا إِلَّا مَا ثَبت بِدَلِيل خَاص قَالَ (وشرائط وُجُوبهَا سِتَّة أَشْيَاء الْإِسْلَام وَالْحريَّة وَالْملك التَّام والنصاب والحول والسوم) مَتى اجْتمعت هَذِه الشُّرُوط فَلَا نزاع فِي وجوب الزَّكَاة وَلَعَلَّ الاجماع مُنْعَقد على ذَلِك وَاحْترز الشَّيْخ بِالْإِسْلَامِ عَن الْكفْر فالكافر إِن كَانَ أَصْلِيًّا فَلَا زَكَاة عَلَيْهِ لمَفْهُوم قَول الصّديق ﵁ هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله ﷺ على الْمُسلمين وَلِأَن الْكَافِر لَا يُطَالب بهَا فِي حَال الْكفْر وَلَا بعد الْإِسْلَام فَأَشْبَهت الصَّلَاة وَأما الْمُرْتَد فَلَا يسْقط عَنهُ مَا وَجب عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَام وَإِن حَال الْحول على مَاله وَهُوَ مُرْتَد فَفِيهِ خلاف الصَّحِيح أَنه يَبْنِي على أَقْوَال ملكه وَالصَّحِيح أَن مَاله مَوْقُوف فَإِن عَاد إِلَى الْإِسْلَام وَجَبت وَإِلَّا فَلَا وَاحْترز الشَّيْخ بِالْحُرِّيَّةِ عَن الرّقّ فَلَا تجب الزَّكَاة على العَبْد لِأَنَّهُ لَا ملك لَهُ وَلَو ملكه السَّيِّد أَو غَيره مَالا لَا يمكلكه على الصَّحِيح وَالْمُدبر وَأم الْوَلَد كالقن وَأما الْمكَاتب فَلَا زَكَاة عَلَيْهِ أَيْضا لِأَن ملكه ضَعِيف وَلَا على السَّيِّد لِأَن الْمكَاتب مَعَ قدرته على التَّصَرُّف فِي المَال لَا تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة فَلِأَن لَا تجب على السَّيِّد أولى فَإِن عتق وَفِي يَده مَال ابْتَدَأَ الْحول فَإِن عجز نَفسه وَصَارَ مَاله لسَيِّده ابْتَدَأَ السَّيِّد الْحول عَلَيْهِ وَاحْترز الشَّيْخ بِالْملكِ التَّام عَن الْملك الضَّعِيف فَلَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَيظْهر ذَلِك بِذكر صور فَإِذا وَقع مَاله فِي مضيعة أَو سرق أَو غصب أَو أودعهُ عِنْد شخص فجحده فَهَل تجب الزَّكَاة فِيهِ خلاف الْقَدِيم لَا تجب فِيهِ الزَّكَاة لضعف الْملك بِمَنْع التَّصَرُّف فَأشبه مَال الْمكَاتب والجديد الْأَظْهر أَنَّهَا تجب لِأَن ملكه مُسْتَقر عَلَيْهِ فعلى هَذَا لَا تجب إِخْرَاج الزَّكَاة قبل عود المَال حَتَّى لَو تلف فِي زمَان الْحَيْلُولَة بعد مُضِيّ أَحْوَال سَقَطت الزَّكَاة وَمن الصُّور الدّين الثَّابِت على الْغَيْر وَله أَحْوَال أَحدهَا أَن لَا يكون لَازِما كَمَال الْمُكَاتبَة فَلَا زَكَاة فِيهِ لضعف الْملك

стр. 162

الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون لَازِما وَهُوَ مَاشِيَة بِأَن أقْرضهُ أَرْبَعِينَ شَاة أَو أسلم إِلَيْهِ فِيهَا وَكَذَا النّصاب فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَمضى عَلَيْهِ حول قبل قَبضه فَلَا زَكَاة لِأَن السّوم شَرط وَمَا فِي الذِّمَّة لَا يَتَّصِف بالسوم وَلِأَن الزَّكَاة إِنَّمَا تجب فِي المَال النامي والماشية فِي الذِّمَّة لَا تنمو بِخِلَاف الدَّرَاهِم الثَّابِتَة فِي الذِّمَّة فَإِن سَبَب الزَّكَاة فِيهَا كَونهَا معدة للصرف الْحَالة الثَّالِثَة أَن يكون الدّين دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو عرُوض تِجَارَة فَفِي وجوب الزَّكَاة قَولَانِ الْقَدِيم لَا زَكَاة فِي الدّين بِحَال لضعف التَّصَرُّف فِيهِ فَأشبه مَال الْكِتَابَة وَالْمذهب الصَّحِيح الْمَشْهُور وجوب الزَّكَاة فِيهِ فِي الْجُمْلَة وتفصيلة إِن كَانَ مُتَعَذر الِاسْتِيفَاء لإعسار من عَلَيْهِ أَو جحوده وَلَا بَيِّنَة لَهُ عَلَيْهِ أَو مطله أَو غيبته فَهُوَ كالمغصوب وَقد مر وَإِن لم يتَعَذَّر الِاسْتِيفَاء بِأَن كَانَ على ملىء باذل أَو على جَاحد عَلَيْهِ بَيِّنَة فَإِن كَانَ حَالا وَجَبت الزَّكَاة وَوَجَب إخْرَاجهَا فِي الْحَال لِأَنَّهُ مَال حَاضر وَإِن كَانَ مُؤَجّلا فَهُوَ كالمغصوب وَلَا يجب الْإِخْرَاج حَتَّى يقبضهُ على الْأَصَح (فرع) قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب لَو اشْترى مَالا زكوياً فَلم يقبضهُ حَتَّى مضى الْحول وَهُوَ فِي يَد البَائِع فَالْمَذْهَب وجوب الزَّكَاة على المُشْتَرِي وَبِه قطع الْجُمْهُور لتَمام الْملك وَقيل لَا تجب قطعا لضَعْفه وتعرضه للإنفساخ وَمنع تفرقه وَقيل فِيهِ الْخلاف فِي الْمَغْصُوب وَمن الصُّور المَال الْمُلْتَقط فِي السّنة الأولى بَاقٍ على ملك الْمَالِك فَلَا زَكَاة فِيهِ على الْمُلْتَقط وَفِي وُجُوبهَا على الْمَالِك الْخلاف فِي الْمَغْصُوب والضال وَهَذَا إِذا لم يعرفهَا فَإِن عرفهَا وَمضى الْحول وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إِن الْمُلْتَقط لَا بُد من اخْتِيَاره للتَّمَلُّك بعد التَّعْرِيف نظر إِن لم يتملكها فَهِيَ بَاقِيَة على ملك الْمَالِك وَفِي وجوب الزَّكَاة عَلَيْهِ طَرِيقَانِ أصَحهمَا على الْقَوْلَيْنِ كالسنة الأولى وَالثَّانِي لَا زَكَاة قطعا لتسلط الْمُلْتَقط عَلَيْهَا فِي التَّمَلُّك وَمن صور الدّين وَنَذْكُر مَا يَتَّضِح بِهِ عدم الْملك التَّام ونشير إِلَيْهِ فَإِذا كَانَ شخص لَهُ مَال تجب فِيهِ الزَّكَاة وَعَلِيهِ دُيُون قدر مَاله أَو أَكثر فَهَل يمْنَع الدّين أَو لَا ولوجوب الزَّكَاة فِيهِ أَقْوَال أظهرها وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي أَكثر كتبه الجديدة أَنه لَا يمْنَع وُجُوبهَا سَوَاء كَانَ الدّين مُؤَجّلا أَو حَالا وَسَوَاء كَانَ من جنس المَال أم لَا فعلى هَذَا لَو حجر عَلَيْهِ القَاضِي فِي مَاله وَحَال الْحول فِي الزَّمن الْحجر فَهُوَ كالمغصوب فَفِيهِ الْخلاف وَهَذَا إِذا لم يعين القَاضِي لكل غَرِيم شَيْئا فَإِن عين وسلطه على أَخذه فَلم يتَّفق الْآخِذ حَتَّى حَال الْحول فَالْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه لَا زَكَاة عَلَيْهِ لضعف ملكه بتسلط الْغُرَمَاء وَقيل فِيهِ خلاف الْمَغْصُوب وَهنا صور كَثِيرَة لَا نطول بذكرها إِذْ الْكتاب مَوْضُوع على افيجاز وَإِلَّا فَفِي الْقلب شَيْء من عدم الْبسط هُنَا وَفِي غَيره وَالله أعلم

