← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6140

كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار

تقي الدين الحصني

Полный текст (576 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الْإِسْلَام قتلت عِنْد الشَّافِعِي قَالَ ابْن الرّفْعَة يظْهر أَن يَجِيء فِيهَا مَا سَنذكرُهُ فِي الْأَسير وَإِن أسر حر مُكَلّف من أهل الْقِتَال فللإمام أَو أَمِير الْجَيْش كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره أَن يخْتَار مَا فِيهِ الْمصلحَة من الْقَتْل أَو الاسترقاق عَرَبيا كَانَ أَو أعجمياً مِمَّن لَهُ كتاب أَو مِمَّن لَا كتاب لَهُ والمن والمفاداة بِمَال المأسور أَو غَيره أَو بِمن أسر من الْمُسلمين وَدَلِيل جَوَاز الْقَتْل إِذا رَآهُ مصلحَة كَكَوْنِهِ شجاعاً أَو ذَا رَأْي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَقتل رَسُول الله ﷺ عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث صبرا يَوْم بدر وَدَلِيل الاسترقاق إِذا رَآهُ مصلحَة لكَونه كثير الْعَمَل وَلَا رَأْي لَهُ وَلَا شجاعة أَنه ﵊ اسْترق بني قُرَيْظَة وَبني المصطلق وهوازن وَادّعى القَاضِي أَبُو الطّيب الاجماع على ذَلِك وَدَلِيل جَوَاز الْمَنّ بِكَوْنِهِ مائلاً إِلَى الْإِسْلَام أَو ذَا مَال أَو شرف قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وَمن رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر على أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَمن عَليّ أبي عز الجُمَحِي على أَن لَا يقاتله فَقلت فقاتله فِي أحد فَأسر فَقتله رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ وَأسر الْمُسلمُونَ ثُمَامَة بن آثال الْحَنَفِيّ وربطوه بساربة فِي الْمَسْجِد فَأَطْلقهُ رَسُول الله ﷺ وفادى أهل بدر بالأموال وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن يُخَيّر فِي خصْلَة خَامِسَة وَهُوَ تخليده فِي السجْن إِلَى أَن يرى فِيهِ رَأْيه وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ المأسور عبدا فَلَا يجْرِي فِيهِ التَّخْيِير بل يتَعَيَّن استرقاقه فَلَو رأى أَن يمن عَلَيْهِ لم يجز إِلَّا بِرِضا الْغَانِمين وَفِي الْحَاوِي للماوردي أَن يفادى بِهِ أسرى من الْمُسلمين ويعوض عَنهُ

стр. 492

الْغَانِمين جَازَ وَفِي الْمُهَذّب أَنه لَو رأى قَتله قَتله وَضَمنَهُ للغانمين لِأَنَّهُ مَال وَيجوز استرقاق بعض الشَّخْص على الصَّحِيح وَالله أعلم قَالَ (وَمن أسلم قبل الْأسر أحرز مَاله وَدَمه وصغار أَوْلَاده) من أسلم من الْكفَّار قبل أسره وَالظفر بِهِ عصم دَمه وَمَاله كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع ﷺ فَإِذا قالوها فقد عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ سَوَاء أسلم وَهُوَ مَحْصُور وَقد قرب الْفَتْح أَو أسلم حَال أَمنه وَسَوَاء أسلم فِي دَار الْحَرْب أَو الْإِسْلَام لإِطْلَاق الْخَبَر ويعصم أَيْضا أَوْلَاده الصغار عَن السَّبي وَيحكم بِإِسْلَامِهِمْ تبعا لَهُ وَالْحمل كالمنفصل فَلَا يسترق وَيتبع أمه وَهل يعْصم إِسْلَام الْجد ولد ابْنه الصَّغِير فِيهِ أوجه الصَّحِيح نعم وَالْمَجْنُون من الْأَوْلَاد كالصغار وَإِن كَانَ بَالغ عَاقِلا ثمَّ جن عصم أَيْضا على الصَّحِيح وَكَذَا لَو أسلمت الْمَرْأَة قبل الظفر بهَا عصمت نَفسهَا وَمَالهَا وَأَوْلَادهَا الصغار وَفِي أَوْلَادهَا الْكِبَار قَول وَهُوَ شَاذ مَرْدُود وَقَول الشَّيْخ وصغار أَوْلَاده احْتَرز بِهِ عَن الْأَوْلَاد الْبَالِغين الْعُقَلَاء فَلَا يعصمهم إِسْلَام الْأَب لاستقلالهم بِالْإِسْلَامِ وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَن إِسْلَامه لَا يعْصم زَوجته عَن الاسترقاق وَهُوَ كَذَلِك على الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم قَالَ (وَيحكم للصَّبِيّ بِالْإِسْلَامِ عِنْد وجود ثَلَاثَة أَسبَاب أَن يسلم أحد أَبَوَيْهِ أَو يسبى مُنْفَردا عَن أَبَوَيْهِ أَو يُوجد لقيطاً فِي دَار الْإِسْلَام) الْإِسْلَام صفة كَمَال وَشرف يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَيزِيد وَلَا ينقص كَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَإِذا كَانَ كَذَلِك ناسب أَن يحكم بِإِسْلَام الصَّبِي تبعا للسابي قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وعلته أَن الصَّبِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ إِذْ لَا حكم لكَلَامه فَيتبع السابي لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فِي الْحَضَانَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ السَّبي قلبه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قلباً كلياً فَإِنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بحريَّته وباستقلاله إِذا بلغ والآن قد اسْترق بِالسَّبْيِ حَتَّى كَأَنَّهُ عدم وافتتح لَهُ وجود وَقيل يبْقى مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ لِأَن يَده يَد مَالك فَأَشْبَهت يَد المُشْتَرِي وَالصَّحِيح الأول وعَلى هَذَا هَل يحكم بِإِسْلَامِهِ ظَاهرا فَقَط أم ظَاهرا وَبَاطنا وَجْهَان فَإِذا بلغ وَوصف بالْكفْر أقرّ على الأول دون الثَّانِي وَلَو كَانَ السابي ذِمِّيا لم يحكم بِإِسْلَام الصَّبِي المسبي على الصَّحِيح وَلَو كَانَ السابي مَجْنُونا أَو مراهقاً حكم بِإِسْلَام المسبي تبعا أَيْضا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ هَذَا حكم السابي وَأما إِذا كَانَ أحد أَبَوَيْهِ مُسلما وَقت الْعلُوق فَهُوَ مُسلم لِأَنَّهُ بعض الأَصْل فَلَو علق بَين كَافِرين ثمَّ أسلم أَحدهمَا حكم بِإِسْلَامِهِ لِأَن الْإِسْلَام يزِيد وَلَا ينقص ويعلو وَلَا يعلى عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إِذا تبع السابي فِي الْإِسْلَام فتبعيته لأحد أَبَوَيْهِ أولى للبعضية

стр. 493

وَمن الْأَسْبَاب الَّذِي يحكم بهَا بِإِسْلَام الصَّغِير أَن يُوجد لقيطاً بدار الْإِسْلَام تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَالدَّار لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ وَلقَوْله ﷺ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ وَفِي لفظ أَو يشركانه فَقَالَ رجل أَرَأَيْت يَا رَسُول الله لَو مَاتَ قبل ذَلِك فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين وَاعْلَم أَن الحكم بِإِسْلَام اللَّقِيط لَا يخْتَص بدار الْإِسْلَام بل لَو كَانَت دَار كفر وفيهَا مُسلمُونَ بل مُسلم أَسِير أَو تَاجِرًا أَو وجد لَقِيط هُنَاكَ فَإنَّا نحكم بِإِسْلَامِهِ على الْأَصَح لِأَن الْإِسْلَام يزِيد وَلَا ينقص وَاعْلَم أَن من حكمنَا بِإِسْلَامِهِ بِالدَّار لَو جَاءَ ذمِّي وَأقَام بَيِّنَة مَقْبُولَة بنسبه لحقه وَتَبعهُ فِي الْكفْر لِأَن الْبَيِّنَة أقوى من الدَّار وَلَو اقْتصر على الدَّعْوَى فَالْمَذْهَب أَنه لَا يتبعهُ فِي الْكفْر وَالله أعلم وَقد يُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الصَّبِي لَا يَصح إِسْلَامه اسْتِقْلَالا وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح وَإِن كَانَ مُمَيّزا لِأَنَّهُ لَا عبارَة لَهُ وَلِهَذَا لَا يَصح كفره وَلَا يَقع طَلَاقه وَلَا ينفذ عتقه وَبيعه وَجَمِيع معاملاته وَالله أعلم قَالَ بَاب الْغَنِيمَة فصل وَمن قتل قَتِيلا أعطي سلبه وتقسم الْغَنِيمَة بعد ذَلِك فَيعْطى أَرْبَعَة أخماسها لمن شهد الْوَقْعَة للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سهم من غرر بِنَفسِهِ وَهُوَ من أهل السهْمَان فِي قتل كَافِر ممنع فِي حَال الْقِتَال اسْتحق سلبه سَوَاء شَرط لَهُ الإِمَام ذَلِك أم لَا لقَوْله ﷺ من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه وَورد أَنه ﵊ قَالَ من قتل كَافِرًا فَلهُ سلبه فَقتل أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عشْرين رجلا وَأخذ أسلابهم وَلَا فرق بَين أَن يقْتله مبارزة أَو انغمر فِي الصَّفّ فَقتله أَو جَاءَهُ من وَرَائه وَهُوَ يُقَاتل فَقتله لِأَن أَبَا قَتَادَة ﵁ قَالَ خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر فَرَأَيْت رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين فاستدرت حَتَّى أَتَيْته من وَرَائه فضربته على حَبل عَاتِقه ضَرْبَة فَأقبل عَليّ فضمني ضمة

стр. 494

وجدت مِنْهَا ريح الْمَوْت ثمَّ أدْركهُ الْمَوْت فأرسلني إِلَى أَن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه فَقُمْت فقصصت الْقِصَّة فَقَالَ رجل صدق يَا رَسُول الله قَالَ فأعطه فاعطانيه فابتعت بِهِ مخرفاً فِي بني سَلمَة فَإِنَّهُ أول مَال تأثلته فِي الْإِسْلَام المخرف بِفَتْح الْمِيم الْبُسْتَان وبكسرها مَا يجنى فِيهِ الثِّمَار وَفِي معنى الْقَتْل مَا إِذا أَزَال كِفَايَة شَره بِأَن أثخنه أَو أَزَال امْتِنَاعه بعمي أَو قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ أَو يَدَيْهِ وَرجله فِي الْأَظْهر لَا قطع يَد أَو رجل وَلَو أسره اسْتحق سلبه فِي الْأَظْهر لِأَنَّهُ كفى شَره وَلَو لم يكن من أهل السهْمَان إِلَّا أَنه من أهل الرصخ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة وَكَذَا الْكَافِر وَحضر بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يسْتَحق السَّلب على الْأَصَح إِلَّا الْكَافِر على الْمَذْهَب وَلَو اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد اشْتَركُوا فِي سلبه وَالسَّلب هُوَ مَا على الْقَتِيل من ثِيَاب وخف وآلات حَرْب كدرع ومغفر وَسلَاح ومركوب يُقَاتل عَلَيْهِ أَو ماسكاً عنانه وَيُقَاتل رَاجِلا وَمَا على المركوب من سرج ولجام ومقود وَغَيرهَا وَكَذَا طوق وسوار ومنطقة وهميان وَنَفَقَة فِيهِ وجنيبة يُقَاد مَعَه فِي الْأَظْهر لَا حقيبة مشدودة على الْفرس وَمَا فِيهَا من دَرَاهِم وأمتعة على الْمَذْهَب وَلَا ثِيَاب وأمتعة خَلفه فِي الْخَيْمَة فَإِذا أَخذ السَّلب فَلَا يُخَمّس على الْمَذْهَب ثمَّ بعده يخرج الإِمَام أَو نَائِبه الْمُؤَن اللَّازِمَة كَأُجْرَة حمال وحافظ وَغَيرهمَا ثمَّ يَجْعَل الْبَاقِي خَمْسَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة وَيَأْخُذ خمس رقاع يكْتب على وَاحِدَة لله أَو للْمصَالح وعَلى أَربع للغانمين ويدرجها فِي بَنَادِق من طين وَيخرج لكل قسم رقْعَة بعد الْخَلْط فَمن خرج عَلَيْهِ أسْهم الله تَعَالَى جعله بَين أهل الْخمس على خَمْسَة وَمِنْه يكون النَّفْل فِي الْأَصَح وَيقسم الْبَاقِي على الْغَانِمين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الْآيَة فَإِذا خرج سهم الْخمس صَار الْبَاقِي للغانمين وَهَذَا الْآيَة نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ أَي وَلأبي الْبَاقِي فيعطي للراجل سهم وللفارس ثَلَاثَة أسْهم لِأَنَّهُ ﵊ فعل ذَلِك يَوْم خَيْبَر وَفِي رِوَايَة دَاوُد أسْهم لرجل ولفرسه ثَلَاثَة أسْهم سَهْمَيْنِ لفرسه وَسَهْما لَهُ وَفِي لفظ جعل للْفرس سَهْمَيْنِ ولصاحبه سَهْما وَفِي رِوَايَة ابْن عمر أَنه ﷺ قسم يَوْم خَيْبَر للْفرس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما وَفَسرهُ نَافِع مولى ابْن عمر فَقَالَ إِذا كَانَ مَعَ الرجل فرس

стр. 495

فَلهُ ثَلَاثَة أسْهم فَإِن لم يكن لَهُ فرس فَلهُ سهم وَالْمرَاد بالفارس هُنَا من حضر الْوَقْعَة وَهُوَ من أهل فرض الْقِتَال بفرس يُقَاتل عَلَيْهِ مهيئاً لِلْقِتَالِ سَوَاء كَانَ عتيقاً أَو برذوناً أَو هجيناً أَو مقرفاً سَوَاء قَاتل عَلَيْهِ أم لَا لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ وَكَذَا لَو قَاتل على حِصَار حصن أسْهم لفرسه لِأَنَّهُ أعده ليلحق بِهِ أهل الْحصن لَو هربوا وَكَذَا لَو قَاتل فِي الْبَحْر يُسهم لفرسه لِأَنَّهُ رُبمَا انْتقل إِلَى الْبر فقاتل عَلَيْهِ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَحمله ابْن كج على مَا إِذا قربوا من السَّاحِل وَاحْتمل أَن يخرج ويركب أما إِذا لم يحْتَمل الْحَال الرّكُوب فَلَا معنى لاعطاء الْفرس وَنَحْوه وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يُسهم إِلَّا لمن استكملت فِيهِ خمس شَرَائِط الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك رضخ لَهُ وَلم يُسهم) لَا سهم لهَؤُلَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل فرض الْجِهَاد وَأما الرضخ فلفعله ﷺ أما الْكفَّار إِذا حَضَرُوا بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُم إِذا لم يستأجروا لِأَنَّهُ ﵊ اسْتَعَانَ بيهود بني فينقاع فرضخ لَهُم وَلم يُسهم فَإِن حضر بِغَيْر إِذن الإِمَام لم يرْضخ لَهُ على الْأَصَح لِأَنَّهُ مُتَّهم فِي مُوالَاة أهل دينه بل للْإِمَام تعزيره إِن رأى ذَلِك وَأما الصَّبِي فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُ سَوَاء أذن لَهُ الإِمَام أم لَا لِأَنَّهُ حصل بِهِ نفع وتكثير سَواد وَلَفظ الشَّافِعِي دَال على أَنه ﵊ أرضخ لَهُ وَلَا يُسهم لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِي الْحَاوِي للماوردي إِلْحَاق الْمَجْنُون بِالصَّبِيِّ وَادّعى أَنه ﵊ أرضخ لَهُ وَأما العَبْد فَلَا يُسهم لَهُ ويرضخ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِيه نفع قوي وتكثير وَقد رضخ رَسُول الله ﷺ لغمير مولى أبي اللخم يَوْم خَيْبَر وَلم يُسهم لَهُ وَأما الْعقل فقد مر حكم الْمَجْنُون وَأما الْمَرْأَة فَلَا يُسهم لَهَا فَإِنَّهَا لَيست من أهل فرض الْجِهَاد نعم يرْضخ لَهَا سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أم لَا وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لَا لِأَن كتاب ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَى نجدة قد كن يحضرن الْحَرْب مَعَ رَسُول الله ﷺ فَأَما أَن يضْرب لَهُنَّ بِسَهْم فَلَا وَقد كَانَ يرْضخ لَهُنَّ وَالله أعلم قَالَ

