Полный текст (400 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بلغ الصَّبِي رشيدا) بِأَن يحكم عَلَيْهِ بِالرشد بِاعْتِبَار مَا يرى من أَحْوَاله انْفَكَّ الْحجر عَنهُ بِنَفس الْبلُوغ أَو بلغ غير رشد ثمَّ رشد انْفَكَّ بِنَفس الرشد لِأَن هَذَا حجر ثَبت من غير حَاكم فارتفع من غير فكه بِخِلَاف حجر السَّفه الطارىء فَإِنَّهُ يجب على القَاضِي الْحجر على السَّفِيه بتبذير طارىء على من بلغ رشيدا وَيسن لَهُ الْإِشْهَاد على الْحجر لقَوْله ﷺ خُذُوا على أَيدي سفهائكم و (أعطي مَاله) وَلَو كَانَ الرشيد الَّذِي يُعْطي مَاله امْرَأَة فَيصح تصرفها حِينَئِذٍ من غير إِذن زَوجهَا خلافًا لمَالِك حَيْثُ ذهب إِلَى أَنه لَا يسلم للْمَرْأَة الرشيدة مَالهَا حَتَّى تتَزَوَّج وَحِينَئِذٍ لَا ينفذ تبرعها بِمَا زَاد على الثُّلُث بِغَيْر إِذْنه مَا لم تصر عجوزا ثمَّ بعد إفاقة الْمَجْنُون وبلوغ الصَّبِي يرْتَفع حجر الْجُنُون وَالصبَا ويخلفه حجر السَّفه إِن لم يُوجد رشد وَحكم السَّفِيه الْمَحْجُور عَلَيْهِ حسا أَو شرعا أَنه يَصح مِنْهُ إِسْلَام وَعبادَة مَا عدا صرف الزَّكَاة إِلَّا إِن عين لَهُ الْمَدْفُوع لَهُ لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون بِحَضْرَة الْوَلِيّ أَو نَائِبه وَتصرف غير مَالِي كَطَلَاق وخلع وَلَو بِدُونِ مهر الْمثل وَنفي نسب واستلحاق وَينْفق على الْمُسْتَلْحق من بَيت المَال وكإقراره بِمُوجب قَود أَو حد
فصل فِي الْحِوَالَة
بِفَتْح الْحَاء وَهِي عقد يَقْتَضِي تحول دين من ذمَّة إِلَى ذمَّة وَقد يُطلق على هَذَا الِانْتِقَال نَفسه وَيسن قبُولهَا على ملىء باذل لَا شُبْهَة بِمَالِه
وأركانها سَبْعَة محيل ومحتال ومحال عَلَيْهِ وَدين للْمُحِيل على الْمحَال عَلَيْهِ وَدين للمحتال على الْمُحِيل وَإِيجَاب وَقبُول
(تصح حِوَالَة) بِوُجُود تِلْكَ الْأَركان كلهَا بشروطها وَإِنَّمَا تحصل صِحَة الْحِوَالَة (بِصِيغَة) وَهِي إِيجَاب الْمُحِيل وَقبُول الْمُحْتَال فالإيجاب كَقَوْلِه أحلتك على فلَان بِكَذَا بِالدّينِ الَّذِي لَك عَليّ فَهُوَ صَرِيح وَإِن لم يقل بِالدّينِ الَّذِي لَك عَليّ وَلم يُنَوّه كَمَا قَالَه الرَّمْلِيّ خلافًا لِابْنِ حجر وَلَا يتَعَيَّن لفظ الْحِوَالَة بل يَكْفِي مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا كنقلت حَقك إِلَى فلَان أَو جعلت مَا أستحقه على فلَان لَك أَو مَلكتك الدّين الَّذِي عَلَيْهِ بحقك وَلَو قَالَ أحلني فكقوله بِعني فَيكون استيجابا قَائِما مقَام الْقبُول وَمثله مَا لَو قَالَ احتل على فلَان بِمَالك عَليّ من الدّين فَقَالَ احتلت أَو قبلت فَيكون اسْتِقْبَالًا قَائِما مقَام الْإِيجَاب (ورضا محيل) وَإِنَّمَا يشْتَرط رِضَاهُ لِأَن لَهُ إِيفَاء الْحق من حَيْثُ شَاءَ وَمَعْرِفَة رِضَاهُ إِنَّمَا تحصل بالصيغة (ومحتال) وَإِنَّمَا يشْتَرط رِضَاهُ لِأَن حَقه فِي ذمَّة الْمُحِيل فَلَا ينْتَقل لغيره إِلَّا بِرِضَاهُ أما الْمحَال عَلَيْهِ فَلَا يشْتَرط رِضَاهُ لِأَنَّهُ مَحل الْحق كالرقيق الْمَبِيع وَلِأَن الْحق للْمُحِيل فَلم يتَعَيَّن اسْتِيفَاؤهُ بِنَفسِهِ كَمَا أَن لَهُ أَن يُوكل (وَيلْزم بهَا) أَي الْحِوَالَة حق الْمُحْتَال ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ و (دين محتال) وَهُوَ محَال بِهِ (محالا عَلَيْهِ) للمحتال فَيبرأ الْمُحِيل بالحوالة عَن دين الْمُحْتَال وَيبرأ الْمحَال عَلَيْهِ عَن دين الْمُحِيل لِأَن ذَلِك هُوَ فَائِدَة الْحِوَالَة (فَإِن تعذر أَخذه) أَي
стр. 247
الْمُحْتَال من الْمحَال عَلَيْهِ (بفلس) طَرَأَ بعد الْحِوَالَة أَو قارنها أَو بِمَوْت الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا (أَو جحد) أَي إِنْكَار من الْمحَال عَلَيْهِ للحوالة أَو لدين الْمُحِيل وَحلف وَلَا يتَعَذَّر الْحق بِغَيْر ذَلِك كتعذر الْمحَال عَلَيْهِ أَو موت شُهُود الْحِوَالَة (لم يرجع) أَي الْمُحْتَال (على محيل) لِأَن الْحِوَالَة بِمَنْزِلَة الْقَبْض وقبولها مُتَضَمّن للاعتراف بشروطها فَهِيَ عقد لَازم لَا يَنْفَسِخ بفسخها فَامْتنعَ الرُّجُوع
(وَلَو) أذن مَدين لدائنه فِي الْقَبْض من مدينه ثمَّ (اخْتلفَا) فِي صفة الْإِذْن (هَل وكل أَو أحَال) بِأَن قَالَ الْمَدِين الْآذِن لم يصدر مني إِلَّا أَنِّي قلت وَكلتك لتقبض لي وَقَالَ الدَّائِن بل الصَّادِر مِنْك أَنَّك أحلتني فَصَارَ الْحق لي صدق الْمَدِين بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَكَذَا لَو قَالَ الْمَدِين الْآذِن أردْت بِقَوْلِي اقبض من فلَان أَو بِقَوْلِي أحلتك بِمِائَة مثلا على زيد الْوكَالَة فَيصدق بِيَمِينِهِ بِنَاء على الْأَصَح من صِحَة الْوكَالَة بِلَفْظ الْحِوَالَة لاحْتِمَال اللَّفْظ ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو لم يحْتَمل بِأَن قَالَ أحلتك بِالْمِائَةِ الَّتِي لَك عَليّ على فلَان فَيصدق الدَّائِن وَهُوَ مدعي الْحِوَالَة بِيَمِينِهِ قطعا لِأَن هَذَا اللَّفْظ لَا يحْتَمل غير الْحِوَالَة وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يتَّفقَا على أصل الدّين أما لَو أنكر مدعي الْوكَالَة أصل الدّين فَهُوَ الْمُصدق بِيَمِينِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِن اخْتلف الْمَدِين والدائن فِي أصل اللَّفْظ الصَّادِر كَأَن قَالَ الْمَدِين أحلتك فَقَالَ الدَّائِن بل وكلتني فِي الْقَبْض من فلَان أَو اخْتلفَا فِي المُرَاد من لفظ مُحْتَمل كاقبض أَو أحلتك (صدق مُنكر حِوَالَة) وَهُوَ النَّافِي لَهَا بِيَمِينِهِ إِذْ الأَصْل بَقَاء حَقه فِي ذمَّة الْمَدِين وَلَو اخْتلفَا فِي أصل الْإِذْن فِي الْقَبْض فَالْقَوْل قَول الْمَدِين كَمَا إِذا اخْتلفَا فِي صفته وَإِن اقْتَضَت الْفساد كَأَن قَالَ أردْت أَن تقبض مَالِي على فلَان لنَفسك فَإِن الْقَبْض فِي نَفسه صَحِيح وللمأذون لَهُ بَاطِل
بَاب فِي الْوكَالَة والقراض
الْوكَالَة بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا وَهِي تَفْوِيض شخص أمره إِلَى آخر فِي عمل مَخْصُوص على وَجه مَخْصُوص فِي حَال الْحَيَاة وَينْدب قبُولهَا
والقراض عقد يتَضَمَّن دفع المَال الْمَخْصُوص لآخر ليتجر فِيهِ وَالرِّبْح بَينهمَا وابتداؤه يشبه الْوكَالَة بالجعل وانتهاؤه يشبه الْجعَالَة بِنَاء على الْأَصَح أَن الْعَامِل يملك حِصَّته بِالْقِسْمَةِ لَا بالظهور
وأركان الْوكَالَة أَرْبَعَة مُوكل ووكيل وموكل فِيهِ وَصِيغَة لَكِن لَا يشْتَرط الْقبُول لفظا فِي وكَالَة بِغَيْر جعل بل الشَّرْط اللَّفْظ من أحد الْجَانِبَيْنِ وَالْفِعْل من الآخر إِلَّا فِيمَا لَو كَانَ لَهُ عين مؤجرة أَو معارة أَو مَغْصُوبَة فَوَهَبَهَا لآخر وَأذن لَهُ فِي قبضهَا فَوكل الْمَوْهُوب لَهُ من هِيَ بِيَدِهِ من الْمُسْتَأْجر أَو الْمُسْتَعِير أَو الْغَاصِب فِي قبضهَا لَهُ فَلَا بُد من قبُول لفظا مِمَّن هِيَ تَحت يَده لتزول يَده عَنْهَا بِهِ وَلَا يَكْتَفِي بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْإِمْسَاك لِأَنَّهُ اسْتِدَامَة لما سبق
стр. 248
فَلَا دلَالَة فِيهِ على الرِّضَا بِقَبْضِهِ عَن الْمُؤَجّر أَو الْمُعير أَو الْمَالِك فِي الأَصْل
أما الْوكَالَة بِجعْل فَلَا بُد فِيهَا من الْقبُول فَوْرًا لفظا وَلَا فرق بَين كَون التَّوْكِيل بِصِيغَة الْأَمر أَو غَيره كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي خلافًا لِابْنِ حجر وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ الْعَمَل الْمُوكل فِيهِ مضبوطا لتَكون الْوكَالَة حِينَئِذٍ إِجَارَة
(تصح وكَالَة فِي كل عقد) كَبيع وَغَيره (وَفسخ) بِنَحْوِ عسر أَو إِقَالَة أَو تحالف (عَلَيْهِ) أَي الْمُوكل فِيهِ (ولَايَة لموكل) وَقت التَّوْكِيل فَإِن شَرط الْمُوكل فِيهِ أَن يملك الْمُوكل التَّصَرُّف فِيهِ حِين التَّوْكِيل أَو يذكرهُ تبعا لذَلِك فَلَو وكل بِبيع عبد سيملكه وَطَلَاق امْرَأَة سينكحها بَطل التَّوْكِيل لانْتِفَاء ولَايَته عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَلَو وكل الْوَلِيّ من يُزَوّج موليته إِذا انْقَضتْ عدتهَا أَو طلقت لم يَصح التَّوْكِيل على مَا صحّح الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَلَو قَالَت الْمَرْأَة لوَلِيّهَا وَهِي فِي نِكَاح أَو عدَّة أَذِنت لَك فِي تزويجي إِذا حللت صَحَّ الْإِذْن كَمَا نَقله الشَّيْخَانِ عَن فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وَالْفرق بَين التَّوْكِيل وَالْإِذْن أَن تَزْوِيج الْوَلِيّ بِالْولَايَةِ الشَّرْعِيَّة وتزويج الْوَكِيل بِالْولَايَةِ الجعلية فَالْأولى أقوى وَبَاب الْإِذْن أوسع من بَاب الْوكَالَة وَيصِح التَّوْكِيل فِي قبض حق عين أَو دين وإقباض لَهُ كَذَلِك
نعم لَا يَصح تَوْكِيل إقباض الْعين الَّذِي يقدر على ردهَا بِنَفسِهِ مَضْمُونَة أَو أَمَانَة لانْتِفَاء إِذن مَالِكهَا فِي ذَلِك وَمن ثمَّ ضمن بِهِ مَا لم تصل بِحَالِهَا لمَالِكهَا وَيصِح فِي الدَّعْوَى بِنَحْوِ مَال أَو عُقُوبَة لغير الله تَعَالَى وَفِي الْجَواب وَإِن كره الْخصم وَتَصِح الْوكَالَة بِجعْل وَغَيره فِي تملك الْمُبَاحَات كإحياء واحتطاب واصطياد فَيملكهُ الْمُوكل إِن قَصده الْوَكِيل وَإِلَّا فَلَا
أما فِي الْتِقَاط غير الْمعِين فَلَا تصح
(لَا) تصح الْوكَالَة فِي (إِقْرَار) كوكلتك لتقر عني لفُلَان بِكَذَا فَيَقُول أَقرَرت عَنهُ بِكَذَا أَو جعلته مقرا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن حق فَلَا يقبل التَّوْكِيل كَالشَّهَادَةِ نعم التَّوْكِيل فِي الْإِقْرَار بِمعين أَو مُبْهَم إِقْرَار بِخِلَاف التَّوْكِيل فِي مُطلق الْإِقْرَار
(و) لَا فِي (يَمِين) كلعان وإيلاء وظهار كَأَنْت على موكلي كَظهر أمه أَو جعلت موكلي مُظَاهرا مِنْك لِأَن الْيَمين كالعبادات لتَعلق حكمهَا بتعظيمه تَعَالَى وَمَا بعْدهَا يشبهها وَمثلهَا النّذر وَتَعْلِيق نَحْو الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالتَّدْبِير فالتوكيل بِسَائِر التَّعَالِيق بَاطِل سوى الْوَصِيَّة وَالْولَايَة على الْجَيْش مثلا بِأَن يَقُول إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر فقد أوصيت لَهُ بِكَذَا لِأَن الْوَصِيَّة تقبل الْجعَالَة وَبِأَن يَقُول إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر ففلان أَمِير فِي الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة للْحَاجة إِلَى الْإِمَارَة وَلَا يضر تَعْلِيق التَّصَرُّف فَقَط كبعه لَكِن بعد شهر وَلَا يضر تَوْقِيت الْوكَالَة كوليتك شهرا (و) لَا فِي (عبَادَة) وَإِن لم تحتج لنِيَّة كالأذان وَالْإِقَامَة إِذْ الْقَصْد مِنْهَا امتحان عين الْمُكَلف وَيسْتَثْنى من ذَلِك أَشْيَاء الْحَج وَالْعمْرَة وَذبح أضْحِية وعقيقة وهدي وشَاة وَلِيمَة وتفريق زَكَاة وَنذر وَصدقَة وَكَفَّارَة وَصَوْم الْكَفَّارَات وركعتا الطّواف إِذا صلاهما الْأَجِير تبعا للطَّواف
أما إِذا وكل فيهمَا فَقَط فَلَا تصح الْوكَالَة قطعا كَمَا صرح بِهِ الرَّافِعِيّ وَإِنَّمَا تصح الْوكَالَة (بِإِيجَاب) وَهُوَ مَا دلّ على إِذن الْمُوكل فِي التَّصَرُّف من لفظ أَو كِتَابَة أَو إِشَارَة أخرس مفهمة للْوَكِيل فَإِن فهمها كل أحد كَانَت صَرِيحَة سَوَاء كَانَ الْإِيجَاب بِصِيغَة العقد (كوكلتك)
стр. 249
فِي كَذَا أَو أنبتك فِيهِ أَو أقمتك مقَامي فِيهِ أَو فوضته إِلَيْك (أَو) بِصِيغَة الْأَمر كَقَوْلِه (بِعْ) أَو طلق أَو اعْتِقْ أَو زوج إِذْ لَا يحصل الرِّضَا إِلَّا بِالْإِيجَابِ فَالْأَمْر قَائِم مقَام الْإِيجَاب وأبلغ مِنْهُ وَلَا يجب الْقبُول لفظا بل الشَّرْط عدم الرَّد فَقَط نعم التَّوَكُّل بِجعْل لَا بُد فِيهِ من قبُول لفظا وَلَو بِصِيغَة الْأَمر وَذَلِكَ إِن كَانَ عمل الْوَكِيل مضبوطا لِأَنَّهَا إِجَارَة فَإِن لم يكن مضبوطا وَعمل فَهُوَ إِجَارَة فَاسِدَة فَيسْتَحق أُجْرَة الْمثل لِأَنَّهُ عمل طامعا أَي حَيْثُ لم يكن عَالما بِالْفَسَادِ وَقد يشْتَرط الْقبُول لفظا فِيمَا إِذا لم تزل الْيَد عَن الْعين الْمَضْمُونَة إِلَّا بِهِ كَمَا مر
فَائِدَة لَو قَالَ وَكلتك فِي أُمُور زَوْجَتي فَلَا يَسْتَفِيد طَلَاق تِلْكَ الْمَرْأَة حَيْثُ لَا قرينَة فِي تَوْكِيل التَّطْلِيق
(وَبَاعَ وَكيل بِثمن مثل) فَأكْثر أَو بِأَقَلّ من ثمن الْمثل إِن كَانَ النَّقْص مِمَّا يتَسَامَح بِهِ وَذَلِكَ يعْتَبر فِي كل نَاحيَة بعرف أَهلهَا المطرد عِنْدهم وَيخْتَلف باخْتلَاف مقادير الْأَمْوَال (حَالا) من نقد بلد البيع الْمَأْذُون فِيهَا لَا بلد التَّوَكُّل (إِذا أطلق الْمُوكل) الْوكَالَة بِأَن لم يُقيد بِثمن وَلَا حُلُول وَلَا تَأْجِيل وَلَا نقد وَمَتى خَالف شَيْئا مِمَّا ذكر فسد تصرفه وَضمن قيمَة الْمَبِيع يَوْم تَسْلِيمه للْمُشْتَرِي وَلَو فِي مثلي لتعديه بِتَسْلِيمِهِ لمن لَا يسْتَحقّهُ بِبيع بَاطِل وَيُطَالب الْوَكِيل المُشْتَرِي بِالْمثلِ لِأَن الْمَضْمُون بِهِ مَا تلف فِي يَده فَإِن لم يُطلق الْمُوكل اتبع مَا عينه فَإِذا قَالَ للْوَكِيل بِعْ هَذَا بِمَا شِئْت أَو بِمَا تيَسّر جَازَ لَهُ بَيْعه بِغَيْر نقد الْبَلَد لَا بنسيئة وَلَا غبن لِأَن مَا للْجِنْس أَو قَالَ بِعْهُ كَيفَ شِئْت جَازَ بنسيئة فَقَط لَا بِغَبن فَاحش وَلَا بِغَيْر نقد الْبَلَد لِأَن كَيفَ للْحَال فَشَمَلَ الْحَال والمؤجل أَو بِعْهُ بكم شِئْت جَازَ بِالْغبنِ فَقَط لَا بِالنَّسِيئَةِ وَلَا بِغَيْر نقد الْبَلَد لِأَن كم للعدد الْقَلِيل وَالْكثير لَكِن يَنْبَغِي أَن لَا يفرط فِي الْغبن بِحَيْثُ يعد إِضَاعَة وَأَن لَا يكون ثمَّ رَاغِب بِالزِّيَادَةِ أَو بِعْهُ بِمَا عز وَهَان جَازَ غير النَّسِيئَة لِأَن مَا للْجِنْس فقرنها بصلتها الْمَذْكُورَة يَشْمَل عرفا الْقَلِيل وَالْكثير من نقد الْبَلَد وَغَيره وَإِذا أمره الْمُوكل أَن يَبِيع بِنَقْد عينه فَأبْطل بعد التَّوْكِيل وَقبل البيع وجدد نقد آخر جَازَ للْوَكِيل البيع بالجديد لِأَن الظَّاهِر من حَال الْمُوكل إِرَادَة مَا يروج فِي الْبَلَد وَقت البيع من النُّقُود لَا سِيمَا إِذا تَعَذَّرَتْ مُرَاجعَة الْمُوكل كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي
(وَلَا يَبِيع) أَي الْوَكِيل (لنَفسِهِ) ولولده الصَّغِير أَو الْمَجْنُون أَو السَّفِيه وَإِن أذن الْمُوكل فِي ذَلِك وَقدر الثّمن وَنَهَاهُ عَن الزِّيَادَة لِئَلَّا يلْزم تولي الطَّرفَيْنِ لِأَن الْأَب إِنَّمَا يتَوَلَّى الطَّرفَيْنِ فِي مُعَامَلَته لنَفسِهِ مَعَ موليه أَو موليته وَهنا لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمُعَامَلَة لغيره
(و) إِذا وكل فِي شِرَاء مَوْصُوف أَو معِين وَإِن جهل الْمُوكل عَيبه توكيلا مُطلقًا بِأَن لم ينص للْوَكِيل على غير التَّوْكِيل بِالشِّرَاءِ فالوكيل (لَيْسَ) يحسن (لَهُ) أَي الْوَكِيل (شِرَاء معيب) لِأَن الْإِطْلَاق يَقْتَضِي السَّلامَة وَإِنَّمَا جَازَ لعامل الْقَرَاض شِرَاؤُهُ لِأَن الْقَصْد مِنْهُ الرِّبْح وَمن ذَلِك لَو كَانَ الْقَصْد هُنَا ذَلِك جَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ وَيجوز للْوَكِيل الشِّرَاء نَسِيئَة وَبِغير نقد الْبَلَد حَيْثُ رأى فِيهِ مصلحَة إِذْ لَا ضَرَر فِيهِ على الْمُوكل
(وَوَقع) أَي الشِّرَاء (لَهُ) أَي الْوَكِيل (إِن علم) الْعَيْب وَكَانَ شِرَاء الْمَعِيب فِي الذِّمَّة
стр. 250
وَلم ينص الْمُوكل لَهُ على السَّلِيم سَوَاء أساوى مَعَ الْعَيْب مَا اشْتَرَاهُ بِهِ أم زَاد على مَا اشْتَرَاهُ بِهِ لِأَنَّهُ غير مَأْذُون فِيهِ عرفا أَو علم الْعَيْب وَكَانَ الشِّرَاء فِي الذِّمَّة أَو بِالْعينِ وَلم يساو الْمَعِيب مَا اشْتَرَاهُ بِهِ لتقصير الْوَكِيل إِذْ قد يتَعَذَّر الرَّد فيتضرر الْمُوكل أما إِن جهل الْوَكِيل الْعَيْب وَقع الشِّرَاء للْمُوكل فِي الصُّورَتَيْنِ لانْتِفَاء الْمُخَالفَة وَالتَّقْصِير وَالضَّرَر لتمكن الْمُوكل من رد الْمَعِيب نعم لَو نَص للْوَكِيل على السَّلِيم لم يَقع للْمُوكل لِأَنَّهُ غير مَأْذُون فِيهِ ولعذر الْوَكِيل بجهله مَعَ اندفاع الضَّرَر بِثُبُوت الْخِيَار لَهُ
وَخرج بِالذِّمةِ الشِّرَاء بِعَين مَال الْمُوكل فَإِنَّهُ لَيْسَ للْوَكِيل رده لتعذر انقلاب العقد لَهُ وَإِن وَقع الشِّرَاء للْمُوكل أَيْضا بِهَذِهِ الشُّرُوط الَّتِي هِيَ عدم النَّص على السَّلِيم ومساواته مَا اشْتَرَاهُ وَجَهل الْوَكِيل الْعَيْب أما لَو اشْترى الْوَكِيل بِالْعينِ وَكَانَ عَالما بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لَا يَقع الشِّرَاء لوَاحِد مِنْهُمَا وَيحرم لتعاطيه عقدا فَاسِدا كَمَا نَقله الشبراملسي عَن الزيَادي وَإِذا وَقع الشِّرَاء فِي الذِّمَّة للْمُوكل فِي صُورَتي الْجَهْل فَلِكُل من الْمُوكل وَالْوَكِيل الرَّد بِالْعَيْبِ فَيرد الْمُوكل على البَائِع إِن ذكره الْوَكِيل فِي العقد أَو نَوَاه وَقد صدقه البَائِع وَإِلَّا رده على الْوَكِيل وَلَو رَضِي الْمُوكل بِالْعَيْبِ امْتنع على الْوَكِيل رده بِخِلَاف عَكسه وَلَو رده قبل علمه بِرِضا الْمُوكل ثمَّ تبين أَنه كَانَ رَاضِيا بِهِ حِين الرَّد تبين بطلَان الرَّد
(وَلَا) يجوز للْوَكِيل (تَوْكِيل بِلَا إِذن) من الْمُوكل (فِيمَا يَتَأَتَّى) أَي يسهل (مِنْهُ) أَي الْوَكِيل لِأَن الْمُوكل لم يرض بِتَصَرُّف غَيره وَلَا ضَرُورَة فَلَا يجوز التَّوْكِيل فِي قبض دين وإرساله مَعَ بعض عِيَاله وَقَول القَاضِي أبي الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن الْجُورِي يَصح التَّوْكِيل إِن وكل أحدا من عِيَاله إِذا كَانَ أَمينا للْعُرْف رَأْي ضَعِيف كَذَا قَالَ الزيَادي أما إِذا لم يُمكن مَا وكل فِيهِ من الْوَكِيل لكَونه لَا يُحسنهُ أصلا أَو لَا يَلِيق بِهِ أَو يشق عَلَيْهِ تعاطيه مشقة لَا تحْتَمل فِي الْعَادة فَلهُ التَّوْكِيل عَن مُوكله فَلَو وكل عَن نَفسه لم يَصح التَّوْكِيل أَو أطلق وَقع عَن الْمُوكل فِيمَا زَاد على الْمُمكن دون غَيره وَلَو أذن الْمُوكل فِي التَّوْكِيل وَقَالَ للْوَكِيل وكل عَن نَفسك فَفعل فَالثَّانِي وَكيل الْوَكِيل وللموكل عَزله وينعزل الثَّانِي بعزل الأول إِيَّاه وانعزاله بِنَحْوِ مَوته أَو جُنُونه أَو عزل الْمُوكل للْأولِ لِأَن الثَّانِي نَائِب الأول وَإِن قَالَ الْمُوكل وكل عني سَوَاء عين الْوَكِيل أم لَا فَفعل فَالثَّانِي وَكيل الْمُوكل وَكَذَا إِن أطلق بِأَن لم يقل عَنْك وَلَا عني وَفِي التَّقْيِيد بقوله عني وَالْإِطْلَاق لَا يعْزل أَحدهمَا الآخر وَلَا يَنْعَزِل بانعزاله لانْتِفَاء كَونه وَكيلا عَنهُ