стр. 163

وَأما النّصاب فَفِيهِ احْتِرَاز عَمَّا إِذا ملك دون النّصاب فَهَذَا لَا زَكَاة فِيهِ فَلَا تجب الزَّكَاة فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم حَتَّى يكمل النّصاب من كل نوع على مَا يَأْتِي وَأما الْحول فَفِيهِ احْتِرَاز عَمَّا إِذا ملك نِصَابا أَو أَكثر وَلم يحل عَلَيْهِ الْحول فَإِنَّهُ لَا تجب أَيْضا الزَّكَاة لقَوْله ﷺ (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) وَأجْمع عَلَيْهِ التابعون وَالْفُقَهَاء قَالَ الماوري وَإِن خَالف فِيهِ بعض الْأَصْحَاب وَسمي حولا لِأَنَّهُ ذهب وأتى غَيره الشَّرْط السَّادِس السّوم وَهُوَ الرَّعْي فِي الْكلأ الْمُبَاح وَاحْتج لَهُ بِكِتَاب أبي بكر الصّديق ﵁ (فِي صَدَقَة الْغنم وَفِي سَائِمَة الْغنم إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة شَاة) فَدلَّ بمفهومه على أَنه لَا زَكَاة فِي المعلوفة وَوجه الْوُجُوب فِي السَّائِمَة أَن مؤنتها لما توفرت بالسوم احتملت الْمُوَاسَاة بِخِلَاف المعلوفة ثمَّ إِن علفت مُعظم الْحول فَلَا زَكَاة لِكَثْرَة الْمُؤْنَة وَإِن علفت النصق فَمَا دونه فَالصَّحِيح إِن علفت قدرا تعيش بِدُونِهِ بِلَا ضَرَر بَين وَجَبت الزَّكَاة لحلفة الْمُؤْنَة وَإِن كَانَت لَا تعيش بِدُونِهِ أَو تعيش وَلَكِن بِضَرَر بَين فَلَا زَكَاة لظُهُور الْمُؤْنَة ثمَّ مَحل الْخلاف إِذا علفت بِلَا قصد فَإِن علفت على قصد قطع السّوم فَيَنْقَطِع بِهِ بِلَا خلاف وَإِن قل وَقد نَص على ذَلِك الشَّافِعِي وَلَو اعتلفت السَّائِمَة الْقدر الْمُؤثر من الْعلف فَلَا زَكَاة لحُصُول الْمُؤثر وَقيل تجب لِأَنَّهُ لم يَقْصِدهُ وَاعْلَم أَن الصَّحِيح اشْتِرَاط قصد السّوم دون الْعلف فاعرفه وَلَو علف سَائِمَة لِامْتِنَاع الرَّعْي بالثلج وَنَحْوه وَقصد الاسامة عِنْد الْإِمْكَان فَلَا زَكَاة على الْأَصَح لحُصُول الْمُؤْنَة والسائمة العاملة فِي حرث أَو نضح أَو نقل أَمْتعَة أَو نَحْو ذَلِك لَا زَكَاة فِيهَا لِأَنَّهَا معدة لاستعمال مُبَاح فَأَشْبَهت ثِيَاب الْبدن وَلَا فرق بَين أَن تعْمل للْمَالِك أَو بِالْأُجْرَةِ وَالله أعلم قَالَ (وَأما الأثملن فشيئان الذَّهَب وَالْفِضَّة وشرائط وجوب الزَّكَاة فيهمَا خمس الْإِسْلَام وَالْحريَّة وَالْملك التَّام والنصاب والحول) من ملك نِصَابا من الْفضة أَو الذَّهَب حولا كَامِلا وَجَبت عَلَيْهِ الزَّكَاة عِنْد وجود هَذِه الشُّرُوط وَنصب الْفضة مِائَتَا دِرْهَم قَالَ ابْن الْمُنْذر بِالْإِجْمَاع وَقد ورد (لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ

стр. 164

صَدَقَة وَكَانَت الْأُوقِيَّة فِي عهد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي حَدِيث وَلَا فرق فِي الْفضة بَين المضروبة وَغَيرهَا كالقراضة والتبر والسبائك وَبَعض الْحل على مَا يَأْتِي وَالله أعلم وَأما الذَّهَب فنصابه عشرُون مِثْقَالا وَيَأْتِي تَتِمَّة هَذَا عِنْد الْموضع الَّذِي يذكرهُ الشَّيْخ قَالَ (وَأما الزروع فَتجب فِيهَا الزَّكَاة بِثَلَاثَة شَرَائِط أَن يكون مِمَّا يزرعه الآدميون وَأَن يكون قوتاً مدخراً وَأَن يكون نِصَابا) تجب الزَّكَاة فِي الْحُبُوب بِشَرْط أَن تكون مِمَّا يقتات فِي حَال الِاخْتِيَار والقوت عبارَة عَمَّا يسْتَمْسك فِي الْمعدة وَأَن يكون مِمَّا ينبته الآدميون أَي يزرع جنسه الآدميون وَكَذَا الَّذِي ينْبت بِنَفسِهِ كَمَا إِذا تناثر حب لمن تلْزمهُ الزَّكَاة أَو حمله المَاء أَو الْهَوَاء وَإِن لم يزرعه الْآدَمِيّ ذَلِك كالحنطة وَالشعِير والذرة والدخن والأرز والماش والعدس وَمَا أشبه ذَلِك وَكَذَا القطنية أَي القطاني كالعدس والحمص والماش والباقلاء وَهِي الفول واللوبيا والهريظان وَهُوَ الجلبان وَقد ثَبت وجوب الزَّكَاة فِي بعض هَذَا وقسنا عَلَيْهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ وَوجه اخْتِصَاص وُجُوبهَا بِمَا يقتات لِأَن الاقتيات ضَرُورِيّ لَا حَيَاة بِدُونِهِ فَلذَلِك أوجب الشَّارِع ﷺ مِنْهَا شَيْئَيْنِ لأرباب الضرورات بِخِلَاف مَا لَا يقتات من الإبزار كالكمون والكراويا وَكَذَا الخضروات كالقثاء والبطيخ وَنَحْو ذَلِك فَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ لِأَن أكله تتمات وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من وجوب النّصاب وَقدر النّصاب يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَول الشَّيْخ مدخراً كَذَا شَرطه الْعِرَاقِيُّونَ وَالله أعلم قَالَ (وَأما الثِّمَار فَتجب الزَّكَاة شَيْئَيْنِ مِنْهَا ثَمَر النّخل وثمر الْكَرم وشرائط وجوب الزَّكَاة فِيهَا أَرْبَعَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وَالْحريَّة وَالْملك التَّام والنصاب) من ملك من ثَمَر النّخل وَالْكَرم مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَهُوَ متصف بِهَذِهِ الشُّرُوط وَجَبت الزَّكَاة عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع قَالَ بعض الشُّرَّاح وَفِي الحَدِيث (أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يخرص الْعِنَب كَمَا يخرص النّخل وَتُؤْخَذ زَكَاته زبيباً كَمَا تُؤْخَذ صَدَقَة النّخل تَمرا) وَقدر النّصاب سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَوجه اخْتِصَاص التَّمْر وَالزَّبِيب أَنَّهُمَا يقتاتان فأشبها الْحبّ بِخِلَاف غَيرهمَا من الثِّمَار فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤْكَل تلذذاً أَو تنعماً أَو تأدماً فَلَيْسَ بضروري فَلَا تلِيق بِهِ الْمُسَاوَاة الْوَاجِبَة وَذَلِكَ كالكمثرى

стр. 165

وَالرُّمَّان والخوخ والسفرجل والتين قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة لَا تجب فِي التِّين بِلَا خلاف قلت الْجَزْم بِعَدَمِ الْوُجُوب فِي التِّين مَمْنُوع فَفِيهِ مقَالَة بِالْوُجُوب بل هُوَ فِي معنى الزَّبِيب بل أولى لِأَنَّهُ قوت أَكثر من الزَّبِيب فَإِن صَحَّ الحَدِيث فِي الْعِنَب فالتين فِي مَعْنَاهُ وَإِن لم يَصح وَهُوَ الَّذِي ادّعى غير التِّرْمِذِيّ أَنه مُنْقَطع بل قَالَ البُخَارِيّ إِنَّه غير مَحْفُوظ لِأَنَّهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيقين وَفِي كل مِنْهُمَا قَادِح وَحِينَئِذٍ فَإِن ألحق الْعِنَب بِالنَّخْلِ فالتين مثله وَأولى وَلَا يمْتَنع ذَلِك أَلا ترى أَنا ألحقنا بِالْحِنْطَةِ الشّعير وَمَا اشْترك مَعَهُمَا فِي القوتية وَإِن لم يكن فِيهِ قُوَّة الاقتيات الَّتِي فيهمَا وَقد يُجَاب بِأَن التِّين لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْخرص وَالله أعلم وَلَا تجب فِي الْجَوْز واللوز والموز والمشمش وَكَذَا الزَّيْتُون على الْجَدِيد الصَّحِيح وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَأما عرُوض التِّجَارَة فَتجب الزَّكَاة فِيهَا بالشرائط الْمَذْكُورَة فِي الْأَثْمَان) الْعرُوض مَا عدا النَّقْدَيْنِ فَكل عرض أعد للتِّجَارَة بشروطها وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة وَاحْتج لوُجُوب الزَّكَاة بقوله تَعَالَى ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ قَالَ مُجَاهِد نزلت فِي التِّجَارَة وَفِي السّنة أَنه ﵊ قَالَ (فِي الْبَز صدقتها) والبز يُطلق على الثِّيَاب الْمعدة للْبيع عِنْد البزازين وَزَكَاة الْعين لَا تجب فِي الثِّيَاب فَتعين الْحمل على زَكَاة التِّجَارَة وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يشْتَرط مَعَ مَا ذكره الشَّيْخ من الشُّرُوط أَنه لَا بُد من كَون الْعرُوض تصير مَال تِجَارَة وَأَن يقْصد الاتجار عِنْد اكْتِسَاب ملك الْعرُوض وَلَا بُد أَن يكون الْملك بمعاوضة مَحْضَة فَلَو كَانَ فِي ملكه عرُوض قنية فَجَعلهَا فِي التِّجَارَة لم تصر عرُوض تِجَارَة على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الجماهير سَوَاء دخلت فِي ملكه بِإِرْث أَو هبة أَو شِرَاء وَقَوْلنَا بمعاوضة مَحْضَة يَشْمَل مَا إِذا دخل فِي ملكه بِالشِّرَاءِ سَوَاء اشْترى بِعرْض أَو نقد أَو دين حَال مُؤَجل وَإِذا ثَبت حكم التِّجَارَة لَا يحْتَاج فِي كل مُعَاملَة إِلَى نِيَّة جَدِيدَة وَفِي معنى الشِّرَاء لَو صَالح على دين لَهُ فِي ذمَّة إِنْسَان على عرُوض بنية التِّجَارَة فَإِنَّهُ يصير مَال تِجَارَة لقصد التِّجَارَة وَقت دُخُوله فِي ملكه بمعاوضة مَحْضَة بِخِلَاف الْهِبَة الْمَحْضَة الَّتِي لَا ثَوَاب فِيهَا وَكَذَا الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وَالْإِرْث فَلَيْسَتْ من أَسبَاب التِّجَارَة وَلَا أثر لاقتران النِّيَّة بذلك وَكَذَلِكَ الرَّد بِالْغَيْبِ والاسترداد حَتَّى لَو بَاعَ عرضا للْقنية بِعرْض للْقنية ثمَّ وجد بِمَا أَخذه عَيْبا فَرده وَقصد الْمَرْدُود عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ للتِّجَارَة لم يصر مَال تِجَارَة وَكَذَا لَو كَانَ عِنْده ثوب للْقنية فَاشْترى بِهِ عبدا للتِّجَارَة ثمَّ رد عَلَيْهِ الثَّوْب بِالْعَيْبِ انْقَطع حول التِّجَارَة وَلم يكن الثَّوْب الْمَرْدُود مَال تِجَارَة بِخِلَاف مَا لَو كَانَ للتِّجَارَة فَإِنَّهُ يبْقى حكم التِّجَارَة وَكَذَا لَو تبَايع

