Полный текст (576 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
جَعَلْنَاهُ نِصْفَيْنِ لِأَن الأَصْل فِي كل وَاحِد عدم الزِّيَادَة على صَاحبه وَحِينَئِذٍ فَيجب ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر وَلَو علمنَا أَن أَحدهمَا أَكثر وجهلنا عينه فقد تحققنا أَن الْوَاجِب ينقص عَن الْعشْر وَيزِيد على نصف الْعشْر فَيَأْخُذ قدر الْيَقِين إِلَى أَن يتَبَيَّن الْحَال قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قَالَ
(فصل وَتقوم عرُوض التِّجَارَة عِنْد آخر الْحول بِمَا اشْتريت بِهِ وَيخرج من ذَلِك ربع الْعشْر)
قد علمت أَن النّصاب والحول معتبران فِي زَكَاة التِّجَارَة وَهَذَا لَا خلاف فِي اشْتِرَاطه لعُمُوم الْأَخْبَار لَكِن فِي وَقت الِاعْتِبَار فِي الْحول خلاف الصَّحِيح أَن الِاعْتِبَار بآخر الْحول لِأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بالقيمه لَا بِالْعينِ وتقويم الْعرُوض فِي كل لَحْظَة يشق ويحوج إِلَى مداومة الْأَسْوَاق ومراقبة ذَلِك فَاعْتبر وَقت الْوُجُوب وَهُوَ آخر الْحول وَقيل يعْتَبر بِجَمِيعِهِ وَقيل بطرفيه فعلى الصَّحِيح إِن كَانَ مَال التِّجَارَة اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِم أَو دَنَانِير وَكَانَ النَّقْد نِصَابا قوم بِهِ فِي آخر الْحول فَإِن بلغت قِيمَته نِصَابا زَكَاة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ رَأس المَال نَقْدا وَلكنه دون النّصاب قوم بِالنَّقْدِ أَيْضا على الصَّحِيح وَهَذَا ينطبق على كَلَام الشَّيْخ بِمَا اشْتريت بِهِ سَوَاء كَانَ ثمن مَال التِّجَارَة نِصَابا أم لَا أما لَو كَانَ رَأس المَال عرضا بِأَن ملك مَال التِّجَارَة بِعرْض للْقنية أَو غَيره فَيقوم بغالب نقد الْبَلَد من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير فَإِن بلغ بِهِ نِصَابا زَكَاة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ يبلغ بِغَيْرِهِ نِصَابا وَلَو كَانَ فِي الْبَلَد نقدان متساويان فَإِن بلغ بِأَحَدِهِمَا قوم بِهِ وَإِن بلغ بهما فَالصَّحِيح أَن الْمَالِك يتَخَيَّر فَيقوم بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَقيل يُرَاعِي الأغبط للْمَسَاكِين والنقد هُوَ الْمَضْرُوب من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَو ملك مَال التِّجَارَة بِنَقْد وَغَيره من الْعرُوض فَمَا قَابل الدَّرَاهِم قوم بهَا وَمَا قَابل الْعرُوض قوم بِنَقْد الْبَلَد وَلَو لم يعلم مَا اشْتَرَاهُ بِهِ قوم بِنَقْد الْبَلَد قَالَه الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر هَذَا مَا يتَعَلَّق بآخر الْحول أما ابْتِدَاء الْحول فَينْظر فِي رَأس المَال إِن كَانَ نَقْدا وَهُوَ نِصَاب بِأَن اشْترى بِمِائَتي دِرْهَم أَو عشْرين دِينَارا مَال تِجَارَة فابتداء الْحول من حِين ملك النّصاب وَيَبْنِي حول التِّجَارَة عَلَيْهِ أَي على حول النّصاب وَهَذَا إِذا اشْترى بِعَين النّصاب أما إِذا اشْترى بنصاب فِي الذِّمَّة ثمَّ نَقده فِي ثمنه فَيَنْقَطِع حول النَّقْد ويبتدىء حول التِّجَارَة من وَقت الشِّرَاء وَإِن كَانَ رَأس المَال دَرَاهِم أَو دَنَانِير إِلَّا أَنَّهَا دون النّصاب فابتداء الْحول من حِين ملك عرض التِّجَارَة هَذَا كُله إِذا ملك مَال التِّجَارَة بِنَقْد أما إِذا ملكه بِغَيْر نقد فَينْظر إِن ملكه بِعرْض لَا زَكَاة فِيهِ كالثياب وَالْعَبِيد فابتداء الْحول من وَقت ملك التِّجَارَة وَإِن كَانَ رَأس مَال التِّجَارَة مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة بِأَن ملك مَال التِّجَارَة بنصاب من السَّائِمَة فَقيل يَبْنِي على حول الْمَاشِيَة كَمَا لَو ملك بنصاب من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير وَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَن حول الْمَاشِيَة يَنْقَطِع ويبتدىء حول التِّجَارَة من حِين ملك مَال التِّجَارَة لاخْتِلَاف زَكَاة الْمَاشِيَة وَالتِّجَارَة قدرا ووقتاً بِخِلَاف زَكَاة النَّقْد مَعَ التِّجَارَة
стр. 177
(فرع) إِذا فرعنا على الْأَظْهر أَن الِاعْتِبَار بآخر الْحول فَلَو بَاعَ الْعرض فِي أثْنَاء الْحول بِنَقْد وَهُوَ دون النّصاب ثمَّ اشْترى بِهِ سلْعَة فَالصَّحِيح أَنه يَنْقَطِع الْحول ويبتدىء حول التِّجَارَة من حِين اشْتَرَاهَا لِأَن النُّقْصَان عَن النّصاب قد تحقق بالتنضيض وَهُوَ الثّمن الْحَاصِل الناض وَأما قبل ذَلِك فَإِن النُّقْصَان كَانَ مظنوناً وَقيل لَا يَنْقَطِع الْحول كَمَا لَو بادل بسلعة نَاقِصَة عَن النّصاب فَإِن الْحول لَا يَنْقَطِع على الصَّحِيح لِأَن الْمُبَادلَة مَعْدُودَة من التِّجَارَة وَالله أعلم قَالَ
(وَمَا استخرج من معادن الذَّهَب وَالْفِضَّة يخرج مِنْهُ ربع الْعشْر فِي الْحَال)
الْمَعَادِن جمع مَعْدن بِفَتْح الْمِيم وَكسر الدَّال وَهُوَ اسْم للمكان الَّذِي خلق الله تَعَالَى فِيهِ الْجَوَاهِر من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والنحاس وَنَحْو ذَلِك وَسمي بذلك لإِقَامَة مَا أَنْبَتَهُ الله فِيهِ تَقول عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَمِنْه جنَّات عدن قَالَ النَّوَوِيّ وَقد أَجمعت الْأمة على وجوب الزَّكَاة فِي الْمَعْدن وَلَا زَكَاة فِي الْمَعْدن إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَقيل تجب فِي كل مَعْدن كالحديد وَنَحْوه فَإِذا استخرج شخص نِصَابا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَجَبت عَلَيْهِ الزَّكَاة وَيشْتَرط النّصاب دون الْحول أما النّصاب فلعموم الْأَدِلَّة وَوجه عدم وجوب الْحول أَن وُجُوبه فِي غير الْمَعْدن لأجل تَكَامل النَّمَاء والمستخرج من الْمَعْدن نَمَاء فِي نَفسه فَأشبه الثِّمَار والزروع وَلَو استخرج اثْنَان من مَعْدن مَمْلُوك لَهما أَو مُبَاح وَجَبت عَلَيْهِمَا الزَّكَاة على الْأَصَح وَزَكَاة الْمَعْدن ربع الْعشْر لقَوْله ﷺ
(فِي الرقة الْعشْر) وَالله أعلم قَالَ
(وَمَا يُوجد من الرِّكَاز فَفِيهِ الْخمس)
الرِّكَاز دَفِين الْجَاهِلِيَّة وَيجب فِيهِ الْخمس لقَوْله ﷺ
(وَفِي الرِّكَاز الْخمس) وَيصرف مصرف الزَّكَاة على الْمَذْهَب وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْحول بِلَا خلاف وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ بِالْإِجْمَاع لِأَن الْحول يُرَاد للإستنماء وَهُوَ كُله نَمَاء وَلَا مشقة فِيهِ غَالِبا نعم يشْتَرط النّصاب والنقد على الْمَذْهَب لِأَن مُسْتَفَاد من الأَرْض فاختص بِمَا يجب فِيهِ الزَّكَاة قدرا ونوعاً كالمعدن وَالثَّانِي لَا يشترطان فِيهِ وَبِه قَالَ الإِمَام مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد لعُمُوم قَوْله ﵊
(وَفِي الرِّكَاز الْخمس) وَاعْلَم أَن هَذَا فِي الْمَوْجُود الَّذِي هُوَ جاهلي يَعْنِي وجد على ضرب الجاهليه الَّذين هم قبل الْإِسْلَام وَسموا بالجاهلية لِكَثْرَة جهالتهم وَيعرف ضَربهمْ بِأَن يكون عَلَيْهِ اسْم ملك من مُلُوكهمْ أَو صَلِيب
стр. 178
كَمَا نَقله ابْن الرّفْعَة عَن الْأَصْحَاب قَالَ الرَّافِعِيّ وَفِيه اشكال إِذْ لَا يلْزم من كَونه على ضَربهمْ أَن يكون من دفنهم لجَوَاز أَن يكون أَخذ مُسلم ثمَّ دَفنه وَالْعبْرَة إِنَّمَا هِيَ بدفنهم وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة على هَذَا الاشكال وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الأَصْل وَالظَّاهِر عدم الْأَخْذ ثمَّ الدّفن وَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب لم يكن لنا ركاز أَلْبَتَّة وَلَو كَانَ الْمَوْجُود عَلَيْهِ ضرب الْإِسْلَام بِأَن كَانَ عَلَيْهِ شبء من الْقُرْآن أَو اسْم ملك من مُلُوك الْإِسْلَام لم يملكهُ الْوَاجِد بِمُجَرَّد الْأَخْذ بل يجب عَلَيْهِ أَن يردهُ إِلَى مَالِكه إِن علمه فَإِن آخِره وَلَو لَحْظَة مَعَ الْعلم عصى فَإِن لم يعلم الْوَاجِد صَاحبه فَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه لقطَة يعرفهُ الْوَاجِد سنة وَقَالَ أَبُو عَليّ هُوَ مَال ضائع يمسِكهُ الْوَاجِد للْمَالِك أبدا أَو يحفظه الإِمَام فِي بَيت المَال وَلَا يملك بِحَال
قلت هَذَا فِي غير زَمَاننَا الْفَاسِد حِين كَانَ بَيت المَال منتظماً أما فِي زَمَاننَا فإمام النَّاس هُوَ وَأَتْبَاعه ظلمَة غشمة وَكَذَا قُضَاة الرشا الَّذين يَأْخُذُونَ أَمْوَال الْأَصْنَاف الَّذين جعلهَا الله تَعَالَى لَهُم بِنَصّ الْقُرْآن يدفعونها إِلَى الظلمَة ليعينوهم على الْفساد فَيحرم دفع ذَلِك وأشباهه إِلَيْهِم وَمن دفع شَيْئا من ذَلِك إِلَيْهِم عصى لإعانته لَهُم على تَضْييع مَال من جعله الله لَهُ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك إِلَّا غبي أَو معاند عَافَانَا الله من ذَلِك وَالله أعلم وَلَو لم يعرف أَن الْمَوْجُود جاهلي أَو إسلامي كالتبر والحلي وَمَا يضْرب مثله فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فَفِيهِ قَولَانِ الْأَشْهر الْأَظْهر أَنه لقطَة تَغْلِيبًا لحكم الْإِسْلَام وَالله أعلم قَالَ
بَاب زَكَاة الْفطر
(فصل وَتجب زَكَاة الْفطر بِثَلَاثَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وغروب الشَّمْس من آخر يَوْم من رَمَضَان)
يُقَال لَهَا زَكَاة الْفطر لِأَنَّهَا تجب بِالْفطرِ وَيُقَال لَهَا زَكَاة الْفطْرَة أَي الْخلقَة يَعْنِي زَكَاة الْبدن لِأَنَّهَا تزكي النَّفس أَي تطهرها وتنمي عَملهَا ثمَّ الأَصْل فِي وُجُوبهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ
(فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر على النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين) وَادّعى ابْن الْمُنْذر أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على وُجُوبهَا
ثمَّ شَرط وجوبا الْإِسْلَام لقَوْله ﵊
(من الْمُسلمين) وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ
стр. 179
الْإِجْمَاع على ذَلِك فَلَا فطْرَة على كَافِر عَن نَفسه وَهل تجب إِذا ملك عبدا مُسلما فِيهِ خلاف يَأْتِي عِنْد قَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من الْمُسلمين وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَصَحّ أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ لأجل عَبده الْمُسلم وَفِي وَقت وُجُوبهَا أَقْوَال أظهرها وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَنَّهَا تجب بغروب الشَّمْس لِأَنَّهَا مُضَافَة إِلَى الْفطر كَمَا مر فِي لفظ الحَدِيث وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب بِطُلُوع الْفجْر يَوْم الْعِيد لِأَنَّهَا قربَة تتَعَلَّق بالعيد فَلَا تتقدم عَلَيْهِ كالأضحية وَالثَّالِث تتَعَلَّق بالأمرين فَلَو ملك عبدا بعد الْغُرُوب فَلَا تجب فطرته على المُشْتَرِي على القَوْل الْأَظْهر وَكَذَا لَو ولد لَهُ ولد بعد الْغُرُوب أَو تزوج فَلَا فطْرَة عَلَيْهِ لعدم إِدْرَاك وَقت الْوُجُوب وَالله أعلم قَالَ
(وَوُجُود الْفضل عَن قوته وقوت عِيَاله فِي ذَلِك الْيَوْم ويزكي عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من السلمين)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث لوُجُوب زَكَاة الْفطر وَهُوَ الْيَسَار فالمعسر لَا زَكَاة عَلَيْهِ قَالَ ابْن الْمُنْذر بِالْإِجْمَاع وَلَا بُد من معرفَة الْمُعسر وَهُوَ كل من لم يفضل عَن قوته وقوت من تلْزمهُ نَفَقَته آدَمِيًّا كَانَ أَو غَيره لَيْلَة الْعِيد ويومه مَا يُخرجهُ فِي الْفطْرَة فَهُوَ مُعسر وَهل يشْتَرط كَون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَن مَسْكَنه وخادمه الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ للْخدمَة فِيهِ وَجْهَان فِي الرَّوْضَة بِلَا تَرْجِيح وَرجح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَالشَّرْح الصَّغِير أَنه يشْتَرط ذَلِك وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَشرح الْمُهَذّب وَكَذَا يشْتَرط أَن يكون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَمَّا ذكرنَا وَعَن دست ثوب يَلِيق بِهِ صرح بِهِ الإِمَام وَالْمُتوَلِّيّ وَالنَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَهل يمْنَع الدّين وجوب الْفطْرَة لَيْسَ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَالرَّوْضَة تَرْجِيح بل نقلا عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاق على أَنه يمْنَع وُجُوبهَا كَمَا أَن الْحَاجة إِلَى نَفَقَة الْقَرِيب تمنع وُجُوبهَا إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير رجح أَن الدّين لَا يمْنَع وجوب زَكَاة الْفطر كَمَا يمْنَع وحوب زَكَاة المَال قَالَ وَفِي كَلَام الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب مَا يدل على أَن الدّين لَا يمْنَع الْوُجُوب لَكِن رجح صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير أَن الدّين يمْنَع الْوُجُوب وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَنَقله عَن الْأَصْحَاب وَقَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته
اعْلَم أَن الْجِهَات الَّتِي تتحمل زَكَاة الْفطر ثَلَاثَة الْملك وَالنِّكَاح والقرابة فَمن تلْزمهُ نَفَقَته بِسَبَب مِنْهَا لزمَه فطْرَة الْمُنفق عَلَيْهِ وَيسْتَثْنى من ذَلِك مسَائِل يلْزمه نَفَقَة ذَلِك الشَّخْص وَلَا تجب فطرته مِنْهَا الابْن تلْزمهُ نَفَقَة زَوْجَة أَبِيه وَفِي وجوب زَكَاة افطر عَلَيْهِ بسبها وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الْغَزالِيّ فِي جمَاعَة أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وأصحهما عِنْد الْبَغَوِيّ وَغَيره لَا تجب وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وصححناه فِي الْمُحَرر والمنهاج وَيجْرِي الْوَجْهَانِ فِي مُسْتَوْلدَة الْأَب وَمِنْهَا لَو كَانَ للْأَب ابْن بَالغ وَالْوَالِد فِي نَفَقَة أَبِيه فَوجدَ قوت الْوَلَد يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته لم تجب فطرته على الْأَب وَكَذَا الابْن الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا كالكبير وَمِنْهَا الْقَرِيب الْكَافِر الَّذِي تجب
стр. 180
