← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6140

كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار

تقي الدين الحصني

Полный текст (576 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كتاب السَّبق وَالرَّمْي (وَتَصِح الْمُسَابقَة على الدَّوَابّ والمناضلة بِالسِّهَامِ إِذا كَانَت الْمسَافَة مَعْلُومَة وَصفَة المناضلة مَعْلُومَة) الْمُسَابقَة تطلق على الْمُسَابقَة بِالْخَيْلِ والسهام إِلَّا أَنَّهَا بِالْخَيْلِ تخْتَص بالرهان وبالسهام تخْتَص بالنضال وَالْأَصْل فِي ذَلِك الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الْآيَة قَالَ ﵊ أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي وَفِي السّنة أَنه ﵊ سَابق بَين الْخَيل الَّتِي أضمرت من الحيفاء وَكَانَ أمدها من ثنية الْوَدَاع وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضمر من الثَّنية إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق وَكَانَت نَاقَته ﵊ العضباء لَا تسبق فجَاء أَعْرَابِي على قعُود فسبقها فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن حَقًا على الله أَن لَا يرفع شَيْئا من هَذِه الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وَأما الرَّمْي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا ورد أَنه ﵊ قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه

стр. 527

فَلَيْسَ منا أَو قد عصى الله وَيجوز شَرط المَال فِي المناضلة والمسابقة لقَوْله ﵊ رهان الْخَيل طلق أَي حَلَال وَقيل لعُثْمَان ﵁ أَكُنْتُم تراهنون على عهد رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم وَلِأَن فِيهِ حثاً على الاستعداد للْجِهَاد وَيجوز على الدَّوَابّ إِذا كَانَت الْمسَافَة مَعْلُومَة لما تقدم من الْخَبَر وَتَكون مَعْلُومَة الِابْتِدَاء والانتهاء وَيُمكن وُصُول الدابتين إِلَيْهَا غَالِبا لِأَنَّهُمَا لَو تسابقا لَا إِلَى غَايَة لم يُؤمن من أَن تعطب الْفرس لِأَن كلا يحرص على المَال وَدفع عَار السَّبق وَلِأَنَّهُ تتعذر الْبَيِّنَة على السَّبق فِي مثل ذَلِك وَأما المناضلة فَلَا بُد من الْعلم بهَا أَيْضا إِمَّا بالمسافة وَالْعلم بهَا إِمَّا بِالشّرطِ أَو بِأَن تكون هُنَاكَ عَادَة فَلَو ذكر غَايَة لَا تبلغها السِّهَام بَطل العقد أَو بالاصابة كخمسة من عشْرين ولبينا أَيْضا صفة الاصابة من القرع وَهِي الاصابة الْمُجَرَّدَة أَو الْخرق وَهُوَ أَن يثقب الْغَرَض وَلَا يثبت فِيهِ أَو الخسق وَهُوَ أَن يثبت فِي الْغَرَض أَو الخرم وَهُوَ أَن يقطع الْغَرَض أَو المرق وَهُوَ أَن ينفذ من الْغَرَض من الْجَانِب الآخر وَإِذا أطلق العقد حمل على القرع لِأَنَّهُ الْمُتَعَارف وَالله أعلم (فرع) تناضلا على أَن يكون المَال لأبعدهما رمياً أَو لم يقصدا غَرضا صَحَّ على الْأَصَح لِأَن الابعاد مَقْصُود أَيْضا فِي مُقَابلَة القلاع وَغَيرهَا وَحُصُول الإرعاب وامتحان شدَّة الساعد وَقَالَ امام الْحَرَمَيْنِ وَالَّذِي أرَاهُ على هَذَا أَنه يشْتَرط اسْتِوَاء القوسين فِي الشدَّة ويراعى خفَّة السهْم ورزانته لِأَنَّهُمَا يؤثران فِي الْقرب والبعد تَأْثِيرا عَظِيما وَالله أعلم قَالَ (وَيخرج الْعِوَض أحد المتسابقين حَتَّى إِذا سبق استرده وَإِن سبق أَخذه صَاحبه فَإِن أَخْرجَاهُ مَعًا لم يجز إِلَّا أَن يدخلا محللاً بَينهمَا إِن سبق أَخذه وَإِن سبق لم يغرم) المَال الْمخْرج للمسابقة قد يُخرجهُ أحد المتسابقين وَقد يخرجَاهُ مَعًا وَكِلَاهُمَا ذكره الشَّيْخ فَإِن أخرجه أَحدهمَا على أَن من سبق مِنْهُمَا أحرزه جَازَ لِأَنَّهُ ﵊ مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون وَقد سبق أَحدهمَا الآخر فأقرهما على ذَلِك وَلِأَن الْمَقْصُود يحصل بذلك مَعَ خلوه عَن الْقمَار لِأَن الْمخْرج حَرِيص على أَن يسْبق لِئَلَّا يغرم وَالْآخر حَرِيص حَتَّى يَأْخُذهُ وَإِن أخرجه المتسابقان على أَن من سبق مِنْهُمَا أَخذ الْجَمِيع لم يجز لقَوْله ﵊ من أَدخل فرسا بَين فرسين وَقد أَمن أَن يسبقهما فَهُوَ قمار وَإِن لم يَأْمَن أَن يسْبق فَلَيْسَ بقمار فَإِذا كَانَ قماراً عِنْد

стр. 528

الْأَمْن من سبق فرس الْمُحَلّل فَعِنْدَ عدم الْمُحَلّل أولى وَلِأَن معنى الْقمَار مَوْجُود فِيهِ فَإِن كلا مِنْهُمَا دائر بَين أَن يغنم وَيغرم وَهَذَا هُوَ الْقمَار فَإِذا دخل محللا كفؤ لَهما لَا يخرج شَيْئا فَيجوز للْخَبَر وَلِأَنَّهُ خرج عَن صُورَة الْقمَار قلت إِلَّا أَن عِلّة الْقمَار مَوْجُودَة لِأَن كلا مِنْهُمَا دائر بَين أَن يغنم وَيغرم وَالله أعلم (فرع) لَو شَرط على السَّابِق أَنه يطعم المَال أَصْحَابه بَطل العقد على الصَّحِيح وَقيل يَصح والاطعام وعد وَقيل يَصح العقد وَلَا عوض وَقيل يَصح العقد وَيجب عوض الْمثل وَالله أعلم (فرع) تجوز الْمُسَابقَة على الْحمير على الْمَذْهَب وَلَا تجوز الْمُسَابقَة على الْبَقر على الْمَذْهَب وَلَا على مَا لَا يصلح للحرب وَإِن كَانَ من الْخَيل كالجذع وَلَا تجوز على الْكَلْب وَتجوز على الْحمام وَغَيره من الطُّيُور بِلَا عوض وَالأَصَح الْمَنْع بِالْعِوَضِ وَلَا تجوز الْمُسَابقَة باشالة الْحجر بِالْيَدِ على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَأما مرامات الْأَحْجَار وَهُوَ أَن يَرْمِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْحجرِ إِلَى صَاحبه فباطلة قطعا وَتجوز الْمُسَابقَة على الْأَقْدَام والسباحة فِي المَاء والصراع بِلَا عوض وَالأَصَح الْمَنْع بِالْعِوَضِ وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ تسابقت أَنا وَرَسُول الله ﷺ فسبقته فلبثنا حَتَّى إِذا أرهقني اللَّحْم سابقني فَسَبَقَنِي فَقَالَ ﵊ هَذِه بِتِلْكَ (فرع) لَا تجوز الْمُسَابقَة على مناطحة الكباش ومهارشة الديكة لَا بعوض وَلَا بِغَيْرِهِ وَكَذَا لَا يجوز عقد الْمُسَابقَة على اللّعب بالشطرنج والخاتم والأكرة وَرمي البندق وَمَعْرِفَة مَا فِي الْيَد من زوج وفرد وَسَائِر أَنْوَاع اللّعب وَالله أعلم قَالَ

стр. 529

كتاب الْإِيمَان وَالنُّذُور بَاب الْيَمين (لَا تَنْعَقِد الْيَمين إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى أَو باسم من أَسْمَائِهِ أَو صفة من صِفَات ذَاته) الْيَمين فِي أصل اللُّغَة الْيَد الْيُمْنَى وأطلقت على الْحلف لأَنهم كَانُوا إِذا تحالفوا أَخذ كل بِيَمِين صَاحبه وَقيل لِأَن الْيَمين تحفظ الشَّيْء كَمَا تحفظه الْيَد وَالْيَمِين وَالْحلف وَالْإِيلَاء وَالْقسم أَلْفَاظ مترادفة وَهِي فِي الشَّرْع تَحْقِيق الْأَمر أَو توكيده بِذكر الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ هُنَا وَقَالَ بَعضهم تَحْقِيق مَا يحْتَمل الْمُخَالفَة أَو تأكيده وَأَظنهُ ابْن الرّفْعَة وَهُوَ معنى مَا ذكرَاهُ وأوضح من هَذِه الْعبارَة مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي الطَّلَاق أَن الْحلف مَا تعلق بِهِ حنث أَو منع أَو تَحْقِيق خبر وَالْأَصْل فِي الْأَيْمَان الْآيَات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وَغَيرهَا وَمن السّنة أَحَادِيث كَثِيرَة جدا مِنْهَا حلفه ﷺ وَالله لأغزون قُريْشًا وَقَول ابْن عمر ﵄ أَنه ﵊ كَانَ كثيرا

стр. 530

مَا يحلف فَيَقُول لَا ومقلب الْقُلُوب وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار ثمَّ الْيَمين لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِمَا ذكره الشَّيْخ وَلَا شكّ أَن الْأَسْمَاء على ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا مَا يخْتَص بِاللَّه تَعَالَى وَلَا يُطلق فِي حق غَيره كالله وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين وخالق الْخلق والحي الَّذِي لَا يَمُوت وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا تَنْعَقِد بِهِ الْيَمين سَوَاء أطلق أم نوى الله تَعَالَى أَو غَيره وَإِذا قَالَ قصدت غَيره لم يقبل ظَاهرا قطعا وَكَذَا لَا يقبل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى على الصَّحِيح الثَّانِي مَا يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره إِلَّا أَن الْأَغْلَب اسْتِعْمَاله فِي حق الله تَعَالَى ويقيد فِي حق غَيره بِضَرْب من التَّقْيِيد كالجبار وَالْحق والرب والمتكبر والقادر والقاهر وَنَحْو ذَلِك فَإِذا حلف باسم مِنْهَا وَنوى الله أَو أطلق فيمين فَإِذا نوى غير الله تَعَالَى فَلَيْسَ بِيَمِين الثَّالِث مَا يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره على السوَاء كالحي وَالْمَوْجُود والغني والكريم وَنَحْو ذَلِك فَإِن نوى غير الله أَو أطلق فَلَيْسَ بِيَمِين وَإِن نوى الله تَعَالَى فَفِيهِ خلاف الْأَصَح فِي الرَّافِعِيّ وَبِه أجَاب الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَابْن الصّباغ وَسَائِر الْعِرَاقِيّين وَالْإِمَام وَالْغَزالِيّ لَا يكون يَمِينا لِأَن الْيَمين إِنَّمَا تَنْعَقِد باسم مُعظم وَهَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي تطلق فِي حق الْخَالِق والمخلوق إطلاقاً وَاحِدًا لَيْسَ لَهَا حُرْمَة وَلَا عَظمَة وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَنه يَمِين وَبِه قطع الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَصَاحب التَّنْبِيه والجرجاني وَغَيرهمَا من الْعِرَاقِيّين لِأَنَّهُ اسْم يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره وَقد نَوَاه وَقَوْلهمْ لَيْسَ لَهُ حُرْمَة مَمْنُوع وَالله أعلم قلت وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَصَاحب التَّقْرِيب وَأَبُو يَعْقُوب ونقلوه عَن شُيُوخ الْأَصْحَاب وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن كثير اسْتِعْمَاله فِي الله تَعَالَى وَقل فِي غَيره فَيكون يَمِينا ظَاهرا لَا بَاطِنا وَاعْلَم أَن السَّمِيع والبصير والعليم والحكيم من هَذَا النَّوْع على الْأَصَح لَا من الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ (وَمن حلف بِصَدقَة مَاله فَهُوَ مُخَيّر بَين الصَّدَقَة وَالْكَفَّارَة وَلَا شَيْء فِي لَغْو الْيَمين) هَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا شبه بِالْيَمِينِ من حَيْثُ إِن فِيهَا حثاً أَو منعا وَلِهَذَا ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَلها شبه بِالنذرِ من حَيْثُ الِالْتِزَام وَلِهَذَا ذكرهَا فِي الرَّوْضَة فِي بَاب النّذر وللأصحاب فِيهَا فِيمَا يلْزمه خلاف منتشر حَاصله يرجع إِلَى ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا يلْزمه الْوَفَاء بِمَا الْتزم لِأَنَّهُ الْتزم عبَادَة فِي مُقَابلَة شَرط فَيلْزمهُ عِنْد وجود الشَّرْط

стр. 531

وَالثَّانِي يلْزمه كَفَّارَة يَمِين لقَوْله ﷺ كَفَّارَة النذور كَفَّارَة الْيَمين وَرُوِيَ أَن رجلا قَالَ لعمر ﵁ إِنِّي جعلت مَالِي فِي رتاج الْكَعْبَة إِن كلمت أخي فَقَالَ إِن الْكَعْبَة لغنية عَن مَالك كلم أَخَاك وَكفر عَن يَمِينك وَرُوِيَ نَحوه عَن عَائِشَة وَحَفْصَة وَأم سَلمَة ﵅ وَكَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵃ وَلم يظْهر لَهُم مُخَالف وَهَذَا مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ وَقطع بِهِ جمَاعَة لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى يَمِين الْوَجْه الثَّالِث أَنه يتَخَيَّر بَين الْوَفَاء بِمَا الْتزم وَبَين أَن يكفر كَفَّارَة يَمِين لِأَنَّهُ يشبه النّذر من حَيْثُ إِنَّه الْتِزَام قربَة وَالْيَمِين من حَيْثُ إِن مَقْصُوده مَقْصُود الْيَمين فَلَا سَبِيل إِلَى الْجمع بَين موجبيهما وَلَا إِلَى تعطيلهما فَوَجَبَ التَّخْيِير وَهَذِه الْمَسْأَلَة يعبر عَنْهَا تَارَة بِنذر اللجاج وَالْغَضَب وَيُقَال لَهَا أَيْضا نذر الغلق وَيَمِين الغلق لِأَنَّهُ يغلق عَنهُ مَا يُرِيد فعله أَو تَركه وَصورتهَا كَأَن يَقُول إِن كلنت فلَانا أَو دخلت دَاره أَو إِن لم أسافر أَو إِن سَافَرت وَنَحْو ذَلِك فَللَّه عَليّ صَوْم شَهْرَيْن أَو صَلَاة أَو اعتاق رَقَبَة أَو أَتصدق بِمَال أَو أحج وَنَحْو ذَلِك ثمَّ يفعل الْمُعَلق عَلَيْهِ وَقيل يلْزمه الْحَج أَو الْعمرَة تَفْرِيعا على قَول التَّخْيِير لِأَن الْحَج أَو الْعمرَة لما كَانَا يلزمان بِالدُّخُولِ فيهمَا لقوتهما دون غَيرهمَا لزما بِالنذرِ وَهُوَ ضَعِيف جدا لِأَن الْعتْق أَيْضا يلْزم اتمامه بالتقويم وَهُوَ لَا يلْزم بِالنذرِ وَالله أعلم (فرع) إِذا قَالَ شخص إِن فعلت كَذَا فعلي كَفَّارَة يَمِين لَزِمته بِلَا خلاف وَإِن قَالَ فَللَّه عَليّ يَمِين فَالْأَصَحّ أَنه لَغْو فَإِنَّهُ لم يَأْتِ بِنذر وَلَا بِصِيغَة يَمِين وَلَيْسَت الْيَمين مِمَّا يثبت فِي الذِّمَّة وَقيل يلْزمه كَفَّارَة يَمِين وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَلَا شَيْء فِي لَغْو الْيَمين صورته فِيمَن سبق لِسَانه إِلَى لفظ الْيَمين بِلَا قصد كَقَوْلِه فِي حَال غَضَبه لَا وَالله بلَى وَالله وَكَذَا فِي حَال عجلته أَو صلَة كَلَامه فَهَذَا لَا ينْعَقد يَمِينه وَلَا تتَعَلَّق بِهِ كَفَّارَة وَاحْتج لَهُ بقوله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَت عَائِشَة ﵂ وَهُوَ قَول الْإِنْسَان لَا وَالله وبلى وَالله وَفِي رِوَايَة عَنْهَا هُوَ قَول الرجل فِي بَيته كلا وَالله وبلى وَالله وروى ابْن عَبَّاس ﵄ مثل قَول عَائِشَة ﵂ وَفِي معنى اللجاج وَالْغَضَب مَا لَو كَانَ يحلف على شَيْء فَسبق لِسَانه إِلَى غَيره فَكل هَذَا يُسمى لَغْو الْيَمين فَإِذا حلف وَقَالَ لم أقصد الْيَمين صدق وَفِي الطَّلَاق وَالْعتاق وَالْإِيلَاء لَا يصدق فِي الظَّاهِر قَالَ الإِمَام وَالْفرق أَن الْعَادة جَارِيَة بإجراء لفظ الْيَمين بِلَا قصد بِخِلَاف الطَّلَاق

