← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6163

الكسب - بشرح السرخسي - ت زكار

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فِي آخر عمره من ذَلِك وَعمر ﵁ كَانَ لَهُ أَرض بِخَيْبَر تدعى شمع وَقد كَانَ لِابْنِ مَسْعُود وَالْحسن بن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة ﵄ مزارع بِالسَّوَادِ يزرعونها ويؤدون خراجها وَقد كَانَ لِابْنِ عَبَّاس ﵄ أَيْضا مزارع بِالسَّوَادِ وَغَيرهَا وَتَأْويل الْآثَار المروية فِيمَا إِذا اشْتغل النَّاس كلهم بالزراعة وأعرضوا عَن الْجِهَاد حَتَّى يطْمع فيهم عدوهم وكل ذَلِك مَرْوِيّ فِي حَدِيث ابْن عمر ﵄ قَالَ وقعدتم عَن الْجِهَاد وذللتم حَتَّى يطْمع فِيكُم فَأَما إِذا اشْتغل بَعضهم بِالْجِهَادِ وَبَعْضهمْ بالزراعة فَفِي عمل الْمُزَارعَة معاونة للمجاهد وَفِي عمل الْمُجَاهِد دفع عَن الْمزَارِع وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا ثمَّ اخْتلف مَشَايِخنَا ﵏ فِي التِّجَارَة والزراعة قَالَ بَعضهم التِّجَارَة التِّجَارَة أفضل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ الْآيَة وَالْمرَاد الضَّرْب فِي الأَرْض للتِّجَارَة فقدمه فِي الذّكر على الْجِهَاد الَّذِي هُوَ سَنَام الدّين وَلِهَذَا قَالَ عمر ﵁ لإن أَمُوت بَين شُعْبَتَيْ رحلي أضْرب فِي الأَرْض أَبْتَغِي من فضل الله أحب إِلَيّ من أَن أقَاتل مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله وَقَالَ ﷺ التَّاجِر الْأمين مَعَ الْكِرَام البررة يَوْم الْقِيَامَة وَأكْثر مَشَايِخنَا ﵏ على أَن الزِّرَاعَة أفضل من

стр. 37

التِّجَارَة لِأَنَّهَا أَعم نفعا فبعمل الزِّرَاعَة يحصل مَا يُقيم الْمَرْء بِهِ صلبه ويتقوى على الطَّاعَة وبالتجارة لَا يحصل ذَلِك وَلَكِن يَنْمُو المَال وَقَالَ ﷺ خير النَّاس من هُوَ أَنْفَع للنَّاس والأشتغال بِمَا يكون نَفعه أَعم يكون أفضل وَلِأَن الصَّدَقَة فِي الزِّرَاعَة أظهر فَلَا بُد أَن يتَنَاوَل مِمَّا يكتسبه الزراع النَّاس وَالدَّوَاب والطيور وكل ذَلِك صَدَقَة لَهُ قَالَ ﷺ مَا غرس مُسلم شَجَرَة فَيتَنَاوَل مِنْهَا انسان أَو دَابَّة أَو طير إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَة وَفِي رِوَايَة مَا أكلت الْعَافِيَة مِنْهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَة والعافية الطُّيُور الطالبة لأرزاقها الراجعة إِلَى أوكارها وَإِذا كَانَ فِي عَادَة النَّاس ثمَّ الْكسْب الَّذِي يَنْعَدِم فِيهِ التَّصَدُّق لَا تُوجد فِيهِ الْأَفْضَلِيَّة كعمل الحياكة مَعَ أَنه من التعاون على إِقَامَة الصَّلَاة فَعرفنَا أَن مَا يكون التَّصَدُّق فِيهِ أَكثر من الْكسْب فَهُوَ أفضل فَأَما تَأْوِيل مَا تعلقوا بِهِ فقد رُوِيَ عَن مَكْحُول وَمُجاهد رحمهمَا الله قَالَا المُرَاد الضَّرْب فِي الأَرْض لطلب الْعلم وَبِه نقُول أَن ذَلِك أفضل فقد أَشَارَ مُحَمَّد ﵀ إِلَى ذَلِك فِي قَوْله طلب الْكسْب فَرِيضَة

стр. 38

كَمَا أَن طلب الْعلم فَرِيضَة فتشبيه هَذَا بذلك دَلِيل على أَن طلب الْعلم فَرِيضَة أَعلَى دَرَجَة من غَيره وَبَيَان فَرضِيَّة طلب الْعلم فِي قَوْله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَالْمرَاد علم الْحَال على مَا قيل أفضل الْعلم علم الْحَال وَأفضل الْعَمَل حفظ الْحَال وَبَيَان هَذَا أَن مَا يحْتَاج الْمَرْء فِي الْحَال لأَدَاء مَا لزمَه يفترض عَلَيْهِ عينا علمه كالطهارة لأَدَاء الصَّلَاة فَإِن أَرَادَ التِّجَارَة يفترض عَلَيْهِ تعلم مَا يحرز بِهِ عَن الرِّبَا والعقود الْفَاسِدَة وَإِن كَانَ لَهُ مَال يفترض عَلَيْهِ تعلم زَكَاة جنس مَاله ليتَمَكَّن بِهِ من الْأَدَاء وَإِن لزمَه الْحَج يفترض عَلَيْهِ تعلم مَا يُؤَدِّي بِهِ الْحَج فَهَذَا معنى علم الْحَال وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الشَّرِيعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة والبقاء بَين النَّاس يكون بالتعلم والتعليم فيفترض التَّعْلِيم والتعلم جَمِيعًا وَقد قَررنَا هَذَا الْمَعْنى فِي بَيَان فَرضِيَّة الْكسْب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لعن الَّذين لَا يعلمُونَ وَالَّذين لَا يتعلمون ليرْفَع الْعلم بهم وَقَالَ إِن الله تَعَالَى لَا يقبض الْعلم انتزاعا بنزعه من الْقُلُوب وَلَكِن يقبض الْعلمَاء فَإِذا قبض الْعلمَاء اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا وَالَّذِي يُؤَيّد هَذَا كُله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ الْآيَة وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه يفترض تَعْلِيم الْكَافِر إِذا طلب فتعليم الْمُؤمن أولى