نَفَقَته وَكَذَا العَبْد الْكَافِر وَالْأمة الْكَافِرَة تجب نَفَقَتهم دون فطرتهم وَكَذَا زَوجته الْكَافِرَة وَعَن هَؤُلَاءِ احْتَرز الشَّيْخ بقوله من الْمُسلمين وَمِنْهَا زَوْجَة الْمُعسر أَو العَبْد إِذا كَانَت موسرة فَإِن نَفَقَتهَا مُسْتَقِرَّة فِي ذمَّته وَلَا تجب فطرتها بل تجب عَلَيْهَا على الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ وَخَالفهُ النَّوَوِيّ فصحح عدم الْوُجُوب وَكَذَا الْأمة الْمُزَوجَة بِعَبْد أَو مُعسر تجب فطرتها على سَيِّدهَا على الْأَصَح دون نَفَقَتهَا فَإِنَّهَا وَاجِبَة على الزَّوْج وَمِنْهَا إِذا كَانَ لَهُ عبد لَا مَال لَهُ غَيره بعد قوت يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته وَبعد صَاع يُخرجهُ عَن فطْرَة نَفسه وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إِنَّه فِي هَذِه الصُّورَة أَنه يبْدَأ بِنَفسِهِ حكى الإِمَام فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الْأَصَح أَنه إِن كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ لخدمته فَهُوَ كَسَائِر الْأَمْوَال
وَالثَّانِي يُبَاع مِنْهُ بِقدر الْفطْرَة
وَالثَّالِث لَا تجب الزَّكَاة أصلا فعلى الصَّحِيح فِي معنى خدمته خدمَة من تلْزمهُ خدمته من قريب وَزَوْجَة وَلَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَى العَبْد لعمله فِي أرضه أَو مَاشِيَته فَإِن الْفطْرَة تجب قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَأطلق فِي الْمِنْهَاج وَلم يذكر التَّقْيِيد بِالْخدمَةِ وَالله أعلم قَالَ
(فَيخرج صَاعا من قوت بَلَده وَقدره خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي)
من وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة الْفطر يلْزمه أَن يخرج صَاعا من قوته لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم وَهُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي ووزنه سِتّمائَة دِرْهَم وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم وَهَذَا عِنْد الرَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يَقُول إِن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَقَالَ النَّوَوِيّ إِن الرطل مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم وَالِاعْتِبَار فِي الصَّاع بِالْكَيْلِ وَإِنَّمَا قدر الْعلمَاء الصَّاع بِالْوَزْنِ استظهاراً قَالَ النَّوَوِيّ قد يسْتَشْكل ضبط الصَّاع بالأرطال فَإِن الصَّاع الْمخْرج بِهِ فِي زَمَنه ﵊ مكيال مَعْرُوف وَيخْتَلف قدره وزنا باخْتلَاف جنس مَا يخرج كالذرة والحمص وَغَيرهمَا فَالصَّوَاب الِاعْتِمَاد على الْكَيْل دون الْوَزْن فَالْوَاجِب أَن يخرج بِصَاع معاير بالصاع الَّذِي كَانَ يخرج بِهِ فِي من رَسُول الله ﷺ فَمن لم يجد وَجب عَلَيْهِ أَن يخرج قدرا يتَيَقَّن أَنه لَا ينقص عَنهُ وعَلى هَذَا فالتقدير بِخَمْسَة أَرْطَال وَثلث تقريب وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء إِنَّه قدر أَربع حفنات بكفي رجل معتدل الْكَفَّيْنِ وَالله أعلم
إِذا عرفت هَذَا فَكل مَا يجب فِيهِ الْعشْر فَهُوَ صَالح لإِخْرَاج الْفطْرَة مِنْهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور وَفِي قَول لَا يجزىء الحمص والعدس ويجزىء الأقط على الصَّحِيح وَقَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي الْقطع بِجَوَازِهِ لصِحَّة الحَدِيث فِيهِ وَالأَصَح أَن الْجُبْن وَاللَّبن فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا فِيمَن ذَلِك قوته
стр. 181
وَإِلَّا فَلَا يجزىء وَلَا خلاف أَنه لَا يجزىء السّمن وَلَا الْجُبْن المنزوع الزّبد وَلَا يجزىء التِّين وَلَا لحم الصَّيْد وَإِن كَانَ يقتات بهما فِي بعض الجزائر لِأَن النَّص ورد فِي بعض المعشرات وقسنا عَلَيْهِ الْبَاقِي بِجَامِع الاقتيات
وَاعْلَم أَن شَرط الْمخْرج أَن لَا يكون مسوساً وَلَا معيبا كَالَّذي لحقه مَاء أَو نداوة الأَرْض وَنَحْو ذَلِك كالعتيق الْمُتَغَيّر اللَّوْن والرائحة وَكَذَا المدود وَشرط الْمخْرج أَن يكون حبا فَلَا تجزىء الْقيمَة بِلَا خلاف وَكَذَا لَا يجزىء الدَّقِيق وَلَا السويق وَلَا الْخبز لِأَن الْحبّ يصلح لما لَا يصلح لَهُ هَذِه الثَّلَاثَة وَهُوَ مورد النَّص فَلَا يَصح إِلْحَاق هَذِه الْأُمُور بالحب لِأَنَّهَا لَيست فِي معنى الْحبّ فاعرفه ثمَّ الْوَاجِب غَالب قوت بَلَده لِأَن نفوس الْفُقَرَاء متشوقة إِلَيْهِ وَقيل الْوَاجِب قوت نَفسه فعلى الصَّحِيح وَهُوَ أَن الْوَاجِب غَالب قوت بَلَده لِأَن نفوس الْفُقَرَاء متشوفه إِلَيْهِ وَقيل الْوَاجِب قوت نَفسه فعلى الصَّحِيح وَهُوَ أَن الْوَاجِب غَالب قوت الْبَلَد لَو كَانُوا يقتاتون أجناساً لَا غَالب فِيهَا أخرج مَا شَاءَ وَقيل يجب الْأَعْلَى احْتِيَاطًا ثمَّ مَا المُرَاد بالغالب قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط الْمُعْتَبر غَالب قوت الْبَلَد وَقت وجوب الْفطْرَة لَا فِي جَمِيع السّنة وَقَالَ فِي الْوَجِيز غَالب قوت الْبَلَد يَوْم الْفطْرَة وَالله أعلم
وَمَا فِي الْوَسِيط صرح بِهِ صَاحب الذَّخَائِر وَكَلَام شرح الْمُهَذّب قَالَ الاسنائي يَقْتَضِي أَن المُرَاد بقوت الْبَلَد إِنَّمَا هُوَ فِي وَقت من الْأَوْقَات قَالَ فتفطن لَهُ وَصُورَة مَسْأَلَة شرح الْمُهَذّب الَّتِي ذكرهَا الاسنائي فِيمَا إِذا كَانُوا يقتاتون أجناساً لَا غَالب فِيهَا وَلَو كَانُوا يقتاتون قمحاً مخلوطاً بشعير أَو بذرة أَو بحمص وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ على السوَاء تخير وَإِلَّا وَجب الْإِخْرَاج من الْأَكْثَر وَيحرم تَأْخِير الزَّكَاة عَن يَوْم الْعِيد وَيسْتَحب إخْرَاجهَا قبل صَلَاة الْعِيد وَيجوز تَعْجِيلهَا من أول رَمَضَان وَالله أعلم
(فرع) لَو أخرج من مَاله فطْرَة وَلَده الصَّغِير جَازَ وَإِن كَانَ الصَّغِير غَنِيا فَلِأَنَّهُ يسْتَقلّ بتمليكه فَكَأَنَّهُ ملكه ثمَّ أخرج عَنهُ وَالْجد فِي معنى الْأَب وَهَذَا بِخِلَاف الْوَلَد الْكَبِير فَإِنَّهُ لَا يخرج عَنهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ نعم لَو كَانَ الابْن الْكَبِير مَجْنُونا جَازَ أَن يخرج عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يملكهُ لِأَنَّهُ كالصغير
وَاعْلَم أَن التَّقْيِيد بالوالد يخرج الْوَصِيّ والقيم فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يخرج عَنهُ من مَاله إِلَّا بِإِذن القَاضِي كَذَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب لِأَن اتِّحَاد الْمُوجب والقابض يخْتَص بِالْأَبِ وَالْجد وَالْأَفْضَل صرف الْفطْرَة إِلَى أَقَاربه الَّذين لَا تلْزمهُ نَفَقَتهم وَالْأولَى أَن يبْدَأ بِذِي الرَّحِم الْمحرم كالأخوات والأخوة والأعمام والأخوال وَيقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ الْقَرَابَة الَّذين لَيْسُوا بمحرمين عَليّ كأولاد الْعم وَالْخَال ثمَّ بالجار وَالله أعلم قَالَ
стр. 182
بَاب أهل الزَّكَاة
(فصل وتدفع الزَّكَاة إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي كِتَابه بقوله سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ أَو إِلَى من يُوجد مِنْهُم)
قد علمت الْأَمْوَال الَّتِي تجب فِيهَا الزَّكَاة وَقدر الزَّكَاة وَهَذَا الْفَصْل مَعْقُود لمن يَسْتَحِقهَا فَإِن دفع زَكَاته لغير مستحقيها لفقد الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة لم تَبرأ ذمَّته مِنْهَا والمستحقون لَهَا هم الْأَصْنَاف الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وهم ثَمَانِيَة
الصِّنْف الأول الْفُقَرَاء وحد الْفَقِير هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَا كسب أَو لَهُ مَال أَو كسب وَلَكِن لَا يَقع موقعاً من حَاجته كمن يحْتَاج إِلَى عشرَة مثلا وَلَا يملك إِلَّا دِرْهَمَيْنِ وَهَذَا لَا يسلبه اسْم الْفقر وَكَذَا ملك الدَّار الَّتِي يسكنهَا وَالثَّوْب الَّذِي يتجمل بِهِ لَا يسلبه اسْم الْفقر وَكَذَا العَبْد الَّذِي يَخْدمه قَالَ ابْن كج وَلَو كَانَ لَهُ مَال على مَسَافَة الْقصر يجوز لَهُ الْأَخْذ إِلَى أَن يصل إِلَى مَاله وَلَو كَانَ لَهُ دين مُؤَجل فَلهُ أَخذ كِفَايَته إِلَى حُلُول الدّين وَلَو قدر على الْكسْب فَلَا يعْطى لقَوْله ﵊
(لَا حَظّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي وَهِي الْقُوَّة) وَفِي رِوَايَة
(وَلَا لذِي قُوَّة مكتسب) وَلَو قدر على الْكسْب إِلَّا أَنه مشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة وَلَو أقبل على الْكسْب لانقطع عَن التَّحْصِيل حلت لَهُ الزَّكَاة على الصَّحِيح الْمَعْرُوف وَقيل لَا يعْطى مُطلقًا ويكتسب وَقيل إِن كَانَ نجيباً يُرْجَى تفقهه ونفعه اسْتحق وَإِلَّا فَلَا وَكَثِيرًا مَا يسكن الْمدَارِس من لَا يأتى مِنْهُ التَّحْصِيل بل هُوَ معطل نَفسه فَهَذَا لَا يعْطى بِلَا خلاف وَلَو كَانَ مُقبلا على الْعِبَادَة لَكِن الْكسْب يمنعهُ عَنْهَا وَعَن أوراده الَّتِي استغرق بهَا الْوَقْت فَهَذَا لَا تحل لَهُ الزَّكَاة لِأَن الِاسْتِغْنَاء عَن النَّاس أولى
وَاعْلَم أَن الْفَقِير المكفي بِنَفَقَة من تلْزمهُ نَفَقَته وَكَذَا الزَّوْجَة المكفية بِنَفَقَة زَوجهَا لَا يعطيان كَمَا لَو وقف على الْفُقَرَاء أَو أوصى لَهُم فَإِنَّهُمَا لَا يعطيان هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمحل الْخلاف فِي مَسْأَلَة الْقَرِيب إِذا أعطَاهُ غير من تلْزمهُ النَّفَقَة من سهم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين أما من تلْزمهُ النَّفَقَة
стр. 183
فَلَا يجوز لَهُ دَفعهَا إِلَيْهِ قطعا لِأَنَّهُ بذلك يدْفع عَن نَفسه النَّفَقَة فترجع فَائِدَة ذَلِك إِلَيْهِ وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّانِي الْمَسَاكِين لِلْآيَةِ والمسكين هُوَ الَّذِي يملك مَا يَقع موقعاً من كِفَايَته وَلَا يَكْفِيهِ بِأَن كَانَ مثلا مُحْتَاجا إِلَى عشرَة وَعِنْده سَبْعَة وَكَذَا من يقدر أَن يكْتَسب كَذَلِك حَتَّى لَو كَانَ تَاجِرًا أَو كَانَ مَعَه رَأس مَال تِجَارَة وَهُوَ النّصاب جَازَ لَهُ أَن يَأْخُذ وَوَجَب عَلَيْهِ أَن يدْفع زَكَاة رَأس مَاله نظرا إِلَى الْجَانِبَيْنِ
وَاعْلَم أَن الْمُعْتَبر من قَوْلنَا يَقع موقعاً من كِفَايَته الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس وَسَائِر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ على مَا يَلِيق بِالْحَال من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير
قلت قد كثر الْجَهْل بَين النَّاس لَا سِيمَا فِي التُّجَّار الَّذين قد شغفوا بتحصيل هَذِه المزبلة للتلذذ بِأَكْل الطّيب وَلبس الناعم والتمتع بِالنسَاء الحسان والسراري إِلَى غير ذَلِك وَبَقِي لَهُم بِكَثْرَة مَالهم عَظمَة فِي قُلُوب الأراذل من المتصوفة الَّذين قد اشْتهر عَنْهُم أَنهم من أهل الصّلاح المنقطين لعبادة رَبهم قد اتخذ كل مِنْهُم زَاوِيَة أَو مَكَانا يظْهر فِيهِ نوعا من الذّكر وَقد لف عَلَيْهِم من لَهُ زِيّ الْقَوْم وَرُبمَا انْتَمَى أحدهم إِلَى أحد رجال الْقَوْم كالأحمدية والقادرية وَقد كذبُوا فِي الانتماء فَهَؤُلَاءِ لَا يسْتَحقُّونَ شَيْئا من الزكوات وَلَا يحل دفع الزَّكَاة إِلَيْهِم وَمن دَفعهَا إِلَيْهِم لم يَقع الْموقع وَهِي بَاقِيَة فِي ذمَّته وَأما بَقِيَّة الطوائف وهم كَثِيرُونَ كالقلندرية والحيدرية فهم أَيْضا على اخْتِلَاف فرقهم فيهم الحلولية والملحدة وهم أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمن دفع إِلَيْهِم شَيْئا من الزكوات أَو من التطوعات فَهُوَ عَاص بذلك ثمَّ يلْحقهُ بذلك من الله الْعقُوبَة إِن شَاءَ وَيجب على كل من يقدر على الْإِنْكَار أَن يُنكر عَلَيْهِم وإثمهم مُتَعَلق بالحكام الَّذين جعلهم الله تَعَالَى فِي مناصبهم لإِظْهَار الْحق وقمع الْبَاطِل وإماتة مَا جَاءَ رَسُول الله ﷺ بإماتته وَالله أعلم
(فرع) الصَّغِير إِذا لم يكن لَهُ من ينْفق عَلَيْهِ فَقيل لَا يعْطى لاستغنائه بِمَال الْيَتَامَى من الْغَنِيمَة وَالأَصَح أَنه يعْطى فَيدْفَع إِلَى قيمه لِأَنَّهُ قد لَا يكون فِي نَفَقَته غَيره وَلَا يسْتَحق سهم الْيَتَامَى لِأَن أَبَاهُ فَقير قلت أَمر الْغَنِيمَة فِي زَمَاننَا هَذَا قد تعطل فِي بعض النواحي لجور الْحُكَّام فَيَنْبَغِي الْقطع بِجَوَاز إِعْطَاء الْيَتِيم إِلَّا أَن يكون شريفاً فَلَا يعْطى وَإِن منع من خمس الْخمس على الصَّحِيح وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّالِث الْعَامِل وَهُوَ الَّذِي اسْتَعْملهُ الإِمَام على أَخذ الزكوات ليدفعها إِلَى مستحقيها كَمَا أمره الله تَعَالَى فَيجوز لَهُ أَخذ الزَّكَاة بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ من جملَة الْأَصْنَاف فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَلَا حق للسُّلْطَان فِي الزَّكَاة وَلَا لوالي الاقليم وَكَذَا القَاضِي بل رزقهم إِذا لم يتطوعوا من خمس الْخمس المرصد لمصَالح الْعَامَّة وَمن شَرط الْعَامِل أَن يكون فَقِيها فِي بَاب الزَّكَاة حَتَّى يعرف مَا يجب من المَال وَقدر الْوَاجِب والمستحق من غَيره وَأَن يكون أَمينا حرا لِأَنَّهَا ولَايَة
стр. 184
فَلَا يجوز أَن يكون الْعَامِل مَمْلُوكا وَلَا فَاسِقًا كشربه الْخمر والمكسة وَأَعْوَان الظلمَة قَاتل الله من أهْدر دين الله الَّذِي شَرعه لنَفسِهِ وَأرْسل بِهِ رَسُوله وَأنزل بِهِ كِتَابه وَيشْتَرط أَن يكون مُسلما لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم﴾ وَقَالَ عمر ﵁
(لَا تَأْمَنُوهُمْ وَقد خَوَّنَهُمْ الله وَلَا تقربوهم وَقد أبعدهم الله) وَقد ذكرت تَتِمَّة كَلَام عمر وَمَا سَببه فِي كتابي
(قمع النُّفُوس) وَهُوَ مِمَّا لَا يسْتَغْنى عَنهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِذا عين لَهُ الإِمَام شَيْئا يَأْخُذهُ لم يشْتَرط الْإِسْلَام قَالَ النَّوَوِيّ وَفِي ذَلِك نظر قل وَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ ضَعِيف جدا وَلم يذكرهُ فِيمَا أعلم غَيره وَكَيف يَقُول بذلك حَتَّى يكون للْكَافِرِ على الْمُسلم سَبِيل وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ لَا سِيمَا فِي زَمَاننَا هَذَا الْفَاسِد وَقد رَأَيْت بعض الظلمَة قد سلط بعض أهل الذِّمَّة على أَخذ شَيْء بِالْبَاطِلِ من مُسلم فأوقفه موقف الذلة وَالصغَار فَالصَّوَاب الْجَزْم بِعَدَمِ جَوَاز ذَلِك وَلَا خلاف أَن يصنعه هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء من تَرْتِيب ديوَان ذمِّي على أقطاعه ليضبط لَهُ مَاله ويتسلط على الفلاحين وَغَيرهم فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى قد فسقهم فَمن ائتمنهم فقد خَالف الله وَرَسُوله وَقد وثق بِمن خونه الله تَعَالَى وَالله أعلم