стр. 532

وَالْعتاق فدعواه فيهمَا يُخَالف الظَّاهِر فَلَا يقبل وَلَو اقْترن بِالْيَمِينِ مَا يدل على الْقَصْد لم يقبل قَوْله على خلاف الظَّاهِر وَالله أعلم قلت قَضِيَّة هَذَا الْفرق أَن يقبل قَول أهل الْبَوَادِي من أجلاف الفلاحين وَمن نحا نحوهم فَإِن الْحلف بِالطَّلَاق عِنْدهم فِي الْكَثْرَة أَكثر من الْحلف بالأيمان وَيَنْبَغِي أَن يفرق بِأَن الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق أَمر يتَعَلَّق بالإبضاع وَالْحريَّة فاحتيط فيهمَا بِعَدَمِ الْقبُول لتأكد أَمرهمَا وَالله أعلم (فرع) إِذا قَالَ شخص إِن فعلت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو بَرِيء من الله أَو من رَسُوله أَو مستحل الْخمر وَنَحْوه لم يكن يَمِينا وَلَا كَفَّارَة فِي الْحِنْث بِهِ ثمَّ إِن قصد بذلك تبعيد نَفسه عَنهُ يَعْنِي عَن هَذَا الْيَمين لم يكفر وَإِن قصد بِهِ الرِّضَا بذلك أَو مَا فِي مَعْنَاهُ إِذا فعله فَهُوَ كَافِر فِي الْحَال وَإِذا لم يكفر فِي الصُّورَة الأولى فَلْيقل لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ويستغفر الله تَعَالَى وَيسْتَحب لكل من تكلم بقبيح أَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَتجب التَّوْبَة من كل كَلَام محرم وَالله أعلم قَالَ (وَمن حلف أَن لَا يفعل شَيْئا فَأمر غَيره بِفِعْلِهِ لم يَحْنَث وَمن حلف لَا يفعل شَيْئَيْنِ فَفعل أَحدهمَا لم يَحْنَث) اعْلَم أَن مدَار الْبر أَو الْحِنْث رَاجع إِلَى مُقْتَضى اللَّفْظ الَّذِي تعلّقت بِهِ الْيَمين فَإِذا حلف لَا يضْرب عَبده أَو لَا يَبِيع أَو لَا يَشْتَرِي فَوكل غَيره لم يَحْنَث لِأَن مُقْتَضى اللَّفْظ أَن لَا يُبَاشر ذَلِك بِنَفسِهِ نعم إِن أَرَادَ الْمَعْنى الْمجَازِي بِأَن حلف أَن لَا يَشْتَرِي الشَّيْء الْفُلَانِيّ وَأَرَادَ عدم دُخُوله فِي ملكه فَإِنَّهُ يَحْنَث لِأَنَّهُ غلظ على نَفسه وَيُقَاس بِمَا ذكرته مَا يشابه ذَلِك وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْحلف بِاللَّه أَو الطَّلَاق وَالله أعلم وَإِذا حلف على شَيْئَيْنِ فَفعل أَحدهمَا لم يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يُوجد الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَمَا إِذا حلف لَا يَأْكُل هذَيْن الرغيفين فَأكل أَحدهمَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَيُقَاس بِهَذِهِ الصُّورَة مَا شابهها وَالله أعلم (فرع) لَو حلف شخص أَن لَا يتَزَوَّج فَوكل شخصا قبل لَهُ نِكَاح امْرَأَة فَهَل يَحْنَث فِيهِ وَجْهَان لَيْسَ فِي الرَّوْضَة والشرحين هُنَا تَصْحِيح وَفِي التَّنْبِيه أَنه لَا يَحْنَث كَالْبيع وَسكت النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي التَّصْحِيح وَالَّذِي فِي الْمُحَرر والمنهاج أَنه يَحْنَث وَهُوَ الصَّحِيح وَقد جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب النِّكَاح فِي بَاب الْأَوْلِيَاء عِنْد تَوْكِيل الْوَكِيل وَالله أعلم قَالَ وَكَفَّارَة الْيَمين هُوَ مُخَيّر فِيهَا بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء عتق رَقَبَة أَو إطْعَام عشرَة مَسَاكِين كل مِسْكين مدا أَو كسوتهن ثوبا ثوبا فَإِن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام) سميت الْكَفَّارَة كَفَّارَة لِأَنَّهَا تكفر الذَّنب أَي تستره وَلِهَذَا سمي الاكار كَافِرًا أَي الْفَلاح لِأَنَّهُ

стр. 533

يستر الْبذر وَمِنْه الْكَافِر لِأَنَّهُ يُغطي نعْمَة الله تَعَالَى لَا يحصي ثَنَاء على الله تَعَالَى هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه فَإِذا حلف الشَّخْص وَحنث وَجَبت الْكَفَّارَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أَي وحنثتم وَفِي سَبَب وُجُوبهَا خلاف الصَّحِيح أَنه الْيَمين والحنث مَعًا ثمَّ كَفَّارَة الْيَمين أَولهَا تَخْيِير وَآخِرهَا تَرْتِيب فَيتَخَيَّر أَولا بَين الْخِصَال الثَّلَاث الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَلَا يجوز أَن يطعم خَمْسَة ويكسو خَمْسَة كَمَا لَا يجوز أَن يعْتق نصف رَقَبَة وَيطْعم خَمْسَة لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا خير بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء فَلَو جَوَّزنَا إِخْرَاج جِنْسَيْنِ لأثبتنا تخييراً رَابِعا فَإِن أَرَادَ اعتاق رَقَبَة أعتق رَقَبَة كَمَا فِي الظِّهَار وَالْجَامِع التَّكْفِير وَإِن أَرَادَ الْإِطْعَام أطْعم كل مِسْكين رطلا وَثلثا لِأَنَّهُ سداد الرَّغِيف وكفاية المقتصد وَنِهَايَة الزهيد وَإِن أَرَادَ الْكسْوَة دفع إِلَى كل مِسْكين مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قَمِيص وَسَرَاويل ومئزر بِالْهَمْز وَهُوَ الازار الَّذِي يتزر بِهِ الْمحرم وَمثل ذَلِك الْعِمَامَة والجبة والمقنعة والخمار والكساء لِأَن الشَّرْع أطلق الْكسْوَة وَلَا عرف لَهُ فِيهَا وَلَا يجب لكل مِسْكين بدلة اتِّفَاقًا فَاكْتفى بِمَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم وَهُوَ الصَّحِيح وَقيل يَكْفِي ستر الْعَوْرَة وَهل يشْتَرط تمكن الْآخِذ من لبسه حَتَّى لَا يَجْزِي دفع ثوب طِفْل لكبير فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا لَا يشْتَرط كَمَا يجوز أَن يدْفع ثوب الرجل إِلَى الْمَرْأَة وَبِالْعَكْسِ وَلَا يشْتَرط أَن يكون مخيطاً وَالله أعلم (فرع) أعْطى عشرَة ثوبا طَويلا هَل يَكْفِي قَالَه الْمَاوَرْدِيّ إِن أَعْطَاهُم بعد قطعه أجرأه أَو قبل فَلَا لِأَنَّهُ ثوب وَاحِد وَالله أعلم وَلَا تُجزئ القلنسوة أَي الطاقية على الْأَصَح وَلَا الْغَزل قبل النسج وَلَا الْبسط وَلَا الانطاع وَيجْزِي مَا يلبس من الْجُلُود واللبود وَلَا يجزى الْخُف والمكعب والتبان وَلَا يجزى الثَّوْب الْبَالِي كَمَا لَا يجزى الطَّعَام المسوس وَالْعَبْد الزَّمن وَالله أعلم فَإِن لم يجد المَال الَّذِي يصرفهُ فِي الْكَفَّارَة كفر بِالصَّوْمِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ والمحاملي وَالْمرَاد من يفضل عَن كِفَايَته على الْأَبَد وَقَالَ ابْن الصّباغ والرافعي المُرَاد من لَهُ الْأَخْذ من الزَّكَاة بِصفة الْفقر والمسكنة أَو من الْكَفَّارَة فَلهُ الصَّوْم حَتَّى لَو ملك نِصَابا وَلَا تحصل بِهِ الْكَفَّارَة لَزِمته الزَّكَاة لَهُ الصَّوْم لأَنا لَو أسقطنا الزَّكَاة عَنهُ لخلا النّصاب عَنْهَا وَهنا ينْتَقل إِلَى الْبَدَل وَهُوَ الصَّوْم وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص وَفِي الْحَاوِي للماوردي لَا يَصُوم من فضلت الْكَفَّارَة عَن كِفَايَة وقته لقدرته على المَال وَإِن حل لَهُ أَخذ الزَّكَاة وَأبْدى الرَّافِعِيّ احْتِمَالا أَن يكون فَاضلا عَن كِفَايَة سنة وَهَذَا الِاحْتِمَال صرح بِهِ الْبَغَوِيّ وَيجوز صَوْم الثَّلَاثَة مُتَفَرِّقَة على الرَّاجِح لاطلاق الْآيَة الْكَرِيمَة وَوجه التَّتَابُع قِرَاءَة

стр. 534

ابْن مَسْعُود ﵁ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ الحانث كَافِرًا لم يكفر بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أَهله وَيكفر بِالْمَالِ وَالله أعلم (مَسْأَلَة) حلف شخص لَا يفعل شَيْئا كَأَن حلف لَا يدْخل هَذِه الدَّار فَدَخلَهَا نَاسِيا للْيَمِين أَو جَاهِلا أَنَّهَا الدَّار الْمَحْلُوف عَلَيْهَا هَل يَحْنَث فِيهِ قَولَانِ سَوَاء كَانَ الْحلف بِاللَّه تَعَالَى أَو بِالطَّلَاق أَو غير ذَلِك وَوجه الْحِنْث قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وَهِي عَامَّة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَوجه عدم الْحِنْث وَهُوَ الرَّاجِح قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الْآيَة وَقَوله ﷺ إِن الله تَعَالَى تجَاوز لي عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَالْيَمِين دَاخِلَة فِي هَذَا الْعُمُوم وَالْجَوَاب عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إِن فِيهَا إضماراً أَي وحنثتم فَلَا نسلم الْحِنْث وَكَانَ الْمَاوَرْدِيّ والصيمري وَأَبُو الْفَيَّاض لَا يفتون فِي يَمِين النَّاسِي بِشَيْء وَالله أعلم قَالَ بَاب النّذر فصل النّذر يلْزم فِي المجازاة على الْمُبَاح بِطَاعَة كَقَوْلِه إِن شفى الله مريضي فَللَّه عَليّ أَن أَتصدق أَو أَصوم وَيلْزمهُ من ذَلِك مَا يَقع عَلَيْهِ الإسم النّذر فِي اللُّغَة الْوَعْد بِخَير أَو شَرّ وَفِي الشَّرْع الْوَعْد بِالْخَيرِ دون الشَّرّ قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَحده بَعضهم بِأَنَّهُ الْتِزَام قربَة غير لَازِمَة بِأَصْل الشَّرْع وَقيل غَيره ذَلِك وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وَقَوله ﷺ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ وَهل هُوَ مَكْرُوه أم قربَة فِيهِ خلاف ثمَّ النّذر قِسْمَانِ نذر لجاج وَغَضب وَقد تقدم وَنذر تبرر وَهُوَ نَوْعَانِ

стр. 535

أَحدهمَا نذر المجازاة وَهُوَ أَن يلْتَزم قربَة فِي مُقَابلَة حُدُوث نعْمَة أَو اندفاع بلية كَقَوْلِه إِن شفى الله مريضي أَو رَزَقَنِي ولدا وَنَحْو ذَلِك فَللَّه عَليّ اعتاق أَو صَوْم أَو صَلَاة فَإِذا حصل الْمُعَلق عَلَيْهِ لزمَه الْوَفَاء بِمَا الْتزم وَكَذَا لَو قَالَ فعلي وَلم يقل لله على الصَّحِيح وَحجَّة ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات ونذرت امْرَأَة ركبت الْبَحْر إِن نجاها الله تَعَالَى أَن تَصُوم شهرا فنجت وَلم تصم حَتَّى مَاتَت فَجَاءَت بنتهَا أَو أُخْتهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأمرهَا أَن تَصُوم عَنْهَا الثَّانِي أَن يلْتَزم ابْتِدَاء من غير تَعْلِيق على شَيْء فَيَقُول لله عَليّ أَن أُصَلِّي أَو أَصوم أَو أعتق فَقَوْلَانِ الرَّاجِح اللُّزُوم كالنوع الأول وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَاحْتج لَهُ باطلاق قَوْله ﷺ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَالثَّانِي لَا يَصح وَلَا يلْزمه لعدم الْمُقَابل كَمَا أَن البيوعات لما لم يكن لَهَا عوض لم تلْزمهُ بِالْعقدِ وَلِأَن النّذر عِنْد الْعَرَب وعد بِشَرْط قَالَه ثَعْلَب وَقَول الشَّيْخ على الْمُبَاح احْتَرز بِهِ عَن الْمعْصِيَة وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَاعْلَم أَن السَّبَب الَّذِي تعلق بِهِ النّذر أَي الْمَنْذُور قد يكون مُبَاحا كشفاء الْمَرِيض وَقد يكون طَاعَة كَقَوْلِه إِن صليت أَو حججْت فَللَّه عَليّ كَذَا وَمَعْنَاهُ إِن وفقني الله تَعَالَى للصَّلَاة أَو يسر لي الْحَج فعلي كَذَا وَقد يكون مَعْصِيّة كَقَوْلِه إِن حصلت لي الْمعْصِيَة الْفُلَانِيَّة فَللَّه عَليّ كَذَا وتتمة هَذَا تَأتي وَقَول الشَّيْخ وَيلْزمهُ من ذَلِك مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم أَي من الْمَنْذُور كَمَا إِذا علق بِمُطلق الصَّدَقَة أَو الصَّوْم أَو الاعتاق فَيصح أَن يعْتق رَقَبَة وَإِن كَانَت مُعينَة غير مُؤمنَة على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ لصدق اسْم الرَّقَبَة الصَّدَقَة بِالْقَلِيلِ وَقيل لَا بُد من رَقَبَة كَفَّارَة وَالْخلاف مَبْنِيّ على أَن النّذر يسْلك بِهِ مَسْلَك جَائِز الشَّرْع أَو واجبه وَمن فروع هَذِه الْقَاعِدَة أَنه هَل يجب عَلَيْهِ التبييت فِي الصَّوْم الْمَنْذُور أم يَكْفِي بنية قبل الزَّوَال قَالَ الرَّافِعِيّ إِن قُلْنَا أَن النّذر ينزل على أقل الْوَاجِب وَهُوَ الْأَصَح أَوجَبْنَا التبييت وَإِن قُلْنَا على أقل الْجَائِز فَلَا وَوَافَقَ النَّوَوِيّ الرَّافِعِيّ هُنَا على تَصْحِيح وجوب التبييت وَأَن يسْلك بِهِ مَسْلَك وَاجِب الشَّرْع وَخَالف هَذِه الْقَاعِدَة فِي بَاب الرّجْعَة فَقَالَ من زِيَادَته الْمُخْتَار أَنه لَا يُطلق تَرْجِيح وَاحِد من الْوَجْهَيْنِ بل يخْتَلف الرَّاجِح مِنْهُمَا بِحَسب الْمسَائِل لظُهُور دَلِيل أحد الطَّرفَيْنِ فِي بَعْضهَا أَو عَكسه فِي بعض وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِنَّه الصَّوَاب وَالله أعلم قَالَ (وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة كَقَوْلِه إِن قتلت فلَانا فَللَّه عَليّ كَذَا)

стр. 536

وَلَا يَصح نذر الْمعْصِيَة لقَوْله ﵊ لَا نذر فِي مَعْصِيّة وَلقَوْله ﵊ من نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ وَقد مثل الشَّيْخ لذَلِك بِمَا ذكره وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يمثل بِغَيْر مَا ذكره بِأَن يَجْعَل الْمُلْتَزم مَعْصِيّة بِنَفسِهِ كنذر شرب الْخمر أَو الزِّنَا أَو الْقَتْل أَو الصَّلَاة فِي حَال الْحَدث أَو نذر أَن يذبح نَفسه أَو وَلَده فَإِذا نذر ذَلِك وَلم يفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فقد أحسن وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ أَيْضا على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَحكى الرّبيع قولا أَنه تجب الْكَفَّارَة وَاخْتَارَهُ الْبَيْهَقِيّ لحَدِيث لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين قَالَ الرَّافِعِيّ قَالَ الْجُمْهُور وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ نذر اللجاج قَالُوا وَرِوَايَة الرّبيع من كيسه قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين وَإِنَّمَا صَحَّ لَا نذر فِي مَعْصِيّة من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وَحَدِيث عقبَة كَفَّارَة النّذر كَفَّارَة يَمِين وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يلْزم النّذر على ترك مُبَاح كَقَوْلِه لَا آكل لَحْمًا وَلَا أشْرب لَبَنًا وَمَا أشبهه) اعْلَم أَن الْمُبَاح الَّذِي لم يرد فِيهِ ترغيب كَالْأَكْلِ وَالنَّوْم وَالْقِيَام وَالْقعُود سَوَاء كَانَ نفيا كَقَوْلِه لَا آكل كَذَا أَو اثباتاً كَقَوْلِه آكل كَذَا أَو ألبس كَذَا فَهَذَا وَمَا أشبهه لَا ينْعَقد نَذره لِأَنَّهُ لَا قربَة فِيهِ وَلِأَنَّهُ ﷺ رآى رجلا قَائِما فِي الشَّمْس فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالَ هَذَا أَبُو إِسْرَائِيل نذر أَن يقوم وَلَا يقْعد وَلَا يستظل وَلَا يتَكَلَّم ويصوم فَقَالَ ﵊ مروه فَلْيَتَكَلَّمْ وليقعد وليتم صَوْمه وَلَو خَالف فِي الْمُبَاح وَفعله فَهَل يلْزمه كَفَّارَة يَمِين قَضِيَّة الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَن الْمَذْهَب أَنه لَا يلْزمه وَبِه صرح الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل الْإِيلَاء لَكِن صحّح فِي الْمُحَرر وجوب الْكَفَّارَة وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَالله أعلم (فرع) قَالَ الْقفال من نذر أَن لَا يكلم الْآدَمِيّين يحْتَمل أَن يُقَال إِنَّه يلْزمه لِأَنَّهُ مِمَّا يتَقرَّب بِهِ وَيحْتَمل أَن يُقَال أَنه لَا يلْزم لما فِيهِ من التَّضْيِيق وَالتَّشْدِيد وَلَيْسَ ذَلِك من شرعنا كَمَا لَو نذر الْوُقُوف فِي الشَّمْس كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَصَححهُ النَّوَوِيّ أَنه لَا يلْزمه وَحَدِيث أبي إِسْرَائِيل يدل لَهُ أَن