стр. 39

وَبَيَان قَوْلنَا أَن من آكِد الْفَرَائِض أَن الْإِنْسَان لَو شغل جَمِيع عمره بالتعليم والتعلم كَانَ مفترضا فِي الْكل وَلَو شغل جَمِيع عمره بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم كَانَ متنقلا فِي الْبَعْض وَلَا شكّ أَن إِقَامَة الْفَرْض أَعلَى دَرَجَة من إِدْرَاك النَّفْل وَقَالَ وكما أَن طلب الْعلم فَرِيضَة فأداء الْعلم للنَّاس فَرِيضَة لِأَن اشْتِغَال الْعَالم بِالْعلمِ بِهِ مَعْرُوف وَالْعَمَل بِخِلَافِهِ مُنكر فالتعليم يكون أمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر وَهُوَ فرض على هَذِه الْأمة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ الْآيَة ويختلفون فِي فصل وَهُوَ أَن من تعلم حكما أَو حكمين هَل يفترض عَلَيْهِ أَن يبين ذَلِك لمن لَا يُعلمهُ أم لَا فعلى قَول بعض مَشَايِخنَا ﵏ يلْزمه ذَلِك وَأَكْثَرهم على أَنه لَا يلْزمه ذَلِك وَإِنَّمَا يجب ذَلِك على الَّذين اشتهروا بِالْعلمِ فِيمَن يعْتَمد النَّاس قَوْلهم وَقد أَشَارَ فِي هَذَا الْكتاب إِلَى الْقَوْلَيْنِ فاللفظ الْمَذْكُور هُنَا يُوجب التَّعْمِيم وَقَالَ بعد هَذَا فعلى البصراء من الْعلمَاء أَن يبينوا للنَّاس طَرِيق الْفِقْه فَهَذَا يدل على أَن الْفَرْضِيَّة على الَّذين اشتهروا بِالْعلمِ خَاصَّة وَجه القَوْل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾

стр. 40

الْآيَة فَتبين بالآيتين أَن الكتمان حرَام وَأَن ضِدّه وَهُوَ الْإِظْهَار لَازم فَيتَنَاوَل ذَلِك كل من بلغه علم فَإِن يتَصَوَّر مِنْهُ الكتمان فِيمَا بلغه فيفترض عَلَيْهِ الاظهار وَقَالَ ﷺ فَمن كتم علما عِنْده ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وَقَالَ ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ آخر هَذِه الْأمة يلعن أَولهَا فَمن كَانَ مِمَّن عِنْده علم فليظهره فَإِن كاتم الْعلم يَوْمئِذٍ ككاتم مَا أنزل الله على مُحَمَّد وَلِأَن تعلم الْعلم بِمَنْزِلَة أَدَاء الزَّكَاة وعَلى كل أحد أَدَاء الزَّكَاة من نصابه صَاحب النّصاب وَصَاحب النصب فِي ذَلِك سَوَاء وَجه القَوْل الآخر أَن الْعلمَاء فِي كل زمَان خلفاء الرُّسُل ﵈ كَمَا قَالَ ﷺ الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَمَعْلُوم أَن فِي زمن الرَّسُول ﷺ كَانَ هُوَ الْمُبين للنَّاس مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَمر دينهم فَإِن الله تَعَالَى وَصفه بذلك وَقَالَ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَلَا يجب على أحد سواهُ بَيَان شَيْء من ذَلِك فِي حَضرته فَكَذَا فِي كل حِين ومكانه إِنَّمَا يفترض الْأَدَاء على الْمَشْهُورين بِالْعلمِ دون غَيرهم وَلِأَن النَّاس فِي الْعَادة إِنَّمَا يعتمدون قَول من اشْتهر بِالْعلمِ وَقل مَا يعتمدون غَيرهم وَرُبمَا يستخف بَعضهم بِمَا يسمعهُ مِمَّن لم يشْتَهر بِالْعلمِ فَلهَذَا كَانَ الْبَيَان

стр. 41

على الْمَشْهُورين خَاصَّة وَقد نقل عَن الْحسن ﵀ قَالَ أدْركْت سبعين بَدْرِيًّا كلهم قد انزووا وَلم يشتغلوا بتعليم النَّاس لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحْتَاج إِلَيْهِم وَكَذَا عُلَمَاء التَّابِعين ﵏ فَمنهمْ من تصدى للْفَتْوَى والتعليم وَمِنْهُم من امْتنع من ذَلِك وانزوى بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن الْخلَل لامتناعه وَأَن الْمَقْصُود حَاصِل بِغَيْرِهِ وَهَذَا لِأَن للْعلم ثمرتان الْعلم بِهِ والتعليم فَمن النَّاس من يتَمَكَّن من تَحْصِيل الثمرتين لنَفسِهِ فَيجمع بَين الْعلم والتعليم وَمِنْهُم من لَا يتَمَكَّن مِنْهُمَا جَمِيعًا فيكتفي بثمرة الْعلم بِهِ فَعرفنَا أَن ذَلِك وَاسع وَأَن الْمَقْصُود بالمشهورين من أهل الْعلم حَاصِل وَلم لم يكن طلب الْعلم فَرِيضَة لم يكن للنَّاس مخرج من الاثم يَعْنِي أَن التَّحَرُّز عَن ارْتِكَاب المأثم فرض وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش﴾ الْآيَة وَلَا يتَوَصَّل إِلَى هَذَا التَّحَرُّز إِلَّا بِالْعلمِ قَالَ وَلَو ترك النَّاس طلب الْعلم لما تميز الْحق من الْبَاطِل وَالصَّوَاب من الْخَطَأ وَالْبر من الْجفَاء يَعْنِي أَن التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل أصل الدّين وَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بالعم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويمح الله الْبَاطِل ويحق الْحق﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل﴾ وَلَا شكّ أَنه يفترض على كل مُخَاطب التَّمْيِيز بَين ماأحقه الله وَبَين مَا محاه الله من الْبَاطِل وَكَذَا على كل أحد التَّمَسُّك بِمَا هُوَ صَوَاب والتحرز عَن الْخَطَأ بِجهْدِهِ وَطَرِيق التَّوَصُّل إِلَى ذَلِك بِالْعلمِ