الصِّنْف الرَّابِع الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة يَعْنِي عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِم فيعطون لاستمالة قُلُوبهم والمؤلفة قُلُوبهم ضَرْبَان مُسلمُونَ وكفار فَلَا يعْطى الْكَافِر من الزَّكَاة بِلَا خلاف لكفرهم وَهل يُعْطون من خمس الْخمس قيل نعم لِأَنَّهُ مرصد للْمصَالح وَهَذَا مِنْهَا وَالصَّحِيح أَنهم لَا يُعْطون شَيْئا أَلْبَتَّة لِأَن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَام وَأَهله عَن تألف الْكفَّار وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا أَعْطَاهُم حِين كَانَ الْإِسْلَام ضَعِيفا وَقد زَالَ ذَلِك وَالله أعلم
وَأما مؤلفة الْإِسْلَام فصنف دخلُوا فِي الْإِسْلَام ونيتهم ضَعِيفَة فيعطون تألفاً ليثبتوا وصنف آخر لَهُم شرف فِي قَومهمْ نطلب بتأليفهم إِسْلَام نظائرهم وصنف إِن أعْطوا جاهدوا من يليهم أَو يقبضوا الزَّكَاة من مانعيها وَالْمذهب أَنهم يُعْطون وَالله أعلم
الصِّنْف الْخَامِس الرّقاب لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وهم المكاتبون لِأَن غَيرهم من الأرقاء لَا يملكُونَ فَيدْفَع إِلَيْهِم مَا يعينهم على الْعتْق بِشَرْط أَن يكون مَعَه مَا يَفِي بنجومه وَيشْتَرط كَون الْكِتَابَة صَحِيحَة وَيجوز صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم قبل حُلُول النَّجْم على الْأَصَح وَلَا يجوز صرف ذَلِك إِلَى سَيّده إِلَّا بِإِذن الْمكَاتب لَكِن إِن دفع إِلَى السَّيِّد سقط عَن الْمكَاتب بِقدر المصروف إِلَى السَّيِّد لِأَن من أدّى دين غَيره بِغَيْر إِذْنه بَرِئت ذمَّته وَالله أعلم
الصِّنْف السَّادِس الغارمون لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَالدّين على ثَلَاثَة أضْرب
стр. 185
الأول الدّين الَّذِي لزمَه لمصْلحَة نَفسه فَيعْطى من الزَّكَاة مَا يقْضِي بِهِ دينه إِن كَانَ دينه فِي غير مَعْصِيّة والإسراف فِي النَّفَقَة حرَام ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَقَالا فِي بَاب الْحجر إِنَّه مُبَاح وَيشْتَرط أَن يكون عِنْده مَا يقْضِي مِنْهُ دينه فَلَو وجد مَا يقْضِي مِنْهُ من نقد أَو عرض فَلَا يعْطى على الْأَظْهر لقدرته على الْوَفَاء وَلَو وجد مَا يقْضِي بعض الدّين أعْطى الْبَقِيَّة وَلَو كَانَ يقدر على الِاكْتِسَاب فَالْأَصَحّ أَنه يعْطى لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْوَفَاء إِلَّا بعد زمن وَفِيه ضَرَر لَهُ وَلِصَاحِب الدّين وَهل يشْتَرط أَن يكون الدّين حَالا فِيهِ خلاف صحّح الرَّافِعِيّ أَنه يشْتَرط حُلُوله وَصحح النَّوَوِيّ اشْتِرَاط الْحُلُول
الضَّرْب الثَّانِي الدّين الَّذِي لزمَه لاصلاح ذَات الْبَين يَعْنِي تبَاين طَائِفَتَانِ أَو شخصان أَو خَافَ من ذَلِك فاستدان طلبا للإصلاح وَإِسْكَان الْفِتَن وَذَلِكَ بِأَن تمارى طَائِفَتَانِ فِي قَتِيل وَلم يظْهر الْقَاتِل فَتحمل الدِّيَة لذَلِك قضى دينه من سهم الغارمين إِن كَانَ فَقِيرا أَو غَنِيا بعقار قطعا وَكَذَا بعروض وَكَذَا إِن كَانَ غَنِيا بِنَقْد على الصَّحِيح
الضَّرْب الثَّالِث الدّين الَّذِي لزمَه بِضَمَان وَله أَحْوَال
أَحدهَا أَن يكون الضَّامِن والمضمون عَنهُ معسرين فَيعْطى الضَّامِن مَا يقْضِي بِهِ الدّين
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يَكُونَا موسرين فَلَا يعْطى
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يكون الْمَضْمُون عَنهُ مُوسِرًا والضامن مُعسرا فَإِن ضمن بِإِذْنِهِ لم يُعْط وَإِن ضمن بِغَيْر إِذْنه أعطي على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهِ
الْحَالة الرَّابِعَة أَن يكون الْمَضْمُون عَنهُ مُعسرا فَيعْطى الْمَضْمُون عَنهُ وَلَا يعْطى الضَّامِن على الْأَصَح
وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يعْطى الْغَارِم عِنْد بَقَاء الدّين فَأَما إِذا أَدَّاهُ من مَاله فَلَا يعْطى لِأَنَّهُ لم يبْق غارماً وَكَذَا لَو بذل مَاله ابْتِدَاء لم يُعْط لِأَنَّهُ لَيْسَ بغارم وَالله أعلم
(فرع) لَو كَانَ شخص عَلَيْهِ دين فَقَالَ الْمَدِين لصَاحب الدّين ادْفَعْ عَن زكاتك حَتَّى أقضيك دينك فَفعل أَجزَأَهُ عَن الزَّكَاة وَلَا يلْزم الْمَدِين الدّفع إِلَيْهِ عَن دينه وَلَو قَالَ صَاحب الدّين اقبض مَا عَلَيْك لأرده عَلَيْك من زكاتي فَفعل صَحَّ الْقَضَاء وَلَا يلْزم رده فَلَو دفع إِلَيْهِ وَشرط أَن يَقْضِيه ذَلِك عَن دينه لم يُجزئهُ وَلَا يَصح قَضَاؤُهُ بهَا وَلَو نوياه بِلَا شَرط جَازَ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دين فَقَالَ جعلته عَن زكاتي لَا يُجزئهُ على الصَّحِيح حَتَّى يقبضهُ ثمَّ يردهُ إِلَيْهِ وَقيل يُجزئهُ كَمَا لَو كَانَ وَدِيعَة وَلَو كَانَ لَهُ عِنْد الْفَقِير حِنْطَة وَدِيعَة فَقَالَ كل لنَفسك كَذَا وَكَذَا وَنوى زَكَاة فَفِي إجزائه عَن الزَّكَاة وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الْمَالِك لم يُوكله فَلَو كَانَ الْفَقِير وَكيلا بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ وَقَبضه فَقَالَ الْمُوكل خُذْهُ لنَفسك ونواه عَن الزَّكَاة أَجزَأَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى وَكيله وَالله أعلم
стр. 186
الصِّنْف السَّابِع فِي سَبِيل الله للآيه الْكَرِيمَة وهم الْغُزَاة الَّذين لَا رزق لَهُم فِي الفىء وَأَصْحَاب الفىء يسمون المرتزقة وَلَا يصرف شَيْء من الصَّدقَات إِلَى الْغُزَاة المرتزقة كَمَا لَا يصرف شَيْء من الْفَيْء إِلَى المتطوعة وَلَو عدم الْفَيْء لم يُعْط المرتزقة من الصَّدقَات فِي الْأَصَح وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّامِن ابْن السَّبِيل لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَهُوَ الْمُسَافِر وَسمي بِهِ لملازمته السَّبِيل وَهُوَ الطَّرِيق وَيشْتَرط أَن لَا يكون سَفَره مَعْصِيّة فَيعْطى فِي سفر الطَّاعَة قطعا وَكَذَا فِي الْمُبَاح كَطَلَب الضَّالة على الصَّحِيح وَيشْتَرط أَن لَا يكون مَعَه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَيعْطى من لَا مَال لَهُ أصلا وَكَذَا من لَهُ مَال فِي غير الْبَلَد الْمُنْتَقل مِنْهُ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يقْتَصر على أقل من ثَلَاثَة من كل صنف إِلَّا الْعَامِل)
اعْلَم أَنه يجب اسْتِيعَاب الْأَصْنَاف الثَّمَانِية عِنْد الْقُدْرَة عَلَيْهِم فَإِن فرق بِنَفسِهِ أَو فرق الإِمَام وَلَيْسَ هُنَاكَ عَامل فرق على سَبْعَة وَأَقل مَا يجزىء أَن يدْفع إِلَى ثَلَاثَة من كل صنف لِأَن الله تَعَالَى ذكرهم بِلَفْظ الْجمع إِلَّا الْعَامِل فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون وَاحِدًا يَعْنِي إِذا حصلت بِهِ الْكِفَايَة فَلَو صرف إِلَى اثْنَيْنِ مَعَ الْقُدْرَة على الثَّالِث غرم للثَّالِث وَلَو لم يجد إِلَّا دون الثَّلَاثَة من كل صنف أعطي من وجد وَهل يصرف بَاقِي السهْم إِلَيْهِ إِن كَانَ مُسْتَحقّا أم يَنْقُلهُ إِلَى بلد آخر قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْأَصَح أَنه يصرف إِلَيْهِ وَمِمَّنْ صَححهُ الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي وَنَقله هُوَ وَغَيره عَن الشَّافِعِي وَدَلِيله ظَاهر وَالله أعلم قَالَ
(وَخَمْسَة لَا يجوز دَفعهَا إِلَيْهِم الْغَنِيّ بِمَال أَو كسب)
لقَوْله ﷺ
(وَلَا حَظّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي وَهِي الْقُوَّة) نعم لَو لم يجد من يستكسبه أعْطى فَلَا يعْطى هَؤُلَاءِ الحرافشة وَلَا أهل البطالات من المتصوفة كمن بسط لَهُ جلدا فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْجَامِع وَلبس مِرْطًا دلّس بِهِ على الْأَغْنِيَاء من أهل الدُّنْيَا الَّذين لَا حَظّ لَهُم فِي الْعلم يُعْطون بجهالتهم من لَا يسْتَحق ويذرون الْمُسْتَحق وَالله أعلم قَالَ
(وَالْعَبْد) أَي لَا يجوز صرف الزَّكَاة إِلَى العبيد لأَنهم أَغْنِيَاء بِنَفَقَة مواليهم أَو لأَنهم لَا يملكُونَ قَالَ
(وَبَنُو هَاشم وَبَنُو الْمطلب)
стр. 187
أَي لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَى بني هَاشم وَبني الْمطلب لقَوْله ﷺ
(إِن هَذِه الصَّدَقَة أوساخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد) وَوضع الْحسن فِي فِيهِ تَمْرَة فنزعها رَسُول الله ﷺ بلعابه وَقَالَ
(كخ كخ إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدقَات) وَفِي موَالِي بني هَاشم وَبني الْمطلب خلاف قيل يجوز الدّفع إِلَيْهِم لِأَن منع ذَوي الْقُرْبَى لشرفهم وَهُوَ مَفْقُود فيهم وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تحل لَهُم أَيْضا لِأَن مولى الْقَوْم مِنْهُم قَالَ
(وَمن تلْزم الْمُزَكي نَفَقَته لَا تدفع إِلَيْهِم باسم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين)
لأَنهم مستغنون بنفقتهم فَأشبه من يكْتَسب كل يَوْم مَا يَكْفِيهِ لَا يعْطى وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَقيل يُعْطون لِأَن اسْم الفقرا صَادِق عَلَيْهِم وَهَذَا فِيمَا إِذا حصل لَهُم الْكِفَايَة بنفقتهم أما من لَا يَكْتَفِي فَلهُ الْأَخْذ حَتَّى لَو كَانَت الزَّوْجَة لَا تكتفي بِنَفَقَة الزَّوْج قَالَ الْقفال بِأَن كَانَت مَرِيضَة أَو كَثِيرَة الْأكل أَو كَانَ لَهَا من يلْزمهَا نَفَقَته فلهَا أَخذ الزَّكَاة قَالَ ابْن الرّفْعَة وَيَنْبَغِي أَن تَأْخُذ باسم المسكنة وَقَوله باسم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه يَأْخُذ بِغَيْرِهِ كاسم العاملين والغارمين وَغَيرهم وَهُوَ كَذَلِك إِذا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَات وَالله أعلم قَالَ
(وَالْكَافِر) أَي لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَى كَافِر لقَوْله ﷺ لِمعَاذ ﵁
(فأعلمهم أَن عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم) فَإِذا لم تُؤْخَذ إِلَّا من غَنِي مُسلم لم تعط إِلَّا لفقير مُسلم وَسَوَاء فِي ذَلِك زَكَاة الْفطر وَالْمَال لعُمُوم الْخَبَر وَقد تمسك الْأَصْحَاب بِمَنْع نقل الزَّكَاة عَن بلد المَال بِهَذَا الحَدِيث وَفِي التَّمَسُّك بِهِ نظر ظَاهر قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ فِي شرح مُسلم وَهَذَا الِاسْتِدْلَال لَيْسَ بِظَاهِر لِأَن الظَّاهِر أَن الضَّمِير فِي فقرائهم مُحْتَمل لفقراء الْمُسلمين ولفقراء تِلْكَ الْبَلدة ولفقراء تِلْكَ النَّاحِيَة وَهَذَا الِاحْتِمَال أظهر وَالله أعلم وَأَيْضًا فَإِن الآيه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ الْآيَة هِيَ عَامَّة وَقَوله ﵊
(تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد فِي فقرائهم) دلَالَة ظَاهِرَة فِي أهل الْيمن فتقييده بِكُل قَرْيَة من أَيْن ذَلِك على أَن
стр. 188
الْأَصْحَاب مَعَ القَوْل بِعَدَمِ جَوَاز النَّقْل فِي الِاعْتِدَاد بدفعها إِلَى فُقَرَاء غير بلد المَال طَرِيقَانِ وَقيل قَولَانِ وَقيل يجزىء قطعا بل قَالَ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر يجوز النَّقْل قطعا وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنه يجوز النَّقْل إِلَى الْقَرَابَة إِن كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَة جزما لوُجُود الْمَعْنى الَّذِي علل بِهِ من منع النَّقْل فَإنَّا شاهدنا تشوف الْقَرَابَة إِلَى ذَلِك بِشَرْط أَن لَا يكون فِي بلد المَال من اشتدت حَاجته فَإِن اضْطر إِلَى الْأَخْذ دفع إِلَيْهِ فَإِن تساوى الْقَرَابَة وفقير الْبَلَد شرك بَينهم وَالله أعلم قَالَ
بَاب صَدَقَة التَّطَوُّع
(فصل صَدَقَة التَّطَوُّع سنة وَهِي فِي شهر رَمَضَان آكِد وَيسْتَحب التَّوسعَة فِيهِ)
وَكَذَا عِنْد الْأُمُور المهمة وَعند الْمَرَض وَالسّفر وبمكة وَالْمَدينَة شرفهما الله تَعَالَى تَعَالَى وَفِي الْغَزْو وَالْحج وَفِي الْأَوْقَات الفاضلة كعشر ذِي الْحجَّة وَأَيَّام الْعِيد وَيسْتَحب أَن يحسن إِلَى ذَوي رَحمَه وجيرانه وصرفها إِلَيْهِم أفضل من غَيرهم وَكَذَا زَكَاة الْفَرْض وَالْكَفَّارَة وَأَشد الْقَرَابَة عَدَاوَة أفضل وصرفها سرا أفضل والقرابة الْبَعِيدَة الدَّار مُقَدّمَة على الْجَار الْأَجْنَبِيّ لِأَنَّهَا صَدَقَة وصلَة وَيكرهُ التَّصَدُّق بالردىء
والحذر من أَخذ مَال فِيهِ شُبْهَة ليتصدق بِهِ قَالَ عبد الله بن عمر لِأَن أرد درهما من حرَام أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق بِمِائَة ألف دِرْهَم ثمَّ بِمِائَة ألف حَتَّى بلغ سِتّمائَة ألف وَمن عِنْده نَفَقَة عِيَاله وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لِعِيَالِهِ وَدينه لَا يجوز لَهُ أَن يتَصَدَّق بِهِ وَإِن فضل عَن ذَلِك شَيْء فَهَل يسْتَحبّ أَن يتَصَدَّق بِجَمِيعِ الْفَاضِل فِيهِ أوجه أَصَحهَا إِن صَبر على الضّيق فَنعم وَإِلَّا فَلَا وَلَا يحل للغني أَخذ صَدَقَة التَّطَوُّع مظْهرا للفاقة قَالَه العمراني وَاسْتَحْسنهُ النَّوَوِيّ وَاسْتدلَّ لَهُ بقول النَّبِي ﷺ فِي الَّذِي مَاتَ من أهل الصّفة فوجدوا لَهُ دينارين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
(كَيَّتَانِ من نَار) وَمن يحسن الصَّنْعَة يحرم عَلَيْهِ السُّؤَال وَمَا يَأْخُذهُ حرَام قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره وَيسْتَحب التَّصَدُّق وَلَو بِشَيْء نزر قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح
(اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة) وَيسْتَحب أَن يخص بِنَفَقَتِهِ أهل الْخَيْر والمحتاجين وَمن تصدق بِشَيْء كره لَهُ أَن يَتَمَلَّكهُ من جِهَة من دفْعَة إِلَيْهِ بمعاوضة أَو هبة وَيحرم الْمَنّ بِالصَّدَقَةِ وَإِذا من بَطل ثَوَابهَا وَيسْتَحب أَن يتَصَدَّق بِمَا يُحِبهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ وَالله أعلم قَالَ
стр. 189
كتاب الصّيام
(وشرائط وجوب الصَّوْم ثَلَاثَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل)
الصَّوْم فِي اللُّغَة الْإِمْسَاك عَن الشَّيْء قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أَي إمساكاً
وَهُوَ فِي الشَّرْع إمْسَاك مَخْصُوص من شخص مَخْصُوص فِي وَقت مَخْصُوص بشرائط ثمَّ وجوب الصَّوْم ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح
(بني الْإِسْلَام على خمس) وَذكر صَوْم رَمَضَان وانعقد الْإِجْمَاع على وُجُوبه ثمَّ وُجُوبه يتَعَلَّق بِالْمُسلمِ الْبَالِغ الْعَاقِل الْقَادِر فَلَا يجب على الْكَافِر الْأَصْلِيّ لِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ إِذْ لَيْسَ هُوَ من أهل الْعِبَادَة وَكَذَا لَا يجب على الصَّبِي وَالْمَجْنُون لقَوْله ﵊
(رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة مِنْهُم الصَّبِي وَالْمَجْنُون والنائم) وَأما من لايقدر على الصَّوْم أصلا أَو لَو صَامَ لأضر بِهِ ضَرَرا غير مُحْتَمل لكبر أَو مرض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَلَا يجب عَلَيْهِ الصَّوْم نعم يلْزمه عَن كل يَوْم مد من طَعَام فِي الْأَصَح إِن كَانَ مُوسِرًا فَلَو كَانَ مُعسرا فَحِينَئِذٍ ثمَّ أيسر فَهَل يلْزمه فِيهِ قَولَانِ ككفارة الْجِمَاع إِذا كَانَ مُعسرا ثمَّ أيسر وَالله أعلم قَالَ
стр. 190
بَاب فَرَائض الصَّوْم
(وفرائض الصَّوْم خَمْسَة أَشْيَاء النِّيَّة والإمساك عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع)
لَا يَصح الصَّوْم إِلَّا بِالنِّيَّةِ للخير ومحلها الْقلب وَلَا يشْتَرط النُّطْق بهَا بِلَا خلاف وَتجب النِّيَّة لكل لَيْلَة لِأَن كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة أَلا ترى أَنه لَا يفْسد بَقِيَّة الْأَيَّام بِفساد يَوْم مِنْهُ فَلَو نوى صَوْم الشَّهْر كُله صَحَّ لَهُ الْيَوْم الأول على الْمَذْهَب وَيجب تعْيين النِّيَّة فِي صَوْم الْفَرْض وَكَذَا يجب أَن يَنْوِي لَيْلًا وَلَا يضر النّوم وَالْأكل وَالْجِمَاع بعد النِّيَّة وَلَو نوى مَعَ طُلُوع الْفجْر لَا تصح لَهُ لِأَنَّهُ لم يبيت وأكمل النِّيَّة أَن يَنْوِي صَوْم غَد عَن أَدَاء فرض رَمَضَان هَذِه السّنة لله تَعَالَى
وَاعْلَم أَن نِيَّة الْأَدَاء أَو الْقَضَاء وَنَحْو ذَلِك على الْخلاف الْمَذْكُور فِي الصَّلَاة وَقد مر وَيجب أَن تكون النِّيَّة جازمة فَلَو نوى الْخُرُوج من الصَّوْم لَا يبطل على الصَّحِيح وَاعْلَم أَنه لَا بُد للصَّائِم من الْإِمْسَاك عَن المفطرات وَهُوَ أَنْوَاع مِنْهَا الْأكل وَالشرب وَإِن قل عَن الْعمد وَكَذَا مَا فِي معنى الْأكل وَالضَّابِط أَنه يفْطر بِكُل عين وصلت من الظَّاهِر إِلَى الْبَاطِن فِي منفذ مَفْتُوح عَن قصد مَعَ ذكر الصَّوْم
وَشرط الْبَاطِن أَن يكون جوفاً وَإِن كَانَ لَا يحِيل وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح حَتَّى أَنه لَو قطر فِي أُذُنه شَيْئا أَو أَدخل ميلًا أَو قشة فِيهَا أفطر أَو حَشا فِي ذكره قطناً أفطر على الْأَصَح بِخِلَاف الاكتحال وَإِن وجد طعم الْكحل لِأَن الْعين لَيست بجوف وَلَا منفذ لَهَا إِلَى الْجوف وَكَذَا لَو غرز سكيناً فِي لحم السَّاق لَا يفْطر لِأَنَّهُ لَا يعد جوفاً بِخِلَاف مَا لَو طعن فِي بَطْنه فَإِنَّهُ جَوف وابتلاع الرِّيق لَا يفْطر فَلَو اخْتَلَط بِغَيْرِهِ سَوَاء كَانَ طَاهِرا كمن فتل خيطاً مصبوغاً أَو نجسا كمن دميت لثته وَهِي لحم أَسْنَانه وَتغَير الرِّيق بِالدَّمِ فَإِنَّهُ يفْطر بِلَا خلاف فَلَو ذهب الدَّم وابيض الرِّيق فَالصَّحِيح أَنه يفْطر أَيْضا وينجس فَمه وَلَا يطهره إِلَّا المَاء فيتمضمض وَلَو خرج الرِّيق إِلَى شفته فَرده بِلِسَانِهِ وابتلعه أفطر وَكَذَا لَو فتل خيطاً كَمَا لَو بله بريقه ثمَّ أدخلهُ فَمه وَهُوَ رطب وَحصل من ريق الْخَيط مَعَ رِيقه الَّذِي فِي فَمه فابتلعه فَإِنَّهُ يفْطر بِخِلَاف مَا لَو أخرج لِسَانه وعَلى رَأسه ريق وَلم ينْفَصل وابتلعه فَإِنَّهُ لَا يفْطر على الْأَصَح وَلَو نزلت نخامة مت رَأسه وَصَارَت فَوق الْحُلْقُوم نظر إِن لم يقدر على إخْرَاجهَا ثمَّ نزلت إِلَى الْجوف لم يفْطر وَإِن قدر على إخْرَاجهَا وَتركهَا حَتَّى نزلت بِنَفسِهَا أفطر أَيْضا لتَقْصِيره وَلَو تمضمض واستنشق فَإِن بَالغ أفطر وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا إِذا كَانَ ذَاكِرًا للصَّوْم فَإِن كَانَ نَاسِيا فَلَا وَسبق المَاء عِنْد غسل النَّجَاسَة كالمضمضة
(فرع) أصبح شخص وَلَو ينْو صوما فَتَمَضْمَض وَلم يُبَالغ فَسبق المَاء إِلَى جَوْفه ثمَّ نوى صَوْم تطوع صَحَّ على الْأَصَح قَالَ النَّوَوِيّ وَهِي مَسْأَلَة نفيسة وَقد تطلبتها سِنِين حَتَّى وَجدتهَا وَللَّه
стр. 191
الْحَمد وَالله أعلم وَلَو أكل نَاسِيا للصَّوْم لم يفْطر وَقد ورد
(من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه) فَلَو كثر ذَلِك فَوَجْهَانِ الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ يفْطر لِأَن النسْيَان مَعَ الْكَثْرَة نَادِر وَلِهَذَا قُلْنَا تبطل الصَّلَاة بالْكلَام الْكثير وَإِن كَانَ نَاسِيا وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ أَنه لَا يفْطر لعُمُوم الأخيار وَلَيْسَ الصَّوْم كَالصَّلَاةِ وَالْفرق أَن للصَّلَاة أفعالاً وأقوالاً تذكره الصَّلَاة فيندر وُقُوع ذَلِك مِنْهُ وَبِخِلَاف الصَّوْم وَلَو أكل جَاهِلا بِتَحْرِيم الْأكل نظر إِن كَانَ قريب عهد بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ فِي بادية بعيدَة لم يفْطر وَإِلَّا أفطر وَمِنْهَا أَي من المفطرات الْجِمَاع وَهُوَ بِالْإِجْمَاع وَكَذَا الاستمناء بِالْيَدِ وَغَيرهَا وَحكمه عِنْد النسْيَان كَالْأَكْلِ وَالله أعلم قَالَ
(وتعمد القىء وَكَذَا عدم الْمعرفَة بطرفي النَّهَار) وَمن أَسبَاب المفطرات الاستفراغ فَمن تقيأ عمدا أفطر وَإِن غَلبه الْقَيْء لم يفْطر لقَوْله ﷺ
(من ذرعه الْقَيْء وَهُوَ صَائِم فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء وَمن استقاء فليقض) وذرعه غَلبه وَهُوَ بِالذَّالِ المنقوطة
وَأما معرفَة طرفِي النَّهَار فَلَا بُد من ذَلِك فِي الْجُمْلَة لصِحَّة الصَّوْم حَتَّى لَو نوى بعد طُلُوع الْفجْر لَا يَصح صَوْمه أَو أكل مُعْتَقدًا أَنه ليل وَكَانَ قد طلع الْفجْر لزمَه الْقَضَاء وَكَذَا لَو أكل مُعْتَقدًا أَنه قد دخل اللَّيْل ثمَّ بَان خِلَافه لزمَه الْقَضَاء حَتَّى لَو أكل آخر النَّهَار هجماً بِلَا ظن فَهُوَ حرَام بِلَا خلاف نعم إِذا غلب على ظَنّه الْغُرُوب بِالِاجْتِهَادِ بورد وَنَحْوه جَازَ لَهُ الْأكل على الصَّحِيح وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق لَا يجوز لقدرته على الْيَقِين بِالصبرِ والأحوط للصَّائِم أَن لَا يَأْكُل حَتَّى يتَيَقَّن غرُوب الشَّمْس وَالله أعلم قَالَ
بَاب مفسدات الصَّوْم
(وَالَّذِي يفْطر بِهِ الصَّائِم عشرَة أَشْيَاء مَا وصل عمدا إِلَى الْجوف أَو الرَّأْس والحقنة من أحد السَّبِيلَيْنِ والقيء عَامِدًا وَالْوَطْء فِي الْفرج والإنزال عَن مُبَاشرَة وَالْحيض وَالنّفاس وَالْجُنُون وَالرِّدَّة)
стр. 192
إِذا صَحَّ الصَّوْم بِشُرُوطِهِ وأركانه فلبطلانه أَسبَاب مِنْهَا إِدْخَال عين من الظَّاهِر إِلَى الْجوف وَأَرَادَ الشَّيْخ بالجوف الْبَطن وَلِهَذَا ذكره مُعَرفا فَلهَذَا سَاغَ لَهُ بعد ذَلِك ذكر الرَّأْس والحقنه الْقَيْء عَامِدًا فَإِنَّهُ مُبْطل وَفِيه احْتِرَاز عَن غير الْعَامِد وَقد مر دَلِيله وَمِنْهَا الْوَطْء فِي الْفرج كَمَا تقدم وَكَذَا الْإِنْزَال يَعْنِي خُرُوج الْمَنِيّ بِالْإِجْمَاع وَقَوله عَن مُبَاشرَة يَعْنِي سَوَاء كَانَ حَرَامًا كإخراجه بِيَدِهِ أَو غير محرم كإخراجه بيد زَوجته أَو جَارِيَته كَذَا قَالَه بعض الشُّرَّاح وَجه الْإِفْطَار أَن الْمَقْصُود الْأَعْظَم من الْجِمَاع الْإِنْزَال فَإِذا حرم الْجِمَاع وَأفْطر بِلَا إِنْزَال كَانَ الْإِنْزَال أولى بذلك وَاحْترز الشَّيْخ بِالْمُبَاشرَةِ عَمَّا إِذا أنزل بالفكر أَو الِاحْتِلَام وَلَا خلاف أَنه لَا يفْطر بذلك وَادّعى بَعضهم الْإِجْمَاع على ذَلِك وَأما النَّقَاء من الْحيض وَالنّفاس فقد نقل النَّوَوِيّ الاجماع على أَن صِحَة الصَّوْم متوقفة على فقدهما فَلَو طَرَأَ فِي أثْنَاء الصَّوْم بَطل وَكَذَا لَو طَرَأَ جُنُون أوردة بَطل الصَّوْم لِلْخُرُوجِ عَن أَهْلِيَّة الْعِبَادَة وَلَو طَرَأَ إِغْمَاء نظر إِن استغرق جَمِيع النَّهَار فَهَل يَصح صَوْمه أم لَا الْأَظْهر أَنه إِن أَفَاق فِي لَحْظَة من النَّهَار صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَلَو نَام جَمِيع النَّهَار فَهَل يَصح صَوْمه قيل لَا كالاغماء وَالصَّحِيح أَنه لَا يضر لبَقَاء أَهْلِيَّة الْخطاب وَلَو نَام جَمِيع النَّهَار إِلَّا لَحْظَة فانه لَا يضر بالِاتِّفَاقِ وطرو الرِّدَّة مُبْطل لِلْخُرُوجِ عَن أَهْلِيَّة الْعِبَادَة وَالله أعلم قَالَ
بَاب مَا يسْتَحبّ فِي الصَّوْم
(وَيسْتَحب فِي الصَّوْم ثَلَاثَة أَشْيَاء تَعْجِيل الْفطر وَتَأْخِير السّحُور وَترك الهجر من الْكَلَام)
يسن للصَّائِم أَن يعجل الْفطر عِنْد تحقق غرُوب الشَّمْس لقَوْله ﵊
(لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر) وَيكرهُ لَهُ التَّأْخِير إِن قصد ذَلِك وَرَأى أَن فِيهِ فَضِيلَة قَالَه الشَّافِعِي فِي الْأُم وَإِلَّا فَلَا بَأْس بِهِ وَلَا يسْتَحبّ وَقد ورد أَنه ﵊
(كَانَ إِذا كَانَ صَائِما لم يصل حَتَّى يُؤْتى برطب أَو مَاء فيأكل أَو يشرب وَإِذا كَانَ فِي الشتَاء لم يصل حَتَّى نأتيه بِتَمْر أَو مَاء) وَيسْتَحب أَن يفْطر على تمر وَإِلَّا فعلى مَاء للْحَدِيث وَلِأَن الحلو يُقَوي وَالْمَاء يطهر وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ إِن لم يجد التَّمْر فعلى حُلْو لِأَن الصَّوْم ينقص الْبَصَر وَالتَّمْر يردهُ فالحلو فِي مَعْنَاهُ وَإِن كَانَ بِمَكَّة فعلى مَاء زَمْزَم وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن الأولى فِي زَمَاننَا أَن يفْطر على مَاء يَأْخُذهُ بكفه من النَّهر لِأَن أبعد عَن الشُّبْهَة وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَمَا قَالَاه شَاذ مُخَالف للْحَدِيث وَأما اسْتِحْبَاب تَأْخِير السّحُور فَفِي الحَدِيث
(إِن تَأْخِير السّحُور من سنَن الْمُرْسلين) وَفِي
стр. 193
الحَدِيث أَيْضا أَنه ﵊ قَالَ
(لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر وأخروا السّحُور) وَلِأَن فِي التَّأْخِير حِكْمَة مشروعيته وَهِي التقوي على الْعِبَادَة وَالله أعلم وَاعْلَم أَن اسْتِحْبَاب السّحُور مجمع عَلَيْهِ وَيحصل بِقَلِيل الْأكل وبالماء فِي صَحِيح ابْن حبَان
(تسحرُوا وَلَو بجرعة مَاء) وَذكر ذَلِك النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَيدخل وَقت السّحُور بِنصْف اللَّيْل ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الْإِيمَان وَاعْلَم أَن الصَّائِم يتَأَكَّد فِي حَقه صون لِسَانه عَن الْكَذِب والغيبة وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْمُحرمَة فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ
(من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه) وَفِي الحَدِيث
(رب صَائِم لَيْسَ لَهُ من صِيَامه إِلَّا الْجُوع وَرب قَائِم لَيْسَ لَهُ من قِيَامه إِلَّا السهر) وَلِأَن الْكَلَام الهجر أَي الْفُحْش يحبط الثَّوَاب وَقد صرح بذلك الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ
قلت وَمن المصائب الْعَظِيمَة مَا يصنعه الظلمَة من تَقْلِيد الظَّالِم وَأخذ الْأَمْوَال بِالْبَاطِلِ ثمَّ يصنعون بذلك شَيْئا من الْأَطْعِمَة يتصدقون بِهِ فيتعدى شؤمهم إِلَى الْفُقَرَاء وَأعظم من ذَلِك مُصِيبَة تردد فُقَهَاء السوء وصوفية الرجس إِلَى أسمطة هَؤُلَاءِ الظلمَة ثمَّ يَقُولُونَ هُوَ يشترى فِي الذِّمَّة وايضا تكره مُعَاملَة من أَكثر مَاله حرَام وَالَّذِي فِي شرح مُسلم أَنه حرَام وَفرض الْمَسْأَلَة فِي جَائِزَة الْأُمَرَاء وَلَا فرق فِي الْمَعْنى فاعرفه وَلَا يعلم هَؤُلَاءِ الحمقى أَن فِي ذَلِك إغراء على تعَاطِي الْمُحرمَات ويتضمن مجالسة الفسقة وَهِي حرَام على وَجه المؤانسة بِلَا خلاف وَقد عدهَا جمع من الْعلمَاء من الْكَبَائِر وَنسبه القَاضِي عِيَاض إِلَى الْمُحَقِّقين وهم على ارْتِكَاب ذَلِك لَا ينهونهم عَن مُنكر وَذَلِكَ سَبَب إرْسَال المصائب على الْأُمَم بل سَبَب هلاكهم ولعنهم على لِسَان الْأَنْبِيَاء وَقد نَص على ذَلِك الْقُرْآن الْعَظِيم وَلِهَذَا تَتِمَّة مهمة فِي كتَابنَا
(قمع النُّفُوس) وَالله أعلم قَالَ
بَاب مَا نهي عَن صَوْمه
(وَيحرم صِيَام خَمْسَة أَيَّام الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة)
لَا يَصح صَوْم عيد الْفطر والأضحى بالاجماع وَيحرم عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ آثم لِأَن نفس الْعِبَادَة
стр. 194
عين الْمعْصِيَة وَقد ورد
(نهى رَسُول الله ﷺ عَن صِيَام يَوْمَيْنِ يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى) وَلَا فرق بَين أَن يصومهما تَطَوّعا أَو عَن وَاجِب أَو عَن نذر وَلَو نذر صومهما لم ينْعَقد نَذره حَتَّى نقل الامام عَن الْقفال أَن الْأَوْقَات الْمنْهِي عَنْهَا لَا بُد أَن يَأْتِي فِيهَا بمناف للصَّوْم وكما يحرم صَوْم الْعِيدَيْنِ يحرم صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر وَهَذَا هُوَ الْجَدِيد الصَّحِيح لِأَن النَّبِي ﷺ
(نهى عَن صيامهما) وَقد ورد
(إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَذكر الله تَعَالَى) وَفِي الْقَدِيم أَنه يجوز للمتمتع العادم للهدي أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق وَهِي الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى
(فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج)
(ورد عَن عَائِشَة وَابْن عمر ﵄ أَنَّهُمَا قَالَ لم يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يصمن إِلَّا لمن لم يجد الْهدى) وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ هَذَا القَوْل وَصَححهُ ابْن الصّلاح قبله وَالْمذهب أَنه لَا يجوز فَإِن قُلْنَا بالْقَوْل الْقَدِيم فَهَل يجوز لغير الْمُتَمَتّع صَومهَا فِيهِ وَجْهَان الصَّحِيح التَّحْرِيم وَالله أعلم قَالَ
(وَيكرهُ صَوْم يَوْم الشَّك إِلَّا أَن يُوَافق عَادَة لَهُ أَو يصله بِمَا قبله)
يحرم صَوْم الشَّك تَطَوّعا بِلَا سَبَب وَكَذَا يحرم صَوْمه تحرياً لأجل رَمَضَان قَالَه الْبَنْدَنِيجِيّ لقَوْل عمار بن يَاسر ﵁
(من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى أَبَا الْقَاسِم) وَلَو صَامَ يَوْم الشَّك لم يَصح فِي الْأَصَح قِيَاسا على صَوْم يَوْم الْعِيد بِجَامِع التَّحْرِيم وَقيل يَصح لِأَنَّهُ قَابل للصَّوْم فِي الْجُمْلَة بِخِلَاف يَوْم الْعِيد وَلَو نذر صَوْم يَوْم الشَّك لم يَصح على الْأَصَح وَيسْتَثْنى مَا ذكره الشَّيْخ وَهُوَ أَن يُوَافق يَوْم الشَّك مَا يعْتَاد صَوْمه تَطَوّعا بِأَن كَانَ يسْرد الصَّوْم أَو يَصُوم يَوْمًا معينا كالاثنين وَالْخَمِيس أَو يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وحجته قَوْله ﷺ
(لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم
стр. 195
وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه) وَقَوله ﵊
(لَا تقدمُوا) هُوَ بِفَتْح التَّاء لِأَنَّهُ مضارع أَصله تتقدموا وَلَكِن حذف مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَيسْتَثْنى مَا إِذا وَصله بِمَا قبله لِأَنَّهُ بالوصل يَنْتَفِي التَّحَرِّي لرمضان وَقَول الشَّيْخ أَو يصله بِمَا قبله يصدق ذَلِك على مَا لَو وَصله بِيَوْم وَفِيه نظر من جِهَة الحَدِيث وَيَنْبَغِي أَن يحمل كَلَام الشَّيْخ على مَا إِذا وَصله بِأَكْثَرَ من يَوْم وَقد صرح بذلك الْبَنْدَنِيجِيّ فَقَالَ وَلَا يتَقَدَّم الشَّهْر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ إِلَّا إِ يُوَافق مَا كَانَ أبدا يَصُومهُ أَو كَانَ يسْرد الصَّوْم وَيسْتَثْنى أَيْضا مَا إِذا صَامَهُ عَن نذر أَو قَضَاء مسارعة إِلَى بَرَاءَة الذِّمَّة أَو كَانَ لَهُ سَبَب فَجَاز كَنَظِيرِهِ من الصَّلَوَات فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَلَيْسَ من الْأَسْبَاب الِاحْتِيَاط لرمضان بِلَا خلاف وَالله أعلم قَالَ
(وَمن وطيء عَامِدًا فِي الْفرج فَعَلَيهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة وَالْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا)
قَول الشَّيْخ وَمن وطىء أَي وَهُوَ مُكَلّف بِالصَّوْمِ وَقد نوى من اللَّيْل وَكَانَ الْوَطْء فِي النَّهَار من رَمَضَان من غير عذر وَالشَّيْخ ﵀ لم يسْتَوْف الْحَد وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول تجب الْكَفَّارَة على من أفسد يَوْمًا من رَمَضَان بجماع تَامّ آثم بِهِ لأجل الصَّوْم وَفِي هَذَا الضَّابِط قيود مِنْهَا الافساد فَمن جَامع نَاسِيا لم يفْطر على الْمَذْهَب فَلَا كَفَّارَة حِينَئِذٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي احْتَرز الشَّيْخ عَنهُ بقوله عَامِدًا وَقَوْلنَا بجماع احْتَرز بِهِ عَن الْأكل وَالشرب وَغَيرهمَا فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْكَفَّارَة وَقَوْلنَا تَامّ وَقد ذكره الْغَزالِيّ احْتِرَازًا عَن الْمَرْأَة فَإِنَّهَا لَا يلْزمهَا الْكَفَّارَة لِأَنَّهَا تفطر بِمُجَرَّد دُخُول بعض الْحَشَفَة وَقَوْلنَا آثم بِهِ احْتِرَازًا عَن الْمُسَافِر فِيمَا إِذا جَامع نِيَّة التَّرَخُّص فَإِنَّهُ لَا يَأْثَم وَكَذَا بِغَيْر نِيَّة التَّرَخُّص على الصَّحِيح لِأَن الْإِفْطَار مُبَاح لَهُ فَيصير شُبْهَة فِي دَرْء الْكَفَّارَة وَكَذَا لَا كَفَّارَة على من ظن بَقَاء اللَّيْل فَبَان نَهَارا لانْتِفَاء الاثم وَقَوْلنَا لأجل الصَّوْم احْتِرَاز عَن مُسَافر أفطر بِالزِّنَا مترخصاً فَإِن الْفطر جَائِز وإثمه بِسَبَب الزِّنَا لَا بِسَبَب الصَّوْم فَإِذا وجدت الْقُيُود كلهَا وَجَبت الْكَفَّارَة وَحجَّة ذَلِك مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَلَكت فَقَالَ وَمَا أهْلكك فَقَالَ وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان فَقَالَ هَل تَجِد مَا تعْتق رَقَبَة قَالَ لَا فَقَالَ هَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين قَالَ لَا فَقَالَ هَل تَجِد مَا تطعم سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ لَا ثمَّ جلس فَأتى النَّبِي ﷺ بعرق فِيهِ تمر فَقَالَ تصدق بِهَذَا فَقَالَ على أفقر منا فوَاللَّه مَا بَين لابتيها أهل بَيت أحْوج إِلَيْهِ منا فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت أنيابه ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فأطعمه أهلك) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ
(فَأعتق رَقَبَة) على الْأَمر وَفِي رِوَايَة لأبي
стр. 196
دَاوُد
(فَأتى بعرق فِيهِ تمر قدر خَمْسَة عشر صَاعا) قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ أصح من رِوَايَة فِيهِ عشرُون صَاعا وَاعْلَم أَنه كَمَا تجب الْكَفَّارَة يجب التَّعْزِير أَيْضا وَادّعى الْبَغَوِيّ الاجماع على ذَلِك وَالْكَفَّارَة مَا ذكره وَهِي كَفَّارَة تَرْتِيب فَإِن عجز عَن الْجَمِيع اسْتَقَرَّتْ فِي ذمَّته وَلَو شرع فِي الصَّوْم أَو الاطعام ثمَّ قدر على الْمرتبَة الْمُقدمَة لم تلْزمهُ على الْأَصَح وَلَو كَانَ من من تلْزمهُ الْكَفَّارَة فَقِيرا فَهَل يجوز لَهُ صرفهَا إِلَى أَهله فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم للْحَدِيث وَالصَّحِيح أَنه يجوز كَالزَّكَاةِ وَسَائِر الْكَفَّارَات وَالْجَوَاب عَن الحَدِيث من أوجه
أَحدهَا أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على وُقُوع التَّمْلِيك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يملكهُ ليكفر بِهِ فَلَمَّا أخبر بِحَالهِ تصدق بِهِ عَلَيْهِ
الثَّانِي يحْتَمل أَنه ملكه أَيَّاهُ أَي أمره أَن يتَصَدَّق بِهِ فَلَمَّا أخبرهُ بحاجته أذن لَهُ فِي إطعامه لأَهله لِأَن الْكَفَّارَة بِالْمَالِ إِنَّمَا تكون بعد الْكِفَايَة
الثَّالِث يحْتَمل أَن النَّبِي ﷺ تطوع بالتكفير عَنهُ وسوغ لَهُ صرفه إِلَى أَهله وَتَكون فَائِدَة الْخَبَر أَنه يجوز للْغَيْر التَّطَوُّع بِالْكَفَّارَةِ عَن الْغَيْر بِإِذْنِهِ وَأَنه يجوز للمتطوع صرفهَا إِلَى أهل الْمُكَفّر وَهَذِه الْأَجْوِبَة ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالله أعلم قَالَ
بَاب كَفَّارَة الْإِفْطَار وَمن يجوز لَهُ
(وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم من رَمَضَان أطْعم عَنهُ لكل يَوْم مد وَالشَّيْخ الفاني إِن عجز عَن الصَّوْم بفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مد)
من فَاتَهُ صِيَام من رَمَضَان وَمَات نظر إِن مَاتَ قبل تمكنه من الْقَضَاء بِأَن مَاتَ وعذره قَائِم كاستمرار الْمَرَض فَلَا قَضَاء وَلَا فديَة وَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَإِن مَاتَ بعد التَّمَكُّن وَجب تدارك مَا فَاتَهُ وَفِي كَيْفيَّة التَّدَارُك قَولَانِ الْجَدِيد وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي أَكثر كتبه الْقَدِيمَة أَنه يخرج من تركته لكل يَوْم مد من طَعَام أفتت بذلك عَائِشَة ﵂ وَابْن عَبَّاس ﵄ وَفِي حَدِيث رَوَاهُ
стр. 197
التِّرْمِذِيّ وَالصَّحِيح وَقْفَة على ابْن عمر وَالْمدّ ربع صَاع الْفطْرَة وَهُوَ رَطْل وَثلث بالعراقي وَالْقَوْل الآخر وينسب إِلَى الْقَدِيم وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا فِي الأمالي فَقَالَ إِن صَحَّ الحَدِيث قلت بِهِ والأمالي من كتبه الجديدة بل قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم يجب أَن يصام عَنهُ وَأَنه لَا يتَعَيَّن الْإِطْعَام بل يجوز للْوَلِيّ أَن يَصُوم عَنهُ بل يسْتَحبّ لَهُ ذَلِك كَمَا نَقله النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ النَّوَوِيّ الْقَدِيم هُنَا أظهر بل الصَّوَاب الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْم بِهِ لصِحَّة الْأَحَادِيث فِيهِ وَلَيْسَ للجديد حجَّة والْحَدِيث الْوَارِد فِي الْإِطْعَام ضَعِيف وَالله أعلم فعلى الْقَدِيم لَو أَمر الْوَلِيّ أَجْنَبِيّا فصَام عَنهُ بِأُجْرَة أَو بغَيْرهَا جَازَ كَالْحَجِّ وَلَو اسْتَقل الْأَجْنَبِيّ لم يجز على الْأَصَح وَهل الْمُعْتَبر على الْقَدِيم الْقَرِيب الْوَارِث أم الْعصبَة أم مُطلق الْقَرَابَة قَالَ الرَّافِعِيّ الْأَشْبَه اعْتِبَار الارث وَقَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار مُطلق الْقَرَابَة قَالَ فقد ورد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
(لإمرأة تَصُوم عَن أمهَا) وَهَذَا يبطل احْتِمَال الْعُصُوبَة ويضعف قَول الارث فَإِنَّهَا غير مستغرقة لِلْمَالِ وَلم يستفسر مِنْهَا النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَالله أعلم وَأما الشَّيْخ الْهَرم الَّذِي لَا يُطيق الصَّوْم أَو يلْحقهُ بِهِ مشقة شَدِيدَة فَلَا صَوْم عَلَيْهِ وَتجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة على الْأَظْهر وَيجْرِي الْقَوْلَانِ فِي الْمَرِيض الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَال مَرضه وَالله أعلم قَالَ
(وَالْحَامِل والمرضع إِن خافتا على أَنفسهمَا أفطرتا وَعَلَيْهَا الْقَضَاء وَإِن خافتا على ولديهما أفطرتا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة عَن كل يَوْم مد)
إِذا خَافت الْحَامِل أَو الْمُرْضع على أَنفسهمَا ضَرَرا بَينا من الصَّوْم مثل الضَّرَر الناشىء للْمَرِيض من الْمَرَض أفطرتا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاء كَالْمَرِيضِ وَسَوَاء تضرر الْوَلَد أم لَا كَمَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَلَا فديَة كَالْمَرِيضِ وَإِن خافتا على ولديهما بِسَبَب إِسْقَاط الْوَلَد فِي الْحَامِل وَقلة اللَّبن فِي الْمُرْضع أفطرتا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاء للإفطار والفدية على أظهر الْأَقْوَال لكل يَوْم مد من طَعَام لقَوْله
стр. 198
تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَبِذَلِك قَالَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس ﵄ وَلَا مُخَالف لَهما وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن يجب الافطار إِن أضرّ الصَّوْم بالرضيع وَلَو أَرَادَت وَاحِدَة أَن ترْضع صَبيا تقرباً إِلَى الله جَازَ الْفطر لَهَا ثمَّ هَذَا فِيمَا إِذا كَانَتَا مقيمتين صحيحتين أما لَو كَانَتَا مسافرتين وأفطرتا بنية التَّرَخُّص بِالسَّفرِ أَو الْمَرَض فَلَا فديَة عَلَيْهِمَا وَإِن لم تنويا التَّرَخُّص فَفِي وجوب الْفِدْيَة وَجْهَان كالوجهين فِي فطر الْمُسَافِر بالاجماع وَالأَصَح أَنه لَا كَفَّارَة هُنَاكَ قَالَ
(وَالْمَرِيض وَالْمُسَافر سفرا طَويلا يفطران ويقضيان)
يُبَاح للْمَرِيض وَالْمُسَافر الافطار فِي رَمَضَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ تَقْدِير الْآيَة فَأفْطر فَعدَّة من أَيَّام أخر ثمَّ يشْتَرط فِي الْمَرِيض أَن يجب ألماً شَدِيدا ثمَّ إِن كَانَ الْمَرَض مطبقاً فَلهُ ترك النِّيَّة من اللَّيْل وَإِن كَانَ متقطعاً كمن يحم وقتا دون وَقت نظر إِن كَانَ محموماً وَقت الشُّرُوع جَازَ أَن يتْرك النِّيَّة من اللَّيْل وَإِلَّا فَعَلَيهِ أَن يَنْوِي من اللَّيْل فَإِن احْتَاجَ إِلَى الْإِفْطَار أفطر ثمَّ هَذَا إِذا لم يخْش الْهَلَاك فَإِن خشيَة وَجب عَلَيْهِ الْفطر قَالَه الْجِرْجَانِيّ وَالْغَزالِيّ فَإِن صَامَ فَفِي انْعِقَاده احتمالات قَالَه الْغَزالِيّ وَاعْلَم أَن غَلَبَة الْجُوع والعطش كالمرض
وَأما الْمُسَافِر فَشرط الْإِبَاحَة لَهُ أَن يكون سَفَره طَويلا مُبَاحا فَلَا يترخص فِي الْقصير لعدم الْمُبِيح وَلَا فِي السّفر بالمعصية لِأَن الرُّخص لَا تناط بِالْمَعَاصِي فَلَو أصبح مُقيما ثمَّ سَافر فَلَا يفْطر لِأَنَّهَا عبَادَة اجْتمع فِيهَا السّفر والحضر فغلبنا الْحَضَر وَقَالَ الْمُزنِيّ يجوز لَهُ الْفطر قِيَاسا على من أصبح صَائِما فَمَرض نعم لَو أصبح الْمُسَافِر وَالْمَرِيض صَائِمين فَلَهُمَا الْفطر لِأَن السَّبَب المرخص مَوْجُود وَقيل لَا يجوز وَلَو أَقَامَ الْمُسَافِر أَو شفي الْمَرِيض حرم الْفطر على الصَّحِيح لزوَال سَبَب الاباحة ثمَّ إِن الْأَفْضَل فِي حق الْمُسَافِر ينظر إِن لم يتَضَرَّر فالصوم أفضل وَإِن تضرر فالفطر أفضل وَقَالَ فِي التَّتِمَّة وَلَو لم يتَضَرَّر فِي الْحَال لكنه يخَاف الضعْف لَو صَامَ وَكَانَ فِي سفر حج أَو غَزْو فالفطر أولى وَالله أعلم قَالَ
стр. 199
بَاب صَوْم التَّطَوُّع
(فصل يسْتَحبّ الْإِكْثَار من صَوْم التَّطَوُّع)
وَهل يكره صَوْم الدَّهْر قَالَ الْبَغَوِيّ نعم وَقَالَ الْغَزالِيّ هُوَ مسنون وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ إِن خَافَ مِنْهُ ضَرَرا أَو فَوت حق كره وَإِلَّا فَلَا وَيسْتَحب صَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَأَيَّام الْبيض من كل شهر وَهِي الثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر وَمِنْهُم من عد الثَّانِي عشر فالاحتياط صَوْمه أَيْضا وَيسْتَحب صَوْم سِتَّة أَيَّام من شَوَّال وَالْأَفْضَل صَومهَا متتابعة مُتَّصِلَة بالعيد وَيسْتَحب صَوْم تاسوعاء وعاشوراء من الْمحرم وَيسْتَحب صَوْم يَوْم عَرَفَة لغير الْحَاج وَأطلق كَثِيرُونَ كَرَاهَة صَوْمه للْحَاج لأجل الدُّعَاء وأعمال الْحَج فَإِن كَانَ شخص لَا يضعف عَن ذَلِك قَالَ الْمُتَوَلِي الأولى لَهُ الصَّوْم وَقَالَ غَيره الأولى لَهُ أَن لَا يَصُوم وَيَوْم عَرَفَة أفضل أَيَّام السّنة قَالَه الْبَغَوِيّ وَغَيره وَيسْتَحب صَوْم عشر ذِي الْحجَّة وَالصَّوْم من آخر كل شهر وَأفضل الْأَشْهر للصَّوْم بعد رَمَضَان الْأَشْهر الْحرم وَهِي ذِي الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَرَجَب وَالْمحرم وأفضلها الْمحرم ويليه فِي الْفَضِيلَة شعْبَان وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ رَجَب قَالَ النَّوَوِيّ وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَالله أعلم
(فرع) قَالَ الْأَصْحَاب يحرم على الْمَرْأَة أَن تَصُوم تَطَوّعا وَزوجهَا حَاضر إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمن شرع فِي صَوْم الْقَضَاء فَإِن كَانَ على الْفَوْر لم يجز الْخُرُوج مِنْهُ وَإِن كَانَ على التَّرَاخِي فَالصَّحِيح وَنَصّ الشَّافِعِي فِي الْأُم أَنه لَا يجوز لِأَنَّهُ تلبس بِفَرْض وَلَا عذر فَلَزِمَهُ إِتْمَامه كَمَا لَو شرع فِي الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت لَا يجوز لَهُ قطعهَا وَالْقَضَاء الَّذِي على الْفَوْر هُوَ الَّذِي تعدى فِيهِ بالإفطار فَيحرم تَأْخِير قَضَائِهِ وَالَّذِي على التَّرَاخِي مَا لم يَتَعَدَّ فِيهِ كالفطر بِالْمرضِ وَالسّفر وقضاؤه على التَّرَاخِي مَا لم
стр. 200
يحضر رَمَضَان آخر وَمن شرع فِي صَوْم تطوع لم يلْزمه إِتْمَامه وَيسْتَحب لَهُ الاتمام فَلَو خرج مِنْهُ فَلَا قَضَاء لَكِن يسْتَحبّ وَهل يكره أَن يخرج مِنْهُ نظر إِن خرج لعذر لم يكره وَإِلَّا كره وَمن الْعذر أَن يعز على من يضيفه امْتِنَاعه من الْأكل وَيكرهُ صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده تَطَوّعا وَكَذَا إِفْرَاد يَوْم السبت وَكَذَا إِفْرَاد يَوْم الْأَحَد وَالله أعلم قَالَ
بَاب الِاعْتِكَاف
(فصل الِاعْتِكَاف مُسْتَحبّ وَله شَرْطَانِ النِّيَّة واللبث فِي الْمَسْجِد)