стр. 537

امْرَأَة حجت صامتة عَن الْكَلَام فَقَالَ لَهَا الصّديق ﵁ تكلمي فَإِن هَذَا لَا يحل وَالله أعلم (فرع) إِذا نذر زيتاً أَو شمعاً أَو نَحوه ليسرج فِي مَسْجِد أَو غَيره ينظر إِن كَانَ ذَلِك فِي مَكَان بِحَيْثُ قد ينْتَفع بِهِ وَلَو على النذور مثل مصل هُنَاكَ أَو نَائِم أَو غَيرهمَا صَحَّ النّذر وَلزِمَ الْوَفَاء وَإِن كَانَ مغلوقاً وَلَا يتَمَكَّن أحد من الدُّخُول إِلَيْهِ وَلَا الِانْتِفَاع بِهِ لم يَصح وَكَذَا لَو وقف شَيْئا ليَشْتَرِي من غَلَّته زيتاً أَو غَيره ليسرج فِي مَسْجِد أَو غَيره فَحكمه فِي الصِّحَّة مَا ذَكرْنَاهُ فِي النذور وَالله أعلم قَالَ

стр. 538

كتاب الْأَقْضِيَة الْأَقْضِيَة جمع قَضَاء بِالْمدِّ كأغطية جمع الغطاء ككساء وأصل الْقَضَاء إحكام الشَّيْء وفراغه قَالَ الْجَوْهَرِي قضى بِمَعْنى أنهى وَفرغ فَالْقَاضِي يُنْهِي الْأَمر ويفرغ مِنْهُ وَقضى بِمَعْنى أوجب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ وَالْقَاضِي يُوجب الحكم وَقضى بِمَعْنى أتم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ فَالْقَاضِي يتم الْأَمر بِحكمِهِ وَيكون بِمَعْنى أدّى وَبِمَعْنى قدر وَسمي الْقَضَاء حكما ٤ لما فِيهِ من منع الظَّالِم مَأْخُوذ من الْحِكْمَة الَّتِي توجب وضع الشَّيْء فِي مَحَله أَو من إحكام الشَّيْء مَأْخُوذ من حِكْمَة اللجام لمنعها الدَّابَّة وَالله أعلم ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك الْآيَات وَالْأَخْبَار وَالْإِجْمَاع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وَغير ذَلِك وَفِي السّنة الشَّرِيفَة أَحَادِيث مِنْهَا قَوْله ﷺ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَاحِد وَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمِنْهَا قَوْله ﷺ إِذا جلس القَاضِي فِي مَكَانَهُ هَبَط عَلَيْهِ ملكان يسددانه ويوفقانه ويرشدانه مَا لم يجر فَإِذا جَار عرجا وتركاه وَفِي رِوَايَة مَا لم يرد غَيره أَي غير الْحق فَإِن أَرَادَ غَيره وجار مُتَعَمدا تبرآ مِنْهُ ووكلاه إِلَى نَفسه وَهَذَا كُله فِي القَاضِي الَّذِي هُوَ بِصفة الْقَضَاء وَصفَة الْقَضَاء

стр. 539

تَأتي أما من لَيْسَ أَهلا لَهُ كالجهلة والفسقة كقضاة الرشا والبراطيل فهم بِشَهَادَة سيد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ فِي النَّار لقَوْله ﵊ الْقُضَاة ثَلَاثَة قَاض فِي الْجنَّة وقاضيان فِي النَّار قَاض عرف الْحق فَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وقاض عرف الْحق فَحكم بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار وقاض قضى على جهل فَهُوَ فِي النَّار وَقَالَ ﵊ من كَانَ قَاضِيا فَقضى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار وَمن كَانَ قَاضِيا فَقضى بالجور كَانَ من أهل النَّار وَمن كَانَ قَاضِيا عَالما فَقضى بِحَق أَو بِعدْل يسْأَل التفلت كفافاً وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة قَالَ الْعلمَاء كل من لَيْسَ بِأَهْل للْحكم فَلَا يحل لَهُ الحكم فَإِن حكم فَهُوَ آثم وَلَا ينفذ حكمه وَسَوَاء وَافق الْحق أم لَا لِأَن إِصَابَة الْحق اتفاقية لَيست صادرة عَن أصل شَرْعِي فَهُوَ عَاص فِي جَمِيع أَحْكَامه سَوَاء وَافق الصَّوَاب أم لَا وَأَحْكَامه مَرْدُودَة كلهَا وَلَا يعْذر فِي شَيْء من ذَلِك كَذَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَالله أعلم قَالَ بَاب شُرُوط القَاضِي (وَلَا يجوز أَن يَلِي الْقَضَاء إِلَّا من استكملت فِيهِ خمس عشرَة خصْلَة الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة وَالْعَدَالَة والذكورة) من لَا يصلح للْقَضَاء تحرم تَوليته وَيحرم عَلَيْهِ أَن يتَوَلَّى وَيحرم عَلَيْهِ أَن يَطْلُبهُ للْخَبَر الْمُتَقَدّم فَمن الصِّفَات الْمُعْتَبرَة لِلْإِسْلَامِ فَلَا تجوز تَوْلِيَة الْقَضَاء للْكَافِرِ لَا على الْمُسلمين وَلَا على غَيرهم لِأَنَّهُ ولَايَة السَّبِيل وَهُوَ لَيْسَ أهل لذَلِك وانتهر عمر ﵁ أَبَا مُوسَى ﵁ حِين اسْتعْمل كَاتبا نَصْرَانِيّا ثمَّ قَالَ لَا تدنوهم وَقد أَقْصَاهُم الله وَلَا تُكْرِمُوهُمْ وَقد أَهَانَهُمْ الله وَلَا تَأْمَنُوهُمْ وَقد خَوَّنَهُمْ الله وَقد نَهَيْتُكُمْ عَن إستعمال أهل الْكتاب فَإِنَّهُم يسْتَحلُّونَ الرشا وَمِنْهَا الْبلُوغ وَالْعقل لِأَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا لم يتَعَلَّق بقولهمَا حكم على أَنفسهمَا فعلى غَيرهمَا أولى وَقد ادّعى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي الْمَجْنُون قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يَكْتَفِي بِالْعقلِ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف حَتَّى يكون صَحِيح التَّمْيِيز جيد الفطنة بَعيدا من السَّهْو والغفلة ليتوصل إِلَى وضوح الشكل وَذكر الإِمَام نَحوه وَكَذَا الْغَزالِيّ نعم قَالَ الرَّافِعِيّ يسْتَحبّ كَونه وافر الْعقل متثبتاً ذَا فطنة ويقظة وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة لِأَن

стр. 540

العَبْد نَاقص عَن ولَايَة نَفسه فَعَن ولَايَة غَيره أولى وبالقياس على الشَّهَادَة وَمن لم تكمل فِيهِ الْحُرِّيَّة كالقن وَمِنْهَا الْعَدَالَة لِأَن الْفسق إِذا منع من النّظر فِي مَال الإبن مَعَ عَظِيم شفقته فَمنع ولَايَة الْقَضَاء الَّتِي بَعْضهَا حفظ مَال الْيَتِيم أولى وَسَوَاء كَانَ فسقه مِمَّا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ أَو بِمَا فِيهِ شُبْهَة وَفِي وَجه لَا يضر مَاله فِيهِ شُبْهَة وَتَأْويل وَمِنْهَا الذُّكُورَة لقَوْله تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وَلقَوْله ﷺ لن يفلح قوم وَلَو أَمرهم إمرأة وَلِأَن القَاضِي مُحْتَاج إِلَى مُخَاطبَة الرِّجَال وَالْمَرْأَة مأمورة بالتحرز عَن ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَمَعْرِفَة أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالِاخْتِلَاف وطرق الِاجْتِهَاد وطرف من لِسَان الْعَرَب) من صِفَات القَاضِي أَن يكون أَهلا للِاجْتِهَاد فَلَا يجوز تَوْلِيَة الْجَاهِل بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة كالمقلد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وَلقَوْله ﷺ الْقُضَاة ثَلَاثَة فالمقلد فِي حكمه مقتف مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم وقاضي الْجَهْل لَا يدْرِي طَرِيقه وَلِأَن لَا يصلح للْفَتْوَى فالقضاء أولى لِأَن الافتاء اخبار غير مُلْزم وَالْقَضَاء إِخْبَار مُلْزم وَإِنَّمَا تحصل أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد بِأُمُور أَحدهَا أَن يعرف من الْقُرْآن آيَات الْأَحْكَام وَهِي كَمَا قيل خَمْسمِائَة فَيعرف النَّاسِخ والمنسوخ وَالْعَام وَالْخَاص وَالْعَام الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخُصُوص وَعَكسه وَالْمُطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وَلَا يشْتَرط حفظه على ظهر الْقلب قَالَه الرَّوْيَانِيّ قَالَ الرَّافِعِيّ وَمِنْهُم من يُنَازع ظَاهر كَلَامه فِيهِ الثَّانِي أَن يعرف من السّنة الْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ وَيعرف مِنْهَا مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْكتاب الْعَزِيز وَيعرف الْمُتَوَاتر والآحاد والمرسل والمسند والمنقطع والمتصل وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل الثَّالِث أَن يعرف أقاويل عُلَمَاء الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ ﵃ إجمعا واختلافاً لِئَلَّا يحكم بِمَا أَجمعُوا على خِلَافه أَو بقول ثَالِث الرَّابِع الْقيَاس فَيعرف جليه وخفيه وتمييز الصَّحِيح من الْفَاسِد

стр. 541

الْخَامِس أَن يعرف كَلَام الْعَرَب لُغَة وإعراباً وكصيغ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار والوعد والوعيد وَغير ذَلِك مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي فهم الْكتاب وَالسّنة لِأَن الشَّرْع ورد بِالْعَرَبِيَّةِ وَبهَا يعرف مَا ذَكرْنَاهُ وَيعرف إِطْلَاقه وتقييده وإجماله وَبَيَانه قَالَ الْأَصْحَاب وَلَا يشْتَرط التبحر فِي هَذِه الْعُلُوم بل يَكْفِي معرفَة جمل مِنْهَا قَالَ الْغَزالِيّ واجتماع هَذِه الشُّرُوط مُتَعَذر فِي عصرنا لخلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد المستقل فَالْوَجْه تَنْفِيذ قَضَاء كل من ولاه سُلْطَان ذُو شَوْكَة وَإِن كَانَ جَاهِلا أَو فَاسِقًا لِئَلَّا تتعطل مصَالح الْمُسلمين قَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا أحسن قَالَ ابْن الصّلاح وَابْن أبي الدَّم لَا نعلم أحدا ذكر مَا ذكره الْغَزالِيّ وَالَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ والمراوزة أَن الْفَاسِق لَا تنفذ أَحْكَامه وَقد ظهر بذلك بطلَان مَا قَالَاه وَالله أعلم قَالَ (وَأَن يكون سميعا بَصيرًا كَاتبا متيقظاً) يشْتَرط فِي القَاضِي السّمع وَالْبَصَر فَإِن الْأَصَم لَا يفرق بَين الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار وَالْأَعْمَى لَا يعرف الطَّالِب من الْمَطْلُوب وَقيل تصح ولَايَة الْأَعْمَى لِأَنَّهُ ﵊ اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم على الْمَدِينَة وَكَانَ أعمى وَالْمذهب الْقطع بِالْمَنْعِ وَالْخَبَر قيل بضعفه وَبِتَقْدِير الصِّحَّة مَحْمُول على ولَايَة الصَّلَاة دون الحكم وَفِي معنى الْأَعْمَى من يرى الأشباح وَلَا يعرف الصُّور وَلَا يشْتَرط أَن يعرف الْكِتَابَة على الْأَصَح لِأَن الْمَعْنى الْمَقْصُود من الحكم يعرف بِدُونِهَا وَيشْتَرط أَن يكون متيقظا فَلَا يَصح قَضَاء مُغفل اخْتَلَّ رَأْيه وَنَظره بِمَرَض أَو كبر وَنَحْوهمَا وَيشْتَرط أَيْضا كَونه ناطقاً متكلماً فَإِن الْأَخْرَس لَا يقدر على انفاذ الْأَحْكَام وَالله أعلم قَالَ بَاب آدَاب الْقَضَاء (وَيسْتَحب أَن ينزل القَاضِي فِي وسط الْبَلَد وَيجْلس فِي مَوضِع بارز للنَّاس لَا حَاجِب دونه وَلَا يقْعد للْقَضَاء فِي الْمَسْجِد) اعْلَم أَن للْقَضَاء آداباً مِنْهَا أَن ينزل فِي وسط الْبَلَد لِأَنَّهُ أقرب إِلَى التَّسْوِيَة وَحُصُول الْعدْل وَهَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَمِنْهَا أَن يجلس فِي مَوضِع فسيح لِئَلَّا يتَأَذَّى الْحَاضِرُونَ بضيقه وَأَن يكون بارزاً لَيْسَ دونه حجاب ليهتدي إِلَيْهِ المتوطن والغريب ويصل إِلَيْهِ كل أحد وَيسْتَحب أَن يكون خَالِيا من الْحر وَالْبرد وَالْغُبَار وَالدُّخَان فَجَلَسَ فِي الصَّيف حَيْثُ يَلِيق بِهِ وَكَذَا فِي الشتَاء وَكَذَا فِي زمن الرِّيَاح وَمِنْهَا أَن لَا يتَّخذ حاجباً وَلَا بواباً لِأَنَّهُ رُبمَا قدم الْمُتَأَخر وَمنع من لَهُ ظلامة فَلَو اتَّخذهُ كره إِلَّا لحَاجَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ تجب فِيهِ الْعِفَّة وَالْعَدَالَة وَالْأَمَانَة وَينْدب كَونه حسن المنظر جميل الْمخبر عَارِفًا بمقادير النَّاس بَعيدا عَن الْهوى معتدل الْأَخْلَاق بَين الشراسة واللين قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِن كثرت الزحمة وَرَأى الْمصلحَة فِي اتِّخَاذه اتِّخَاذه وَإِلَّا فَلَا وَفِي الرَّوْضَة

стр. 542

إِذا جلس للْقَضَاء وَلَا زحمة كره أَن يتَّخذ حاجباً على الْأَصَح وَلَا كَرَاهَة فِيهِ فِي أَوْقَات الْخلْوَة على الصَّحِيح وليحذر من الاحتجاب لقَوْله ﵊ من ولاه الله شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين فاحتجب دون حَاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عَنهُ دون حَاجته وَخلته وَفَقره وَمِنْهَا أَن لَا يتَّخذ الْمَسْجِد مَجْلِسا للْقَضَاء فَإِن اتَّخذهُ كره لِأَنَّهُ ينزه عَن رفع الاصوات وَحُضُور الْحيض وَالْكَفَّارَة والمجانين وَغَيرهم وَقد يحْضرُون بِمَجْلِس الْقَضَاء وَقيل لَا يكره الْجُلُوس فِيهِ كَمَا لَا يكره لقِرَاءَة الْقُرْآن وَسَائِر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والإفتاء وَلَو اتّفقت قَضِيَّة أَو قضايا وَقت حُضُوره فِي الْمَسْجِد لصَلَاة أَو غَيرهَا فَلَا بَأْس بفصلها فِيهِ وَالله أعلم قَالَ (وَيُسَوِّي بَين الْخَصْمَيْنِ فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء فِي الْمجْلس وَاللَّفْظ واللحظ) لَا شكّ أَن منصب الحكم مَوْضُوع للعدل وميل القَاضِي عَن ذَلِك جور وظلم فَلهَذَا يُسَوِّي بَين الْخَصْمَيْنِ مَعَ مَا ذكره الشَّيْخ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ وَفِي الْقيام لَهما وَكَذَا فِي الْمجْلس فَلَا يقرب أَحدهمَا أَكثر من الآخر بعد أَن يُسَوِّي بَينهمَا فِي جَوَاب السَّلَام فَإِن سلما أجابهما مَعًا وَإِن سلم أَحدهمَا قَالَ الْأَصْحَاب يصبر حَتَّى يسلم الآخر فيجيبهما قَالَ الرَّافِعِيّ وَقد يتَوَقَّف فِي هَذَا عِنْد طول الْفَصْل فَإِنَّهُ يمْنَع انتظامه جَوَابا فَإِذا انتهيا إِلَى الْمجْلس أَجْلِس أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله وَالْأولَى على الْإِطْلَاق أَن يَكُونَا بَين يَدَيْهِ وَفِي حَدِيث ثمَّ ليقبل عَلَيْهِمَا بِمَجَامِع قلبه وَلَا يمازح أَحدهمَا وَلَا يُشِير إِلَيْهِ وَلَا يسارره وَلَا يلق الْمُدَّعِي بِأَن يَقُول ادْع عَلَيْهِ كَذَا وَلَا الْمُدعى عَلَيْهِ الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار وَكَذَا يُسَوِّي بَينهمَا فِي النّظر إِلَيْهِمَا وَالِاسْتِمَاع لَهما وطلاقة الْوَجْه وَسَائِر وُجُوه الْإِكْرَام فَلَا يخص أَحدهمَا بِشَيْء من ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ الْآيَة ثمَّ هَذِه الْأُمُور التَّسْوِيَة فِيهَا وَاجِبَة على الصَّحِيح وَاقْتصر ابْن الصّباغ على الِاسْتِحْبَاب نعم يرفع الْمُسلم على الْكَافِر فِي الْمجْلس على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَقيل يُسَوِّي بَينهمَا فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيّ وَيُشبه أَن يجْرِي الْوَجْهَانِ فِي سَائِر وُجُوه الْإِكْرَام وَمَا بَحثه الرَّافِعِيّ صرح بِهِ الفوراني وَالله أعلم (فرع) لَا يجوز أَن يجلس الوكل إِلَى جَانب القَاضِي وَيَقُول وَكيلِي جَالس مَعَ الْخصم وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يجوز أَن يقبل هَدِيَّة من أهل عمله)