стр. 496

(وَيقسم الْخمس على خَمْسَة أسْهم سهم لرَسُول الله ﷺ وَيصرف بعده للْمصَالح وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب وَسَهْم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لأبناء السَّبِيل) قد مر أَن الْغَنِيمَة تخمس وَأَن الْخمس الْوَاحِد يكْتب عَلَيْهِ لله أَو للْمصَالح فَهَذَا الْخمس يُخَمّس أَيْضا لقَوْله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الْآيَة فأضيف لله وَلِلرَّسُولِ ولبقية الْأَصْنَاف وَصدر بِذكر الله تَعَالَى تبركاً وَقيل ليعلم أَنه لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ اختصاصاً يسْقط بِمَوْتِهِ وَقد رُوِيَ أَنه ﵊ كَانَ يقسم الْخمس أَيْضا أَخْمَاسًا سهم لَهُ ﷺ كَانَ ينْفق مِنْهُ على نَفسه الْكَرِيمَة وعَلى عِيَاله ومصالحه وَمَا فضل جعله فِي السِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَسَائِر الْمصَالح وَيصرف بعده للمصالخ لقَوْله ﵊ وَالْخمس مَرْدُود فِيكُم وَلَا يُمكن رده إِلَى جَمِيع الْمُسلمين إِلَّا بجعله فِي الْمصَالح وأهمها سد الثغور بِالرِّجَالِ وَالْعدَد وإصلاحها لِأَن فِيهَا حفظ الْمُسلمين والثغور مَوَاضِع الْخَوْف ثمَّ الأهم فالأهم من أرزاق الْقُضَاة والمؤذنين وَغَيرهم من الْمصَالح قَاتل الله الْفُقَهَاء المؤازرين لِلْأُمَرَاءِ الجورة الَّذين لم يزَالُوا يَمْشُونَ إِلَيْهِم ويقرونهم على مُخَالفَة الشَّرِيعَة حَتَّى أماتوا الْعَمَل بِكَلَام الله وَكَلَام رَسُوله ﷺ فِي مثل ذَلِك وَغَيره وَالله أعلم السهْم الثَّانِي من الْخمس لِذَوي الْقُرْبَى وهم أقرباء رَسُول الله ﷺ وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب دون غَيرهم لما روى جُبَير بن مطعم ﵁ قَالَ مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا أَعْطَيْت بني هَاشم وَبني الْمطلب من خمس خَيْبَر وَتَرَكتنَا وَنحن وهم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة مِنْك فَقَالَ إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد فَقَالَ جُبَير وَلم يقسم رَسُول الله ﷺ لبني عبد شمس وَبني نَوْفَل شَيْئا وَجبير من بني نَوْفَل وَعُثْمَان من بني عبد شمس وَرَسُول لله ﷺ من بني هَاشم وهَاشِم وَالْمطلب وَنَوْفَل وَعبد شمس هم أَوْلَاد عبد منَاف وَالله أعلم السهْم الثَّالِث لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاء لِأَن ذَلِك شرع إرفاقاً فَكَانَ لمن يتَوَجَّه إِلَيْهِم المعونة وَالرَّحْمَة وهم الْفُقَرَاء دون الْأَغْنِيَاء وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل يشْتَرك فِيهِ الْأَغْنِيَاء والفقراء كذوي الْقُرْبَى

стр. 497

ولإطلاق الْآيَة وَلِأَنَّهُ لَو اعْتبر فيهم الْفقر لدخلوا فِي جملَة الْمَسَاكِين وَهَذَا ضَعِيف جدا لِأَن غَنِي الْيَتِيم بِالْمَالِ فَوق غناهُ بِالْأَبِ وَمَعَ الْأَب لَا يعْطى فَكَذَا مَعَ المَال فعلى الصَّحِيح لَا تجب التَّسْوِيَة بل يجوز تَفْضِيل بَعضهم على بعض بِالِاجْتِهَادِ وَلَا التَّعْمِيم بِخِلَاف بني هَاشم وَبني الْمطلب فَإِنَّهُ يجب تعميمهم وَيُعْطى الذّكر مثل حَظّ الانثيين لِأَن سهمهم مُسْتَحقّ بِالشَّرْعِ بِقرَابَة الْأَب فَأشبه الأرث واليتيم اسْم لصغير لَا أَب لَهُ عِنْد الْجُمْهُور وَقيل لَا أَب لَهُ وَلَا جد وَالله أعلم السهْم الرَّابِع للْمَسَاكِين لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة ويندرج فِيهِ الْفُقَرَاء وَالأَصَح أَنه عَام لجَمِيع الْمَسَاكِين وَقيل يخْتَص بِهِ مَسَاكِين الْمُجَاهدين الَّذين عجزوا عَنهُ لمسكنة أَو زمانة فعلى الصَّحِيح يجوز أَن يخْتَص بِهِ الْبَعْض وَيجوز التَّفْصِيل وَيجوز لَهُم الْجمع بَينه وَبَين الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَجزم الرَّافِعِيّ بِمَنْع الِاقْتِصَار على ثَلَاثَة مِنْهُم وَكَذَا فِي بني السَّبِيل وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ الْيَتِيم مِسْكينا أعْطى بِسَهْم الْيَتِيم لِأَنَّهُ صفة لَازِمَة والمسكنة زائلة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قلت وَفِيه نظر لِأَن الْيُتْم صفة مُحَققَة الزَّوَال عِنْد الْحَيَاة لَا محَالة بِالْبُلُوغِ والمسكنة قد تستمر إِلَى الْمَمَات إِلَّا أَن يَزُول اللُّزُوم فِي الْحَال وَالله أعلم السهْم الْخَامِس لِابْنِ السَّبِيل لِلْآيَةِ وَيصرف إِلَيْهِم على قدر حَاجتهم كَالزَّكَاةِ فَلَا بُد فِيهِ من الْحَاجة عِنْد الدّفع ويعم جَمِيع أَبنَاء السَّبِيل على الرَّاجِح وَقيل يخْتَص بأبناء السَّبِيل من الْمُجَاهدين قَالَ بَاب الْفَيْء فصل وَيقسم مَال الْفَيْء على خمس فرق خمسه على من يفرق عَلَيْهِم خمس الْغَنِيمَة وَيُعْطى أَرْبَعَة أخماسه للمقاتلة وَفِي مصَالح الْمُسلمين لما ذكر الشَّيْخ حكم الْغَنِيمَة عقبه بِحكم الْفَيْء وَلَا بُد من معرفَة كل مِنْهُمَا أما الْغَنِيمَة فَهِيَ مُشْتَقَّة من الْغنم وَهُوَ الْفَائِدَة الْحَاصِلَة بِلَا بذل وَأما الْفَيْء فَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم فَاء إِذا رَجَعَ أَي صَار للْمُسلمين هَذَا من حَيْثُ اللُّغَة وَأما من جِهَة الشَّرْع فالغنيمة مَا أَخذ من الْكفَّار بِالْقِتَالِ وإيجاف الْخَيل والركاب والإيجاف الإعمال وَقيل الْإِسْرَاع وَأما الْفَيْء فَهُوَ كل مَا أَخذ من الْكفَّار من غير قتال كَالْمَالِ الَّذِي تَرَكُوهُ فَزعًا من الْمُسلمين والجزية وَالْخَرَاج وَالْأَمْوَال الَّتِي يَمُوت عَنْهَا من لَا وَارِث لَهُ من أهل الذِّمَّة وَنَحْو ذَلِك كَمَال الْمُرْتَد إِذا قتل أَو مَاتَ وَعشر تِجَارَتهمْ وَفِي مَال الْفَيْء خلاف الْمَذْهَب أَنه يُخَمّس وَيصرف خمسه إِلَى

стр. 498

الْأَصْنَاف الَّذين تقدم ذكرهم فِي الْغَنِيمَة وَأما الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس الْبَاقِيَة فَكَانَت للنَّبِي ﷺ فِي حَيَاته مَعَ خمس الْخمس لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَحِقهَا لإرهابه الْعَدو وَأما بعده فَالْأَظْهر أَنَّهَا للمرتزقة وهم الأجناد الَّذين عينهم الإِمَام للْجِهَاد وَأثبت أَسْمَاءَهُم فِي الدِّيوَان بعد أَن تَجْتَمِع فيهم شُرُوط وَهِي الْإِسْلَام والتكليف وَالْحريَّة وَالصِّحَّة لِأَن بهم يحصل إرهاب الْعَدو وَدفع شرهم فعلى هَذَا لَو زَادَت الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس على قدر حَاجتهم صرف الْفَاضِل إِلَيْهِم أَيْضا على قدر مؤناتهم فَمن احْتَاجَ أَلفَيْنِ يعْطى من الْفَاضِل إِلَيْهِ ضعف مَا يحْتَاج ألفا وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَقيل يرد عَلَيْهِم بِالسَّوِيَّةِ وَهل يجوز أَن يصرف من الْفَاضِل شَيْء إِلَى إصْلَاح الْحُصُون وَإِلَى السِّلَاح والكراع وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَالله أعلم وَقيل إِن الْأَرْبَعَة أَخْمَاس تكون للْمصَالح لِأَنَّهَا كَانَت لرَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته فتصرف بعده إِلَى الْمصَالح كخمس الْخمس وعَلى هَذَا فيعطون مِنْهَا الأجناد لِأَن إعانتهم من أهل الْمصَالح وَالله أعلم قَالَ بَاب الْجِزْيَة فصل وشرائط وجوب الجزير خمس خِصَال الْبلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَأَن يكون من أهل الْكتاب أَو مِمَّن لَهُ شبه كتاب الجزيرة هِيَ المَال الْمَأْخُوذ بِالتَّرَاضِي لإسكاننا إيَّاهُم فِي دِيَارنَا أَو لحق دِمَائِهِمْ وذراريهم وَأَمْوَالهمْ أَو لكفنا عَن قِتَالهمْ وَاخْتَارَ القَاضِي حُسَيْن الْأَخير وَضعف الأول بِالْمَرْأَةِ فَإنَّا تسكن دَارنَا وَلَا جِزْيَة عَلَيْهَا وَضعف الثَّانِي بِأَنَّهَا تكَرر أَي الْجِزْيَة بِتَكَرُّر السنين وبذل الْحق لَا يتَكَرَّر وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْوَجْه أَن يجمع مقاصدهم وَيَقُول هِيَ أَي مقاصدهم تقَابل الْجِزْيَة ثمَّ الأَصْل فِي الْجِزْيَة قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَي يلتزموها وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أَي التزموا ذَلِك بالنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ المتضمنة لذَلِك وَقيل إِن آيَة الْجِزْيَة ناسخة لهَذِهِ الْآيَة وَأخذ رَسُول الله ﷺ الْجِزْيَة من مجوس هجر وَمن أهل نَجْرَان وَمن أهل أَيْلَة وَالْمعْنَى فِي أَخذهَا المعونة لنا وإهانة لَهُم وَرُبمَا يحملهم ذَلِك على الْإِسْلَام وَاعْلَم أَن عقد الذِّمَّة

стр. 499

لَا صَحَّ إِلَّا من الإِمَام أَو مِمَّن فوض إِلَيْهِ الإِمَام لِأَنَّهُ من الْمصَالح الْعِظَام فاختص بِمن لَهُ النّظر الْعَام إِذا عرفت هَذِه فَيشْتَرط فِي الْمَعْقُود لَهُ شُرُوط أَحدهَا الْبلُوغ وَالثَّانِي الْعقل فَلَا تعقد الْجِزْيَة لصبي وَلَا مَجْنُون لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن أَن يَأْخُذ الْجِزْيَة من كل حالم أَي محتلم دِينَارا فَدلَّ مَفْهُومه على الْمَنْع فِي الصَّبِي وَمن طَرِيق الأولى الْمَجْنُون وَفِي الْمَجْنُون وَجه كَالْمَرِيضِ وَلِأَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون محقونا الدَّم وَمَال من الْأَمْوَال بِدَلِيل ملكهمَا بِنَفس الْأسر كَمَا تقدم فَلم يجب عَلَيْهِمَا شَيْء بِالسُّكْنَى كَسَائِر الْأَمْوَال وَالله أعلم الثَّالِث الْحُرِّيَّة فَلَا تُؤْخَذ الْجِزْيَة من عبد وَلَا على سَيّده شَيْء لقَوْله عمر ﵁ لَا جِزْيَة على مَمْلُوك وَعَزاهُ الْمَاوَرْدِيّ إِلَى النَّبِي ﷺ وَلِأَنَّهُ مَال وَالْمَال لَا جِزْيَة عَلَيْهِ وَالْمُدبر وَالْمكَاتب وَأم الْوَلَد وَولد أم الْوَلَد التَّابِع لَهَا كالقن وَكَذَا الْمبعض على الرَّاجِح وَقيل تجب بِقدر مَا فِيهِ من الْحُرِّيَّة وَالله أعلم الرَّابِع الذُّكُورَة فَلَا تُؤْخَذ من امْرَأَة لقَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الْآيَة فَلَا تدخل الْمَرْأَة فِي ذَلِك وَلِأَن عمر ﵁ كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن اضربوا الْجِزْيَة وَلَا تضربوها على النِّسَاء وَالصبيان وَلِأَن الْمَرْأَة محقونة الدَّم وَمَال من الْأَمْوَال وَلَا جِزْيَة على مَال وَلَا فرق فِي الْمَرْأَة بَين أَن تكون زَوْجَة لذِمِّيّ أَو استتبعها مَعَه فِي العقد أم لَا وَسَوَاء ولدت فِي دَارنَا أَو كَانَت فِي دَار الْحَرْب وَطلبت الذِّمَّة لتقيم بِدَارِنَا فَيجوز أَن يعْقد لَهَا بِشَرْط أَن تجْرِي عَلَيْهِمَا أحكامنا من غير جِزْيَة وَالله أعلم الْخَامِس أَن يكون الْمَعْقُول لَهُ لَهُ كتاب أَو شبه كتاب أما من لَا كتاب لَهُ وَلَا شبه كتاب كعبدة الْأَوْثَان وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَمن فِي معناهم وَالْمُرْتَدّ فَلَا يعْقد لَهُ لِأَن الله تَعَالَى أَمر بقتل جَمِيع الْمُشْركين إِلَى أَن يسلمُوا بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَخص أهل الْكتاب بِالْآيَةِ الآخرى وَمن لَهُ شبه كتاب وَهُوَ الْمَجُوسِيّ بالْخبر فَبَقيَ الحكم فِيمَا عدا الْمَذْكُورين

стр. 500

لعُمُوم الْآيَة وتعقد الْجِزْيَة لمن زعم أَنه مستمسك بصحف إِبْرَاهِيم وزبور دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمن أحد أَبَوَيْهِ كتابي وَالْآخر وَثني تعقد لَهُ الذِّمَّة أَيْضا على الْمَذْهَب وَكَذَا تعقد لأَوْلَاد من تهود أَو تنصر قبل النّسخ وشككنا فِي وقته لِأَن لهَؤُلَاء كتابا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى﴾ وَغير ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَأَقل الْجِزْيَة دِينَار فِي كل حول وَيُؤْخَذ من متوسط الْحَال دِينَارَانِ وَمن الْمُوسر أَرْبَعَة دَنَانِير اسْتِحْبَابا) لَا يَصح عقد الذِّمَّة إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يلتزموا أَحْكَام الْمُسلمين وَلَا يشْتَرط التَّصْرِيح بِكُل حكم قَالَه الْبَنْدَنِيجِيّ الثَّانِي أَن يبذلوا الْجِزْيَة فَيجب التَّعَرُّض لهذين فِي نفس العقد وَيشْتَرط التَّعَرُّض أَيْضا لمقدار الْجِزْيَة وَلَا يجب التَّعَرُّض لغير ذَلِك على الصَّحِيح فَيَقُول الإِمَام أَو نَائِبه أقررتكم أَو أَذِنت لكم فِي الْإِقَامَة فِي دَار الْإِسْلَام على أَن تنقادوا لأحكام الْإِسْلَام وتبذلوا الْجِزْيَة فِي كل سنة كَذَا وَيَقُول الذِّمِّيّ قبلت أَو رضيت وَلَا يَصح عقد الذِّمَّة مؤقتاً على الرَّاجِح لِأَنَّهُ بدل عَن الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام لَا يؤقت وَالْأولَى أَن تقسم الْجِزْيَة على الطَّبَقَات فَيجْعَل على الْفَقِير الكسوب دِينَار وعَلى الْمُتَوَسّط دِينَارَانِ وعَلى الْغَنِيّ أَرْبَعَة دَنَانِير اقْتِدَاء بعمر ﵁ لما بعث عُثْمَان بن حنيف إِلَى الْكُوفَة أمره أَن يَجْعَل على الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما وعَلى المتوصل أَرْبَعَة وَعشْرين درهما وعَلى الْفَقِير اثْنَي عشر درهما وَالِاعْتِبَار فِي الْغَنِيّ وَالْفَقِير بِوَقْت الْأَخْذ لَا بِوَقْت العقد وَمن ادّعى مِنْهُم أَنه فَقير أَو متوسط قبل قَوْله إِلَّا أَن تقوم بَينه بِخِلَاف نعم أقل الْجِزْيَة دِينَار لكل سنة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَهُوَ الْوُجُود فِي كتب الْأَصْحَاب وَحجَّة ذَلِك أَنه ﵊ لما وَجه معَاذًا إِلَى الْيمن أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا أَو عدله من المغافر وَهِي ثِيَاب تكون بِالْيمن وَالله أعلم قَالَ (وَيجوز أَن يشْتَرط عَلَيْهِم الضِّيَافَة فضلا عَن مِقْدَار الْجِزْيَة) قَوْله وَيجوز فِيهِ تساهل فَإِن ذَلِك مُسْتَحبّ وَيسْتَحب للْإِمَام أَن يشْتَرط عَلَيْهِم بعد الدَّنَانِير ضِيَافَة من يمر بهم من الْمُسلمين وَمن الْمُجَاهدين وَغَيرهم إِذا رَضوا ذَلِك لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 501