وَحَيْثُ جَوَّزنَا للْوَكِيل التَّوْكِيل عَنهُ أَو عَن الْمُوكل يشْتَرط أَن يُوكل أَمينا كَافِيا لذَلِك التَّصَرُّف وَلَو رَقِيقا إِلَّا أَن يعين الْمُوكل غير الْأمين فَيتبع تَعْيِينه لإذنه فِيهِ نعم إِن علم الْوَكِيل فسقه دون الْمُوكل لم يجز أَن يُوكله وَلم ينفذ تَوْكِيله كَمَا لَا يَشْتَرِي مَا عينه الْمُوكل وَلم يعلم عَيبه وَالْوَكِيل يُعلمهُ وَالْمُعْتَمد أَنه لَا يجوز تَوْكِيل غير الْأمين وَإِن قَالَ الْمُوكل للْوَكِيل وكل من شِئْت بِخِلَاف مَا لَو قَالَت الْمَرْأَة لوَلِيّهَا زَوجنِي مِمَّن شِئْت فَإِنَّهُ جَازَ لَهُ تَزْوِيجهَا من غير كُفْء لِأَن الْمَقْصُود هُنَا حفظ المَال وَحسن التَّصَرُّف فِيهِ وَغير الْأمين لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِك وَثمّ مُجَرّد وجود صفة كَمَال هِيَ الْكَفَاءَة وَقد يتَسَامَح بِتَرْكِهَا بل قد يكون غير الْكُفْء أصلح وَلَو وكل الْوَكِيل أَمينا ففسق لم يملك الْوَكِيل عَزله لِأَن الْمُوكل أذن لَهُ فِي التَّوْكِيل دون الْعَزْل وَلَو وكل الْوَكِيل عَن ولي لم يُوكل إِلَّا عدلا مُطلقًا سَوَاء عين
стр. 251
الْمُوكل لَهُ فَاسِقًا أَو غَيره
(وَهُوَ) أَي الْوَكِيل (أَمِين) وَإِن كَانَ يَجْعَل لنيابته عَن مُوكله فِي الْيَد وَالتَّصَرُّف وَلِأَنَّهُ عقد إِحْسَان وَالضَّمان منفر عَنهُ وَقَول الْوَكِيل فِي تلف المَال مَقْبُول بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِين كالوديع وَكَذَا قَوْله فِي الرَّد للمعوض أَو الْعِوَض على مُوكله فَإِنَّهُ مَقْبُول حَيْثُ لم تبطل أَمَانَته لِأَنَّهُ أَخذ الْعين لنفع الْمُوكل أما لَو ادّعى الْوَكِيل أَنه أرسل الْعِوَض للْمُوكل مَعَ وَكيل عَن نَفسه فِي الدّفع فَلَا يقبل لِأَن الْمُوكل لم يأتمن الرَّسُول وَلم يَأْذَن للْوَكِيل فِي الدّفع إِلَيْهِ فطريقه فِي بَرَاءَة ذمَّته مِمَّا بِيَدِهِ أَن يسْتَأْذن الْمُوكل فِي الْإِرْسَال لَهُ مَعَ من تيَسّر الْإِرْسَال مَعَه وَلَو غير معِين
(فَإِن تعدى) أَي الْوَكِيل (ضمن) ضَمَان الغصوب كَسَائِر الْأُمَنَاء وَمن التَّعَدِّي أَن يضيع مِنْهُ المَال وَلَا يعرف كَيفَ ضَاعَ أَو وَضعه فِي مَحل ثمَّ نَسيَه أَو نسي من عَامله وَلَا يَنْعَزِل الْوَكِيل بِالتَّعَدِّي بِغَيْر إِتْلَاف الْمُوكل فِيهِ لِأَن الْوكَالَة إِذن فِي التَّصَرُّف وَالْأَمَانَة حكم يتَفَرَّع عَلَيْهَا وَلَا يلْزم من ارتفاعها ارْتِفَاع أَصْلهَا كَالرَّهْنِ بِخِلَاف الْوَدِيعَة فَإِنَّهَا مَحْض ائتمان فارتفعت بِالتَّعَدِّي (وينعزل) أَي الْوَكِيل (بعزل أَحدهمَا) أَي الْوَكِيل وَالْمُوكل وصريحه عزل وَفسخ وَخُرُوج وَإِبْطَال ورد وَإِزَالَة وَرفع وَنَحْوهَا وَإِن لم يعلم الْمَعْزُول وَإِنَّمَا توقف انعزال القَاضِي على الْعلم لتَعلق الْمصَالح الْكُلية بِهِ وَكَذَا الْمُسْتَعِير لِأَنَّهُ مَأْذُون لَهُ فِي اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة فَلَا تضمن عَلَيْهِ قبل علمه بِرُجُوع الْمُعير لِأَن المقصر هُوَ الْمُعير وَيَنْبَغِي الْإِشْهَاد على الْعَزْل إِذْ لَا يصدق الْمُوكل بعد تصرف الْوَكِيل فِي قَوْله كنت عزلته إِلَّا بِبَيِّنَة وينعزل أَيْضا بِسَبَب إِنْكَار أَحدهمَا الْوكَالَة عَامِدًا بِلَا عذر لَهُ فِي الْإِنْكَار من نَحْو خوف ظَالِم على أَخذه المَال الْمُوكل فِيهِ أَو نِسْيَان لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ رد للوكالة بِخِلَاف الْإِنْكَار لعذر
(و) يَنْعَزِل الْوَكِيل أَيْضا بِزَوَال أَهْلِيَّة وَاحِد مِنْهُمَا (بِمَوْت أَو جُنُون) وَإِن لم يعلم الآخر بِهِ وَإِن قصرت مُدَّة الْجُنُون أَو بإغماء إِلَّا إِذا لم يسْقط بِهِ فرض الصَّلَاة لخفته نعم وَكيل رمي الْجمار لَا يَنْعَزِل بإغماء الْمُوكل لِأَنَّهُ زِيَادَة فِي عَجزه الْمُشْتَرط لصِحَّة الْإِنَابَة وَمثل ذَلِك طرُو نَحْو الْفسق أَو الرّقّ أَو التبذير فِيمَا شَرط فِيهِ السَّلامَة من ذَلِك (وَزَوَال ملك مُوكل) عَمَّا وكل فِيهِ حَتَّى لَو بَاعه الْوَكِيل ثمَّ عَاد إِلَيْهِ بِنَحْوِ عيب لَا يَبِيعهُ ثَانِيًا إِلَّا بِإِذن جَدِيد وَزَوَال منفعَته الَّتِي يملكهَا عَنهُ كتزويج الْأمة لَا العَبْد فَإِذا زَوجهَا سَيِّدهَا انْعَزل الْوَكِيل فِي بيعهَا وكالإجارة وَالرَّهْن مَعَ الْقَبْض لإشعار ذَلِك بالندم على التَّصَرُّف وَإِن عزل الْوَكِيل وَهُوَ غَائِب انْعَزل فِي الْحَال لِأَنَّهُ لم يحْتَج للرضا فَلم يحْتَج للْعلم كَالطَّلَاقِ
(و) يَنْبَغِي للْمُوكل الْإِشْهَاد إِذْ (لَا يصدق) أَي الْمُوكل فِي قَوْله كنت عزلت الْوَكِيل (بعد تصرف) من الْوَكِيل (إِلَّا بِبَيِّنَة) وَإِن وَافقه بِالنِّسْبَةِ للْمُشْتَرِي مثلا من الْوَكِيل أما فِي غير ذَلِك فَإِن وَافقه على الْعَزْل وَلَكِن ادّعى أَنه بعد التَّصَرُّف ليستحق الْجعل مثلا فَإِذا اتفقَا على وَقت الْعَزْل وَقَالَ الْوَكِيل تصرفت قبله وَقَالَ الْمُوكل بعده حلف الْمُوكل أَنه لَا يعلم أَنه تصرف قبله فَيصدق لِأَن الأَصْل عَدمه إِلَى مَا بعده أَو اتفقَا على وَقت التَّصَرُّف وَقَالَ الْمُوكل عزلتك قبله فَقَالَ الْوَكِيل بل بعده حلف الْوَكِيل أَنه لَا يعلم عَزله قبله فَيصدق فَإِن تنَازعا فِي السَّبق بِلَا اتِّفَاق فِي الْوَقْت صدق من سبق بِالدَّعْوَى سَوَاء جَاءَا مَعًا للْقَاضِي أم لَا لِأَن مدعاه سَابق لاستقرار الحكم بقوله فَإِن ادّعَيَا
стр. 252
مَعًا صدق الْمُوكل لِأَن جَانِبه أقوى من أصل بَقَاء جَوَاز التَّصَرُّف الناشىء من الْإِذْن لِأَن بَقَاءَهُ متنازع فِيهِ
(و) الْقَرَاض تَوْكِيل خَاص لامتيازه بأركان وَأَحْكَام فأركانه خَمْسَة عاقدان وَصِيغَة وَرَأس مَال وَعمل وَربح (يَصح قِرَاض) إِذا وجدت شُرُوطه مَعَ أَرْكَانه فالركن الأول العاقدان وَلَهُمَا شُرُوط فَشرط الْمَالِك أَهْلِيَّة تَوْكِيل وَالْعَامِل أَهْلِيَّة التَّوَكُّل فَلَا يَصح الْقَرَاض إِذا كَانَ أَحدهمَا مَحْجُورا أَو عبدا أذن لَهُ فِي التِّجَارَة أَو الْمَالِك مُفلسًا أَو الْعَامِل أعمى
والركن الثَّانِي رَأس المَال وَله شُرُوط فَمِنْهَا كَونه (فِي نقد خَالص مَضْرُوب) دَرَاهِم أَو دَنَانِير فَلَا يَصح فِي فلوس وحلي وتبرع وعروض كثمنها إِن بَاعهَا وَلَا يَصح فِي مغشوش إِلَّا إِن كَانَ يروج رواج الْخَالِص فِي كل مَكَان مَعَ انْتِفَاء الْخَالِص وَإِلَّا إِن اسْتهْلك غشه بِأَن لَا يتَمَيَّز النّحاس عَن الْفضة مثلا فِي رَأْي الْعين
وَمِنْهَا كَونه فِي مَعْلُوم الْقدر وَالْجِنْس وَالصّفة فَلَا يَصح فِي نقد مَجْهُول أَخذهَا وَلَو مرئيا للْجَهْل بِالرِّبْحِ
وَمِنْهَا كَونه قد عين فِي مجْلِس العقد وَإِن لم يعين فِي صلبه فَلَو قارضه على ألف فِي ذمَّته وعينه فِي الْمجْلس جَازَ وَكَذَا لَو أعطَاهُ أَلفَيْنِ أَو صرتين وَقَالَ قارضتك على أَحدهمَا فَإِنَّهُ يَصح إِن عين أَحدهمَا فِي الْمجْلس وَإِن لم تفتح الصرة وَيصِح على مَا بيد غَيره وَدِيعَة أَو غصبا أَو غَيرهمَا
الرُّكْن الثَّالِث الْعَمَل وَله شُرُوط مِنْهَا كَونه فِي تِجَارَة وَهِي تقليب المَال بِنَحْوِ البيع وَالشِّرَاء لغَرَض الرِّبْح وَيدخل فِيهَا توابعها كنشر وطي
وَمِنْهَا كَون رَأس المَال وَالتِّجَارَة بيد الْعَامِل ليستقل بِالتِّجَارَة وتوابعها من غير مُزَاحم لَهُ فِيهَا
وَمِنْهَا أَن لَا يضيق الْعَمَل بتعليق أَو تأقيت وَمن ثمَّ بَطل الْقَرَاض بتعليقه وَتَعْلِيق تصرفه كَقَوْلِه قارضتك الْآن وَلَا تتصرف إِلَّا بعد شهر لمنافاته لغَرَض الرِّبْح بِخِلَاف الْوكَالَة وَبَطل بتوقيت غير اشْتِرَاء كَأَن قارضه سنة وَإِن لم يمنعهُ التَّصَرُّف بعْدهَا إِذْ قد لَا يجد رَاغِبًا فِيهَا أما تَوْقِيت الاشتراء بِأَن مَنعه الشِّرَاء بعْدهَا دون البيع فَيصح لحُصُول الاسترباح بِالْبيعِ الَّذِي لَهُ فعله بعْدهَا
الرُّكْن الرَّابِع كَون الْقَرَاض (بِصِيغَة) إِنَّمَا تحصل بِإِيجَاب من جِهَة رب المَال كَقَوْلِه قارضتك وعاملتك وَخذ هَذِه الدَّرَاهِم واتجر فِيهَا أَو بِعْ واشتر على أَن الرِّبْح بَيْننَا فَلَو اقْتصر على قَوْله بِعْ أَو اشْتَرِ فسد الْقَرَاض وَلَا شَيْء لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ صَار وَكيلا بِلَا جعل وبقبول فَوْرًا من جِهَة الْعَامِل بِأَن يتَّصل بِالْإِيجَابِ كَالْبيع وَيقوم مقَام اللَّفْظ الْكِتَابَة وَإِشَارَة الْأَخْرَس المفهمة
الرُّكْن الْخَامِس الرِّبْح وَله شُرُوط مِنْهَا اخْتِصَاصه بالمالك وَالْعَامِل واشتراكهما فِيهِ وَتَقْدِير نصيب كل مِنْهُمَا بجزئية وَلَا يَصح الْقَرَاض إِلَّا إِن عقد (مَعَ شَرط ربح لَهما) بِأَن لَا يخْتَص بِهِ أَحدهمَا وَأَن لَا يشْتَرط مِنْهُ شَيْء لغَيْرِهِمَا مِمَّن لَيْسَ بعامل وَلَا مَمْلُوك لأَحَدهمَا وَإِلَّا بَطل الْقَرَاض سَوَاء اشْترط الْمَالِك إعطاءه من نصِيبه أَو نصيب الْعَامِل وَخرج بِالشّرطِ الْوَعْد فَلَو قَالَ نصف الرِّبْح لَك وَنصفه لي وَنَصِيبِي نصفه لزوجتي صَحَّ لِأَنَّهُ وعد هبة لتِلْك الْمَرْأَة (و) مَعَ شَرط الرِّبْح لَهما (يشْتَرط كَونه) أَي الرِّبْح (مَعْلُوما بالجزئية) كَنِصْف وَثلث لَا بِنَحْوِ الْوَزْن فَإِن قَالَ على أَن الرِّبْح بَيْننَا
стр. 253
صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَة أَو قَالَ لَك ربع سدس الْعشْر صَحَّ وَإِن لم يعلماه عِنْد العقد لسُهُولَة مَعْرفَته وَهُوَ جُزْء من مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين جُزْءا فالعشر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ وسدسه أَرْبَعَة وَربع السُّدس وَاحِد وَإِذا فسد الْقَرَاض لنَحْو فَوَات شَرط وَبَقِي الْإِذْن نفذ تصرف الْعَامِل نظرا لبَقَاء الْإِذْن كَمَا فِي الْوكَالَة الْفَاسِدَة وَالرِّبْح كُله للْمَالِك لِأَنَّهُ نَمَاء ملكه وَعَلِيهِ الخسران أَيْضا
(و) عَلَيْهِ (لعامل فِي فَاسد أُجْرَة مثل) وَإِن لم يحصل ربح بل وَإِن حصل خسران لِأَنَّهُ عمل طامعا فِي الْمُسَمّى وَلم يسلم لَهُ فَرجع إِلَى الْأُجْرَة وَإِن علم الْفساد وَظن أَن لَا أُجْرَة أما إِذا فسد الْإِذْن لعدم أَهْلِيَّة الْعَاقِد فَلَا ينفذ تصرفه وَيضمن مَال الْقَرَاض ضَمَان الغصوب لوضع يَده عَلَيْهِ بِلَا إِذن من مَالِكه وَلَو قَالَ الْمَالِك لِلْعَامِلِ بِعْ فِي هَذَا واشتر أَو قَالَ اتّجر فِيهِ وَلم يذكر ربحا فَلَا شَيْء لَهُ لِأَن مَا ذكره تَوْكِيل لَا قِرَاض وَكَذَا لَو قَالَ قارضتك وَجَمِيع الرِّبْح لي فَلَا شَيْء لَهُ لِأَنَّهُ عمل مجَّانا غير طامع فِي شَيْء (وَلَا يمون) الْعَامِل نَفسه بِالنَّفَقَةِ وَغَيرهَا من مَال الْقَرَاض حضرا وسفرا إِذْ الْمُؤْنَة قد تستغرق الرِّبْح فَيلْزم انْفِرَاده بِهِ وَقد تزيد عَلَيْهِ فَيلْزم أَخذه من رَأس المَال وَإِن جرت الْعَادة بذلك فَإِذا أذن لَهُ الْمَالِك فِي ذَلِك فَيكون من الرِّبْح لَا من أصل مَال الْقَرَاض فَإِن لم يُوجد ربح حسب من رَأس المَال وَلَو شَرط الْمُؤْنَة سفرا أَو حضرا فِي العقد فسد
(وَصدق) أَي الْعَامِل بِيَمِينِهِ (فِي تلف) لِأَنَّهُ أَمِين وَهَذَا شَامِل لما لَو ادّعى تلفه ثمَّ اعْترف بِبَقَائِهِ ثمَّ ادّعى تلفه وَلَو ادّعى الْمَالِك بعد تلف المَال أَنه قرض وَالْعَامِل أَنه قِرَاض صدق الْمَالِك بِيَمِينِهِ إِذْ الْقَاعِدَة أَن من كَانَ القَوْل قَوْله فِي أصل الشَّيْء فَالْقَوْل قَوْله فِي صفته مَعَ أَن الأَصْل عدم الائتمان الدَّافِع للضَّمَان أما قبل التّلف فَيصدق الْمَالِك قطعا لِأَن الْعَامِل يدعى عَلَيْهِ الْإِذْن فِي التَّصَرُّف وحصته من الرِّبْح وَالْأَصْل عدمهما
(وَعدم ربح) بِأَن يَقُول الْعَامِل لم أربح شَيْئا أصلا (وَقدره) بِأَن يَقُول لم أربح إِلَّا كَذَا لِأَن الأَصْل مَعَه (وخسر) مُمكن وَإِن أخبر قبل بِرِبْح لِأَنَّهُ أَمِين وَلَو أقرّ بِرِبْح قدر ثمَّ ادّعى غَلطا فِي الْحساب أَو كذبا لم يقبل لِأَنَّهُ أقرّ بِحَق لغيره فَلم يقبل رُجُوعه عَنهُ نعم لَهُ تَحْلِيف الْمَالِك وَإِن لم يذكر شُبْهَة (ورد) لمَال الْقَرَاض ادَّعَاهُ الْعَامِل وَلَو بعد إخْبَاره بِالرِّبْحِ وَأنْكرهُ الْمَالِك وَيصدق الْعَامِل أَيْضا فِي قدر رَأس المَال وجنسه وَصفته سَوَاء أَكَانَ فِي المَال ربح أم لَا لِأَن الأَصْل عدم دفع الزَّائِد على مَا قَالَه الْعَامِل وَفِي نِيَّة شِرَاء للقراض وَإِن كَانَ خاسرا ولنفسه وَإِن كَانَ رابحا لِأَنَّهُ أعرف بِقَصْدِهِ وَفِي عدم نهي من الْمَالِك عَن شِرَاء كَذَا بِأَن توافقا على الْإِذْن فِي شِرَائِهِ كَأَن اشْترى الْعَامِل سلْعَة فَقَالَ الْمَالِك نهيتك عَن شِرَائهَا فَقَالَ الْعَامِل لم تنهني فَيصدق الْعَامِل وَتَكون للقراض لِأَن الأَصْل عدم النَّهْي أما لَو قَالَ الْمَالِك لم آذن لَك فِي شِرَاء كَذَا فَقَالَ الْعَامِل بل أَذِنت لي فالمصدق الْمَالِك
تَتِمَّة الشّركَة نَوْعَانِ أَحدهمَا فِي الشَّيْء الْمَمْلُوك بِدُونِ عقد سَوَاء كَانَ الْملك على جِهَة الْقَهْر أَو الِاخْتِيَار كإرث وَشِرَاء على جِهَة الشُّيُوع وَلَا فرق فِي الْمَمْلُوك بَين أَن يكون أعيانا أَو مَنَافِع وَقد تكون الشّركَة فِي مُجَرّد الْحُقُوق إِمَّا على الْعُمُوم كالشوارع وَإِمَّا
стр. 254
على الْخُصُوص كحق التحجر
وَثَانِيهمَا أَرْبَعَة أَنْوَاع شركَة أبدان بِأَن يَجْعَل الشخصان كسبهما ببدنهما بَينهمَا مَعَ تساو فِي الْكسْب واتفاق حِرْفَة أَو ضدهما سَوَاء شرطا أَن عَلَيْهِمَا مَا يعرض من غرم أم لَا وَذَلِكَ كخياطين أَو حطابين أَو خياط ورتاء وَهَذِه بَاطِلَة عندنَا مُطلقًا وَذَلِكَ فِي نَحْو الاحتطاب إِذا لم يقْصد كل مِنْهُمَا بِهِ نَفسه وَصَاحبه فَإِن قصدهما كَانَ بَينهمَا مُطلقًا وصحيحة عِنْد أبي حنيفَة مُطلقًا وصحيحة عندمالك إِن اتّحدت الحرفة
وَشركَة الْمُفَاوضَة بِأَن يجعلا كسبهما وربحهما ببدن أَو مَال من غير خلط وغرمهما بِنَحْوِ غصب أَو إِتْلَاف بَينهمَا وَهَذِه بَاطِلَة أَيْضا وَشركَة الْوُجُوه بِأَن يتَّفق وجيهان على أَن يشتريا فِي ذمتهما بمؤجل أَو حَال وَربحه بَينهمَا أَو وجيه وخامل على أَن يَشْتَرِي الْوَجِيه فِي ذمَّته وَيبِيع الخامل أَو على أَن يُعْطي الخامل المَال وَيعْمل فِيهِ الْوَجِيه ليَكُون المَال من هَذَا وَالْعَمَل من هَذَا من غير تَسْلِيم المَال وَالرِّبْح بَينهمَا وَهَذِه بَاطِلَة أَيْضا
وَالصُّورَة الثَّالِثَة قِرَاض فَاسد لاستقلال الْمَالِك بِالْيَدِ وَقد يحصل الْفساد بِغَيْر ذَلِك ككون المَال غير نقد فَلَا يتَوَقَّف الْفساد حِينَئِذٍ على عدم تَسْلِيم المَال
وَشركَة الْعَنَان وَهِي صَحِيحَة إِذا وجدت شُرُوط خَمْسَة أَحدهَا أَن تكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير بِالْإِجْمَاع وَتَصِح فِي الْمَغْشُوش الرائج فِي بلد التَّصَرُّف على الْأَصَح وَمثله سَائِر الْمِثْلِيَّات وَلَا تصح فِي المتقومات لتعذر الْخَلْط فِيهَا لِأَنَّهَا أَعْيَان متميزة وَحِينَئِذٍ تتعذر الشّركَة لِأَن بَعْضهَا قد يتْلف فَيذْهب على صَاحبه وَحده وَالْحِيلَة فِي الشّركَة فِي غير الْمِثْلِيَّات من المتقومات أَن يَبِيع كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض عرضه بِبَعْض عرض الآخر ويتقابضا ثمَّ يَأْذَن كل مِنْهُمَا للْآخر فِي التَّصَرُّف
وَثَانِيها أَن يتَّفقَا فِي الْجِنْس فَلَا تصح الشّركَة فِي الدَّرَاهِم وَالذَّهَب
وَثَالِثهَا الْخَلْط بِشَرْط أَن لَا يبْقى مَعَه تَمْيِيز وَأَن يتَقَدَّم الْخَلْط على العقد وَالْإِذْن فَلَو اشْتَركَا فِي ثَوْبَيْنِ من غزل وَاحِد والصانع وَاحِد لم تصح الشّركَة لتمييز أَحدهمَا عَن الآخر وَأما عدم معرفَة كل مِنْهُمَا ثَوْبه فَيُقَال لَهُ اشْتِبَاه أما لَو كَانَ المَال مشَاعا كَأَن اشترياه مَعًا على الشُّيُوع أَو ورثاه فَإِنَّهُ كَاف لحُصُول الْمَقْصُود وَهُوَ عدم التَّمْيِيز
وَرَابِعهَا الْإِذْن مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّف وَتصرف الشَّرِيك كتصرف الْوَكِيل فَلَا يَبِيع بِغَيْر نقد الْبَلَد وَلَا يَبِيع بالأجل وَلَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِغَبن فَاحش
وخامسها أَن يكون الرِّبْح على قدر الْمَالَيْنِ سَوَاء تَسَاويا فِي الْعَمَل أَو تَفَاوتا
فصل فِي الشُّفْعَة
وَهِي حق تملك قهري ثَبت للشَّرِيك الْقَدِيم على الْحَادِث فِيمَا ملك بعوض بِمَا ملك بِهِ لدفع الضَّرَر أَي ضَرَر مُؤنَة الْقِسْمَة واستحداث الْمرَافِق وَغَيرهَا أَو ضَرَر سوء الْمُشَاركَة
(إِنَّمَا تثبت الشُّفْعَة لِشَرِيك) مَالك للرقبة (فِي بيع أَرض مَعَ تابعها كبناء) وتوابعه الدَّاخِلَة فِي مُطلق البيع كأبواب مَنْصُوبَة ورفوف مسمرة
(وَشَجر) رطب وأصل يجز
стр. 255
مرّة بعد أُخْرَى
(وثمر غير مؤبر) عِنْد البيع إِن شَرط دُخُوله كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي خلافًا لِابْنِ حجر
وَالْحَاصِل أَن أَرْكَان الشُّفْعَة ثَلَاثَة آخذ وَهُوَ الشَّرِيك الْقَدِيم وَشَرطه كَونه شَرِيكا مَالِكًا وَلَو مكَاتبا وَغير عَاقل كمسجد لَهُ شقص لم يُوقف بِأَن وهب لَهُ أَو اشْتَرَاهُ لَهُ النَّاظر من ريع الْوَقْف فَإِذا بَاعَ شَرِيكه أَخذ لَهُ النَّاظر بِالشُّفْعَة فَخرج بالشريك الْجَار وبالمالك الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَنَحْوه فَلَا شُفْعَة لَهُم ومأخوذ وَشَرطه أَن يكون أَرضًا بتابعها ومأخوذ مِنْهُ وَشَرطه تَأَخّر سَبَب ملكه عَن سَبَب ملك الْآخِذ فَلَو بَاعَ أحد شَرِيكَيْنِ نصِيبه بِشَرْط الْخِيَار لَهُ فَبَاعَ الآخر نصِيبه فِي زمن الْخِيَار بيع بت فَالشُّفْعَة للْمُشْتَرِي الأول إِن لم يَأْخُذ بَائِعه بِالشُّفْعَة بِأَن يفْسخ البيع وَيَأْخُذ بهَا وَيكون أَخذه فسخا
وَأما الصِّيغَة فَإِنَّمَا تجب فِي التَّمَلُّك فَلَا يَصح عدهَا ركنا وَإِنَّمَا هِيَ شَرط للْملك
بَاب فِي الْإِجَارَة
بِتَثْلِيث الْهمزَة وَالْكَسْر أشهر وَهِي عقد على مَنْفَعَة مَقْصُودَة مَعْلُومَة قَابِلَة للبذل وَالْإِبَاحَة بعوض مَعْلُوم (تصح إِجَارَة) إِذا وجدت أَرْكَانهَا وَهِي أَرْبَعَة الأول العاقدان وشرطهما كالمتبايعين فِي الرشد وَعدم الْإِكْرَاه بِغَيْر حق
نعم اسْتِئْجَار كَافِر لمُسلم وَلَو إِجَارَة عين صَحِيح لَكِن إِجَارَة الْعين مَكْرُوهَة وَمَعَ ذَلِك يجْبر على إيجاره لمُسلم فِيهَا لإِزَالَة الْيَد عَنهُ فَلَو لم يفعل وخدم الْمُسلم بِنَفسِهِ اسْتحق الْأُجْرَة الْمُسَمَّاة وَيصِح إِيجَار سَفِيه نَفسه لما لَا يقْصد من عمله كَالْحَجِّ لِأَنَّهُ يجوز لَهُ التَّبَرُّع بِهِ وَذَلِكَ بِأَن يكون غَنِيا بِمَالِه عَن كسب يصرفهُ على نَفَقَة نَفسه وَمن تلْزمهُ مُؤْنَته وَيصِح بيع السَّيِّد للْعَبد نَفسه لَا إِجَارَته إِيَّاهَا لإفضاء بَيْعه إِلَى عتقه فاغتفر فِيهِ مَا لم يغْتَفر فِي الْإِجَارَة لعدم أَدَائِهَا إِلَيْهِ وَلَو وكل شخص عبدا فِي شِرَاء نَفسه أَو استئجارها لمُوكلِه صَحَّ
الرُّكْن الثَّانِي الصِّيغَة وَشرط فِيهَا جَمِيع مَا مر فِي البيع إِلَّا عدم التَّأْقِيت فَحِينَئِذٍ صِحَة عقد إِجَارَة لَا تكون إِلَّا (بِإِيجَاب) وَهُوَ إِمَّا صَرِيح أَو كِنَايَة فالصريح (كآجرتك) هَذَا أَو أكريتك هَذَا أَو عوضتك مَنْفَعَة هَذِه الدَّار سنة بِمَنْفَعَة هَذِه الدَّار سنة بِمَنْفَعَة دَارك أَو مَلكتك مَنَافِع هَذَا سنة (بِكَذَا) وَسنة ظرف لمقدر وَالتَّقْدِير انْتفع بِهِ سنة إِن جعل ظرفا لمنافع أَو مُتَعَيّنا إِن جعل ظرفا لآجر وتختص إِجَارَة الذِّمَّة بِنَحْوِ ألزمت ذِمَّتك كَذَا أَو سلمت إِلَيْك هَذِه الدَّرَاهِم فِي خياطَة هَذَا أَو فِي دَابَّة صفتهَا كَذَا لحمل كَذَا أَو فِي حملي إِلَى الْمحل الْفُلَانِيّ وعد ذَلِك إِيجَابا مَعَ أَنه من الْمُسْتَأْجر لِأَنَّهَا سلم فِي الْمَنَافِع والإيجاب فِي السّلم من جَانب الْمُسلم