стр. 543

لَا شكّ أَن الرِّشْوَة حرَام لِأَنَّهَا من قبيل الْأكل بِالْبَاطِلِ وَقد نهي الله عَنهُ وَهِي صفة الْيَهُود وَقَالَ ﵊ لعن الله الراشي والمرتشي فِي الحكم وَفِي لفظ لعنة الله على الراشي والمرتشي وَأما الْهَدِيَّة فَالْأولى سد بَابهَا ثمَّ إِن كَانَ للمهدي خُصُومَة فِي الْحَال حرم قبُول هديته فِي مَحل ولَايَته وَإِن كَانَ لَهُ عَادَة بالهدية لصداقة أَو قرَابَة وَكَذَا لَا يقبل هَدِيَّة من لم تكن لَهُ عَادَة قبل الْولَايَة وَإِن لم تكن لَهُ حُكُومَة قَالَ رَسُول الله ﷺ هَدَايَا الْعمَّال غلُول ويروى سحت وَفِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ وَاللَّفْظ مَا بَال الْعَامِل نبعثه فَيَقُول هَذَا لكم وَهَذَا أهدي لي هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وَفِي رِوَايَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْء إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة يحملهُ على رقبته إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة تَيْعر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رَأينَا عفرتي أَلا هَل بلغت ثَلَاثًا وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْعمَّال فَالْقَاضِي أولى وَإِن كَانَ الْمهْدي لَا خُصُومَة لَهُ وَله عَادَة بالهدية وَأهْدى قدر عَادَته وَمثله جَازَ أَن يقبلهَا لخُرُوج ذَلِك عَن سَبَب الْولَايَة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَقيل لَا يجوز لإِطْلَاق الْأَخْبَار ولاحتمال حُدُوث محاكمة فَلَو أهْدى أَكثر من الْمُعْتَاد أَو أرفع مِنْهُ مثل إِن كَانَ يهدي المآكل فأهدى الثِّيَاب لم يجز الْقبُول صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَتَبعهُ الْبَغَوِيّ وَغَيره قَالَ الْمَاوَرْدِيّ ونزوله على أهل عمله ضيفاً كقبول هديتهم وَالله أعلم وَلَو كَانَت الْهَدِيَّة فِي غير عمله من غير أهل فَقيل يحرم وَالأَصَح الْمَنْصُوص أَنه لَا يحرم وَلَو أهْدى إِلَيْهِ فِي عمله من هُوَ من غير عمله بإرسال الْهَدِيَّة وللمهدي حُكُومَة حرم وَكَذَا إِن دخل بهَا بِنَفسِهِ وَلَا حُكُومَة لَهُ لِأَنَّهُ صَار من عمله بِالدُّخُولِ وَإِن أرسلها وَلَا حُكُومَة فَفِي جَوَاز الْقبُول وَجْهَان قلت يَنْبَغِي أَن يكون جَوَاز الْقبُول حَيْثُ جَازَ إِذا كَانَ يَثِق من نَفسه بِعَدَمِ الْميل والجور فَإِن لم يَثِق بذلك من نَفسه فَالْوَجْه التَّحْرِيم لِأَن الْقبُول حِينَئِذٍ سَبَب حَامِل على ترك الْعدْل لَا سِيمَا فِي زَمَاننَا هَذَا الَّذِي قد ظَهرت فِيهِ الرِّشْوَة فضلا عَن الْهَدِيَّة وَاعْلَم أَن الْهَدِيَّة لغير الْحُكَّام كهدايا الرعايا بَعضهم لبَعض إِن كَانَت لطلب محرم أَو إِسْقَاط حق أَو إِعَانَة على ظلم حرم الْقبُول والشفاعة والمتوسط بَين الْمهْدي والآخذ من قَاض وَغَيره وَكَذَا بَين المرتشي والراشي حكمه حكم مُوكله

стр. 544

فَإِن وكلاه مَعًا وَكَانَ الْمهْدي أَو الراشي مَعْذُورًا لأجل خلاص حَقه حرم على الْمُتَوَسّط لِأَنَّهُ وَكيل الْآخِذ وَهُوَ محرم عَلَيْهِ وَالله أعلم قَالَ (ويجتنب الْقَضَاء فِي عشرَة مَوَاضِع عِنْد الْغَضَب وَعند الْجُوع والعطش وَشدَّة السهر والحزن والفرح المفرط وَعند الْمَرَض ومدافعة الأخبثين وَغَلَبَة النعاس وَشدَّة الْحر وَالْبرد) الأَصْل فِي ذَلِك كُله قَوْله ﵊ لَا يقْضِي الْحَاكِم بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان مَعْلُوم أَنه ﵊ لم يرد الْغَضَب نَفسه بل الِاضْطِرَاب الْحَاصِل لَهُ بِهِ المغير لِلْعَقْلِ والخلق وَهُوَ فِي هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ مغير لِلْعَقْلِ وَإِن تفاوتت فَلَا يتوفر الِاجْتِهَاد وَهل الْمَنْع للكراهة الَّذِي صرح بِهِ الرَّافِعِيّ وَجَمَاعَة أَنه يكره وَكَلَام الْمَاوَرْدِيّ يقْضِي أَنه الأولى فَإِن حكم فِي هَذِه الْأَحْوَال نفذ حكمه قَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَة وَالْغَضَب عَن الحكم فِيهِ إِذا كَانَ لغير الله تَعَالَى أما إِذا كَانَ لله تَعَالَى فَلَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ وَاسْتَغْرَبَهُ الرَّوْيَانِيّ وَقَالَ الْمَحْذُور هُوَ عدم توفيره على الِاجْتِهَاد وَلَا يخْتَلف الْحَال فِيهِ بَين الغضبين وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ إِلَّا بعد كَمَال الدَّعْوَى) إِذا جلس الخصمان بَين يَدي القَاضِي فَلهُ أَن يسكت حَتَّى يتكلما وَله أَن يَقُول ليَتَكَلَّم الْمُدَّعِي مِنْكُمَا وَأَن يَقُول للْمُدَّعِي إِذا عرفه تكلم وخطاب الْأمين الْوَاقِف على رَأسه أولى فَإِذا ادّعى الْمُدَّعِي وَفرغ من دَعْوَاهُ سَأَلَ حِينَئِذٍ القَاضِي الْخصم أَن يُجيب وَيَقُول لَهُ مَا تَقول وَفِي وَجه لَا يُطَالِبهُ بِالْجَوَابِ حَتَّى يسْأَله الْمُدَّعِي كَمَا لَا يُطَالب بِالْمَالِ حَتَّى يسْأَل الْمُدَّعِي وَالصَّحِيح الأول لِأَن بسؤال القَاضِي تنفصل الْخُصُومَة وَيظْهر أثر الدَّعْوَى فَإِذا سَأَلَهُ نظر فِي الْجَواب إِن أقرّ بالمدعي فللمدعي أَن يطْلب من القَاضِي الحكم وَحِينَئِذٍ يحكم بِأَن يَقُول أخرج من حَقه أَو ألزمتك الْخُرُوج من حَقه وَمَا أشبه ذَلِك وَهل يثبت الْحق بِمُجَرَّد الْإِقْرَار أم لَا بُد فِي ثُبُوته من قَضَاء كالبينة وَجْهَان أصَحهمَا يثبت بِمُجَرَّد الْإِقْرَار بِخِلَاف الْبَيِّنَة وَالْفرق أَن دلَالَة الْإِقْرَار على وجوب الْحق جلية وَالْبَيِّنَة تحْتَاج إِلَى نظر واجتهاد وَإِن أنكر الْمُدعى عَلَيْهِ فللقاضي أَن يسكت وَله أَن يَقُول للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَا يذكر شَيْئا لِأَنَّهُ كالتلقين فعلى الصَّحِيح إِن قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة حَاضِرَة وأقامها فَلَا كَلَام وَإِن قَالَ لَا أقيمها وَأُرِيد يَمِينه مكن مِنْهُ وَإِن قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَحلف الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ جَاءَ بِبَيِّنَة سَمِعت وَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي لَا حَاضِرَة وَلَا غَائِبَة

стр. 545

سَمِعت أَيْضا على الْأَصَح لِأَن رُبمَا لم يعرف أَو نسى ثمَّ عرف أَو تذكر وَقيل لَا تسمع للمناقضة وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يحلف إِلَّا بعد سُؤال الْمُدَّعِي) لَا يحلف القَاضِي الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِلَّا بعد أَن يطْلب ذَلِك الْمُدَّعِي لِأَن اسْتِيفَاء الْيَمين حَقه فَيتَوَقَّف على إِذْنه كَالدّين فَإِن خَلفه قبل الطّلب فَلَا يعْتد بهَا على الصَّحِيح فعلى هَذَا يَقُول القَاضِي للْمُدَّعِي حلفه إِن شِئْت وَإِلَّا فاقطع طَلَبك عَنهُ وَلَو حلف الْمُدعى عَلَيْهِ بعد طلب الْمُدَّعِي يَمِينه وَقبل إحلاف القَاضِي لم يعْتد بهَا أَيْضا صرح بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَلَو فوض القَاضِي إِلَى الْحَالِف الْيَمين فاستوفاها على نَفسه فَفِي الِاعْتِدَاد بهَا وَجْهَان وَالله أعلم (فرع) قَالَ الْمُدَّعِي أَبْرَأتك عَن الْيَمين سقط حَقه فِي هَذِه الدَّعْوَى وَله اسْتِئْنَاف الدَّعْوَى وتحليفه قَالَه فِي التَّهْذِيب والمهذب وَجزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة قَالَ ابْن الرّفْعَة وَيظْهر أَنه مَبْنِيّ على قَول الْعِرَاقِيّين أما على قَول المراوزة فَيظْهر أَن لَا تسوغ الدَّعْوَى عَلَيْهِ ثَانِيًا وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يلقن خصما حجَّة وَلَا يتعنت بِالشُّهَدَاءِ) لَيْسَ للْقَاضِي أَن يلقن خصما دَعْوَى وَلَا كَيفَ يَدعِي على الْأَصَح لما فِي ذَلِك من إِظْهَار الْميل وضابطه أَن لَا يلقن أَحدهمَا مَا يضر بِالْآخرِ وَلَا يهديه إِلَيْهِ مثل أَن يقْصد الْإِقْرَار فيلقبه الْإِنْكَار أَو يقْصد النّكُول فيجرؤه على الْيَمين أَو بِالْعَكْسِ وَفِي معنى ذَلِك أَن يتَوَقَّف الشَّاهِد فيجزؤه على الشَّهَادَة أَو بِالْعَكْسِ إِلَّا فِي الْحُدُود الَّتِي تدرأ بِالشُّبُهَاتِ وَقَول الشَّيْخ وَلَا يتعنت بِالشُّهَدَاءِ هَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵀ فَقَالَ وَلَا يجوز أَن يتعنت بِالشُّهَدَاءِ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَذَلِكَ من أوجه الأول أَن يظْهر التكبر عَلَيْهِ والاستهزاء بِهِ وَهُوَ ظَاهر السّتْر وافر الْعقل وَكَذَا ذكره أَبُو الطّيب وَابْن الصّباغ الثَّانِي أَن يسْأَله من أَيْن علمت هَذَا أَو كَيفَ تحملت أَو لَعَلَّك سَهَوْت الثَّالِث أَن يتبعهُ فِي أَلْفَاظه ويعارضه لِأَن فِي ذَلِك ميلًا على الْمَشْهُود لَهُ وإفضاء إِلَى ترك الشَّهَادَة وَلَا يجوز أَن يصْرخ على الشَّاهِد وَلَا نهره وَالله أعلم قَالَ وَلَا تقبل الشَّهَادَة إِلَّا مِمَّن ثبتَتْ عَدَالَته) الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَة مُعْتَبرَة بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم وصفتها تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِذا شهد عِنْد القَاضِي شُهُود فَإِن عرف فسقهم رد شَهَادَتهم وَلم يحْتَج إِلَى بحث وَإِن عرف عدالتهم قبل

стр. 546

شَهَادَتهم وَلَا حَاجَة إِلَى التَّعْدِيل وَإِن طلبه الْخصم وَلم يعرف حَالهم لم يجز قبُول شَهَادَتهم وَالْحكم بهَا إِلَّا بعد الاستزكاء وَالتَّعْدِيل سَوَاء طعن الْخصم فيهم أَو سكت لِأَنَّهُ إِذا قبلهم وَسَأَلَ الحكم بِشَهَادَتِهِم لزمَه وَلَا يجوز الحكم إِلَّا بعد الْبَحْث عَن شُرُوط الشَّهَادَة وَلَا يجوز الِاكْتِفَاء بِأَن الظَّاهِر من حَال الْمُسلم الْعَدَالَة كَمَا لَا يجوز بِأَن الظَّاهِر من حَال من فِي دَار الْإِسْلَام الْإِسْلَام اكْتِفَاء بِالدَّار فَلَو أقرّ الْخصم بِعَدَالَتِهِمْ فَهَل يحكم بِلَا بحث وَجْهَان قيل نعم لِأَن الْبَحْث حَقه وَقد اعْترف بِعَدَالَتِهِمْ وَالصَّحِيح لَا بُد من الْبَحْث وَالتَّعْدِيل من أجل حق الله تَعَالَى وَلِهَذَا لَا يجوز الحكم بِشَهَادَة فسق وَإِن رَضِي الْخصم وَلِأَن الحكم بِشَهَادَتِهِ يتَضَمَّن تعديله وَالتَّعْدِيل لَا يثبت بقول وَاحِد وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيل أَن يَقُول هُوَ عدل لِأَنَّهُ أثبت الْعَدَالَة الَّتِي اقتضاها ظَاهر إِطْلَاق الْآيَة الْكَرِيمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فِي كتاب حَرْمَلَة وَنَصّ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ أَنه سَيَقُولُ عدل رَضِي واشترطه بعض الْأَصْحَاب وَقيل لَا بُد أَن يَقُول هُوَ عدل عَليّ ولي قَالَ الإِمَام وَهُوَ أبلغ عِبَارَات التَّزْكِيَة وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فِي الْأُم والمختصرلأن قَوْله عدل لَا يثبت الْعَدَالَة على الْإِطْلَاق لجَوَاز أَن يكون عدلا فِي شَيْء دون شَيْء فبهذه الزِّيَادَة يَزُول الِاحْتِمَال كَذَا علله أَبُو إِسْحَاق وَعلله غَيره بِأَن الْعدْل قد يكون مِمَّن لَا تقبل شَهَادَته لَهُ بِأَن يكون أَبَاهُ أَو ابْنه أَو لَا تقبل عَلَيْهِ لعداوة فَإِذا قَالَ عَليّ ولي زَالَ الِاحْتِمَال فَإِن علم أَنه لَا نسب بَينهمَا وَلَا عَدَاوَة لزم ذَلِك على التَّعْلِيل الأول دون الثَّانِي قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم قَالَ (وَلَا تقبل شَهَادَة عَدو على عدوه وَلَا شَهَادَة وَالِد لوَلَده وَلَا ولد لوالده) يشْتَرط فِي الشَّاهِد عدم التُّهْمَة وَلها أَسبَاب مِنْهَا البعضية الَّتِي تشْتَمل على الْأُصُول وَالْفُرُوع وَمِنْهَا الْعَدَاوَة فَلَا تقبل شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت لأمر دُنْيَوِيّ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأدنى أَلا ترتابوا﴾ والعداوة أقوى من الريب وَلقَوْله ﷺ لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة وَلَا مجلود حدا وَلَا ذِي غمر وَلَا جنَّة وَلَا ظنين فِي قرَابَة والغمر بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة الشحناء وَقيل الْعَدَاوَة فَإِن قيل بِمَ تعرف الْعَدَاوَة فَالْجَوَاب قَالَ القَاضِي حُسَيْن الْعَدو هُنَا من يظْهر من أَقْوَاله وأفعاله

стр. 547

مَا يظنّ بِهِ الْعَدَاوَة بِحَيْثُ يشمت بمصائبه ويحزن بمساره ويتمنى لَهُ كل شَرّ وَكَلَام الرَّافِعِيّ قريب مِنْهُ وعد الْمَاوَرْدِيّ من أَسبَاب الْعَدَاوَة الْقَذْف وَالْغَصْب وَالسَّرِقَة وَالْقَتْل وَقطع الطَّرِيق فَلَا تقبل شَهَادَة الْمَغْصُوب مِنْهُ على الْغَاصِب وَلَا الْمَسْرُوق مِنْهُ على السَّارِق وَلَا ولي الْمَقْتُول على الْقَاتِل وَكَذَا الْمَقْذُوف على الْقَاذِف وَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَالله أعلم وَلَا تقبل شَهَادَة الْوَالِد لوَلَده وَإِن سفل وَلَا شَهَادَة الْوَلَد لوالده وَإِن علا لقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ والريبة هُنَا حَاصِلَة لشدَّة الْميل والمحبة وَقد قَالَ ﷺ فَاطِمَة بضعَة مني أَي قِطْعَة وَإِذا كَانَ الْوَلَد جُزْءا أشبهت الشَّهَادَة لَهُ شَهَادَة الشَّخْص لنَفسِهِ وَقد جَاءَ زِيَادَة من تَتِمَّة الحَدِيث وَلَا شَهَادَة الْوَلَد لوالده وَلَا الْوَالِد لوَلَده وَتكلم الْعلمَاء فِي هَذِه الزِّيَادَة فَإِن صحت وَإِلَّا فَفِي قَوْله وَلَا ظنين فِي قرَابَة دَلِيل عَلَيْهِ وَفِي الْقَدِيم أَنَّهَا تقبل وَبِه قَالَ الْمُزنِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَاحْتَجُّوا بِأَن الشَّخْص لَا يكون صَادِقا فِي شَيْء دون شَيْء وَالْمذهب الْمَعْرُوف الأول وَمَا ذَكرُوهُ بَاطِل يمْنَع شَهَادَته لنَفسِهِ وَيُؤْخَذ من قَول الشَّيْخ أَنه يقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض وَهُوَ كَذَلِك وَفِي مقَالَة لَا تقبل شَهَادَة الْوَلَد على وَالِده مِمَّا يَقْتَضِي قصاصا أَو حد قذف لِأَنَّهُ لما لم يقتل بقتْله وَلَا يحد بقذفه لم يحد وَلم يقتل بقوله وَالْأول هُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم (فرع) شهد الابْن على أَبِيه أَنه طلق ضرَّة أمه فَهَل يقبل قَولَانِ قيل لَا لِأَنَّهُ مُتَّهم يجر إِلَى أمه نفعا لانفرادها بِهِ فَهِيَ شَهَادَة لأمه وَالأَصَح الْقبُول لِأَنَّهَا شَهَادَة على أَبِيه لغير أمه وَلَو شَهدا على أَبِيهِمَا أَنه قذف أمهما لم تسمع لِأَنَّهَا شَهَادَة للْأُم وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يقبل كتاب قَاض فِي الْأَحْكَام إِلَّا بعد شَهَادَة شَاهِدين يَشْهَدَانِ بِمَا فِيهِ) اعْلَم أَنه يجوز الدَّعْوَى على الْمَيِّت الَّذِي لَا وَارِث لَهُ معِين وعَلى الصَّبِي الَّذِي لَا نَائِب لَهُ بالِاتِّفَاقِ منا وَمن أبي حنيفَة ﵀ وَكَذَا يجوز الدَّعْوَى على الْغَائِب الَّذِي لَا وَكيل لَهُ على الْمَشْهُور الْمَقْطُوع بِهِ وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وَمَا شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة حق فَوَجَبَ الحكم وَلقَوْله ﵊ لزوجة أبي سُفْيَان خذي مَا يَكْفِيك فَإِنَّهُ قَضَاء