стр. 166

تاجران ثمَّ تَقَايلا يسْتَمر حكم التِّجَارَة فِي الْحَالين وَلَو كَانَ عِنْده ثوب للتِّجَارَة فَبَاعَهُ بِعَبْد للْقنية فَرد عَلَيْهِ الثَّوْب بِالْعَيْبِ لم يعد حكم التِّجَارَة لِأَن قصد الْقنية قطع حول التِّجَارَة وَالرَّدّ والاسترداد ليسَا من التِّجَارَة وَلَو خَالع زَوجته وَقصد بعوض الْخلْع التِّجَارَة أَو تزوجت امْرَأَة وقصدت بصداقها التِّجَارَة فَالصَّحِيح أَن عوض الْخلْع وَالصَّدَاق يصيران مَال تِجَارَة لوُجُود الْمُعَاوضَة وَقصد التِّجَارَة وَقت دخولهما فِي ملك الزَّوْج وَالزَّوْجَة وَلَو أجر الشَّخْص مَاله أَو نَفسه وَقصد بِالْأُجْرَةِ إِذا كَانَت عرضا للتِّجَارَة تصير مَال تِجَارَة لِأَن الاجارة مُعَاوضَة وَكَذَا الحكم فِيمَا إِذا كَانَ تصرفه فِي الْمَنَافِع بِأَن كَانَ يسْتَأْجر المستغلات ويؤجرها على قصد التِّجَارَة فَإِذا أردْت معرفَة مَا يصير مَال تِجَارَة وَمَا لايصير فاحفظ الضَّابِط وَقل كل عرض ملك بمعاوضة مَحْضَة بِقصد التِّجَارَة فَهُوَ مَال تِجَارَة فَإِن لم يكن مُعَاوضَة أَو كَانَت وَلكنهَا غير مَحْضَة فَلَا تصير الْعرُوض مَال تِجَارَة وَإِن قصد التِّجَارَة وَلِهَذَا تَتِمَّة تَأتي عِنْد كَلَام الشَّيْخ وَتقوم عرُوض التِّجَارَة عِنْد آخر الْحول بِمَا اشْتريت بِهِ وَالله أعلم قَالَ بَاب أنصبة مَا يجب فِيهِ الزَّكَاة (وَأول نِصَاب الْإِبِل خمس وفيهَا شَاة وَفِي عشر شَاتَان وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض من الْإِبِل وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين حقة وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَة وَفِي سِتّ وَسبعين بِنْتا لبون وَفِي إِحْدَى وَتِسْعين حقتان وَفِي مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين ثَلَاث بَنَات لبون ثمَّ فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة) الدَّلِيل على أَن أول نِصَاب الْإِبِل خمس قَوْله ﵊ (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود من الْإِبِل صَدَقَة) ثمَّ ايجاب الشَّاة فِي الْإِبِل على خلاف الأَصْل لِأَنَّهَا من غير الْجِنْس لَكِن فِي مَشْرُوعِيَّة ذَلِك رفق بالجانبين إِذْ إِخْرَاج بعير فِي خَمْسَة أَبْعِرَة فِيهِ إجحاف بالمالك وَفِي عدم إِيجَاب الزَّكَاة إجحاف بالفقراء فانضمت الْمصلحَة لَهما بِالشَّاة وَأما كَون الزَّكَاة فِي عشر شَاتَان إِلَى آخر كَلَام الشَّيْخ وَهُوَ فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة فَالْأَصْل فِي ذَلِك كتاب أبي بكر الصّديق ﵁ الَّذِي بَعثه إِلَى الْبَحْرين وَفِي أَوله (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله ﷺ على الْمُسلمين فَمن سَأَلَهَا من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها وَمن سَأَلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْط) إِلَى آخِره

стр. 167

وَاعْلَم أَن الشَّاة الْوَاجِبَة فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل هِيَ الْجَذعَة من الضَّأْن وَهِي مَا لَهَا سنة على الصَّحِيح وَمن الْمعز مَاله سنتَانِ على الصَّحِيح إِذْ الشَّاة تصدق على الْغنم والمعز وَالأَصَح أَنه يتَخَيَّر بَينهمَا وَلَا يتَعَيَّن غَالب غنم الْبَلَد نعم لَا يجوز أَن ينْتَقل إِلَى غنم بلد آخر إِلَّا إِذا كَانَت مُسَاوِيَة لَهَا فِي الْقيمَة أَو أَعلَى مِنْهَا وَلَا يشْتَرط فِي الشَّاة أَن تكون نَاقِصَة الْقيمَة عَن الْبَعِير بل يجوز أَن تكون قيمَة الشَّاة أَكثر من قيمَة الْبَعِير ثمَّ بنت الْمَخَاض الْمَأْخُوذَة فِي خمس وَعشْرين مَا لَهَا سنة وَدخلت فِي الثَّانِيَة وَسميت بذلك لِأَنَّهُ قد آن لأمها أَن تحمل مرّة أُخْرَى فَتَصِير من ذَوَات الْمَخَاض وَهِي الْحَوَامِل والمخاض ألم الْولادَة وَأما بنت اللَّبُون فلهَا سنتَانِ وَسميت بذلك لِأَن أمهَا قد آن لَهَا أَن تضع ثَانِيًا وَيصير لَهَا لبن وَأما الحقة فلهَا ثَلَاث سِنِين سميت بذلك لِأَنَّهَا اسْتحقَّت أَن تركب وَيحمل عَلَيْهَا وَقيل لِأَنَّهَا اسْتحقَّت أَن يطرقها الْفَحْل وَأما الجدعة فلهَا أَربع سِنِين وطعنت فِي الْخَامِسَة وَكَذَا جَمِيع الْأَسْنَان السَّابِقَة وَسميت جَذَعَة لِأَنَّهَا تجذع مقدم أسنانها أَي تسقطه وَقَالَ الْأَصْمَعِي لِأَن أسنانها بعد ذَلِك لَا تسْقط وَهَذَا السن هُوَ أحد أَسْنَان الزَّكَاة وَالله أعلم قَالَ (وَأول نِصَاب الْبَقر ثَلَاثُونَ وفيهَا تبيع وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّة) وعَلى هَذَا لَا يجب فِي الْبَقر شَيْء حَتَّى يبلغ ثَلَاثِينَ فَهُوَ أول نِصَاب الْبَقر لِأَنَّهُ ﵊ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَأمره أَن يَأْخُذ من الْبَقر من كل ثَلَاثِينَ تبيعاً وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة) وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ هَذَا مجمع عَلَيْهِ والتبيع ابْن سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ يتبع أمه فِي المرعى وَقيل لِأَن قرنه يتبع أُذُنه أَي يساويها وَلَو أخرج تبيعاً فقد زَاد خيرا ثمَّ يسْتَقرّ الْأَمر فِي كل ثَلَاثِينَ تبيع وَفِي كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة وَهَكَذَا أبدا وَلَو أخرج عَنْهَا تبعين جَازَ على الصَّحِيح وَسميت مُسِنَّة لتكامل أسنانها وَقَالَ الْأَزْهَرِي لطلوع سنّهَا وَالله أعلم قَالَ (وَأول نِصَاب الْغنم أَرْبَعُونَ وفيهَا شَاة جَذَعَة من الضَّأْن أَو ثنية من الْمعز وَفِي مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين شَاتَان وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَة ثَلَاث شِيَاه ثمَّ فِي كل مائَة شَاة) لَا يجب فِي الْغنم شَيْء حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاة لما ورد فِي كتاب أبي بكر ﵁ وَفِيه (وَفِي صَدَقَة الْغنم فِي سائمتها إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة شَاة فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة شَاة فَفِيهَا شَاتَان فَإِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ إِلَى ثلثمِائة فَفِيهَا ثَلَاث شياة فَإِذا زَادَت