(و) لَا بُد مَعَ الْإِيجَاب من (قبُول) مُتَّصِل
стр. 256
مُوَافق لَهُ فِي الْمَعْنى (كاستأجرت أَو اكتريت أَو استكريت أَو قبلت وَالْكِنَايَة جعلت لَك مَنْفَعَة هَذَا سنة أَو أعطيتكها بِكَذَا أَو اسكن دَاري شهرا بِكَذَا
وَمِنْهَا الْكِتَابَة وَلَا بُد فِي الْكِنَايَة من نِيَّة
الرُّكْن الثَّالِث الْأُجْرَة وَلَا يَصح عقد الْإِجَارَة إِلَّا (بِأَجْر) مَذْكُور فِي العقد (مَعْلُوم) جِنْسا وَقدرا وَصفَة إِن كَانَ الْأجر فِي الذِّمَّة وَإِلَّا كفت معاينتها فِي إِجَارَة الْعين والذمة ثمَّ ذَلِك الْأجر لَهُ حكم ثمن فِي إِجَارَة عَيْنِيَّة فَلَمَّا لِلْأجرِ الَّذِي فِي الذِّمَّة حكم الثّمن الَّذِي فِي الذِّمَّة من نَحْو جَوَاز استبدال عَنهُ وحوالة بِهِ وَعَلِيهِ وإبراء مِنْهُ وتعجيله وتأجيله وَوُجُوب ضَبطه وَوَصفه وَلما لِلْأجرِ الْمعِين حكم الثّمن الْمعِين فِي شُرُوطه كالرؤية وَإِن سبقت العقد وَامْتِنَاع تَأْجِيله وَفِي أَنه يملك فِي الْحَال وَله حكم رَأس مَال سلم فِي إِجَارَة ذمَّة وَإِن لم يعْقد بِلَفْظ سلم لِأَنَّهَا سلم فِي الْمَنَافِع
الرُّكْن الرَّابِع الْمَنْفَعَة فَلَا يَصح عقد إِجَارَة إِلَّا (فِي) مَحْض (مَنْفَعَة) حَالَة فَلَا يَصح اسْتِئْجَار الْبُسْتَان للثمار وَالشَّاة للبنها أَو لصوفها أَو وَلَدهَا وَالْبركَة لسمكها وَلَا يَصح اسْتِئْجَار جحش صَغِير لِأَن وضع الْإِجَارَة على تَعْجِيل الْمَنَافِع وَلَا يَصح إِلَّا فِي مَنْفَعَة (مُتَقَومَة) أَي لَهَا قيمَة ليحسن بذل المَال فِي مقابلتها كاستئجار ريحَان للشم وطائر للأنس بِصَوْتِهِ أَو لَونه وشجرة للاستظلال بظلها فَلَا يَصح اسْتِئْجَار آلَات اللَّهْو كالطنبور والمزمار والرباب وَنَحْوهَا فَإِن استئجارها حرَام يحرم بذل الْأُجْرَة فِي مقابلتها وَيحرم أَخذ الْأُجْرَة لِأَنَّهُ من نوع أكل الْأَمْوَال بِالْبَاطِلِ وَلَا يَصح اسْتِئْجَار الطَّعَام لتزيين الحوانيت لِأَن مَنْفَعَتهَا تافهة وَلَا يَصح اسْتِئْجَار بياع على كلمة لَا تتعب قَائِلهَا عَادَة
نعم يجوز أَخذ الْأُجْرَة على ضَرْبَة من ماهر يصلح بهَا اعوجاج سيف وَإِن لم يكن فِيهِ مشقة لِأَن من شَأْن هَذِه الصَّنَائِع أَن يتعب فِي تَحْصِيلهَا بالأموال وَغَيرهَا بِخِلَاف الْأَقْوَال
وَلَا يَصح عقد الْإِجَارَة إِلَّا فِي مَنْفَعَة (مَعْلُومَة) فَإِن كَانَت الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا لَا تتقدر إِلَّا بِالزَّمَانِ فَالشَّرْط فِي صِحَة الْإِجَارَة فِيهَا أَن تقدر بِمدَّة وَذَلِكَ كَالْإِجَارَةِ للسُّكْنَى وَالرّضَاع وَنَحْو ذَلِك وَإِن كَانَت لَا تتقدر إِلَّا بِالْعَمَلِ قدر بِهِ وَإِن ورد العقد فِيهِ على الذِّمَّة كالركوب وَالْحج وَنَحْو ذَلِك وَإِن كَانَت تتقدر بالمدة وَالْعَمَل كالخياطة وَالْبناء قدر بِأَحَدِهِمَا كَقَوْلِه استأجرتك لتخيط هَذَا الثَّوْب أَو استأجرتك لتخيط لي ثوبا شهرا فَإِن قدر بهما كَأَن قَالَ استأجرتك لتخيط لي هَذَا الثَّوْب فِي هَذَا الْيَوْم لم يَصح العقد وَإِن قصد التَّقْدِير بِالْعَمَلِ وَذكر الْيَوْم للتعجيل وَكَانَ الثَّوْب صَغِيرا بِأَن يفرغ عَادَة فِي أقل من يَوْم فَذَلِك بَاطِل كَمَا اعْتَمدهُ الزيَادي وَأَبُو بكر الحصني خلافًا لبَعْضهِم وَلَا تصح إِجَارَة أحد عبديه وَغير مرئي فِي إِجَارَة الْعين ومجهول الْعَمَل أَو الْمدَّة
وَيشْتَرط تَحْدِيد جِهَات الْعقار حَيْثُ لم يشْتَهر بِدُونِهِ فَلَا يَكْفِي أَن يَقُول آجرتك قِطْعَة من هَذِه الأَرْض مثلا بِخِلَاف إِيجَار دَار مثلا فتكفي مشاهدتها وَلَا يَصح عقد الْإِجَارَة إِلَّا فِي مَنْفَعَة (وَاقعَة للمكتري) أَو مُوكله أَو موليه وَخرج بذلك الْعِبَادَة الَّتِي لَا تقبل النِّيَابَة كَالصَّلَاةِ
стр. 257
وَيشْتَرط كَون عقد الْمَنْفَعَة فِي (غير مُتَضَمّن لِاسْتِيفَاء عين قصدا) فَلَا يَصح عقد الْإِجَارَة على مَا يتَضَمَّن إِتْلَاف عين فَمن ذَلِك اسْتِئْجَار الشمع للإشعال
وَقد تقع الْعين تبعا كَمَا إِذا اسْتَأْجر امْرَأَة للإرضاع فَإِنَّهُ جَائِز لوُرُود النَّص وَالأَصَح أَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ الْقيام بِأَمْر الصَّبِي من وَضعه فِي حجر الرَّضِيع وتلقيمه الثدي وعصره بِقدر الْحَاجة وَذَلِكَ هُوَ الْفِعْل وَاللَّبن يسْتَحق تبعا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ ٦٥ الطَّلَاق الْآيَة ٦ علق الله تَعَالَى الْأُجْرَة بِفعل الْإِرْضَاع لَا بِاللَّبنِ
(و) يتَعَيَّن لدفع الْخِيَار لَا لدفع الْإِثْم (على مكر تَسْلِيم مِفْتَاح) ضبة (دَار) إِلَى الْمُكْتَرِي لتوقف الِانْتِفَاع عَلَيْهِ وَهُوَ أَمَانَة بِيَدِهِ فَإِذا تلف بتقصيره ضمنه بِقِيمَتِه الْآن أَو بِعَدَمِهِ فَلَا وَفِيهِمَا يلْزم الْمكْرِي تجديده فَإِن أَبى لم يجْبر على التَّجْدِيد وَلم يَأْثَم لَكِن يتَخَيَّر الْمُكْتَرِي (وعمارتها) الشاملة لنَحْو تطيين سطح وإعادة رُخَام قلعه الْمُؤَجّر أَو غَيره
(فَإِن بَادر) أَي قبل مُضِيّ مُدَّة لَهَا أُجْرَة لإصلاحها أَو تَسْلِيم الْمِفْتَاح فَذَاك وَاضح (وَإِلَّا) يُبَادر إِلَى ذَلِك (فللمكتري) قهرا على الْمُؤَجّر (خِيَار) إِن نقصت الْمَنْفَعَة (وعَلى مكتر تنظيف عرصتها) أَي الدَّار (من كناسَة) حصلت فِي دوَام الْمدَّة وَهِي مَا يسْقط من نَحْو قشر وَطَعَام ورماد وَبعد انْقِضَاء الْمدَّة يجْبر الْمُكْتَرِي على نقل الكناسة لِأَنَّهَا من فعله
وَأما التُّرَاب الْحَاصِل بِالرِّيحِ فَلَا يلْزم وَاحِدًا مِنْهُمَا نَقله بِخِلَاف كناسَة مَوْجُودَة عِنْد ابْتِدَاء الْإِجَارَة فَإِنَّهُ يجب تَفْرِيغ الدَّار مِنْهَا على مكر وَلَو غير مَالك كَأَن كَانَ مَالك الْمَنْفَعَة فَقَط (وَهُوَ) أَي الْمُكْتَرِي (أَمِين) على الْعين المكتراة (مُدَّة الْإِجَارَة) إِن قدرت بِزَمن أَو مُدَّة إِمْكَان اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة إِن قدرت بِمحل عمل لعدم إِمْكَان الِاسْتِيفَاء للمنفعة بِدُونِ وضع يَده (وَكَذَا بعْدهَا) إِن لم يسْتَعْمل تِلْكَ الْعين استصحابا لما كَانَ وَلِأَنَّهُ لَا يلْزمه غير التَّخْلِيَة فَلَا يلْزمه الرَّد وَلَا مُؤْنَته (كأجير) فَإِنَّهُ أَمِين فِيمَا فِي يَده لأجل أَن يعْمل فِيهِ كَمَا إِذا اسْتَأْجر لقصارة ثوب وَنَحْوه وَتلف (فَلَا ضَمَان إِلَّا بتقصير) كَمَا إِذا اسْتَأْجر للخبز فأسرف فِي الإيقاد أَو تَركه حَتَّى احْتَرَقَ أَو ألصقه قبل وقته وكما لَو تعدى الْمُسْتَأْجر فِي ذَات الْعين الْمُسْتَأْجرَة كَأَن يكبح الدَّابَّة باللجام أَو يضْربهَا بِرجلِهِ أَو يعدو بهَا فِي غير مَحل الْعَدو على خلاف الْعَادة فِي هَذِه الْأُمُور فَإِنَّهُ يضمنهَا بِخِلَاف مَا إِذا فعل ذَلِك على الْعَادة بِالنِّسْبَةِ لمثل تِلْكَ الدَّابَّة وَيصدق أجِير الدَّابَّة فِي نفي تعديه مَا لم يشْهد خبيران بِخِلَافِهِ
وَاعْلَم أَن الْمرجع فِي الْعدوان إِلَى الْعرف
فَلَو ربط الدَّابَّة فِي الإططبل فَمَاتَتْ لم يضمن
وَأما إِن انْهَدم عَلَيْهَا فَمَاتَتْ فَأطلق الْغَزالِيّ نقلا عَن الْأَصْحَاب أَنه يضمن وَقَالَ غَيره إِن انْهَدم فِي وَقت عهد أَن تكون الدَّابَّة فِيهِ كالليل فِي الشتَاء وكالمطر الشَّديد فِي النَّهَار فَلَا ضَمَان وَإِلَّا ضمن وَلَو ربط دَابَّة اكتراها لحمل أَو ركُوب وَلم ينْتَفع بهَا لم يضمن إِلَّا إِذا انْهَدم عَلَيْهَا إصطبل فِي وَقت لَو انْتفع بهَا لم يصبهَا الْهدم كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار
(وَلَا أُجْرَة) لعمل كحلق رَأس وخياطة ثوب
стр. 258
(بِلَا شَرط) بِأَن لم يذكر أَحدهمَا أُجْرَة بِحَضْرَة الآخر وَلم يذكر مَا يفهمها وَإِن عرف ذَلِك الْعَمَل بهَا لعدم التزامها مَعَ صرف الْعَامِل منفعَته هَذَا إِذا كَانَ حرا مُكَلّفا مُطلق التَّصَرُّف فَلَو كَانَ عبدا أَو مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه أَو نَحوه اسْتحق الْأُجْرَة إِذْ لَيْسُوا من أهل التَّصَرُّف بمنافعهم الْمُقَابلَة بالأعواض وَكَذَا لَو دخل سفينة بِلَا إِذن فَإِنَّهُ تجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَإِن علم بِهِ الْمَالِك لِأَنَّهُ بجلوسه فِيهَا صَار غَاصبا لذَلِك الْمحل بِخِلَاف وضع الْمَتَاع على الدَّابَّة فَإِنَّهُ لَا يصير غَاصبا لَهَا بِهِ لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهَا من النَّقْل أَو الرّكُوب
أما لَو دخل السَّفِينَة بِإِذن فَلَا تجب عَلَيْهِ أُجْرَة لعدم اشْتِرَاطهَا مَعَ انْتِفَاء الْغَصْب (و) مَتى قبض الْمُكْتَرِي الْعين الْمُؤجرَة كالدابة وَالدَّار (تقررت) أَي الْأُجْرَة (عَلَيْهِ) أَي الْمُكْتَرِي (بِمُضِيِّ مُدَّة) للإجارة (وَإِن لم يسْتَوْف) الْمَنْفَعَة وَلَو لعذر مَنعه من الِاسْتِيفَاء كخوف أَو مرض لتلف الْمَنَافِع تَحت يَده حَقِيقَة أَو حكما فاستقر عَلَيْهِ بدلهَا وَمَتى خرج الْمُسْتَأْجر بهَا مَعَ الْخَوْف صَار ضَامِنا لَهَا إِلَّا إِذا ذكر ذَلِك حَالَة العقد أَو كَانَ الزَّمن زمن خوف وَعلم بِهِ الْمُؤَجّر وَكَذَا تتقرر الْأُجْرَة إِذا اكترى دَابَّة لركوب إِلَى مَوضِع معِين وَقَبضهَا بِمُضِيِّ مُدَّة إِمْكَان السّير إِلَيْهِ لكَونه مُتَمَكنًا من الِاسْتِيفَاء وَهَذِه مقدرَة بِعَمَل فتستقر الْأُجْرَة بِمُضِيِّ مُدَّة الْعَمَل الَّذِي ضبطت بِهِ الْمَنْفَعَة وَتلك مقدرَة بِزَمن وتستقر فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة أُجْرَة الْمثل سَوَاء زَادَت على الْمُسَمّى أم نقصت بِمَا يسْتَقرّ بِهِ الْمُسَمّى فِي الصَّحِيحَة مِمَّا ذكر وَإِن لم ينْتَفع
نعم تخلية الْعقار والوضع بَين يَدَيْهِ وَالْعرض عَلَيْهِ وَإِن امْتنع لَا يَكْفِي فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة بل لَا بُد من الْقَبْض الْحَقِيقِيّ
(وتنفسخ) أَي الْإِجَارَة (بِتَلف مُسْتَوفى مِنْهُ معِين) فِي عقدهَا شرعا كمسلمة استؤجرت بِنَفسِهَا لخدمة مَسْجِد فَحَاضَت فِيهَا أَو حسا كموت الدَّابَّة الْمعينَة وَلَو بِفعل الْمُسْتَأْجر وانهدام الدَّار كلهَا وَلَو بِفعل الْمُكْتَرِي (فِي) زمن (مُسْتَقْبل) لَا فِي الزَّمَان الْمَاضِي بعد الْقَبْض الَّذِي يُقَابل بِأُجْرَة فَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة لاستقراره بِالْقَبْضِ فيستقر قسطه من الْمُسَمّى بِالنّظرِ لأجرة الْمثل بِأَن تقوم مَنْفَعَة الْمدَّة الْمَاضِيَة والباقية ويوزع الْمُسَمّى على نِسْبَة قيمتهمَا وَقت العقد دون مَا بعده فَلَو كَانَت مُدَّة الْإِجَارَة سنة وَمضى نصفهَا وَأُجْرَة مثله مثلا أُجْرَة النّصْف الْبَاقِي وَجب من الْمُسَمّى ثلثا أَو بِالْعَكْسِ فثلثه لَا على نِسْبَة المدتين لاخْتِلَاف الْأُجْرَة إِذْ قد تزيد أُجْرَة شهر على شهور فَلَو قسط الْأُجْرَة على عدد الشُّهُور كَأَن قَالَ أجرتك هَذِه الدَّار سنة كل شهر مِنْهَا بِكَذَا اعْتبر مَا سَمَّاهُ موزعا وَلم ينظر لأجرة مثل الْمدَّة الْمَاضِيَة وَلَا الْمُسْتَقْبلَة عملا بِمَا وَقع بِهِ العقد
أما
стр. 259
الْمعِين فِي إِجَارَة الذِّمَّة فيبدل وجوبا لتلف أَو عيب وَيجوز الْإِبْدَال عِنْد عدمهما لَكِن بِرِضا الْمُكْتَرِي لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ اخْتصَّ بِهِ وَخرج بالمستوفى مِنْهُ غَيره فَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بتلفه فَيجوز إِبْدَال الْمُسْتَوْفى بِمثلِهِ أَو بِدُونِهِ فيركب مثله فِي الضَّرَر اللَّاحِق بِالْعينِ أَو دونه ويسكنه ويلبسه لِأَنَّهُ يجوز للمكتري اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ الْأمين لِأَنَّهَا ملكه فَلَو شَرط عَلَيْهِ استيفاءها بِنَفسِهِ فسد العقد وَيجوز إِبْدَال الْمُسْتَوْفى بِهِ بِمثلِهِ وَإِن أَبى الْأَجِير لِأَنَّهُ طَرِيق للاستيفاء لَا مَعْقُود عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَمَا لَو اسْتَأْجر دَابَّة مُعينَة لركوب أَو حمل مَتَاع فَيجوز إِبْدَال الرَّاكِب وَالْمَتَاع بِلَا خلاف وَكَذَا إِذا الْتزم فِي ذمَّته خياطَة ثوب معِين أَو حمل مَتَاع معِين أَو إِرْضَاع صبي معِين فَيجوز إِبْدَال ذَلِك بِمثلِهِ بِلَا مُعَاوضَة على الْأَصَح
أما إِن كَانَ الْإِبْدَال بِلَفْظ يدل على التعويض كَقَوْلِه عوضتك كَذَا عَن كَذَا فَيجوز قطعا وَيجوز إِبْدَال الْمُسْتَوْفى فِيهِ كطريق بِمِثْلِهَا مَسَافَة وَأمنا وسهولة أَو حزونة بِشَرْط أَن لَا يخْتَلف مَحل التَّسْلِيم إِذْ لَا بُد من بَيَان مَوْضِعه
فرع لَو أعْطى الْمَالِك للخياط ثوبا
ليخيطه بعد قطع الْخياط إِيَّاه فخاطه قبَاء وَقَالَ أَمرتنِي بِقطعِهِ قبَاء فَقَالَ الْمَالِك بل أَمرتك بِقطعِهِ قيمصا صدق الْمَالِك بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ الْمُصدق فِي أصل الْإِذْن فَكَذَا فِي صفته فَيحلف أَنه مَا أذن فِي قطعه قبَاء وَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ إِذا حلف وعَلى الْخياط أرش نقص الثَّوْب وَهُوَ مَا بَين قِيمَته صَحِيحا ومقطوعا على مُعْتَمد ابْن حجر أَو بَين قِيمَته مَقْطُوعًا قَمِيصًا ومقطوعا قبَاء على مُعْتَمد الرَّمْلِيّ وعَلى هَذَا الْوَجْه الثَّانِي إِن لم ينقص القباء فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وللخياط نزع خيطه وَعَلِيهِ أرش نقص النزع إِن حصل النَّقْص فِي الْقَمِيص نَفسه كَأَن نقصت قِيمَته ينْزع الْخَيط عَن قِيمَته قماشا مفصلا بِلَا خياطَة وَلَو قَالَ الْمَالِك إِن كَانَ هَذَا يَكْفِينِي قيمصا فاقطعه فَقَطعه وَلم يكفه ضمن أرش الْقطع وَهُوَ مَا بَين قِيمَته صَحِيحا ومقطوعا لِأَن الشَّرْط لم يحصل بِخِلَاف مَا لَو قَالَ هَل يَكْفِينِي فَقَالَ نعم فَقَالَ اقْطَعْ لِأَن الْإِذْن مُطلق (وَلَو اخْتلفَا فِي أُجْرَة) أَو مَنْفَعَة (أَو مُدَّة) أَو قدر الْمَنْفَعَة أَو قدر الْمُسْتَأْجر (تحَالفا وفسخت) أَي الْإِجَارَة وَوَجَب على الْمُسْتَأْجر أُجْرَة الْمثل لما اسْتَوْفَاهُ
فرع لَا تصح المخابرة
وَهِي الْمُعَامَلَة على الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا وَالْبذْر من الْعَامِل لقَوْله ﷺ من لم يذر المخابرة فليأذن بِحَرب من الله
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ولسهولة تَحْصِيل مَنْفَعَة الأَرْض بِالْإِجَارَة
وَلَا تصح الْمُزَارعَة وَهِي الْمُعَامَلَة عَلَيْهَا بذلك وَالْبذْر من الْمَالِك لما رُوِيَ عَن ثَابت بن الضَّحَّاك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْمُزَارعَة وَأمر بالمؤاجرة
رَوَاهُ مُسلم والمخابر فِي معنى مُسْتَأْجر الأَرْض فَيلْزم عَلَيْهِ أُجْرَة الأَرْض وَإِن عطلها بِلَا زرع والمزارع فِي معنى الْأَجِير على عمل فَلَا يلْزمه شَيْء إِذا عطل الأَرْض لِأَنَّهُ لم يسْتَوْف مَنْفَعَتهَا وَلَا بَاشر إتلافها فَلَا وَجه للُزُوم
وَلَا تصح المراعاة وَهِي أَن يسْتَأْجر شخص رَاعيا لغنمه سنة كَامِلَة وَيجْعَل لَهُ الْأُجْرَة ثلث نتاجها وَهَذِه الْإِجَارَة فَاسِدَة لِأَن النِّتَاج مَجْهُول
стр. 260
وَثَبت لفاسدة من أُجْرَة الْمثل مَا ثَبت لمسمى فِي صَحِيحَة فَيسْتَحق الْأَجِير أُجْرَة الْمثل للمدة الَّتِي رعى تِلْكَ الْغنم فِيهَا لِأَنَّهُ لم يبْذل منفعَته مجَّانا
بَاب فِي الْعَارِية
بتَشْديد الْيَاء وَقد تخفف وَهِي شرعا إِبَاحَة الِانْتِفَاع مجَّانا بِمَا يحل الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه وَمَعَ كَونهَا إِبَاحَة ترتد بِالرَّدِّ بِخِلَاف مُطلق الْإِبَاحَة فَإِنَّهَا لَا ترتد والإعارة بعد التماسها سنة وَكَانَت أول الْإِسْلَام وَاجِبَة وَقد تجب كإعارة ثوب لدفع حر أَو برد أَو لتوقف صِحَة الصَّلَاة عَلَيْهِ وإعارة مَا ينقذ غريقا كحبل وإعارة سكين لذبح حَيَوَان مَأْكُول يخْشَى فَوته وَقد تحرم كإعارة صيد من محرم وَأمة غير صَغِيرَة من أَجْنَبِي وَقد تكره كإعارة عبد مُسلم لكَافِر وَقد تُبَاح وتصور الْإِبَاحَة بإعارة من لَا حَاجَة لَهُ بالمعار بِوَجْه
وأركانها أَرْبَعَة الأول معير وَشَرطه اخْتِيَاره وَصِحَّة تبرعه وَمن ثمَّ (صَحَّ) من شخص مُخْتَار ذِي تبرع إِعَارَة مَا يَأْتِي لِأَن الْعَارِية تبرع بِالْمَنْفَعَةِ فَلَا تصح إِعَارَة مكره بِغَيْر حق أما بِهِ كَمَا لَو أكره على إِعَارَة وَاجِبَة فَتَصِح وَلَا إِعَارَة مَحْجُور عَلَيْهِ لَكِن تصح إِعَارَة السَّفِيه لبدن نَفسه حَيْثُ لم يكن عمله مَقْصُودا
الرُّكْن الثَّانِي الْمُسْتَعِير وَشَرطه تَعْيِينه فَلَا يَصح أعرت أَحَدكُمَا وَصِحَّة التَّبَرُّع عَلَيْهِ بِعقد فَيصح من ذِي تبرع (إِعَارَة) أهل لقبُول التَّبَرُّع فَلَا يَصح لغير أهل لقبوله كَغَيْر مُكَلّف وكسفيه على الْأَوْجه الَّذِي جرى عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره
الرُّكْن الثَّالِث المعار وَشَرطه حل الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ ملك منفعَته وَبَقَاء عينه وَإِن لم يعين ذَلِك المعار حَتَّى لَو قَالَ أعرني دَابَّة فَقَالَ ادخل الإصطبل وَخذ مَا أردْت صحت الْإِعَارَة
بِخِلَاف الْإِجَارَة لِأَن الْغرَر لَا يحْتَمل فِي الْمُعَاوَضَات فيجور إِعَارَة (عين لانتفاع مَمْلُوك) وَلَو بِوَصِيَّة أَو إِجَارَة أَو وقف وَإِن لم يملك الْمُعير الْعين لِأَن الْعَارِية ترد على الْمَنْفَعَة فَقَط وَالْمرَاد بِملك الْمَنْفَعَة هُنَا مَا يعم الِاخْتِصَاص بهَا لتصحيحهم إِعَارَة كلب الصَّيْد وإعارة منذور أضْحِية وهدي مَعَ خُرُوجه عَن ملك الْمُعير فَلَو تلف الْمَنْذُور ضمنه الْمُعير وَالْمُسْتَعِير وَلَيْسَ لنا معير يضمن إِلَّا فِي هَذِه وَالْمرَاد أَن كلا مِنْهُمَا طَرِيق فِي الضَّمَان وَأَن الْقَرار على من تلف المعار تَحت يَده وَلَا بُد فِي الِانْتِفَاع الْمَمْلُوك من (مُبَاح) اسْتِيفَاؤهُ للْمُسْتَعِير فَلَا يعار نَحْو حمَار زمن وَأمة لخدمة أَجْنَبِي وآلات الملاهي
الرُّكْن الرَّابِع الصِّيغَة وَإِنَّمَا تصح الْإِعَارَة (بِلَفْظ) أَو كِتَابَة بنية أَو إِشَارَة أخرس (يشْعر بِإِذن فِيهِ) أَي يدل ذَلِك على الْإِذْن فِي الِانْتِفَاع أَو على طلبه إِذْ الِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر يتَوَقَّف على ذَلِك (كأعرتك) هَذَا أَو أعرتك منفعَته أَو أبحتك منفعَته أَو اركب أَو خُذْهُ
стр. 261
لتنتفع بِهِ أَو أعرني أَو أركبني وَيَكْفِي لفظ أَحدهمَا مَعَ فعل الآخر وَإِن تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر وَإِن طَال الزَّمن جدا فَحَيْثُ حصلت الصِّيغَة لَا يضر التَّأَخُّر إِن لم يُوجد من الْمُعير مَا يدل على الرُّجُوع وَلَا من الْمُسْتَعِير مَا يدل على الرَّد