стр. 548

على غَائِب وَقَامَ علمه ﵊ بِأَنَّهَا زَوجته مقَام الْبَيِّنَة وَقَوله ﷺ خذي دَلِيل على أَنه لَيْسَ بفتوى إِلَّا لقَالَ لَا بَأْس بِهِ وَنَحْوه وَقَالَ عمر ﵁ فِي قَضِيَّة الأسيفع من كَانَ لَهُ دين فليأتنا غَدا فَإنَّا بَايعُوا مَاله وقاسموه بَين غُرَمَائه وَكَانَ غَائِبا وَفِي آخر الْأَثر وَإِيَّاكُم وَالدّين فَإِن أَوله هم وَآخره حَرْب وَلِأَن فِي الِامْتِنَاع على الْغَائِب إِضَاعَة الْحُقُوق إِذْ لَا يعجز الْمُمْتَنع من الْوَفَاء عَن الْغَيْبَة وَألْحق القَاضِي حُسَيْن بالغيبة مَا إِذا حضر الْمجْلس فهرب قبل أَن يسمع الْحَاكِم الْبَيِّنَة أَو بعده وَقبل الحكم فَإِنَّهُ يحكم عَلَيْهِ قطعا فَإِذا حكم حَاكم على غَائِب بِشَهَادَة شَاهِدين أَو بِإِقْرَارِهِ أَو بِنُكُولِهِ وَيَمِين الْمُدَّعِي والمحكوم بِهِ حق فِي ذمَّته أَو قصاص إِن جَوَّزنَا الْقَضَاء على الْغَائِب بِهِ كَمَا هُوَ الصَّحِيح أَو عقار فِي يَده فَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَن يكْتب إِلَى قَاض الْبَلَد الَّذِي فِيهِ الْخصم لتعذر اجْتِمَاعهمَا أَو خشيَة التَّأْخِير أَو غير ذَلِك كتب إِلَيْهِ بِمَا حكم بِهِ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ لِأَن حكمه لزم فَلَزِمَ كل وَاحِد تنفيذه بِخِلَاف مَا لَو ثَبت عِنْده وَلم يحكم حَيْثُ يفصل بَين قرب الْمسَافَة وَبعدهَا لِأَن مَعَ الْقرب يسهل إِحْضَار الشُّهُود ثمَّ للإنهاء طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن يشْهد على حكمه عَدْلَيْنِ يخرجَانِ إِلَى ذَلِك الْبَلَد وَالْأولَى أَن يكْتب بذلك كتابا أَولا ثمَّ يشْهد وَصُورَة الْكتاب حضر فلَان وَادّعى على فلَان الْغَائِب الْمُقِيم بِبَلَد كَذَا وَأقَام عَلَيْهِ شَاهِدين وهما فلَان وَفُلَان وعدلا عِنْدِي وَحلف الْمُدَّعِي وحكمت لَهُ بِالْمَالِ فَسَأَلَنِي أَن أكتب إِلَيْك كتابا فِي ذَلِك فأجبته وأشهدت بذلك فلَانا وَفُلَانًا وَيجوز أَن يقْتَصر على حكمت بِكَذَا لحجة أوجبت الحكم لِأَنَّهُ قد يحكم بِشَاهِد وَيَمِين أَو بِعِلْمِهِ إِن جوزناه وَهَذِه حِيلَة يدْفع بهَا القَاضِي قدح الْحَنَفِيَّة إِذا حكم بِشَاهِد وَيَمِين فَإِذا كتب فَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ الْكتاب أَو يقْرَأ بَين يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا ثمَّ يَقُول لَهما اشهدا عَليّ بِمَا فِيهِ أَو على حكمي الْمُبين فِيهِ وَفِي الشَّامِل لِابْنِ الصّباغ أَنه لَو اقْتصر بعد الْقِرَاءَة على قَوْله هَذَا كتابي إِلَى فلَان أَجْزَأَ وَفِي وَجه يَكْفِي مُجَرّد الْقِرَاءَة عَلَيْهِمَا وَلَو لم يقْرَأ الْكتاب عَلَيْهِم وَلم يعلمَا بِمَا فِيهِ وَقَالَ القَاضِي أشهدكما على أَن هَذَا كتابي وَمَا فِيهِ خطي لم يكف وَلم يكن لَهما أَن يشهدَا على حكمه لِأَن الشَّيْء قد يكْتب بِلَا قصد تَحْقِيق وَلَو قَالَ أشهدكما على أَن مَا فِيهِ حكمي أَو على أَنِّي قضيت بمضمونه لم يكف على الصَّحِيح حَتَّى يفصل مَا حكم بِهِ وَاعْلَم أَن التعويل على الشُّهُود وَالْمَقْصُود من الْكتاب التَّذْكِرَة وَلِهَذَا لَو ضَاعَ الْكتاب أَو انمحى وشهدا بمضمونه المضبوط عِنْدهمَا قبلت شَهَادَتهمَا وَقضى بهَا وَيشْتَرط إِشْهَاد رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَلَا يقبل رجل وَامْرَأَتَانِ وَقيل يقبل إِن تعلّقت بِمَال وَالصَّحِيح الأول وَالله أعلم قَالَ

стр. 549

بَاب الْقِسْمَة فصل ويفتقر الْقَاسِم إِلَى سَبْعَة شَرَائِط الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَالْعَدَالَة والحساب فَإِن تراضى الشريكان بِمن يقسم بَينهمَا لم يفْتَقر إِلَى ذَلِك الأَصْل فِي الْقِسْمَة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وَقَالَ ﵊ الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم الحَدِيث وَقسم ﵊ الْغَنَائِم وَكَذَا الْخُلَفَاء الراشدون ﵃ من بعده ثمَّ الْقِسْمَة تَارَة يتولاها الشُّرَكَاء بِأَنْفسِهِم وَتارَة يتولاها مَنْصُوب القَاضِي فَإِن تولاها مَنْصُوب القَاضِي فَيشْتَرط فِيهِ الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَالْعَدَالَة لِأَنَّهَا ولَايَة وَمن لم يَتَّصِف بذلك فَلَيْسَ أَهلا للولاية وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون عَالما بِالْقِسْمَةِ يَعْنِي بِالْحِسَابِ والمساحة لِأَنَّهُمَا آلَة الْقِسْمَة وَاعْتبر الْمَاوَرْدِيّ وَالْبَغوِيّ مَعَ ذَلِك أَن يكون نزهاً قَلِيل الطمع وَهل يشْتَرط أَن يكون عَالما بالقيم لاحتياجه إِلَى ذَلِك أم يسْتَحبّ وَجْهَان وَلَو نصب الشُّرَكَاء من يقسم بَينهم فَإِن جَعَلُوهُ وَكيلا فَلَا يشْتَرط ذَلِك بل يجوز أَن يكون عيدا أَو فَاسِقًا صرح بِهِ جمَاعَة قَالَ الرَّافِعِيّ كَذَا أَطْلقُوهُ وَيَنْبَغِي أَن يكون فِي العَبْد الْخلاف فِي تَوْكِيله فِي البيع وَإِن نَصبه الشُّرَكَاء حكما فقد أطلق الْبَنْدَنِيجِيّ وَأَبُو الطّيب وَغَيرهمَا أَنه يعْتَبر فِيهِ صِفَات قَاسم الْحَاكِم قَالَ ابْن الصّباغ بعد ذكره ذَلِك يَنْبَغِي إِذا قُلْنَا بِاعْتِبَار الرِّضَا بعد الْقرعَة أَنه لَا يشْتَرط عَدَالَته وحريته وَقَالَ ابْن الرّفْعَة بل يَنْبَغِي اشتراطهما وَإِن اعْتبرنَا الرِّضَا بعد الْقرعَة لِأَن الْقَائِل بِهِ يَجْعَل تَمام التَّحْكِيم مَوْقُوفا على هَذَا الرِّضَا فَهِيَ حِينَئِذٍ بعد الرِّضَا قسْمَة من حَاكم فاشترطت فِيهِ صِفَات الْحَاكِم كَمَا اشترطناها فِي التَّحْكِيم فِي الْأَمْوَال وَإِن لم يلْزم حكمه فِيهَا إِلَّا بِالرِّضَا بعده عِنْد هَذَا الْقَائِل وَهَذَا كُله إِذا لم يكن فِي الْقِسْمَة تَقْوِيم فَإِن كَانَ فَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا كَانَ فِيهَا تَقْوِيم لم يقْتَصر فِيهَا على أقل من اثْنَيْنِ) اعْلَم أَن الْأَمْلَاك الْمُشْتَركَة قسمتهَا على نَوْعَيْنِ عِنْد الْعِرَاقِيّين قسْمَة فِيهَا رد وَقِسْمَة لَا رد فِيهَا وَعند المراوزة على ثَلَاثَة أَنْوَاع قسْمَة فِيهَا رد وَقِسْمَة تَعْدِيل وَقِسْمَة إِفْرَاز فقسمة الْإِفْرَاز

стр. 550

تسمى قسْمَة المتشابهات وَإِنَّمَا تجْرِي فِي الْحُبُوب وَالدَّرَاهِم والأدهان وَسَائِر الْمِثْلِيَّات وَكَذَا تجْرِي فِي الدَّار المتفقة الْأَبْنِيَة وَالْأَرْض المتشابهة الْأَجْزَاء وَمَا فِي مَعْنَاهَا فتعديل الانصباء فِي الْمكيل بِالْكَيْلِ وَفِي الْمَوْزُون بِالْوَزْنِ وَالْأَرْض المتساوية تجزأ أَجزَاء مُتَسَاوِيَة بِعَدَد الْأَنْصِبَاء إِن تَسَاوَت بِأَن كَانَت لثَلَاثَة أَثلَاثًا فَيجْعَل ثَلَاثَة أَجزَاء مُتَسَاوِيَة ثمَّ يُؤْخَذ ثَلَاث رقاع مُتَسَاوِيَة وَيكْتب على كل رقْعَة اسْم شريك أَو جُزْء من الْأَجْزَاء ويميز بَعْضهَا عَن بعض بِحَدّ أَو جِهَة أَو غَيرهمَا وتدرج فِي بَنَادِق مُتَسَاوِيَة وزنا وشكلاً من طين أَو شمع وَنَحْوهمَا وَتجْعَل فِي حجر رجل لم يحضر الْكِتَابَة والإدراج فَإِن كَانَ صَبيا أَو أعجمياً كَانَ أولى ثمَّ يُؤمر بِإِخْرَاج رقْعَة أُخْرَى على الْجُزْء الأول من كتب اسماء الشُّرَكَاء فَمن خرج اسْمه أَخذه ثمَّ يُؤمر بإخراخ رقعه أُخْرَى على الجزىء الَّذِي يَلِي الأول فَمن خرج اسْمه أَخذه وَتعين الْبَاقِي للثَّالِث وكما تجوز الْقِسْمَة بالرقاع المدرجة تجوز بالعصى والحصا وَنَحْوهمَا وَإِذا طلب أحد الشُّرَكَاء فِي هَذِه الْقِسْمَة فَامْتنعَ أجبر الْمُمْتَنع على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا ضَرَر ويتخلص من سوء الْمُشَاركَة وَتسَمى هَذِه قسْمَة إِجْبَار كَمَا تسمى قسْمَة إِفْرَاز النَّوْع الثَّانِي قسْمَة التَّعْدِيل والمشترك الَّذِي تعدل سهامه تَارَة يكون شَيْئا وَاحِدًا وَتارَة يكون شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا فَإِن كَانَ شَيْئا وَاحِدًا كالأرض تخْتَلف أجزاؤها لاختلافها فِي قُوَّة النَّبَات والقرب من المَاء وَنَحْو ذَلِك فَيكون ثلثهَا لجودته كثلثيها بِالْقيمَةِ مثلا فَيجْعَل هَذَا سَهْما وَهَذَانِ سَهْما إِن كَانَت بَينهمَا نِصْفَيْنِ وَإِن كَانَت شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا فَإِن كَانَت عقارا كدارين أَو حانوتين متساويي الْقيمَة فَطلب أَحدهمَا الْقِسْمَة بِأَن يَجْعَل لهَذَا دَارا وَلِهَذَا دَارا لم يجْبر الْمُمْتَنع سَوَاء تجاور الحانوتان أَو الداران أم لَا لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض باخْتلَاف الْمحَال والأبنية فَلَو كَانَت دكاكين صغَارًا متلاصقة لَا يحْتَمل آحادها الْقِسْمَة وَيُقَال لَهَا العضائد فَطلب أَحدهمَا الْقِسْمَة أعياناً فَهَل يجْبر الْمُمْتَنع وَجْهَان أَحدهمَا لَا كالمتفرقة وكالدور وأصحهما نعم يجْبر للْحَاجة وَكَذَا حكم الخان الْمُشْتَمل على بيُوت ومساكن وَلَو كَانَت دَار بَين اثْنَيْنِ لَهَا علو وسفل فَطلب أَحدهمَا قسمتهَا علوا أَو سفلاً أجبر الآخر عِنْد الْإِمْكَان وَإِن طلب أَحدهمَا أَن يَجْعَل الْعُلُوّ لوَاحِد والسفل لآخر لَا يجْبر كَذَا أطلقهُ الْأَصْحَاب وَإِن كَانَ غير عقار كَأَن اشْتَركَا فِي دَوَاب أَو أَشجَار أَو ثِيَاب وَنَحْوهَا فَإِن كَانَت من نوع وَاحِد وَأمكن التَّسْوِيَة بَين الشَّرِيكَيْنِ عددا فَالْمَذْهَب أَنه يجْبر على قسمتهَا أعياناً لقلَّة اخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِيهَا بِخِلَاف الدّور وَإِن لم تمكن التَّسْوِيَة كثلاثة أعبد بَين اثْنَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ إِلَّا أَن أحدهم يُسَاوِي الآخرين فِي الْقيمَة فَإِن قُلْنَا بالإجبار عِنْد اسْتِوَاء الْقيمَة وَهُوَ الْمَذْهَب فَهُنَا قَولَانِ كالأرض الْمُخْتَلفَة الْأَجْزَاء وَإِن كَانَت الشّركَة لَا ترْتَفع إِلَّا عَن بعض الْأَعْيَان كعبدين بَين اثْنَيْنِ قيمَة أَحدهمَا مائَة وَقِيمَة الآخر مِائَتَان فَطلب أَحدهمَا الْقِسْمَة ليختص من خرجت لَهُ الْقِسْمَة بالخسيس وَيكون لَهُ فِي النفيس ربعه فَفِيهِ خلاف والأرجح لَا إِجْبَار هُنَا لِأَن الشّركَة لَا ترْتَفع بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن كَانَت