ضرب على نَصَارَى أَيْلَة ثلثمِائة دِينَار فِي كل سنة وَكَانُوا ثلثمِائة نفر وَأَن يضيفوا من يمر بهم من الْمُسلمين ثَلَاثًا وَأَن لَا يغشوا مُسلما وَضرب عمر ﵁ الْجِزْيَة على أهل الشَّام وَشرط عَلَيْهِم ضِيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلِأَن فِي مصلحَة للْمُسلمين لَا سِيمَا الْفُقَرَاء وَلَا تزاد على ثَلَاثَة أَيَّام لقَوْله ﷺ الضِّيَافَة ثَلَاث وَمَا زَاد عَلَيْهَا صَدَقَة وَفِي رِوَايَة مكرمَة وتضرب الضِّيَافَة على الْغَنِيّ والمتوسط وَفِي ضربهَا على الْفَقِير أوجه أَصَحهَا فِي أصل الرَّوْضَة والمنهاج لَا تضرب وَهُوَ ظَاهر وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي لِأَنَّهَا تَتَكَرَّر فيعجز عَنْهَا وَالله أعلم (فرع) لَو أَرَادَ الضَّيْف أَن يَأْخُذ مِنْهُم ثمن الطَّعَام لم يلْزمهُم وَلَو أَرَادَ أَن يَأْخُذ الطَّعَام وَيذْهب بِهِ وَلَا يَأْكُلهُ فَلهُ ذَلِك بِخِلَاف طَعَام الْوَلِيمَة وَالْفرق أَن هَذِه مَعْلُومَة وَتلك مكرمَة وَلِهَذَا يبين الطَّعَام والأدم وجنسهما فَيَقُول لكل وَاحِد كَذَا من الْخبز وَكَذَا من السّمن أَو الزَّيْت ويتعرض لعلف الدَّوَابّ وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر قدره لَهُنَّ نعم إِن ذكر الشّعير يبين قدره بِخِلَاف التِّين والحشيش وَنَحْوهمَا وَإِطْلَاق الْعلف يقتني الشّعير نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم قَالَ (ويتضمن عقد الذِّمَّة أَرْبَعَة اشياء أَن يؤدوا الْجِزْيَة وَأَن تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْإِسْلَام ان لَا يذكرُوا دين الْإِسْلَام إِلَّا بِخَير وَأَن لَا يَفْعَلُوا مَا فِيهِ ضَرَر على الْمُسلمين) الذِّمَّة الْعَهْد والإلزام فَإِذا صَحَّ عقد الذِّمَّة لزمنا شَيْء ولزمهم شَيْء أما مَا يلْزمنَا فأمران أَحدهمَا الْكَفّ عَنْهُم بِأَن لَا نتعرض لَهُم نفسا وَلَا مَالا ويضمنهما الْمُتْلف لأَنهم إِنَّمَا بذلوا الْجِزْيَة لعصمة الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَلَا تتْلف خمورهم إِلَّا إِذا أظهروها وَمن أتلفهَا من غير إِظْهَار عصى وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِذْ لَا قيمَة لَهَا وَالله أعلم الْأَمر الثَّانِي أَنه يلْزم الإِمَام دفع من قصدهم من أهل الْحَرْب إِن كَانُوا فِي بِلَاد الْإِسْلَام فَإِن كَانُوا مستوطنين فِي دَار الْحَرْب وبذلوا الْجِزْيَة لم يجب الذب عَنْهُم وَإِن كَانُوا منفردين ببلدة فِي جوارنا وَجب الذب على الْأَصَح وَيجب دفع أهل الذِّمَّة وَالْمُسْلِمين عَنْهُم كَمَا يجب دفع أهل الْحَرْب وَالله أعلم وَأما مَا يلْزمهُم فأمور مِنْهَا أَدَاء الْجِزْيَة لِأَنَّهَا أُجْرَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَتُؤْخَذ على وَجه الصغار والإهانة بِأَن يكون الذِّمِّيّ قَائِما وَالْمُسلم جَالِسا ويأمره أَن يخرج يَده من جيبه ويحني ظَهره ويطأطئ رَأسه وَيصب مَا مَعَه فِي كفة الْمِيزَان وَيَأْخُذ المستوفي بلحيته وَيضْرب فِي لهزمته وَهِي مجمع اللَّحْم بَين الماضغ وَالْأُذن وَهَذَا معنى الصغار عِنْد بَعضهم وَهل هَذِه الْهَيْئَة وَاجِبَة أم مُسْتَحبَّة وَجْهَان أصَحهمَا مُسْتَحبَّة قَالَ النَّوَوِيّ هَذِه الْهَيْئَة بَاطِلَة وَلَا نعلم لَهَا أصلا مُعْتَمدًا وَإِنَّمَا

стр. 502

ذكرهَا بَعضهم قَالَ الْجُمْهُور تُؤْخَذ بِرِفْق كأخذ الدُّيُون فَالصَّوَاب الْجَزْم ببطلانها وردهَا على من اخترعها وَلم ينْقل أَنه ﵊ وَلَا أحد من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فعل شَيْئا مِنْهَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَالأَصَح عِنْد الْأَصْحَاب تَفْسِير الصغار بِالْتِزَام أَحْكَام الْإِسْلَام وجريانها عَلَيْهِم وَقَالُوا أَشد الصغار على الْمَرْء أَن يحكم عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْتَقِدهُ ويضطر إِلَى احْتِمَاله وَالله أعلم قلت ورد أَن هِشَام بن حَكِيم بن حزَام وجد رجلا وَهُوَ على حمص سمر نَاسا من القبط فِي أَدَاء الْجِزْيَة فَقَالَ مَا هَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يعذب الَّذين يُعَذبُونَ النَّاس فِي الدُّنْيَا وَقد نَص الشَّافِعِي على ذَلِك أَي على الْأَخْذ بالرفق وَالله أعلم وَمِنْهَا الانقياد لحكم الاسلام من ضَمَان النَّفس وَالْمَال وَالْعرض بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسلمين لأَنهم يَعْتَقِدُونَ وجوب ذَلِك وَقد التزموا إِجْرَاء أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِم فَإِن أَتَوا بِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمه كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة أقيم عَلَيْهِم الْحَد لِأَنَّهُ ﵊ أُتِي بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا فَأمر بهما فَرُجِمَا وَإِن أَتَوا بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمه كشرب الْخمر وَنِكَاح الْمَجُوس والمحارم فَهَل يُقَام عَلَيْهِم الْحَد قيل نعم كَمَا يحد الْحَنَفِيّ بالنبيذ على الْأَصَح مَعَ اعْتِقَاده حلّه وَالْمذهب أَنهم لَا يحدون لأَنهم يقرونَ على الْكفْر بالجزية لأجل اعْتِقَادهم فَكَانَ إقرارهم على مَا يَعْتَقِدُونَ إِبَاحَته أولى وَسَوَاء رَضوا بحكمنا عِنْد الترافع إِلَيْنَا أم لَا ويخالفون الْحَنَفِيَّة فَإِن الْمَعْنى الَّذِي لأجل حد شَارِب الْخمر مَوْجُود فِي النَّبِيذ قطعا فأطرح الْخلاف والحنفي مزجور بِالْحَدِّ بِخِلَاف الذِّمِّيّ فَإِنَّهُ يشرب الْخمر استحلالاً وتديناً وعَلى كل حَال فَلَيْسَ لَهُم إِظْهَار ذَلِك فَإِن أظهروه وعزروا وَالله أعلم وَمِنْهَا كف اللِّسَان والامتناع من إِظْهَار الْمُنْكَرَات كإسماع الْمُسلمين شركهم وَقَوْلهمْ ثَالِث ثَلَاثَة تَعَالَى الله عَمَّا يصفونَ واعتقادهم فِي الْمَسِيح والعزير عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنَّهُمَا ابْنا الله تَعَالَى وَيمْنَعُونَ أَيْضا من إِظْهَار قراءتهم الْإِنْجِيل والتوراة والناقوس وَنَحْو ذَلِك فَإِن أظهرُوا شَيْئا من ذَلِك عزروا وَمنعُوا وَلَكِن لَا ينْتَقض الْعَهْد بذلك وَإِن شَرط عَلَيْهِم الِامْتِنَاع من ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو قَاتلُوا وامتنعوا من الْجِزْيَة وَمن اجراء أَحْكَام الاسلام فَإِنَّهُ ينْتَقض عَهدهم وَلَو تزوج بِمسلمَة ذمِّي أَو زنى بهَا أَو دلّ أهل الْحَرْب على عَورَة الْمُسلمين أَو فتن مُسلما عَن دينه أَو طعن فِي الْإِسْلَام أَو الْقُرْآن أَو ذكر سيد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ بِسوء فَالْأَصَحّ أَنه إِن شرطنا انْتِقَاض الْعَهْد بذلك انْتقض وَإِلَّا فَلَا وَلَو قطعُوا الطَّرِيق أَو أَتَوا بِالْقَتْلِ الَّذِي يُوجب الْقصاص فَالْمَذْهَب أَنه كَالزِّنَا بِمسلمَة وَقيل كالقتال وَمن الْأُمُور الَّتِي فِيهَا ضَرَر على الْمُسلمين إيواء عُيُون الْكفَّار وَهُوَ كَمَا إِذا تطلع على عَورَة

стр. 503

الْمُسلمين ونقلها إِلَى دَار الْحَرْب وَالله أعلم وَاعْلَم أَنا حَيْثُ حكمنَا بانتقاض الْعَهْد فَهَل نبلغهم المأمن فِيهِ خلاف وَالرَّاجِح لَا بل يتَخَيَّر الإِمَام فيهم بَين الْقَتْل واسترقاق والمن وَالْفِدَاء لأَنهم كفار لَا أَمَان لَهُم وَالله أعلم قَالَ (ويؤخذون بِلبْس الغيار والزنار وَيمْنَعُونَ من ركُوب الْخَيل) قَوْله يؤخذون بِلبْس الغيار هَذِه عبارَة الرَّوْضَة تبعا للرافعي وَلَفظ الْمِنْهَاج وَيُؤمر بالغيار أَي الذِّمِّيّ وَلم يبين أَن الْأَمر للْوُجُوب أَو للنَّدْب وَلَفظ التَّنْبِيه ويلزمهم أَن يتميزوا عَن الْمُسلمين فِي اللبَاس وَقَيده فِي الْمُهَذّب بدار الْإِسْلَام وَالْحَاصِل أَنهم يتميزون عَن الْمُسلمين ليعرفوا فيعاملوا بِمَا يَلِيق بهم وَالْأولَى أَن تلبس كل طَائِفَة مَا اعتادته قَالَ الْأَصْحَاب عَادَة الْيَهُود العسلي وَهُوَ الْأَصْفَر وَعَادَة النَّصَارَى إِلَّا كهب والأدكن وَهُوَ نوع من الفاختي قَالَ ابْن الصّباغ الدكنة السوَاد وَعَادَة الْمَجُوس الْأسود والأحمر وَيَكْفِي ذَلِك فِي بعض الثِّيَاب الظَّاهِرَة من الْعِمَامَة وَغَيرهَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن وَغَيره تَكْفِي خرقَة من الألوان تحط على أكتافهم دون الذيل وَتَبعهُ الْبَغَوِيّ قَالَ الرَّافِعِيّ الْأَشْبَه أَن لَا تخْتَص بالكتف وَاشْترط الْحَط على مَوضِع لَا يعْتَاد وكما يؤخذون بالغيار يؤخذون بشد الزنار وَهُوَ خيط غليظ على أوساطهم خَارج الثِّيَاب وَاحْتج لذَلِك بِأَن عمر ﵁ كتب إِلَى أُمَرَاء الْأَمْصَار فِي أهل الْكتاب أَن يجروا نواصيهم وَأَن يربطوا الكستجات فِي أوساطهم ويروى المناطق والكستجات هِيَ الزنانير وَالْمرَاد بهَا المناطق أَيْضا وَلَا فرق فِي الْخَيط بَين الْأسود والأبيض وَغَيره من الألوان قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يَكْفِي شده بَاطِنا قَالَ القَاضِي حُسَيْن لأَنهم يتدينون بذلك قَالَ الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة تبعا للماوردي وَلَيْسَ لَهُم إِبْدَاله بالمنطقة والمنديل وَنَحْوهمَا وَإِنَّمَا جمع بَين الْعَلامَة والزنانير قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَابْن الصّباغ ليَكُون أثبت للعلامة فَإِن الْمُسلم قد يفعل أَحدهمَا وَإِذا دخلُوا الْحمام جعل فِي رقابهم طوق من رصاص أَو نُحَاس أَو جرس ليتميزوا عَن الْمُسلمين وَكَذَا الحكم حَيْثُ تجردوا من الثِّيَاب وكل هَذِه الْأُمُور حَتَّى يعاملوا بِمَا يَلِيق بهم حَتَّى لَا يتصدرون فِي الْمجَالِس إهانه لَهُم وَلَا يبدءون بِالسَّلَامِ لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن بداءتهم بِهِ وَقَالَ إِذا لقيتموهم فِي الطَّرِيق فاضطروهم وألجئوهم إِلَى أضيقها وَالله أعلم وَيمْنَعُونَ من ركُوب الْخَيل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله﴾ أَمر أولياءه بإعدادها لأعدائه وَقَالَ ﵊ الْخَيل مَعْقُود بنواصيها الْخَيْر إِلَى يَوْم

стр. 504

الْقِيَامَة أَي الْغَنِيمَة وَقد رُوِيَ ظُهُورهَا عز وَقد ضربت عَلَيْهِم الذلة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ وَفِي وَجه لَا يمْنَعُونَ من البراذين وَلَا خلاف أَنهم يمْنَعُونَ من تَقْلِيد السيوف وَحمل السَّلَام وتختم الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يمْنَعُونَ من ركُوب الْحمير النفيسة وَكَذَا البغال إِذْ لَا شرف فِيهَا وَقيل يمْنَعُونَ من البغال النفيسة كالخيل قلت وَهُوَ قوي فِي زَمَاننَا لِأَن فِيهِ شرفاً بِدَلِيل تعاطيه قُضَاة البراطيل وَغَيرهم من أَصْحَاب الوجاهة من الْمُسلمين وَقد اخْتَار ذَلِك الإِمَام الْغَزالِيّ وَجزم بِهِ الفوراني وَهُوَ مُتَّجه وَالله أعلم قَالَ

стр. 505

كتاب الصَّيْد والذبائح والضحايا والأطعمة بَاب الزَّكَاة وَالصَّيْد فصل مَا قدر على ذَكَاته فذكاته فِي حلقه ولبته وَمَا لَا يقدر على ذَكَاته فذكاته حَيْثُ قدر عَلَيْهِ الأَصْل فِي الصَّيْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وَهُوَ أَمر إِبَاحَة لِأَنَّهُ أَمر بعد التَّحْرِيم إِذْ الْقَاعِدَة الْأُصُولِيَّة أَن الْأَمر بعد الْحَظْر للْإِبَاحَة وَالْأَصْل فِي الذَّبَائِح قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وَلَا شكّ أَن المذكي من الطَّيِّبَات وأجمعت الْأمة عَلَيْهَا وَأما السّنة فكثيرة فِي ذَلِك وسنوردها فِي محلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَا نذْكر أَمر الضَّحَايَا والأطعمة إِذا عرفت هَذَا فالحيوان الَّذِي يحل بالذكاة تَارَة يقدر على ذَكَاته وَتارَة لَا يقدر فَإِن قدر على ذَكَاته فَلَا بُد مِنْهَا والذكاة الذّبْح وَمحله الْحُلْقُوم واللبة فَلَا بُد فِي حل الْحَيَوَان من قطع جَمِيع الْحُلْقُوم والمريء بِآلَة لَيست عظما وَلَا ظفرا وَسَيَأْتِي إِيضَاح هَذَا وَأما مَا لَا يقدر على ذبحه فِي الْمحل الْمَذْكُور فَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الصيود وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى النَّوْع الثَّانِي غير الصيود بِأَن ند الْبَعِير أَو الجاموس أَو شَردت الشَّاة وَتعذر الْوُصُول إِلَيْهَا لإفضائها إِلَى مهلكة أَو مسبعَة أَو وَقعت بَهِيمَة فِي بِئْر وَنَحْوهَا وَتعذر إخْرَاجهَا حَيَّة وَلم يتَمَكَّن من ذَبحهَا فَحكمه حكم البعر المتوحش فَيحل عقر ذَلِك كُله سَوَاء أصَاب المذبح أم لَا وَصَارَت كلهَا منحرا وَقد ورد عَن أبي العشراء عَن أَبِيه أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبنة

стр. 506

فَقَالَ ﷺ لَو طعنت فِي فَخذهَا أَجْزَأَ عَنْك قَالَ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا فِي المتردية والمتوحش وَورد أَنه ﵊ أصَاب نهباً فند مِنْهَا بعير وَلم يكن مَعَهم خيل فَرَمَاهُ رجل بِسَهْم فحبسه أَي فَمَاتَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا فعل مِنْهَا هَكَذَا فافعلوا بِهِ مثل ذَلِك وروى وَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا والأوابد هِيَ الَّتِي تأبدت أَي توحشت وَهل يشْتَرط فِي الْجرْح الَّذِي يُفِيد الْحل فِي المتردية والناد أَن يكون مذففاً أم يَكْفِي جرح مدم يجوز وُقُوع الْقَتْل فِيهِ فِيهِ وَجْهَان وَالصَّحِيح الثَّانِي لِأَنَّهُ يحصل الْمَقْصُود بِخُرُوجِهِ عَن كَونه ميتَة وَلَو أرسل كَلْبا على الناد حل وَلَو أرْسلهُ على المتردي فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ التَّحْرِيم وَنقل ابْن الرّفْعَة عَن النَّوَوِيّ أَنه صحّح الْحل وَهُوَ سَهْو وَالله أعلم (فرعان) أَحدهمَا تردى بعير فَوق بعير فغرز رمحاً فِي الأول فنفذ إِلَى الثَّانِي قَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن كَانَ عَالما بِالثَّانِي حل وَكَذَا إِن كَانَ جَاهِلا على الْمَذْهَب كَمَا لَو رمى صيدا فنفذ مِنْهُ وَأصَاب الآخر (فرع الثَّانِي) إِذا صال عَلَيْهِ صيد أَو بعير فَدفعهُ عَن نَفسه وجرحه فَقتله قَالَ القَاضِي حُسَيْن فَالظَّاهِر الْحل إِن أصَاب المذبح وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَالله أعلم قَالَ (وَكَمَال الذَّكَاة أَرْبَعَة أَشْيَاء قطع الْحُلْقُوم والمريء والودجين والمجزئ مِنْهَا شَيْئَانِ قطع الْحُلْقُوم والمريء) الذَّكَاة فِي اللُّغَة التَّطَيُّب من قَوْلهم رَائِحَة ذكية أَي طيبَة فَسُمي بهَا الذّبْح لتطيب أكله بِالْإِبَاحَةِ وَفِي الشَّرْع قطع مَخْصُوص قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ معنى الذَّكَاة فِي اللُّغَة التتميم فَمَعْنَى ذَكَاة الشَّاة ذَبحهَا التَّام الْمُبِيح وَمِنْه فلَان ذكي أَي تَامّ الْفَهم إِذا عرفت أَن الذَّكَاة فِي الشَّرْع قطع مَخْصُوص فَهَذَا الْمَقْطُوع تَارَة يكون مُعْتَبرا للفضيلة وَتارَة يكون مُعْتَبرا لأجل الْأَجْزَاء فَالْمُعْتَبر لأجل الْأَجْزَاء قطع جَمِيع الْحُلْقُوم والمريء فالحلقوم هُوَ مجْرى النَّفس خُرُوجًا ودخولاً والمريء مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب وَهُوَ تَحت الْحُلْقُوم وراءهما عرقان فِي صفحتي الْعُنُق يحيطان بالحلقوم وَقيل بالمرىء يُقَال لَهما الودجان فَيُسْتَحَب قطع الودجين مَعَ

стр. 507

الْحُلْقُوم والمريء لِأَنَّهُ أُوحِي وَالْغَالِب أَنَّهُمَا ينقطعان بِقطع الْحُلْقُوم والمريء فَإِن تَركهمَا جَازَ وَلَو ترك شَيْئا يَسِيرا من الْحُلْقُوم أَو المريء وَمَات الْحَيَوَان فَهُوَ ميتَة وَكَذَا لَو انْتهى إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح فَقطع الْمَتْرُوك فَهُوَ ميتَة وَفِي وَجه أَن الْيَسِير لَا يضر وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ وَالصَّحِيح الأول وَقَالَ الاصطخري يَكْفِي قطع الْحُلْقُوم أَو المريء لِأَن الْحَيَاة تفقد بفقد أَحدهمَا وَهُوَ ضَعِيف وَلَا بُد من قطع جَمِيعهَا كَمَا تقدم لِأَن مَا قَالَه تَعْذِيب للحيوان وَالْمَقْصُود تَعْجِيل التَّوْجِيه بِلَا تَعْذِيب وَالله أعلم (تَنْبِيه) لَا بُد فِي الْمَذْبُوح أَن يكون فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة فَلَو انْتهى إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح لم يحل وَإِن ذبح وَقطع مِنْهُ جَمِيع الْحُلْقُوم والمريء فَإِن قلت فَمَا الْحَيَاة المستقرة وَمَا حَرَكَة الْمَذْبُوح فَالْجَوَاب قَالَ النَّوَوِيّ ذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَابْن الصّباغ والعمراني وَغَيرهم أَن الْحَيَاة المستقرة مَا يجوز أَن يبْقى مَعَه الْحَيَوَان الْيَوْم واليومين فَإِن ذكيت حلت وَقَالَ قبل ذَلِك إِذا جرح السَّبع شَاة أَو انْهَدم سقف على بَهِيمَة فذبحت إِن كَانَ فِيهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّة حلت وَإِن تَيَقّن أَنَّهَا تهْلك بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَإِن لم تكن فِيهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّة لم تحل على الْمَذْهَب الْمَنْصُوص الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَإِن شكّ هَل فِيهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّة أم لَا فَالصَّحِيح التَّحْرِيم للشَّكّ فِي الذَّكَاة المبيحة وَمن العلامات الدَّالَّة على الْحَيَاة المستقرة الْحَرَكَة الشَّدِيدَة وانفجار الدَّم وتدفقه بعد الذّبْح المجزي وَصحح أَنه تَكْفِي الْحَرَكَة الشَّدِيدَة وَحدهَا قلت قَالَ ابْن الصّباغ بِأَن الْحَيَاة المستقرة بِحَيْثُ لَو تركت لبقيت يَوْمًا أَو بعض يَوْم وَغير المستقرة أَن تَمُوت فِي الْحَال قَالَ ابْن الرّفْعَة وَقَالَ غَيره أَن لَا يَنْتَهِي إِلَى حَرَكَة المذبوحين وَقَالَ فِي المرشد يعرف بشيئين أَن يكون عِنْد وُصُول السكين إِلَى الْحُلْقُوم تطرف عينه ويتحرك ذَنبه وَأما حَرَكَة الْمَذْبُوح بِأَن يَنْتَهِي الْآدَمِيّ إِلَى حَالَة لَا يبْقى مَعهَا إبصار ونطق وحركة اختيارية لِأَن الشَّخْص قد يقد نِصْفَيْنِ وَيتَكَلَّم بِكَلَام مُنْتَظم إِلَّا أَنه غير صادر عَن روية وَاخْتِيَار وَالله أعلم (مَسْأَلَة) مَرضت شَاة وَصَارَت إِلَى أدنى الرمق وذبحت حلت قطعا لِأَنَّهُ لم يُوجد سَبَب يُحَال عَلَيْهِ الْهَلَاك وَلَو أكلت شَاة نباتاً مضراً فَصَارَت إِلَى أدنى الرمق فذبحت قَالَ القَاضِي حُسَيْن مرّة فِي حلهَا وَجْهَان وَجزم مرّة بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ وجد سَبَب يُحَال عَلَيْهِ الْهَلَاك فَصَارَ كجرح السَّبع قَالَ (وَيجوز الِاصْطِيَاد بِكُل جارحة معلمة من سِبَاع الْبَهَائِم وجوارح الطير وشرائط تعليمها أَربع أَن تكون إِذا أرْسلت استرسلت وَإِذا زجرت انزجرت وَإِذا قتلت لم تَأْكُل مِنْهُ ويتكرر ذَلِك مِنْهَا فَإِن عدمت إِحْدَى الشَّرَائِط لم يحل إِلَّا أَن يدْرك حَيا فيذكى) يجوز الِاصْطِيَاد بجوارح السبَاع كَالْكَلْبِ والفهد والنمر وَغَيرهَا وبجوارح الطير كالصقر

стр. 508

والشاهين والباز لقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الْآيَة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ الْجَوَارِح الْكلاب والطيور المعلمة مُشْتَقَّة من الْجرْح وَهُوَ الْكسْب لكسب أَهلهَا بهَا وَمِنْه ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أَي كسبتم وَقيل من الْجراحَة وَقَوله مُكَلِّبِينَ قيل من التكليب وَهُوَ الإغراء وَقيل من التضرية يُقَال تكلب إِذا ضرى ورد عَنهُ عدي بن حَاتِم قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عِنْد صيد الباز فَقَالَ مَا أمسك عَلَيْك فَكل ورد عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أرْسلت كلبك فاذكر اسْم الله فَإِن أمسك عَلَيْك فَأَدْرَكته حَيا فاذبحه وَإِن أَدْرَكته قد قتل وَلم يَأْكُل مِنْهُ فَكل وَقيل لَا يحل صيد الْكَلْب الْأسود البهيم لأَمره ﷺ بقتْله وَالْمذهب الأول وَالْخَبَر مَحْمُول على غير الْمعلم أَو الْعَقُور وَاعْلَم أَن المُرَاد بِجَوَاز الِاصْطِيَاد بهَا أَن مَا أَخَذته وجرحته وأدركه صَاحبهَا مَيتا أَو فِي حَرَكَة مَذْبُوح أَنه يحل أكله وَيقوم إرْسَال الصَّائِد وجرح الْجَارِح فِي أَي مَوضِع كَانَ مقَام الذّبْح وَيشْتَرط فِي كَون الْكَلْب معلما أُمُور مِنْهَا أَن يكون بِحَيْثُ أَن يسترسل بإرساله وَمَعْنَاهُ أَنه إِذا أغراه بالصيد هاج وَمِنْهَا أَن يكون بِحَيْثُ إِذا زَجره انزجر وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَمِنْهَا أَنه إِذا أمْسكهُ لم يَأْكُل مِنْهُ على الْمَشْهُور ويحسبه على صَاحبه وَلَا يخليه ثمَّ هَذِه الْأُمُور يشْتَرط تكررها فِي التَّعْلِيم ليغلب على الظَّن تأدب الْجَارِحَة وَالرُّجُوع فِي عدد ذَلِك إِلَى أهل الْخِبْرَة على الصَّحِيح وَقيل يشْتَرط تكَرر ذَلِك ثَلَاثًا وَقيل مرَّتَيْنِ وَلَو ظهر أَنه معلم ثمَّ أكل من صيد قبل قَتله أَو بعده فَفِي حل ذَلِك الصَّيْد قَولَانِ الْأَظْهر لَا يحل قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وددت لَو فصل مفصل بَين أَن يكف زمَان لم يَأْكُل وَبَين أَن يَأْكُل بِنَفس الْأكل لَكِن لم يتَعَرَّضُوا لَهُ كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الإِمَام قَالَ النَّوَوِيّ وَقد فصل الجرحاني وَغَيره فَقَالُوا إِن أكل عقب الْقَتْل فَفِيهِ الْقَوْلَانِ وَإِلَّا فَيحل قطعا وَالله أعلم وَإِذا قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا بُد من اسْتِئْنَاف التَّعْلِيم وَلَا يَنْعَطِف التَّحْرِيم على مَا اصطاده من قبل وَلَو أكل حَشْو الصَّيْد فَفِيهِ قَولَانِ قيل لَا يضر لِأَنَّهَا غير مَقْصُودَة وَالصَّحِيح أَنه على الْقَوْلَيْنِ فِي الْأكل من اللَّحْم وَلَو لعق الدَّم لم يضر على الْمَذْهَب وَلَو أَرَادَ الصَّائِد أَخذ الصَّيْد مِنْهُ فَامْتنعَ وَصَارَ يضارب وَيُقَاتل دونه فَهُوَ كَالْأَكْلِ قَالَه الْقفال وَالله أعلم

стр. 509

وَقَوله فَإِن عدمت إِحْدَى الشَّرَائِط لم يحل لِأَن الْمَشْرُوط يفوت بِفَوَات شَرطه وَالشّرط الْمركب يفوت بِفَوَات جُزْء من أَجْزَائِهِ فَإِذا أدْركهُ حَيا وذبحه حل ٢ كَسَائِر الصيود الْمَقْدُور عَلَيْهَا وَالله أعلم (فرع) مَوضِع عض الْكَلْب من الصَّيْد نجس يجب غسله سبعا مَعَ التعفير بِالتُّرَابِ كَغَيْرِهِ فَإِذا غسل حل أكله هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور وَقيل إِنَّه نجس مَعْفُو عَنهُ وَقيل طَاهِر وَقيل نجس لَا يُمكن تَطْهِيره بل يجب تقوير ذَلِك الْموضع ورميه لِأَنَّهُ تشرب لعاب الْكَلْب فَلَا يتخلله المَاء وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (فرع يُؤْخَذ مِمَّا تقدم إِلَّا أَنا نقصد إيضاحه) إِذا قتلت الْجَارِحَة الصَّيْد بثقلها وَمَات فَفِي حلّه قَولَانِ أَحدهمَا يحرم لمَفْهُوم قَوْله ﵊ مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا وَالصَّحِيح الْحل لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وَلِأَنَّهُ يعز تَعْلِيمه بِأَن لَا يقتل إِلَّا جرحا وطرد الْخلاف فِيمَا لَو عض وَلم يجرحه أَو ضمه فَمَاتَ قَالَ مجلي وطرد بَعضهم الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَو مَاتَ الصَّيْد فَزعًا من الْجَارِحَة قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون كموته تبعا فَإِنَّهُ لَا يحل قطعا وَالله أعلم قَالَ (وَتجوز الذَّكَاة مَا يجرح إِلَّا بِالسِّنِّ وَالظفر) يجوز الذّبْح بِكُل مَاله حد يقطع سَوَاء كَانَ من الْحَدِيد كالسيف والسكين وَالرمْح أَو من الرصاص أَو النّحاس أَو الذَّهَب أَو الْخشب المحدد أَو الْقصب أَو الزّجاج أَو الْحجر فَيحل الذّبْح بذلك كُله وَيحل الصَّيْد الْمَقْتُول بهَا إِلَّا السن وَالظفر وَبَقِيَّة الْعِظَام فَإِنَّهُ لَا يحل بهَا سَوَاء فِي ذَلِك عظم الْآدَمِيّ أَو غَيره وَسَوَاء فِي ذَلِك الْمُنْفَصِل والمتصل وَاحْتج لذَلِك بِحَدِيث رَافع بن خديج قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِنَّا نلقى الْعَدو غَدا وَلَيْسَ مَعنا مدى فَقَالَ ﷺ مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لم يكن سنا أَو ظفراً أما السن فَعظم وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة فِي حَدِيث طَوِيل وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا قتلته الْجَارِحَة كَلْبا كَانَ أَو غَيره بسنها أَو ظفرها فَإِنَّهُ يحل للْحَاجة وَقيل يحل الذّبْح بسن مَا يُؤْكَل لَحْمه لِأَنَّهُ لَهُ حدا يقطع وَهُوَ شَاذ ضَعِيف وَالْمذهب الأول وَالله أعلم (فَائِدَة) اخْتلف الْعلمَاء فِي معنى قَوْله ﷺ أما السن فَعظم فَعَن الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام أَنه قَالَ للشَّرْع علل تعبدنا بهَا كَمَا أَن لَهُ أحكاماً تعبدنا بهَا وَقَالَ غَيره ورد الشَّرْع بِمَنْع الِاسْتِنْجَاء بالعظم لكَونه زَاد الْجِنّ وَمَا ذَاك إِلَّا للنَّجَاسَة وَالدَّم بِهَذِهِ المثابة وَقَالَ ابْن الرّفْعَة الَّذِي