стр. 42

قَالَ فعلى الْعلمَاء إِذا مَا وصل إِلَيْهِم مِمَّن قبلهم مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَة للنَّاس يَعْنِي أَن بَيَان المسموع من الْآثَار وَاجِب على الْعلمَاء فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ نضر الله امْرَءًا سمع منا مقَالَة فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا الى من لم يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه الى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه الى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَقَالَ ﷺ تَسْمَعُونَ وَيسمع مِنْكُم وَيسمع مِمَّن يسمع مِنْكُم وَقَالَ ﷺ أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب ثمَّ إِنَّمَا يفترض بَيَان مافيه مَنْفَعَة للنَّاس وَهُوَ النَّاسِخ من الْآيَات الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة فَأَما الْمَنْسُوخ لايجب رِوَايَته وَكَذَا الشَّأْن فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى فَإِن لَيْسَ فِي رِوَايَته مَنْفَعَة للنَّاس وَرُبمَا يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَة والتحرز عَن الْفِتْنَة أولى وَالْأَصْل فِيهِ مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت لرميتموني بِالْحِجَارَةِ وَإِن معَاذًا ﵁ كَانَ عِنْده حَدِيث فِي الشَّهَادَة وَكَانَ لَا يرويهِ إِلَّا أَن احْتضرَ ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه سمعته من رَسُول الله ﷺ لَوْلَا مَا حضرني من أَمر الله مَا رويته لكم سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا من قلبه دخل الْجنَّة فَكَانَ يمْتَنع من رِوَايَته فِي صِحَّته لكيلا يتكل

стр. 43

النَّاس ثمَّ لما خَافَ الْفَوْت لمَوْته رَوَاهُ لأَصْحَابه فَصَارَ هَذَا أصلا لما بَينا قَالَ أَلا ترى أَنه لَو لم يفترض الْأَدَاء علينا لم يفترض على من قبلنَا حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك الى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ يَعْنِي أَن النَّاس فِي نقل الْعلم سَوَاء قَالَ ﷺ ينْقل هَذَا الدّين من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين فَلَو جَوَّزنَا للمتأخرين ترك النَّقْل لجوزنا مثل ذَلِك للْمُتَقَدِّمين فيودي هَذَا القَوْل بِمَا ذهب إِلَيْهِ الروافض أَن الله تَعَالَى أنزل آيَات فِي شَأْن عَليّ ﵁ وَذكر رَسُول الله ﷺ أَحَادِيث فِي فَضله والتنصيص على إِمَامَته غير أَن الصَّحَابَة ﵃ كتموا ذَلِك حسدا مِنْهُم لَهُ وَعند أهل السّنة ﵏ هَذَا كذب وزور وَلَا يجوز أَن يظنّ بِأحد من الصَّحَابَة ﵃ هَذَا فَكيف يظنّ بجماعتهم وَلَو كَانَ شَيْئا من ذَلِك لاشتهر ذَلِك وَلَكِن بِنَاء مَذْهَب الروافض على الْكَذِب والبهتان فمحمد ﵀ بِهَذَا الاستشهاد أَشَارَ الى هَذَا إِن الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ مَا تركُوا نقل شئ من أُمُور الدّين فعلى من بعدهمْ الإقتداء بهم فِي ذَلِك ثمَّ إِن الْفَرْض نَوْعَانِ فرض عين وَفرض كِفَايَة فَفرض الْعين مَا يتَعَيَّن على كل أحد إِقَامَته نَحْو أَرْكَان الدّين وَفرض الْكِفَايَة مَا إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ لحُصُول الْمَقْصُود وَإنَّهُ إِذا اجْتمع النَّاس على تَركه كَانُوا مشتركين فِي المأثم كالجهاد فَإِن الْمَقْصُود مِنْهُ إعلاء كلمة الله تَعَالَى وإعزاز

стр. 44

الدّين فَإِذا حصل هَذَا الْمَقْصُود بِبَعْض الْمُسلمين سقط عَن البَاقِينَ وَإِذا قعد الْكل عَن الْجِهَاد حق استولى الْكفَّار على بعض الثغور اشْترك الْمُسلمُونَ فِي المأثم بذلك وَكَذَا غسل الْمَيِّت وَالصَّلَاة عَلَيْهِ والدفن فَذَلِك فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ وَإِن امْتَنعُوا عَن ذَلِك حَتَّى ضَاعَ ميت بَين قوم مَعَ علمهمْ بِحَالهِ كَانُوا مشتركين فِي المأثم فأداء الْعلم على النَّاس فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ لحُصُول الْمَقْصُود وَهُوَ إحْيَاء الشَّرِيعَة وَكَون الْعلم مَحْفُوظًا بَين النَّاس بأَدَاء الْبَعْض وَأَن امْتَنعُوا من ذَلِك حَتَّى إِن درس شئ بِسَبَب ذَلِك كَانُوا مشتركين فِي المأثم ثمَّ قَالَ وَمَا رغب فِيهِ رَسُول الله ﷺ من الْفَضَائِل فأداؤه إِلَى النَّاس فَرِيضَة وَمعنى هَذَا الْكَلَام أَن مُبَاشرَة فعل من التطوعات وَمَا ندب إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ بِفَرْض وَلَا إِثْم على من ترك ذَلِك وَلَكِن أَدَاء ذَلِك إِلَى النَّاس فَرِيضَة حَتَّى إِذا اجْتمع أهل زمَان على ترك نَقله كَانُوا تاركين لفريضة مشتركين فِي المأثم لِأَنَّهُ بترك النَّقْل يندرس شَيْء من الشَّرِيعَة وَلَيْسَ فِي ترك الْأَدَاء معنى الإندراس وَنَظِير هَذَا أَن من امْتنع من صَلَاة التَّطَوُّع فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلَو صلى التَّطَوُّع بِغَيْر طَهَارَة كَانَ آثِما معاتبا لِأَن فِي الْأَدَاء بِغَيْر طَهَارَة تَغْيِير حكم الشَّرْع وَلَيْسَ فِي ترك الْأَدَاء تَغْيِير حكم الشَّرْع فَإِن الْمَقْصُود بالتطوعات أحد شَيْئَيْنِ قطع طمع الشَّيْطَان عَن وسوسته بِأَن يَقُول إِذا كَانَ هَذَا العَبْد يُؤَدِّي مَا لَيْسَ إِلَيْهِ كَيفَ يتْرك أَدَاء مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِع طمعه عَن وسوسته بِهَذَا وَهُوَ خبر نُقْصَان الْفَرَائِض على مَا قَالَ ﷺ إِذا تمكن من فَرِيضَة العَبْد نُقْصَان