стр. 551

الْأَعْيَان أجناساً كدواب وَثيَاب وحنطة وشعير وَنَحْو ذَلِك أَو أنواعاً كجمل بخْتِي وعربي وضأن ومعز وثوبين كتَّان وقطن وَنَحْو ذَلِك فَطلب أَحدهمَا أَن يقسم أجناساً أَو أنواعاً لم يجْبر الآخر وَإِنَّمَا يقسم بِالتَّرَاضِي وَكَذَا لَو اخْتلطت الْأَنْوَاع وَتعذر التَّمْيِيز كتمر جيد ورديء فَلَا قسْمَة إِلَّا بِالتَّرَاضِي على مَا قطع بِهِ الْجُمْهُور وَهُوَ الْمَذْهَب النَّوْع الثَّالِث قسْمَة الرَّد وَصورتهَا أَن يكون فِي أحد جَانِبي الأَرْض بِئْر أَو شجر أَو فِي الدَّار بَيت لَا يُمكن قسمته فتضبط قيمَة مَا اخْتصَّ ذَلِك الْجَانِب بِهِ وتقسم الأَرْض وَالدَّار على أَن يرد من يَأْخُذ ذَلِك الْجَانِب تِلْكَ الْقيمَة وَهَذِه لَا إِجْبَار عَلَيْهَا بِلَا خلاف لِأَنَّهُ دخل فِي ذَلِك مَا لَا شركَة فِيهِ وَكَذَا لَو كَانَ بَينهمَا عَبْدَانِ وَنَحْوهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَقِيمَة أَحدهمَا ألف وَقِيمَة الآخر سِتّمائَة واقتسما على أَن يرد أحد النفيس مِائَتَيْنِ ليستويا هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور نعم لَو تَرَاضيا بقسمة الرَّد جَازَ وَبِالْجُمْلَةِ فالراجح أَن قسْمَة الرَّد وَالتَّعْدِيل بيع وَقِسْمَة الْأَجْزَاء إِفْرَاز على الرَّاجِح وَيشْتَرط الرَّد فِي الرِّضَا بعد خُرُوج الْقرعَة وَكَذَا لَو تَرَاضيا بقسمة مَا لَا إِجْبَار فِيهِ اشْترط الرِّضَا بعد الْقرعَة على الرَّاجِح كقولهما رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَة أَو بِمَا أخرجته الْقرعَة إِذا عرفت هَذَا فَإِن لم يكن فِي الْقِسْمَة تَقْوِيم وَقد أَمر الْحَاكِم بهَا جبرا جَازَ قَاسم وَاحِد لِأَن قسمته تلْزم بِنَفس قَوْله فَأشبه الْحَاكِم وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَبِه قطع جمَاعَة وَإِن كَانَ فِي الْقِسْمَة تَقْوِيم لم يكف إِلَّا قاسمان لِأَن التَّقْوِيم لَا يثبت إِلَّا بِاثْنَيْنِ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ والبندنيجي وَالْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَالْبَغوِيّ وَصَاحب الْكَافِي وتبعهم النَّوَوِيّ قَالَ ابْن الرّفْعَة وَقَضيته أَن الْحَاكِم لَو فوض لوَاحِد سَماع الْبَيِّنَة بالتقويم وَأَن يحكم بِهِ لَا يَكْفِي وَقد قَالَ الإِمَام إِن ذَلِك سَائِغ وَعبارَة الرَّوْضَة إِن كَانَ تَقْوِيم اشْترط اثْنَان وَللْإِمَام أَن ينصب قاسماً يَجعله حَاكما فِي التَّقْوِيم ويعتمد فِي التَّقْوِيم على عَدْلَيْنِ وَقَالَ ابْن الرّفْعَة إِن تعلّقت بصبي أَو مَجْنُون اشْترط اثْنَان وَإِلَّا فَلَا وَقَضِيَّة كَلَام ابْن الرّفْعَة أَن ذَلِك يجْرِي فِيمَا لَا تَقْوِيم فِيهِ وَاعْلَم أَنه لَو فوض الشُّرَكَاء الْقِسْمَة إِلَى وَاحِد بِالتَّرَاضِي جَازَ بِلَا خلاف قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا دعِي أحد الشَّرِيكَيْنِ إِلَى قسْمَة مَالا ضَرَر فِيهِ لزم الآخر إجَابَته) الْأَعْيَان الْمُشْتَركَة إِذا طلب أحد الشَّرِيكَيْنِ أَو الشُّرَكَاء قسمتهَا وَامْتنع الآخر ينظر إِن كَانَ لَا ضَرَر فِي الْقِسْمَة أجبر الْمُمْتَنع وَذَلِكَ كالثياب الغليظة الَّتِي لَا تنقص بقطعها والأراضي والدور والحبوب وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ لَا ضَرَر وَإِن كَانَ عَلَيْهَا ضَرَر كالجواهر وَالثيَاب النفيسة الَّتِي تنقص بقطعها أَو الرَّحَى أَو الْبِئْر أَو الْحمام الصَّغِير لم يجْبر الْمُمْتَنع لقَوْله ﷺ لَا ضَرَر وَلَا ضرار

стр. 552

ولنهيه ﵊ عَن إِضَاعَة المَال فَلَو طلبوها من الْحَاكِم وَكَانَت الْمَنْفَعَة تبطل بِالْكُلِّيَّةِ لم يجبهم ويمنعهم أَن يقتسموا بِأَنْفسِهِم لِأَنَّهُ سفه وَإِن نقصت كَيفَ يكسر لم يجبهم على الْأَصَح لَكِن لَا يمنعهُم أَن يقتسموا بِأَنْفسِهِم وَإِن كَانَ على أَحدهمَا ضَرَر دون الآخر مثل أَن يكون لأَحَدهمَا عشر الأَرْض وَالْآخر تِسْعَة أعشار وَإِذا قسمت أمكن صَاحب الاعشار الِانْتِفَاع ٢ بهَا دون الآخر فَإِن طلب صَاحب الْعشْر لم يجْبر الآخر على الْأَصَح وَإِن طلبَهَا الآخر أجبر صَاحب الْعشْر على الْأَصَح لِأَن صَاحب الْعشْر متعنت فِي طلبه إِذْ لَا نفع لَهُ فِيمَا يملك بعد الْقِسْمَة بِخِلَاف الآخر فَإِنَّهُ ينْتَفع فيعذر قلت يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن كَانَ صَاحب الْعشْر لَهُ ملك ملاصق إِلَى مَا يحصل لَهُ بِالْقِسْمَةِ أَو موَات وبالإضافة إِلَى ذَلِك ينْتَفع بِهِ فَيَنْبَغِي الاجبار لدفع سوء الْمُشَاركَة وَحُصُول الِانْتِفَاع وَالله أعلم قَالَ بَاب الدعاوي والبينات فصل فِي الْبَيِّنَة وَإِذا كَانَ مَعَ الْمُدعى بَيِّنَة سَمعهَا الْحَاكِم وَحكم لَهُ بهَا فَإِن لم تكن بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول الْمُدعى عَلَيْهِ الأَصْل فِي الدعاوي قَوْله لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَالْمعْنَى فِي جعل الْبَيِّنَة فِي جَانب الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا حجَّة قَوِيَّة بِانْتِفَاء التُّهْمَة لِأَنَّهَا لَا تجلب لنَفسهَا نفعا وَلَا تدفع عَنْهَا ضَرَرا وجانب الْمُدَّعِي ضَعِيف لِأَن مَا يَقُوله خلاف الظَّاهِر فكلف الْحجَّة القوية ليقوي بهَا ضعفه وَالْيَمِين حجَّة ضَعِيفَة لِأَن الْحَالِف مُتَّهم يجلب لنَفسِهِ النَّفْع وجانبه قوي إِذْ الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته فاكتفوا مِنْهُ بِالْحجَّةِ الضعيفة وَالصَّحِيح أَن الْمُدَّعِي من يُخَالف قَوْله الظَّاهِر وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ من يُوَافق قَوْله الظَّاهِر فَإِذا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة قضى لَهُ بهَا وَلَو كَانَ بعد حلف الْمُدعى عَلَيْهِ لاطلاق الْخَبَر وقدمت الْبَيِّنَة على الْيَمين لِأَن الْيَمين من جِهَة الْخصم وَهُوَ قَول وَاحِد بِخِلَاف الْبَيِّنَة فِيهَا فَإِن لم تكن بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول الْمُدعى عَلَيْهِ للْحَدِيث وَقد ورد قضى رَسُول الله ﷺ بِالْيَمِينِ على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَالله أعلم قَالَ

стр. 553

(وَإِن نكل عَن الْيَمين ردَّتْ على الْمُدَّعِي فَيحلف وَيسْتَحق) إِذا كَانَ الْحق الْمُدعى بِهِ لشخص معِين يُمكن تَحْلِيفه وَنكل الْمُدعى عَلَيْهِ ردَّتْ الْيَمين على الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ ﵊ رد الْيَمين على طَالب الْحق وَقد ردَّتْ الْيَمين على زيد بن ثَابت فَحلف وعَلى عُثْمَان ﵁ فَلم يحلف وَهُوَ مستفيض عَن الصَّحَابَة ﵃ وَلم يظْهر مِنْهُم مُخَالف فَإِن لم يُمكن تَحْلِيفه الْآن كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون فَالْمَشْهُور انْتِظَار الْبلُوغ والافاقة وَإِن كَانَ الْحق لغير معِين كالمسلمين كمن مَاتَ وَلَا وَارِث لَهُ إِذا وجد فِي دفتره مَا يدل عَلَيْهِ أَو ادّعى الْمُوصى إِلَيْهِ أَنه أوصى للْفُقَرَاء بِكَذَا فَإِنَّهُ وَالْحَالة هَذِه يحبس الْمُدعى عَلَيْهِ حَتَّى يحلف أَو يدْفع الْحق لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْقَضَاء بِالنّكُولِ بِلَا يَمِين لِأَن الْحق يثبت بالاقرار أَو بِالْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ النّكُول وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا يُمكن رد الْيَمين لِأَن الْمُسْتَحق غير معِين وَلَا يُمكن تَركه لما فِيهِ من ترك الْحق فَتعين الْحَبْس لفصل الْخُصُومَة وَقيل يقْضى بِالنّكُولِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْحق للضَّرُورَة وَفِي وَجه يخلى ومتولي الْمَسْجِد وَالْوَقْف هَل يحلف إِذا نكل الْمُدعى عَلَيْهِ فَفِيهِ أوجه الْمُرَجح لَا وَقيل نعم وَقيل إِن بَاشر السَّبَب بِنَفسِهِ حلف وَإِلَّا فَلَا فعلى الصَّحِيح هَل يقْضِي بِالنّكُولِ أَو يقف حَتَّى تقوم بَيِّنَة وَجْهَان وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا تداعيا فِي يَد أَحدهمَا فَالْقَوْل قَول صَاحب الْيَد وَإِن كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا تحَالفا وَيجْعَل بَينهمَا) إِذا تداعيا اثْنَان عينا وَلَا بَيِّنَة فَإِن كَانَت فِي يَد أَحدهمَا فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَن الْأَشْعَث بن قيس ﵁ قَالَ كَانَ بيني وَبَين رجل من الْيَهُود أَرض فجحدني فقدمته إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ ﷺ أَلَك بَيِّنَة قلت لَا فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِف فَقلت يَا رَسُول الله إِذن يحلف وَيذْهب بِمَالي فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ الْآيَة وَإِن كَانَ الْمُدَّعِي فِي أَيْدِيهِمَا أَو لم يكن فِي يَد وَاحِد مِنْهُمَا حلفا وَجعل بَينهمَا لِأَنَّهُ ﵊ قضى بِمثل ذَلِك وَالله أعلم (فرع) تداعيا دَابَّة ولأحدهما عَلَيْهَا حمل فَالْقَوْل قَول صَاحب الْحمل مَعَ يَمِينه لانفراده فِي

стр. 554

الِانْتِفَاع بالدابة فَلَو تداعيا عبدا لأَحَدهمَا عَلَيْهِ ثوب لم يحكم لَهُ بِالْعَبدِ وَالْفرق أَن كَون الْحمل على الدَّابَّة انْتِفَاع بِهِ فيده عَلَيْهَا وَالْمَنْفَعَة فِي لبس الثَّوْب للْعَبد لَا لصَاحب الثَّوْب فَلَا يدله قَالَه الْبَغَوِيّ وَلَو تداعيا دَابَّة حَامِلا واتفقا على أَن الْحمل لأَحَدهمَا فَهِيَ لصَاحب الْحمل وَلَو تداعيا دَابَّة ثَلَاثَة وَاحِد سائقها وَالْآخر آخذ بزمامها وَالْآخر راكبها فَالْقَوْل قَول الرَّاكِب لوُجُود الِانْتِفَاع فِي حَقه هَذَا هُوَ الصَّحِيح بِخِلَاف مَا إِذا تنَازع اثْنَان جداراً وَعَلِيهِ جُذُوع لأَحَدهمَا فَإِنَّهُ بَينهمَا ينتفعان بِهِ وَإِن امتاز صَاحب الْجُذُوع بِزِيَادَة كَمَا لَو كَانَ فِي دَار ولأحدهما فِيهَا مَتَاع فَإِنَّهَا بَينهمَا وَلَو تنَازع اثْنَان دَابَّة فِي اصطبل أَحدهمَا ويدهما عَلَيْهَا فَهِيَ لَهما إِن كَانَ فِيهِ دَوَاب لغير مَالِكه وَإِلَّا فَهِيَ لصَاحب الاصطبل فَلَو تنَازعا عِمَامَة فِي يَد أَحدهمَا عشرهَا وَفِي يَد الآخر بَاقِيهَا حلفا وَجعلت بَينهمَا كَمَا لَو كَانَ أَحدهمَا فِي صحن الدَّار وَالْآخر فِي دهليزها أَو على سطحها وَلَو كَانَ غير محوط فَإِنَّهَا لَهما قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَو تنَازعا شَيْئا فِي ظرف وَيَد أَحدهمَا على الشَّيْء وَيَد الآخر على الظّرْف اخْتصَّ كل مِنْهُمَا بِمَا فِي يَده لانفصال أَحدهمَا عَن الآخر بِخِلَاف مَا لَو تنَازعا عبدا وَيَد أَحدهمَا عَلَيْهِ وَيَد الآخر على ثَوْبه فَإِنَّهُ لمن يَده على العَبْد لَا لمن يَده على ثَوْبه بِخِلَاف الْعَكْس وَالله أعلم قَالَ (وَمن حلف على فعل نَفسه حلف على قطع والبت وَمن حلف على فعل غَيره فَإِن كَانَ إِثْبَاتًا حلف على نفي الْعلم) من حلف على فعل نَفسه حلف على الْقطع نفيا كَانَ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ أَو إِثْبَاتًا لاحاطته بِعلم حَاله وَإِن حلف على فعل غَيره فَإِن كَانَ على نفي حلف على نفي الْعلم إِذا لم يكن عَبده أَو بهيمته فَيَقُول وَالله مَا علمت أَنه فعل كَذَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْقطع بنفيه فَلم يُكَلف بِهِ كَمَا لَا يُكَلف الشَّاهِد بِالْقطعِ فِيمَا لَا يُمكن فِيهِ الْقطع فَلَو حلف على الْقطع اعْتد بِهِ قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب وَغَيره وَإِن كَانَ إِثْبَاتًا حلف على الْبَتّ لامكان الاحاطة قَالَ الرَّافِعِيّ هُنَا وكل مَا يحلف فِيهِ على الْبَتّ لَا يشْتَرط فِيهِ الْيَقِين بل يَكْفِي ظن مُؤَكد ينشأ من خطه أَو خطّ أَبِيه أَو نُكُول خَصمه وَقَالَ ابْن الصّباغ إِذا وجد بِخَط أَبِيه أَو أخبرهُ بِهِ عدل جَازَ أَن يحلف عَلَيْهِ إِن غلب على ظَنّه صدق ذَلِك وَإِن وجده بِخَط أَبِيه أَو أخبرهُ بِهِ عدل جَازَ أَن يحلف عَلَيْهِ إِن غلب على ظَنّه صدق ذَلِك وَإِن وجده بِخَط نَفسه لم يُطَالب بِهِ وَلم يحلف عَلَيْهِ حَتَّى يتيقنه لِأَنَّهُ فِي خطه يُمكنهُ التَّذَكُّر بِخِلَاف خطّ أَبِيه وَاقْتصر الرَّافِعِيّ على حكايته عَنهُ عَن الْأَصْحَاب فِي كتاب الْقَضَاء قلت وَكَلَام الْمَاوَرْدِيّ يُوَافق الْمَذْكُور هُنَا وَلَفظه إِذا رَآهُ فِي جَانب يغلب على ظَنّه صِحَّته أَو أخبرهُ بِهِ عدل فَيجوز أَن يدعى بِهِ وَهل لَهُ أَن يحلف إِذا ردَّتْ الْيَمين عَلَيْهِ أَو شهد لَهُ بِهِ شَاهد فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ إِن كَانَ نفيا حلف على نفي الْعلم كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك فِي النَّفْي الْمُطلق أما نفي الْفِعْل الْمُقَيد بِزَمن فَيكون على الْبَتّ

стр. 555

الْبَتّ لامكان الاحاطة وَيشْهد لَهُ قَوْلهم إِن الشَّهَادَة على النَّفْي لَا تجوز إِلَّا أَن يكون محصوراً فَتجوز وَالله أعلم (فرع) من لَهُ عِنْد شخص حق وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَة وَهُوَ مُنكر فَلهُ أَن يَأْخُذ جنس حَقه من مَاله إِن قدر وَلَا يَأْخُذ غير الْجِنْس مَعَ قدرته على الْجِنْس وَفِيه وَجه فَإِن لم يجد إِلَّا غير الْجِنْس جَازَ لَهُ الْأَخْذ على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب وَلَو أمكن تَحْصِيل الْحق بِالْقَاضِي بِأَن كَانَ من عَلَيْهِ الْحق مقرا مماطلاً أَو مُنْكرا وَعَلِيهِ الْبَيِّنَة أَو كَانَ يَرْجُو إقرارهه لَو حضر عِنْد القَاضِي وَعرض عَلَيْهِ الْيَمين فَهَل يسْتَقلّ بِالْأَخْذِ أم يجب الرّفْع إِلَى القَاضِي فِيهِ خلاف الرَّاجِح جَوَاز الْأَخْذ وَيشْهد لَهُ قَضِيَّة هِنْد وَلِأَن فِي المرافعة مشقة وَمؤنَة وتضييع زمَان ثمَّ مَتى جَازَ لَهُ الْأَخْذ فَلم يصل إِلَى حَقه إِلَّا بِكَسْر الْبَاب ونقب الْجِدَار جَازَ لَهُ ذَلِك وَلَا يضمن مَا أتلف كمن لم يقدر على دفع الصَّائِل إِلَّا باتلاف مَاله فأتلفه لَا يضمن هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَفِي مقَالَة شَاذَّة يضمن وَالله أعلم قَالَ بَاب الشَّهَادَة فصل فِي الشَّهَادَة وَلَا تقبل الشَّهَادَة إِلَّا مِمَّن اجْتمعت فِيهِ خَمْسَة أَوْصَاف الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة وَالْعَدَالَة الشَّهَادَة الاخبار بِمَا شوهد وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وَهُوَ أَمر إرشاد وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الشَّهَادَة قَالَ ترى الشَّمْس قَالَ نعم فَقَالَ على مثلهَا فاشهد أَو دع والآيات وَالْأَخْبَار فِيهَا كَثِيرَة ثمَّ للشَّاهِد صِفَات مُعْتَبرَة فِي قبُول شَهَادَته مِنْهَا الاسلام فَلَا تقبل شَهَادَة كَافِر ذِمِّيا كَانَ أَو حَرْبِيّا سَواد شهد على مُسلم أَو كَافِر وَاحْتج لَهُ الرَّافِعِيّ بقوله ﷺ لَا تقبل شَهَادَة أهل دين على غير دين أهلهم إِلَّا الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم عدُول على أنفسهم وعَلى غَيرهم ويحتج بذلك بِأَن الشَّهَادَة نُفُوذ قَول على الْغَيْر وَذَلِكَ ولَايَة وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل الولايات وَمِنْهَا الْبلُوغ فَلَا تقبل شَهَادَة الصَّبِي وَإِن كَانَ مراهقاً وَمِنْهَا الْعقل فَلَا تقبل شَهَادَة الْمَجْنُون لِأَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا لم ينفذ قَوْلهمَا فِي حق