стр. 510

يظْهر أَنه كَانَ الذّبْح عِنْدهم بالعظم لَا يجوز وَأَن حكمته أَن لَا يكون موت الْحَيَوَان بِبَعْضِه مبيحاً لَهُ على أَن سِيَاق حَدِيث رَافع يدل على أَن الْمَعْهُود عِنْدهم أَنه لَا ذَكَاة إِلَّا بالمدية وَالله أعلم قَالَ (وَيحل ذَكَاة كل مُسلم وكتابي وَلَا يحل ذَكَاة مَجُوسِيّ وَلَا وَثني) يعْتَبر فِي الذَّابِح لحل الذَّبِيحَة إِمَّا كَونه مُسلما أَو كتابيا سَوَاء كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وَسَوَاد ذبح مَا هُوَ حَلَال عندنَا وَعِنْدهم أَو مَا هُوَ حَلَال عندنَا دونهم كَالْإِبِلِ وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وَالْمرَاد بِالطَّعَامِ هُنَا الذَّبَائِح وَأما تَحْرِيم ذَبَائِح الْمَجُوس فالدليل عَلَيْهِ قَوْله ﵊ سنوا بهم سنة أهل الْكتاب غير آكِلِي ذَبَائِحهم وناكحي نِسَائِهِم والوثني لَا كتاب لَهُ وَكَذَا الْمُرْتَد وَلِهَذَا لَا تعقد لَهُم الْجِزْيَة فهما أَسْوَأ حَالا من الْمَجُوس وَكَذَا لَا يحل ذبح نَصَارَى الْعَرَب وهم نَجْرَان وتنوخ وتغلب لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن ذبح نَصَارَى الْعَرَب وَقَالَ عمر ﵁ لَيْسَ نَصَارَى الْعَرَب بِأَهْل كتاب وَلَا تحل لنا ذَبَائِحهم وَلَا تحل لنا ذَبَائِح بني تغلب لأَنهم لم يَأْخُذُوا من دين أهل الْكتاب إِلَّا شرب الْخمر وَأكل الْخِنْزِير وَاعْلَم أَن الزَّنَادِقَة كالمجوس وَكَذَا الدروز لَا تحل ذَبَائِحهم والقريشة المصنوعة من ذَبَائِحهم لَا تحل وَالله أعلم (فرع) تحل ذَبِيحَة الصَّبِي الْمُمَيز على الصَّحِيح وَفِي غير الْمُمَيز وَالْمَجْنُون والسكران قَولَانِ الصَّحِيح عِنْد الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَجَمَاعَة عدم الْحل لأَنهم لَا قصد لم فأشبهوا النَّائِم إِذا كَانَت بِيَدِهِ سكين فَوَقَعت على حلقوم شَاة فَإِنَّهَا لَا تحل وَإِن قطعته مَعَ المريء وَالثَّانِي الْحل وَبِه قطع الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ كمن قطع حلق شَاة يَظُنّهُ خَشَبَة فَإِنَّهَا تحل لِأَن لَهُم قصدا وَإِرَادَة فِي الْجُمْلَة بِخِلَاف النَّائِم وَالصَّحِيح فِي الْمُحَرر وَزِيَادَة الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب الْحل والأخرس إِن كَانَ لَهُ إِشَارَة مفهمة حلت ذَبِيحَته وَإِلَّا فَفِيهِ خلاف وَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ الْحل وَكَذَا تحل ذَكَاة الْأَعْمَى وَالْمَرْأَة وَإِن كَانَ حَائِضًا وَاحْتج لحل ذَبحهَا بِمَا ورد أَن جَارِيَة لآل كَعْب كَانَت ترعى غنما لَهُم فمرضت شَاة مِنْهَا فَكسرت مروة وذبحتها فَسَأَلَ مَوْلَاهَا رَسُول الله ﷺ فَأجَاز لَهُم أكلهَا والمروة الْحجر الْأَبْيَض وَفِيه دلَالَة على جَوَاز الذّبْح بِهِ وَالله أعلم قَالَ

стр. 511

(وذكاة الْجَنِين بِذَكَاة أمه وَإِن وجد حَيا فيذكى الْجَنِين الَّذِي يُوجد فِي بطن أمه المذكاة مَيتا أَو فِيهِ حَيَاة غير مُسْتَقِرَّة يحل وَإِن لم يذك ظَاهرا لقَوْله ﷺ ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة امهِ وَهُوَ بِرَفْع الذَّكَاة فيهمَا كَمَا هُوَ الْمَحْفُوظ فَتكون ذَكَاة أمه ذَكَاة لَهُ وَيُؤَيّد ذَلِك مَا روى مُسَدّد قَالَ كُنَّا يَا رَسُول الله نَنْحَر النَّاقة وننحر الْبَقَرَة وَالشَّاة فنجد فِي بَطنهَا الْجَنِين أنلقيه أم نأكله فَقَالَ كلوا إِن شِئْتُم فَإِن ذَكَاته ذَكَاة أمه وَهَذَا يبعد رِوَايَة نصب الذَّكَاة الثَّانِيَة يَعْنِي ذَكَاته مثل ذَكَاة أمه فَيذْبَح إِن أمكن وَإِلَّا حرم وَلَو خرج رَأس الْجَنِين مَيتا فذبحت أمه قبل انْفِصَاله حل قَالَه الْبَغَوِيّ لأَنا تحققنا أَنه لَا حَيَاة فِيهِ وَفِي كَلَام الإِمَام مَا يدل على عدم حلّه وَلَو خرج الْجَنِين وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة يَتَّسِع مَعهَا الزَّمَان لذبحه فَلم يذبح وَلَو كَانَ مَعَ فقد الْآلَة حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ لَا يحل وَإِن لم يَتَّسِع الزَّمَان للذبح حل وَلَو خرج بعضه والحياة فِيهِ فَفِي حلّه بِذبح الْأُم خلاف صحّح النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الْحل وَهُوَ مُقْتَضى تَصْحِيح الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْعدَد وَالْيَد الشلاء من الْمَأْكُول إِذا ذبح فَفِي حل أكلهَا وَجْهَان أصَحهمَا الْحل والوجهان مبنيان على أَنَّهَا كالميتة أم لَا وَالله أعلم قَالَ (وَمَا قطع من حَيّ فَهُوَ ميت إِلَّا الشُّعُور المنتفع بهَا فِي المفارش والملابس وَغَيرهمَا) الأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن جباب أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فَقَالَ مَا قطع من حَيّ فَهُوَ ميت وَفِي رِوَايَة مَا قطع من بَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميت ويستثى من عُمُوم ذَلِك شعر الْمَأْكُول وريشه وصوفه ووبره إِذا انْفَصل فِي حَيَاته بِقطع أَو قصّ فَإِنَّهُ طَاهِر وَكَذَا مَا تناثر أَو نتف فِي الْأَصَح لِأَن لنا فِي ذَلِك أثاثاً ومتاعاً إِلَى حِين وَقَول الشَّيْخ إِلَّا الشُّعُور يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْقرن والظلف وَالسّن والعظم إِذا انْفَصل فِي الْحَيَاة أَنه لَيْسَ كَذَلِك وَفِي ذَلِك كُله طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنَّهَا كالشعور فَتكون طَاهِرَة من الْمَأْكُول نَجِسَة من غَيره وأصحهما أَنه نَجِسَة لِأَنَّهَا

стр. 512

بالأعضاء أشبه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ والإحياء للْمَيت وَلِأَنَّهَا تحس وتألم فَدلَّ على أَنَّهَا تحلها الْحَيَاة فتنجس بِالْمَوْتِ بِخِلَاف الشُّعُور فَإِنَّهَا لَا تحلها الْحَيَاة وَلِهَذَا لَا تحس وَلَا تألم بِالْقطعِ وَلنَا فِي شُعُور غير الْمَأْكُول وَجه أَنَّهَا لَا تنحس لهَذِهِ الْعلَّة وَالله أعلم قَالَ بَاب مَا يحل وَمَا يحرم من الْأَطْعِمَة فصل وكل حَيَوَان استطابته الْعَرَب فَهُوَ حَلَال إِلَّا مَا ورد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ طلب الْحَلَال فرض عين لِأَن اللَّحْم النَّابِت من الْحَرَام النَّار أولى بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر ثمَّ الأَصْل فِي حل الْأَطْعِمَة الْآيَات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وَالْمرَاد بِهِ هُنَا مَا تستطيبه النَّفس وتشتهيه وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ الْحَلَال لأَنهم سَأَلُوهُ عَمَّا أحل لَهُم فَكيف يَقُول أخل لكم الْحَلَال وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أجد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الْآيَة أَي فِيمَا أُوحِي إِلَيّ قُرْآنًا فَإِن غير ذَلِك حرمته السّنة وَقيل مَعْنَاهُ لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما فِيمَا كَانَت الْعَرَب تستطيبه إِلَّا هَذِه الثَّلَاثَة قَالَ الْأَصْحَاب مَا يُمكن أكله من الجمادات والحيوانات لَا يَتَأَتَّى حصر أَنْوَاعه لَكِن الأَصْل فِي الْأكل الْحل لِأَن الْأَعْيَان مخلوقة لمنافع الْعباد فَإِن القَوْل مَا قَالَت حذام وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا ورد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ وَقَول الشَّيْخ استطابته الْعَرَب احْتَرز بِهِ عَن الْعَجم فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَار بهم لِأَن الله تَعَالَى لما أناط الحكم بالطيبات وَالتَّحْرِيم بالخبائث علم بِالْعقلِ أَنه لم يرد مَا تسطيبه وتستخبثه كل النَّاس لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاعهم على ذَلِك لاخْتِلَاف طباعهم فَتعين إِرَادَة بَعضهم وَالْعرب أولى بذلك لنزول الْقُرْآن بلغتهم وهم المخاطبون بِهِ ثمَّ طبائع الْعَرَب مُخْتَلفَة فيتعذر اعْتِبَار جَمِيعهم فَيرجع إِلَى من كَانَ فِي عصره ﵊ كَمَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَغَيره وَأبْدى الرَّافِعِيّ لنَفسِهِ احْتِمَالا فِي عدم اختصاصهم بذلك وَأَنه يرجع فِي كل زمَان إِلَى عربه

стр. 513

وعَلى كل حَال فَيشْتَرط فيهم شُرُوط مِنْهَا أَن يَكُونُوا قريبين من الْبِلَاد والأرياف دون أهل الْبَوَادِي والمواضع المنقطعة فَإِنَّهُم يَأْكُلُون مَا دب ودرج وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا ذَوي طباع سليمَة وَمِنْهَا أَن يستطيبوا الْحَيَوَان فِي حَال الرخَاء دون حَالَة الْقَحْط فَإِن استطابه الْبَعْض واستخبثه الْبَعْض اعْتبر بِالْأَكْثَرِ فَإِن اسْتَووا رجح بِقُرَيْش قَالَه الْعَبَّادِيّ وَغَيره فَإِن اخْتلفت قُرَيْش أَو لم يحكموا بِشَيْء رَجَعَ إِلَى شَبيه الْحَيَوَان فِي صورته أَو طعم لَحْمه أَو طبعه من السَّلامَة والعدوان فَإِن اسْتَوَى الشبهان أَو لم يُوجد مَا يُشبههُ فَالْأَصَحّ الْحل وَقيل يحرم وبناهما الْمَاوَرْدِيّ على الْخلاف فِي أَن الِاعْتِبَار قبل الشَّرْع فِي الْأَشْيَاء هَل هِيَ على الْإِبَاحَة أَو الْحَظْر وَلَو وجدنَا حَيَوَانا وَتعذر معرفَة حكمه من شرعنا وَثَبت تَحْرِيمه فِي شرع من قبلنَا فَهَل يستصحب تَحْرِيمه قَولَانِ الْأَزْهَر لَا وَإِنَّمَا يثبت أَنه شرع من قبلنَا بِالْكتاب أَو السّنة أَو بعد أَن أسلم مِنْهُم أنَاس عارفون بالتنزيل إِذا عرفت هَذَا فَلَا بُد من ذكر نبذة مِمَّا يستطاب وَمِمَّا يستخبث أما المستطاب فكثير مَعَ اخْتِلَاف أَنْوَاعه وَهُوَ أنسي وَوَحْشِي فَمن الْإِنْسِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وحلها بِالْإِجْمَاع بعد قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وَقَوله ﴿وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وَمِنْهَا الْخَيل لما روى جَابر ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر وَأذن فِي لُحُوم الْخَيل وَفِي رِوَايَة نَهَانَا رَسُول الله ﷺ عَن الْحمير وَالْبِغَال وَلم ينهنا عَن الْخَيل وَالله أعلم وَيحل من دَوَاب الْوَحْش الْبَقر لِأَنَّهَا من الطَّيِّبَات وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك الْإِبِل والوعل وَكَذَا جَمِيع كباش الْجَبَل وغنمه وَكَذَا الْحمار لِأَنَّهُ ﵊ أكل مِنْهُ وَلَا فرق بَين المتوحش والمستأنس كَمَا لَا يحل الْحمار الأهلي فِي الْحَالين والظبي والضبع والثعلب والأرنب واليربوع والقنفذ والوبر وَابْن عرس لِأَنَّهَا مستطابة وَفِي بَعْضهَا خلاف وَكَذَا يحل الضَّب لِأَنَّهُ أكل بِحَضْرَتِهِ ﵊ وَلِهَذَا تَتِمَّة تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما مَا يستخبث فكثير جدا مِنْهَا الْحَيَّات والعقارب والخنافس وَنَحْوهَا كالقراد وَالْقمل وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهَا من الْخَبَائِث قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ وَالله أعلم قَالَ (وَيحرم من السبَاع مَاله نَاب قوي يعدو بِهِ وَيحرم من الطُّيُور مَاله مخلب قوي يجرح بِهِ)

стр. 514

كل مَا كَانَ من السبَاع لَهُ نَاب يعدو بِهِ على الْحَيَوَان ويتقوى بِهِ فَيحرم كالأسد والفهد والنمر وَالذِّئْب والدب والقرد والفيل والتمساح والزرافة وَابْن آوى لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع تعدو بنابها طالبة غير مَطْلُوبَة كَمَا قَالَه الشَّافِعِي ﵁ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لِأَنَّهَا لَا تَأْكُل إِلَّا من فريستها وَلِهَذَا لَا يحرم الضبع والثعلب وَنَحْوهمَا لفقد هذَيْن الْمَعْنيين وَفِي وَجه يحل الْفِيل وَفِي آخر يحل التمسساح وَفِي آخر يحل ابْن آوى وَفِي آخر تحل الزرافة وَلَا يُؤْكَل الْكَلْب لِأَنَّهُ من الْخَبَائِث وَكَذَا الْخِنْزِير لِلْآيَةِ وَفِي السنور خلاف وَالصَّحِيح التَّحْرِيم وَإِن كَانَ وحشياً لِأَنَّهُ يتقوى بنابه وياكل الْجِيَف فَأشبه الْأسد ورد عَن أبي الزبير قَالَ سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور فَقَالَ زجر النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وروى أَنه ﵊ قَالَ إِن الله إِذا حرم شَيْئا حرم ثمنه وَيحل السمور والسنجاب والفنك والقاقم على الْأَصَح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَالله أعلم وَكَذَا يحرم من الطُّيُور كل مَا يتقوى بمخلبه كالنسر والصقر والشاهين والبازي والحدأة بأنواعا لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن أكل كل ذِي مخلب من الطُّيُور وَكَذَا يحرم مَا يَأْكُل الْجِيَف كالغراب الأبقع وَالْأسود الْكَبِير لِأَنَّهَا مستخبثان وَفِي تَحْرِيم الزاغ خلاف فَيحل مِنْهُ محمر المنقار وَالرّجلَيْنِ على الْأَصَح دون الغداف وَهُوَ رمادي صَغِير الجثة على الْأَصَح كَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَهُوَ سَهْو وَالَّذِي فِي الشَّرْح الصَّغِير الْحل فيهمَا لِأَنَّهُمَا يلقطان الْحبّ كالفواخت وَلَا يأكلان الْجِيَف بِخِلَاف الْأسود الْكَبِير وَيحل الكركي وَفِي الشقراق خلاف وَالله أعلم (فرع) تكره الدَّابَّة الْجَلالَة سَوَاء الشَّاة وَالْبَقَرَة والدجاجة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن أكل الْجَلالَة وَأَلْبَانهَا وَالْجَلالَة هِيَ الَّتِي أَكثر أكلهَا الْعذرَة الْيَابِسَة كَذَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَقَالَ غَيره هِيَ الَّتِي تَأْكُل الْعذرَة وأطلقوا ذَلِك ثمَّ الْكَرَاهَة منوطة بِتَغَيُّر الرَّائِحَة وَالنَّتن فَإِن وجد فِي عرقها أَو غَيره ريح النَّجَاسَة فجلالة وَإِلَّا فَلَا كَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَهل النَّهْي عَن أكل الْجَلالَة للتَّحْرِيم أَو للكراهة وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا للتنزيه وعلته أَن النَّهْي إِنَّمَا كَانَ

стр. 515

للنَّجَاسَة وَمَا تَأْكُله من الطاهرات ينجس فِي كرشها فَلَا تتغذى إِلَّا بالنجاسات أبدا فَأكلهَا النَّجَاسَات إِنَّمَا يُؤثر فِي تَغْيِير لَحمهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَة كَمَا أَن المذكي إِذا جَاف لَا يحرم أكله على الْمَذْهَب وَصحح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر تبعا للْإِمَام وَالْغَزالِيّ وَغَيرهمَا التَّحْرِيم لظَاهِر الْخَبَر وَلِأَنَّهَا صَارَت من الْخَبَائِث لكنه حكى فِي الشَّرْح الْكَبِير عَن الْأَكْثَرين وَمِنْهُم الْعِرَاقِيُّونَ مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَالله أعلم قَالَ (وَيحل للْمُضْطَر فِي المخمصة أَن يَأْكُل من الْميتَة مَا يسد بِهِ رمقه) نَص الْقُرْآن الْعَظِيم على تَحْرِيم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كالموقودة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع وَهَذَا فِي غير حَالَة الضَّرُورَة وَأما الْمُضْطَر فَيُبَاح لَهُ الْأكل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أَي فَأكل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ثمَّ الْأكل قد يجب لدفع الْهَلَاك وَاعْلَم أَنه لَا خلاف أَن الْجُوع الْقوي لَا يَكْفِي لأكل الْحَرَام وَلَا خلاف أَنه لَا يجب الِامْتِنَاع إِلَى أَن يشرف على الْمَوْت فَإِن الْأكل حِينَئِذٍ لَا يُفِيد بل لَو انْتهى إِلَى هَذِه الْحَالة لم يحل لَهُ أكل الْميتَة فَإِنَّهُ غير مُفِيد وَلَا خلاف فِي الْحل إِذا كَانَ يخَاف على نَفسه لَو لم يَأْكُل من جوع أَو ضف عَن الْمَشْي وَعَن الرّكُوب أَو يَنْقَطِع عَن الرّفْقَة أَو يضيع وَنَحْو ذَلِك فَلَو خَافَ حُدُوث مرض مخيف حَبسه فَهُوَ كخوف الْمَوْت وَإِن خَافَ طول الْمَرَض فَكَذَلِك على الرَّاجِح وَلَو عيل صبره وجهده الْجُوع فَهَل يحل لَهُ الْمحرم أم لَا حَتَّى يصل إِلَى أدنى الرمق قَولَانِ فَقَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْأَظْهر الْحل وَلَا يشْتَرط فِيمَا يخَاف مِنْهُ تَيَقّن وُقُوعه لَو لم يَأْكُل بل يَكْفِي غَلَبَة الظَّن فَإِذا انْتهى إِلَى الْحَالة الَّتِي يُبَاح لَهُ فِيهَا الْأكل فَمَاذَا يَأْكُل أما أكله مَا يسد بِهِ الرمق فَلَا خلاف فِي ذَلِك وَلَا تحل لَهُ الزِّيَادَة على الشِّبَع بِلَا خلاف وَفِي حل الشِّبَع أَقْوَال ثَالِثهَا إِن كَانَ قَرِيبا من الْعمرَان لم يجز وَإِلَّا جَازَ وَرجح الْقفال وَكثير من الْأَصْحَاب الْمَنْع وَرجح الرَّوْيَانِيّ وَغَيره الْحل كَذَا أطلق الْخلاف أَكْثَرهم وَفصل الإِمَام وَالْغَزالِيّ تَفْصِيلًا