(وعَلى مستعير ضَمَان قيمَة يَوْم التّلف) للمعار بَدَلا أَو أرشا وَإِن شرطا عدم ضَمَانه وَلَو لم يفرط كسقوط الدَّابَّة فِي بِئْر حَالَة سَيرهَا وَهَذَا تلف بِغَيْر الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ لِأَنَّهُ تلف فِي الِاسْتِعْمَال لَا بِهِ وَمِنْه مَا لَو اسْتعَار ثورا لاستعماله فِي ساقية فَسقط فِي بِئْرهَا فَإِنَّهُ يضمنهُ لِأَنَّهُ تلف فِي الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ بِغَيْرِهِ لَا بِهِ وَمِنْه أَيْضا مَا لَو أَصَابَهُ السِّلَاح مثلا من آلَة الْحَرْث فَيضمنهُ كل من الْمُسْتَعِير والْحَارث وقرار الضَّمَان على الْحَارِث
وَشرط التّلف المضمن أَن يحصل (لَا بِاسْتِعْمَال) مَأْذُون فِيهِ فَإِن حصل مَعَ الِاسْتِعْمَال بِأَن تلفت الْعين المستعارة أَو جزؤها بِاسْتِعْمَال مَأْذُون فِيهِ كركوب مُعْتَاد أَو حمل مُعْتَاد فعرجت أَو تقرحت أَو لبس مُعْتَاد فانمحقت الْعين أَو انسحقت فَلَا ضَمَان لحدوث التّلف بِإِذن الْمَالِك إِلَّا فِي الْحمل على أضْحِية أَو هدي منذورين فيضمنان بقيمتيهما وَلَو اسْتعَار رَقِيقا لتنظيف سطح مثلا فَسقط من سلمه وَمَات ضمنه بِخِلَاف مَا لَو اسْتَأْجرهُ وَلَا يشْتَرط فِي ضَمَان الْمُسْتَعِير كَون الْعين فِي يَده بل وَإِن كَانَت فِي يَد الْمَالِك لَكِن بعد قبض الْمُسْتَعِير مَعَ بَقَاء حكم الْعَارِية أَو قبل الْقَبْض بِالْفِعْلِ لَكِن استعملها الْمَالِك فِي شغل الْمُسْتَعِير وَلَو حمل مَتَاع غَيره على دَابَّته بسؤال الْغَيْر كَانَ ذَلِك الْغَيْر مستعيرا لكل الدَّابَّة إِن لم يكن عَلَيْهَا شَيْء لغير الْمُسْتَعِير وَإِلَّا فبقدر مَتَاعه وَلَو اخْتلفَا فِي حُصُول التّلف بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُون فِيهِ أَولا صدق الْمُسْتَعِير بِيَمِينِهِ لعسر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَلِأَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته وَكَون الأَصْل فِي الْعَارِية الضَّمَان هُوَ بِالنِّسْبَةِ لليد لَا للذمة وَتعلق الضَّمَان بِالذِّمةِ أَمر طارىء على الأَصْل كَذَا فِي النِّهَايَة
(وَعَلِيهِ) أَي الْمُسْتَعِير (مُؤنَة رد) للمعار إِذا اسْتعَار من الْمَالِك وَكَذَا إِذا اسْتعَار من نَحْو مُسْتَأْجر ورد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبضه للغرض نَفسه أما إِذا رده الْمُسْتَعِير على الْمَالِك فالمؤنة على الْمَالِك وَلَو كَانَ اسْتِحْقَاق الْمُسْتَأْجر بَاقِيا كَمَا لَو رد عَلَيْهِ معيره الْمُسْتَأْجر (وَلكُل) من الْمُعير وَالْمُسْتَعِير (رُجُوع) فِي الْعَارِية الْمُطلقَة والمؤقتة قبل فرَاغ الْمدَّة مَتى شَاءَ إِلَّا إِذا أعَار أَرضًا لدفن ميت غير حَرْبِيّ ومرتد فَيمْتَنع الرُّجُوع أَي اسْتِرْدَاد الْمُعير ورد الْمُسْتَعِير إِذا كَانَ بعد إدلاء الْمَيِّت فِي هَوَاء الْقَبْر وَإِن لم يصل إِلَى أسلفه كَمَا يمْتَنع الرُّجُوع فِي الْكَفَن المعار بِمُجَرَّد وَضعه على الْمَيِّت وَإِن لم يلف عَلَيْهِ وعَلى الْمُعير إِذا رَجَعَ بعد الْحفر مُؤنَة حفر مَا رَجَعَ فِيهِ لوَارث الْمَيِّت سَوَاء حفر بِنَفسِهِ أَو بالاستئجار لمن حفر لَهُ أَو بِحَفر مُتَبَرّع بِقصد الْمُسْتَعِير وَإِلَّا إِذا اسْتعَار ثوبا للستر أَو الْفراش على نجس فِي صَلَاة الْفَرْض وَشرع فِيهَا فَيمْتَنع على الْمُعير الِاسْتِرْدَاد كَمَا يمْتَنع على الْمُسْتَعِير الرَّد إِلَّا بعد فرَاغ الصَّلَاة وَيلْزمهُ الِاقْتِصَار على أقل مجزىء من واجباتها بعد الرُّجُوع بِخِلَاف مَا لَو استعاره لمُطلق الصَّلَاة فالعارية لَازِمَة من جِهَة الْمُسْتَعِير فَقَط إِن أحرم بِفَرْض فللمعير الرُّجُوع وَإِذا رَجَعَ نَزعه الْمُسْتَعِير وَبنى على صلَاته وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فَإِن أحرم بنفل كَانَت جَائِزَة من جهتهما وَإِلَّا إِذا اسْتعَار سفينة وَوضع فِيهَا مَتَاعا فِي مَاء غزير فَيمْتَنع على الْمُعير الرُّجُوع حِينَئِذٍ أَي يمْتَنع عَلَيْهِ تفريغها حِينَئِذٍ حَتَّى تصل إِلَى مَحل تأمن فِيهِ وَإِن كَانَ لَهُ الرُّجُوع بالْقَوْل وَيسْتَحق الْأُجْرَة من حِينَئِذٍ وَإِلَّا إِذا اسْتعَار مَكَانا لسكنى مُعْتَدَّة فَيمْتَنع على الْمُسْتَعِير الرَّد وَيجوز للْمُعِير
стр. 262
الِاسْتِرْدَاد وَإِذا رَجَعَ الْمُعير نقلت الْمُعْتَدَّة لأَقْرَب الْمَوَاضِع إِن لم يرض بِالْأُجْرَةِ فَلَو رَضِي بهَا امْتنع النَّقْل وَلَو اسْتعْمل الْمُسْتَعَار بعد الرُّجُوع جَاهِلا فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا لَو اسْتعْمل الْعَارِية بعد جُنُون الْمُعير أَو إغمائه أَو مَوته غير عَالم بذلك فَتلْزمهُ الْأُجْرَة لبُطْلَان الْإِذْن بذلك فَإِن الْمُعير بعده لَيْسَ أَهلا للْإِبَاحَة وَإِذا اسْتعَار للغراس وَالْبناء لم يفعل ذَلِك إِلَّا مرّة فَإِن قلعه لم يعده إِلَّا بِإِذن جَدِيد مَا لم يَأْذَن لَهُ فِي التَّجْدِيد مرّة بعد أُخْرَى
فصل فِي الْغَصْب
وَهُوَ الِاسْتِيلَاء على حق الْغَيْر على طَرِيق الظُّلم وَيدخل فِي الْحق الاختصاصات وَالْمَنَافِع ككلب الصَّيْد وَجلد الْميتَة وخمرمحترم وسرجين وَحقّ التحجر وَحقّ من قعد فِي سوق أَو مَسْجِد أَو شَارِع
وَالْغَصْب من الْكَبَائِر
وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ٢ الْبَقَرَة الْآيَة ١٨٨ وأخبار كَقَوْلِه ﷺ فِي خطبَته فِي منى إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
وَقَوله ﷺ من ظلم قيد شبر من أَرض طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وعَلى الْغَاصِب رد) فَوْرًا عِنْد التَّمَكُّن للمنقول بِنَفسِهِ أَو فعل أَجْنَبِي وَإِن عظمت الْمُؤْنَة فِي رده وَلَو لم يكن متمولا كحبة بر وكلب مُحْتَرم يقتنى وَإِن لم يَطْلُبهُ الْمَالِك سَوَاء كَانَ بِبَلَد الْغَصْب أم منتقلا عَنهُ وَعَلِيهِ خُرُوج من الْعقار بنية عدم الْعود إِلَيْهِ وتمكين الْمَالِك مِنْهُ
(و) عَلَيْهِ (ضَمَان مُتَمَوّل) أَي مُتَقَوّم كثياب وحيوان غير رَقِيق وَغير صيد على الْمحرم أَو فِي الْحرم (تلف بأقصى قِيمَته من حِين غصب إِلَى تلف) لِأَنَّهُ فِي حَال زِيَادَة الْقيمَة غَاصِب مطَالب بِالرَّدِّ فَلَمَّا لم يرد فِي تِلْكَ الْحَالة ضمن الزِّيَادَة لتعديه وَتجب قِيمَته من نقد الْبَلَد الَّذِي حصل فِيهِ التّلف إِذا لم ينْقل الْمَغْصُوب فَإِن نَقله فَيعْتَبر نقد الْبَلَد الَّذِي تعْتَبر الْقيمَة فِيهِ وَهُوَ أَكثر البلدين قيمَة وَذَلِكَ بِاعْتِبَار النَّقْد الْغَالِب فَإِن غلب نقدان وتساويا عين القَاضِي وَاحِدًا أما الرَّقِيق فتضمن نَفسه كلا أَو بَعْضًا بِقِيمَتِه بَالِغَة مَا بلغت والتقويم يكون بعد الِانْدِمَال دَائِما وَالْقيمَة الْمُعْتَبرَة كلا أَو بَعْضًا أقْصَى الْقيم فِي الْمَغْصُوب وَقِيمَة يَوْم التّلف فِي غَيره وَأما الصَّيْد فَيضمن بِمثلِهِ (وَيضمن مثلي بِمثلِهِ) مَا لم يتراضيا على قِيمَته لِأَن الْمثل أقرب إِلَى حَقه فَإِن خرج الْمثْلِيّ عَن الْقيمَة كَمَا لَو أتلف مَاء بمفازة ثمَّ اجْتمعَا بِمحل لَا قيمَة للْمَاء فِيهِ أصلا لزمَه قِيمَته بِمحل الْإِتْلَاف بِخِلَاف مَا إِذا بقيت لَهُ قيمَة وَلَو تافهة فَلَا يعدل عَن
стр. 263
الْمثل لِأَنَّهُ الأَصْل وَهَذَا إِذا لم يكن لنقله مُؤنَة وَإِلَّا فَالْوَاجِب الْقيمَة بِمحل التّلف
ثمَّ الْمثْلِيّ مَا جَازَ السّلم فِيهِ وَأمكن ضَبطه بِالْكَيْلِ أَو الْوَزْن وَإِن لم يعْتد فِيهِ بِأَن لم تجر عَادَة أهل الشَّرْع بِمثلِهِ فَمَا حصره عد أَو ذرع كحيوان وَثيَاب مُتَقَوّم وَإِن جَازَ السّلم فِيهِ والمعجونات والجواهر وَنَحْوهمَا مِمَّا يمْتَنع السّلم فِيهِ مُتَقَوّم وَإِن حصره وزن أَو كيل وَالْمُعْتَمد عِنْد الرَّمْلِيّ أَن خل التَّمْر مثلي كبر اخْتَلَط بشعير فَيجب إِخْرَاج الْقدر الْمُحَقق من كل مِنْهُمَا
بَاب فِي مُطلق الْهِبَة
(الْهِبَة) الْمُطلقَة ثَلَاثَة أَنْوَاع هبة وَصدقَة وهدية فَإِن أعْطى مُحْتَاجا شَيْئا بِلَا عوض وَلَو لم يقْصد ثَوَاب الْآخِرَة أَو غَنِيا لأجل ثَوَاب آخِرَة فصدقة وَهِي أفضل الثَّلَاثَة ثمَّ الْهَدِيَّة لوُرُود الْآثَار فِي الحض عَلَيْهَا لَا سِيمَا بِالنِّسْبَةِ للْمُسَافِر وَهِي مَا نَقله المملك بِلَا عوض إِلَى مَكَان الْمَوْهُوب لَهُ للإكرام والتودد فَكل من الصَّدَقَة والهدية هبة وَلَا عكس لانفراد الْهِبَة فِي ذَات الْأَركان وَهِي (تمْلِيك) تطوع فِي حَيَاة فَخرج بالتمليك الْعَارِية والضيافة وَالْوَقْف وبالتطوع غَيره كَالْبيع وَالزَّكَاة وَالنّذر وَالْكَفَّارَة وَالْوَاجِب من الْأُضْحِية وَالْهَدْي والعقيقة بِخِلَاف الْمَنْدُوب مِنْهَا وَقد أعْطى لَغَنِيّ فَهُوَ من الْهَدِيَّة لوُجُود التَّمْلِيك فِيهِ وَإِن امْتنع التَّصَرُّف فِيهِ بِنَحْوِ بيع وَخرج بقولنَا فِي حَيَاة الْوَصِيَّة لِأَن التَّمْلِيك فِيهَا إِنَّمَا يتم بِالْقبُولِ وَهُوَ بعد الْمَوْت وَإِذا اجْتمع النَّقْل وَالْقَصْد أَو النَّقْل والاحتياج كَانَ الْمَوْهُوب صَدَقَة وهدية (بِلَا عوض) فَخرج بذلك الْهِبَة بِشَرْط عوض مَعْلُوم كَقَوْلِه وَهبتك هَذَا على أَن تثيبني عَلَيْهِ كَذَا فيقبله فَإِنَّهَا بيع حَقِيقَة فَيجْرِي فِيهَا أَحْكَام البيع من الخيارين وَالشُّفْعَة وَحُصُول الْملك بِالْعقدِ لَا بِالْقَبْضِ وَمنع قبُول بعض الْمَوْهُوب بِبَعْض الْعِوَض أَو كُله لاشْتِرَاط الْمُطَابقَة فِي البيع بِخِلَاف الْهِبَة الَّتِي بِلَا عوض فَإِنَّهُ لَا يضر فِيهَا قبُول بعض الْمَوْهُوب وَخرج بذلك الْهِبَة أَيْضا بِشَرْط عوض مَجْهُول فَلَا تكون بيعا لجَهَالَة الْعِوَض وَلَا تكون هبة لذكر الْعِوَض وَقيل تكون هبة
وأركان الْهِبَة أَرْبَعَة العاقدان وَيشْتَرط فيهمَا مَا مر فِي البَائِع وَالْمُشْتَرِي
نعم يعْتَبر فِي المملك أَهْلِيَّة التَّبَرُّع وَفِي المتملك أَهْلِيَّة الْملك وَلَو سَفِيها
وَالثَّالِث الْمَوْهُوب وَشرط فِيهِ صِحَة جعله عوضا إِلَّا نَحْو حَبَّة بر فَتَصِح هبتها وَإِن لم يَصح بيعهَا فَنقل الْيَد عَن الِاخْتِصَاص لَا يُسمى هبة وَإِلَّا هبة مَوْصُوف فِي الذِّمَّة كَأَن يَقُول وَهبتك كَذَا فِي ذِمَّتِي فَلَا يَصح لِأَن الْهِبَة إِنَّمَا ترد على الْأَعْيَان لَا على مَا فِي الذِّمَّة بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِمَا
وَالرَّابِع الصِّيغَة وَلَا تصح الْهِبَة غير الضمنية إِلَّا (بِإِيجَاب كوهبتك) هَذَا وملكتكه
стр. 264
ومنحتكه وأكرمتك بِهَذَا وعظمتك ونحلتك وَكَذَا أطعمتك وَلَو فِي غير طَعَام
(وَقبُول) مُتَّصِل بِالْإِيجَابِ مُوَافق لَهُ (كقبلت) ورضيت واتهبت لفظا فِي حق النَّاطِق وَإِشَارَة فِي حق الْأَخْرَس لِأَنَّهَا تمْلِيك فِي الْحَيَاة كَالْبيع وَلِهَذَا انْعَقَدت الْهِبَة بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة كَقَوْلِه لَك كَذَا وكسوتك هَذَا وبالمعاطاة على القَوْل بهَا وَيشْتَرط فِي الصِّيغَة مَا مر فِي البيع وَمِنْه اعْتِبَار الْفَوْرِيَّة وَلَا يضر الْفَصْل إِلَّا بأجنبي وَعلم من اعْتِبَار الصِّيغَة أَن الْأَب أَو الْأُم لَو جهزا بنتهما أَو ابنهما الصَّغِير بجهاز وَلم يصدر مِنْهُمَا صِيغَة تمْلِيك لَا يملكهُ وَيَكْفِي فِي الصِّيغَة قَول أَحدهمَا عِنْد نَقله لدار الزَّوْج مثلا هَذَا جهاز بِنْتي فَيكون ملكا لَهَا وَإِلَّا فَهُوَ عَارِية وَيصدق بِيَمِينِهِ فِي عدم تمليكها ذَلِك إِن ادَّعَتْهُ وَخرج بِالْهبةِ الصَّدَقَة والهدية فَلَا يعْتَبر لَهما صِيغَة بل يَكْفِي فيهمَا بِعْت وقبضت وَلذَا يصحان من الْأَعْمَى وَعَلِيهِ فيوكل فِي الْقَبْض والإقباض وَقد لَا تشْتَرط صِيغَة كخلع الْمُلُوك لاعتياد عدم اللَّفْظ فيهمَا وَلَا قبُول كَهِبَة النّوبَة للضرة وَيشْتَرط كَون الصِّيغَة (بِلَا تَعْلِيق) فَلَا تصح الْهِبَة بأنواعها مَعَ شَرط مُفسد كتوقيت الْوَاهِب بعمر نَفسه أَو أَجْنَبِي كَأَن قَالَ جعلت هَذَا لَك عمري أَو عمر فلَان لِلْخُرُوجِ من اللَّفْظ الْمُعْتَاد وَلما فِيهِ من تأقيت الْملك فَإِن الْوَاهِب أَو الفلان قد يَمُوت أَولا بِخِلَاف الْعَكْس فَيصح كَأَن يَقُول أعمرتك هَذَا حياتك أَو مَا عِشْت فَإِن الْإِنْسَان لَا يملك إِلَّا مُدَّة حَيَاته فَكَانَ كلا تأقيت لِأَنَّهُ تَصْرِيح بِمُقْتَضى الْحَال
وَمن جملَة صِيغ الْهِبَة مسَائِل الْعمريّ والرقبي وَلَو بِغَيْر لَفْظهمَا كَقَوْلِه أعمرتك هَذِه الدَّار أَو هَذَا الْحَيَوَان مثلا فَإِذا مت فَهِيَ لورثتك فَهَذِهِ الصِّيغَة صِيغَة هبة طول فِيهَا الْعبارَة فَيعْتَبر فِيهَا الْقبُول وَتلْزم بِالْقَبْضِ وَتَكون لوَرثَته وَكَقَوْلِه أعمرتك هَذِه أَو جَعلتهَا لَك عمرك أَو وَهبتك هَذِه عمرك فَإِذا مت عَادَتْ إِلَيّ أَو إِلَى ورثتي إِن كنت مت فَهَذِهِ الصِّيغَة صِيغَة هبة إِلْغَاء للشّرط الْفَاسِد وَقَوله أرقبتك هَذِه أَو جَعلتهَا لَك رقبي أَي إِن مت قبلي عَادَتْ إِلَيّ وَإِن مت قبلك اسْتَقَرَّتْ لَك فَتَصِح الْهِبَة على الْأَصَح وَيَلْغُو الشَّرْط الْفَاسِد فَيشْتَرط قبُولهَا وَالْقَبْض وَذَلِكَ لخَبر أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ لَا تعمروا وَلَا ترقبوا فَمن أرقب شَيْئا أَو أعْمرهُ فَهُوَ لوَرثَته أَي لَا ترقبوا وَلَا تعمروا طَمَعا فِي أَن يعود إِلَيْكُم فَإِن سَبيله الْمِيرَاث
(وَتلْزم) أَي الْهِبَة (بِقَبض) بِإِذن الْوَاهِب أَو وَكيله فِيهِ بعد تَمام الصِّيغَة فَلَو قَالَ وَهبتك هَذَا أَو أَذِنت لَك فِي قَبضه فَقَالَ قبلت لم يكف وَلَو اخْتلفَا فِي الْإِذْن فِي الْقَبْض صدق الْوَاهِب وَلَو اتفقَا عَلَيْهِ لَكِن قَالَ الْوَاهِب رجعت قبل أَن تقبض الْمَوْهُوب وَقَالَ الْمُتَّهب بل بعده صدق الْمُتَّهب وَلَا تملك الْهِبَة بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ الْحَقِيقِيّ وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْفَوْر وَإِن كَانَ الْمَوْهُوب بيد الْمُتَّهب وَلَو من أَب لوَلَده الصَّغِير وَلَا يَكْفِي الْإِتْلَاف وَلَا الْوَضع بَين يَدَيْهِ من غير إِذن لِأَن قَبضه غير مُسْتَحقّ كَالْوَدِيعَةِ فَاشْترط تحقق الْقَبْض
نعم إِن كَانَ الْإِتْلَاف بِالْأَكْلِ أَو الْعتْق وَأذن فِيهِ الْوَاهِب كَانَ قبضا وَيقدر انْتِقَاله قبيل الْوَضع فِي الْفَم والتلفظ بالصيغة لِلْعِتْقِ
وَذَلِكَ لما روى الْحَاكِم أَنه ﷺ أهْدى إِلَى النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لأم سَلمَة إِنِّي لأرى النَّجَاشِيّ قد مَاتَ وَلَا أرى الْهَدِيَّة الَّتِي أهديت إِلَيْهِ إِلَّا سترد
стр. 265
فَإِذا ردَّتْ إِلَيّ فَهِيَ لَك فَكَانَ كَذَلِك
وَفِي رِوَايَة أَنه أهْدى إِلَى النَّجَاشِيّ مسكا فَمَاتَ النَّجَاشِيّ قبل أَن تصل إِلَيْهِ ثمَّ ردَّتْ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَسمهُ النَّبِي ﷺ بَين نِسَائِهِ وَلِأَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ نحل عَائِشَة ﵂ جدَاد عشْرين وسْقا فَلَمَّا مرض قَالَ وددت أَنَّك حُزْتِيهِ أَو قبضتيه وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم ملك الْوَارِث فَلَو توقف الْملك على الْقَبْض لما قَالَ أَنه ملك الْوَارِث وقالعمر لَا تتمّ النحلة حَتَّى يحوزها المنحول
وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس وَعَائِشَة ﵃ وَلَا يعرف لَهُم مُخَالف كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار
(ولأصل) من النّسَب وَإِن بعد أَو كَانَ أُنْثَى (رُجُوع فِيمَا وهب) عينا أَو تصدق أَو أهْدى (لفرع) كَذَلِك (إِن بَقِي) أَي الْمَوْهُوب (فِي سلطنته) بِأَن يكون الْمَوْهُوب خَالِيا عَن حق الْغَيْر وَإِلَّا امْتنع الرُّجُوع كَمَا إِذا رهن وأقبض وَغير ذَلِك وَإِن عَاد الْمَوْهُوب إِلَى الْفَرْع لِأَن الزائل الْعَائِد كَالَّذي لم يعد وَلَو وهب الْوَالِد شَيْئا لوَلَده فوهبه الْوَلَد لوَلَده لم يرجع الْجد لانتقال الْملك فِي الْوَلَد بِخِلَاف مَا لَو وهبه ابْتِدَاء لِابْنِ ابْنه فَإِن لَهُ الرُّجُوع وَالْمَنَافِع فَهِيَ فِي الْهِبَة كَغَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَا تملك إِلَّا بِالْقَبْضِ أما لَو وهب الأَصْل فَرعه دينا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوع لَهُ فِيهِ إِذْ لَا يُمكن عوده بعد سُقُوطه وَيحصل الرُّجُوع (بِنَحْوِ رجعت) فِيمَا وهبت أَو استرجعته أَو رَددته إِلَى ملكي أَو نقضت الْهِبَة أَو أبطلتها أَو فسختها وبكناية مَعَ النِّيَّة كأخذته وقبضته لَا بِبيعِهِ وَوَقته لكَمَال ملك الْفَرْع فَلم يقو الْفِعْل على إِزَالَته وَلَا يَصح الرُّجُوع إِلَّا مُنجزا فَلَا يَصح مُعَلّقا
(وَهبة دين لمدين) أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ (إِبْرَاء) فَلَا يحْتَاج إِلَى قبُول نظرا للمعنى
نعم ترك الدّين للْمَدِين بِلَفْظ التّرْك وَنَحْوه كِنَايَة إِبْرَاء وَذَلِكَ كَأَن يَقُول تركته لَك أَو لَا آخذه مِنْك فَلَا يكون عدم طلبه لَهُ كِنَايَة فِي الْإِبْرَاء لانْتِفَاء مَا يدل عَلَيْهِ وَتَصِح هبة نُجُوم الْكِتَابَة للْمكَاتب كَمَا يَصح الْإِبْرَاء مِنْهَا وَلَو وهب لفقير دينا عَلَيْهِ بنية الزَّكَاة لم يَقع عَنْهَا كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار
(و) هبة دين مُسْتَقر (لغيره) أَي الْمَدِين بَاطِلَة فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ غير مَقْدُور على تَسْلِيمه لِأَن مَا يقبض من الْمَدِين عين لَا دين وَيُؤَيّد ذَلِك صِحَة بيع الْمَوْصُوف دون هِبته وَالدّين مثله بل أولى وَيفرق بَين صِحَة بَيْعه وَعدم صِحَة هِبته بِأَن بيع مَا فِي الذِّمَّة الْتِزَام لتَحْصِيل الْمَبِيع فِي مُقَابلَة الثّمن الَّذِي اسْتَحَقَّه والالتزام فِيهَا صَحِيح بِخِلَاف هِبته فَإِنَّهَا لَا تَتَضَمَّن الِالْتِزَام إِذْ لَا مُقَابل فِيهَا فَكَانَت بالوعد أشبه فَلم يَصح وَقيل هِيَ هبة (صَحِيحَة) وعَلى هَذَا القَوْل لَا تلْزم إِلَّا بِالْقَبْضِ الْحَقِيقِيّ بِإِذن الْوَاهِب أما دين مُسْتَقر كنجوم الْكِتَابَة فَإِنَّهُ لَا تصح هِبته لغير من هُوَ عَلَيْهِ قطعا
فرع لَو بعث هَدِيَّة فِي ظرف
أَو وهب شَيْئا فِي ظرف من غير بعث فَإِن لم تجر الْعَادة برده كزنبيل فَهُوَ هَدِيَّة أَو هبة أَيْضا تحكيما للْعُرْف المطرد ككتابة الرسَالَة فَإِنَّهُ يملكهُ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ إِن لم تدل قرينَة على عوده أَو إخفائه بِأَن كتب لَهُ فِيهَا رد الْجَواب فِي ظَهره أما إِذا اُعْتِيدَ رد
стр. 266
الظّرْف أَو اضْطَرَبَتْ الْعَادة فَلَا يكون هَدِيَّة بل أَمَانَة فِي يَد المهدى إِلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ وَيحرم اسْتِعْمَاله لِأَنَّهُ انْتِفَاع بِملك غَيره بِغَيْر إِذْنه إِلَّا فِي أكل الْهَدِيَّة مِنْهُ إِن اقتضته الْعَادة عملا بهَا وَيكون عَارِية حِينَئِذٍ وَيسن رد الْوِعَاء حَالا وَهَذَا فِي مَأْكُول أما غَيره فيختلف رد ظرفه باخْتلَاف عَادَة النواحي فَيعْمل فِي كل نَاحيَة بعرفهم وَيعْمل فِي كل قوم عرفهم باخْتلَاف طبقاتهم
بَاب فِي الْوَقْف