стр. 556

أَنفسهمَا إِذا أقرا فَفِي حق غَيرهمَا أولى ويحتج أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فالصبي لَيْسَ من الرِّجَال وَهُوَ الْمَجْنُون مِمَّن لَا يرضون للشَّهَادَة وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة فَلَا تقبل شَهَادَة الرَّقِيق قِنَا كَانَ أَو مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَالْخطاب للأحرار لأَنهم الْمَشْهُود فِي حَقهم وَأَيْضًا فَقَوله مِنْكُمْ لَيْسَ لاخراج الْكَافِر لِأَنَّهُ خرج بقوله ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَتعين أَنه لإِخْرَاج العَبْد وَلِأَن الشَّهَادَة صفة كَمَال وتفضيل بِدَلِيل نقص شَهَادَة النِّسَاء فَوَجَبَ أَن لَا يدْخل فِيهِ العَبْد وَلِأَنَّهَا نُفُوذ قَول على الْغَيْر فَهِيَ ولَايَة وَالْعَبْد لَيْسَ أَهلا للولايات وَمِنْهَا الْعَدَالَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَقَالَ ﵊ لَا تقبل شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة وَلَا زَان وَلَا زَانِيَة ثمَّ معرفَة الْعدْل تحْتَاج إِلَى معرفَة أُمُور بهَا يتَمَيَّز الْعدْل من غَيره فَلهَذَا ذكر الشَّيْخ لَهَا شُرُوطًا قَالَ (وللعدالة خمس شَرَائِط أَن يكون مجتنباً للكبائر غير مصر على الصَّغَائِر) لَا تقبل الشَّهَادَة من صَاحب كَبِيرَة وَلَا من مدمن على صَغِيرَة لِأَن المتصف بذلك فَاسق وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه فَاسق لِأَن الْفسق لُغَة الْخُرُوج وَلِهَذَا يُقَال فسقت الرّطبَة إِذا خرجت من قشرها وَالْفِسْق فِي الشَّرْع الْميل عَن الطَّرِيق وَهُوَ كَذَلِك وَالْمرَاد بإدمان الصَّغِيرَة أَن تكون الْغَالِب من أَفعاله لَا أَن يَفْعَلهَا أَحْيَانًا ثمَّ يقْلع عَنْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِذا كَانَ الْأَغْلَب الطَّاعَة والمروءة قبلت الشَّهَادَة وَإِن كَانَ الْأَغْلَب الْمعْصِيَة وَخلاف الْمُرُوءَة ردَّتْ شَهَادَته وَهل المُرَاد بالادمان السالب للعدالة المداومة على نوع وَاحِد من الصَّغَائِر أم الاكثار مِنْهَا سَوَاء كَانَت من نوع أَو أَنْوَاع قَالَ الرَّافِعِيّ مِنْهُم من يفهم كَلَامه الأول وَمِنْهُم من يفهم كَلَامه الثَّانِي وَيُوَافِقهُ قَول الْجُمْهُور من غلبت مَعَاصيه طَاعَته ردَّتْ شَهَادَته وَلَفظ الْمُخْتَصر قريب مِنْهُ قلت وَمُقْتَضى تَرْجِيحه الثَّانِي أَن المداومة على الصَّغِيرَة لَا تسلب الْعَدَالَة وَلَيْسَ كَذَلِك فقد صرح هُوَ نَفسه فِي غير مَوضِع أَن المداومة على الصَّغِيرَة تصير كَبِيرَة فاعرفه وَالله أعلم

стр. 557

وللأصحاب اخْتِلَاف فِي حد الْكَبِيرَة وَلَيْسَ هَذَا الْكتاب من متعلقات الْبسط فلنذكر حَدَّيْنِ مِمَّا ذكره الرَّافِعِيّ أَحدهمَا ذكره الْبَغَوِيّ فَقَالَ الْكَبِيرَة مَا توجب الْحَد وَقَالَ غَيره مَا يلْحق صَاحبهَا وَعِيد شَدِيد بِنَصّ كتاب أَو سنة قَالَ الرَّافِعِيّ وهم إِلَى تَرْجِيح الأول أميل يَعْنِي إِلَى مَا قَالَه الْبَغَوِيّ لَكِن الثَّانِي أوفق لما ذَكرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر قلت وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ الْكَبِيرَة مَا أوجبت الْحَد أَو توجه إِلَى الْفَاعِل الْوَعيد وَالصَّغِيرَة مَا قل فِيهَا الاثم وَالله أعلم قَالَ (وَأَن يكون سليم السريرة مَأْمُونا عِنْد الْغَضَب محافظاً على مُرُوءَة مثله) قَوْله سليم السريرة احْتَرز بِهِ عَن سيئها من أهل الْبدع والأهواء وَلِلنَّاسِ خلاف منتشر فِي تكفيرهم وَإِن كَانُوا من أهل الْقبْلَة وَلَا شكّ أَن مِنْهُم من هُوَ كَافِر قطعا وَمِنْهُم من لَيْسَ بِكَافِر قطعا وَمِنْهُم من فِيهِ خلاف وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بَسطه وَالْكَلَام فِيمَن تقبل شَهَادَته مِنْهُم وَمن لَا تقبل قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة من كفر من أهل الْبدع لَا تقبل شَهَادَته وَأما من لم يكفر من أهل الْبدع والأهواء فقد نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم والمختصر على قبُول شَهَادَتهم إِلَّا الخطابية وهم قوم يرَوْنَ جَوَاز شَهَادَة أحدهم لصَاحبه إِذا سَمعه يَقُول لي عِنْد فلَان كَذَا فيصدقه بِيَمِين أَو غَيرهَا ثمَّ يشْهد لَهُ اعْتِمَادًا على أَنه لَا يكذب هَذَا نَصه وَالْأَصْحَاب فِيهِ على ثَلَاث فرق فرقة جرت على ظَاهر نَصه وَقبلت شَهَادَة جَمِيعهم وَهَذِه طَريقَة الْجُمْهُور وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُم مصيبون فِي زعمهم وَلم يظْهر مِنْهُم مَا يسْقط الثِّقَة بقوله حَتَّى قبل هَؤُلَاءِ شَهَادَة من سبّ الصَّحَابَة وَالسَّلَف ﵃ لِأَنَّهُ يقدم عَلَيْهِ عَن اعْتِقَاد لَا عَن عَدَاوَة وعناد قَالُوا لَو شهد خطابي وَذكر فِي شَهَادَته مَا يقطع احْتِمَال الِاعْتِمَاد على قَول الْمُدَّعِي بِأَن قَالَ سَمِعت فلَانا يقر بِكَذَا لفُلَان أَو رَأْيه أقربه قبلت شَهَادَته وَفرْقَة مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَمن تبعه حملُوا النَّص على الْمُخَالفين فِي الْفُرُوع وردوا شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء كلهم وَقَالُوا هم بِالرَّدِّ أولى من الفسقة وَفرْقَة ثَالِثَة توسطوا فَردُّوا شَهَادَة بَعضهم دون بعض فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق من أنكر إِمَامَة أبي بكر الصّديق ﵁ ردَّتْ شَهَادَته لمُخَالفَة الاجماع ورد الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد شَهَادَة الَّذين يسبون الصَّحَابَة ويقذفون أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ وَعَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ فَإِنَّهَا مُحصنَة كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْعَظِيم وعَلى هَذَا جرى الامام وَالْغَزالِيّ وَالْبَغوِيّ وَاسْتَحْسنهُ الرَّافِعِيّ وَفِي الرقم أَن شَهَادَة الْخَوَارِج مَرْدُودَة لتكفيرهم أهل الْقبْلَة ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ قلت الصَّوَاب مقَالَة الْفرْقَة الأولى وَهُوَ قبُول شَهَادَة الْجَمِيع فقد قَالَ الشَّافِعِي ﵁ فِي الْأُم ذهب النَّاس فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث إِلَى أُمُور تباينوا فِيهَا تبايناً شَدِيدا واستحل بَعضهم من بعض مَا تطول حكايته وَكَانَ ذَلِك متقادماً مِنْهُ مَا كَانَ فِي عهد السّلف وَإِلَى يَوْمنَا هَذَا وَلم نعلم أحدا من سلف الْأَئِمَّة يقْتَدى بِهِ وَلَا من بعدهمْ من التَّابِعين رد شَهَادَة أحد بتأول وَإِن خطأه وضلله وَرَآهُ اسْتحلَّ مَا حرم الله تَعَالَى

стр. 558

عَلَيْهِ فَلَا ترد شَهَادَة أحد بِشَيْء من التَّأْوِيل إِذا كَانَ لَهُ وَجه يحْتَملهُ وَإِن بلغ فِيهِ استحلال المَال وَالدَّم هَذَا نَصه بِحُرُوفِهِ وَفِيه التَّصْرِيح بِمَا ذَكرْنَاهُ من تَأْوِيل تَكْفِير الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن نعم قَاذف عَائِشَة ﵂ كَافِر فَلَا تقبل شَهَادَته انْتهى كَلَام النَّوَوِيّ قلت كَلَام النَّوَوِيّ صَرِيح فِي قبُول شَهَادَة من يسْتَحل فِي تَأْوِيله الدَّم وَالْمَال وَقد بَالغ فِي ذَلِك فَقَالَ الصَّوَاب كَذَا وَلَا شكّ أَن الْبُغَاة نوع من الْمُخَالفين بِتَأْوِيل وَقد ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا أَن الْبَاغِي إِن كَانَ يسْتَحل دِمَاء أهل الْعدْل وَأَمْوَالهمْ لَا ينفذ حكم حاكمهم وَلَا تقبل شَهَادَة شاهدهم وَنَقله عَن المعتبرين وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك وَعلل بِالْفِسْقِ بل جزما بذلك فِي الْمُحَرر ولمنهاج وَلَفظه وَتقبل شَهَادَة الْبُغَاة وَقَضَاء قاضيهم فِيمَا يقبل قَضَاء قاضينا إِلَّا أَن يسْتَحل دماءنا وَقد ذكر النَّوَوِيّ قبل هَذَا مَا يَقْتَضِي قبُول شَهَادَة المجسمة لكنه جزم فِي شرح الْمُهَذّب بتكفيرهم ذكره فِي صفة الْأَئِمَّة فلينتبه لَهُ والخطابية هم أَصْحَاب ابْن خطاب الْكُوفِي وهم يَعْتَقِدُونَ أَن الْكَذِب كفر وَإِن من كَانَ على مَذْهَبهم لَا يكذب فيصدقونه على مَا يَقُوله وَيشْهدُونَ لَهُ بِمُجَرَّد إخْبَاره وَهَذِه شَهَادَة زور لِأَنَّهَا شَهَادَة على غير مشهود عَلَيْهِ وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ مَأْمُونا عِنْد الْغَضَب احْتَرز بِهِ عَمَّن لَا يُؤمن عِنْد غضب ككثير فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا تقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ غَيره مَأْمُون فَسَقَطت الثِّقَة بِهِ وَقَول الشَّيْخ محافظاً على مُرُوءَة مثله احْتَرز بِهِ عَمَّن لَيْسَ كَذَلِك فَلَا تقبل شَهَادَة القمام وَهُوَ الَّذِي يجمع القمامة أَي الكناسة ويحملها وَكَذَا الْقيم فِي الْحمام وَمن يلْعَب بالحمام يَعْنِي يطيرها لينْظر تقلبها فِي الجو وَكَذَا الْمُغنِي سَوَاء أَتَى النَّاس أَو أَتَوْهُ وَكَذَا الرقاص كهذه الصُّوفِيَّة الَّذين يسعون إِلَى ولائم الظلمَة والمكسة ويظهرون التواجد عِنْد رقصهم وتحريك رؤوسهم وتلويح لحاهم الخسيسة صنع المجانين وَإِذا قرئَ الْقُرْآن لَا يَسْتَمِعُون لَهُ وَلَا ينصتون وَإِذا نعق مزمار الشَّيْطَان صَاح بَعضهم على بعض بالوسواس قَاتلهم الله مَا أفسقهم وأزهدهم فِي كتاب الله وأرغبهم فِي مزمار الشَّيْطَان وَقرن الشَّيْطَان عَافَانَا الله من ذَلِك وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة من يَأْكُل فِي الْأَسْوَاق وَمثله لَا يعْتَاد بِخِلَاف من يَأْكُل قَلِيلا على بَاب دكانه لجوع كَمَا قَالَه الْبَنْدَنِيجِيّ أَو كَانَ مِمَّن عَادَتهم الْغذَاء فِي الْأَسْوَاق كالصباغين والسماسرة وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة من يمد رجله عِنْد النَّاس بِلَا مرض كَمَا قَالَه الْبَنْدَنِيجِيّ وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة من يلْعَب بالشطرنج على الطَّرِيق وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة من يكْشف عَن بدنه مَالا يعْتَاد وَإِن لم يكن عَورَة وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة من يكثر من الحكايات المضحكة أَو يذكر أَهله أَو زَوجته بالسخف كَمَا ذكره ابْن الصّباغ وَنَحْو ذَلِك ومدار ذَلِك كُله على حفظ الْمُرُوءَة لِأَن الأَصْل فِي ذَلِك أَن حفظ الْمُرُوءَة من الْحيَاء ووفور الْعقل وَطرح ذَلِك إِمَّا لخبل بِالْعقلِ أَو قلَّة حَيَاء أَو قلَّة مبالاته بِنَفسِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يوثق بقوله فِي حق غَيره وَهُوَ أولى لِأَن من لَا يحافظ على مَا يشينه فِي نَفسه فَغَيره

стр. 559

أولى فَإِن من لَا حَيَاة فِيهِ يصنع مَا يَشَاء وَقد اخْتلفت عِبَارَات الْأَصْحَاب فِي حد الْمُرُوءَة مَعَ تقاربها فِي الْمَعْنى فَقيل أَن يصون نَفسه عَن الأدناس وَمَا يشينها بَين النَّاس وَقيل أَن يسير كسير أشكاله فِي زَمَانه ومكانه وَقيل غير ذَلِك وَالضَّابِط الْعرف وللماوردي وَغَيره من الْأَصْحَاب فِي ذَلِك أُمُور مهمة مستكثرة لَا يحتملها هَذَا الْمُخْتَصر وَالله أعلم قَالَ بَاب أَقسَام الْمَشْهُود بِهِ فصل والحقوق ضَرْبَان حق الله وَحقّ الْآدَمِيّ فَأَما حُقُوق الْآدَمِيّين فعلى ثَلَاثَة أضْرب ضرب لَا يقبل فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذكران أَو رجل وَامْرَأَتَانِ أَو شَاهد وَيَمِين الْمُدَّعِي وَهُوَ مَا كَانَ الْقَصْد مِنْهُ المَال الْمَقْصُود من هَذِه الْجُمْلَة بَيَان عدد الشُّهُود وصفتهم من الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَلَا شكّ أَن الْحُقُوق على ضَرْبَيْنِ حق الله وَحقّ الْآدَمِيّين أما حق الله فَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَأما حُقُوق الْآدَمِيّين فَهِيَ على ثَلَاثَة أضْرب كَمَا ذكره الشَّيْخ الأول مَا هُوَ مَال أَو كَانَ الْمَقْصُود مِنْهُ المَال أما المَال كالأعيان والديون وَأما مَا كَانَ الْمَقْصُود من المَال وَذَلِكَ كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالرَّهْن والاقرار وَالْغَصْب وَقتل الْخَطَأ وَنَحْو ذَلِك فَيقبل فِيهِ رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فَكَانَ على عُمُوم إِلَّا مَا خصّه دَلِيل قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَهَذَا بِالْإِجْمَاع ثمَّ لَا فرق بَين أَن تتقدم شَهَادَة الرجل على الْمَرْأَتَيْنِ أَو تتأخر وَسَوَاء قدر على رجلَيْنِ أَو لم يقدر وكما يقبل فِي هَذَا الضَّرْب رجل وَامْرَأَتَانِ كَذَلِك يقبل فِيهِ شَاهد وَيَمِين الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ ﷺ قضى بِشَاهِد وَيَمِين ورد من رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَرَوَاهُ من الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ ثَمَانِيَة عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَسعد بن عبَادَة ﵃ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يتَمَكَّن من الْبَيِّنَة الْكَامِلَة أم لَا لِأَنَّهَا حجَّة تَامَّة وَفِيه وَجه نعم يشْتَرط أَن يتَعَرَّض فِي يَمِينه لصدق شَاهده فَيَقُول وَالله إِن شَاهِدي لصَادِق فِيمَا شهد بِهِ وَإِنِّي لمستحق لكذا هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَا يشْتَرط ذَلِك وَيَكْفِي الِاقْتِصَار على الِاسْتِحْقَاق لِأَن