стр. 516

حَاصله إِن كَانَ فِي بادية وَخَافَ إِن ترك الشِّبَع أَن لَا يقطعهَا وَيهْلك وَجب الْقطع بالشبع وَإِن كَانَ فِي بلد وتوقع الْحَلَال قبل عود الضَّرُورَة وَجب الْقطع بالاقتصار على سد الرمق وَإِن كَانَ لَا يظْهر حُصُول طَعَام حَلَال وَأمكنهُ الرُّجُوع إِلَى الْمحرم مرّة بعد أُخْرَى إِن لم يجد الْحَلَال فَهُوَ مَوضِع الْخلاف وَقد اخْتلف تَرْجِيح الشَّيْخَيْنِ فِي ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّحِيح أَنه يَأْكُل مَا يسد الرمق لِأَنَّهُ بعد سد الرمق غير مُضْطَر فَزَالَ الحكم بِزَوَال علته لِأَن الْقَاعِدَة المقررة أَن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدماً قَالَ السّديّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا عَادٍ﴾ أَي فِي الِاسْتِيفَاء إِلَى حد الشِّبَع وَمن قَالَ بالشبع علل بِأَنَّهُ طَعَام جَازَ مِنْهُ مَا يسد الرمق فَجَاز قدر الشِّبَع كالمذكى والاضطرار عِلّة لابتداء الْأكل دون استدامته كَمَا أَن فقد طول الْحرَّة عِلّة لابتداء نِكَاح الْأمة دون استدامته وعَلى هَذَا فَلَيْسَ المُرَاد بالشبع أَن يمتلئ حَتَّى لَا يبْقى للطعام مساغ فَإِن هَذَا حرَام بِلَا خلاف وَلَكِن المُرَاد أَن يَأْكُل حَتَّى يكسر سُورَة الْجُوع بِحَيْثُ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم جَائِع وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ جزم فِي الْمُحَرر بِمَا فَصله الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَهل لَهُ أَن يتزود من الْميتَة إِن لم يرج الْوُصُول إِلَى الْحَلَال فَلهُ التزود وَإِن رجا فَفِيهِ خلاف الْأَصَح فِي شرح الْمُهَذّب وَزِيَادَة الرَّوْضَة الْجَوَاز وَالله أعلم قَالَ (وميتتان حلالان السّمك وَالْجَرَاد) وَاعْلَم أَن الْحَيَوَان ثَلَاثَة أَقسَام الأول مَا لَا يُؤْكَل فَهَذَا ميتَته وذبيحته سَوَاء الْقسم الثَّانِي حَيَوَان مَأْكُول وَلَا تحل ميتَته فَهَذَا لَا يحل إِلَّا بالتذكية الْمُعْتَبرَة على مَا مر الْقسم الثَّالِث حَيَوَان مَأْكُول تحل ميتَته وَهُوَ السّمك وَالْجَرَاد وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث ابْن عمر ﵄ أَنه ﵊ قَالَ أحلّت لنا ميتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد ويحتج للسمك بقوله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وَهل يحل أكل السّمك الصغار إِذا شويت وَلم يشق جوفها وَلم يخرج مَا فِيهِ وَجْهَان صحّح جمَاعَة التَّحْرِيم بِسَبَب مَا فِي الْجوف فَإِنَّهُ نجس وينجس مَا يقلى بِهِ وَوجه الْجَوَاز مشقة تتبعها قَالَ الرَّافِعِيّ وعَلى الْمُسَامحَة جرى الْأَولونَ وَقَالَ فِي الطَّاهِر أطبقوا على أكل المملح مِنْهُ وَلَو وجدت سَمَكَة فِي جَوف سَمَكَة فَهِيَ حَلَال كَمَا لَو مَاتَت حتف أنفها وَلَو تقطعت سَمَكَة فِي جَوف سَمَكَة وَتغَير لَوْنهَا لم تحل على الْأَصَح لِأَنَّهَا كالروث وَيكرهُ ذبح السّمك إِلَّا أَن يكون كَبِيرا تطول حَيَاته فَيُسْتَحَب ذبحه على الْأَصَح إراحة لَهُ وَلَو ابتلع سَمَكَة حَيَّة أَو قطع فلقَة مِنْهَا لم تحرم على الْأَصَح لَكِن تكره وطرد الْوَجْهَانِ فِي الْجَرَاد وَلَو ذبح

стр. 517

من لَا تحل ذَكَاته سَمَكَة حلت لِأَن نهايته إِنَّهَا ميتَة وميتتها حَلَال وَيحرم القاء السّمك فِي الزَّيْت الْحَار قبل مَوته عَافَانَا الله من عَذَابه (فرع) حَيَوَان الْبَحْر إِذا خرج مِنْهُ مَالا يعِيش إِلَّا عَيْش الْمَذْبُوح كالسمك بأنواعه فَهُوَ حَلَال وَلَا حَاجَة إِلَى ذبحه وَسَوَاء مَاتَ بِسَبَب ظَاهر كصدمة أَو ضرب الصياد أَو غَيره أَو مَاتَ حتف أَنفه وَأما مَا لَيْسَ على صُورَة السموك الْمَشْهُورَة فَفِيهِ ثَلَاث مقالات أَصَحهَا الْحل وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَاحْتج بِهِ بِعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﷺ الْحل ميتَته وَقد نَص الشَّافِعِي ﵁ على أَنه قَالَ يُؤْكَل فار المَاء خِنْزِير المَاء قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة الْأَصَح أَن السّمك يَقع على جَمِيعهَا فعلى الصَّحِيح هَل يشْتَرط الذَّكَاة الرَّاجِح لَا وَتحل ميتَته كالسمك وَاحْتج لذَلِك بقول الصّديق ﵁ كل دَابَّة تَمُوت فِي الْبَحْر فقد ذكاها الله تَعَالَى لكم نعم قَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِن كَانَ فِيهِ مَا يطول خُرُوج روحه كإبل المَاء وبقره لم يكره ذبحه إراحة لَهُ وَيسْتَثْنى من ذَلِك التمساح لِأَنَّهُ يتقوى بنابه وَالله أعلم (فرع) يحرم الضفدع والسرطان والسلحفاة على الرَّاجِح وَالله أعلم (فرع) صَاد سَمَكَة فِي بَطنهَا درة هَل يملك الدرة ينظر إِن كَانَت مثقوبة فالدرة لقطَة وَلَا يملكهَا إِلَّا بطريقة على مَا مر فِي اللّقطَة وَإِن كَانَت غير مثقوبة ملكهَا مَعَ السَّمَكَة وَالله أعلم قَالَ بَاب الْأُضْحِية فصل الْأُضْحِية سنة الْأُضْحِية بتَشْديد الْيَاء هُوَ مَا ذبح من النعم تقرباً إِلَى الله يَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق وَيُقَال لَهَا ضحية وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من شَعَائِر﴾ الْآيَة وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ على الْمَشْهُور وَغير ذَلِك وَهِي سنة مُؤَكدَة وشعار ظَاهر يَنْبَغِي لمن قدر عَلَيْهَا أَن يحافظ عَلَيْهَا وَذهب مَالك ﵀ إِلَى وُجُوبهَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ يجب

стр. 518

على الْمُقِيم بِالْبَلَدِ الْمُوسر وَهَذَا الَّذِي يملك نِصَابا وَدَعوى الْوُجُوب مَمْنُوعَة بِالسنةِ الشَّرِيفَة فَفِي التِّرْمِذِيّ أَنه ﵊ قَالَ أمرت بالنحر وَهُوَ سنة لكم وأصرح من ذَلِك مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ كتب عَليّ النَّحْر وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْكُم وَورد من حَدِيث أم سَلمَة ﵂ أَنه ﵊ قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ هِلَال ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فليمسك عَن شعره وأظفاره وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه علق التَّضْحِيَة على الْإِرَادَة وَمَا هُوَ وَاجِب لَيْسَ هَذَا شَأْنه والْحَدِيث الْوَارِد بِوُجُوبِهَا رِوَايَة مَجْهُول وَإِن صَحَّ حمل على الِاسْتِحْبَاب جمعا بَين الْأَدِلَّة إِذا عرفت هَذَا فالتضحية سنة على الْكِفَايَة إِذا فعلهَا وَاحِد من أهل بَيت تأدى عَن الْكل حق السّنة وَلَو تَركهَا أهل بَيت كره لَهُم ذَلِك والمخاطب بهَا الْحر الْقَادِر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَللْإِمَام أَن يُضحي عَن الْمُسلمين من بَيت المَال وَلَا يجوز عَن الْمَيِّت على الْأَصَح إِلَّا أَن يُوصي بهَا نعم تجوز النِّيَابَة عَنهُ فِيمَا عينه بِنذر قبل مَوته وَالله أعلم قَالَ (وَيُجزئ فِيهَا الْجذع من الضَّأْن والثني من الْمعز وَالْإِبِل وَالْبَقر وتجزئ الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَالشَّاة عَن وَاحِد) يشْتَرط فِيمَا يضحى بِهِ أُمُور أَحدهَا الذّبْح وَالثَّانِي الذَّابِح وَقد مر ذكرهمَا وَالثَّالِث الْوَقْت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى الرَّابِع أَن يكون من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم بأنواعها للآيات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ولفعله ﷺ وَلَا يُجزئ من غَيرهَا بِالْإِجْمَاع وَلَا يُجزئ من الضَّأْن إِلَّا الْجذع وَهُوَ من الْغنم مَاله سنة على الْأَصَح وَفِي التَّهْذِيب وَغَيره أَنه الَّذِي لَهُ سنة أَو أسقط أَسْنَانه فَيكون كالبلوغ فَإِنَّهُ إِمَّا بِالسِّنِّ أَو الِاحْتِلَام قبله وَيشْهد لَهُ قَول القَاضِي أبي الطّيب أَن الاجذاع سُقُوط أَسْنَان اللَّبن ونبات غَيرهَا وَالَّذِي قَالَه الْجَوْهَرِي أَن الْجذع اسْم لزمنه وَلَيْسَ هُوَ سنا يسْقط وينبت وَقَالَ ابْن الرّفْعَة نقل بَعضهم عَن أهل الْبَادِيَة أَن الصوفة تكون على ظَهره قَائِمَة فَإِذا نَامَتْ علم أَنه جذع وَقيل مَاله سِتَّة أشهر وَقيل ثَمَان وَأما

стр. 519

الثني من الْمعز فَمَاله سنتَانِ على الْأَصَح وخالفت الضَّأْن لِأَن لَحمهَا دون لحم الضَّأْن فجبر بِزِيَادَة السن ورسمي ثنيا لطلوع ثنيته وَقيل يُجزئ مَاله سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة وَأما الثني من الْإِبِل فَمَاله خمس سِنِين وَدخل فِي السَّادِسَة على الْأَصَح وَقيل مَا دخل فِي السَّابِعَة وَأما من الْبَقر فَمَاله سنتَانِ وَدخل فِي الثَّالِثَة على الْأَصَح وَقيل مَا دخل فِي الرَّابِعَة وَاعْلَم أَنه لَا فرق فِي الْأَجْزَاء بَين الْأُنْثَى وَالذكر إِذا وجد السن الْمُعْتَبر نعم الذّكر أفضل على الرَّاجِح لِأَنَّهُ أطيب لَحْمًا وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ الْأُنْثَى أحب من الذّكر وَهُوَ مؤول على جَزَاء الصَّيْد لِأَنَّهَا أَكثر قيمَة فيشتريى بهَا طَعَاما وتجزئ الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَكَذَا الْبَقَرَة لما روى جَابر ﵁ قَالَ نحرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ بِالْحُدَيْبِية الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق تُجزئ الْبَدنَة عَن عشرَة وَفِي البُخَارِيّ مَا يشْهد لَهُ وتجزئ الشَّاة عَن وَاحِد وَكَذَا عَن أهل الْبَيْت كَمَا مر وَالله أعلم قَالَ (وَأَرْبع لَا تُجزئ فِي الضَّحَايَا العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين عرجها والمريضة الْبَين مَرضهَا والعجفاء الَّتِي ذهب مخها من الهزال) يشْتَرط فِي الاضحية سلامتها من عيب ينقص اللَّحْم وَيدخل فِيهِ مسَائِل مِنْهَا العوراء الَّتِي ذهبت حدقتها وَكَذَا إِن بقيت على الْأَصَح لاطلاق الْخَبَر وَهُوَ قَوْله ﷺ أَرْبَعَة لَا تُجزئ فِي الْأَضَاحِي العوراء الْبَين عورها والمريضة الْبَين مَرضهَا والعرجاء الْبَين ضلعها والعجفاء الَّتِي لَا تنقي والنقي الشَّحْم وَقيل مخ الْعظم وَوجه عدم الْإِجْزَاء أَن الَّتِي ذهبت حدقتها فَاتَ مِنْهَا جُزْء مَأْكُول مستطاب وَإِن لم تذْهب فرعيها ينقص من جَانب العور فتهزل لَو بقيت وَمِنْهَا العرجاء للْخَبَر فَلَا تُجزئ العرجاء الَّتِي اشْتَدَّ عرجها بِحَيْثُ تسبقها الْمَاشِيَة إِلَى الْكلأ الطّيب وتتخلف عَن القطيع فَإِن كَانَ يَسِيرا لَا يخلفها عَن الْمَاشِيَة لم يضر وَلَو أضجعها ليضحي بهَا وَهِي سليمَة فاضطربت وانكسرت رجلهَا أَو عرجت تَحت السكين لم تجز على الْأَصَح لِأَنَّهَا عرجاء عِنْد الذّبْح