وَهُوَ حبس شَيْء ينْتَظر الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه بِمَنْع التَّصَرُّف فِي عينه على مصرف مُبَاح وَجهه وَالشَّيْء يَشْمَل الْكَلْب الْمعلم لِأَنَّهُ يَصح وَقفه على وَجه وَالرَّاجِح أَنه لَا يَصح وَقفه كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار وَهُوَ قربَة مَنْدُوب إِلَيْهَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وافعلوا الْخَيْر﴾ ٢٢ الْحَج الْآيَة ٧٧ وَأول من وقف سيدنَا عمر بن الْخطاب بإشارته ﷺ ثمَّ تتَابع الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم على ذَلِك حَتَّى زادوا على الثَّمَانِينَ
وأركانه أَرْبَعَة الأول الْوَاقِف وَشَرطه صِحَة تبرعه فَحِينَئِذٍ إِنَّمَا (صَحَّ وقف) مَا يَأْتِي من أهل تبرع فِي الْحَيَاة ككافر وَلَو لمَسْجِد نظرا لاعتقادنا أَو مصحف بِأَن كتبه أَو وَرثهُ من أَبِيه وأعمى إِذْ يَصح وقف غير المرئي وَإِمَام من بَيت المَال على معِين أَو جِهَة فَلَا يَصح من صبي وَمَجْنُون وسفيه ومكاتب بِغَيْر إِذن سَيّده ومفلس وَإِن زَاد مَاله على دُيُونه كَأَن طَرَأَ لَهُ مَال بعد الْحجر أَو ارْتَفع سعر مَاله الَّذِي حجر عَلَيْهِ فِيهِ وَولي
الرُّكْن الثَّانِي الْمَوْقُوف فَلَا يرد الْوَقْف إِلَّا فِي (عين) فَلَا يَصح وقف الْمَنْفَعَة وَإِن ملكهَا مُؤَبَّدًا بِالْوَصِيَّةِ وَمن ذَلِك الخلوات فَلَا يَصح وَقفهَا وَلَا وقف الْمُلْتَزم فِي الذِّمَّة لِأَن حَقِيقَة الْوَقْف إِزَالَة ملك عَن عين نعم يجوز الْتِزَامه فِيهَا بِالنذرِ (مَمْلُوكَة) وَلَو لغير الْوَاقِف كوقف الإِمَام نَحْو أَرَاضِي بَيت المَال على جِهَة ومعين بِشَرْط ظُهُور الْمصلحَة فِي ذَلِك إِذْ تصرفه فِيهِ مَنُوط بهَا فَلَا يَصح وقف حر نَفسه لِأَن ذَاته غير مَمْلُوكَة لَهُ وَلَا بُد أَن تكون الْعين مِمَّا يقبل النَّقْل فَلَا يَصح وقف مُسْتَوْلدَة لعدم قبُولهَا للنَّقْل كَالْحرِّ وَلَا وقف مكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة (تفِيد) أَي تِلْكَ الْعين فَائِدَة كالفحل للضراب بِخِلَاف إِجَارَته لَهُ فَلَا تصح لِأَنَّهُ يحْتَمل فِي الْقرْبَة مَا لَا يحْتَمل فِي غَيرهَا أَو تفِيد مَنْفَعَة تصح إِجَارَتهَا سَوَاء كَانَت حَالا أَو مَآلًا كالجحش الصَّغِير وَالْمَغْصُوب وَلَو من عَاجز عَن انْتِزَاعه (وَهِي) أَي الْعين (بَاقِيَة) لِأَن الْوَقْف شرع ليَكُون صَدَقَة جَارِيَة فَيصح وقف بِنَاء وغراس فِي أَرض مستأجرة لِأَنَّهُمَا مملوكان ينْتَفع بهما مَعَ بَقَاء عينهما وَإِن استحقا الْقلع بعد انْقِضَاء مُدَّة الْإِجَارَة وَيصِح وقف الْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة وَإِن عتقا بِالْمَوْتِ وَوُجُود الصّفة وَبَطل الْوَقْف بهما لِأَنَّهُمَا مِمَّا يَدُوم نَفعه دواما نسبيا بِخِلَاف المطعوم والمشموم والأثمان فَلَا يَصح وَقفهَا لِأَن المطعوم إِنَّمَا ينْتَفع
стр. 267
بِأَكْلِهِ ولسرعة فَسَاد المشموم المحصود بِخِلَاف المزروع فَيصح وَقفه للشم لبَقَاء مدَّته وَإِن لم يطلّ زَمَنه وَلِأَن الْأَثْمَان إِنَّمَا ينْتَفع بإخراجها
الرُّكْن الثَّالِث الصِّيغَة بِاللَّفْظِ كَالْعِتْقِ أَو بِإِشَارَة أخرس مفهمة أَو بكتابته أَو كِتَابَة النَّاطِق مَعَ نِيَّته وصريحه يحصل (بوقفت) هَذَا على كَذَا (وسبلت كَذَا على كَذَا) فَلَا بُد من بَيَان الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَلَو قَالَ وقفت هَذَا الْكتاب لله تَعَالَى لم يكف بل لَا بُد أَن يَقُول على كَذَا بِخِلَاف الْوَصِيَّة كأوصيت بِثلث مَالِي لله تَعَالَى فَإِنَّهُ يَصح (وَجعلت هَذَا) الْمحل أَو مَكَان كَذَا (مَسْجِدا) فَيصير بذلك مَسْجِدا وَإِن لم يقل لله وَلم ينْو لِأَن الْمَسْجِد لَا يكون إِلَّا وَقفا ووقفته للاعتكاف صَرِيح فِي المسجدية وللصلاة صَرِيح فِي مُطلق الوقفية
وَقَوله أَذِنت للصَّلَاة كِنَايَة فِي المسجدية فَإِن نَوَاهَا صَار مَسْجِدا وَإِلَّا صَار وَقفا على الصَّلَاة وَإِن لم يكن مَسْجِدا كالمدرسة وَذَلِكَ لِأَن الِاعْتِكَاف لَا يَصح إِلَّا فِي مَسْجِد بِخِلَاف الصَّلَاة وَمثل الِاعْتِكَاف صَلَاة التَّحِيَّة فَلَو قَالَ أَذِنت فِي صَلَاة التَّحِيَّة فِي هَذَا الْمحل صَار مَسْجِدا لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي الْمَسْجِد وَلَو بنى الْبقْعَة على هَيْئَة الْمَسْجِد لَا يكون الْبناء كِنَايَة وَإِن أذن فِي الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا فِي موَات فَيصير مَسْجِدا بِمُجَرَّد الْبناء مَعَ النِّيَّة لِأَن اللَّفْظ إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لإِخْرَاج مَا كَانَ فِي ملكه عَنهُ وَهَذَا لَا يدْخل فِي ملك من أَحْيَاهُ مَسْجِدا فَلم يحْتَج للفظ وَصَارَ للْبِنَاء حكم الْمَسْجِد تبعا وَيجْرِي ذَلِك فِي بِنَاء مدرسة أَو رِبَاط وحفر بِئْر وإحياء مَقْبرَة فِي الْموَات بِقصد السَّبِيل
(وَشرط لَهُ) أَي الْوَقْف (تأبيد) فَلَو قَالَ وقفت هَذَا على الْفُقَرَاء أَو على مَسْجِد مثلا سنة مثلا فَوَقفهُ بَاطِل لفساد الصِّيغَة إِذْ وَضعه على التَّأْبِيد سَوَاء فِي ذَلِك طَوِيل الْمدَّة وقصيرها نعم إِن أشبه التَّأْقِيت التَّحْرِير كَقَوْلِه جعلت هَذَا مَسْجِدا سنة صَحَّ مُؤَبَّدًا وَيَنْبَغِي أَن يُقَال لَو وقف على فُقَرَاء ألف سنة أَو نَحْوهَا مِمَّا يبعد بَقَاء الدُّنْيَا إِلَيْهِ صَحَّ نظرا لمقصود اللَّفْظ وَهُوَ التَّأْبِيد دون مَدْلُوله وَهُوَ التَّأْقِيت فَإِن الْمَقْصُود من الْوَقْف قربَة مَحْضَة بِخِلَاف البيع وَالنِّكَاح
(وتنجيز) فَلَا يَصح تَعْلِيق الْوَقْف فِيمَا لَا يضاهي التَّحْرِير كَقَوْلِه إِذا جَاءَ زيد فقد وقفت كَذَا على كَذَا لِأَن الْوَقْف عقد يَقْتَضِي نقل الْملك إِلَى الله تَعَالَى أَو للْمَوْقُوف عَلَيْهِ حَالا كَالْبيع وَالْهِبَة
نعم يَصح تَعْلِيقه بِالْمَوْتِ كَقَوْلِه إِذا مت فداري وقف على كَذَا أَو فقد وقفتها إِذْ الْمَعْنى فاعلموا أَنِّي قد وقفتها بِخِلَاف قَوْله إِذا مت وقفتها وَالْفرق أَن الأول إنْشَاء تَعْلِيق وَالثَّانِي تَعْلِيق إنْشَاء وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ وعد مَحْض
قَالَ السَّيِّد عمر الْبَصْرِيّ
وَالْحَاصِل أَنه إِذا علق الْوَقْف بِمَوْت نَفسه صَحَّ لِأَنَّهُ وَصِيَّة سَوَاء قَالَ إِذا مت فداري وقف أَو فقد وقفتها بِخِلَاف مَا إِذا علقه بِمَوْت غَيره فَلَا يَصح لِأَنَّهُ تَعْلِيق وَلَيْسَ بِوَصِيَّة حَتَّى يغْتَفر فِيهَا التَّعْلِيق لِأَن مَا لَا يقبل التَّعْلِيق من التَّمْلِيك كَالْهِبَةِ إِذا علق بِالْمَوْتِ صَحَّ لِأَنَّهُ وَصِيَّة انْتهى
أما مَا يضاهي التَّحْرِير كَقَوْلِه إِذا جَاءَ رَمَضَان فقد وقفت هَذَا مَسْجِدا فَإِن الْوَقْف يَصح مُؤَبَّدًا كَمَا لَو ذكر فِيهِ شرطا فَاسِدا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعِتْقِ
الرُّكْن الرَّابِع الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَشَرطه إِن كَانَ معينا وَاحِدًا أَو مُتَعَددًا عدم الْمعْصِيَة
стр. 268
وتعيينه (وَإِمْكَان تمْلِيك) من الْوَاقِف فِي الْحَال لِأَن حَقِيقَة الْوَقْف نقل ملك الْمَنَافِع إِلَى الْمَوْقُوف عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ الْملك لله تَعَالَى وتمليك مَا لَا يملك بَاطِل كتمليك الْمَعْدُوم فَلَا يَصح الْوَقْف على حمل لِأَن الْوَقْف تسليط فِي الْحَال وَلَا على نَفسه لتعذر تمْلِيك الْإِنْسَان ملكه لنَفسِهِ لِأَنَّهُ حَاصِل وَيمْتَنع تَحْصِيل الْحَاصِل وَله حيل وأحسنها أَن يُؤجر الْعين مُدَّة طَوِيلَة مَعْلُومَة بِأُجْرَة منجمة ثمَّ يستأجرها لنَفسِهِ تِلْكَ الْمدَّة وَلَا يَصح الْوَقْف على جَمِيع النَّاس وَلَا على بَهِيمَة غير مَوْقُوفَة أما الْمَوْقُوفَة أَو المرصدة فِي سَبِيل الله فَيصح الْوَقْف على عَلفهَا وَكَذَا على حمام مَكَّة وَلَا على العَبْد نَفسه لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للْملك
وَإِنَّمَا صَحَّ على الأرقاء الموقوفين لخدمة نَحْو الْكَعْبَة لِأَن الْقَصْد ثمَّ الْجِهَة وَالْكَلَام هُنَا فِي الْوَقْف على الْمعِين وَلَا يَصح على أحد هذَيْن وَلَا على عمَارَة الْمَسْجِد إِذا لم يُبينهُ وَلَا على مُرْتَد وحربي وَلَو غير آلَة حَرْب لانْتِفَاء قصد الْقرْبَة لِأَنَّهُ لَا بَقَاء لَهما لِأَنَّهُمَا مقتولان بكفرهما
وَلَا يَصح على ميت إِلَّا إِذا كَانَ الْمَيِّت صحابيا أَو وليا فَيصح الْوَقْف إِذا اطرد الْعرف بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ بِقصد الصّرْف فِي مصَالح ضريحه أَو زواره فَإِن إطراد الْعرف قرينَة مُعينَة لإِرَادَة الْوَاقِف بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ تِلْكَ الْجِهَة لَا تَمْلِيكه الْمُمْتَنع كَذَا قَالَه عمر الْبَصْرِيّ وَلَا يَصح الْوَقْف على مَسْجِد سيبنى أَو على وَلَده وَلَا ولد لَهُ أَو على فُقَرَاء أَوْلَاده وَلَا فَقير فيهم وَلَا على الْقِرَاءَة على رَأس قَبره أَو قبر أَبِيه الْحَيّ لانْقِطَاع الأول
وَيصِح الْوَقْف على الْمَعْدُوم تبعا كوقفته على وَلَدي ثمَّ على ولد وَلَدي وَلَا ولد ولد لَهُ وكوقفته على مَسْجِد كَذَا وكل مَسْجِد سيبنى فِي تِلْكَ الْمحلة
وَيصِح الْوَقْف على جِهَة قربَة والفقراء وَالْعُلَمَاء والمساجد والمدارس والكعبة والقناطر وتجهيز الْمَوْتَى فَيخْتَص الْفُقَرَاء بفقراء الزَّكَاة نعم المكتسب كِفَايَته وَلَا مَال لَهُ يجوز أَن يَأْخُذ من ذَلِك الْمَوْقُوف وَيخْتَص الْعلمَاء بأصحاب عُلُوم الشَّرْع كَالْوَصِيَّةِ وَيخْتَص بتجهيز الْمَوْتَى من لَا تَرِكَة لَهُ وَلَا منفق وَيصِح على جِهَة لَا تظهر فِيهَا الْقرْبَة كالأغنياء وَالْمُعْتَمد عِنْد الرَّمْلِيّ أَنه يشْتَرط قبُول فَوْرًا من بطن أول مَوْقُوف عَلَيْهِ معِين لِأَن الْوَقْف تمْلِيك إِن كَانَ أَهلا للقبول وَكَانَ حَاضرا وَإِلَّا فقبول وليه عقب الْإِيجَاب ومتراخيا وَإِن طَال الزَّمن حَيْثُ كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ غَائِبا فَلم يبلغهُ الْخَبَر إِلَّا بعد الطول وَلَا يشْتَرط قبُول من بعد الْبَطن الأول بل الشَّرْط عدم الرَّد فَإِن ردوا بَطل الْوَقْف فِيمَا يخصهم وانتقل لمن بعدهمْ وَيكون كمنقطع الْوسط وَإِن رد الأول بَطل الْوَقْف وَخرج بالمعين الْجِهَة الْعَامَّة وجهة التَّحْرِير كالمسجد فَلَا قبُول فِيهِ جزما
وَلَا يشْتَرط قبُول نَاظر الْمَسْجِد مَا وقف عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا وهب لَهُ
وَمثل الْمَسْجِد الرِّبَاط والمدرسة والمقبرة لمشابهتها لِلْمَسْجِدِ فِي كَون الْحق فِيهَا لله تَعَالَى كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي
وَالْمُعْتَمد عِنْد ابْن حجر أَنه (لَا) يشْتَرط (قبُول وَلَو من معِين) نظرا إِلَى أَن الْوَقْف بِالْقربِ أشبه مِنْهُ بِالْعُقُودِ بل الشَّرْط عدم الرَّد
نعم لَو وقف على وَرَثَة الْحَائِز شَيْئا يخرج من الثُّلُث لزم وَإِن رده
لِأَن الْقَصْد من الْوَقْف دوَام الثَّوَاب للْوَاقِف فَلم يملك الْوَارِث رده وَبَطل وقف مُنْقَطع الِابْتِدَاء كَقَوْلِه
стр. 269
وقفت على من سيولد لي بِخِلَاف مُنْقَطع الْوسط كوقفت على زيد ثمَّ رجل ثمَّ الْفُقَرَاء
ومنقطع الآخر كوقفت على زيد ثمَّ بكر ثمَّ رجل فَإِنَّهُمَا يصحان
(وَلَو انقرض) أَي الْمَوْقُوف عَلَيْهِم أَو جهلت أَرْبَاب الْوَقْف فِي (مُنْقَطع آخر) فالوقف بَاقٍ لِأَن وَضعه على الدَّوَام كَالْعِتْقِ (فمصرفه) أَي الْوَقْف (الْأَقْرَب) أَي أقرب النَّاس (إِلَى الْوَاقِف) حِين الانقراض وَالْمُعْتَبر الْقرب رحما لَا إِرْثا فَيقدم وجوبا ابْن بنت على ابْن عَم وَيعْتَبر فِي أقَارِب الْوَاقِف الْمَذْكُورين الْفقر وَلَا يفضل الذّكر على غَيره فَإِن فقدوا أَو كَانُوا كلهم أَغْنِيَاء صرف الرّيع لمصَالح الْمُسلمين أَو إِلَى الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين وَلَا يخْتَص بفقراء بلد الْوَاقِف وَكَذَا لَو كَانَ الْوَاقِف الإِمَام فَيصْرف وَقفه إِذا انْقَطع الآخر للْمصَالح لَا لأقاربه
وَلَو انْقَطع الأول فِي مُنْقَطع الْوسط فمصرفه من ذكر بعد الْوسط إِن لم يعرف أمد انْقِطَاعه كَرجل مُبْهَم
فَيصْرف الْوَقْف بعد موت الأول لمن ذكر بعد الرجل بِخِلَاف مَا لَو عرف أمد انْقِطَاعه بِأَن كَانَ الْمُتَوَسّط معينا كَعبد زيد نَفسه أَو دَابَّته نَفسهَا ثمَّ الْفُقَرَاء فَإِنَّهُ يكون كمنقطع الآخر فَيَنْصَرِف بعد موت الأول لأَقْرَب رحم الْوَاقِف فَإِن لم يُوجد فَإلَى الأهم من الْمصَالح أَو الْفُقَرَاء
(وَلَو شَرط) أَي الْوَاقِف لملكه (شَيْئا) كَأَن شَرط أَن لَا يُؤجر الْوَقْف أصلا أَو سنة أَو أَن لَا يُؤجر من ذِي شَوْكَة أَو أَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ يسكن فِيهِ بِنَفسِهِ (اتبع) شَرطه فِي غير حَالَة الضَّرُورَة كَسَائِر شُرُوطه الَّتِي لم تخَالف الشَّرْع وَذَلِكَ لما فِيهِ من وجود الْمصلحَة
وَخرج بِغَيْر حَالَة الضَّرُورَة مَا لَو لم يُوجد إِلَّا من لَا يرغب فِيهِ إِلَّا على وَجه مُخَالف لذَلِك فَيجوز لِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يُرِيد تَعْطِيل وَقفه
وَيُؤْخَذ من ذَلِك أَنه لَو وجد من يَأْخُذ بِأُجْرَة الْمثل ويستأجر على مَا يُوَافق شَرط الْوَاقِف وَمن يَطْلُبهُ بِزِيَادَة على أُجْرَة الْمثل فِي إِجَارَة تخَالف شَرط الْوَاقِف عدم الْجَوَاز وَأَنه لَو وجد من يَأْخُذ بِدُونِ أُجْرَة الْمثل ويوافق شَرط الْوَاقِف فِي الْمدَّة وَمن يَأْخُذ بِأُجْرَة الْمثل وَيُخَالف شَرط الْوَاقِف عدم الْجَوَاز أَيْضا رِعَايَة لشرط الْوَاقِف فيهمَا وَالْملك فِي الْمَوْقُوف على جِهَة أَو معِين ينْتَقل إِلَى الله تَعَالَى أَي يَنْفَكّ عَن اخْتِصَاص الْخلق كَالْعِتْقِ فَلَا يكون للْوَاقِف خلافًا للْإِمَام مَالك وَلَا للْمَوْقُوف عَلَيْهِ خلافًا للْإِمَام أَحْمد
وَإِنَّمَا ثَبت الْوَقْف بِشَاهِد وَيَمِين دون بَقِيَّة حُقُوقه تَعَالَى لِأَن الْمَقْصُود ريعه وَهُوَ حق آدَمِيّ كَمَا قَالَ
(ولموقوف عَلَيْهِ ريع) وَهُوَ فَوَائِد الْمَوْقُوف الْحَادِثَة بعد الْوَقْف كَأُجْرَة وَثَمَرَة وَولد وَمهر بِوَطْء أَو نِكَاح فَإِنَّهَا ملك للْمَوْقُوف عَلَيْهِ يتَصَرَّف فِيهَا تصرف الْملاك لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَقْصُود من الْوَقْف وَعَلِيهِ زَكَاتهَا فيستوفي مَنَافِعه بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ بإعارة أَو إِجَارَة إِن كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ نَاظرا وَإِلَّا امْتنع عَلَيْهِ نَحْو الْإِجَارَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتعاطى ذَلِك إِلَّا النَّاظر أَو نَائِبه وَذَلِكَ كَسَائِر الْأَمْلَاك وَالثَّمَرَة الْمَوْجُودَة حَال الْوَقْف للْوَاقِف إِن كَانَت مؤبرة وَإِلَّا فَهِيَ مَوْقُوفَة كالحمل الْمُقَارن لحالة الْوَقْف وَولد الْأمة من شُبْهَة حر فعلى أَبِيه قِيمَته ويملكها الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلَا يطَأ الْمَوْقُوفَة إِلَّا زوج
стр. 270
فَإِن وَطئهَا الْوَاقِف أَو الْمَوْقُوف عَلَيْهِ حدا بِخِلَاف الْمُوصى لَهُ بمنفعتها والمزوج للموقوفة هُوَ الْحَاكِم بِإِذن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلَا يُزَوّجهَا لَهُ وَلَا للْوَاقِف وَولد الْمحبس فِي سَبِيل الله وقف كَأَصْلِهِ من غير إنْشَاء وقف وَهَذَا إِن أطلق أَو شَرط ذَلِك للْمَوْقُوف عَلَيْهِ فالموقوفة على ركُوب إِنْسَان فوائدها من لبن وصوف وَشعر ووبر للْوَاقِف ومؤنها عَلَيْهِ أَيْضا لِأَنَّهُ لم يَجْعَل مِنْهَا للْمُسْتَحقّ إِلَّا الرّكُوب فَكَأَنَّهَا بَاقِيَة على ملكه وَلَا يملك الْمَوْقُوف عَلَيْهِ قيمَة الْمَوْقُوف إِذا أتْلفه وَاقِف أَو أَجْنَبِي أَو مَوْقُوف عَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي بل يَشْتَرِي بهَا مثله سنا وجنسا وَغَيرهمَا ليَكُون وَقفا مَكَانَهُ مُرَاعَاة لغَرَض الْوَاقِف وَبَقِيَّة الْبُطُون وَالْمُشْتَرِي لذَلِك هُوَ الْحَاكِم وَإِن كَانَ للْوَقْف نَاظر خَاص
ثمَّ بعد شِرَائِهِ لَا بُد من إنْشَاء وَقفه
أما مَا اشْتَرَاهُ النَّاظر من مَاله أَو من ريع الْوَقْف أَو يعمره من ذَلِك مُسْتقِلّا كبناء بَيت لِلْمَسْجِدِ فالمنشىء لوقفه النَّاظر
أما إِذا لم يَتَعَدَّ الْمَوْقُوف بِإِتْلَاف الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَلَا يكون ضَامِنا كَمَا لَو وَقع مِنْهُ كوز سَبِيل على حَوْض فانكسر من غير تَقْصِير
(وَلَا يُبَاع مَوْقُوف وَإِن خرب) كشجرة جَفتْ أَو قلعتها نَحْو ريح ودابة زمنت وَمَسْجِد انْهَدم وتعذرت إِعَادَته إدامة للْوَقْف فِي عينه وَلِأَنَّهُ يُمكن الِانْتِفَاع بِأَرْض الْمَسْجِد كَصَلَاة واعتكاف وبجذع الشَّجَرَة بِإِجَارَة وَغَيرهَا وبلحم الدَّابَّة إِن أكلت وَلَو مَاتَت ودبغ جلدهَا عَاد وَقفا
فَلَو لم يكن الِانْتِفَاع بجذع الشَّجَرَة إِلَّا باستهلاكها بإحراق وَنَحْوه صَارَت ملكا للْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَكِنَّهَا لَا تبَاع وَلَا توهب بل ينْتَفع بِعَينهَا
وَالْحَاصِل من هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه حَيْثُ تعذر الِانْتِفَاع بهَا من الْجِهَة الَّتِي وقفت عَلَيْهَا صَارَت ملكا للْمَوْقُوف عَلَيْهِ بِمَعْنى أَنه ينْتَفع بهَا كانتفاع الْملاك بِغَيْر البيع وَالْهِبَة وَإِن لم يتَعَذَّر الِانْتِفَاع بهَا من الْجِهَة الَّتِي قصدت بِالْوَقْفِ لَا ينْتَفع بهَا الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لنَفسِهِ بل ينْتَفع بهَا من الْجِهَة الْمَذْكُورَة وَإِن لم يكن على الْوَجْه الْأَكْمَل وَهَذَا بِخِلَاف حصر الْمَسْجِد الْمَوْقُوفَة البالية وجذوعه المنكسرة أَو الْقَرِيبَة الانكسار فَإِنَّهُ يجوز بيعهمَا لِئَلَّا يضيعا وَيَشْتَرِي بثمنهما مثلهمَا
أما الْحصْر الْمَوْهُوبَة لِلْمَسْجِدِ أَو الْمُشْتَرَاة لَهُ من غير وقف لَهَا فتباع جزما للْحَاجة وَتصرف على مصَالح الْمَسْجِد وَلَا يتَعَيَّن صرفهَا فِي شِرَاء حصر بدلهَا وَلَا يجوز استبدال الْمَوْقُوف عندنَا وَإِن خرب خلافًا للحنفية
وَصورته عِنْدهم أَن يكون الْمحل قد آل إِلَى السُّقُوط فيبدل بِمحل آخر أحسن مِنْهُ بعد حكم حَاكم يرى صِحَّته وَعمارَة الْوَقْف مُقَدّمَة على الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَيصرف ريع مَا وقف على الْمَسْجِد وَقفا مُطلقًا أَو على عِمَارَته فِي بِنَاء وتجصيص مُحكم وَسلم ومكانس ومساح لنقل التُّرَاب وظلة تمنع إِفْسَاد خشب بَاب وَنَحْوه بمطر وَنَحْوه إِن لم يضر بالمارة وَأُجْرَة قيم وَكَذَا يصرف ذَلِك الرّيع للمؤذن وَالْإِمَام والحصر والدهن إِذا كَانَ الْوَقْف وَقفا مُطلقًا وَلأَهل الْوَقْف الْمُهَايَأَة لَا قسمته إِن حصل بهَا تَغْيِير لما كَانَ عَلَيْهِ الْوَقْف وَلَا تَغْيِير هَيئته كجعل الْبُسْتَان دَارا عَكسه مَا لم يشرط الْوَاقِف الْعَمَل بِالْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا فَيجوز تَغْيِير الْوَقْف
стр. 271
بحسبها