الِاعْتِكَاف فِي اللُّغَة الاقامة على الشَّيْء خيرا كَانَ أَو شرا وَفِي الشَّرْع إِقَامَة مَخْصُوصَة وَالْأَصْل فِي اسْتِحْبَابه الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ وَقد ثَبت اعْتِكَاف النَّبِي ﷺ وَهُوَ سنة مُؤَكدَة يَنْبَغِي الاعتناء بهَا وَيسْتَحب فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَفِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان آكِد اقْتِدَاء برَسُول الله ﷺ وطلباً لليلة الْقدر وَلَيْلَة الْقدر أفضل ليَالِي السّنة وَهِي بَاقِيَة بِفضل الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكذهب جُمْهُور الْعلمَاء أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان وَفِي أوتاره أَرْجَى وميل الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين قَالَ ابْن خُزَيْمَة وتنتقل فِي كل سنة إِلَى لَيْلَة جمعا بَين الْأَدِلَّة قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ مَنْقُول عَن الْمُزنِيّ أَيْضا وَهُوَ قوي وَمذهب الشَّافِعِي أَنَّهَا تلْزم لَيْلَة بِعَينهَا وَالله أعلم
وأركانه أَرْبَعَة النِّيَّة لِأَنَّهُ عبَادَة فافتقر إِلَى النِّيَّة كَسَائِر الْعِبَادَات
الثَّانِي اللّّبْث فِي الْمَسْجِد أما اللّّبْث فِي الْمَسْجِد فَلَا بُد مِنْهُ على الصَّحِيح وَلَا يكفى قدر الطُّمَأْنِينَة فِي الصَّلَاة بل لَا بُد من زِيَادَة عَلَيْهِ بِمَا يُسمى عكوفاً وَإِقَامَة وَلَا يشْتَرط السّكُون بل يَصح الِاعْتِكَاف مَعَ التَّرَدُّد فِي أَطْرَاف الْمَسْجِد كَمَا يحرم ذَلِك على الْجنب وَكَذَا يَصح الِاعْتِكَاف قَائِما وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي أَن يعْتَكف يَوْمًا لِلْخُرُوجِ من الْخلاف فَإِن أَبَا حنيفَة ومالكاً لَا يجوزان الِاعْتِكَاف أقل من يَوْم وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَبنَا وَلَو كَانَ كلما دخل وَخرج نوى الِاعْتِكَاف صَحَّ على الْمَذْهَب وَلنَا وَجه أَنه يشْتَرط اللّّبْث وَيَكْفِي الْحُضُور كَمَا يَكْفِي مُجَرّد الْحُضُور فِي عَرَفَة وَأما اشْتِرَاط الْمَسْجِد فَلِأَنَّهُ الْمَنْقُول عَنهُ ﵊ وَعَن أَصْحَابه ونسائه
стр. 201
الرُّكْن الثَّالِث الْمُعْتَكف وَشَرطه الْإِسْلَام وَالْعقل والنقاء من الْحيض وَالنّفاس والجنابة وَيصِح اعْتِكَاف العَبْد وَالْمَرْأَة بِإِذن السَّيِّد وَالزَّوْج فَإِن اعتكفا بِغَيْر إذنهما فَلَهُمَا إخراجهما وَلَا يَصح اعْتِكَاف السَّكْرَان لعدم النِّيَّة
الرُّكْن الرَّابِع الْمُعْتَكف فِيهِ وَشَرطه الْمَسْجِد كَمَا مر وَالْجَامِع أولى لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى الْخُرُوج إِلَى الْجُمُعَة وَلِأَن الْجَمَاعَة فِيهِ أَكثر وَقد اشْترط ذَلِك الزُّهْرِيّ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يخرج الْمُعْتَكف من الِاعْتِكَاف الْمَنْذُور إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان أَو عذر من حيض أَو نِفَاس أَو مرض لَا يُمكن الْمقَام مَعَه وَيبْطل بِالْوَطْءِ)
قد علمت أَن الِاعْتِكَاف قربَة فَإِذا نَذره صَحَّ ثمَّ إِن نذر مُدَّة مُعينَة وقدرها بِأَن نذر اعْتِكَاف عشرَة أَيَّام من الْآن أَو هَذِه الْعشْرَة أَو شهر رَمَضَان أَو هَذَا الشَّهْر فَعَلَيهِ الْوَفَاء بذلك فَلَو أفسد آخِره بِعُذْر أَو غير عذر بِالْخرُوجِ لم يجب الِاسْتِئْنَاف وَلَو فَاتَهُ الْجَمِيع لم يجب التَّتَابُع فِي الْقَضَاء كقضاء رَمَضَان وَهَذَا كُله إِذا لم يُصَرح بالتتابع فَلَو صرح بِهِ فَقَالَ أعنكف هَذِه الْعشْرَة أَيَّام متتابعة وَجب الِاسْتِئْنَاف على الصَّحِيح لتصريحه بالتتابع ثمَّ إِذا نذر اعتكافاً مُتَتَابِعًا وَشرط الْخُرُوج إِن عرض عَارض صَحَّ شَرطه على الْمَذْهَب وَبِه قطع الْجُمْهُور وَلَو شَرط الْخُرُوج للجماع لم يَصح نَذره ثمَّ إِذا صَحَّ نَذره فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوج إِلَّا لعذر وَهُوَ أَنْوَاع مِنْهَا الْخُرُوج لقَضَاء الْحَاجة وَالْمرَاد بهَا الْبَوْل وَالْغَائِط وَفِي مَعْنَاهُ الْغسْل من الِاحْتِلَام وَذَلِكَ لَا يضر قطعا وَمِنْهَا الْجُوع فَيجوز الْخُرُوج للْأَكْل على الأَصْل الْمَنْصُوص وَلَو عَطش فَإِن وجد المَاء فِي الْمَسْجِد فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوج وَالْفرق بَين الْأكل وَالشرب أَن الْأكل فِي الْجَامِع يستحيا مِنْهُ بِخِلَاف الشّرْب فَإِن لم يجده لَهُ الْخُرُوج وَاعْلَم أَنه فِي حَال خُرُوجه لقَضَاء الْحَاجة هُوَ معتكف فَلَو جَامع فِي ذَلِك الْوَقْت بَطل اعْتِكَافه على الْأَصَح
وَاعْلَم أَنه لَا يشْتَرط فِي جَوَاز الْخُرُوج شدَّة الْحَاجة وَإِذا خرج لَا يُكَلف الْإِسْرَاع بل يمشي على مشيته الْمَعْهُودَة فَلَو تأنى أَكثر من عَادَته بَطل اعْتِكَافه على الْمَذْهَب وَلَا يجوز الْخُرُوج لعيادة الْمَرِيض وَلَا لصَلَاة الْجِنَازَة وَإِذا خرج لقَضَاء الْحَاجة فَلهُ أَن يتَوَضَّأ خَارج الْمَسْجِد لِأَن ذَلِك يَقع تبعا بِخِلَاف مَا لَو احْتَاجَ إِلَى الْوضُوء من غير قَضَاء الْحَاجة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْخُرُوج على الْأَصَح إِذا أمكن الْوضُوء فِي الْمَسْجِد وَمن الْأَعْذَار مَا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة يلْزمهَا الْخُرُوج وَهل يَنْقَطِع التَّتَابُع نظر إِن كَانَت الْمدَّة الَّتِي نذرتها طَوِيلَة لَا تنفك عَن الْحيض غَالِبا لم يَنْقَطِع وَإِن كَانَت تنفك فالراجح أَنَّهَا تَنْقَطِع وَمِنْهَا أَي الْأَعْذَار الْمَرَض فَإِن كَانَ يشق مَعَه الْمقَام كحاجته إِلَى الْفراش وَالْخَادِم وَتردد الطَّبِيب فَيُبَاح لَهُ الْخُرُوج وَلَا يبطل بِهِ التَّتَابُع على الْأَظْهر وَكَذَا لَو خَافَ تلويث الْمَسْجِد كإدرار
стр. 202
الْبَوْل والإسهال وَالْمذهب أَنه يَنْقَطِع التَّتَابُع وَاحْترز الشَّيْخ بقوله لَا يُمكن الْمقَام مَعَه عَن الْمَرَض الْخَفِيف كالصداع والحمى الْخَفِيفَة فَلَا يجوز لَهُ الْخُرُوج بِسَبَب ذَلِك فَإِن خرج بَطل التَّتَابُع وَلَو خرج نَاسِيا أَو مكْرها لم يَنْقَطِع تتابعه على الْمَذْهَب وَمن أخرجه الظلمَة ظلما للمصادرة أَو غَيرهَا أَو خَافَ من ظَالِم فَخرج واستتر فكالمكره وَإِن خرج لحق وَجب عَلَيْهِ وَهُوَ مماطل بَطل لتَقْصِيره وَإِن حمل وَأخرج لم يبطل وَلَو دعِي لأَدَاء شَهَادَة فَإِن لم يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا بَطل اعْتِكَافه سَوَاء كَانَ التَّحَمُّل مُتَعَيّنا أم لَا لحُصُول الِاسْتِغْنَاء عَنهُ وَإِن تعين عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا نظر إِن لم يتَعَيَّن التَّحَمُّل بَطل تتابعه على الْمَذْهَب وَإِن تعين فَوَجْهَانِ أصَحهمَا من زِيَادَة الرَّوْضَة لَا يبطل وَلَو خرج لصَلَاة الْجُمُعَة بَطل اعْتِكَافه على الْأَظْهر لِإِمْكَان الِاعْتِكَاف فِي الْجَامِع وَلَو خَافَ فَوَات الْحَج خرج إِلَيْهِ وَبَطل اعْتِكَافه وَلَو جَامع بَطل اعْتِكَافه لِأَنَّهُ منَاف للاعتكاف وَهَذَا بِشَرْط كَونه مُخْتَارًا ذَاكِرًا للاعتكاف عَالما بِالتَّحْرِيمِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَاعْلَم أَنه لَو بَاشر بلمس أَو قبْلَة بِشَهْوَة فَأنْزل بَطل اعْتِكَافه والاستمناء بِيَدِهِ مُرَتّب على الْمُبَاشرَة وَلَو بَاشر نَاسِيا فكجماع الصَّائِم وَلَو جَامع جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ فكنظيره من الصَّوْم وَيصِح اعْتِكَاف اللَّيْل وَحده وَالله أعلم
стр. 203
كتاب الْحَج
بَاب شَرَائِط وجوب الْحَج
(وشرائط وجوب الْحَج سَبْعَة الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة) الْحَج فِي اللُّغَة الْقَصْد وَقَالَ الْخَلِيل كَثْرَة الْقَصْد
وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن قصد الْبَيْت للأفعال قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَهُوَ وَاجِب بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح
(بني الْإِسْلَام على خمس) وَمِنْهَا الْحَج ثمَّ لوُجُوب الْحَج شُرُوط مِنْهَا الْإِسْلَام لِأَنَّهُ عبَادَة فَيشْتَرط لوُجُوبهَا الْإِسْلَام كَالصَّلَاةِ وَفِي حَدِيث معَاذ
(أدعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن أطاعوك فأعلمهم أَن عَلَيْهِم كَذَا) وَذكر الْحَج وَمِنْهَا الْبلُوغ فالصبي لَا يجب عَلَيْهِ لخَبر
(رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة وَمِنْهُم الصَّبِي وَقِيَاسًا على سَائِر الْعِبَادَات وَمِنْهَا الْعقل فَلَا تجب على الْمَجْنُون لحَدِيث
(رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة) وَمِنْهُم الْمَجْنُون وكسائر الْعِبَادَات وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة فَلَا يجب على العَبْد لقَوْله ﵊
(أَيّمَا
стр. 204
عبد حج ثمَّ أعتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى) وَلِأَن الْجُمُعَة لَا تجب عَلَيْهِ مَعَ قرب مسافتها مُرَاعَاة لحق السَّيِّد فالحج أولى قَالَ
(وَوُجُود الرَّاحِلَة والزاد وتخلية الطَّرِيق وَإِمْكَان الْمسير) هَذِه الْأُمُور تَفْسِير للاستطاعة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فَلَا بُد لوُجُوب الْحَج من هَذِه الْأُمُور فَمِنْهَا الرَّاحِلَة فَلَا يلْزمه الْحَج إِلَّا إِذا قدر عَلَيْهَا بِملك أَو اسْتِئْجَار سَوَاء قدر على الْمَشْي أم لَا وَهل يحجّ ماشياأفضل أم رَاكِبًا فِيهِ خلاف الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ الْمَشْي أفضل لِأَنَّهُ أشق وَالْمذهب عِنْد النَّوَوِيّ أَن الرّكُوب أفضل لفعله ﵊ وَلِأَنَّهُ أعون لَكِن يسْتَحبّ أَن يركب على القتب والرحل دون الْمحمل وَنَحْوه اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﵊ ثمَّ إِن كَانَ يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة من غير محمل وَلَا تلْحقهُ مشقة شَدِيدَة لم يعْتَبر فِي حَقه إِلَّا وجدان الرَّاحِلَة وَإِلَّا فَيعْتَبر مَعَ وجدان الرَّاحِلَة وجدان الْمحمل وَهَذَا فِيمَن بَينه وَبَين مَكَّة مَسَافَة الْقصر فَأكْثر أما مَا بَينه وَبَينهَا دون ذَلِك فَإِن كَانَ قَوِيا على الْمَشْي لزمَه الْحَج وَلَا تعْتَبر الرَّاحِلَة وَإِن كَانَ ضَعِيفا لَا يقوى على الْمَشْي أَو يَنَالهُ بِهِ ضَرَر ظَاهر اشْترطت الرَّاحِلَة والمحمل أَيْضا إِن لم يُمكنهُ الرّكُوب بِدُونِهِ وَمِنْهَا الزَّاد وَيشْتَرط لوُجُوب الْحَج أَن يجد الزَّاد وأوعيته وَيكون ذَلِك يَكْفِيهِ لذهابه وَعوده
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط كَون الزَّاد وَالرَّاحِلَة فاضلين عَن نَفَقَته وَنَفَقَة من تلْزمهُ نَفَقَته وكسوتهم مُدَّة ذَهَابه ورجوعه وَكَذَا يشْتَرط كَونهمَا فاضلين عَن مسكن وخادم يليقان بِهِ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لزمانته أَو منصبه على الصَّحِيح كَمَا يشْتَرط ذَلِك فِي الْكَفَّارَة عَن دينه وَلَو كَانَ لَهُ رَأس مَال يتجر فِيهِ أَو كَانَت لَهُ مستغلات يحصل مِنْهَا نَفَقَته فَهَل يُكَلف بيعهَا فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا يُكَلف كَمَا يُكَلف فِي الدّين بِخِلَاف الْمسكن وَالْخَادِم لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِمَا فِي الْحَال وَمَا نَحن فِيهِ يَتَّخِذهُ ذخيرة وَلَو قدر على مُؤَن الْحَج لكنه مُحْتَاج إِلَى النِّكَاح لخوف الْعَنَت وَهُوَ الزِّنَا فَصَرفهُ إِلَى النِّكَاح أهم من صرفه إِلَى الْحَج لِأَن حَاجَة النِّكَاح ناجزة وَالْحج على التَّرَاخِي وَإِن لم يخف الْعَنَت فتقديم الْحَج أفضل وَإِلَّا فَالنِّكَاح أفضل وَمِنْهَا تخلية الطَّرِيق وَمَعْنَاهُ أَن يكون آمنا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء فِي النَّفس والبضع وَالْمَال وَسَوَاء قل المَال أَو كثر لحُصُول الضَّرَر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الْخَوْف عَلَيْهِ من مُسلمين أَو كفار وَلَو كَانَ فِي طَرِيقه بَحر لَا معدل عَنهُ فَإِن غلب الْهَلَاك لخصوصية ذَلِك الْبَحْر أَو لهيجان
стр. 205
الأمواج فَلَا يجب الْحَج وَإِن غلبت السَّلامَة وَجب وَإِن اسْتَويَا فخلاف الْأَصَح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب عدم الْوُجُوب بل يحرم
وَاعْلَم أَنه كَمَا يشْتَرط لوُجُوب الْحَج الزَّاد يشْتَرط وجود المَاء فِي الْمَوَاضِع الَّتِي اطردت الْعَادة بِوُجُودِهِ فِيهَا فَلَو كَانَت سنة جَدب وخلا بعض تِلْكَ الْمنَازل من المَاء لم يجب الْحَج وَمِنْهَا إِمْكَان الْمسير وَهُوَ أَن يبْقى من الزَّمَان عِنْد وجود الزَّاد وَالرَّاحِلَة مَا يُمكن السّير فِيهِ إِلَى الْحَج وَالْمرَاد السّير الْمَعْهُود وَإِن قدر إِلَّا أَنه يحْتَاج إِلَى قطع مرحلَتَيْنِ فِي بعض الْأَيَّام لم يلْزمه الْحَج لوُجُود الضَّرَر وَالله أعلم قَالَ
بَاب أَرْكَان الْحَج
(وأركان الْحَج خَمْسَة الاحرام وَالنِّيَّة وَالْوُقُوف بِعَرَفَة)
لما ذكر الشَّيْخ شُرُوط وجوب الْحَج شرع فِي ذكر أَرْكَانه فَمِنْهَا الْإِحْرَام وَهُوَ عبارَة عَن نِيَّة الدُّخُول فِي حج أَو عمْرَة قَالَه النَّوَوِيّ وَزَاد ابْن الرّفْعَة أَو فِيمَا يصلح لَهما أَو لأَحَدهمَا وَهُوَ الْإِحْرَام الْمُطلق وَسمي إحراماً لِأَنَّهُ يمْنَع من الْمُحرمَات وَسَيَأْتِي ذكرهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحجَّة وُجُوبه قَوْله ﷺ
(إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وَهُوَ مبدأ الدُّخُول فِي النّسك والنسك الْعِبَادَة وكل عبَادَة لَهَا إِحْرَام وتحلل فالإحرام ركن فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ
وَاعْلَم أَن الْإِحْرَام لَهُ ثَلَاثَة وُجُوه الْإِفْرَاد والتمتع وَالْقرَان وَلَا خلاف فِي جَوَاز كل وَاحِد مِنْهُمَا لَكِن مَا الْأَفْضَل فِيهِ خلاف الْمَذْهَب الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي عَامَّة كتبه أَن الْإِفْرَاد أفضل ويليه التَّمَتُّع ثمَّ الْقرَان وَصُورَة الْإِفْرَاد أَن يحرم بِالْحَجِّ وَحده ويفرغ مِنْهُ ثمَّ يحرم بِالْعُمْرَةِ ثمَّ شَرط كَون الْإِفْرَاد أفضل مِنْهُمَا أَن يعْتَمر فِي تِلْكَ السّنة فَلَو أخر الْعمرَة عَن سنته فَكل من التَّمَتُّع وَالْقرَان أفضل من الْإِفْرَاد لِأَن تَأْخِير الْعمرَة عَن سنة الْحَج مَكْرُوه وَصُورَة التَّمَتُّع أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ من مِيقَات بَلَده ويفرغ مِنْهَا ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة وَهَذِه الْكَيْفِيَّة مجمع عَلَيْهَا قَالَه ابْن الْمُنْذر وَسمي مُتَمَتِّعا لِأَنَّهُ يتمتع بَين الْحَج وَالْعمْرَة بِمَا كَانَ محرما عَلَيْهِ وَصُورَة الْقرَان الْأَصْلِيَّة أَن يحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة مَعًا فتندرج أَعمال الْعمرَة فِي أَعمال الْحَج ويتحد الْمِيقَات وَالْفِعْل وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على صِحَة الْإِحْرَام بهما وَلَو أحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج ثمَّ أَدخل الْحَج عَلَيْهَا فِي أشهره فَإِن لم يكن شرع فِي طواف الْعمرَة صَحَّ وَصَارَ قَارنا وَإِلَّا لم يَصح إِدْخَاله