стр. 168

على ثلثمِائة فَفِي كل مائَة شَاة) اعْلَم أَن الْجَذعَة من الضَّأْن مَا لَهَا سنة والثنية من الْمعز مَا لَهَا سنتَانِ وهما المأخوذتان لقَوْل عمر ﵁ للساعي (لَا تَأْخُذ الأكولة وَلَا الربي وَلَا فَحل الْغنم وَخذ الْجَذعَة والثنية) وَقَول الشَّيْخ ثمَّ فِي كل مائَة شَاة يَعْنِي إِذا بلغت أَرْبَعمِائَة لِأَنَّهَا إِذا بلغت مِائَتَيْنِ وَجب أَربع شِيَاه ثمَّ يسْتَقرّ الْحساب فِي كل مائَة شَاة وَاعْلَم أَنه لَو اتَّحد نوع الْمَاشِيَة أَخذ الْفَرْض مِنْهُ لِأَنَّهَا المَال مِثَاله كَانَت الْإِبِل كلهَا عراباً وَهِي إبل الْعَرَب أَو كلهَا بَخَاتِي وَهِي إبل التّرْك لَهَا سنامان وَكَذَا الْبَقر لَو كَانَت كلهَا جواميس أَو كلهَا عراباً وَهُوَ النَّوْع الْغَالِب أَو كَانَت غنمه كلهَا ضأناً أَو جَمِيعهَا معزاً فتؤخذ من النَّوْع فَلَو اخْتلفت الصّفة مَعَ اتِّحَاد النَّوْع وَلَا نقص فعامة الْأَصْحَاب على أَن السَّاعِي يَأْخُذ أنفعهما للْمَسَاكِين فَلَو أَخذ عَن ضَأْن ومعز أَو عَكسه فَهَل يجوز الصَّحِيح نعم بِشَرْط رِعَايَة الْقيمَة لِاتِّحَاد الْجِنْس فَإِن اخْتلفت كضأن ومعز فَالْأَظْهر أَنه يخرج مَا شَاءَ مقسطاً عَلَيْهِمَا بِالْقيمَةِ رِعَايَة للجانبين مِثَاله كَانَت ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعشر نعجات أَخذ عَنْزًا أَو نعجة بِقِيمَة ثَلَاثَة أَربَاع عنز وَربع نعجة فَإِذا قيل مثلا قيمَة عنز تجزى بِدِينَار وَقِيمَة النعجة المجزية دِينَارَانِ أخرج عَنْزًا أَو نعجة قيمتهَا دِينَار وَربع وعَلى هَذَا الْقيَاس وَلَو كَانَت مَاشِيَته صحاحاً ومراضاً لم تجز الْمَرِيضَة وَكَذَا المعيبة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ وَفِي الحَدِيث (وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة وَلَا ذَات عوار) والهرمة العاجزة عَن كَمَال الْحَرَكَة بِسَبَب كبرها والعوار الْعَيْب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ الْعَيْب وَقَالَ إِنَّه حسن وَيجب أَن يخرج صَحِيحه لائقة بِالْحَال مِثَاله لَهُ أَرْبَعُونَ شَاة نصفهَا صِحَاح وَنِصْفهَا مراض قيمَة كل صَحِيحَة دِينَارَانِ وَقِيمَة كل مَرِيضَة دِينَار فَعَلَيهِ صَحِيحَة بِقِيمَة نصف صَحِيحَة وَنصف مَرِيضَة وَذَلِكَ دِينَار وَنصف وَربع وعَلى هَذَا الْقيَاس وَلَو كَانَت مَاشِيَته كلهَا مَرِيضَة أَو كلهَا مَعِيبَة أخذت الزَّكَاة مِنْهَا لِأَنَّهَا مَاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة﴾ وَلِأَن الْفُقَرَاء إِنَّمَا ملكوا مِنْهُ فَهُوَ كَسَائِر الشُّرَكَاء ثمَّ إِنَّا لَو كلفنا الْمَالِك غير الَّذِي عِنْده لأجحفنا بِهِ وَكَذَا لَو تمخضت كلهَا ذُكُورا أَخذ الذّكر كَمَا تُؤْخَذ الْمَرِيضَة عَن المراض وَقيل لَا يَجْزِي الذّكر لِأَن التَّنْصِيص جَاءَ فِي الْإِنَاث وَكَذَا تُؤْخَذ الصَّغِيرَة أَي فِي الصغار فِي الْجَدِيد كَمَا تُؤْخَذ الْمَرِيضَة فِي المراض وَقد ورد فِي قصَّة أبي بكر ﵁ حِين قَالَ فِي أهل الرِّدَّة (وَالله لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 169

لقاتلتهم عَلَيْهِ) والعناق هِيَ الصَّغِيرَة من الْغنم مَا لم تجذع وَصُورَة كَون الْمَأْخُوذ من الصغار بِأَن تَمُوت الْأُمَّهَات فِي أثْنَاء الْحول أَو بِأَن يملك أَرْبَعِينَ من صغَار الْبَقر أَو الْمعز فَإِن واجبها مَاله سنتَانِ وَلَا تُؤْخَذ الأكولة المسمنة بِالْأَكْلِ وَلَا الربي وَهِي حَدِيثَة الْعَهْد بالنتاج لِأَنَّهَا من كرائم الْأَمْوَال وَلَا حَامِل لنَهْيه ﵊ عَن ذَلِك وَنقل ابْن الرّفْعَة عَن الْأَصْحَاب أَن الَّتِي طرقها الْفَحْل كالحامل لِأَن الْغَالِب فِي الْبَهَائِم الْعلُوق من مرّة بِخِلَاف الآدميات فَلَو كَانَت مَاشِيَته كلهَا كرائم طالبناه بِوَاحِدَة مِنْهَا بِخِلَاف مَا لَو كَانَت كلهَا حوامل لَا نطالبه بحامل لِأَن الْأَرْبَعين فِيهَا شَاة وَالْحَامِل شَاتَان كَذَا نَقله الإِمَام عَن صَاحب التَّقْرِيب وَاسْتَحْسنهُ نعم لَو رَضِي الْمَالِك باعطاء الأكولة وَالْحَامِل فَإِنَّهَا تُؤْخَذ مِنْهُ وَكَذَا الربي وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تربي وَلَدهَا وَهَذَا الِاسْم يُطلق عَلَيْهَا إِلَى خَمْسَة عشر يَوْمًا من وِلَادَتهَا قَالَه الْأَزْهَرِي وَقَالَ الْجَوْهَرِي إِلَى تَمام شَهْرَيْن وَالله أعلم قَالَ (فصل والخليطان يزكيان زَكَاة الْوَاحِد بشرائط سَبْعَة إِذا كَانَ المراح وَاحِدًا والمسرح وَاحِدًا والراعي وَاحِدًا والفحل وَاحِدًا وَالْمشْرَب وَاحِدًا والحالب وَاحِدًا وَمَوْضِع الْحَلب وَاحِدًا) اعْلَم أَن الْخلطَة على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا خلْطَة اشْتِرَاك وَتسَمى خلْطَة الشُّيُوع وَالْمرَاد بهَا أَنَّهَا لَا يتَمَيَّز نصيب أحد الرجلَيْن أَو الرِّجَال عَن نصيب غَيره وَالثَّانِي خلْطَة الْجوَار بِأَن يكون مَال كل وَاحِد معينا مُمَيّزا عَن مَال غَيره وَلَكِن يجاوره بمجاورة المَال الْوَاحِد على مَا ذكره الشَّيْخ وَلكُل وَاحِد من الخليطين أثر فِي الزَّكَاة فَيجْعَل مَال الشخصين أَو الْأَشْخَاص بِمَنْزِلَة الشَّخْص الْوَاحِد ثمَّ الْخلطَة قد توجب الزَّكَاة وَإِن كَانَ عِنْد الِانْفِرَاد لَا تجب كَمَا لَو كَانَ لوَاحِد عشرُون شَاة وَلآخر عشرُون شَاة فخلطا وَجب شَاة وَلَو انْفَرد كل وَاحِد لم يجب شَيْء وَقد تقلل الْخلطَة الزَّكَاة كرجلين خلطاً أَرْبَعِينَ شَاة يجب عَلَيْهِمَا شَاة وَلَو إنفراد وَجب على كل وَاحِد شاه وَقد تكْثر الخلطه الزكاه كَمَا لَو خلطا مائَة شاه وشاه لمثلهَا فَإِنَّهَا توجب على كل وَاحِد شَاة وَنصف شَاة وَلَو انْفَرد كل وَاحِد وَجب عَلَيْهِ شَاة إِذا عرفت هَذَا فَالْأَصْل فِي خلْطَة الْجوَار قَوْله ﷺ (لَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة وَمَا كَانَ

стр. 170

من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ) ثمَّ خلط الْجوَار لَا بُد فِيهَا من شُرُوط أَحدهَا الِاتِّحَاد فِي المراح بِضَم الْمِيم وَهُوَ مأوى الْمَاشِيَة لَيْلًا الثَّانِي الِاتِّحَاد فِي المسرح وَهُوَ المرعى وَمِنْهُم من يُفَسر المسرح بِالْمَكَانِ الَّتِي تَجْتَمِع فِيهِ قبل سوقها إِلَى المرعى وَلَا بُد مِنْهُ أَيْضا بالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَكَذَا لَا بُد من الِاتِّحَاد فِي الْمَمَر من المسرح إِلَى المرعى قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الثَّالِث الِاتِّحَاد فِي الرَّاعِي وَفِيه خلاف وَالأَصَح أَنه يشْتَرط وَمعنى الِاتِّحَاد أَن لَا يخْتَص أحدهم براع وَلَا بَأْس بِتَعَدُّد الرُّعَاة بِلَا خلاف الرَّابِع الِاتِّحَاد فِي الْفَحْل وَفِيه خلاف أَيْضا وَالْمذهب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه يشْتَرط وَفِي الحَدِيث (والخليطان مهما اجْتمعَا فِي الْفَحْل والحوض والراعي) وَالْمرَاد بالفحل الْجِنْس وَالشّرط أَن تكون مُرْسلَة بَين الْمَاشِيَة لَا يخْتَص وَاحِد بفحل سَوَاء كَانَت الفحول مُشْتَركَة أَو لأَحَدهمَا أَو مستعارة الْخَامِس الِاتِّحَاد فِي المشرب وَيُقَال لَهُ المشرع أَيْضا بِأَن تشرب الْمَاشِيَة من نهر أَو عين أَو بِئْر أَو حَوْض أَو مياه مُتعَدِّدَة بِحَيْثُ لَا تخْتَص غنم أحد بالمشرب من مَوضِع دون غَيره وَقَالَ فِي التَّتِمَّة وَيشْتَرط أَيْضا الِاتِّحَاد فِي الْموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ للسقي والموضع الَّذِي تتنحى إِلَيْهِ إِذا شربت ليشْرب غَيرهَا السَّادِس الِاتِّحَاد فِي الحالب وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْط وَكَذَا لَا يشْتَرط اتِّحَاد الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ وَلَا خلط اللَّبن وَلَا نِيَّة الْخَلْط على الصَّحِيح الْمَنْصُوص فِي الْأَرْبَعَة السَّابِع الِاتِّحَاد فِي الْحَلب بِفَتْح اللَّام وَهُوَ وضع الْحَلب وَحكي إسكانها وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يشْتَرط مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ كَون الْمَجْمُوع نِصَابا فَلَو ملك زيد عشْرين وَآخر عشْرين وخلطا وَبَقِي لأَحَدهمَا شَاة بِلَا خلْطَة فَلَا زَكَاة أصلا وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون الخليطان من أهل الزَّكَاة فَلَو كَانَ أَحدهمَا ذِمِّيا أَو مكَاتبا فَلَا زَكَاة وَلَا أثر للخطة بل إِن كَانَ نصيب الْمُسلم الْحر نِصَابا وَزَكَاة زَكَاة الِانْفِرَاد وَإِلَّا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَيشْتَرط أَيْضا دوَام الْخلطَة فِي جَمِيع السّنة فَلَو فرقا فِي شَيْء من ذَلِك تَنْقَطِع الْخلطَة وَإِن كَانَ يَسِيرا نعم لَو وَقع التَّفْرِيق الْيَسِير بِلَا قصد فَلَا يُؤثر وَيَقَع