قَالَ السُّبْكِيّ يجوز تَغْيِيره فِي غير صُورَة الشَّرْط بِثَلَاثَة شُرُوط أَن يكون يَسِيرا لَا يُغير مُسَمَّاهُ وَأَن لَا يزِيل شَيْئا من عينه بل يَنْقُلهُ من جَانب إِلَى آخر
وَأَن يكون فِيهِ مصلحَة للْوَقْف فَلَو أَن شخصا أَرَادَ عمَارَة جَامع خرب بِآلَة جَدِيدَة غير آلَته وَرَأى الْمصلحَة فِي جعل بَابه من مَحل آخر غير الْمحل الأول لكَونه بجوار من يمْنَع الِانْتِفَاع بِهِ على الْوَجْه الْمُعْتَاد جَازَ لَهُ ذَلِك لِأَن فِيهِ مصلحَة أَي مصلحَة للجامع وَالْمُسْلِمين وَلَو خربَتْ الْبَلَد وَكَانَ فِيهَا مَسْجِد وَعمر مَسْجِد بِمحل آخر جَازَ نقل وَقفه للمحل الآخر حَيْثُ تعذر إجراؤه على الْمَسْجِد الأول بِأَن لم يصل فِيهِ أحد
وَيجوز هدم جدران الْمَسْجِد لإصابة الْقبْلَة كَمَا يجوز توسيعه فَإِن الْمَسْجِد الْحَرَام قد وسع مرَارًا
(وَلَو) كَانَ الْوَقْف للِاسْتِغْلَال لم يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا النَّاظر الْخَاص أَو الْعَام أَو لينْتَفع بِهِ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَأطلق أَو قَالَ كَيفَ شَاءَ فَلهُ اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِأَن يركبه الدَّابَّة مثلا ليقضي لَهُ عَلَيْهَا حَاجَة ثمَّ إِن (شَرط وَاقِف نظرا لَهُ) أَي الْوَاقِف نَفسه (أَو لغيره اتبع) كَسَائِر شُرُوطه وَقبُول من شَرط لَهُ النّظر كقبول الْوَكِيل لَا الْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِلَّا أَن يشرط لَهُ شَيْء من مَال الْوَقْف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يشرطه لأحد بِأَن لم يعلم شَرطه لأحد سَوَاء علم شَرطه أَو جهل الْحَال (فلقاض) أَي فالنظر لقَاضِي بلد الْمَوْقُوف بِالنِّسْبَةِ لحفظه وَنَحْو إِجَارَته ولقاضي بلد الْمَوْقُوف عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لما عدا ذَلِك نَظِير مَال الْيَتِيم إِذْ نظره عَام فَهُوَ أولى من غَيره وَلَو وَاقِفًا مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ شخصا معينا وَشرط النَّاظر وَإِن كَانَ هُوَ الْوَاقِف الْعَدَالَة الْبَاطِنَة وَلَو امْرَأَة سَوَاء ولاه الْوَاقِف أَو الْحَاكِم والكفاية لما تولاه من نظر خَاص أَو عَام وَهِي الاهتداء إِلَى التَّصَرُّف الْمُفَوض إِلَيْهِ
ووظيفته عِنْد الْإِطْلَاق حفظ الْأُصُول والغلات على وَجه الِاحْتِيَاط وَالْإِجَارَة بِأُجْرَة الْمثل والعمارة وَكَذَا الِاقْتِرَاض على الْوَقْف عِنْد الْحَاجة إِن شَرطه لَهُ الْوَاقِف أَو أذن لَهُ القَاضِي وَتَحْصِيل الْغلَّة وقسمتها على مستحقيها وَيلْزمهُ رِعَايَة زمن عينه الْوَاقِف وَيسْتَحق النَّاظر مَا شَرط من الْأُجْرَة وَإِن زَادَت على أُجْرَة مثله مَا لم يكن هُوَ الْوَاقِف فَإِن لم يشرط لَهُ شَيْء فَلَا أُجْرَة لَهُ
بَاب فِي الْإِقْرَار
وَهُوَ إِخْبَار خَاص عَن حق سَابق للْغَيْر على الْمخبر أَو عِنْده فَإِن كَانَ الْإِخْبَار لَهُ على غَيره فدعوى أَو لغيره على غَيره فشهادة
أما الْإِخْبَار الْعَام عِنْد أَمر محسوس فَهُوَ الرِّوَايَة أَو عَن أَمر شَرْعِي فَإِن كَانَ فِيهِ إِلْزَام فَحكم وَإِلَّا ففتوى
وأركانه أَرْبَعَة مقرّ وَصِيغَة ومقر لَهُ ومقر بِهِ
الأول الْمقر
وَشَرطه تَكْلِيف وَاخْتِيَار وَعدم الْحجر فَحِينَئِذٍ (يُؤَاخذ بِإِقْرَار مُكَلّف مُخْتَار)
стр. 272
غير مَحْجُور عَلَيْهِ وَلَو كَافِرًا أَو فَاسِقًا وَإِن أقرّ بِجِنَايَة وَقعت مِنْهُ قبل رشده وَكَذَا سَكرَان مُتَعَدٍّ بسكره وَإِن كَانَ غير مُكَلّف لَا صبي وَمَجْنُون ومغمى عَلَيْهِ وسكران لم يَتَعَدَّ ومكره أقرّ بِمَا أكره ومفلس أقرّ بدين غير دين الْجِنَايَة فِي حكم غُرَمَائه إِن أسْند وُجُوبه بعد أول الْحجر وسفيه إِلَّا فِي نذر قربَة بدنية أَو فِي نفس التَّدْبِير بِأَن قَالَ قلت لعبدي أَنْت حر بعد موتِي وَفِي وَصِيَّة وحد وقود وَطَلَاق وخلع وظهار وإيلاء ورجعة وَنفي نسب واستلحاق لَهُ وَإِنَّمَا صَحَّ إِقْرَار السَّفِيه بِهَذِهِ الْمَذْكُورَات لِأَنَّهُ يَصح مِنْهُ إنشاؤها وَيقبل إِقْرَارا لرقيق بِسَبَب عُقُوبَة كقود وزنا وَشرب خمر وسرقة بِالنِّسْبَةِ للْقطع
وَأما المَال فَيثبت فِي ذمَّته تَالِفا كَانَ أَو بَاقِيا
الرُّكْن الثَّانِي الصِّيغَة (و) حِينَئِذٍ (شَرط فِيهِ) أَي الْإِقْرَار (لفظ) يشْعر بالالتزام وَفِي مَعْنَاهُ الْكِتَابَة مَعَ النِّيَّة وَإِشَارَة الْأَخْرَس ثمَّ الِالْتِزَام إِمَّا بدين أَو عين فللإقرار بِالدّينِ صِيغ (ك) قَوْله (عَليّ) لزيد كَذَا أَو فِي ذِمَّتِي كَذَا لِأَنَّهُ الْمُتَبَادر من هذَيْن اللَّفْظَيْنِ عرفا لكِنهمْ قبلوا التَّفْسِير فِي قَوْله عَليّ بالوديعة فَلَو أَرَادَ بهما الْعين صدق فِي عَليّ فَقَط
وللإقرار بِالْعينِ صِيغ كَقَوْلِه لدي (أَو عِنْدِي كَذَا) وَقيل لدي للحاضر وَعِنْدِي لَهُ وللغائب أَو معي لزيد ألف فَلَو ادّعى وَدِيعَة وَأَنَّهَا تلفت أَو أَنه ردهَا بعد ذَلِك فِي زمن يُمكن فِيهِ الرَّد صدق بِيَمِينِهِ وَحمل على الْوَدِيعَة عِنْد الْإِطْلَاق لِأَنَّهَا أدنى الْمَرَاتِب وَإِن قبل تَفْسِيره بالمغصوبة وَنَحْوهَا وَكَذَا بِالدّينِ لِأَنَّهُ أغْلظ وَقَوله لزيد كَذَا فِي قبلي بِكَسْر فَفتح صَالح للعين وَالدّين وَقَوله لزيد كَذَا إِقْرَار لَكِن مَحَله فِي الْعين وَإِلَّا فَلَا بُد أَن يضيف إِلَيْهِ نَحْو عَليّ فَإِن أَتَى بِلَفْظ يدل عَلَيْهِمَا كَقَوْلِه عَليّ وَمَعِي عشرَة فَيرجع إِلَيْهِ فِي تَفْسِير بعض ذَلِك بِالْعينِ وَبَعضه بِالدّينِ (و) كَقَوْلِه (نعم) وبلى وَأجل وجير وإي بِكَسْر الْهمزَة وصدقت بِفَتْح التَّاء (وأبرأتني) وأبرئني مِنْهُ (وَقَضيته) بالضمير وَكَذَلِكَ بِدُونِهِ وأقضى غَدا وَأَنا مقرّ بِهِ وَلَا أنكر مَا تدعى بِهِ وَذَلِكَ كُله (لجواب) من قَالَ لَهُ (أَلَيْسَ لي) عَلَيْك ألف مثلا أَو هَل لي عَلَيْك مائَة مِثَالا (أَو) لجواب من قَالَ لَهُ (لي عَلَيْك كَذَا) من غير اسْتِفْهَام وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين النَّحْوِيّ وَغَيره لخفائه على كثير من النُّحَاة أَو قَالَ فِي جَوَاب ذَلِك أمهلني فِي ذَلِك أَو حَتَّى أقعد أَو أفتح الْكيس أَو أجد الْمِفْتَاح أَو الدَّرَاهِم مثلا
الرُّكْن الثَّالِث الْمقر لَهُ
وَيشْتَرط فِيهِ تَعْيِينه بِحَيْثُ يُمكن مُطَالبَته وأهلية اسْتِحْقَاق الْمقر بِهِ حسا وَشرعا وَعدم تَكْذِيبه الْمقر فِي إِقْرَاره بِأَن صدقه أَو سكت وَإِلَّا بَطل فِي حَقه دون غَيره فَيصح الْإِقْرَار بقوله لأحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مثلا عَليّ كَذَا بِخِلَاف قَوْله لأحد أهل هَذَا الْبَلَد وَيصِح بقوله عَليّ بِسَبَب هَذِه الدَّابَّة لمَالِكهَا كَذَا وَبِقَوْلِهِ لحمل هِنْد كَذَا عَليّ أَو عِنْدِي
стр. 273
بِإِرْث من نَحْو أَبِيه أَو وَصِيَّة لَهُ بِخِلَاف قَوْله لهَذِهِ الدَّابَّة عَليّ كَذَا وَقَوله لمن أعْتقهُ عقب إِعْتَاقه لَهُ عَليّ ألف فَلَا يَصح لاستحالته أَو بعد ثُبُوته
الرُّكْن الرَّابِع الْمقر بِهِ (و) شَرط (فِي مقرّ بِهِ) أَن يكون مِمَّا تجوز بِهِ الْمُطَالبَة و (أَن لَا يكون) ملكا (لمقر) حَقِيقَة أَي بِأَن لَا يَأْتِي فِي لفظ الْإِقْرَار بِمَا يدل على أَنه ملك للْمقر فَالْعِبْرَة فِي الْبَاطِن بِمَا فِي نفس الْأَمر فَلَو قَالَ هَذِه الدَّار لزيد وَلم تكن لزيد لم يَصح الْإِقْرَار وَلَو قَالَ دَاري الَّتِي ملكتها لزيد وَكَانَت لَهُ فِي نفس الْأَمر فَهُوَ إِقْرَار صَحِيح وَلَا يَصح الْإِقْرَار بِمَا لَا يُمكن إنشاؤه كإقراره بِعِتْق رَقِيق غَيره لَكِن لَو أقرّ بحريّة عبد معِين فِي يَد غَيره أَو شهد بهَا ثمَّ اشْتَرَاهُ لنَفسِهِ أَو ملكه بِوَجْه آخر حكم بحريَّته بعد انْقِضَاء مُدَّة خِيَار البَائِع فَترفع يَد المُشْتَرِي عَنهُ
أما لَو اشْتَرَاهُ لمُوكلِه لم يحكم بحريَّته لِأَن الْملك يَقع ابْتِدَاء للْمُوكل
(وَصَحَّ إِقْرَار من مَرِيض) مرض الْمَوْت بِمَال أَو غَيره (وَلَو لوَارث) حَال الْمَوْت وَإِن كذبه بَقِيَّة الْوَرَثَة أَو بَعضهم لِأَن الظَّاهِر أَنه محق مَعَ أَنه انْتهى إِلَى حَالَة يصدق فِيهَا الكذوب وَيَتُوب فِيهَا الْفَاجِر وَلَو أقرّ فِي صِحَّته بدين لشخص وَفِي مَرضه بدين لشخص آخر لم يقدم الأول بل يتساويان كَمَا لَو أقرّ بهما فِي الصِّحَّة أَو الْمَرَض وَكَذَا لَو أقرّ بدين لشخص وَأقر وَارثه بعد مَوته بدين لآخر فَلَا يقدم الأول
أما لَو كَانَ الإقراران بِعَين كَأَن قَالَ الْمُورث هَذَا العَبْد لزيد وَقَالَ الْوَارِث بعد مَوته هَذَا لخَالِد وَجب عَلَيْهِ تَسْلِيم الْمقر بِهِ لزيد وَيغرم لخَالِد قِيمَته
(و) صَحَّ إِقْرَار (بِمَجْهُول) لأي شخص كَانَ إِجْمَاعًا ابْتِدَاء كَانَ أَو جَوَابا لدعوى لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن حق سَابق فَيَقَع مُجملا ومفصلا وَالْمرَاد بِالْمَجْهُولِ مَا يعم الْمُبْهم كَأحد الْعَبْدَيْنِ
وَيجب على الْمقر تَفْسِيره فَإِن فسره بِمَا يقبل فَذَاك وَاضح وَإِلَّا طُولِبَ بِالْبَيَانِ وَحبس عَلَيْهِ إِن امْتنع فَلَو قَالَ مَا يَدعِيهِ زيد فِي تركتي فَهُوَ حق صَحَّ الْإِقْرَار وعينه الْوَارِث وَلَو قَالَ لَهُ على شَيْء قبل تَفْسِيره بِكُل مَا يتمول وَإِن قل وَكَذَا بِمَا لَا يتمول إِذا كَانَ من جنس مَا يتَّخذ مَالا كحبة حِنْطَة وَكَذَا بِنَجس يحل اقتناؤه ككلب معلم لحراسة أَو صيد أَو قَابل للتعليم وميتة لمضطر وكل نجس يقتني كَمَا يقبل تَفْسِيره بِحَق شُفْعَة وحد قذف ووديعة وَلَو قَالَ لَهُ على حق قبل تَفْسِيره بالعيادة ورد السَّلَام كَمَا قالهالبغوي خلافًا للْقَاضِي حُسَيْن حَيْثُ قَالَ لَا يَصح تَفْسِيره بهما كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار وَلَو أقرّ بِمَال مُطلق أَو مَال عَظِيم أَو كَبِير أَو كثير أَو نَفِيس قبل تَفْسِيره بِمَا قل من المَال وَإِن لم يتمول كحبة بر وقمع باذنجانة صَالح للْأَكْل وَإِلَّا فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَلَا من جنسه (و) صَحَّ إِقْرَار (نسب ألحقهُ بِنَفسِهِ) من غير وَاسِطَة كَهَذا أبي وَابْني بِشُرُوط خَمْسَة الأول أَن يكون الْإِلْحَاق (بِشَرْط إِمْكَان) فِي اللحوق فَلَا يثبت بالاستلحاق إِلَّا نسب مَجْهُول مُمكن كَونه ولد الْمقر بِأَن يكون غير مَمْسُوح وَأَن يكون فِي سنّ يتَصَوَّر كَونه مِنْهُ وَإِلَّا لم يلْحقهُ لِأَن الْحس يكذبهُ
стр. 274
(و) الثَّانِي أَن يكون مصاحبا مَعَ (تَصْدِيق مستلحق) بِفَتْح الْحَاء وَهُوَ الْمقر بِهِ إِن كَانَ أَهلا للتصديق بِأَن كَانَ بَالغا عَاقِلا حَيا فَإِن كذب الْمُكَلف الْمقر أَو قَالَ لَا أعلم أَو سكت وأصر لم يثبت نسبه مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَة أَو يَمِين مَرْدُودَة كَبَقِيَّة الْحُقُوق وَلَا يعرض على الْقَائِف
وَالثَّالِث أَن لَا يعلم نسب الْمُسْتَلْحق لغير الْمقر فَلَا يثبت بالاستلحاق إِلَّا نسب مَجْهُول لَا مَعْلُوم من فرَاش نِكَاح صَحِيح وَإِن صدقه الْمقر بِهِ لِأَن النّسَب الثَّابِت من شخص لَا ينْتَقل لغيره وَلَا يَصح استلحاق ولد الزِّنَا وَلَا يَصح لغير ناف استلحاق منفي عَن فرَاش نِكَاح صَحِيح فَخرج النِّكَاح الْفَاسِد وَوَطْء الشُّبْهَة فلغير النَّافِي استلحاق منفي فيهمَا
وَالرَّابِع أَن يكون الْمقر بِهِ الْمُسْتَلْحق حرا لَا وَلَاء عَلَيْهِ فَلَا يستلحق إِلَّا من لم يرق دون قن الْغَيْر أَو عتيقه الصَّغِير أَو الْمَجْنُون مُطلقًا وَدون الْمُكَلف إِن كذبه أَو سكت مُحَافظَة على حق الْوَلَاء للسَّيِّد بِخِلَاف الْمُصدق لَكِن العَبْد الْمُصدق بَاقٍ على رقّه
إِذْ لَا تنَافِي بَين النّسَب وَالرّق
وَالْخَامِس الذُّكُورَة والتكليف وَالِاخْتِيَار للْمقر فَلَا يثبت النّسَب إِلَّا بِإِقْرَار مُكَلّف مُخْتَار وَلَو كَافِرًا سَفِيها قِنَا وَكَذَا السَّكْرَان ذكر لَا امْرَأَة خلية أَو مُزَوّجَة لِإِمْكَان إِثْبَات الْولادَة بِالْبَيِّنَةِ (وَلَو أقرّ بِبيع) مثلا (أَو هبة وإقباض) بعد الْهِبَة (فَادّعى فَسَاده لم يقبل) أَي بِالنِّسْبَةِ لسُقُوط الْحق وَإِن قَالَ ظَنَنْت صِحَّته لِأَن الِاسْم عِنْد الْإِطْلَاق يحمل على الصَّحِيح
نعم يقبل مدعي الْفساد لتحليف الْمقر لَهُ كَمَا لَو أقرّ بِقَبض نَحْو قرض أَو ثمن مَبِيع فَإِن نكل عَن الْحلف حلف الْمقر أَن ذَلِك كَانَ فَاسِدا وَحكم بِالْفَسَادِ وَثَبت مَا ادَّعَاهُ لِأَن الْيَمين الْمَرْدُودَة كَالْإِقْرَارِ وَخرج بقوله وإقباض مَا لَو اقْتصر على الْإِقْرَار بِالْهبةِ فَإِن الْإِقْرَار بِالْهبةِ وَالْملك لَيْسَ إِقْرَارا بِالْقَبْضِ إِلَّا إِن كَانَ الْمقر بِهِ بيد الْمقر لَهُ وَلَو قَالَ وهبته لَهُ وَقَبضه بِغَيْر رضاي صدق بِيَمِينِهِ لِأَن الأَصْل عدم الرِّضَا وَقبل فِي الْإِقْرَار اسْتثِْنَاء مُتَّصِل بالمستثنى مِنْهُ إِن قَصده قبل فرَاغ الْإِقْرَار وَلم يسْتَغْرق الْمُسْتَثْنى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وسَمعه من بِقُرْبِهِ وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء من نفي فَإِنَّهُ من النَّفْي إِثْبَات وَمن الْإِثْبَات نفي فَلَو قَالَ لزيد عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة إِلَّا ثَمَانِيَة لزمَه تِسْعَة إِذْ الْمَعْنى إِلَّا تِسْعَة لَا تلزمني إِلَّا ثَمَانِيَة تلزمني فتضم الثَّمَانِية إِلَى الْوَاحِد الْبَاقِي من الْعشْرَة فَإِن قَالَ مَعَ ذَلِك إِلَّا سَبْعَة وَهَكَذَا إِلَى الْوَاحِد لزمَه خَمْسَة
وَطَرِيق ذَلِك أَن تجمع كل مُثبت وكل منفي وَتسقط هَذَا من ذَاك فالباقي هُوَ الْوَاجِب فمثبت هَذِه الصُّورَة ثَلَاثُونَ ومنفيها خَمْسَة وَعِشْرُونَ أسقطها مِنْهَا تبْق خَمْسَة
فَائِدَة لَو قَالَ لزيد عَليّ عشرَة وَثلث مَا لبكر ولبكر عشرَة وَثلث مَا لزيد فَهُوَ إِقْرَار مَجْهُول لِأَن مَجْمُوع الْمقر بِهِ مَجْهُول
فحساب هَذِه الْمَسْأَلَة بطرِيق الْعدَد أَن تضرب مقَام الثُّلُث فِي مثله وَهُوَ ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة وتضرب بَسطه فِي مثله وَهُوَ وَاحِد فِي وَاحِد وتطرح أقل الحاصلين من أكبرهما فَيكون الْفضل بَينهمَا ثَمَانِيَة وَهُوَ الإِمَام ثمَّ تزيد على عشرَة كل ثلث عشرَة الآخر فيجتمع ثَلَاثَة عشر وَثلث ولنسمه معدلا اصْطِلَاحا فَيكون نِسْبَة الإِمَام إِلَى الْمعدل كنسبة مسطح المقامين وَهُوَ تِسْعَة إِلَى الْمَطْلُوب فالمجهول الرَّابِع فَاضْرب الْمعدل فِي مسطح المقامين واقسم الْحَاصِل وَهُوَ مائَة وَعِشْرُونَ
стр. 275
على الإِمَام يخرج خَمْسَة عشر وَذَلِكَ جملَة مَا لكل مِنْهُمَا
وحسابها بالجبر والمقابلة أَن تَقول قدر الْمَعْطُوف على عشرَة كل مِنْهُمَا مَجْهُول فتفرضه شَيْئا فجملة الْمقر بِهِ كل مِنْهُمَا عشرَة وَشَيْء فثلث ذَلِك وَهُوَ ثَلَاثَة وَثلث وَثلث شَيْء يعدل الشَّيْء الْمَفْرُوض فاطرح الْمُشْتَرك يبْق ثَلَاثَة وَثلث تعدل ثُلثي شَيْء فاقسم مَبْسُوط الثَّلَاثَة وَالثلث وَهُوَ عشرَة على مَبْسُوط الثُّلثَيْنِ وَهُوَ اثْنَان يخرج خَمْسَة وَهُوَ قدر الْمَعْطُوف على الْعشْرَة فَيكون لكل مِنْهُمَا خَمْسَة عشر
وحسابها بطرِيق الخطأين أَن تفرض لزيد مَا شِئْت فَكَأَنَّهُ ثَمَانِيَة عشر فَيكون لبكر ثلثهَا على عشرته فَيكون جملَة مَاله سِتَّة عشر وَيجب أَن يكون لزيد مثل ثلثهَا فيجتمع لَهُ خَمْسَة عشر وَثلث وَكُنَّا فَرضنَا لَهُ ثَمَانِيَة عشر فالخطأ بِاثْنَيْنِ وثلثين وَهُوَ بِالنُّقْصَانِ فاحفظه ثمَّ افْرِضْ لَهُ عددا آخر فَكَأَنَّهُ أحد وَعِشْرُونَ فَإِذا حملت ثلثهَا على عشرَة بكر ثمَّ ثلث الْمُجْتَمع وَهُوَ خَمْسَة وَثُلُثَانِ على عشرَة زيد كَانَ لَهُ خَمْسَة عشر وَثُلُثَانِ وَكُنَّا فَرضنَا لَهُ أحدا وَعشْرين فالخطأ بِخَمْسَة وَثلث وَهُوَ أَيْضا بِالنُّقْصَانِ فَاضْرب الْمَفْرُوض الأول فِي الْخَطَأ الثَّانِي والمفروض الثَّانِي فِي الْخَطَأ الأول واقسم الْفضل بَين الحاصلين وَهُوَ أَرْبَعُونَ على الْفضل بَين الخطأين وَهُوَ اثْنَان وَثُلُثَانِ يخرج الْمَطْلُوب
بَاب فِي الْوَصِيَّة
وَهِي لُغَة الإيصال لِأَن الْمُوصي وصل خير عقباه أَي انتفاعه بالثواب الْحَاصِل بِالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ بِخَير دُنْيَاهُ أَي نَفعه فِي دُنْيَاهُ بِالْمَالِ وَلِأَنَّهُ وصل الْقرْبَة الْوَاقِعَة بعد الْمَوْت بالقربات المنجزة فِي حَيَاته
وَشرعا تبرع بِحَق مَنْسُوب اسْتِحْقَاقه وَأَخذه لما بعد الْمَوْت لَيْسَ بتدبير وَلَا تَعْلِيق عتق بِصفة غير موت السَّيِّد يُوجد مَعَ الْمَوْت سَوَاء كَانَ نسبته لما بعد الْمَوْت حَقِيقَة كَقَوْلِه أوصيت لزيد بِكَذَا بعد موتِي أَو تَقْديرا كَقَوْلِه أوصيت لَهُ بِكَذَا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة لَهُ بعد موتِي كَذَا
وَالْأَصْل فيهمَا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع قَالَ تَعَالَى فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من الْقُرْآن ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَقَالَ ﷺ المحروم من حرم الْوَصِيَّة من مَاتَ على وَصِيَّة مَاتَ على سَبِيل وَسنة وتقى وَشَهَادَة وَمَات مغفورا لَهُ
وَالْوَصِيَّة سنة مُؤَكدَة فِيمَا دون الثُّلُث لغير الْوَارِث وَتكره فِي الزَّائِد وَقت الْوَصِيَّة لَا وَقت الْمَوْت إِذْ لَا نعلم حَال المَال وَقت الْمَوْت ويتوقف تنفيذه على إجَازَة الْوَرَثَة بعد الْمَوْت
أما للْوَارِث فمباحة فِي الثُّلُث أَو غَيره ويتوقف على الْإِجَازَة مُطلقًا روى الإِمَام أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة فَإِذا جَار فِي وَصيته فيختم لَهُ بِسوء عمله فَيدْخل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيدْخل الْجنَّة
وَاعْلَم أَن صَدَقَة الشَّخْص صَحِيحا ثمَّ حَيا أفضل من صدقته مَرِيضا وَبعد الْمَوْت وَيَنْبَغِي أَن لَا
стр. 276
يغْفل عَن الْوَصِيَّة سَاعَة
قَالَ الْعَلامَة الحفني وَالَّذِي لم يوص من أبخل البخلاء لِأَنَّهُ بخل بِشَيْء يكون بعد مَوته
وأركان الْوَصِيَّة أَرْبَعَة موص وموصى لَهُ وموصى بِهِ وَصِيغَة وَشرط فِي الْمُوصي تَكْلِيف وحرية وَاخْتِيَار وَلَو كَانَ كَافِرًا حَرْبِيّا أَو غَيره وَإِن اسْترق بعد الْوَصِيَّة حَيْثُ عتق قبل مَوته أَو مَحْجُور سفه كَمَا يَقع من الْوَصِيَّة من الْمَرْأَة للغاسلة بِخَاتم أَو نَحوه أَو فلس كَمَا قَالَ (تصح وَصِيَّة مُكَلّف حر) مُخْتَار وَلَا بُد من وجود هَذِه الْأَوْصَاف عِنْد الْوَصِيَّة وَذَلِكَ لصِحَّة عبارتهم واحتياجهم للثَّواب الشَّامِل للتَّخْفِيف من عَذَاب غير الْكفْر فِي حق الْكَافِر والسكران كالمكلف وَإِن لم يكن تَمْيِيز فَلَا تصح الْوَصِيَّة من صبي وَمَجْنُون ومغمى عَلَيْهِ ورقيق وَلَو مكَاتبا ومكره كَسَائِر الْعُقُود لعدم ملك الرَّقِيق أَو ضعفه وَشرط فِي الْمُوصى لَهُ عدم الْمعْصِيَة وَعدم الْكَرَاهَة فِي الْوَصِيَّة لَهُ بِأَن تكون الْوَصِيَّة (لجِهَة حل) سَوَاء كَانَ الْمُوصى لَهُ جِهَة عَامَّة أَو غَيرهَا فَلَا تصح الْوَصِيَّة لكَافِر بِعَبْد مُسلم ومرتد ومصحف وَكتب علم فِيهَا آثَار السّلف لكَونهَا مَعْصِيّة إِذا بَقِي الْمُوصى لَهُ على الْكفْر إِلَى موت الْمُوصي