стр. 45

يَقُول الله تَعَالَى لملائكته اجعلوا نوافل عَبدِي جبرا لنُقْصَان فريضته وَإِذا كَانَ فِي التَّطَوُّع هَذَا الْمَقْصُود فَلَا يجوز ترك الْبَيَان فِيهِ حَتَّى يندرس فَيفوت هَذَا الْمَقْصُود أصلا فَعرفنَا أَن أداءه للنَّاس فَرِيضَة وَإِن لم يكن مُبَاشرَة فعله فَرِيضَة قَالَ وَلَيْسَ يجب على الْفَقِيه أَن يحدث بِكُل مَا سمع إِلَّا لغَائِب حضر خُرُوجه مِمَّا يعلم أَنه لم يشْتَهر فِي أهل مصره يَعْنِي بِهَذَا أَن أصل الْبَيَان وَاجِب وَلَكِن الْوَقْت موسع وَإِنَّمَا يتضيق عِنْد خوف الْفَوْت كَمَا بَينا فِي حَدِيث معَاذ ﵁ وَالَّذِي أَتَاهُ كَانَ قَصده أَن يتَعَلَّم مِنْهُ مَا لم يشْتَهر فِي مصره مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَة للنَّاس حَتَّى ينذرهم يذلك إِذا رَجَعَ فَمَا لم يعزم على الرُّجُوع كَانَ الْوَقْت فِي التَّعْلِيم وَاسِعًا على الْمعلم وَإِذا عزم على الْخُرُوج فقد تضيق الْوَقْت فَلَا يَسعهُ تَأْخِير الْبَيَان بعد ذَلِك بِمَنْزِلَة الصَّلَاة بعد دُخُول الْوَقْت فرض وَلَكِن الْوَقْت وَاسع إِذا بلغ آخر الْوَقْت تضيق فَلَا يَسعهُ التَّأْخِير بعد ذَلِك وَهَذَا فِيمَا لم يشْتَهر فِيهِ أهل مصره فَأَما فِيمَن اشْتهر فيهم فَلَا حَاجَة وَلَا ضَرُورَة وَلِأَن الرَّاجِع يتَمَكَّن من تَحْصِيل ذَلِك لنَفسِهِ من عُلَمَاء أهل مصره وَأهل مصره يتوصلون إِلَى ذَلِك من جِهَة عُلَمَاء مِنْهُم دون هَذَا الرَّاجِع إِلَيْهِم والمؤمنون كَنَفس وَاحِدَة هَكَذَا قَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفس وَاحِدَة يَعْنِي إِذا تألم بعض الْجَسَد تألم الْكل وَإِذا نَالَ الرَّاحَة بعض الْجَسَد اشْترك فِي ذَلِك سَائِر الْأَعْضَاء

стр. 46

فَإِذا كَانَ مَشْهُورا فِي أهل مصره وَلَا يندرس بامتناع هَذَا الْمعلم من الْبَيَان لَهُ وَإِذا لم يكن مَشْهُورا فيهم فَترك الْبَيَان يُؤَدِّي إِلَى الاندراس فِي حَقهم فَكَمَا لَا يحل لَهُ ترك الْبَيَان لأهل مصره حَتَّى يندرس فَكَذَا لَا يحل ترك الْبَيَان للَّذي ارتحل إِلَيْهِ من مَوضِع آخر لهَذَا الْمَقْصُود وَهُوَ غير مَشْهُور فِي أهل مصره ثمَّ إِن الله تَعَالَى خلق أَوْلَاد آدم خلقا لَا يقوم أبدانهم إِلَّا بأَرْبعَة أَشْيَاء الطَّعَام وَالشرَاب واللباس والكن أما الطَّعَام قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا جعلناهم جسدا﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ وَأما الشَّرَاب قَالَ الله ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿كلوا وَاشْرَبُوا﴾ وَأما اللبَاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم وريشا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ الْآيَة وَأما الْكن فَإِنَّهُم خلقُوا خلقَة لَا تطِيق أبدانهم أَذَى الْحر وَالْبرد وَلَا تبقى على شدتهما قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾

стр. 47

فَيحْتَاج إِلَى دفع أَذَى الْحر وَالْبرد عَن نَفسه ليبقى نَفسه فَيُؤَدِّي بهَا مَا تحمل من أَمَانَة الله تَعَالَى وَلَا يتَمَكَّن من ذَلِك إِلَّا بكن فَصَارَ الْكن بِهَذَا الْمَعْنى بِمَنْزِلَة الطَّعَام وَالشرَاب قَالَ وَقدر لَهُم المعاش بِأَسْبَاب فِيهَا حِكْمَة بَالِغَة يَعْنِي أَن كل أحد لَا يتَمَكَّن من تعلم جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي عمره فَلَو اشْتغل بذلك فني عمره قبل أَن يتَعَلَّم وَمَا لَا يتَعَلَّم لَا يُمكنهُ أَن يحصله لنَفسِهِ وَقد تعلق بِهَذَا مصَالح الْمَعيشَة لَهُم فيسر الله تَعَالَى على كل وَاحِد مِنْهُم تعلم نوع من ذَلِك حَتَّى يتَوَصَّل إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك النَّوْع بِعَمَلِهِ ويتوصل غَيره إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك بِعِلْمِهِ أَيْضا وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله الْمُؤْمِنُونَ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله ﴿ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾ الْآيَة يَعْنِي أَن الْفَقِير يحْتَاج إِلَى مَال الْغَنِيّ والغني يحْتَاج إِلَى عمل الْفَقِير فَهُنَا أَيْضا الزَّارِع يحْتَاج إِلَى عمل النساج ليحصل اللبَاس لنَفسِهِ والنساج يحْتَاج إِلَى عمل الزَّارِع لتَحْصِيل الطَّعَام والقطن الَّذِي يكون مِنْهُ اللبَاس لنَفسِهِ ثمَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا يُقيم من الْعَمَل يكون معينا لغيره فِيمَا هُوَ قربَة وَطَاعَة فَإِن التَّمَكُّن من إِقَامَة الْقرْبَة بِهَذَا يحصل فَيدْخل تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَقَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه الْمُسلم وَسَوَاء أَقَامَ ذَلِك الْعَمَل بعوض شَرط عَلَيْهِ أَو بِغَيْر عوض فَإِذا كَانَ مقْصده مَا بَينا كَانَ فِي عمله معنى الطَّاعَة لقَوْله ﷺ الْأَعْمَال