стр. 171

ذَلِك مغتفراً نعم لَو اطلعا عَلَيْهِ فأقرا على ذَلِك ارْتَفَعت الْخلطَة وَاعْلَم أَن الْخلطَة تُؤثر فِي الْمَوَاشِي بِلَا خلاف وَهل يُؤثر فِي الثِّمَار والزروع والنقدين وأموال التِّجَارَة فِي قَولَانِ اصحهما نعم لِأَن الارتفاق الْحَاصِل فِي الْمَاشِيَة يحصل أَيْضا فِي هَذِه الْأَنْوَاع وَأَيْضًا فعموم قَوْله ﷺ (لَا يفرق بَين مُجْتَمع) الحَدِيث وَهُوَ يتَنَاوَل هَذِه الْأَنْوَاع فَيشْتَرط فِي المعشرات اتِّحَاد الناطور والأكار وَهُوَ الْفَلاح والعمال والملقح واللقاط وَالنّهر والجرين وَهُوَ البيدر وَفِي غير ذَلِك اتِّحَاد الْحَانُوت والحارس وَالْمِيزَان والوزان والناقد والمنادي والمتقاضي قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ وَالْجمال قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَإِن كَانَ فِي الدَّرَاهِم وَلكُل وَاحِد كيس فيتحدا فِي الصندوق وَفِي أَمْتعَة التِّجَارَة بِأَن يَكُونَا فِي مخزن وَاحِد وَلم يُمَيّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي شَيْء مِمَّا سبق وَحِينَئِذٍ تثبت الْخلطَة وَالله أعلم قَالَ (فصل وَأول نِصَاب الذَّهَب عشرُون مِثْقَالا وَفِيه ربع الْعشْر وَهُوَ نصف مِثْقَال وَفِيمَا زَاد فبحسابه ونصاب الْوَرق مِائَتَا دِرْهَم وفيهَا ربع الْعشْر وَهُوَ خَمْسَة دَرَاهِم وَفِيمَا زَاد فبحسابه) زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة ثَابِتَة بِالْكتاب وَالسّنة واجماع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَالْمرَاد بالكنز هُنَا مَا لم تُؤَد زَكَاته وَفِي صَحِيح مُسلم (مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح من نَار فأحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جَبهته وجنبه وظهره كلما بردت أُعِيدَت لَهُ) الحَدِيث وحقها زَكَاتهَا وَأما نصابها فَكَمَا ذكره الشَّيْخ وَفِي الحَدِيث (فِي الرقة ربع الْعشْر) والرقة الْفضة وَالذَّهَب وَادّعى ابْن الْمُنْذر أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن نِصَاب الْفضة مِائَتَا دِرْهَم وعَلى أَن نِصَاب الذَّهَب عشرُون مِثْقَالا إِذا بلغت قيمَة الذَّهَب مِائَتي دِرْهَم لِأَن الدِّينَار كَانَ فِي عهد رَسُول الله ﷺ بإثني عشر وَنصف فَقَط ينحط سعره وَقد يغلو أَي هَذَا مَحل الْإِجْمَاع وَدون الْمِائَتَيْنِ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمَضْرُوب وَغَيره كَمَا مر والمثقال لم يخْتَلف قدره فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام وَأما الدَّرَاهِم فَهُوَ سِتَّة دوانق وكل عشرَة دَرَاهِم سَبْعَة مَثَاقِيل

стр. 172

ذهب وَهَذَا التَّقْدِير على سَبِيل التَّحْدِيد حَتَّى لَو نقص حَبَّة أَو بعض حَبَّة فَلَا زَكَاة وَإِن راج رواج النّصاب التَّام أَو زَاد على التَّام لجودة نَوعه وَلَو نقص فِي بعض الموازين وَتمّ فِي بَعْضهَا فَالصَّحِيح أَنه لَا زَكَاة وَقطع بِهِ جمَاعَة وَيشْتَرط أَن يملك النّصاب حولا كَامِلا وَأَن يكون الذَّهَب وَالْفِضَّة خالصين فَلَا زَكَاة فِي الْمَغْشُوش مِنْهُمَا حَتَّى يبلغ الْخَالِص من الذَّهَب عشْرين مِثْقَالا وَمن الْفضة مِائَتي دِرْهَم وَحِينَئِذٍ فَتجب الزَّكَاة وَتخرج من الْخَالِص فَلَو أخرج من الْمَغْشُوش فَالشَّرْط أَن يبلغ الْخَالِص مِنْهُمَا قدر الْوَاجِب وَلَو أخرج خَمْسَة مغشوشة عَن مِائَتي دِرْهَم خَالِصَة لم يُجزئهُ وَلَو ملك مِائَتي دِرْهَم مغشوشة فَلَا زَكَاة فَإِذا بلغت قدرا يكون الْخَالِص قدر نِصَاب وَجَبت وَإِذا أخرج مِنْهَا فَيجب أَن يكون الْمخْرج فِيهِ من الْخَالِص قدر ربع الْعشْر وَقَوله وَفِيمَا زَاد فبحسابه وَلَو قل بِخِلَاف الزَّائِد على النّصاب فِي الْمَوَاشِي حَيْثُ كَانَت الأوقاص عفوا وَالْفرق ضَرَر الْمُشَاركَة فِي الْمَوَاشِي وَهنا لَا مُشَاركَة وَالله أعلم قَالَ (وَلَا تجب فِي الْحلِيّ الْمُبَاح زَكَاة) هَل تجب الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا تجب فِيهِ الزَّكَاة (لِأَن امراةً أَتَت النَّبِي ﷺ وَفِي يَد ابْنَتهَا سلسلتان غليظتان من ذهب فَقَالَ لَهَا ﷺ أتقضين زَكَاة هَذَا فَقَالَت لَا فَقَالَ لَهَا أَيَسُرُّك أَن يسورك الله بهما يَوْم الْقِيَامَة سِوَارَيْنِ من نَار فخلعتهما وألقتهما ألى النَّبِي ﷺ وَقَالَت هما لله وَلِرَسُولِهِ) وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهر وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ الشَّيْخ أَنه لَا تجب لِأَنَّهُ معد لاستعمال مُبَاح فَأشبه العوامل من الْإِبِل وَالْبَقر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَى ابْن عمر وَعَائِشَة ﵃ وَكَانَت عَائِشَة ﵂ تحلي بَنَات أَخِيهَا أيتاماً فِي حجرها فَلَا تخرج مِنْهَا الزَّكَاة وَأجِيب عَن الحَدِيث الأول بِأَن الْحلِيّ كَانَ فِي أول الْإِسْلَام محرما على النِّسَاء قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب وَكَذَا نَقله الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَأجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ ﵊ لم يحكم على الْحلِيّ مُطلقًا بِالْوُجُوب إِنَّمَا حكم على فَرد خَاص مِنْهُ وَهُوَ قَوْله هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ سرف بِدَلِيل قَوْله غليظتان

стр. 173

وَنحن نسلم أَن مَا فِيهِ سرف يحرم لبسه وَتجب فِيهِ الزَّكَاة وَفِي هَذَا الحَدِيث فَائِدَة وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا الْأُصُولِيِّينَ إِن وقائع الْأَعْيَان لَا تعم ثمَّ إِذا وَجَبت الزَّكَاة فِي الحلى إِمَّا على قَول الَّذِي يُوجب الزَّكَاة أَو فِيمَا فِيهِ السَّرف كالخلخال أَو السوار الثمين الَّذِي زنته مِائَتَا دِينَار أَو اخْتلفت قِيمَته ووزنه بِأَن كَانَ وَزنه مِائَتَيْنِ وَقِيمَته ثلثمِائة اعْتبرت الْقيمَة على الصَّحِيح فنسلم للْفُقَرَاء نصِيبهم مِنْهُ مشَاعا ثمَّ يَشْتَرِيهِ مِنْهُم إِن أَرَادَ وَقيل يجوز أَن يعطيهم خَمْسَة دَرَاهِم وَقَوله فِي الْحلِيّ الْمُبَاح احْتَرز بِهِ عَن الْمحرم فَإِنَّهُ تجب فِيهِ الزَّكَاة بِالْإِجْمَاع قَالَه النَّوَوِيّ فَمن ذَلِك مَا هُوَ محرم لعَينه كالأواني والملاعق والمجامر والمكاحل وَنَحْو ذَلِك من الذَّهَب أَو الْفضة على مَا مر فِي الْأَوَانِي أَو كَانَ محرما بِالْقَصْدِ بِأَن يقْصد الرجل بحلي النِّسَاء الَّذِي يملكهُ كالسوار والخلخال والطوق أَن يلْبسهُ أَو يلْبسهُ غلمانه أَو قصدت الْمَرْأَة بحلي الرجل كالسيف وَنَحْوه أَن تلبسه أَو تلبسه جواريها أَو غَيْرهنَّ من النِّسَاء أَو أعد الرجل حلي الرِّجَال لنسائه وجواريه أَو أعدت الْمَرْأَة حلي النِّسَاء لزَوجهَا أَو غلمانها فَكل ذَلِك حرَام وَتجب فِيهِ الزَّكَاة وَلَو اتخذ حليا وَقصد كنزه فَقَط فَالْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وجوب الزَّكَاة فِيهِ وَإِن قصد إِجَارَته لمن لَهُ اسْتِعْمَاله فَلَا زَكَاة فِيهِ على الْأَصَح كَمَا لَو اتَّخذهُ لغيره وَالِاعْتِبَار بِقصد الْأُجْرَة كَأَجر العوامل من الْبَقر وَالْإِبِل وَاعْلَم أَن حكم الْقَصْد الطارىء كالمقارن فِي جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ فَلَو اتَّخذهُ قَاصِدا اسْتِعْمَالا محرما ثمَّ غير قَصده إِلَى مُبَاح بَطل حكمه فَلَو عَاد الْقَصْد الْمحرم ابْتِدَاء الْحول وَكَذَا لَو قصد الْكَنْز ابْتِدَاء الْحول وَكَذَا نَظَائِره وَإِذا قُلْنَا لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ فانكسر فَلهُ أَحْوَال أَحدهَا أَن ينكسر بِحَيْثُ لَا يمْنَع الِاسْتِعْمَال فَلَا تَأْثِير لانكساره الثَّانِيَة أَن يمْتَنع الِاسْتِعْمَال وَيحْتَاج إِلَى سبك وصوغ فَهَذَا تجب الزَّكَاة فِيهِ وَأول حوله من الانكسار الْحَالة الثَّالِثَة أم يمْتَنع اسْتِعْمَاله إِلَّا أَنه لَا يحْتَاج إِلَى صوغ وَيقبل الْإِصْلَاح بالإلحام فَإِن قصد جعله تبراً أَو دَرَاهِم أَو قصد كنزه انْعَقَد الْحول عَلَيْهِ من يَوْم الانكسار وَإِن قصد اصلاحه فَلَا تجب الزَّكَاة على الصَّحِيح لدوام صُورَة الْحلِيّ وَقصد الْإِصْلَاح وَإِن لم يقْصد شَيْئا فَالصَّحِيح وجوب الزَّكَاة وَالله أعلم (فرغ) يجوز للنِّسَاء لبس أَنْوَاع الْحلِيّ من الذَّهَب وَالْفِضَّة كالطوق والسوار والخلخال والتعاويذ وَهِي الحروز وَفِي جَوَاز اتخاذهن النِّعَال من الذَّهَب وَالْفِضَّة خلاف وَالصَّحِيح الْجَوَاز وَقيل لَا للإسراف وَقد تقدم فِي جَوَاب الحَدِيث أَن مَا فِيهِ السَّرف أَمر نسبي وَفِي جَوَاز التحلي بِالدَّرَاهِمِ