ثمَّ إِن كَانَت الْوَصِيَّة على غير جِهَة اشْترط فِي الْمُوصى لَهُ أَيْضا كَونه مَوْجُودا مَعْلُوما أَهلا للْملك فَلَا تصح الْوَصِيَّة لحمل سيحدث وَإِن حدث قبل موت الْمُوصي لِأَنَّهَا تمْلِيك وتمليك الْمَعْدُوم مُمْتَنع وَلَا تصح لأحد هذَيْن الرجلَيْن لِأَن الْملك لَا يتَصَوَّر للمبهم مَا دَامَ على إبهامه وَلذَلِك صَحَّ أَن يَقُول أعْطوا هَذَا لأحد هذَيْن لِأَنَّهُ تَفْوِيض لغيره وَهُوَ إِنَّمَا يعْطى معينا كَمَا صَحَّ قَوْله لوَكِيله بِعْهُ لأَحَدهمَا وَلَا تصح لمَيت لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للْملك وَلَا لدابة غير مَوْقُوفَة لذَلِك إِلَّا إِن فسر الْوَصِيَّة لَهَا بِالصرْفِ فِي عَلفهَا فَتَصِح لِأَن عَلفهَا على مَالِكهَا فَهُوَ الْمَقْصُود بِالْوَصِيَّةِ فَيشْتَرط قبُوله وَيتَعَيَّن الصّرْف إِلَى جِهَة الدَّابَّة رِعَايَة لغَرَض الْمُوصي وَلَا يسلم عَلفهَا للْمَالِك بل يصرفهُ الْوَصِيّ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُوصي فَإِن لم يكن فَالْقَاضِي وَلَو بنائبه وَشَمل قَوْله لجِهَة حل الْقرْبَة كعمارة الْمَسَاجِد وَلَو من كَافِر وَعمارَة نَحْو قبَّة على قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ لما فِي ذَلِك من إحْيَاء الزِّيَارَة والتبرك بهَا وَذَلِكَ إِذا كَانَ الدّفن فِي مَوَاضِع مَمْلُوكَة لَهُم أَو لمن دفنهم فِيهَا لأبناء الْقُبُور نَفسهَا للنَّهْي عَنهُ وَلَا فعل ذَلِك فِي الْمَقَابِر المسبلة فَإِن فِيهِ تضييقا على الْمُسلمين والمباحة كفك أُسَارَى كفار منا وَإِن كَانَ الْمُوصي ذِمِّيا وَأَعْطَاهُ غَنِي وَكَافِر وَلَو حَرْبِيّا ومرتدا إِذا لم يمت على ردته وَبِنَاء رِبَاط لنزول أهل الذِّمَّة أَو سكناهم بِهِ مَا لم يَأْتِ بِمَا يدل على أَنه للتعبد وَحده أَو مَعَ نزُول الْمَارَّة فَلَا تصح الْوَصِيَّة حِينَئِذٍ وكما لَو أوصى بِأَن يدْفن فِي بَيته فَتَصِح لِأَن الدّفن فِيهِ مُبَاح لَيْسَ بمكروه وَتَصِح الْوَصِيَّة لقَاتل بِأَن يُوصي لشخص فيقتله هُوَ أَو سَيّده وَلَو عمدا لِأَنَّهَا تمْلِيك بِعقد فَأَشْبَهت الْهِبَة لَا الْإِرْث
أما لَو أوصى لمن يقْتله أَو يقتل غَيره عُدْوانًا فَلَا تصح لِأَنَّهَا مَعْصِيّة
(و) تصح (لحمل) حرا كَانَ أَو رَقِيقا من زوج أَو شُبْهَة أَو زنا إِن انْفَصل حَيا حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَإِلَّا لم يسْتَحق شَيْئا وَوجد حَال الْوَصِيَّة يَقِينا أَو ظنا (و) تصح (لوَارث) من وَرَثَة متعددين (مَعَ إجَازَة) بَاقِي (ورثته) المطلقين التَّصَرُّف سَوَاء أزاد على الثُّلُث أم لَا وَالْعبْرَة بإرثهم وَقت الْمَوْت وبردهم وإجازتهم بعده وَالْحِيلَة فِي أَخذ الْوَارِث
стр. 277
من غير توقف على إجَازَة من بَقِيَّة الْوَرَثَة أَن يُوصي لفُلَان بِأَلف أَي وَهُوَ ثلث فَأَقل إِن تبرع لولد الْمُوصي بِخَمْسِمِائَة أَو بِأَلفَيْنِ فَإِذا قبل وَأدّى للِابْن مَا شَرط عَلَيْهِ أَخذ الْوَصِيَّة وَلم يُشَارك بَقِيَّة الْوَرَثَة الابْن فِيمَا حصل لَهُ وَشرط فِي الْمُوصى بِهِ كَونه مُبَاحا يقبل النَّقْل من شخص إِلَى آخر فَتَصِح بِحمْل مَوْجُود إِن انْفَصل حَيا أَو مَيتا مَضْمُونا بِأَن كَانَ ولد أمة وجنى عَلَيْهِ بِخِلَاف ولد الْبَهِيمَة إِن انْفَصل مَيتا بِجِنَايَة فَإِن الْوَصِيَّة تبطل وَمَا يغرمه الْجَانِي حِينَئِذٍ مِمَّا نقص من قيمَة أمه يكون للْوَارِث وبثمر وَحمل وَلَو معدومين وبمبهم فَيرجع فِي تَفْسِيره للْوَارِث إِن لم يُبينهُ الْمُوصي وبمعجوز عَن تَسْلِيمه وتسلمه وبنجس يقتنى ككلب قَابل للتعليم وزبل وخمر مُحْتَرمَة وميتة لإطعام الْجَوَارِح وَلَو ميتَة كلب أَو خِنْزِير وَشرط فِي الصِّيغَة لفظ إِيجَاب يشْعر بِالْوَصِيَّةِ وصريحه حَاصِل (بأعطوه كَذَا أَو هُوَ لَهُ بعد موتِي) فِي الِاثْنَيْنِ (وبأوصيت لَهُ) بِكَذَا وَلَو لم يقل بعد موتِي لوضعها شرعا لذَلِك فَإِن اقْتصر على نَحْو وهبته لَهُ فهبة ناجزة أَو اقْتصر على نَحْو ادفعوا لَهُ كَذَا من مَالِي فتوكيل يرْتَفع بِمَوْتِهِ فَكل من هذَيْن لَا يكون كِنَايَة وَصِيَّة أَو اقْتصر على قَوْله جعلته لَهُ احْتمل الْهِبَة وَالْوَصِيَّة فَإِن علمت نِيَّته لأَحَدهمَا صَحَّ وَإِلَّا بَطل أَو اقْتصر على قَوْله ثلث مَالِي للْفُقَرَاء لم يكن إِقْرَارا بل كِنَايَة وَصِيَّة على الرَّاجِح وَمَعْلُوم أَن الْكِنَايَة تفْتَقر إِلَى نِيَّة
أما قَوْله هُوَ لَهُ فَقَط فإقرار لِأَنَّهُ من صرائحه وَوجد نفاذا فِي مَوْضُوعه فَلَا يَجْعَل كِنَايَة فِي غَيره وَهُوَ الْوَصِيَّة وَكَذَا لَو اقْتصر على قَوْله هُوَ صَدَقَة أَو وقف على كَذَا فينجز من حِينَئِذٍ وَإِن وَقع جَوَابا مِمَّن قيل لَهُ أوص لِأَن وُقُوعه جَوَابا لَا يُفِيد فِي صرفه عَن كَونه صَدَقَة أَو وَقفا وكنايته كِتَابَة وَلَو من نَاطِق فتنعقد الْوَصِيَّة بهَا مَعَ النِّيَّة وَقَوله هُوَ لَهُ من مَالِي وعينت لَهُ هَذَا أَو عَبدِي هَذَا لَهُ ويكتفي هُنَا فِي النِّيَّة باقترانها بِجُزْء من اللَّفْظ بِخِلَاف مَا فِي البيع فَلَا بُد من اقترانها بِجَمِيعِ اللَّفْظ وَتلْزم الْوَصِيَّة بِمَوْت لَكِن (مَعَ قبُول) موصى لَهُ (معِين) مَحْصُور (بعد موت موص) وَلَو بتراخ فَلَا يَصح الْقبُول قبل الْمَوْت وَذَلِكَ إِن تأهل الْمُوصى لَهُ للقبول وَإِلَّا فَيشْتَرط الْقبُول من وليه أَو سَيّده أَو نَاظر الْمَسْجِد بِخِلَاف نَحْو الْخَيل المسبلة بالثغور لَا تحْتَاج لقبُول لِأَنَّهَا تشبه الْجِهَة الْعَامَّة وَلَو كَانَ الْمُوصى بِهِ إعتاقا كَأَن قَالَ أعتقوا عني فلَانا بعد موتِي فَلَا حَاجَة إِلَى الْقبُول بِخِلَاف مَا إِذا أوصى للرقيق بِرَقَبَتِهِ فَلَا بُد مِنْهُ
وَلَا يشْتَرط الْقبُول فِي غير مَحْصُور وَغير معِين كالفقراء والعلوية بل تلْزم الْوَصِيَّة بِمَوْت الْمُوصي لتعذر الْقبُول مِنْهُم وَلَو ردوا لم ترتد بردهمْ وَيجوز الِاقْتِصَار على ثَلَاثَة مِنْهُم وَلَا تجب التَّسْوِيَة بَينهم بِخِلَاف المحصورين فَيجب قبولهم واستيعابهم والتسوية بَينهم وَالْوَصِيَّة بِالثُّلثِ وَقت الْوَصِيَّة خلاف الأولى وَيَنْبَغِي أَن لَا يُوصي بزائد على الثُّلُث سَوَاء كَانَ ورثته فُقَرَاء أَو أَغْنِيَاء وَلذَلِك (لَا) تصح الْوَصِيَّة (فِي زَائِد على ثلث فِي مرض مخوف) أَي يخَاف مِنْهُ
стр. 278
الْمَوْت وَيَمُوت فِيهِ لِأَن الْمَرِيض مَحْجُور عَلَيْهِ فِي الزَّائِد بِخِلَاف مَا إِذا شفي مِنْهُ فَإِنَّهُ ينفذ لتبين عدم الْحجر وَذَلِكَ (إِن رده) أَي الزَّائِد (وَارِث) خَاص مُطلق التَّصَرُّف لِأَنَّهُ حَقه فَإِن كَانَ الْوَارِث عَاما بطلت الْوَصِيَّة فِي الزَّائِد ابْتِدَاء من غير رد لِأَن الْحق للْمُسلمين فَلَا مجيز
أما إِذا كَانَ الْوَارِث الْخَاص غير مُطلق التَّصَرُّف فَلَا يَصح رده وَلَا إِجَازَته بل توقف إِلَى كَمَاله إِن رجى وَإِلَّا كجنون مستحكم أيس من برئه بطلت الْوَصِيَّة ظَاهرا وَإِلَّا فَلَا وعَلى كل من الْيَأْس من برئه وَعَدَمه فَمَتَى برأَ وَأَجَازَ بَان نفوذها وَإِن أجَاز الْوَارِث الْخَاص الْمُطلق التَّصَرُّف فإجازته إِمْضَاء لتصرف الْمُوصي بِالزِّيَادَةِ على الثُّلُث لصِحَّته وَحقّ الْوَارِث إِنَّمَا يثبت فِي ثَانِي الْحَال وَهُوَ بعد الْإِجَازَة لَا وَقت الْمَوْت فَأشبه عَفْو الشَّفِيع من حَيْثُ كَونه بعد البيع لَا قبله وَيعْتَبر المَال ليعلم قدر الثُّلُث مِنْهُ وَقت الْمَوْت لَا وَقت الْوَصِيَّة وبالموت تلْزم من جِهَة الْمُوصي
فَلَو قتل فَوَجَبت دِيَته بِنَفس الْقَتْل بِأَن كَانَ خطأ أَو شبه عمد ضمت لمَاله حَتَّى لَو أوصى بِثُلثِهِ أَخذ الْمُوصى لَهُ ثلث الدِّيَة
أما لَو كَانَ الْقَتْل عمدا يُوجب الْقصاص إِذا عُفيَ عَنهُ على مَال بعد مَوته فَلَا يضم إِلَى التَّرِكَة لِأَنَّهُ لم يكن مَال الْمُوصي وَقت الْمَوْت وَلَو أوصى برقيق وَلَا رَقِيق لَهُ ثمَّ ملك عِنْد الْمَوْت رَقِيقا تعلّقت الْوَصِيَّة بِهِ وَلَو زَاد مَاله تعلّقت الْوَصِيَّة بذلك الزَّائِد (وَيعْتَبر مِنْهُ) أَي الثُّلُث الَّذِي يُوصي بِهِ (عتق علق بِالْمَوْتِ) فِي الصِّحَّة أَو الْمَرَض وَلَو مَعَ غَيره كَمَا لَو قَالَ إِن مت وَدخلت الدَّار فَأَنت حر
نعم لَو قَالَ صَحِيح لرقيقه أَنْت حر قبل مرض موتِي بِيَوْم ثمَّ مَاتَ من مرض بعد التَّعْلِيق بِأَكْثَرَ من يَوْم أَو قبل موتِي بِشَهْر ثمَّ مرض دونه وَمَات بعد أَكثر من شهر عتق من رَأس المَال فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَن عتقه وَقع فِي الصِّحَّة (ووقف) وعارية عين سنة مثلا وتأجيل ثمن مَبِيع كَذَلِك فَيعْتَبر من الثُّلُث أُجْرَة الْعَارِية وَثمن الْمَبِيع وَإِن بَاعه بأضعاف ثمن مثله لِأَن تَفْوِيت يدهم كتفويت ملكهم (وَهبة) منجزة فِي مرض الْمَوْت وَعتق لغير مستولدته إِذْ هُوَ لَهَا فِيهِ من رَأس المَال وإبراء وَهبة فِي صِحَة وإقباض فِي مرض حَيْثُ اتّفق الْمُتَّهب وَالْوَارِث على أَن الْقَبْض وَقع فِي الْمَرَض وَإِلَّا حلف الْمُتَّهب أَن الْقَبْض وَقع فِي الصِّحَّة فَيكون الِاعْتِبَار من رَأس المَال
وَاعْلَم أَنه إِذا ثَبت الْمَرَض مخوفا عندنَا فِي زمن الْمَرَض وَمَات بِهِ حكم عِنْد الْمَوْت بِعَدَمِ نُفُوذ التَّبَرُّع الزَّائِد على الثُّلُث حِينَئِذٍ فَإِن برأَ نفذ وَإِن ثَبت عندنَا فِي زمن الْمَرَض أَنه غير مخوف فَمَاتَ فَإِن حمل على الْفجأَة حكمنَا بعد الْمَوْت بنفوذه وَإِلَّا فَلَا وَلَو تصرف فِي مرض غير مخوف ثمَّ عقبه مرض مخوف وَمَات بِهِ فَإِن كَانَ الْمَرَض الأول مِمَّا لَا يتَوَلَّد عَنهُ الثَّانِي عَادَة نفذ التَّصَرُّف فِيهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يتَوَلَّد عَنهُ الثَّانِي عَادَة لم ينفذ لِأَن الْمَوْت مَنْسُوب إِلَيْهِ وَلَو بِوَاسِطَة كَمَا قَالَه عمر الْبَصْرِيّ
ثمَّ الْوَصِيَّة إِن كَانَ مَطْلُوبَة حِين فعلهَا إِذا عرض للْمُوصى لَهُ مَا يَقْتَضِي أَنه يصرفهَا فِي محرم وَجب الرُّجُوع أَو فِي مَكْرُوه ندب الرُّجُوع أَو فِي طَاعَة كره الرُّجُوع
(وَتبطل) أَي الْوَصِيَّة (بِرُجُوع)
стр. 279
عَن الْوَصِيَّة وَعَن بَعْضهَا وَيحصل الرُّجُوع (بِنَحْوِ نقضت) الْوَصِيَّة كأبطلتها وَرجعت فِيهَا ورفعتها ورددتها وأزلتها وفسختها وَكلهَا صرائح كَهُوَ حرَام على الْمُوصى لَهُ (و) بقوله (هَذَا) أَي الْمُوصى بِهِ (لوارثي) أَو مِيرَاث عني وَإِن لم يقل بعد موتِي لِأَنَّهُ لَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَقد أبطل الْوَصِيَّة فِيهِ فَصَارَ كَقَوْلِه رَددتهَا (وب) نَحْو (بيع رهن) وَلَو بِلَا قبُول لظُهُور صرفه بذلك عَن جِهَة الْوَصِيَّة (وَعرض عَلَيْهِ) وتوكيل فِي البيع وَفِي الْعرض (وغرس) وَبِنَاء فِي أَرض سَوَاء أَكَانَ ذَلِك بِفِعْلِهِ أم بِفعل مأذونه بِخِلَاف زرعه فِيهَا (وَتَنْفَع مَيتا صَدَقَة) لأَجله من وَارِث وَغَيره
وَمِنْهَا وقف الْمُصحف وَغَيره وحفر بِئْر وغرس شجر روى مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي انفلتت نَفسهَا وَلم توص وأظنها لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت أفلها أجر إِن تَصَدَّقت عَنْهَا قَالَ نعم اه
وَالتَّصَدُّق عَن الْمَيِّت بِوَجْه شَرْعِي مَطْلُوب وَلَا يتَقَيَّد بِكَوْنِهِ فِي سَبْعَة أَيَّام أَو أَكثر أَو أقل وتقييده بِبَعْض الْأَيَّام من العوائد فَقَط كَمَا أفتى بذلك السَّيِّد أَحْمد دحلان وَقد جرت عَادَة النَّاس بالتصدق عَن الْمَيِّت فِي ثَالِث من مَوته وَفِي سَابِع وَفِي تَمام الْعشْرين وَفِي الْأَرْبَعين وَفِي الْمِائَة وَبعد ذَلِك يفعل كل سنة حولا فِي يَوْم الْمَوْت كَمَا أَفَادَهُ شَيخنَا يُوسُف السنبلاويني
أما الطَّعَام الَّذِي يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس لَيْلَة دفن الْمَيِّت الْمُسَمّى بالوحشة فَهُوَ مَكْرُوه مَا لم يكن من مَال الْأَيْتَام وَإِلَّا فَيحرم كَذَا فِي كشف اللثام
(وَدُعَاء) قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار أجمع الْعلمَاء على أَن الدُّعَاء للأموات يَنْفَعهُمْ ويصلهم ثَوَابه اه
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا الْمَيِّت فِي قَبره إِلَّا كالغريق المغوث بِفَتْح الْوَاو الْمُشَدّدَة أَي الطَّالِب لِأَن يغاث ينْتَظر دَعْوَة تلْحقهُ من ابْنه أَو أَخِيه أَو صديق لَهُ فَإِذا لحقته كَانَت أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَأَن هَدَايَا الْأَحْيَاء للأموات الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار
وقالحسين الْمحلي فِي كشف اللثام يحصل ثَوَاب الْقِرَاءَة للْمَيت بِمُجَرَّد قَصده بهَا وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَكَذَا الْقِرَاءَة بِحَضْرَة الْمَيِّت أَو بنية القارىء ثَوَاب قِرَاءَته لَهُ أَو بدعائه لَهُ عقب الْقِرَاءَة
وَمِنْه اللَّهُمَّ أوصل ثَوَاب مَا قرأناه إِلَى فلَان وَلَو قَالَ بعده ثمَّ إِلَى أموات الْمُسلمين اه
وَقَالَ مُحَمَّد أَبُو خضير فِي نِهَايَة الأمل وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال من خلاف كَبِير أَن الْمَيِّت يَنْفَعهُ مَا يفعل لَهُ من الْخيرَات بعد مَوته لَكِن لَا بُد أَن يقْصد الْفَاعِل ثَوَاب ذَلِك للْمَيت أَو يَدْعُو لَهُ عقب الْفِعْل بِحُصُول الثَّوَاب لَهُ أَو يكون عِنْد قَبره وَيحصل لفاعل ذَلِك ثَوَاب أَيْضا وَلَو سقط ثَوَاب الْفَاعِل لمسقط كَأَن غلب الْبَاعِث الدنيوي كَأَن كَانَ بِأُجْرَة فَيَنْبَغِي أَن لَا يسْقط مثله بِالنِّسْبَةِ للْمَيت
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر يجب اعْتِقَاد أَن الدُّعَاء ينفع الْأَحْيَاء والأموات إِن دَعَا لَهُم غَيرهم ويضرهم إِن دَعَا عَلَيْهِم بِحَق
وروى الْحَاكِم أَنه ﷺ قَالَ لَا يُغني حذر من قدر وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل وَإِن الْبلَاء لينزل ويتلقاه الدُّعَاء فيتعالجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأجْمع على نَفعه السّلف وَالْخلف من أهل السّنة
وَاعْلَم أَن للدُّعَاء شُرُوطًا وآدابا فَمن شُرُوطه أكل الْحَلَال وَأَن يَدْعُو وَهُوَ
стр. 280
موقن بالإجابة وَأَن لَا يكون قلبه غافلا وَأَن لَا يَدْعُو بِمَا فِيهِ إِثْم أَو قطيعة رحم أَو إِضَاعَة حُقُوق الْمُسلمين وَأَن لَا يَدْعُو بمحال وَلَو عَادَة
وَمن آدابه أَن يخْتَار الْأَوْقَات الفاضلة كَأَن يَدْعُو فِي السحر وَعند الْأَذَان وَالْإِقَامَة
وَمِنْهَا تَقْدِيم الْوضُوء وَالصَّلَاة واستقبال الْقبْلَة وَرفع الْأَيْدِي جِهَة السَّمَاء وَتَقْدِيم التَّوْبَة وَالِاعْتِرَاف بالذنب وَالْإِخْلَاص وافتتاحه بِالْحَمْد وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وختمه بهما وَجعل الصَّلَاة فِي وَسطه أَيْضا وَقَالَ ابْن عَطاء الله ﵀ للدُّعَاء أَرْكَان وَأَجْنِحَة وَأَسْبَاب وأوقات فَإِن وَافق أَرْكَان قوي وَإِن وَافق أجنحته طَار فِي السَّمَاء وَإِن وَافق مواقيته فَازَ وَإِن وَافق أَسبَابه نجح
فأركانه حُضُور الْقلب والرقة والاستكانة والخضوع وَتعلق الْقلب بِاللَّه وقطعه من الْأَسْبَاب وأجنحته الصدْق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ ثمَّ إِن الْإِجَابَة تتنوع فَتَارَة يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه على الْفَوْر وَتارَة يَقع وَلَكِن يتَأَخَّر لحكمة وَتارَة تقع الْإِجَابَة بِغَيْر الْمَطْلُوب حَالا أَو مَآلًا وَتارَة يدّخر بذلك ثَوابًا فِي الْآخِرَة
بَاب الْفَرَائِض
أَي مسَائِل قسْمَة الْمَوَارِيث أَي التركات
يبْدَأ وجوبا من تَرِكَة الْمَيِّت بِحَق مُتَعَلق بِنَفس التَّرِكَة كَالزَّكَاةِ وَالنّذر وَكَفَّارَة وَحج والمرهون والجاني الْمُتَعَلّق بِذَاتِهِ مَال وَالْمَبِيع بِثمن فِي الذِّمَّة إِذا مَاتَ المُشْتَرِي مُفلسًا وَيقدم دين الله على دين الْآدَمِيّ ثمَّ بكلفة التَّجْهِيز للْمَيت وَلمن عَلَيْهِ مُؤْنَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسب الْيَسَار والإعسار غير زَوْجَة وخادمها فكلفة تجهيزهما على الزَّوْج الْغَنِيّ ثمَّ بِالدّينِ الْمُرْسل فِي الذِّمَّة لكَونهَا حَقًا وَاجِبا على الْمَيِّت ثمَّ بِالْوَصِيَّةِ من ثلث الْبَاقِي بعد الدّين ثمَّ بقسمة الْبَاقِي من التَّرِكَة بَين الْوَرَثَة وهم بالأسباب الْخَاصَّة قِسْمَانِ ذُكُور وإناث فالذكور خَمْسَة عشر الابْن وَابْنه وَالْأَب وَالْجد وَالْأَخ لِأَبَوَيْنِ وَالْأَخ للْأَب وَالْأَخ للْأُم وَابْن الْأَخ لِأَبَوَيْنِ وَابْن الْأَخ للْأَب وَالْعم لِأَبَوَيْنِ وَالْعم للْأَب وَابْن الْعم لِأَبَوَيْنِ وَابْن الْعم للْأَب وَالزَّوْج وَذُو الْوَلَاء
وَالْإِنَاث عشرَة الْبِنْت وَبنت الابْن وَالأُم وَالْجدّة للْأُم وَالْجدّة للْأَب وَالْأُخْت لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأُخْت للْأَب وَالْأُخْت للْأُم وَالزَّوْجَة وَذَات الْوَلَاء فَلَو اجْتمع الذُّكُور فالوارث أَب وَابْن وَزوج أَو اجْتمع الْإِنَاث فالوارث بنت وَبنت ابْن وَأم وَأُخْت لِأَبَوَيْنِ وَزَوْجَة أَو اجْتمع الْمُمكن اجتماعه من الصِّنْفَيْنِ فالوارث أَبَوَانِ وَابْن وَبنت وَأحد زَوْجَيْنِ فَلَو لم يسْتَغْرق الْوَرَثَة مِنْهُمَا رد مَا فضل عَن الْوَرَثَة على ذَوي فروض غير زَوْجَيْنِ بِنِسْبَة فروض من يرد عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّيْخ عَطاء الله وأصول الرَّد اثْنَان وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة لِأَنَّهُ إِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة سدسان كجدة وَأَخ لأم فأصلها اثْنَان وَإِن كَانَ فِيهَا ثلث وَسدس كَأُمّ وَأَخ مِنْهَا فَثَلَاثَة وَإِن كَانَ فِيهَا نصف وَسدس كَبِنْت وَأم فَأَرْبَعَة وَإِن كَانَ فِيهَا
стр. 281
نصف وسدسان كَبِنْت وَبنت ابْن وَأم أَو نصف وَثلث كأخت لغير أم وأخوين لأم فخمسة اه
(الْفُرُوض) أَي الْأَنْصِبَاء المحصورة للْوَرَثَة (فِي كتاب الله تَعَالَى) سِتَّة الرّبع وَالثلث وَضعف كل وَنصفه وَزيد على هَذِه السِّتَّة ثلث مَا يبْقى وَلَيْسَ المُرَاد أَن كل من لَهُ شَيْء من الْأَنْصِبَاء يَأْخُذهُ بِنَصّ الْقُرْآن لِأَن فِيهِنَّ من أَخذ بِالْإِجْمَاع أَو الْقيَاس أَحدهَا (ثلثان) وَهُوَ لأَرْبَع (لاثْنَيْنِ) أَي لاثْنَتَيْنِ متساويتين فَأكْثر مِمَّن يَرث النّصْف (من بنت وَبنت ابْن وَأُخْت لِأَبَوَيْنِ و) أُخْت (لأَب) قَالَ الله تَعَالَى فِي الْبَنَات ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَبَنَات الابْن كالبنت والبنتان وبنتا الابْن مقيستان على الْأُخْتَيْنِ وَقَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ فَأكْثر ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٧٦ نزلت هَذِه الْآيَة فِي سبع أَخَوَات لجَابِر بن عبد الله حِين مرض وَسَأَلَ عَن إرثهن مِنْهُ فدلت هَذِه الْآيَة على أَن المُرَاد الْأخْتَان فَأكْثر