стр. 560

الْيَمين بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الآخر وَوجه مُقَابلَة أَن الْيَمين مَعَ الشَّاهِد حجتان مختلفتا الْجِنْس فَوَجَبَ ربط إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى وَيجب تَأْخِير الْيَمين على الشَّاهِد وتعديله على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم (فرع) هَل يقبل فِي الْوَقْف مَا يقبل فِي المَال من رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو رجل وَيَمِين فِيهِ خلاف الصَّحِيح أَنه يقبل وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَإِن قُلْنَا ينْتَقل إِلَى الله تَعَالَى لِأَن الْمَقْصُود من الْوَقْف تمْلِيك غلَّة الْمَوْقُوف للْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَهِي مَنْفَعَة مَالِيَّة فَأشبه الْإِجَارَة وَلَو شهد بِالسَّرقَةِ رجل وَامْرَأَتَانِ ثَبت المَال دون الْقطع على الصَّحِيح وَكَذَا لَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ على صدَاق فِي نِكَاح فَإِنَّهُ يثبت الصَدَاق لِأَنَّهُ الْمَقْصُود وَالله أعلم قَالَ (وَضرب يقبل فِيهِ شَاهِدَانِ ذكران وَهُوَ النّسَب) هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ مَا لَيْسَ بِمَال وَلَا يقْصد مِنْهُ المَال وَهُوَ مِمَّا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كالنسب وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْوَلَاء وَالْوكَالَة وَالْوَصِيَّة وَقتل الْعمد الَّذِي يقْصد بِهِ الْقصاص وَسَائِر الْحُدُود غير حد الزِّنَا وَكَذَا الْإِسْلَام وَالرِّدَّة أعاذنا الله مِنْهَا وَالْبُلُوغ وانقضاء الْعدة وَالْعَفو عَن الْقصاص وَالْإِيلَاء وَالظِّهَار وَالْمَوْت وَالْخلْع من جَانب الْمَرْأَة وَالتَّدْبِير وَكَذَا الْكِتَابَة فِي الْأَصَح فَلَا يقبل فِي ذَلِك إِلَّا رجلَانِ والأاصل فِي بعض ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي مرشد وشاهدي عدل وَقَالَ ابْن شهَاب مَضَت السّنة من رَسُول الله ﷺ أَنه لَا تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَلَا فِي النِّكَاح وَلَا فِي الطَّلَاق وَفِيه إرْسَال وَالله أعلم (فرع) ادّعى شخص على آخر أنغصبه مَالا فَقَالَ إِن كنت غصبته فامرأتي طَالِق فَأَقَامَ الْمُدَّعِي على الْغَاصِب شَاهدا وَحلف مَعَه أَو رجلا وَامْرَأَتَيْنِ ثَبت الْغَصْب وترتب عَلَيْهِ الضَّمَان وَلَا يَقع الطَّلَاق كَمَا لَو قَالَ إِن ولدت فَأَنت طَالِق فأقامت أَربع نسْوَة على الْولادَة ثَبت النّسَب والولادة

стр. 561

وَلَا تطلق وَالله أعلم قَالَ (وَضرب لَا يقبل فِيهِ إِلَّا أَربع نسْوَة وَهُوَ مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّالِث وَهُوَ مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال وتختص النِّسَاء بمعرفته غَالِبا فَيقبل فِيهِ شَهَادَتهنَّ منفردات وَذَلِكَ كالولادة والبكارة والثيوبة والرتق والقرن وَالْحيض وَالرّضَاع وَكَذَا عُيُوب الْمَرْأَة من برص وَغَيره تَحت الْإِزَار حرَّة كَانَت أَو أمة وَكَذَا استهلال الْوَلَد على الْمَشْهُور فَكل هَذَا الضَّرْب لَا يقبل فِيهِ إِلَّا أَربع نسْوَة وَاحْتج لشهادتين منفردات بقول الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة بِأَن تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي كل شَيْء لَا يَلِيهِ غَيْرهنَّ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ بِمَعْنَاهُ ولأ الرِّجَال لَا يرَوْنَ ذَلِك غَالِبا فَلَو لم تقبل مِنْهُنَّ لتعذر إثْبَاته وَاعْتِبَار الْأَرْبَع لِأَن الله تَعَالَى أَقَامَ كل امْرَأتَيْنِ حَيْثُ قبلت شَهَادَة النِّسَاء مقَام رجل وَقَالَ ﵊ أما نُقْصَان عقلهن فَإِن شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ بِشَهَادَة رجل وَاحِد وَإِذا جَازَ شَهَادَة النِّسَاء الخلص جَازَ شَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو رجلَيْنِ وَهُوَ أولى بِالْقبُولِ وَالله أعلم (فرع) مَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء الخلص الْأَصَح أَنه لَا يثبت بِشَاهِد وَيَمِين وَلَا بامرأتين وَيَمِين وَقيل يثبت فِي كل ذَلِك بامرأتين وَيَمِين وكل مَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء المنفردات بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّهَادَة على الْفِعْل لَا تقبل فِيهِ شَهَادَتهنَّ على الْإِقْرَار صرح بِهِ الْمُتَوَلِي وَغَيره فِي الْإِقْرَار بِالرّضَاعِ وَالله أعلم قَالَ (وَأما حُقُوق الله تَعَالَى فَلَا تقبل فِيهَا النِّسَاء وَهِي على ثَلَاثَة أضْرب ضرب لَا يقبل فِيهِ أقل من أَرْبَعَة وَهُوَ الزِّنَا) لَا يقبل فِي حد الزِّنَا واللواط وإتيان الْبَهَائِم إِلَّا أَرْبَعَة من الرِّجَال وَحجَّة ذَلِك فِي الزِّنَا واللواط قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ وَورد أَن سعد بن عبَادَة ﵁ قَالَ لرَسُول الله أَو أَن السُّلْطَان يحلل أَو شُهَدَاء قَالَ نعم وَلِأَن الزِّنَا واللواط من أعظم الْفَوَاحِش فغلظ فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِمَا ليَكُون أستر للمحارم

стр. 562

وَأما إتْيَان الْبَهَائِم فَإِنَّهُ إتْيَان فرج فِي فرج يُوجب الْغسْل فَأشبه الْآدَمِيّ وَقيل إِن قُلْنَا الْوَاجِب فِي إتْيَان الْبَهَائِم التَّعْزِير وَهُوَ الرَّاجِح قيل فِيهِ شَاهِدَانِ لِخُرُوجِهِ عَن حكم الزِّنَا وَهَذَا ضَعِيف جدا لِأَن نُقْصَان الْعقُوبَة لَا يدل على نُقْصَان الشَّهَادَة بِدَلِيل زنا الْأمة فَلَو شهد ثَلَاثَة بِالزِّنَا فَهَل يجب الْحَد على الشُّهُود فِيهِ خلاف الرَّاجِح أَنهم يحدون لعدم تَمام الْحجَّة ولأنا لَو لم نوجب الْحَد لاتخذ النَّاس الشَّهَادَة ذَرِيعَة إِلَى الْقَذْف فتستباح الْأَعْرَاض بِصُورَة الشَّهَادَة وَالله أعلم قَالَ (وَضرب يقبل فِيهِ شَاهِدَانِ وَهُوَ غير الزِّنَا من الْحُدُود) وَهَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي من حُقُوق الله تَعَالَى وَلَا مدْخل للنِّسَاء فِيهِ وَلَا يقبل فِيهِ إِلَّا رجلَانِ كَحَد الشّرْب وَقطع الطَّرِيق وَالْقَتْل بِالرّدَّةِ وَنَحْو ذَلِك لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقِيَاسًا على النِّكَاح وَالْوَصِيَّة وَالله أعلم قَالَ (وَضرب يقبل فِيهِ شَاهد وَاحِد وَهُوَ هِلَال رَمَضَان) لَا يقبل الْوَاحِد إِلَّا فِي هِلَال رَمَضَان على الرَّاجِح وَاحْتج لَهُ بقول ابْن عمر ﵄ ترَاءى النَّاس الْهلَال فَأخْبرت رَسُول الله ﷺ أَنِّي رَأَيْته فصَام وَأمر النَّاس بصيامه وَيسْتَثْنى مَعَ مَسْأَلَة الْهلَال مَسْأَلَة أُخْرَى ذكرهَا الْمُتَوَلِي ونقلها عَنهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ فرع ذكر الْمُتَوَلِي أَنه لَو مَاتَ كَافِر فَشهد وَاحِد أَن أسلم فَلَا يحكم بِأَنَّهُ مُسلم فِي الْإِرْث فيرثه الْكَافِر لَا الْمُسلم وَهل يحكم بِهِ فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَيْهِ قَولَانِ كَمَا فِي ثُبُوت هِلَال رَمَضَان وَاسْتثنى الشَّيْخ تَاج الدّين بن الفركاح مَسْأَلَة نقلهَا عَن الْمَاوَرْدِيّ وهم فِيهَا فَليعلم ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى إِلَّا فِي خَمْسَة مَوَاضِع النّسَب وَالْمَوْت وَالْملك الْمُطلق والترجمة وعَلى المضبوط وَمَا تحمله قبل الْعَمى) اعْلَم أَن الْمَشْهُود بِهِ قد يكون الْعلم بِهِ من جِهَة حاسة الْبَصَر وَقد يكون من جِهَة حاسة السّمع فَبِأَي الْجِهَتَيْنِ حصل الْعلم جَازَ الِاعْتِمَاد فِيهِ على قبُول الشَّهَادَة فمما يُسْتَفَاد الْعلم بِهِ بحاسة السّمع مَا طَرِيقه الاستفاضة وَذَلِكَ كالنسب وَالْمَوْت وَالْملك الْمُطلق لِأَن الشَّهَادَة وَالْحَالة هَذِه مُعْتَمدَة على السَّمَاء فالأعمى والبصير فِي ذَلِك على السوَاء هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور وَقيل لَا تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى فِي ذَلِك لِأَن المخبرين لَا بُد من الْعلم بِعَدَالَتِهِمْ

стр. 563

وَالْأَعْمَى لَا يشاهدهم فَلَا يعرف عدالتهم قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَهَذَا يَعْنِي الْقبُول مَحْمُول على مَا إِذا سمع ذَلِك فِي دفعات وتكرر من قوم مُخْتَلفين فِي أزمان حَتَّى يتيقنه وَيصير كالتواتر عِنْده وَلَا يجوز التَّحَمُّل إِلَّا على هَذَا الْوَجْه وكما تجوز الشَّهَادَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع كَذَلِك تجوز شَهَادَته فِي التَّرْجَمَة على الْأَصَح وَكَذَا تجوز شَهَادَة الْأَعْمَى على المضبوط وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يقر شخص فِي أُذُنه بِشَيْء فيمسكه إِمَّا بِأَن يضع يَده على رَأسه أَو بِأَن يمسك بِيَدِهِ ويحمله إِلَى القَاضِي وَيشْهد عَلَيْهِ بِمَا قَالَه فِي أُذُنه لحُصُول الْعلم بذلك هَذَا هُوَ الْأَصَح وَفِي وَجه لَا يقبل لجَوَاز أَن يكون الْمقر غَيره وَهُوَ بعيد قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَمحل الْخلاف إِذا جَمعهمَا مَكَان خَال وألصق فَاه بِإِذْنِهِ وَضَبطه فَلَو كَانَ هُنَاكَ جمَاعَة وَأقر فِي أُذُنه لم يقبل وَكَذَلِكَ تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى فِيمَا تحمله قبل الْعَمى بِشَرْط أَن يعرف اسْم الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَنسبه لِأَن الْأَعْمَى كالبصير فِي الْعلم بذلك والبصير لَهُ أَن يشْهد وَالْحَالة هَذِه وَإِن لم ير الْمَشْهُود عَلَيْهِ لغيبة أَو موت فَكَذَلِك الْأَعْمَى وَالله أعلم قلت وأيد ابْن الصّلاح احْتِمَالا فِي إِلْحَاق مَوضِع سادس وَهُوَ أَن يألف شخصا وَيعرف صورته ضَرُورَة فَيَنْبَغِي أَن يجوز أَن يشْهد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقِين وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا لَهُ أَن يشْهد بالاستفاضة وَهَذَا الَّذِي قَالَه ابْن الصّباغ أوردهُ بَعضهم سؤالاً وَقَالَ يَنْبَغِي إِذا عرف صَوت شخص وألفه أَن تسمع شَهَادَته عَلَيْهِ كَمَا أَن لَهُ أَن يطَأ زَوجته بِمثل ذَلِك وَأجِيب بِأَن وَطْء الزَّوْجَة أَحَق بِدَلِيل أَنه أُبِيح لَهُ الْوَطْء اعْتِمَادًا على اللَّمْس إِذا عرف بِهِ عَلامَة فِيهَا وَيقبل خبر الْوَاحِدَة إِذا زفتها إِلَيْهِ وَقَالَت إِنَّهَا زَوجته وَلَا تجوز الشَّهَادَة بِمثل ذَلِك وَالله أعلم (فرع) تقبل رِوَايَة الْأَعْمَى فِيمَا تحمله قبل الْعَمى بِلَا خلاف وَكَذَا فِيمَا تحمله بعد الْعَمى على الْأَصَح إِذا حصلت الثِّقَة الظَّاهِرَة بقوله وَصحح الإِمَام مُقَابِله فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة فَالْجَوَاب قَالَ الْقَرَافِيّ بقيت زَمَانا أتطلب الْفرق بِالْحَقِيقَةِ فَلم أجد الْأَكْثَرين يفرقون بالحكم كاشتراط الْعَدَالَة وَالْحريَّة والذكورة وَحَاصِل الْفرق أَن الْمخبر عَنهُ إِن كَانَ أمرا عَاما لَا يخْتَص بِمعين فَهَذِهِ الرِّوَايَة فَإِن اخْتصَّ بِمعين فَهُوَ شَهَادَة كَقَوْل الْعدْل للْحَاكِم لهَذَا على هَذَا كَذَا وَالله أعلم قَالَ (وَلَا تجوز شَهَادَة الْجَار لنَفسِهِ نفعا وَلَا الدَّافِع عَنْهَا ضَرَرا) من شَرط الشَّهَادَة عدم التُّهْمَة وللتهمة أَسبَاب مِنْهَا أَن يجر إِلَى نَفسه نفعا وَذَلِكَ كَشَهَادَة الْوَارِث لمورثه بجراحة قبل الِانْدِمَال حَيْثُ كَانَت مِمَّا تسري لِأَن الشَّاهِد هُوَ مُسْتَحقّ مُوجب الْجراحَة فَيصير شَاهدا لنَفسِهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا لَا تصح شَهَادَة الْغُرَمَاء للْمُفلس بعد الْحجر لِأَن حُقُوقهم تتَعَلَّق بِمَا يثبتونه فَتَصِير شَهَادَة لأَنْفُسِهِمْ وَكَذَا لَا تصح شَهَادَة الْوَصِيّ للْيَتِيم وَالْوَكِيل

стр. 564

للْمُوكل فِيمَا فوض إِلَيْهِمَا النّظر فِيهِ وَنَحْو ذَلِك من الصُّور الْكَثِيرَة وَاحْتج لذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ والريبة حَاصِلَة هُنَا وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَا تقبل شَهَادَة خصم وَلَا ظنين والظنين الْمُتَّهم وَلِهَذَا لَا تقبل شَهَادَة الدَّافِع عَن نَفسه ضَرَرا كَشَهَادَة الْعَاقِلَة الْأَغْنِيَاء الْأَقْرَبين على شُهُود الْقَتْل بِالْفِسْقِ للتُّهمَةِ لأَنهم يدْفَعُونَ عَن أنفسهم التَّحَمُّل وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة الضَّامِن بِبَرَاءَة الْمَضْمُون عَنهُ قَالَ الرَّافِعِيّ وَكَذَا شَهَادَة المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا بعد الْقَبْض بِأَن الْعين الْمَبِيعَة لغير بائعة لما فِي ذَلِك من نقل الضَّمَان وَمَا أشبه ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

стр. 565

كتاب الْعتْق الْعتْق فِي الشَّرْع عبارَة عَن إِزَالَة الْملك عَن الْآدَمِيّ لَا إِلَى مَالك تقرباً إِلَى الله تَعَالَى مَأْخُوذ من قَوْلهم عتق الْفرس إِذا سبق وَنَجَا وَعتق الفرخ إِذا طَار واستقل وَقَوي وَهُوَ قربَة مَنْدُوب إِلَيْهَا بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فك رَقَبَة﴾ وَورد أَنه ﵊ قَالَ من أعتق رَقَبَة أعتق الله سُبْحَانَهُ بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار حَتَّى فرجه بفرجه وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار وخصت الرَّقَبَة بِالذكر لِأَن ملك السَّيِّد لَهُ كالحبل فِي رقبته فَهُوَ محبس بِهِ كَمَا تحبس الدَّابَّة بِحَبل فِي عُنُقهَا فَإِذا أعتق فَكَأَنَّهُ أطلق من ذَلِك لِأَن فِي الْعتْق فكاكاً من الذل وتكميلاً للْأَحْكَام وَالتَّصَرُّف فَكَانَ من أعظم الْقرب وأجزل النعم وَالله أعلم قَالَ (وَيصِح الْعتْق من كل مَالك جَائِز الْأَمر) شَرط صِحَة الْعتْق أَن يكون الْمُعْتق مُطلق التَّصَرُّف فِي مَاله سَوَاء كَانَ مُسلما أَو ذِمِّيا أَو حَرْبِيّا لِأَنَّهُ تصرف فِي المَال فِي حَال الْحَيَاة فَأشبه الْهِبَة أما من لَيْسَ بِمَالك وَلَا مَالك التَّصَرُّف فَلَا يَصح إِعْتَاقه لعدم سلطته على ذَلِك نعم لنا قَول فِي صِحَة عتق الْمُفلس وَيكون مَوْقُوفا على فك الْحجر وَلنَا وَجه فِي صِحَة عتق السَّفِيه وَالصَّبِيّ فِي مرض الْمَوْت إِذا جَوَّزنَا وصيتهما وَالله أعلم قَالَ (بِصَرِيح الْعتْق وَالْكِنَايَة مَعَ النِّيَّة) قَوْله بِصَرِيح الْبَاء مُتَعَلقَة بيصح وَالْكِنَايَة مَعْطُوف عَلَيْهِ وَتَقْدِير الْكَلَام وَيصِح الْعتْق بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة بِالنِّيَّةِ وَوَجهه أَنَّهَا أَلْفَاظ تفِيد قطع الْملك فَأَشْبَهت الطَّلَاق ثمَّ صَرِيح الْعتْق الْعتْق
следующие страницы →