стр. 206
عَلَيْهَا لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِي الطّواف شرع فِي أَسبَاب التَّحَلُّل وَقيل غير ذَلِك وَلَو عكس فَأحْرم بِالْحَجِّ ثمَّ أَرَادَ ادخال الْعمرَة فَقَوْلَانِ الْجَدِيد أَن لَا يَصح وَقَول الشَّيْخ وَالنِّيَّة يَقْتَضِي أَن النِّيَّة غير الْإِحْرَام وَهُوَ مَمْنُوع لما قد عرفت وَمِنْهَا أَي من أَرْكَان الْحَج الْوُقُوف بِعَرَفَة لِأَنَّهُ ﵊ أَمر منادياً يُنَادي
(الْحَج عَرَفَة) وَمعنى الْحَج عَرَفَة أَي مُعظم أَرْكَانه كَمَا تَقول مُعظم الرَّكْعَة الرُّكُوع وَيحصل الْوُقُوف بِحُضُور بِجُزْء من عَرَفَات وَلَو كَانَ ماراً فِي طلب آبق أَو ضَالَّة أَو غير ذَلِك وَلَو حضر عَرَفَة وَهُوَ نَائِم حَتَّى لَو دخل عَرَفَات قبل الْوُقُوف ونام حَتَّى خرج الْوَقْت أَجزَأَهُ على الصَّحِيح لبَقَاء التَّكْلِيف عَلَيْهِ بِخِلَاف الْمَجْنُون وَلَو حضر وَهُوَ مغمى عَلَيْهِ قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة أَجزَأَهُ وَهُوَ سَهْو فَإِن الرَّافِعِيّ صحّح عدم الاجزاء فِي الشرحين كالمحرر ثمَّ إِن النَّوَوِيّ قَالَ فِي زِيَادَته قلت الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور أَنه لَا يَصح وقُوف الْمغمى عَلَيْهِ
وَالْحَاصِل أَن شَرط إِجْزَاء الْوُقُوف أَن يكون الْوَاقِف أَهلا لِلْعِبَادَةِ ثمَّ فِي أَي مَوضِع وقف مِنْهَا جَازَ لِأَن الْكل عَرَفَة وَوقت الْوُقُوف من زَوَال الشَّمْس يَوْم عَرَفَة إِلَى طُلُوع الْفجْر وَلَا يشْتَرط الْجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار حَتَّى لَو أَفَاضَ قبل الْغُرُوب صَحَّ وُقُوفه وَلَا يلْزمه الدَّم على الصَّحِيح وَقيل يجب فعلى هَذَا لَو عَاد لَيْلًا سقط وَلَو اقْتصر على الْوُقُوف لَيْلًا صَحَّ حجه على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم قَالَ
(وَالطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة)
من أَرْكَان الْحَج الطّواف بِالْبَيْتِ أَي طواف الْإِفَاضَة للْإِجْمَاع على أَنه المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَلِحَدِيث حيض صَفِيَّة قَالَ القَاضِي وَلَيْسَ بَين الْمُسلمين خلاف فِي وُجُوبه ثمَّ للطَّواف وَاجِبَات لَا بُد مِنْهَا مِنْهَا الطَّهَارَة عَن الْحَدث وَالنَّجس فِي الْبدن وَالثيَاب
стр. 207
وَالْمَكَان فَلَو أحدث فِي أثْنَاء طَوَافه لزمَه الْوضُوء وَيَبْنِي على الصَّحِيح وَقيل يجب الِاسْتِئْنَاف وَمِنْهَا التَّرْتِيب بِأَن يبتدىء من الْحجر الْأسود وَأَن يَجْعَل الْبَيْت عَن يسَاره وَيَنْبَغِي أَن يمر فِي الِابْتِدَاء بِجَمِيعِ بدنه على جَمِيع الْحجر الْأسود بِحَيْثُ يصير جَمِيع الْحجر الْأسود عَن يَمِينه ثمَّ يَنْوِي حِينَئِذٍ الطّواف وَنِيَّة الطّواف غير وَاجِبَة على الصَّحِيح لشمُول الْحَج لَهَا فَلَو حَاذَى الْحجر بِبَعْض بدنه وَكَانَ بعضه مجاوزاً إِلَى جَانب الْبَاب فالجديد أَنه لَا يعْتد بِتِلْكَ الطوفة وَمِنْهَا أَن يكون خَارِجا بِجَمِيعِ بدنه عَن جَمِيع الْبَيْت حَتَّى لَو مَشى على شاذروان الْكَعْبَة لم يَصح طَوَافه لِأَنَّهُ جُزْء من الْبَيْت وَكَذَا لَو طَاف وَكَانَت يَده تحاذي الشاذروان لم يَصح وَهِي دقيقة قل من ينتبه لَهَا فاعرفها وَعرفهَا وَأما الْحجر بِكَسْر الْحَاء فَهَل يشْتَرط أَن يطوف بِهِ أَو الشَّرْط أَن يتْرك مِنْهُ قدر سَبْعَة أَذْرع فِيهِ خلاف قَالَ الرَّافِعِيّ يَصح وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَنه لَا يَصح الطّواف فِي شَيْء من الْحجر وَهُوَ ظَاهر النُّصُوص وَبِه قطع مُعظم الْأَصْحَاب تَصْرِيحًا وتلويحاً وَدَلِيله أَن النَّبِي ﷺ طَاف خَارج الْحجر وَالله أعلم
وَمِنْهَا أَن يَقع الطّواف فِي الْمَسْجِد وَلَا يضر الْحَائِل بَين الطَّائِف وَالْبَيْت كالسقاية حَتَّى لَو طَاف فِي الأورقة جَازَ وَمِنْهَا الْعدَد وَهُوَ أَن يطوف سبعا وَلَا تجب الْمُوَالَاة بَين الطوفات على الصَّحِيح وَقيل تجب فَيبْطل التَّفْرِيق الْكثير بِلَا عذر وعَلى الصَّحِيح لَا يضر وَيَبْنِي على طَوَافه وَالله أعلم
وَمن أَرْكَان الْحَج السَّعْي لفعله ﵊ وَلقَوْله ﵊ وَهُوَ يسْعَى
(اسعو فَإِن الله تَعَالَى كتب عَلَيْكُم السَّعْي) وَلِأَنَّهُ نسك يفعل فِي الْحَج وَالْعمْرَة فَكَانَ ركنا كالطواف وَيشْتَرط وُقُوعه بعد طواف صَحِيح سَوَاء كَانَ طواف الافاضة أَو طواف الْقدوم فَلَو سعى بعد طواف الْقدوم أَجزَأَهُ وَلَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يسْعَى بعد طواف الافاضة بل قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يكره وَيشْتَرط التَّرْتِيب بِأَن يبْدَأ بالصفا فَإِذا وصل إِلَى الْمَرْوَة فَهِيَ مرّة وَيشْتَرط فِي الثَّانِيَة أَن يبْدَأ بالمروة فَإِذا وصل إِلَى الصَّفَا فَهِيَ مرّة ثَانِيَة وَيجب أَن يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة سبعا لفعله ﵊ وَلَا يشْتَرط فِيهِ الطَّهَارَة وَلَا ستر الْعَوْرَة وَلَا سَائِر شُرُوط الصَّلَاة وَيجوز رَاكِبًا وَالْأَفْضَل الْمَشْي لَو شكّ هَل سعى سبعا أَو سِتا أَخذ بِالْأَقَلِّ كالطواف ثمَّ السَّعْي لَا يجْبر بِدَم كَبَقِيَّة الْأَركان وَلَا يتَحَلَّل بِدُونِهِ كَمَا فِي بَقِيَّة الْأَركان وَالله أعلم
وَقد أهمل الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى الْحلق أَو التَّقْصِير وَهُوَ ركن على الْمَذْهَب وَادّعى الإِمَام
стр. 208
الِاتِّفَاق على أَنه ركن وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَالله أعلم قَالَ
بَاب وَاجِبَات الْحَج
(وواجبات الْحَج غير الْأَركان ثَلَاثَة الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَرمي الْجمار ثَلَاثًا وَالْحلق)
اعْلَم أَن الْمِيقَات ميقاتان زماني ومكاني فالميقات الزماني بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَج شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر لَيَال من ذِي الْحجَّة آخرهَا لَيْلَة النَّحْر على الصَّحِيح وَأما الْعمرَة فَجَمِيع السّنة وَقت لَهَا وَلَا تكره فِي وَقت مِنْهَا وَلَو أحرم بِالْحَجِّ فِي غير أشهره لم ينْعَقد حجا وانعقد عمره على الْمَذْهَب
وَأما الْمِيقَات المكاني وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ فالشخص إِمَّا مكي أَو غَيره فالمكي أَي الْمُقِيم بهَا سَوَاء كَانَ من أَهلهَا أَو من غَيرهم فميقاته نفس مَكَّة على الرَّاجِح وَقيل مَكَّة وَسَائِر الْحرم فعلى الْأَظْهر لَو أحرم من خَارج مَكَّة وَلَو فِي الْحرم فقد أَسَاءَ وَعَلِيهِ دم لتعديه إِن لم يعد إِلَيْهِ وإحرام الْمَكِّيّ من بَاب دَاره أفضل وَأما الْمُقِيم بِمَكَّة فَإِن كَانَ منزله بَين مَكَّة والمواقيت الشَّرْعِيَّة فميقاته الْقرْيَة الَّتِي يسكنهَا أَو الْحلَّة الَّتِي ينزلها البدوي وَإِن كَانَ منزله وَرَاء الْمَوَاقِيت فميقاته الْمِيقَات الَّذِي يمر عَلَيْهِ والمواقيت خَمْسَة
أَحدهَا ذُو الحليفة وَهُوَ مِيقَات من توجه من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَهُوَ على عشر مراحل من مَكَّة
وَالثَّانِي الْجحْفَة وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب
وَالثَّالِث يَلَمْلَم وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن
وَالرَّابِع قرن بِإِسْكَان الرَّاء المهمله وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من نجد نجد الْحجاز وَهَذِه الْأَرْبَعَة نَص عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة بِلَا خلاف والميقات
الْخَامِس ذَات عرق وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من الْعرَاق وخراسان وَهَذَا أَيْضا مَنْصُوص عَلَيْهِ كالأربعة عِنْد الْأَكْثَرين وَقيل بِاجْتِهَاد عمر ﵁ إِذا عرفت هَذَا فَمن جَاوز
стр. 209
مِيقَاته وَهُوَ مُرِيد للنسك وَأحرم دونه حرم عَلَيْهِ وَلَزِمَه دم وَهُوَ شَاة جَذَعَة ضَأْن أَو ثنية معز لِأَنَّهُ كَانَ يلْزمه الْإِحْرَام من الْمِيقَات فَلَزِمَهُ بِتَرْكِهِ دم وَلما رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا أَنه ﵊ قَالَ
(من ترك نسكا فَعَلَيهِ دم) وَسَوَاء ترك الاحرام عمدا أَو نِسْيَانا وَيلْزمهُ الْعود إِلَى الْمِيقَات إِلَّا لعذر من خوف الطَّرِيق أَو فَوت الْحَج فَإِن عَاد إِلَى الْمِيقَات سقط عَنهُ الدَّم بِشَرْط أَن لَا يكون تلبس بنسك فَإِن تلبس بِنَفْسِك لم يسْقط عَنهُ الدَّم التأدى ذَلِك النّسك بِإِحْرَام نَاقص وَلَا فرق فِي ذَلِك النّسك بَين الْفَرْض كالوقوف وَبَين السّنة كطواف الْقدوم
وَقَول الشَّيْخ وَرمي الْجمار ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات يَعْنِي غير جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الَّتِي ترمى يَوْم النَّحْر يَعْنِي يَوْم الْعِيد وَيَرْمِي إِلَيْهَا سبع حَصَيَات فَقَط فَإِن أَرَادَ أَن يتعجل سقط عَنهُ رمي الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام التَّشْرِيق فَيبقى ثَلَاث يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ الْيَوْم الأول من أَيَّام التَّشْرِيق يُسمى يَوْم القر لأَنهم يقرونَ فِيهِ بمنى وَالْيَوْم الثَّانِي النَّفر الأول وَالثَّالِث النَّفر الثَّانِي وَهِي أَيَّام الرَّمْي ثمَّ عدد حَصى كل يَوْم من هَذِه الْأَيَّام إِحْدَى وَعِشْرُونَ حَصَاة لكل جَمْرَة سبع حَصَيَات وَيشْتَرط فِي رمي الجمرات التَّرْتِيب فِيهِنَّ بِأَن يَرْمِي أَولا الْجَمْرَة الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْأَخِيرَة وَلَا يعْتد برمي الثَّانِيَة قبل الأولى وَلَا بالثالثة قبل الْأَوليين وَلَو ترك حَصَاة وَلم يدر من أَيهَا من الثَّلَاثَة جعلهَا من الأولى وَأعَاد رمي الْجَمْرَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة هَذَا مَا يتَعَلَّق بالجمرات وَأما نفس الرَّمْي فَالْوَاجِب مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الرَّمْي فَلَو وضع الْحجر فِي المرمى لم يعْتد بِهِ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يُسمى رمياً وَيشْتَرط قصد الرَّمْي فَلَو رمى فِي الْهَوَاء فَوَقع المرمي بِهِ فِي المرمى لم يعْتد بِهِ وَلَا يشْتَرط بَقَاء الْحجر فِي المرمى فَلَا يضر تدحرجه بعد ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن تقع الحصيات فِي المرمى فَلَو شكّ فِي وُقُوع الْحَصَى فِيهِ لم يعْتد بِهِ على الْجَدِيد وَيشْتَرط حُصُول الْحَصَاة المرماة بِفِعْلِهِ حَتَّى لَو رمى فَوَقَعت الْحَصَاة على رَأس آدَمِيّ أَو غَيره فحركتها وَوَقعت فِي المرمى فَلَا يعْتد بِهِ لِأَنَّهَا لم تحصل فِي المرمى بِفِعْلِهِ وَلَو وَقعت على الأَرْض وتدحرجت فَوَقَعت فِي المرمى أَجْزَأَ لحصولها فِيهِ بِفِعْلِهِ وَيشْتَرط أَن يرميها بِيَدِهِ فَلَو دَفعهَا بِرَجُل أَو رمى بقوس لم يجز وَيشْتَرط أَن يَرْمِي السَّبع حَصَيَات فِي سبع مَرَّات فَلَو رمى حصاتين دفْعَة ووقعتا فِي المرمى فَهِيَ حَصَاة حَتَّى لَو رمى السَّبع مرّة فَهِيَ حَصَاة وَلَو رمى وَاحِدَة وأتبعها بِأُخْرَى وسبقت الثَّانِيَة الأولى فرميتان وَلَا يشْتَرط كَون الْحَصَى لم يرم بِهِ حَتَّى لَو رمى بِحجر رمى هُوَ بِهِ أَو غَيره أَجْزَأَ هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالرَّمْي وَأما المرمي بِهِ فَيشْتَرط كَونه حجرا فيجزى سَائِر أَنْوَاع الْحجر وَلَا يَجْزِي غَيره ومدار هَذَا الْبَاب على التَّوْقِيف لِأَن فِي مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ فَيجب الِاتِّبَاع وَالله أعلم
стр. 210
(فرع) إِذا عجز عَن الرَّمْي بِنَفسِهِ إِمَّا لمَرض أَو حبس أَو عذر لَهُ أَن يَسْتَنِيب من يَرْمِي عَنهُ لَكِن لَا يَصح رمي النَّائِب عَن المستنيب إِلَّا بعد رمي النَّائِب عَن نَفسه وَيشْتَرط فِي جَوَاز النِّيَابَة أَن يكون الْعذر مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَاله قبل خُرُوج وَقت الرَّمْي فَإِذا وجد الشَّرْط ثمَّ زَالَ الْعذر عَن المستنيب وَالْوَقْت بَاقٍ أَجْزَأَ على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَالله أعلم وَأما عد الشَّيْخ الْحلق من الْوَاجِبَات فَهِيَ طَريقَة وَقد تقدم أَنه ركن وعَلى كل حَال فَلَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ أَو بالتقصير وَأقله ثَلَاث شَعرَات وَفِي حَدِيث جَابر ﵁ عَن أَنه ﵊ أَمر أَصْحَابه أم بحلقوا أَو يقصروا نعم الْأَفْضَل للرِّجَال الْحلق لفعله ﵊ ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع رَوَاهُ مُسلم وَلقَوْله ﵊
(اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين) وَفِي الثَّالِثَة للمقصرين نعم لَو نذر الْحلق قَالَ الْغَزالِيّ لزمَه بِلَا خلاف قَالَ الإِمَام وَنَصّ عَلَيْهِ فَلَا يقوم التَّقْصِير حِينَئِذٍ مقَام الْحلق وللرافعي فِيهِ أشكال وَالله أعلم قَالَ
بَاب سنَن الْحَج
(وَسنَن الْحَج سبع الافراد وَهُوَ تَقْدِيم الْحَج على الْعمرَة والتلبية وَطواف الْقدوم)
قد تقدم أَن الْحَج على ثَلَاثَة أَنْوَاع وَأَن أفضلهَا الافراد وَأما التَّلْبِيَة فتستحب حَال الاحرام لنقل الْخلف عَن السّلف وَالسّنة أَن يكثر مِنْهَا فِي دوَام الاحرام وتستحب قَائِما وَقَاعِدا وراكباً وماشياً وجنباً وحائضاً ويتأكد استحبابها فِي كل صعُود وهبوط وَعند حُدُوث أَمر من ركُوب أَو نزُول وَعند اجْتِمَاع الرفاق وَعند اقبال اللَّيْل وَالنَّهَار وَفِي مَسْجِد الْخيف وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَلَا تسْتَحب فِي طواف الْقدوم وَلَا فِي السَّعْي على الْجَدِيد لِأَن لَهما أذكارا تخصهما وَلَا يُلَبِّي فِي طواف الْإِفَاضَة والوداع بِلَا خلاف لخُرُوج وَقت التَّلْبِيَة لِأَنَّهُ يخرج بِالرَّمْي إِلَى جَمْرَة الْعقبَة فيقطعه مَعَ أول حَصَاة وَيسْتَحب للرجل رفع الصَّوْت بهَا دون الْمَرْأَة بل تقتصر على اسماع نَفسهَا فَإِن رفعت كره وَقيل يحرم وَيسْتَحب أَن يكون صَوت الرجل بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ عقيبها دون صَوته بِالتَّلْبِيَةِ