стр. 174

وَالدَّنَانِير المثقوبة الَّتِي تجْعَل فِي القلادة وَجْهَان أصَحهمَا فِي أصل الرَّوْضَة التَّحْرِيم وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب مَا يجوز لبسه صحّح الرَّافِعِيّ أَن ذَلِك لَا يجوز وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَه بل الْأَصَح الْجَوَاز قَالَ الاسنائي وَمَا فِي الرَّوْضَة سَهْو وحكاية الْخلاف مَمْنُوع بل يجوز لبس ذَلِك للنِّسَاء قطعا بِلَا كَرَاهَة وَصرح بِهِ فِي الْبَحْر وَالله أعلم قَالَ (فصل ونصاب الزروع وَالثِّمَار خَمْسَة أوسق قدرهَا ألف وسِتمِائَة رَطْل بالبغدادي وَفِيمَا زَاد فبحسابه) وَقد ورد (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم (لَيْسَ فِي حب وَلَا ثَمَر صَدَقَة حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوسق) والوسق سِتُّونَ صَاعا وَالِاعْتِبَار بِمِكْيَال الْمَدِينَة قَالَ الحناطي وقدرها بِالْوَزْنِ ألف وسِتمِائَة رَطْل بالبغدادي لِأَن الوسق سِتُّونَ صَاعا وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ذَلِك فَتكون الْخَمْسَة الأوسق ثلثمِائة صَاع والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد وَذَلِكَ ألف وَمِائَتَا مد وَالْمدّ رَطْل وَثلث فَيكون الْحَاصِل مَا ذكره الشَّيْخ وَهُوَ ألف وسِتمِائَة رَطْل وَإِنَّمَا قدر بالبغدادي لِأَنَّهُ الرطل الشَّرْعِيّ ووزنها بالدمشقي ثلثمِائة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ رطلا وَثلثا رَطْل وَهَذَا تَفْرِيع على مَا يَقُوله الرَّافِعِيّ أَن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَأما عِنْد النَّوَوِيّ فرطل بَغْدَاد مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم فعلى هَذَا تكون الأوسق ثلثمِائة واثنين وَأَرْبَعين رطلا وَسِتَّة أَسْبَاع رَطْل كَمَا قَالَه فِي الْمِنْهَاج وَأما فِي الرَّوْضَة فَقَالَ إِنَّه بالدمشقي ثلثمِائة وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رطلا وَنصف رَطْل وَثلث رَطْل وَسبعا أُوقِيَّة وَاعْلَم أَن الِاعْتِبَار فِي الأوسق بِالْكَيْلِ على الصَّحِيح لَا بِالْوَزْنِ وَإِنَّمَا قدرُوا ذَلِك بِالْوَزْنِ استظهاراً وَهل ذَلِك على سَبِيل التَّحْدِيد أَو التَّقْرِيب قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين أَنه تَحْدِيد وَقيل تقريب وَصحح فِي شرح مُسلم وَفِي كتاب الظِّهَار من شرح الْمُهَذّب عكس ذَلِك وَقَالَ الصَّحِيح أَنه تقريب وَالثَّانِي أَنه تَحْدِيد وَكَذَا صَححهُ فِي كِتَابه رُؤُوس الْمسَائِل وَعلله بِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ وَاعْلَم أَن الِاعْتِبَار فِي ذَلِك الْمِقْدَار فِي الرطب إِذا صَار تَمرا جافاً وَفِي الْعِنَب إِذا صَار زبيباً هَذَا إِذا تتمر أَو تزبب وَإِلَّا أخذت الزَّكَاة مِنْهُمَا فِي الْحَال كَونهمَا رطبا وَعِنَبًا لِأَن ذَلِك هُوَ أكمل أحوالهما فالاعتبار بِهِ أما فِي الْحُبُوب فوقت الْإِخْرَاج حَال تصفيتها من تبنها وقشرها إِلَّا إِذا كَانَ يدّخر فِيهِ ويؤكل مَعَه كالذرة تطحن مَعَ قشرها

стр. 175

غَالِبا فَيدْخل القشر فِي الْحساب لِأَنَّهُ طَعَام وَإِن كَانَ يزَال تنعماً كَمَا يزَال قشر الْحِنْطَة وَفِي دُخُول القشرة السُّفْلى من الفول وَجْهَان الْمَذْهَب أَنَّهَا لَا تدخل فِي الْحساب كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن صَاحب الْعدة وَأقرهُ وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة لَكِن قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب بعد نَقله إِنَّه غَرِيب وَقَول الشَّيْخ وَفِيمَا زَاد فبحسابه يَعْنِي الزَّائِد على النّصاب تجب الزَّكَاة فِيهِ كالنقد وَالله أعلم (فرع) غلَّة الْقرْيَة وثمار الْبُسْتَان الموقوفين على الْمَسَاجِد والرباطات أَو الْمدَارِس أَو على القناطر أَو على الْفُقَرَاء أَو على الْمَسَاكِين لَا زَكَاة فيهمَا إِذْ لَيْسَ لَهما مَالك معِين وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح بل الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَأما الْمَوْقُوف على مُعينين فَتجب فِيهِ الزَّكَاة كَمَا إِذا وقف نخل بُسْتَان فأثمرت خَمْسَة أوسق نعم لَو وقف أَرْبَعِينَ شَاة على جمَاعَة مُعينين فَإِن قُلْنَا الْملك فِي الْمَوْقُوف لَا ينْتَقل فَلَا زَكَاة وَإِن قُلْنَا يملكونه فَلَا زَكَاة أَيْضا على الصَّحِيح لضعف ملكهم وَالله أعلم قَالَ (وفيهَا إِن سقيت بِمَاء السَّمَاء أَو السيح الْعشْر وَإِن سقيت بدواليب أوغرب نصف الْعشْر) يجب فِيمَا سقِِي بِمَاء السَّمَاء وَنَحْوه كالثلج والسيح وَهُوَ المَاء الْجَارِي على وَجه الأَرْض بِسَبَب سد النَّهر الْعَظِيم من الزروع وَالثِّمَار الْعشْر وَكَذَا البعل وَهُوَ الَّذِي يشرب من النَّهر بعروقه لقُرْبه من المَاء وَأما مَا يشرب بالنواضح وَهِي مَا يَسْتَقِي عَلَيْهَا من الْحَيَوَانَات أَو الدواليب أَو اشْتَرَاهُ أَو أسقاه بالغرب وَهُوَ الدَّلْو الْكَبِير فَفِيهِ نصف الْعشْر وَالْمعْنَى من جِهَة الْفرق عدم الْمُؤْنَة فِي الأول وَحُصُول الْمُؤْنَة فِي الثَّانِي وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﵊ (فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثرياً الْعشْر وَفِيمَا يسقى بالنضح نصف الْعشْر) وَفِي رِوَايَة (فِيمَا سقت الْأَنْهَار والغيم الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بالساقية نصف الْعشْر) وَفِي رِوَايَة (فِي البعل الْعشْر) وانعقد الْإِجْمَاع على مَا ذَكرْنَاهُ قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره والعثري بِعَين مُهْملَة وثاء مثلثلة مَفْتُوحَة وَرَاء مُهْملَة هُوَ الَّذِي لَا يشرب إِلَّا من الْمَطَر بِأَن تحفر حفيرة يجْرِي فِيهَا المَاء من السَّيْل إِلَى أصُول الشّجر وَتسَمى تِلْكَ الحفرة عاثوراً لِأَن الْمَار يتعثر فِيهَا إِذا لم يشْعر بهَا وَلَو سقيت الثِّمَار والزروع بِمَا يُوجب الْعشْر وَبِمَا يُوجب نصف الْعشْر على السوَاء وَجب ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر عملا بالتقسيط وَإِن غلب أَحدهمَا فيقسط أَيْضا على الْأَظْهر وَإِن جهل الْأَمر فَلم يدر بِمَا سقِِي أَكثر