стр. 48

بِالنِّيَّاتِ وَلكُل امْرِئ مَا نوى فَإِذا نوى الْعَامِل بِعَمَلِهِ التَّمَكُّن من إِقَامَة الطَّاعَة أَو تَمْكِين أَخِيه من ذَلِك كَانَ مثابا على عمله بِاعْتِبَار نِيَّته بِمَنْزِلَة المتناكحين اذا قصدا بفعلهما ابْتِغَاء الْوَلَد وتكثير عباد الله تَعَالَى وَأمة الرَّسُول ﷺ كَانَ لَهما الثَّوَاب على عملهما وَإِن كَانَ ذَلِك الْفِعْل لقَضَاء الشَّهْوَة فِي الأَصْل وَلَكِن بِالنِّيَّةِ يصير معنى الْقرْبَة أصلا وَمعنى قَضَاء الشَّهْوَة تبعا فَلهَذَا مثله قَالَ فَإِن تركُوا الْأكل وَالشرب فقد عصوا لِأَن فِيهِ تلفا يَعْنِي أَن النَّفس لما كَانَت لَا تبقى عَادَة بِدُونِ الْأكل وَالشرب فالممتنع من ذَلِك قَاتل نَفسه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ وَهُوَ معرض نَفسه للهلاك وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وَبعد التَّنَاوُل بِقدر مَا يسد بِهِ رمقه ينْدب إِلَى أَن يتَنَاوَل مِقْدَار مَا يتقوى بِهِ على الطَّاعَة إِن لم يتَنَاوَل يضعف وَرُبمَا يعجز عَن الطَّاعَة وَقَالَ ﷺ الْمُؤمن الْقوي أحب الى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير لِأَن اكْتِسَاب مَا يتقوى بِهِ على الطَّاعَة يكون طَاعَة وَهُوَ مَنْدُوب إِلَى الْإِتْيَان يكون طَاعَة بِمَا هُوَ طَاعَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو ذَر ﵁ حِين سُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال فَقَالَ الصَّلَاة وَأكل الْخبز وَقد نقل عَن مَسْرُوق ﵀ وَغَيره أَن من اضْطر فَلم يَأْكُل فَمَاتَ دخل النَّار وَالْمرَاد تنَاول الْميتَة

стр. 49

لِأَن عِنْد الضَّرُورَة الْحُرْمَة تنكشف فتلحق بالمباح وَإِن كَانَ الحكم فِي الْميتَة هَذَا مَعَ حرمتهَا فِي غير حَالَة الضَّرُورَة فَمَا ظَنك فِي الطَّعَام الْحَلَال قَالَ وَستر الْعَوْرَة فَرِيضَة بقوله تَعَالَى ﴿خُذُوا زينتكم﴾ الْآيَة وَالْمرَاد ستر الْعَوْرَة لأجل الصَّلَاة أَلا ترى أَنه خص الْمَسَاجِد بِالذكر وَالنَّاس فِي الْأَسْوَاق أَكثر مِنْهُ فِي الْمَسَاجِد فَلَا فَائِدَة لتخصيص الْمَسَاجِد بِالذكر سوى أَن يكون المُرَاد ستر الْعَوْرَة لأجل الصَّلَاة فَهَذَا يدل على أَنه من شُرُوط الصَّلَاة فَيكون فرضا وَلَئِن كَانَ المُرَاد ستر الْعَوْرَة لأجل النَّاس فَالْأَمْر حَقِيقَة للْوُجُوب فَإِن كَانَ خَالِيا فِي بَيته فَهُوَ مَنْدُوب إِلَى أَن يستر لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لما ذكرُوا عِنْده كشف الْعَوْرَة قيل لَهُ أَرَأَيْت لَو كَانَ أَحَدنَا خَالِيا فَقَالَ ﷺ الله أَحَق أَن يستحى مِنْهُ قَالَ وعَلى النَّاس اتِّخَاذ الأوعية لنقل المَاء الى النِّسَاء لِأَن الْمَرْأَة تحْتَاج إِلَى المَاء للْوُضُوء وَالشرب وَإِن تيممت للْوُضُوء احْتَاجَ إِلَى المَاء لتشرب وَلَا يُمكنهَا أَن تخرج لتستقي المَاء من الْأَنْهَار والآبار والحياض فَإِنَّهَا أمرت بالقرار فِي بَيتهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ فعلى الرجل أَن يَأْتِيهَا بذلك لِأَن الشَّرْع ألزم صَاحبهَا النَّفَقَة وَالْمَاء كَالنَّفَقَةِ وَلَا يُمكنهُ أَن يَأْتِيهَا بكفه فَلَا بُد من أَن يتَّخذ وعَاء لذَلِك لِأَن مَا لَا يَتَأَتَّى فِي إِقَامَة الْمُسْتَحق إِلَّا بِهِ يكون مُسْتَحقّا

стр. 50

قَالَ وَمن فعل شَيْئا مِمَّا ذكرنَا فَهُوَ مَأْمُور بإتمامه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها﴾ الْآيَة وَهَذَا مثل ذكره الله تَعَالَى لمن ابْتَدَأَ طَاعَة ثمَّ لم يُتمهَا كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تغزل ثمَّ تنقض فَلَا تكون ذَات غزل وَلَا ذَات قطن وَمن امْتنع من الْأكل وَالشرب والاستكنان حَتَّى مَاتَ وَجب عَلَيْهِ دُخُول النَّار لِأَنَّهُ قتل نَفسه قصدا فَكَأَنَّهُ قَتلهَا بحديدة وَقَالَ ﷺ من قتل نَفسه بحديدة فحديدته فِي يَده يجَأ بهَا نَفسه فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ تَأْوِيل اللَّفْظ الَّذِي ذكره من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه ذكره على سَبِيل التهديد وأضمر فِي كَلَامه معنى صَحِيحا وَهُوَ أَنه أَرَادَ الدُّخُول الَّذِي هُوَ تَحِلَّة الْقسم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ الْآيَة وَالْمرَاد داخلها عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَالثَّانِي أَن المُرَاد بَيَانه جَزَاء فعله يَعْنِي أَن جَزَاء فعله دُخُول النَّار وَلَكِن فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ بفضله وَإِن شَاءَ أدخلهُ النَّار بعدله وَهَذَا نَظِير مَا قيل فِي بَيَان قَوْله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ أَن هَذَا جَزَاؤُهُ إِن جازاه الله تَعَالَى بِهِ وَلكنه عَفْو كريم يتفضل بِالْعَفو وَلَا يخلد أحدا من الْمُؤمنِينَ فِي نَار جَهَنَّم وَقَالَ وكل أحد مَنْهِيّ عَن إِفْسَاد الطَّعَام وَفِي الافساد الْإِسْرَاف وَلِهَذَا لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن القيل والقال وَعَن كَثْرَة