وَيسْتَحب أَن يقْتَصر على تَلْبِيَة رَسُول الله ﷺ وَهِي لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك لَا شريك لَك لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك والهمزة من ان الْحَمد يجوز فتحهَا وَكسرهَا وَهُوَ أفْصح وَيسْتَحب إِذا فرغ مِنْهَا أَن يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وَأَن يسْأَله رضوانه وَالْجنَّة وَأَن يستعيذه
стр. 211
من النَّار ثمَّ يَدْعُو بِمَا أحب وَلَا يتَكَلَّم فِي أثْنَاء التَّلْبِيَة وَيكرهُ السَّلَام عَلَيْهِ لَكِن لَو سلم عَلَيْهِ رد نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم
وَأما الطّواف فَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع طواف الافاضة وَهُوَ ركن لَا بُد مِنْهُ وَلَا يَصح الْحَج بِدُونِهِ وَطواف الْوَدَاع وَهُوَ وَاجِب وَقيل سنة وَهُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ الشَّيْخ وَطواف الْقدوم وَهُوَ سنة وَيُسمى أَيْضا طواف الْوُرُود وَطواف التَّحِيَّة لِأَنَّهُ تَحِيَّة الْبقْعَة وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه ﵊ طَاف حِين قدم مَكَّة فَلَو دخل وَوجد النَّاس يصلونَ فِي صَلَاة مَكْتُوبَة صلاهَا مَعَهم أَولا وَكَذَا لَو أُقِيمَت الْجَمَاعَة وَهُوَ فِي أثْنَاء الطّواف قطعه وَكَذَا لَو خَافَ فَوت فَرِيضَة أَو سنة مُؤَكدَة وَالطّواف تَحِيَّة الْبَيْت لَا تَحِيَّة الْمَسْجِد
وَاعْلَم أَن الْمَرْأَة الجميلة أَو الشَّرِيفَة الَّتِي تبرز للرِّجَال تُؤخر الطّواف إِلَى اللَّيْل وَلَو كَانَ الشَّخْص مُعْتَمِرًا فَطَافَ للْعُمْرَة أَجزَأَهُ عَن طواف الْقدوم كَمَا تجزىء الْفَرِيضَة عَن تَحِيَّة الْمَسْجِد وَالله أعلم قَالَ
(وَالْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة وركعتا الطّواف)
الْمبيت بِمُزْدَلِفَة مُخْتَلف فِيهِ فَقيل إِنَّه ركن وَبِه قَالَ ابْن بنت الشَّافِعِي وَابْن خُزَيْمَة وَمَال إِلَيْهِ ابْن الْمُنْذر وَقواهُ السُّبْكِيّ والاسنائي وَقيل إِنَّه سنة وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الرَّافِعِيّ والمنهاج وَهُوَ الَّذِي قَالَه الشَّيْخ وَقيل إِنَّه وَاجِب وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب فعلى هَذَا لَو لم يبت بهَا لزمَه دم وَبِمَ يحصل الْمبيت فِي طرق الرَّاجِح عِنْد الرَّافِعِيّ بمعظم اللَّيْل كَمَا لَو حلف ليبيتن فَإِنَّهُ لَا يبرأ إِلَّا بذلك وَالرَّاجِح عِنْد النَّوَوِيّ أَنه يحصل بلحظة من النّصْف الثَّانِي وَالله أعلم
وَاخْتلف فِي رَكْعَتي الطّواف يَعْنِي طواف الْفَرْض فَقيل بوجوبهما وَالصَّحِيح عدم وجوبهما لقَوْله ﵊
(خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَقَالَ هَل عَليّ غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع) وَالله أعلم قَالَ
(وَالْمَبِيت بمنى وَطواف الْوَدَاع)
اخْتلف فِي مبيت ليَالِي منى فَقيل بِوُجُوبِهِ وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَنَّهُ ﵊ بَات بهَا وَقَالَ
(خُذُوا عني مَنَاسِككُم) وَقيل أَنه يسْتَحبّ وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ
стр. 212
وَصَححهُ الرَّافِعِيّ وَبِه قطع بَعضهم كالمبيت بمنى لَيْلَة عَرَفَة ثمَّ فِي الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ الْمبيت خلاف الرَّاجِح مُعظم اللَّيْل فعلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ لَو ترك الْمبيت ليَالِي منى لزمَه دم على الصَّحِيح وَقيل يجب لكل لَيْلَة دم وَإِن تَركه لَيْلَة فأقوال أظهرها يجْبر بِمد وَقيل بدرهم وَقيل بِثلث دم
ثمَّ هَذَا فِي حق غير المعذورين أما من ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة وَمنى لعذر كمن وصل إِلَى عَرَفَة لَيْلَة النَّحْر واشتغل بِالْوُقُوفِ عَن مبيت مُزْدَلِفَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَكَذَا لَو أَفَاضَ من عَرَفَة إِلَى مَكَّة وَطَاف للافاضة بعد نصف اللَّيْل ففاته الْمبيت فَقَالَ الْقفال لَا شَيْء عَلَيْهِ لاشتغاله بِالطّوافِ وَمن المعذورين من لَهُ مَال يخَاف ضيَاعه لَو اشْتغل بالمبيت أَو من لَهُ مَرِيض يحْتَاج إِلَى تعهده أَو طلب ضَالَّة أَو آبق فَالصَّحِيح فِي هَؤُلَاءِ وَنَحْوهم أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِم بترك الْمبيت وَلَهُم أَن ينفروا بعد الْغُرُوب وَالله أعلم قَالَ
(ويتجرد عِنْد الاحرام ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين)
إِذا أَرَادَ الرجل الْإِحْرَام نزع الْمخيط وَهل نزع ذَلِك أدب كَمَا ذكره الشَّيْخ أَو وَاجِب الَّذِي جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي آخر كَلَامه أَنه يجب التجرد عَن الْمخيط قَالَ لِئَلَّا يصير لابساً للمخيط فِي حَال إِحْرَامه وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نعم كَلَام الْمُحَرر والمنهاج يقْضِي اسْتِحْبَابه وَبِه صرح النَّوَوِيّ فِي مَنَاسِكه وَجعله من الْآدَاب قَالَ الاسنائي وَهُوَ الْمُتَّجه لِأَنَّهُ قبل الْإِحْرَام لم يحصل سَبَب وجوب النزع وَلِهَذَا لَا يجب إرْسَال الصَّيْد قبل الْإِحْرَام بِلَا خلاف وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَنه لَو علق الطَّلَاق على الْوَطْء فَإِن الْمَشْهُور أَن لَا يمْتَنع عَلَيْهِ فَإِذا تجرد فَيُسْتَحَب أَن يلبس إزاراً ورداء أبيضين ونعلين لقَوْل ابْن الْمُنْذر ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(ليحرم أحدكُم فِي إِزَار ورداء أبيضين ونعلين) وَقد ورد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه ﵊
(أحرم فِي إِزَار ورداء) وَكَذَا أَصْحَابه رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن جَابر وَأما الْبيض فَلقَوْله ﷺ
(إلبسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم) وَيسْتَحب أَن يَكُونَا جديدين فَإِن لم يكن فنظيفين وَيكرهُ الْمَصْبُوغ وَالله أعلم وَيسْتَحب أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَتكره هَذِه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة على الصَّحِيح وَلَو صلى
стр. 213
الْفَرِيضَة أغنت عَن رَكْعَتي الْإِحْرَام وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن السّنة الرَّاتِبَة تغني عَنْهُمَا أَيْضا وَالله أعلم قَالَ
بَاب مُحرمَات الاحرام
(فصل وَيحرم على الْمحرم عشرَة أَشْيَاء لبس الْمخيط وتغطية الرَّأْس من الرجل وَالْوَجْه من الْمَرْأَة)
إِذا أحرم الرجل حرم عَلَيْهِ أَنْوَاع
الأول اللّبْس فِي جَمِيع بدنه وَرَأسه بِمَا يعد لبساً سَوَاء كَانَ مخيطاً كالقميص والسراويل أَو غَيره كالعمامة والإزار لما ورد
(أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب فَقَالَ لَا تلبسوا من الثِّيَاب الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا السراويلات وَلَا البرانس وَلَا الْخفاف إِلَّا أَن لَا يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَلَا تلبسوا من الثِّيَاب مَا مَسّه ورس أَو زعفران) وَأما فِي الرَّأْس الْخُفَّيْنِ فَلقَوْله ﷺ فِي الْمحرم الَّذِي خر عَن بعيره مَيتا
٠ - لَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبياً) وَلَا فرق بَين الْمُتَّخذ من الْقطن والكتان والجلود واللبود وَالضَّابِط أَنه تجب الْفِدْيَة بستر مَا يعد ساتراً حَتَّى أَنه لَو طلى رَأسه بطين ثخين أَو حناء أَو مرهم ثخين وَجَبت الْفِدْيَة وَلَا يضر وضع الْيَد على الرَّأْس وَلَا حمل الزنبيل وَنَحْوه وَلَا يشْتَرط لوُجُوب الْفِدْيَة ستر جَمِيع الرَّأْس كَمَا لَا يشْتَرط فِي فديَة الْحلق اسْتِيعَاب الرَّأْس بل يجب بستر قدر يقْصد بستره لغَرَض كستر عصابته ولزقه لجرح وَنَحْوه وَالضَّابِط أَنه تجب الْفِدْيَة بِمَا يُسمى ساتراً سَوَاء ستر كل الرَّأْس أَو بعضه وَلَا تجب الْفِدْيَة بتغطيته بيد الْغَيْر على الْمَذْهَب وَلَو ألْقى القباء أَو الفرجية على كَتفيهِ لَزِمته
стр. 214
الْفِدْيَة وَإِن لم يخرج أكمامه لصدق اسْم اللّبْس بذلك سَوَاء طَال الزَّمَان أم قصر وَلَو ارتدى بالفرجية أَو التحف بذلك وَنَحْوه فَلَا وَكَذَا لَو ائتزر بسراويل فَلَا فديَة كَمَا لَو ائتزر بإزار لفقه من رقاع وَيجوز أَن يعْقد الْإِزَار وَهُوَ الَّذِي يشده ليستر عَوْرَته وَيجوز أَن يشد عَلَيْهِ خيطاً وَيجوز أَن يَجْعَل لَهُ مثل مَوضِع التكة وَيدخل فِيهِ خيطاً وَأما الرِّدَاء وَهُوَ الَّذِي يوضع على الأكتاف فَلَا يجوز عقده وَلَا تخليله بخلال وَلَا بمسلة وَلَا ربط طرفه بطرفه الآخر بخيط كَمَا يَفْعَله الْعَوام يضع أحدهم حَصَاة صَغِيرَة ويعقدها بخيط والطرف الآخر كَذَلِك فَهَذَا حرَام وَتجب فِيهِ الْفِدْيَة وَله أَن يتقلد السَّيْف ويشد الهيمان على وَسطه هَذَا كُله فِي الرجل
وَأما الْمَرْأَة فَالْوَجْه فِي حَقّهَا كرأس الرجل وتستر جَمِيع رَأسهَا وبدنها بالمخيط وَلها أَن تستر وَجههَا بِثَوْب أَو خرقَة بِشَرْط أَلا يمس وَجههَا سَوَاء كَانَ لحَاجَة أَو لغير حَاجَة من حر أَو برد أَو خوف فتْنَة وَنَحْو ذَلِك فَلَو أصَاب السَّاتِر وَجههَا باختيارها لَزِمَهَا الْفِدْيَة وَإِن كَانَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا فَإِن إِزَالَته فِي الْحَال فَلَا فديَة وَإِلَّا وَجَبت الْفِدْيَة ثمَّ هَذَا كُله حَيْثُ لَا عذر أما الْمَعْذُور كمن احْتَاجَ إِلَى ستر رَأس أَو لبس ثِيَابه لحر أَو برد أَو مداواة ستر وَجَبت الْفِدْيَة وَالله أعلم
(فرع) إِذا لبس الْمحرم وَطيب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحرم عَلَيْهِ تعدّدت الْفِدْيَة سَوَاء كَانَ ذَلِك متوالياً أَو مُتَفَرقًا لاخْتِلَاف جنس ذَلِك كَمَا لَو زنى وسرق فَإِنَّهُ يقطع وَيحد وَإِن اتَّحد بِأَن لبس ثمَّ لبس وتكرر ذَلِك مِنْهُ أَو تطيب مرَارًا لزمَه لكل مرّة كَفَّارَة على الصَّحِيح سَوَاء كَانَ بِغَيْر عذر أَو بِعُذْر هَذَا إِذا فعله فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة أما لَو والى بَين اللّبْس مرَارًا أَو التَّطَيُّب بِحَيْثُ يعد فِي الْعرف متوالياً لزمَه فديَة وَاحِدَة وَالله أعلم قَالَ
(وترجيل الشّعْر وَحلق الشّعْر وتقليم الْأَظْفَار)
ترجيل الشّعْر تسريحه وَهُوَ مَكْرُوه وَكَذَا حكه بالظفر قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَلَو فعل فانتتفت شَعرَات لزمَه الْفِدْيَة فَلَو شكّ هَل كَانَ منتتفاً أَو انتتف بالمشط فالراجح أَنه لَا فديَة عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَيُمكن حمل كَلَام الشَّيْخ على مَا إِذا علم أَن التسريح ينتف الشّعْر لتلبد وَنَحْوه وَأما إِزَالَة الشّعْر بِالْحلقِ فَحَرَام لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحَله﴾ وَلَا فرق بَين شعر الرَّأْس وَشعر سَائِر الْبدن وَلَا فرق بَين الْحلق والنتف والقص والاحراق وَكَذَا الْإِزَالَة بالنورة وَنَحْو ذَلِك وَلَو عبر الشَّيْخ بالإزالة لشمل ذَلِك وَإِزَالَة الظفر كالشعر وَلَا فرق بَين القص وَالْقطع بِالسِّنِّ وَالْكَسْر وَغير ذَلِك وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الظفر الْوَاحِد وَغَيره كَمَا فِي الشّعْر وَالله أعلم قَالَ
стр. 215
(وَالطّيب)
من الْأَنْوَاع الْمُحرمَة على الْمحرم اسْتِعْمَال الطّيب فِي الثَّوْب وَالْبدن لِأَن ترفه والحاج أَشْعَث أغبر كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَلَا فرق بَين اسْتِعْمَاله فِي الظَّاهِر أَو الْبَاطِن كَمَا لَو استنشقه أَو احتقن بِهِ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الأخشم وَغَيره كَمَا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب ثمَّ الطّيب هُوَ مَا ظهر فِيهِ غَرَض التَّطَيُّب كالورد والياسمين والبنفسج وَالريحَان الْفَارِسِي وَأما اسْتِعْمَاله فَهُوَ أَن يلصق الطّيب بِيَدِهِ أَو ثِيَابه على الْوَجْه الْمُعْتَاد فِي ذَلِك فَلَو احتوى على مبخرة أَو حمل فَأْرَة مسك مشقوقة أَو مَفْتُوحَة أَو جلس على فرَاش مُطيب أَو أَرض مطيبة أَو شده فِي طرف ثَوْبه أَو جعله فِي جيبه أَو لبست الْمَرْأَة الْحلِيّ المحشو بِهِ حرم وَلَو حمل مسكاً أَو غَيره فِي كيس أَو خرقه مشدودة لم يحرم شمه أم لَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَلَو وطئ بنعله طيبا حرم عَلَيْهِ كَذَا أطلقهُ الرَّافِعِيّ وَشرط الْمَاوَرْدِيّ أَن يعلق بِهِ شَيْء مِنْهُ وَنَقله عَن نَص الشَّافِعِي وَالله أعلم وكما يحرم عَلَيْهِ التَّطَيُّب يحرم عَلَيْهِ أكل مَا فِيهِ طيب ظَاهر الطّعْم واللون والرائحة لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل للطيب والترفه فَلَو ظهر طعمه وريحه حرم أَيْضا وَكَذَا الطّعْم مَعَ اللَّوْن وَكَذَا الرّيح وَحده وَالله أعلم قَالَ
(وَقتل الصَّيْد)
أجمع النَّاس على تَحْرِيم قتل الصَّيْد على الْمحرم وَالصَّيْد كل متوحش طبعا لَا يُمكن أَخذه إِلَّا بحيلة وَالْمرَاد بالمتوحش الْجِنْس فَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يسْتَأْنس أم لَا وَلَا فرق فِي الصَّيْد بَين الْوَحْش وَالطير لصدق الإسم عَلَيْهِ وكما يحرم الْقَتْل يحرم الِاصْطِيَاد وَهَذَا بالاجماع وَقد نَص الْقُرْآن على مَنعه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وكما يحرم قَتله يحرم التَّعَرُّض لَهُ بالإيذاء لأجزائه بِالْجرْحِ وَغَيره وكما يشْتَرط أَن يكون وحشياً وَإِن استأنس فَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون مَأْكُولا أَو فِي أَصله مَأْكُولا فَلَا يحرم الأنسي وَإِن توحش لِأَنَّهُ لَيْسَ بصيد
وَأما غير الْمَأْكُول إِذا لم يكن فِي أَصله مَأْكُولا فَلَا يحرم التَّعَرُّض لَهُ وَلَا فدَاء على الْمحرم فِي قَتله بل فِي هَذَا النَّوْع يسْتَحبّ قَتله للْمحرمِ وَغَيره وَهِي المؤذيات بل فِي كَلَام الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْأَطْعِمَة مَا يَقْتَضِي الْوُجُوب كالحية وَالْعَقْرَب والفأر وَالْكَلب الْعَقُور والغراب والشوحة وَالذِّئْب والأسد وَالنُّمُور والدب والنسر وَالْعِقَاب والبرغوث والبق والزنبور وَلَو ظهر الْقمل على الْمحرم لم يكره تنحيته وَلَو قَتله لم يلْزمه شَيْء نعم يكره أَن يفلي رَأسه ولحيته فَإِن فعل وَأخرج قملة وقتلها تصدق وَلَو بلقمة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَهَذَا التَّصَدُّق مُسْتَحبّ وَقيل
следующие страницы →