стр. 520

فَأشبه مَا لَو انْكَسَرت رجل شَاة فبادر إِلَى التَّضْحِيَة بهَا فَإِنَّهَا لَا تُجزئ وَمِنْهَا الْمَرِيضَة للْخَبَر فالمريضة إِن كَانَ مَرضهَا يَسِيرا لم يمْنَع الْإِجْزَاء وَإِن كَانَ بَينا يظْهر بِسَبَبِهِ الهزال وَفَسَاد اللَّحْم منع الْإِجْزَاء هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَفِي قَول أَن الْمَرَض لَا يمْنَع مُطلقًا وَالْمَرَض مَحْمُول فِي الحَدِيث على الجرب وَفِي وَجه أَن الْمَرَض يمْنَع مُطلقًا وَإِن كَانَ يَسِيرا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ قولا وَمن الْمَرَض الهيام وَهُوَ شدَّة الْعَطش فَلَا تروى من المَاء قَالَ أهل اللُّغَة هُوَ دَاء يَأْخُذهَا فتهيم فِي الأَرْض فَلَا ترعى وَمِنْهَا الْعَجْفَاء للْخَبَر فَلَا تُجزئ الْعَجْفَاء الَّتِي ذهب مخها من شدَّة هزالها لِأَنَّهُ داه مُؤثر فِي اللَّحْم فَإِن قل أَجْزَأت وَضبط الْأَصْحَاب الَّذِي يضر بِأَن يَنْتَهِي إِلَى حد تأباه نفوس المترفين فِي الرخَاء والرخص قَالَ ابْن الرّفْعَة يَنْبَغِي أَن يكون الْمرجع فِي ذَلِك إِلَى الْعرف قَالَ الْمَاوَرْدِيّ الَّتِي ذهب مخها إِن كَانَ لمَرض ضرّ وَإِن كَانَ لخلقة فَلَا يضر وَمِنْهَا الجرباء فَإِن كثر جربها ضرّ وَكَذَا إِن قل على الْأَصَح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ بِأَنَّهُ دَاء يفْسد اللَّحْم والودك وَاخْتَارَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ أَنه لَا يمْنَع الْإِجْزَاء إِلَّا الْكثير كالمرض وَكَذَا قَيده الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر بالكثير وَمِنْهَا التولاء وَهِي الَّتِي تَدور فِي المرعى وَلَا ترعى وَمِنْهَا أَي من الْعُيُوب فقد الْأَسْنَان فَإِن ذهب بعض أسنانها لم يضر وَإِن تناثرت بِالْكَسْرِ أَو غَيره جَمِيع الْأَسْنَان قَالَ الإِمَام قَالَ الْمُحَقِّقُونَ يُجزئ لِأَنَّهُ لم يفت جُزْء مَأْكُول وَأطلق الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَة أَنَّهَا لَا تُجزئ وَصَححهُ النَّوَوِيّ وَاحْتج بِأَن الحَدِيث النَّهْي عَن المشيعة وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ ذَلِك لمَرض أَو أثر فِي الْعلف وَنقص اللَّحْم فَلَا تُجزئ وَإِلَّا أَجْزَأت قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ حسن وَقَالَ الشَّافِعِي لَا نَحْفَظ عَن النَّبِي ﷺ فِي الْأَسْنَان شَيْئا وَلَا يجوز فِيهَا إِلَّا وَاحِد من قَوْلَيْنِ إِمَّا الْمَنْع لِأَنَّهُ يضر بِاللَّحْمِ وَإِن قل أَو الْإِجْزَاء كفقد الْقرن وَالله أعلم قَالَ (وَلَا تُجزئ مَقْطُوعَة الْأذن أَو الذَّنب) لَا تُجزئ مَقْطُوعَة الْأذن وَكَذَا الْمَقْطُوع أَكثر أذنها بِلَا خلاف فَإِن كَانَ يَسِيرا فَفِيهِ خلاف الْأَصَح عدم الْإِجْزَاء لفَوَات جُزْء مَأْكُول وَضبط الإِمَام الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير بِأَنَّهُ إِن لَاحَ من بعد فكثير وَإِلَّا فيسير وَلَو قطعت وَبقيت متدلية أَجْزَأت على الْأَصَح وَلَو كويت أَجْزَأت على الْمَذْهَب وَقيل لَا تُجزئ لتصلب مَوضِع الكي وتجزئ صَغِيرَة الْأذن وَلَا تُجزئ الَّتِي لم تخلق لَهَا أذن على الرَّاجِح وَتسَمى السكاء وتجزئ الَّتِي خلقت بِلَا آلية أَو ضرع فِي الْأَصَح وَالْفرق أَن الْأذن عُضْو لَازم بِخِلَاف الضَّرع والألية بِدَلِيل جَوَاز التَّضْحِيَة بِالذكر من الْمعز فَلَا تُجزئ مَقْطُوعَة الآلية والضرع على الْأَصَح لفَوَات جُزْء الْمَأْكُول وَكَذَا مَقْطُوعَة الذَّنب وَالله أعلم قَالَ (وَيُجزئ الْخصي ومكسور الْقرن) الْخصي هُوَ مَقْطُوع الْأُنْثَيَيْنِ وَالْمذهب أَنه يُجزئ لِأَن نقصهما سَبَب لزِيَادَة اللَّحْم وطيبه وَأغْرب ابْن كج فَحكى فِيهِ قَوْلَيْنِ وَجه عدم الْإِجْزَاء لما فِيهِ من فَوَات جُزْء مَأْكُول مستطاب

стр. 521

وتجزئ القصعاء وَهِي الَّتِي كسر قرناها من أَصلهمَا سَوَاء سَالَ الدَّم أم لم يسل وَكَذَا تُجزئ الْجَمَّاء وَهِي الَّتِي كسر أَحدهمَا وَكَذَا الجلحاء وَهِي الَّتِي لم يخلق لَهَا قرن وَقيل هِيَ الَّتِي ذهب بعض قرنها وَكَذَا القصماء وَهِي الَّتِي انْكَسَرَ غلاف قرنها وَكَذَا العضباء وَهِي الَّتِي انْكَسَرَ قرنها الْبَاطِن لِأَن ذَلِك كُله لَا يُؤثر فِي اللَّحْم فَأشبه الصُّوف نعم تكره التَّضْحِيَة بذلك كُله وتجزئ الَّتِي يشرب لَبنهَا وَهل تُجزئ الْحَامِل فِيهِ خلاف قَالَ ابْن الرّفْعَة الْمَشْهُور أَنَّهَا تُجزئ لِأَن نقص اللَّحْم يجْبر بالجنين وَفِيه وَجه لَا تُجزئ قَالَ ابْن النَّقِيب وَهَذَا الْوَجْه اقْتصر عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب على حكايته عَن أبي الطّيب أَنه نَقله عَن الْأَصْحَاب وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تُجزئ وَقَالَ الأسنوي وَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة على وَجه الضَّعِيف وَأَن الْمَشْهُور خِلَافه عَجِيب فقد صرح بِكَوْنِهِ عَيْبا يَعْنِي الْحمل خلائق مِنْهُم الْمُتَوَلِي وَجزم بِهِ شيخ الْأَصْحَاب الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ والعمراني وَالنَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نقلا عَن الْأَصْحَاب وَفرقُوا بَين التَّضْحِيَة وَالزَّكَاة بِأَن الْمَقْصُود من الْأُضْحِية اللَّحْم وَهُوَ يهزلها وَالْمَقْصُود من الزَّكَاة الْقيمَة وَصرح بِهِ أَيْضا الْبَنْدَنِيجِيّ ورأيته فِي شرح الْمُهَذّب الْمُسَمّى بالاستقصاء وَنَقله عَن الْأَصْحَاب فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْمَذْهَب وجزموا بِهِ وَلَعَلَّ السَّبَب فِي قَول ابْن الرّفْعَة ذَلِك كَونهم ذكرُوا الْمَسْأَلَة فِي غير مظنتها قلت يَنْبَغِي أَن يفصل فَيُقَال إِن كَانَت الْحَامِل سمينا فتجزئ قطعا للمعنى الْمَقْصُود من الْأُضْحِية وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يمْنَعهَا وَلَا هِيَ فِي معنى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَإِن لم تكن سَمِينَة فَإِن بَان بهَا الهزال فَلَا تُجزئ وَإِلَّا أَجْزَأت كنظيرها مِمَّن لَا حمل بهَا على أَن فِي كَلَام الرَّافِعِيّ مَا يدل على إجزائها مُطلقًا وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهَا لَو عينت عَمَّا فِي الذِّمَّة أَجْزَأت ثمَّ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه وَلِهَذَا لَو عابت عَادَتْ إِلَى ملكه وَهُوَ يَقْتَضِي أَن الْحمل لَيْسَ بِعَيْب هُنَا لِأَن الْمَعِيب لَا يجوز تَعْيِينه عَمَّا فِي الذِّمَّة وَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي البيع من أَن الْحمل ينقص لَحمهَا طَريقَة وَالله أعلم قَالَ (وَوقت الذّبْح من وَقت صَلَاة الْعِيد إِلَى غرُوب الشَّمْس من آخر أَيَّام التَّشْرِيق) يدْخل وَقت التَّضْحِيَة إِذا طلعت الشَّمْس يَوْم النَّحْر وَمضى قدر رَكْعَتَيْنِ وخطبتين خفيفات على الْمَذْهَب هَذَا لفظ الرَّوْضَة لكنه أقرّ الشَّيْخ صَاحب التَّنْبِيه فِي التَّصْحِيح على اعْتِبَار زِيَادَة على ذَلِك وَهُوَ أَن ترْتَفع الشَّمْس قدر رمح وَهَذَا الَّذِي اعْتَبرهُ الشَّيْخ فِي التَّصْحِيح ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَحجَّة اعْتِبَار مُضِيّ قدر الصَّلَاة والخطبتين قَوْله ﷺ من ذبح قبل الصَّلَاة فَإِنَّمَا يذبح لنَفسِهِ وَمن ذبح بعد الصَّلَاة والخطبتين فقد أتم نُسكه وَأصَاب سنة الْمُسلمين قيل ظَاهر الْخَبَر يدل على اعْتِبَار الصَّلَاة فَلم عدلتم عَن ذَلِك إِلَى اعْتِبَار الْوَقْت فَالْجَوَاب أَن فعل الصَّلَاة لَيْسَ

стр. 522

بِشَرْط فِي دُخُول الْوَقْت بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل السوَاد بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك فِي أهل الْأَمْصَار وَالله أعلم وَيخرج وَقت التَّضْحِيَة بِانْقِضَاء أَيَّام التَّشْرِيق لقَوْله ﷺ أَيَّام منى كلهَا منحر وَلِأَن حكم ثَالِث أَيَّام التَّشْرِيق حكم اليوميين قبله فِي الزَّمن وَفِي تَحْرِيم الصَّوْم فَكَذَا فِي الذّبْح وَالله أعلم (فرع) تكره التَّضْحِيَة لَيْلًا خشيَة أَن يُخطئ المذبح أَو يُصِيب نَفسه أَو يتَأَخَّر بتفريق اللَّحْم طرياً وَالله أعلم قَالَ (وَيسْتَحب عِنْد الذّبْح خَمْسَة أَشْيَاء التَّسْمِيَة وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ واستقبال الْقبْلَة بالذبيحة وَالتَّكْبِير وَالدُّعَاء بِالْقبُولِ) تسْتَحب التَّسْمِيَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْم الله عَلَيْهِ﴾ ورد أَنه ﵊ حِين ذبح أضحيته قَالَ باسم الله فَلَو لم يسم حلت لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَ ذَبَائِح أهل الْكتاب وهم لَا يسمون غَالِبا وَورد أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قوما من الْأَعْرَاب يأتوننا بِاللَّحْمِ مَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا فَقَالَ ﷺ سموا الله تَعَالَى وكلوا فَدلَّ على أَنَّهَا غير وَاجِبَة وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة وَأما الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فقد نَص الشَّافِعِي على استحبابها قِيَاسا على سَائِر الْمَوَاضِع وَلِأَن الله تَعَالَى رفع ذكره فَلَا يذكر إِلَّا وَيذكر مَعَه وَقد ثَبت ذكر التَّسْمِيَة وَأما تَوْجِيه الذَّبِيحَة إِلَى الْقبْلَة فَلِأَنَّهَا خير الْجِهَات وَلِأَنَّهُ ﵊ وَجه ذَبِيحَته إِلَى الْقبْلَة وَقيل يَنْبَغِي أَن يكره لِأَنَّهَا حَالَة إِخْرَاج نَجَاسَة فَهِيَ كالبول وَأجِيب بِأَنَّهَا حَالَة يسْتَحبّ فِيهَا ذكر الله تَعَالَى بِخِلَاف تِلْكَ وَفِي كَيْفيَّة التَّوْجِيه أوجه أَصَحهَا تَوْجِيه المذبح ليَكُون الذَّابِح مُسْتَقْبلا كَمَا هُوَ الْأَفْضَل وَأما التَّكْبِير فَفِي رِوَايَة أنس ﵁ أَنه ﵊ ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بِيَدِهِ الْكَرِيمَة سمى وَكبر وَوضع رجله المشرفة على صفحاتهما وَأما الدُّعَاء بِالْقبُولِ فمستحب وَلَفظه اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك فَتقبل مني وَمعنى ذَلِك هَذِه نعْمَة وعطية مِنْك سقتها وَتَقَرَّبت بهَا إِلَيْك وَاحْتج لذَلِك بِأَنَّهُ ﵊ قَالَ عِنْد التَّضْحِيَة بذاتك الكبشين اللَّهُمَّ تقبل من

стр. 523

مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يَأْكُل المضحى شَيْئا من الْأُضْحِية الْمَنْذُورَة وَيَأْكُل من المتطوع بهَا وَلَا يَبِيع مِنْهَا) الْأُضْحِية الْمَنْذُورَة تخرج من ملك النَّاذِر بِالنذرِ كَمَا لَو أعتق عبدا حَتَّى لَو أتلفهَا لزمَه ضَمَانهَا فَإِذا نحرها لزمَه التَّصَدُّق بلحمها فَلَو أَخّرهُ حَتَّى تلف لزمَه ضَمَانه وَلَا يجوز لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهَا شَيْئا قِيَاسا على جَزَاء الصَّيْد وَدِمَاء الجبرانات فَلَو أكل مِنْهَا شَيْئا غرم وَلَا يلْزمه إِرَاقَة دم ثَانِيًا لِأَنَّهُ قد فعله وَفِيمَا يضمن أوجه الرَّاجِح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ أَنه يغرم قِيمَته كَمَا لَو أتْلفه غَيره وَالثَّانِي يلْزمه مثل اللَّحْم وَالثَّالِث يشارط بِهِ فِي ذَبِيحَة أُخْرَى وَأما المتطوع بهَا فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهَا بل قيل بِالْوُجُوب لقَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وَالصَّحِيح الِاسْتِحْبَاب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ جعلهَا الله لنا لَا علينا وبالقياس على الْعَقِيقَة وَالْأَفْضَل التَّصَدُّق بِالْجَمِيعِ إِلَّا اللُّقْمَة أَو اللقمتان يأكلها فَإِنَّهَا مسنونة وَقَالَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ التَّصْدِيق بِالْكُلِّ أحسن على كل قَول فَلَو لم يرد التَّصَدُّق بِالْكُلِّ فَمَا الَّذِي يفعل قيل يَأْكُل بِالنِّصْفِ وَيتَصَدَّق بِالنِّصْفِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فَجَعلهَا الله نِصْفَيْنِ وَهَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فِي الْقَدِيم وَقيل يَأْكُل الثُّلُث وَيهْدِي الثُّلُث وَيتَصَدَّق بِالثُّلثِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ فَجَعلهَا لثَلَاثَة والقانع الْجَالِس فِي بَيته والمعتر السَّائِل وَقيل غير ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْجَدِيد الْأَصَح فعلى هَذَا فَمَا المُرَاد بِالَّذِي يهدى إِلَيْهِم قيل هم المتجملون من الْفُقَرَاء فَيرجع حَاصله إِلَى التَّصَدُّق بالثلثين وَهَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو الطّيب عَن الْجَدِيد وَصَححهُ وَقيل هم الْأَغْنِيَاء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد يَأْكُل الثُّلُث وَيتَصَدَّق بِالثُّلثِ وَيهْدِي الثُّلُث للأغنياء والمتجملين وَلَو تصدق بالثلثين كَانَ أحب وَنقل الْبَنْدَنِيجِيّ كَون التَّصَدُّق بالثلثين أفضل عَن النَّص وَالله أعلم وَاعْلَم أَن مَوضِع الْأُضْحِية الِانْتِفَاع فَلَا يجوز بيعهَا بل وَلَا بيع جلدهَا وَلَا يجوز جعله أُجْرَة للجزار وَإِن كَانَت تَطَوّعا بل يتَصَدَّق بِهِ المضحي أَو يتَّخذ مِنْهُ مَا ينْتَفع بِهِ من خف أَو نعل أَو دلو أَو غَيره وَلَا يؤجره والقرن كالجلد وَعند أبي حنيفَة ﵀ أَنه يجوز بَيْعه وَيتَصَدَّق بِثمنِهِ وَأَن يَشْتَرِي بِعَيْنِه مَا ينْتَفع بِهِ فِي الْبَيْت لنا الْقيَاس على اللَّحْم وَعَن صَاحب التَّقْرِيب حِكَايَة قَول غَرِيب أَنه يجوز

стр. 524

بيع الْجلد وَيصرف ثمنه مصرف الْأُضْحِية وَالله أعلم (فرع) مَحل التَّضْحِيَة بلد المضحي وَفِي نقل الْأُضْحِية وَجْهَان تخريجاً من نقل الزَّكَاة وَالصَّحِيح هُنَا الْجَوَاز وَالله أعلم (فرع) لَو وهب غَنِيا من الْأُضْحِية هبة تمْلِيك قَالَ الإِمَام فَالْأَظْهر أَنه مُمْتَنع فَإِن الْهِبَة لَيست صَدَقَة وَالْأُضْحِيَّة يَنْبَغِي أَن تكون مترددة بَين الصَّدَقَة وَالْإِطْعَام وَالله أعلم قَالَ بَاب الْعَقِيقَة فصل والعقيقة مُسْتَحبَّة وَهِي الذَّبِيحَة عَن الْمَوْلُود يَوْم السَّابِع ويذبح عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة الْعَقِيقَة فِي اللُّغَة اسْم للشعر الَّذِي على رَأس الْمَوْلُود وَهِي فِي الشَّرْع اسْم لما يذبح فِي الْيَوْم السَّابِع يَوْم حلق رَأسه تَسْمِيَة لَهَا باسم مَا يقارنها وَقيل غير ذَلِك وَالْأَصْل فِي استحبابها حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَحَدِيث سَمُرَة وَغَيره قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته تذبح عَنهُ فِي الْيَوْم السَّابِع ويحلق رَأسه وَيُسمى ويذبح عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وحجته حَدِيث أم كرز ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ((عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة)) وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نفق عَن الْغُلَام بشاتين وَعَن الْجَارِيَة بِشَاة وَيَوْم الْولادَة مَعْدُودَة من السَّبْعَة على الصَّحِيح وَقيل لَيْسَ مِنْهَا وَنقل عَن نَص الشَّافِعِي ﵁ وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَغَيره وَلَا تفوت بِفَوَات السَّابِع وَفِي الْعدة وَالْحَاوِي للماوردي أَنَّهَا بعد السَّابِع تكون قَضَاء وَالْمُخْتَار أَن لَا يتَجَاوَز بهَا النّفاس فَإِن تجاوزته فيختار أَن لَا يتَجَاوَز بهَا الرَّضَاع فَإِن تجَاوز فيختار أَن لَا يتَجَاوَز بهَا سبع سِنِين فَإِن تجاوزها فيختار أَن لَا يتَجَاوَز بهَا الْبلُوغ فَإِن تجاوزه سَقَطت عَن غَيره وَهُوَ الْمُخَير فِي العق عَن نَفسه فِي الْكبر وَاحْتج لَهُ الرَّافِعِيّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ

стр. 525

الصَّلَاة وَالسَّلَام عق عَن نَفسه بعد النُّبُوَّة وَاحْتج غَيره بِهِ وَزَاد بعد مَا أنزلت سُورَة الْبَقَرَة وَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف من جَمِيع طرقه وَقد نَص الشَّافِعِي ﵀ على أَنه لَا يعق عَن نَفسه قَالَ النَّوَوِيّ وَقد رَأَيْت النَّص فِي الْبُوَيْطِيّ وَاعْلَم أَن الشَّاة هُنَا كالشاة فِي الْأُضْحِية فِي السّنة والسلامة من الْعُيُوب بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الاصح وَقيل تُجزئ هُنَا دون جَذَعَة ضَأْن وثنية معز بِخِلَاف الْأُضْحِية فَإِنَّهَا أكد لِأَنَّهَا أَعنِي الْأُضْحِية مُتَعَلقَة بِسَبَب راتب وَأمر عَام وَفِي وَجه أَنه يسامح بِالْعَيْبِ أَيْضا وَالأَصَح أَن الْبَدنَة وَالْبَقَرَة أفضل من الْغنم وَقيل بل الْغنم أفضل أَعنِي شَاتين فِي الْغُلَام وشَاة فِي الْجَارِيَة لظَاهِر السّنة وَيسْتَحب أَن يَقُول عِنْد ذَبحهَا باسم الله اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك عقيقة فلَان وَيسْتَحب ذَبحهَا عِنْد طُلُوع الشَّمْس قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ وَحلق رَأسه يكون قبل الذّبْح وَعَن النَّص وَفِي التَّهْذِيب وَغَيره أَنه بعد وَقُوَّة لفظ الْخَبَر تعطيه قَالَ النَّوَوِيّ فَهُوَ أرجح وَيسْتَحب أَن ينْزع اللَّحْم بِلَا كسر عظم تفاؤلاً بسلامة أَعْضَاء الْمَوْلُود قَالَ ابْن الصّباغ وَلَو كَسره لم يكره فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَيفرق على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين لتعود الْبركَة على الْمَوْلُود وَيسْتَحب أَن لَا يتَصَدَّق بِهِ نيئاً بل مطبوخاً على الْأَصَح وَيسْتَحب طبخه بحلو على الْأَصَح تفاؤلاً بحلاوة أَخْلَاق الْمَوْلُود وَقيل يطْبخ بحامض قَالَ الرَّافِعِيّ فِي مَجْمُوع الصيدلاني مَا نَقله الإِمَام عَنهُ إِذا طبخ فَلَا يتَّخذ عَلَيْهِ دَعْوَة بل الْأَفْضَل أَن يبْعَث بِهِ مطبوخا إِلَى الْفُقَرَاء نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فَلَو دعاهم إِلَيْهِ فَلَا بَأْس وَالله أعلم (فرع) يسْتَحبّ أَن يحنك الْمَوْلُود بِشَيْء حُلْو لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يحنك أَوْلَاد الْأَنْصَار بِالتَّمْرِ وَيسْتَحب أَن يُؤذن فِي أُذُنه الْيُمْنَى وَيُقِيم فِي الْيُسْرَى وَرُوِيَ ذَلِك عَن الصَّحَابَة ﵃ وَقد أذن رَسُول الله ﷺ فِي أذن الْحُسَيْن حِين وَلدته فَاطِمَة ﵂ وَلَعَلَّه الْحسن وَأذن فِي الْيُمْنَى وَأقَام فِي الْيُسْرَى عمر بن عبد الْعَزِيز فِي أَوْلَاده رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ وَفِي الْبَحْر والابانة وَيسْتَحب أَن يقْرَأ فِي أُذُنه ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ وَالله أعلم

стр. 526

كتاب السَّبق وَالرَّمْي (وَتَصِح الْمُسَابقَة على الدَّوَابّ والمناضلة بِالسِّهَامِ إِذا كَانَت الْمسَافَة مَعْلُومَة وَصفَة المناضلة مَعْلُومَة) الْمُسَابقَة تطلق على الْمُسَابقَة بِالْخَيْلِ والسهام إِلَّا أَنَّهَا بِالْخَيْلِ تخْتَص بالرهان وبالسهام تخْتَص بالنضال وَالْأَصْل فِي ذَلِك الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الْآيَة قَالَ ﵊ أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي وَفِي السّنة أَنه ﵊ سَابق بَين الْخَيل الَّتِي أضمرت من الحيفاء وَكَانَ أمدها من ثنية الْوَدَاع وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضمر من الثَّنية إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق وَكَانَت نَاقَته ﵊ العضباء لَا تسبق فجَاء أَعْرَابِي على قعُود فسبقها فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن حَقًا على الله أَن لَا يرفع شَيْئا من هَذِه الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وَأما الرَّمْي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا ورد أَنه ﵊ قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه

стр. 527

فَلَيْسَ منا أَو قد عصى الله وَيجوز شَرط المَال فِي المناضلة والمسابقة لقَوْله ﵊ رهان الْخَيل طلق أَي حَلَال وَقيل لعُثْمَان ﵁ أَكُنْتُم تراهنون على عهد رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم وَلِأَن فِيهِ حثاً على الاستعداد للْجِهَاد وَيجوز على الدَّوَابّ إِذا كَانَت الْمسَافَة مَعْلُومَة لما تقدم من الْخَبَر وَتَكون مَعْلُومَة الِابْتِدَاء والانتهاء وَيُمكن وُصُول الدابتين إِلَيْهَا غَالِبا لِأَنَّهُمَا لَو تسابقا لَا إِلَى غَايَة لم يُؤمن من أَن تعطب الْفرس لِأَن كلا يحرص على المَال وَدفع عَار السَّبق وَلِأَنَّهُ تتعذر الْبَيِّنَة على السَّبق فِي مثل ذَلِك وَأما المناضلة فَلَا بُد من الْعلم بهَا أَيْضا إِمَّا بالمسافة وَالْعلم بهَا إِمَّا بِالشّرطِ أَو بِأَن تكون هُنَاكَ عَادَة فَلَو ذكر غَايَة لَا تبلغها السِّهَام بَطل العقد أَو بالاصابة كخمسة من عشْرين ولبينا أَيْضا صفة الاصابة من القرع وَهِي الاصابة الْمُجَرَّدَة أَو الْخرق وَهُوَ أَن يثقب الْغَرَض وَلَا يثبت فِيهِ أَو الخسق وَهُوَ أَن يثبت فِي الْغَرَض أَو الخرم وَهُوَ أَن يقطع الْغَرَض أَو المرق وَهُوَ أَن ينفذ من الْغَرَض من الْجَانِب الآخر وَإِذا أطلق العقد حمل على القرع لِأَنَّهُ الْمُتَعَارف وَالله أعلم (فرع) تناضلا على أَن يكون المَال لأبعدهما رمياً أَو لم يقصدا غَرضا صَحَّ على الْأَصَح لِأَن الابعاد مَقْصُود أَيْضا فِي مُقَابلَة القلاع وَغَيرهَا وَحُصُول الإرعاب وامتحان شدَّة الساعد وَقَالَ امام الْحَرَمَيْنِ وَالَّذِي أرَاهُ على هَذَا أَنه يشْتَرط اسْتِوَاء القوسين فِي الشدَّة ويراعى خفَّة السهْم ورزانته لِأَنَّهُمَا يؤثران فِي الْقرب والبعد تَأْثِيرا عَظِيما وَالله أعلم قَالَ (وَيخرج الْعِوَض أحد المتسابقين حَتَّى إِذا سبق استرده وَإِن سبق أَخذه صَاحبه فَإِن أَخْرجَاهُ مَعًا لم يجز إِلَّا أَن يدخلا محللاً بَينهمَا إِن سبق أَخذه وَإِن سبق لم يغرم) المَال الْمخْرج للمسابقة قد يُخرجهُ أحد المتسابقين وَقد يخرجَاهُ مَعًا وَكِلَاهُمَا ذكره الشَّيْخ فَإِن أخرجه أَحدهمَا على أَن من سبق مِنْهُمَا أحرزه جَازَ لِأَنَّهُ ﵊ مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون وَقد سبق أَحدهمَا الآخر فأقرهما على ذَلِك وَلِأَن الْمَقْصُود يحصل بذلك مَعَ خلوه عَن الْقمَار لِأَن الْمخْرج حَرِيص على أَن يسْبق لِئَلَّا يغرم وَالْآخر حَرِيص حَتَّى يَأْخُذهُ وَإِن أخرجه المتسابقان على أَن من سبق مِنْهُمَا أَخذ الْجَمِيع لم يجز لقَوْله ﵊ من أَدخل فرسا بَين فرسين وَقد أَمن أَن يسبقهما فَهُوَ قمار وَإِن لم يَأْمَن أَن يسْبق فَلَيْسَ بقمار فَإِذا كَانَ قماراً عِنْد

стр. 528

الْأَمْن من سبق فرس الْمُحَلّل فَعِنْدَ عدم الْمُحَلّل أولى وَلِأَن معنى الْقمَار مَوْجُود فِيهِ فَإِن كلا مِنْهُمَا دائر بَين أَن يغنم وَيغرم وَهَذَا هُوَ الْقمَار فَإِذا دخل محللا كفؤ لَهما لَا يخرج شَيْئا فَيجوز للْخَبَر وَلِأَنَّهُ خرج عَن صُورَة الْقمَار قلت إِلَّا أَن عِلّة الْقمَار مَوْجُودَة لِأَن كلا مِنْهُمَا دائر بَين أَن يغنم وَيغرم وَالله أعلم (فرع) لَو شَرط على السَّابِق أَنه يطعم المَال أَصْحَابه بَطل العقد على الصَّحِيح وَقيل يَصح والاطعام وعد وَقيل يَصح العقد وَلَا عوض وَقيل يَصح العقد وَيجب عوض الْمثل وَالله أعلم (فرع) تجوز الْمُسَابقَة على الْحمير على الْمَذْهَب وَلَا تجوز الْمُسَابقَة على الْبَقر على الْمَذْهَب وَلَا على مَا لَا يصلح للحرب وَإِن كَانَ من الْخَيل كالجذع وَلَا تجوز على الْكَلْب وَتجوز على الْحمام وَغَيره من الطُّيُور بِلَا عوض وَالأَصَح الْمَنْع بِالْعِوَضِ وَلَا تجوز الْمُسَابقَة باشالة الْحجر بِالْيَدِ على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَأما مرامات الْأَحْجَار وَهُوَ أَن يَرْمِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْحجرِ إِلَى صَاحبه فباطلة قطعا وَتجوز الْمُسَابقَة على الْأَقْدَام والسباحة فِي المَاء والصراع بِلَا عوض وَالأَصَح الْمَنْع بِالْعِوَضِ وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ تسابقت أَنا وَرَسُول الله ﷺ فسبقته فلبثنا حَتَّى إِذا أرهقني اللَّحْم سابقني فَسَبَقَنِي فَقَالَ ﵊ هَذِه بِتِلْكَ (فرع) لَا تجوز الْمُسَابقَة على مناطحة الكباش ومهارشة الديكة لَا بعوض وَلَا بِغَيْرِهِ وَكَذَا لَا يجوز عقد الْمُسَابقَة على اللّعب بالشطرنج والخاتم والأكرة وَرمي البندق وَمَعْرِفَة مَا فِي الْيَد من زوج وفرد وَسَائِر أَنْوَاع اللّعب وَالله أعلم قَالَ

стр. 529

كتاب الْإِيمَان وَالنُّذُور بَاب الْيَمين (لَا تَنْعَقِد الْيَمين إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى أَو باسم من أَسْمَائِهِ أَو صفة من صِفَات ذَاته) الْيَمين فِي أصل اللُّغَة الْيَد الْيُمْنَى وأطلقت على الْحلف لأَنهم كَانُوا إِذا تحالفوا أَخذ كل بِيَمِين صَاحبه وَقيل لِأَن الْيَمين تحفظ الشَّيْء كَمَا تحفظه الْيَد وَالْيَمِين وَالْحلف وَالْإِيلَاء وَالْقسم أَلْفَاظ مترادفة وَهِي فِي الشَّرْع تَحْقِيق الْأَمر أَو توكيده بِذكر الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ هُنَا وَقَالَ بَعضهم تَحْقِيق مَا يحْتَمل الْمُخَالفَة أَو تأكيده وَأَظنهُ ابْن الرّفْعَة وَهُوَ معنى مَا ذكرَاهُ وأوضح من هَذِه الْعبارَة مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي الطَّلَاق أَن الْحلف مَا تعلق بِهِ حنث أَو منع أَو تَحْقِيق خبر وَالْأَصْل فِي الْأَيْمَان الْآيَات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وَغَيرهَا وَمن السّنة أَحَادِيث كَثِيرَة جدا مِنْهَا حلفه ﷺ وَالله لأغزون قُريْشًا وَقَول ابْن عمر ﵄ أَنه ﵊ كَانَ كثيرا

стр. 530

مَا يحلف فَيَقُول لَا ومقلب الْقُلُوب وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار ثمَّ الْيَمين لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِمَا ذكره الشَّيْخ وَلَا شكّ أَن الْأَسْمَاء على ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا مَا يخْتَص بِاللَّه تَعَالَى وَلَا يُطلق فِي حق غَيره كالله وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين وخالق الْخلق والحي الَّذِي لَا يَمُوت وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا تَنْعَقِد بِهِ الْيَمين سَوَاء أطلق أم نوى الله تَعَالَى أَو غَيره وَإِذا قَالَ قصدت غَيره لم يقبل ظَاهرا قطعا وَكَذَا لَا يقبل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى على الصَّحِيح الثَّانِي مَا يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره إِلَّا أَن الْأَغْلَب اسْتِعْمَاله فِي حق الله تَعَالَى ويقيد فِي حق غَيره بِضَرْب من التَّقْيِيد كالجبار وَالْحق والرب والمتكبر والقادر والقاهر وَنَحْو ذَلِك فَإِذا حلف باسم مِنْهَا وَنوى الله أَو أطلق فيمين فَإِذا نوى غير الله تَعَالَى فَلَيْسَ بِيَمِين الثَّالِث مَا يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره على السوَاء كالحي وَالْمَوْجُود والغني والكريم وَنَحْو ذَلِك فَإِن نوى غير الله أَو أطلق فَلَيْسَ بِيَمِين وَإِن نوى الله تَعَالَى فَفِيهِ خلاف الْأَصَح فِي الرَّافِعِيّ وَبِه أجَاب الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَابْن الصّباغ وَسَائِر الْعِرَاقِيّين وَالْإِمَام وَالْغَزالِيّ لَا يكون يَمِينا لِأَن الْيَمين إِنَّمَا تَنْعَقِد باسم مُعظم وَهَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي تطلق فِي حق الْخَالِق والمخلوق إطلاقاً وَاحِدًا لَيْسَ لَهَا حُرْمَة وَلَا عَظمَة وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَنه يَمِين وَبِه قطع الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَصَاحب التَّنْبِيه والجرجاني وَغَيرهمَا من الْعِرَاقِيّين لِأَنَّهُ اسْم يُطلق على الله تَعَالَى وعَلى غَيره وَقد نَوَاه وَقَوْلهمْ لَيْسَ لَهُ حُرْمَة مَمْنُوع وَالله أعلم قلت وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَصَاحب التَّقْرِيب وَأَبُو يَعْقُوب ونقلوه عَن شُيُوخ الْأَصْحَاب وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن كثير اسْتِعْمَاله فِي الله تَعَالَى وَقل فِي غَيره فَيكون يَمِينا ظَاهرا لَا بَاطِنا وَاعْلَم أَن السَّمِيع والبصير والعليم والحكيم من هَذَا النَّوْع على الْأَصَح لَا من الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ (وَمن حلف بِصَدقَة مَاله فَهُوَ مُخَيّر بَين الصَّدَقَة وَالْكَفَّارَة وَلَا شَيْء فِي لَغْو الْيَمين) هَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا شبه بِالْيَمِينِ من حَيْثُ إِن فِيهَا حثاً أَو منعا وَلِهَذَا ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَلها شبه بِالنذرِ من حَيْثُ الِالْتِزَام وَلِهَذَا ذكرهَا فِي الرَّوْضَة فِي بَاب النّذر وللأصحاب فِيهَا فِيمَا يلْزمه خلاف منتشر حَاصله يرجع إِلَى ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا يلْزمه الْوَفَاء بِمَا الْتزم لِأَنَّهُ الْتزم عبَادَة فِي مُقَابلَة شَرط فَيلْزمهُ عِنْد وجود الشَّرْط
следующие страницы →