стр. 51

السُّؤَال وَعَن إِضَاعَة المَال ثمَّ الْحَاصِل أَنه يحرم على الْمَرْء فِيمَا اكْتَسبهُ من الْحَلَال الافساد والسرف والمخيلة والتفاخر وَالتَّكَاثُر أما الْإِفْسَاد فَحَرَام لقَوْله تَعَالَى ﴿وابتغ فِيمَا آتاك الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض﴾ الْآيَة أما السَّرف فَحَرَام لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تسرفوا﴾ الْآيَة وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا﴾ الْآيَة فَذَلِك دَلِيل على أَن الْإِسْرَاف والتقتير حرَام وَأما الْمَنْدُوب إِلَيْهِ مَا بَينهمَا وَفِي الْإِسْرَاف تبذير وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تبذر تبذيرا﴾ ثمَّ السَّرف فِي الطَّعَام أَنْوَاع فَمن ذَلِك الْأكل فَوق الشِّبَع لقَوْله ﷺ مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من الْبَطن فَإِن كَانَ لَا بُد فثلث للطعام وَثلث للشراب وَثلث للنَّفس وَقَالَ النَّبِي ﷺ يَكْفِي ابْن آدم لقيمات يقمن بهَا صلبه وَلَا يلام على كفاف وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَأْكُل لمَنْفَعَة لنَفسِهِ وَلَا مَنْفَعَة فِي الْأكل فَوق الشِّبَع بل فِيهِ مضرَّة فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة إِلْقَاء الطَّعَام فِي

стр. 52

مزبلة أَو شرا مِنْهُ وَلِأَن مايزيد على مِقْدَار حَاجته من الطَّعَام فِيهِ حق غَيره فَإِنَّهُ يسد بِهِ جوعته إِذا أوصله إِلَيْهِ بعوض أَو بِغَيْر عوض فَهُوَ فِي تنَاوله جَان على حق الْغَيْر وَذَلِكَ حرَام وَلِأَن الْأكل فَوق الشِّبَع رُبمَا يمرضه فَيكون ذَلِك كجراحته نَفسه وَالْأَصْل فِيهِ مَا رُوِيَ أَن رجلا تجشأ فِي مجْلِس رَسُول الله ﷺ فَغَضب رَسُول الله ﷺ نح عَنَّا جشأك أما علمت أَن أطول النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم شبعا فِي الدُّنْيَا وَلما مرض ابْن عمر ﵄ سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن سَبَب مَرضه فَقيل أَنه أتخم فَقَالَ ومم ذَلِك فَقيل من كَثْرَة الْأكل فَقَالَ ﷺ أما إِنَّه لَو مَاتَ لم أشهد جنَازَته وَلم أصل عَلَيْهِ وَلما قيل لعمر ﵁ أَلا نتَّخذ لَك جوارشا قَالَ وَمَا يكون الجوارش قيل هاضوم يهضم الطَّعَام فَقَالَ سُبْحَانَ الله أَو يَأْكُل الْمُسلم فَوق الشِّبَع إِلَّا بعض الْمُتَأَخِّرين ﵏ اسْتثْنِي من ذَلِك حَاله وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ لَهُ غَرَض صَحِيح فِي الْأكل فَوق الشِّبَع

стр. 53

فَحِينَئِذٍ لَا بَأْس بذلك بِأَن يَأْتِيهِ ضيف بعد تنَاوله مِقْدَار حَاجته فيأكل مَعَ ضَيفه لِئَلَّا يخجل وَكَذَا إِذا أَرَادَ أَن يَصُوم من الْغَد فَلَا بَأْس بِأَن يتَنَاوَل بِاللَّيْلِ فَوق الشِّبَع ليتقوى على الصَّوْم بِالنَّهَارِ وَمن الْإِسْرَاف فِي الطَّعَام الاستكثار من الْمُبَاحَات والألوان فَإِن النَّبِي ﷺ عد ذَلِك من أَشْرَاط السَّاعَة وَقَالَ تدار القصاع على موائدهم واللعنة تنزل عَلَيْهِم وَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا كَانَت فِي ضِيَافَة فَأتيت بقصعة بعد قَصْعَة فَقَامَتْ وَجعلت تَقول ألم تكن الأولى مأكولة فَإِن كَانَت فَمَا هَذِه الثَّانِيَة وَفِي الأولى مَا يكفينا قد كَانَ رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن مثل هَذَا إِلَّا أَن يكون ذَلِك عِنْد الْحَاجة بِأَن يمل من نَاحيَة وَاحِدَة فيستكثر من الْمُبَاحَات ليستوفي من كل نوع شَيْئا فيجتمع لَهُ مِقْدَار مَا يتقوى بِهِ على الطَّاعَة على مَا حُكيَ أَن الْحجَّاج كتب إِلَى عبد الملك بن مَرْوَان يشكو إِلَيْهِ ثَلَاثًا الْعَجز عَن الْأكل وَعَن الِاسْتِمْتَاع والعي فِي الْكَلَام فَكتب إِلَيْهِ أَن استكثر من ألوان الطَّعَام وجدد السراري فِي كل وَقت وَانْظُر إِلَى أخريات النَّاس فِي خطبتك وَمن الْإِسْرَاف أَن يضع على الْمَائِدَة من ألوان الطَّعَام فَوق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من للْأَكْل قد تَبينا أَن الزِّيَادَة على مِقْدَار حَاجته كَانَ حق غَيره إِلَّا أَن يكون من قَصده أَن يَدْعُو بالأضياف قوما بعد قوم إِلَى أَن يَأْتُوا على آخر الطَّعَام فَحِينَئِذٍ لَا بَأْس بذلك لِأَنَّهُ مُفِيد وَمن الْإِسْرَاف أَن يَأْكُل وسط الْخبز ويدع حَوَاشِيه أَو يَأْكُل مَا

стр. 54

انتفخ من الْخبز كَمَا يَفْعَله بعض الْجُهَّال ويزعمون أَن ذَلِك ألذ وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ غَيره لايتناول مَا ترك هُوَ من حَوَاشِيه فَأَما إِذا كَانَ غَيره يتَنَاوَل ذَلِك فَلَا بَأْس بِأَن يخْتَار لتنَاوله رغيفا دون رغيف وَمن الْإِسْرَاف التمسح بالخبز عِنْد الْفَرَاغ من الطَّعَام من غير أَن يَأْكُل مَا يتمسح بِهِ لِأَن غَيره يستقذر ذَلِك فَلَا يَأْكُلهُ فَأَما إِذا كَانَ هُوَ يَأْكُل مَا يتمسح بِهِ فَلَا بَأْس بذلك وَمن الْإِسْرَاف إِذا سقط من يَده لقْمَة أَن يَتْرُكهَا بل يَنْبَغِي أَن يبْدَأ بِتِلْكَ اللُّقْمَة فيأكلها لِأَن فِي ترك ذَلِك اسْتِخْفَافًا بِالطَّعَامِ وَفِي التَّنَاوُل إكرام وَقد أمرنَا بإكرام الْخبز قَالَ ﷺ أكْرمُوا الْخبز فَإِنَّهَا من بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض وَمن إكرام الْخبز أَن لَا ينْتَظر الأدام إِذا حضر الْخبز وَلَكِن يُؤْخَذ فِي الْأكل قبل أَن يُؤْتى بالأدام وَهَذَا لِأَن الْإِنْسَان مَنْدُوب إِلَى شكر النِّعْمَة والتحرز عَن كفران النِّعْمَة وَفِي ترك اللُّقْمَة الَّتِي سَقَطت معنى كفران النِّعْمَة وَفِي الْمُبَادرَة إِلَى تنَاول الْخبز قبل أَن يُؤْتى بالأدام إِظْهَار شكر النِّعْمَة وَإِذا كَانَ جائعا فَفِي الِامْتِنَاع إِلَى أَن يُؤْتى بالأدام نوع مماطلة فَيَنْبَغِي أَن يتحرز عَن ذَلِك وَفِيه حِكَايَة فَإِن أَبَا حنيفَة ﵀ لَقِي بهْلُول الْمَجْنُون يَوْمًا وَهُوَ جَالس على الطَّرِيق يَأْكُل الطَّعَام فَقَالَ أتستجيز من نَفسك أَن