(وَعصب كلا) من الْأَرْبَع (أَخ سَاوَى) لَهُ فِي الدرجَة فالابن يعصب الْبِنْت وَابْن الابْن يصعب بنت الابْن الَّتِي فِي دَرَجَته وَالْأَخ الشَّقِيق يعصب الْأُخْت الشَّقِيقَة وَالْأَخ لأَب يعصب الْأُخْت لأَب ثمَّ إِن ابْن الابْن كَمَا يعصب أُخْته وَبنت عَمه الَّتِي فِي دَرَجَته يعصب بنت ابْن فَوْقه وَهِي عمته وَبنت عَم أَبِيه إِن لم يكن سدس كبنتين وَبنت ابْن وَابْن ابْن ابْن ابْن وَإِلَّا فَلَا يعصبها كَبِنْت وَبنت ابْن وَابْن ابْن لِأَن لَهَا فرضا استغنت بِهِ عَن تعصيبه وَهُوَ السُّدس وَله الثُّلُث الْبَاقِي وَلَو كَانَ فِي هَذَا الْمِثَال بنت ابْن ابْن أَيْضا قسم الثُّلُث بَينهَا وَبَين أَخِيهَا لِأَن هَذِه لَا شَيْء لَهَا فِي السُّدس الَّذِي هُوَ تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ فعصبها وَمعنى تعصيب الْأَخ أُخْته أَن يكون للذّكر فِي التَّرِكَة مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ
أما تعصيب الْمسَاوِي للْأُنْثَى فَلقَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانُوا إخْوَة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٧٦
وَأما النَّازِل عَنْهَا فبالأولى لِأَن الَّتِي فَوْقه أقرب من الَّتِي فِي دَرَجَته وَقد تعصب الشَّقِيقَة وَالْأُخْت للْأَب بالجد لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة أَخِيهَا (و) عصب (الْأُخْرَيَيْنِ) أَي الْأُخْت الشَّقِيقَة وَالْأُخْت لأَب (الأوليان) وهما الْبِنْت وَبنت الابْن
وَالْمعْنَى أَن الْأُخْت تَأْخُذ مَا تبقيه الْبِنْت أَو بنت الابْن فتأخذ الْأُخْت الشَّقِيقَة أَو الْأُخْت لأَب أَو الْأَخَوَات المتساويات بالعصوبة مَا فضل من فرض الْبِنْت أَو بنت الابْن وَهُوَ النّصْف إِن كَانَت وَاحِدَة وَالثُّلُثَانِ
إِن كَانَت مُتعَدِّدَة وَالْأُخْت الشَّقِيقَة مَتى صَارَت عصبَة مَعَ الْغَيْر صَارَت بِمَنْزِلَة الْأَخ الشَّقِيق فتحجب الْإِخْوَة للْأَب وَبَاقِي الْعَصَبَات وَمَا ذكر من أَن الْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات عصبات هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور خلافًا لِابْنِ عَبَّاس الْقَائِل بِأَن الْبَنَات أَو بَنَات الابْن يحجبن الْأَخَوَات كَمَا قَالَه البيلي
(و) ثَانِيهَا (نصف) وَهُوَ لخمسة (لَهُنَّ) أَي للْبِنْت وَابْن الابْن وَالْأُخْت الشَّقِيقَة وَالْأُخْت لأَب حَيْثُ كن (منفردات) عَن أخواتهن وَعَمن يعصبهن من الذُّكُور قَالَ تَعَالَى فِي الْبِنْت ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَقَالَ فِي الْأُخْت ﴿وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٧٦ وَالْمرَاد أُخْت لغير أم
أَو أُنْثَى وَسَوَاء كَانَ من الزَّوْج أَو من غَيره لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم نصف مَا﴾ (ولزوج لَيْسَ لزوجته فرع) وَارِث
стр. 282
من الْوَلَد أَو ولد الابْن سَوَاء كَانَ ذكرا ترك ﴿أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَولد الابْن كَالْوَلَدِ إِجْمَاعًا وَقِيَاسًا أَو لفظ الْوَلَد يَشْمَلهُ بِنَاء على إِعْمَال اللَّفْظ فِي حَقِيقَته ومجازه كَمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وفقدان الْفَرْع الْوَارِث بِأَن لَا يكون فرع أَو كَانَ لكنه غير وَارِث لقِيَام مَانع أَو لكَونه ولد بنت
(و) ثَالِثهَا (ربع) وَهُوَ لاثْنَيْنِ (لَهُ) أَي لزوج (مَعَه) أَي مَعَ وجود فرع وَارِث للْمَيت لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ ولد فلكم الرّبع مِمَّا تركن﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَلها أَي لزوجة فَأكْثر (دونه) أَي مَعَ فقدان فرع للزَّوْج سَوَاء كَانَ من تِلْكَ الزَّوْجَة أَو من غَيرهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم إِن لم يكن لكم ولد﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٢
(و) رَابِعهَا (ثمن) وَهُوَ (لَهَا) أَي لزوجة فَأكْثر (مَعَه) أَي فرع وَارِث للْمَيت لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا تركْتُم﴾ النِّسَاء (٤ الْآيَة ١٢) والزوجان يتوارثان فِي عدَّة الطَّلَاق الرَّجْعِيّ وَذَلِكَ دَاخل فِي كَلَام المُصَنّف
(و) خَامِسهَا (ثلث) وَهُوَ لاثْنَيْنِ (لأم لَيْسَ لميتها) فرع وَارِث (وَلَا عدد من إخْوَة) ذكران أَو أنثيان أَو خنثيان أَو مُخْتَلِفَانِ من ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَالْمرَاد بهم اثْنَان فَأكْثر هَذَا إِن لم يكن مَعَ الْأُم أَب أَو أحد الزَّوْجَيْنِ وَإِلَّا فلهَا ثلث الْبَاقِي فمسألة زوج وأبوين من سِتَّة وَمَسْأَلَة زَوْجَة وأبوين من أَرْبَعَة وَإِنَّمَا لم يفْرض لَهَا فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ الثُّلُث كَامِلا ليَأْخُذ الْأَب مثلي مَا تَأْخُذهُ هِيَ على الأَصْل فِي اجْتِمَاع ذكر وَأُنْثَى فِي دَرَجَة ففرضها فِي الْحَقِيقَة فِي الأولى السُّدس وَفِي الثَّانِيَة الرّبع لَكِن أبقى الْعلمَاء لَفْظَة الثُّلُث مُوَافقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ ويعايا بِالْأولَى فَيُقَال أم ورثت السُّدس وَلَيْسَ لميتها فرع وَارِث وَلَا ذُو إخْوَة وبالثانية فَيُقَال امْرَأَة ورثت الرّبع بِلَا عول وَلَا رد وَلَا زوجية وَهَاتَانِ تلقبان بالغراوين لِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة غرت الْأُم أَو لِأَنَّهُمَا كغرة الْفرس فِي الشُّهْرَة وبالعمريتين لقَضَاء عمر ﵁ فيهمَا بذلك وَخَالف فِي ذَلِك ابْن عَبَّاس حَيْثُ يُعْطي للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَوَافَقَهُ ابْن سِيرِين وَوَافَقَهُ الْجُمْهُور فِي مَسْأَلَة الزَّوْج (ولولديها) أَي وَلَدي أم فَأكْثر يَسْتَوِي فِي ولد الْأُم الذّكر وَالْأُنْثَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَله أَخ أَو أُخْت فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٢ وَالْمرَاد أَوْلَاد الْأُم بِدَلِيل قِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَغَيره وَله أَخ أَو أُخْت من أم وَالْقِرَاءَة الشاذة كالخبر على الصَّحِيح الْمَنْصُوص
(و) سادسها (سدس) وَلَو لسبعة (لأَب وجد لميتهما فرع) وَارِث قَالَ تَعَالَى ﴿ولأبويه لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك إِن كَانَ لَهُ ولد﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَالْجد كَالْأَبِ وَالْمرَاد جد لم يدل بأنثى وَإِلَّا فَلَا يَرث بِخُصُوص الْقَرَابَة لِأَنَّهُ من ذَوي الْأَرْحَام (وَأم لميتها ذَلِك) أَي فرع وَارِث (أَو عدد من إخْوَة) مُطلقًا اثْنَان فَأكْثر وَإِن لم يرثا لحجبهما بالشخص دون الْوَصْف كأخ لأَب مَعَ شَقِيق وكأخوين لأم مَعَ جد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١١ وَالْمرَاد بالإخوة الْجِنْس عِنْد الْجُمْهُور خلافًا لِابْنِ عَبَّاس الْقَائِل إِن الْأُم لَا تحجب عَن الثُّلُث إِلَى السُّدس إِلَّا بِثَلَاث من الْإِخْوَة
стр. 283
متمسكا بِظَاهِر هَذِه الْآيَة من أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة وَلَو اجْتمع مَعَ الْأُم فرع وَعدد من الْإِخْوَة فَالظَّاهِر كَمَا قالابن الرّفْعَة وَغَيره إِن الْحَاجِب هُوَ الْفَرْع لِأَنَّهُ أقوى
(وَجدّة) فَأكْثر لأم أَو لأَب سَوَاء كَانَ مَعهَا ولد أم لَا وَسَوَاء كَانَ مَعهَا عدد من الْإِخْوَة أم لَا فالوارث من الْجدَّات كل جدة أدلت بمحض الْإِنَاث كَأُمّ أم الْأُم أَو بمحض الذُّكُور كَأُمّ أبي الْأَب أَو بمحض الْإِنَاث إِلَى الذُّكُور كَأُمّ أم الْأَب أما المدلية إِلَى الْمَيِّت بذكور إِلَى إناث كَأُمّ أبي الْأُم فَهِيَ الْجدّة المحجوبة فَلَا تَرث عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَأما الْجدّة الساقطة وَهِي كَمَا لَو مَاتَ الْمَيِّت عَن أم الْأُم وَعَن أم الْأَب مَعَ وجود الْأَب فَعِنْدَ الإِمَام مَالك وَأبي حنيفَة السُّدس كُله لأم الْأُم فَقَط وَلَا شَيْء لأم الْأَب لحجبها بِالْأَبِ وَكَذَلِكَ عِنْد الإِمَام الشَّافِعِي على الرَّاجِح وَمُقَابِله عِنْد السَّادة الشَّافِعِيَّة أَن الَّتِي من قبل الْأُم لَهَا نصف السُّدس وَالنّصف الثَّانِي يَأْخُذهُ الْأَب لِأَنَّهُ حجب أم نَفسه وَعند الإِمَام أَحْمد ابْن حَنْبَل السُّدس بَين الجدتين بِالسَّوِيَّةِ لِأَن الْأَب لَا يحجب أم نَفسه عِنْده
(وَبنت ابْن فَأكْثر مَعَ بنت أَو) بنت ابْن مَعَ (بنت ابْن أَعلَى) لقضائه ﷺ بالسدس فِي بنت الابْن الْوَاحِدَة مَعَ بنت رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَقيس بهَا الْأَكْثَر فَلَو كَانَت بنت الابْن مَعَ بنتين فَأكْثر فَلَا تَرث إِلَّا إِذا كَانَ مَعهَا ابْن ابْن يعصبها
(وَأُخْت فَأكْثر لأَب مَعَ أُخْت لِأَبَوَيْنِ) قِيَاسا على الَّتِي قبلهَا فَلَو كَانَ مَعَ الْأُخْت لأَب أختَان شقيقتان فَأكْثر فَلَا تَرث إِلَّا إِذا كَانَ مَعهَا أَخ لأَب يعصبها (وَوَاحِد من ولد أم) ذكرا كَانَ أَو غَيره قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة وَله أَخ أَو أُخْت فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس﴾ ٤ النسا الْآيَة ١٢
فَإِن فسر الْكَلَالَة بالورثة إِذا لم يكن فيهم أَب فَمَا علا وَلَا ابْن فَمَا سفل فَقَوله تَعَالَى ﴿كَلَالَة﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١٢ إِمَّا حَال من ضمير يُورث فَكَانَ نَاقِصَة وَيُورث خبر أَو تَامَّة فيورث صفة وَإِمَّا خبر فيورث صفة والرابط الْمُسْتَتر فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ على تَقْدِير مُضَاف أَي ذَا كَلَالَة وَإِذا فسر الْكَلَالَة بِالْمَيتِ الَّذِي لم يتْرك ولدا وَلَا والدا فكلالة أَيْضا حَال أَو خبر وَلَكِن لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مُضَاف وَإِذا فسر بِالْقَرَابَةِ غير الْوَلَد وَالْوَالِد فَهِيَ مفعول لأَجله كَمَا فِي مُغنِي اللبيب
ثمَّ استطرد المُصَنّف فِي ذكر فرض الْأُم بعد فرض الزَّوْجَيْنِ فَقَالَ (وَثلث بَاقٍ لأم مَعَ أحد زَوْجَيْنِ وَأب) فلهذه الْمَسْأَلَة صُورَتَانِ تلقبان بالغراوين تَشْبِيها لَهما بالكوكب الْأَغَر لشهرتهما فِيمَا بَين الفرضيين وتلقبان أَيْضا بالعمريتين لِأَنَّهُمَا رُفِعَتَا إِلَى عمر ﵁ فَجعل للْأُم ثلث مَا يبْقى بعد فرض الزَّوْجَيْنِ وتلقبان أَيْضا بالغريبتين لغرابتهما فِي الْمسَائِل الْفَرْضِيَّة ولمخالفتهما للقواعد الْفَرْضِيَّة
فالصورة الأولى زوج وأبوان أَصْلهَا من اثْنَيْنِ للزَّوْج وَاحِد يبْقى وَاحِد على ثَلَاثَة مخرج الثُّلُث لَا يَنْقَسِم وَلَا يُوَافق فَيضْرب اثْنَان فِي ثَلَاثَة فَالْحَاصِل سِتَّة للزَّوْج ثَلَاثَة وَللْأَب اثْنَان وَللْأُمّ وَاحِد ثلث مَا يبْقى
وَالصُّورَة الثَّانِيَة زَوْجَة وأبوان أَصْلهَا من أَرْبَعَة وَمِنْهَا تصح للزَّوْجَة وَاحِد وَللْأُمّ ثلث الْبَاقِي وَللْأَب الْبَاقِي وَجعل لَهُ ضعفاها لِأَن كل أُنْثَى مَعَ ذكر عَن جِنْسهَا لَهُ مِثْلَاهَا فَعلم من ذَلِك الْمَذْكُور أَن السِّتَّة فِي الصُّورَة الأولى تَصْحِيح وَالْأَرْبَعَة فِي الثَّانِيَة
стр. 284
تأصيل
والحجب على نَوْعَيْنِ حجب حرمَان وَهُوَ منع الْإِرْث بِالْكُلِّيَّةِ وحجب نُقْصَان وَهُوَ منع أوفر الحظين
وحجب الحرمان على قسمَيْنِ حجب بِالْوَصْفِ كرق وَقتل وَاخْتِلَاف دين فَيدْخل على جَمِيع الْوَرَثَة وحجب بالشخص فَلَا يدْخل على سِتَّة الابْن وَالْبِنْت وَالْأَب وَالأُم وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة وَيدخل على غَيرهم وحجب النُّقْصَان لَا يكون إِلَّا بالشخص وَيدخل على كل وَارِث سَوَاء كَانَ يَرث بِالْفَرْضِ أَو بِالتَّعْصِيبِ وَهُوَ سَبْعَة أَقسَام الأول الْحجب من فرض إِلَى فرض أقل مِنْهُ كالزوج وَالزَّوْجَة وَالأُم
وَالثَّانِي الْحجب من تعصيب إِلَى فرض كحجب الْأَب وَالْجد من الْكل إِلَى السُّدس
وَالثَّالِث الِانْتِقَال من فرض إِلَى تعصيب كالبنات وَبَنَات الابْن وَالْأَخَوَات الأشقاء أَو للْأَب إِذا كَانَ مَعَهُنَّ ذكر يعصبهن
وَالرَّابِع الِانْتِقَال من تعصيب إِلَى تعصيب مثل الْأُخْت الشَّقِيقَة أَو للْأَب مَعَ الْبِنْت أَو بنت الابْن فَإِنَّهَا انْتَقَلت من التَّعْصِيب بِالْغَيْر إِلَى التَّعْصِيب مَعَ الْغَيْر
وَالْخَامِس الْمُزَاحمَة فِي الْفَرْض كَالزَّوْجَةِ إِذا تعدّدت وَالْجدّة كَذَلِك وَالْبَنَات وَبَنَات الابْن وَالْأَخَوَات الأشقاء أَو للْأَب أَو للْأُم
وَالسَّادِس الْمُزَاحمَة فِي التَّعْصِيب كالبنين وَبني الابْن وَالإِخْوَة الأشقاء أَو لأَب
وَالسَّابِع الْمُزَاحمَة فِي الْعَوْل كَمَا فِي الْمَسْأَلَة المنبرية وَهِي زَوْجَة وأبوان وبنتان وكل من حجب حرمانا لَا يحجب غَيره حرمانا وَقد يحجب غَيره نُقْصَانا كالإخوة للْأُم مَعَ الْأُم وَالْجد فَإِنَّهُم يحجبون الْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس حجب نُقْصَان
(ويحجب ولد ابْن بِابْن) سَوَاء كَانَ أَبَاهُ أَو عَمه (أَو ابْن ابْن أقرب مِنْهُ و) يحجب (جد) أَبُو الْأَب وَإِن علا (بأب) متوسط بَينه وَبَين الْمَيِّت سَوَاء كَانَ الْجد يَرث بِالتَّعْصِيبِ وَحده كجد فَقَط أَو بِالْفَرْضِ وَحده كجد مَعَ ابْن أَو بِالْفَرْضِ والتعصيب مَعًا كجد مَعَ بنت فَإِن الْجد إِذا كَانَ مَعَه أَب فِي حالاته الثَّلَاث ورث الْأَب وحجب الْجد بِالْأَبِ (و) تحجب (جدة لأم بِأم) لِأَنَّهَا تدلى بهَا (و) جدة (لأَب بأب) لِأَنَّهَا تدلي بِهِ (وَأم) بِالْإِجْمَاع وَلِأَن إرثها بالأمومة وَالأُم أقرب مِنْهَا (و) يحجب (أَخ لِأَبَوَيْنِ) بِثَلَاثَة (بأب وَابْن) وَابْنه وَإِن نزل إِجْمَاعًا لِأَن جِهَة ابْن الابْن مُقَدّمَة على جِهَة الْأَخ
(و) يحجب أَخ (لأَب) بِخَمْسَة (بهما) أَي بأب وَابْن وبابنة وَإِن نزل
(وبأخ لِأَبَوَيْنِ) لِأَنَّهُ أقوى من المدلي بِأَصْل وَاحِد وبأخت لِأَبَوَيْنِ مَعهَا بنت أَو بنت ابْن
(و) يحجب أَخ (لأم) بِسِتَّة (بأب) وجد وَإِن علا عِنْد الْجُمْهُور خلافًا لِابْنِ عَبَّاس الْقَائِل بِأَن الْأَخ للْأُم يَرث مَعَ وجود الْجد وَهُوَ شَاذ
(وَفرع) وَارِث من ابْن وَابْنه وَبنت وَبنت ابْن
(و) يحجب (ابْن أَخ لِأَبَوَيْنِ) بِسِتَّة (بأب وجد) أَبِيه وَإِن علا (وَابْن) وَابْنه وَإِن نزل (وَأَخ) لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب لِأَنَّهُ أقرب مِنْهُ (و) يحجب ابْن أَخ (لأَب) بسبعة (بهؤلاء) السِّتَّة (وبابن أَخ لِأَبَوَيْنِ) لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ ويحجب ابْن ابْن أَخ لِأَبَوَيْنِ بِابْن أَخ لأَب لِأَنَّهُ أقرب مِنْهُ
وَاعْلَم أَن ابْن الْأَخ وَإِن نزل لَا يعصب بنت الْأَخ الَّتِي فِي دَرَجَته وَلَا الْأُنْثَى الَّتِي فَوْقه من بَنَات
стр. 285
الْأَخ إِجْمَاعًا لِأَنَّهُمَا من ذَوي الْأَرْحَام وَكَذَلِكَ لَا يعصب ابْن الْأَخ من فَوْقه من الْأَخَوَات لِأَنَّهُنَّ مستغنيات بفرضهن بِخِلَاف ابْن الابْن فَإِنَّهُ يعصب الْأُنْثَى الَّتِي فِي دَرَجَته وَالْأُنْثَى الَّتِي فَوْقه لِأَنَّهُمَا من ذَوي السِّهَام وَهَذَا هُوَ الْقَرِيب الْمُبَارك وَهُوَ من لولاه لسقطت الْأُنْثَى الَّتِي يعصبها سَوَاء كَانَ أخاها مُطلقًا أَو ابْن عَمها أَو أنزل مِنْهَا
أما الْقَرِيب المشؤوم فَهُوَ الَّذِي لولاه لورثت الْأُنْثَى وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا مُسَاوِيا لَهَا من أَخ مُطلقًا أَو ابْن عَم لبِنْت ابْن وَذَلِكَ كَمَا لَو هَلَكت الْمَرْأَة عَن زَوجهَا وَأمّهَا وأبيها وبنتها وَبنت ابْنهَا فَهَذِهِ خَمْسَة فَالْمَسْأَلَة من اثْنَي عشر للزَّوْج الرّبع وَللْأُمّ السُّدس وَللْأَب السُّدس وللبنت النّصْف ولبنت الابْن السُّدس فتعول الْمَسْأَلَة لخمسة عشر فَلَو كَانَ مَعَ بنت الابْن ابْن ابْن سَقَطت هِيَ مَعَه لاستغراق الْفُرُوض التَّرِكَة وَتَكون الْمَسْأَلَة إِذْ ذَاك عائلة لثَلَاثَة عشر فَقَط فلولاه لورثت فَهَذَا الْأَخ مشؤوم عَلَيْهَا
ويحجب عَم لِأَبَوَيْنِ بأب وجد وَابْن وَابْنه وَأَخ لِأَبَوَيْنِ ولأب وَابْن أَخ الْأَبَوَيْنِ ولأب لِأَنَّهُ أقرب مِنْهُ جِهَة
ويحجب عَم لأَب بهؤلاء الثَّمَانِية وَعم لِأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ ويحجب ابْن عَم لِأَبَوَيْنِ بهؤلاء التِّسْعَة وَعم لأَب لِأَنَّهُ أقرب مِنْهُ
ويحجب ابْن عَم لأَب بهؤلاء الْعشْرَة وَابْن عَم لِأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ
ويحجب ابْن ابْن عَم لِأَبَوَيْنِ بِابْن عَم لأَب
وتحجب بَنَات ابْن بِابْن أَو بنتين إِن لم يعصبن بِنَحْوِ أَخ أَو ابْن عَم فَإِن عصبن بِهِ أخذن مَعَه الْبَاقِي بعد ثُلثي البنتين بِالتَّعْصِيبِ
وتحجب الْأَخَوَات لأَب بأختين لِأَبَوَيْنِ فَإِن كَانَ مَعَهُنَّ أَخ عصبهن وبأخت لِأَبَوَيْنِ مَعهَا بنت أَو بنت ابْن
ويحجب عصبَة مِمَّن حجب باستغراق ذَوي فروض للتركة كَزَوج وَأم وَأَخ مِنْهَا وَعم فالعم مَحْجُوب بالاستغراق
ويحجب من لَهُ وَلَاء ذكرا كَانَ أَو غَيره بعصب نسب لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ
(وَمَا فضل) عَن الْفَرْض من التَّرِكَة إِن كَانَ مَعَ الْعصبَة ذُو فرض (أَو الْكل) أَي كل التَّرِكَة إِن لم يكن مَعَه ذُو فرض (لعصبة) وَهُوَ من لَا مُقَدّر لَهُ من الْوَرَثَة وَيُسمى بذلك الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث وَيسْقط عِنْد الِاسْتِغْرَاق إِلَّا إِذا انْقَلب من عصوبة إِلَى فرض كالأخ الشَّقِيق فِي المشركة وَالْأُخْت فِي الأكدرية فَلَا يحجبهما بالاستغراق
فصورة مَسْأَلَة المشركة زوج وَأم وَولدا أم وَأَخ لِأَبَوَيْنِ فَأكْثر فَإِن الْفُرُوض فِيهَا تستغرق التَّرِكَة للزَّوْج النّصْف وَللْأُمّ السُّدس ولولدي الْأُم الثُّلُث فَالْقِيَاس سُقُوط الْإِخْوَة الأشقاء لِأَن الْقَاعِدَة إِذا استغرقت الْفُرُوض التَّرِكَة سقط العاصب وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي عملا بِالْقِيَاسِ وَالْمذهب الْمُعْتَمد عَنهُ وَبِه قَالَ الإِمَام مَالك أَن يَجْعَل الأشقاء أَوْلَاد أم لاشتراكهم فِي الإدلاء بهَا وتلغى قرَابَة الْأَب لِئَلَّا يسقطوا وَيقسم ثلث التَّرِكَة الَّذِي هُوَ فرض وَلَدي الْأُم عَلَيْهِمَا وعَلى الأشقاء على عدد رؤوسهم فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى من الْفَرِيقَيْنِ لِأَن أَوْلَاد الْأُم إِذا كَانَ بَعضهم ابْن عَم تلغى عصوبته وَيَرِث بِالْفَرْضِ فالأخ لِلْأَبَوَيْنِ أولى فَلَو كَانَ بدل الْأَخ الشَّقِيق أَخ لأَب سقط وَلَو كَانَ بدل الْأُم جدة لم يخْتَلف الحكم وَلَو كَانَ ولد الْأُم وَاحِدًا لم تكن الْمَسْأَلَة مُشركَة لِأَن لَهُ حِينَئِذٍ السُّدس فَيبقى للشقيق وَاحِد وَكَذَا لَو كَانَ بدل الزَّوْج زَوْجَة فَلَا تكون مُشْتَركَة لِأَن للزَّوْجَة الرّبع وللجدة السُّدس وللإخوة للْأُم الثُّلُث فَيبقى للشقيق ثَلَاثَة وَلَو
следующие страницы →