стр. 176

جَعَلْنَاهُ نِصْفَيْنِ لِأَن الأَصْل فِي كل وَاحِد عدم الزِّيَادَة على صَاحبه وَحِينَئِذٍ فَيجب ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر وَلَو علمنَا أَن أَحدهمَا أَكثر وجهلنا عينه فقد تحققنا أَن الْوَاجِب ينقص عَن الْعشْر وَيزِيد على نصف الْعشْر فَيَأْخُذ قدر الْيَقِين إِلَى أَن يتَبَيَّن الْحَال قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قَالَ (فصل وَتقوم عرُوض التِّجَارَة عِنْد آخر الْحول بِمَا اشْتريت بِهِ وَيخرج من ذَلِك ربع الْعشْر) قد علمت أَن النّصاب والحول معتبران فِي زَكَاة التِّجَارَة وَهَذَا لَا خلاف فِي اشْتِرَاطه لعُمُوم الْأَخْبَار لَكِن فِي وَقت الِاعْتِبَار فِي الْحول خلاف الصَّحِيح أَن الِاعْتِبَار بآخر الْحول لِأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بالقيمه لَا بِالْعينِ وتقويم الْعرُوض فِي كل لَحْظَة يشق ويحوج إِلَى مداومة الْأَسْوَاق ومراقبة ذَلِك فَاعْتبر وَقت الْوُجُوب وَهُوَ آخر الْحول وَقيل يعْتَبر بِجَمِيعِهِ وَقيل بطرفيه فعلى الصَّحِيح إِن كَانَ مَال التِّجَارَة اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِم أَو دَنَانِير وَكَانَ النَّقْد نِصَابا قوم بِهِ فِي آخر الْحول فَإِن بلغت قِيمَته نِصَابا زَكَاة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ رَأس المَال نَقْدا وَلكنه دون النّصاب قوم بِالنَّقْدِ أَيْضا على الصَّحِيح وَهَذَا ينطبق على كَلَام الشَّيْخ بِمَا اشْتريت بِهِ سَوَاء كَانَ ثمن مَال التِّجَارَة نِصَابا أم لَا أما لَو كَانَ رَأس المَال عرضا بِأَن ملك مَال التِّجَارَة بِعرْض للْقنية أَو غَيره فَيقوم بغالب نقد الْبَلَد من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير فَإِن بلغ بِهِ نِصَابا زَكَاة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ يبلغ بِغَيْرِهِ نِصَابا وَلَو كَانَ فِي الْبَلَد نقدان متساويان فَإِن بلغ بِأَحَدِهِمَا قوم بِهِ وَإِن بلغ بهما فَالصَّحِيح أَن الْمَالِك يتَخَيَّر فَيقوم بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَقيل يُرَاعِي الأغبط للْمَسَاكِين والنقد هُوَ الْمَضْرُوب من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَو ملك مَال التِّجَارَة بِنَقْد وَغَيره من الْعرُوض فَمَا قَابل الدَّرَاهِم قوم بهَا وَمَا قَابل الْعرُوض قوم بِنَقْد الْبَلَد وَلَو لم يعلم مَا اشْتَرَاهُ بِهِ قوم بِنَقْد الْبَلَد قَالَه الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر هَذَا مَا يتَعَلَّق بآخر الْحول أما ابْتِدَاء الْحول فَينْظر فِي رَأس المَال إِن كَانَ نَقْدا وَهُوَ نِصَاب بِأَن اشْترى بِمِائَتي دِرْهَم أَو عشْرين دِينَارا مَال تِجَارَة فابتداء الْحول من حِين ملك النّصاب وَيَبْنِي حول التِّجَارَة عَلَيْهِ أَي على حول النّصاب وَهَذَا إِذا اشْترى بِعَين النّصاب أما إِذا اشْترى بنصاب فِي الذِّمَّة ثمَّ نَقده فِي ثمنه فَيَنْقَطِع حول النَّقْد ويبتدىء حول التِّجَارَة من وَقت الشِّرَاء وَإِن كَانَ رَأس المَال دَرَاهِم أَو دَنَانِير إِلَّا أَنَّهَا دون النّصاب فابتداء الْحول من حِين ملك عرض التِّجَارَة هَذَا كُله إِذا ملك مَال التِّجَارَة بِنَقْد أما إِذا ملكه بِغَيْر نقد فَينْظر إِن ملكه بِعرْض لَا زَكَاة فِيهِ كالثياب وَالْعَبِيد فابتداء الْحول من وَقت ملك التِّجَارَة وَإِن كَانَ رَأس مَال التِّجَارَة مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة بِأَن ملك مَال التِّجَارَة بنصاب من السَّائِمَة فَقيل يَبْنِي على حول الْمَاشِيَة كَمَا لَو ملك بنصاب من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير وَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَن حول الْمَاشِيَة يَنْقَطِع ويبتدىء حول التِّجَارَة من حِين ملك مَال التِّجَارَة لاخْتِلَاف زَكَاة الْمَاشِيَة وَالتِّجَارَة قدرا ووقتاً بِخِلَاف زَكَاة النَّقْد مَعَ التِّجَارَة

стр. 177

(فرع) إِذا فرعنا على الْأَظْهر أَن الِاعْتِبَار بآخر الْحول فَلَو بَاعَ الْعرض فِي أثْنَاء الْحول بِنَقْد وَهُوَ دون النّصاب ثمَّ اشْترى بِهِ سلْعَة فَالصَّحِيح أَنه يَنْقَطِع الْحول ويبتدىء حول التِّجَارَة من حِين اشْتَرَاهَا لِأَن النُّقْصَان عَن النّصاب قد تحقق بالتنضيض وَهُوَ الثّمن الْحَاصِل الناض وَأما قبل ذَلِك فَإِن النُّقْصَان كَانَ مظنوناً وَقيل لَا يَنْقَطِع الْحول كَمَا لَو بادل بسلعة نَاقِصَة عَن النّصاب فَإِن الْحول لَا يَنْقَطِع على الصَّحِيح لِأَن الْمُبَادلَة مَعْدُودَة من التِّجَارَة وَالله أعلم قَالَ (وَمَا استخرج من معادن الذَّهَب وَالْفِضَّة يخرج مِنْهُ ربع الْعشْر فِي الْحَال) الْمَعَادِن جمع مَعْدن بِفَتْح الْمِيم وَكسر الدَّال وَهُوَ اسْم للمكان الَّذِي خلق الله تَعَالَى فِيهِ الْجَوَاهِر من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والنحاس وَنَحْو ذَلِك وَسمي بذلك لإِقَامَة مَا أَنْبَتَهُ الله فِيهِ تَقول عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَمِنْه جنَّات عدن قَالَ النَّوَوِيّ وَقد أَجمعت الْأمة على وجوب الزَّكَاة فِي الْمَعْدن وَلَا زَكَاة فِي الْمَعْدن إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَقيل تجب فِي كل مَعْدن كالحديد وَنَحْوه فَإِذا استخرج شخص نِصَابا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَجَبت عَلَيْهِ الزَّكَاة وَيشْتَرط النّصاب دون الْحول أما النّصاب فلعموم الْأَدِلَّة وَوجه عدم وجوب الْحول أَن وُجُوبه فِي غير الْمَعْدن لأجل تَكَامل النَّمَاء والمستخرج من الْمَعْدن نَمَاء فِي نَفسه فَأشبه الثِّمَار والزروع وَلَو استخرج اثْنَان من مَعْدن مَمْلُوك لَهما أَو مُبَاح وَجَبت عَلَيْهِمَا الزَّكَاة على الْأَصَح وَزَكَاة الْمَعْدن ربع الْعشْر لقَوْله ﷺ (فِي الرقة الْعشْر) وَالله أعلم قَالَ (وَمَا يُوجد من الرِّكَاز فَفِيهِ الْخمس) الرِّكَاز دَفِين الْجَاهِلِيَّة وَيجب فِيهِ الْخمس لقَوْله ﷺ (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) وَيصرف مصرف الزَّكَاة على الْمَذْهَب وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْحول بِلَا خلاف وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ بِالْإِجْمَاع لِأَن الْحول يُرَاد للإستنماء وَهُوَ كُله نَمَاء وَلَا مشقة فِيهِ غَالِبا نعم يشْتَرط النّصاب والنقد على الْمَذْهَب لِأَن مُسْتَفَاد من الأَرْض فاختص بِمَا يجب فِيهِ الزَّكَاة قدرا ونوعاً كالمعدن وَالثَّانِي لَا يشترطان فِيهِ وَبِه قَالَ الإِمَام مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد لعُمُوم قَوْله ﵊ (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) وَاعْلَم أَن هَذَا فِي الْمَوْجُود الَّذِي هُوَ جاهلي يَعْنِي وجد على ضرب الجاهليه الَّذين هم قبل الْإِسْلَام وَسموا بالجاهلية لِكَثْرَة جهالتهم وَيعرف ضَربهمْ بِأَن يكون عَلَيْهِ اسْم ملك من مُلُوكهمْ أَو صَلِيب

стр. 178

كَمَا نَقله ابْن الرّفْعَة عَن الْأَصْحَاب قَالَ الرَّافِعِيّ وَفِيه اشكال إِذْ لَا يلْزم من كَونه على ضَربهمْ أَن يكون من دفنهم لجَوَاز أَن يكون أَخذ مُسلم ثمَّ دَفنه وَالْعبْرَة إِنَّمَا هِيَ بدفنهم وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة على هَذَا الاشكال وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الأَصْل وَالظَّاهِر عدم الْأَخْذ ثمَّ الدّفن وَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب لم يكن لنا ركاز أَلْبَتَّة وَلَو كَانَ الْمَوْجُود عَلَيْهِ ضرب الْإِسْلَام بِأَن كَانَ عَلَيْهِ شبء من الْقُرْآن أَو اسْم ملك من مُلُوك الْإِسْلَام لم يملكهُ الْوَاجِد بِمُجَرَّد الْأَخْذ بل يجب عَلَيْهِ أَن يردهُ إِلَى مَالِكه إِن علمه فَإِن آخِره وَلَو لَحْظَة مَعَ الْعلم عصى فَإِن لم يعلم الْوَاجِد صَاحبه فَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه لقطَة يعرفهُ الْوَاجِد سنة وَقَالَ أَبُو عَليّ هُوَ مَال ضائع يمسِكهُ الْوَاجِد للْمَالِك أبدا أَو يحفظه الإِمَام فِي بَيت المَال وَلَا يملك بِحَال قلت هَذَا فِي غير زَمَاننَا الْفَاسِد حِين كَانَ بَيت المَال منتظماً أما فِي زَمَاننَا فإمام النَّاس هُوَ وَأَتْبَاعه ظلمَة غشمة وَكَذَا قُضَاة الرشا الَّذين يَأْخُذُونَ أَمْوَال الْأَصْنَاف الَّذين جعلهَا الله تَعَالَى لَهُم بِنَصّ الْقُرْآن يدفعونها إِلَى الظلمَة ليعينوهم على الْفساد فَيحرم دفع ذَلِك وأشباهه إِلَيْهِم وَمن دفع شَيْئا من ذَلِك إِلَيْهِم عصى لإعانته لَهُم على تَضْييع مَال من جعله الله لَهُ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك إِلَّا غبي أَو معاند عَافَانَا الله من ذَلِك وَالله أعلم وَلَو لم يعرف أَن الْمَوْجُود جاهلي أَو إسلامي كالتبر والحلي وَمَا يضْرب مثله فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فَفِيهِ قَولَانِ الْأَشْهر الْأَظْهر أَنه لقطَة تَغْلِيبًا لحكم الْإِسْلَام وَالله أعلم قَالَ بَاب زَكَاة الْفطر (فصل وَتجب زَكَاة الْفطر بِثَلَاثَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وغروب الشَّمْس من آخر يَوْم من رَمَضَان) يُقَال لَهَا زَكَاة الْفطر لِأَنَّهَا تجب بِالْفطرِ وَيُقَال لَهَا زَكَاة الْفطْرَة أَي الْخلقَة يَعْنِي زَكَاة الْبدن لِأَنَّهَا تزكي النَّفس أَي تطهرها وتنمي عَملهَا ثمَّ الأَصْل فِي وُجُوبهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ (فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر على النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين) وَادّعى ابْن الْمُنْذر أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على وُجُوبهَا ثمَّ شَرط وجوبا الْإِسْلَام لقَوْله ﵊ (من الْمُسلمين) وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ

стр. 179

الْإِجْمَاع على ذَلِك فَلَا فطْرَة على كَافِر عَن نَفسه وَهل تجب إِذا ملك عبدا مُسلما فِيهِ خلاف يَأْتِي عِنْد قَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من الْمُسلمين وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَصَحّ أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ لأجل عَبده الْمُسلم وَفِي وَقت وُجُوبهَا أَقْوَال أظهرها وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَنَّهَا تجب بغروب الشَّمْس لِأَنَّهَا مُضَافَة إِلَى الْفطر كَمَا مر فِي لفظ الحَدِيث وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب بِطُلُوع الْفجْر يَوْم الْعِيد لِأَنَّهَا قربَة تتَعَلَّق بالعيد فَلَا تتقدم عَلَيْهِ كالأضحية وَالثَّالِث تتَعَلَّق بالأمرين فَلَو ملك عبدا بعد الْغُرُوب فَلَا تجب فطرته على المُشْتَرِي على القَوْل الْأَظْهر وَكَذَا لَو ولد لَهُ ولد بعد الْغُرُوب أَو تزوج فَلَا فطْرَة عَلَيْهِ لعدم إِدْرَاك وَقت الْوُجُوب وَالله أعلم قَالَ (وَوُجُود الْفضل عَن قوته وقوت عِيَاله فِي ذَلِك الْيَوْم ويزكي عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من السلمين) هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث لوُجُوب زَكَاة الْفطر وَهُوَ الْيَسَار فالمعسر لَا زَكَاة عَلَيْهِ قَالَ ابْن الْمُنْذر بِالْإِجْمَاع وَلَا بُد من معرفَة الْمُعسر وَهُوَ كل من لم يفضل عَن قوته وقوت من تلْزمهُ نَفَقَته آدَمِيًّا كَانَ أَو غَيره لَيْلَة الْعِيد ويومه مَا يُخرجهُ فِي الْفطْرَة فَهُوَ مُعسر وَهل يشْتَرط كَون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَن مَسْكَنه وخادمه الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ للْخدمَة فِيهِ وَجْهَان فِي الرَّوْضَة بِلَا تَرْجِيح وَرجح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَالشَّرْح الصَّغِير أَنه يشْتَرط ذَلِك وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَشرح الْمُهَذّب وَكَذَا يشْتَرط أَن يكون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَمَّا ذكرنَا وَعَن دست ثوب يَلِيق بِهِ صرح بِهِ الإِمَام وَالْمُتوَلِّيّ وَالنَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَهل يمْنَع الدّين وجوب الْفطْرَة لَيْسَ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَالرَّوْضَة تَرْجِيح بل نقلا عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاق على أَنه يمْنَع وُجُوبهَا كَمَا أَن الْحَاجة إِلَى نَفَقَة الْقَرِيب تمنع وُجُوبهَا إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير رجح أَن الدّين لَا يمْنَع وجوب زَكَاة الْفطر كَمَا يمْنَع وحوب زَكَاة المَال قَالَ وَفِي كَلَام الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب مَا يدل على أَن الدّين لَا يمْنَع الْوُجُوب لَكِن رجح صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير أَن الدّين يمْنَع الْوُجُوب وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَنَقله عَن الْأَصْحَاب وَقَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته اعْلَم أَن الْجِهَات الَّتِي تتحمل زَكَاة الْفطر ثَلَاثَة الْملك وَالنِّكَاح والقرابة فَمن تلْزمهُ نَفَقَته بِسَبَب مِنْهَا لزمَه فطْرَة الْمُنفق عَلَيْهِ وَيسْتَثْنى من ذَلِك مسَائِل يلْزمه نَفَقَة ذَلِك الشَّخْص وَلَا تجب فطرته مِنْهَا الابْن تلْزمهُ نَفَقَة زَوْجَة أَبِيه وَفِي وجوب زَكَاة افطر عَلَيْهِ بسبها وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الْغَزالِيّ فِي جمَاعَة أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وأصحهما عِنْد الْبَغَوِيّ وَغَيره لَا تجب وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وصححناه فِي الْمُحَرر والمنهاج وَيجْرِي الْوَجْهَانِ فِي مُسْتَوْلدَة الْأَب وَمِنْهَا لَو كَانَ للْأَب ابْن بَالغ وَالْوَالِد فِي نَفَقَة أَبِيه فَوجدَ قوت الْوَلَد يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته لم تجب فطرته على الْأَب وَكَذَا الابْن الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا كالكبير وَمِنْهَا الْقَرِيب الْكَافِر الَّذِي تجب

стр. 180

نَفَقَته وَكَذَا العَبْد الْكَافِر وَالْأمة الْكَافِرَة تجب نَفَقَتهم دون فطرتهم وَكَذَا زَوجته الْكَافِرَة وَعَن هَؤُلَاءِ احْتَرز الشَّيْخ بقوله من الْمُسلمين وَمِنْهَا زَوْجَة الْمُعسر أَو العَبْد إِذا كَانَت موسرة فَإِن نَفَقَتهَا مُسْتَقِرَّة فِي ذمَّته وَلَا تجب فطرتها بل تجب عَلَيْهَا على الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ وَخَالفهُ النَّوَوِيّ فصحح عدم الْوُجُوب وَكَذَا الْأمة الْمُزَوجَة بِعَبْد أَو مُعسر تجب فطرتها على سَيِّدهَا على الْأَصَح دون نَفَقَتهَا فَإِنَّهَا وَاجِبَة على الزَّوْج وَمِنْهَا إِذا كَانَ لَهُ عبد لَا مَال لَهُ غَيره بعد قوت يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته وَبعد صَاع يُخرجهُ عَن فطْرَة نَفسه وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إِنَّه فِي هَذِه الصُّورَة أَنه يبْدَأ بِنَفسِهِ حكى الإِمَام فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الْأَصَح أَنه إِن كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ لخدمته فَهُوَ كَسَائِر الْأَمْوَال وَالثَّانِي يُبَاع مِنْهُ بِقدر الْفطْرَة وَالثَّالِث لَا تجب الزَّكَاة أصلا فعلى الصَّحِيح فِي معنى خدمته خدمَة من تلْزمهُ خدمته من قريب وَزَوْجَة وَلَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَى العَبْد لعمله فِي أرضه أَو مَاشِيَته فَإِن الْفطْرَة تجب قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَأطلق فِي الْمِنْهَاج وَلم يذكر التَّقْيِيد بِالْخدمَةِ وَالله أعلم قَالَ (فَيخرج صَاعا من قوت بَلَده وَقدره خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي) من وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة الْفطر يلْزمه أَن يخرج صَاعا من قوته لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم وَهُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي ووزنه سِتّمائَة دِرْهَم وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم وَهَذَا عِنْد الرَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يَقُول إِن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَقَالَ النَّوَوِيّ إِن الرطل مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم وَالِاعْتِبَار فِي الصَّاع بِالْكَيْلِ وَإِنَّمَا قدر الْعلمَاء الصَّاع بِالْوَزْنِ استظهاراً قَالَ النَّوَوِيّ قد يسْتَشْكل ضبط الصَّاع بالأرطال فَإِن الصَّاع الْمخْرج بِهِ فِي زَمَنه ﵊ مكيال مَعْرُوف وَيخْتَلف قدره وزنا باخْتلَاف جنس مَا يخرج كالذرة والحمص وَغَيرهمَا فَالصَّوَاب الِاعْتِمَاد على الْكَيْل دون الْوَزْن فَالْوَاجِب أَن يخرج بِصَاع معاير بالصاع الَّذِي كَانَ يخرج بِهِ فِي من رَسُول الله ﷺ فَمن لم يجد وَجب عَلَيْهِ أَن يخرج قدرا يتَيَقَّن أَنه لَا ينقص عَنهُ وعَلى هَذَا فالتقدير بِخَمْسَة أَرْطَال وَثلث تقريب وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء إِنَّه قدر أَربع حفنات بكفي رجل معتدل الْكَفَّيْنِ وَالله أعلم إِذا عرفت هَذَا فَكل مَا يجب فِيهِ الْعشْر فَهُوَ صَالح لإِخْرَاج الْفطْرَة مِنْهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور وَفِي قَول لَا يجزىء الحمص والعدس ويجزىء الأقط على الصَّحِيح وَقَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي الْقطع بِجَوَازِهِ لصِحَّة الحَدِيث فِيهِ وَالأَصَح أَن الْجُبْن وَاللَّبن فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا فِيمَن ذَلِك قوته
следующие страницы →