стр. 55

تَأْكُل فِي الطَّرِيق قَالَ يَا أَبَا حنيفَة أَنْت تَقول لي هَذَا وَنَفْسِي غريمي وَالْخبْز فِي حجري وَقَالَ النَّبِي ﷺ مطل الْغنى ظلم فَكيف أمنعها حَقّهَا إِلَى أَن أَدخل الْبَيْت والمخيلة حرَام لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِلْمِقْدَادِ ﵁ فِي ثوب لبسه إياك والمخيلة وَلَا تلام على كفاف فالتفاخر وَالتَّكَاثُر حرَام لقَوْله تَعَالَى ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو﴾ الْآيَة وَإِنَّمَا ذكر هَذَا على وَجه الذَّم لذَلِك وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ فَعرفنَا أَن التفاخر وَالتَّكَاثُر حرَام قَالَ وَأمر اللبَاس نَظِير الْأكل فِي جَمِيع مَا ذكرنَا يَعْنِي أَنه كَانَ مَنْهِيّ عَن ذَلِك فِي اللبَاس وَالْأَصْل فِيهِ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الشهرتين وَالْمرَاد أَن يلبس نِهَايَة مَا يكون من الْحسن والجودة فِي الثِّيَاب على وَجه يشار إِلَيْهِ بالأصابع أَو يلبس نِهَايَة مَا يكون من الثِّيَاب الْخلق على وَجه يشار إِلَيْهِ بالأصابع فَإِن أَحدهمَا يرجع إِلَى الْإِسْرَاف وَالْآخر يرجع إِلَى التقتير وَخير الْأُمُور أوساطها فَيَنْبَغِي أَن يلبس فِي عَامَّة الْأَوْقَات الغسيل من الثِّيَاب وَلَا يتَكَلَّف للجديد الْحسن عملا بقوله ﷺ البذاذة

стр. 56

من الْإِيمَان إِلَّا أَنه لَا بَأْس بِأَن يلبس أحسن مَا يجد من ثِيَاب فِي بعض الأعياد والأوقات وَالْجمع لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ لَهُ جُبَّة فنك أهداها إِلَيْهِ الْمُقَوْقس فَكَانَ يلبسهَا فِي الأعياد وَالْجمع وللوفود ينزلون إِلَيْهِ وَرُوِيَ أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ قبَاء مكفوف بالحرير وَكَانَ يلبس ذَلِك فِي الأعياد وَالْجمع وَلِأَن فِي لبس ذَلِك فِي بعض الْأَوْقَات إِظْهَار النِّعْمَة قَالَ ﷺ إِذا أنعم الله على عبد أحب أَن يرى عَلَيْهِ أَثَره وَفِي التَّكَلُّف لذَلِك فِي جَمِيع الْأَوْقَات معنى الصلف وَرُبمَا يغِيظ ذَلِك المحتاجين فالتحرز عَن ذَلِك أولى وَكَذَا فِي زمن الشتَاء لَا يَنْبَغِي أَن يظاهر بَين جبتين أَو ثَلَاثَة إِذا كَانَ يَكْفِيهِ لدفع الْبرد جُبَّة وَاحِدَة لِأَن ذَلِك يغِيظ المحتاجين وَهُوَ مَنْهِيّ عَن إكتساب سَبَب يُؤْذِي غَيره ومقصوده يحصل بِمَا دون ذَلِك وَالْأولَى لَهُ أَن يخْتَار الخشن من الثِّيَاب للبس على مَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه كَانَ لَا يلبس إِلَّا الخشن من الثِّيَاب فَإِن لبس الخشن فِي زمَان الشتَاء واللين فِي زمَان الصَّيف فَلَا بَأْس بذلك فَإِن الخشن يدْفع من الْبرد مَا لَا يَدْفَعهُ اللين فِي زمَان الصَّيف فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى ذَلِك فِي زمن الشتَاء واللين ينشف من

стр. 57

الْعرق مَا لَا ينشفه الخشن فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى ذَلِك فِي زمَان الصَّيف فَإِن لبس اللين فِي الشتَاء والصيف فَذَلِك وَاسع لَهُ أَيْضا إِذا كَانَ اكْتَسبهُ من حلّه لقَوْله تَعَالَى ﴿قل من حرم زِينَة الله﴾ الْآيَة وكما ينْدب إِلَى مَا بَينا فِي طَعَام نَفسه وَكسوته فَكَذَلِك فِي طَعَام عِيَاله وكسوتهم لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوف مَا يكون دون السَّرف وَفَوق التقتير حَتَّى قَالُوا لَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّف لتَحْصِيل جَمِيع شهوات عِيَاله وَلَا أَن يمْنَعهَا جَمِيع شهواتها وَلَكِن إنفاقها بَين ذَلِك فَإِن خير الْأُمُور أوساطها وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَن يستديم الشِّبَع من الطَّعَام فَإِن الأولى مَا اخْتَارَهُ رَسُول الله ﷺ وَبَينه فِي قَوْله أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا وَكَانَت عَائِشَة ﵂ تبْكي رَسُول الله ﷺ حِين قبض وَتقول يامن اخْتَار الْحَصِير على السرير يامن لم ينم بِاللَّيْلِ من خوف السعير يامن لم يلبس الْحَرِير وَلم يشْبع من خبز الشّعير وَكَانَت عَائِشَة ﵂ تَقول رُبمَا يَأْتِي علينا الشَّهْر أَو أَكثر لَا يُوقد فِي بُيُوتنَا نَار وَإِنَّمَا هما الأسودان المَاء وَالتَّمْر وَقد روينَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أطول النَّاس جوعا يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم شبعا فِي الدُّنْيَا فَلهَذَا كَانَ التَّحَرُّز عَن اسْتِدَامَة الشِّبَع فِي جَمِيع الْأَوْقَات أولى قَالَ وَلَيْسَ على الرجل أَن يدع الْأكل حَتَّى يصير بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِنَفسِهِ يَعْنِي حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ الْجُوع إِلَى حَال يضرّهُ وَيفْسد بِهِ معدته بِأَن

стр. 58

تحترق فَلَا تنْتَفع بِالْأَكْلِ بعد ذَلِك لِأَن التَّنَاوُل عِنْد الْحَاجة حق لنَفسِهِ قبله قَالَ ﷺ لبَعض أَصْحَابه نَفسك مطيتك فارفق بهَا وَلَا تجوعها وَقَالَ ﷺ لآخر إِن لنَفسك عَلَيْك حَقًا ولأهلك عَلَيْك حَقًا وَللَّه عَلَيْك حَقًا فأعط كل ذِي حق حَقه وَقَالَ ﷺ لِلْمِقْدَادِ بن معدي كرب كل واشرب والبس من غير مخيلة وَالْأَمر للْإِيجَاب حَقِيقَة وَلِأَن فِي الِامْتِنَاع من الْأكل إِلَى هَذِه الْغَايَة تَعْرِيض النَّفس للهلاك وَهُوَ حرَام وَفِيه اكْتِسَاب سَبَب تَفْوِيت الْعِبَادَات لِأَنَّهُ لَا يتَوَصَّل إِلَى أَدَاء الْعِبَادَات إِلَّا بِنَفسِهِ وكما أَن تَفْوِيت الْعِبَادَات الْمُسْتَحقَّة حرَام فإكتساب سَبَب التفويت حرَام فَأَما مَعَ تجويع النَّفس على وَجه لَا يعجز مَعَه عَن أَدَاء الْعِبَادَات وَينْتَفع بِالْأَكْلِ بعده فَهُوَ مُبَاح لِأَنَّهُ إِنَّمَا يمْتَنع من الْأكل لإتمام الْعِبَادَة إِذا كَانَ صَائِما أَو ليَكُون الطَّعَام ألذ عِنْده إِذا تنَاول فَكل مَا كَانَ تنَاول المتناول أجوع كَانَ لذته فِي التَّنَاوُل أَكثر إِذا كَانَ فعله هَذَا لغَرَض صَحِيح كَانَ مُبَاحا لَهُ وَهَذَا نَظِير مَا بَينا فِي الْأكل فَوق الشِّبَع فَإِنَّهُ حرَام عَلَيْهِ إِلَى عِنْد غَرَض صَحِيح لَهُ فِي ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ فِي الِامْتِنَاع إِلَى أَن يصير بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِالْأَكْلِ غَرَض صَحِيح بل فِيهِ إِتْلَاف النَّفس وَحُرْمَة نَفسه عَلَيْهِ فَوق حُرْمَة نفس أُخْرَى فَإِذا كَانَ

стр. 59

يحِق عَلَيْهِ إحْيَاء نفس أُخْرَى بِمَا يقدر عَلَيْهِ وَلَا يحل لَهُ اكْتِسَاب سَبَب إتلافها فَفِي نَفسه أولى وَقد قَالَ بعض المتقشفة لَو امْتنع من الْأكل حَتَّى مَاتَ لم يكن آثِما لِأَن النَّفس أَمارَة بالسوء كَمَا وصفهَا الله تَعَالَى بِهِ وَهِي عَدو الْمَرْء قَالَ ﷺ أعدى عَدو الْمَرْء بَين جَنْبَيْهِ يَعْنِي نَفسه وللمرء أَن لَا يُربي عدوه فَكيف يصير آثِما بالامتناع عَن تَرْبِيَته وَقَالَ ﷺ أفضل الْجِهَاد جِهَاد النَّفس وتجويع النَّفس مجاهدة مَعهَا فَلَا يجوز أَن يَجْعَل بِهِ آثِما وَلَكنَّا نقُول مجاهدة النَّفس فِي حملهَا على الْعِبَادَات وَفِي التجويع إِلَى هَذَا الْحَال تَفْوِيت الْعِبَادَة لَا حمل النَّفس على أَدَاء الْعِبَادَات وَقد بَينا أَن النَّفس متحملة بأمانات الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى خلقهَا معصومة لتؤدي الْأَمَانَة الَّتِي تحملهَا وَلَا يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِالْأَكْلِ عِنْد الْحَاجة وَمَا لَا يتَوَصَّل إِلَى إِقَامَة الْمُسْتَحق إِلَّا بِهِ فَيكون مُسْتَحقّا فَأَما الشَّاب الَّذِي يخَاف على نَفسه من الشبق والوقوع فِي الْعَنَت فَلَا بَأْس بِأَن يمْتَنع من الْأكل وتكسر شَهْوَته فتجويع النَّفس على وَجه لَا يعجز عَن أَدَاء الْعِبَادَات لقَوْله ﷺ يَا معشر الشَّبَاب عَلَيْكُم

стр. 60

بِالنِّكَاحِ فَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِن لَهُ وَجَاء وَلِأَنَّهُ منتفع بالإمتناع من الْأكل هُنَا من حَيْثُ أَنه يمْنَع بِهِ نَفسه عَن ارْتِكَاب الْمعاصِي على مَا يحْكى عَن أبي بكر الْوراق رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي تجويع النَّفس إشباعها وَفِي إشباعها تجويعها ثمَّ فسر ذَلِك فَقَالَ إِذا جاعت واحتاجت إِلَى الطَّعَام شبعت عَن جَمِيع الْمعاصِي وَإِذا شبعت من الطَّعَام جاعت ورغبت فِي جَمِيع الْمعاصِي وَإِذا كَانَ التَّحَرُّز عَن ارْتِكَاب الْمعْصِيَة فرضا إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِهَذَا النَّوْع من التجويع كَانَ ذَلِك مُبَاحا قَالَ ويفترض على النَّاس إطْعَام الْمُحْتَاج فِي الْوَقْت الَّذِي يعجز عَن الْخُرُوج والطلب وَهَذِه الْمَسْأَلَة تشْتَمل على فُصُول أَحدهَا أَن الْمُحْتَاج إِذا عجز عَن الْخُرُوج يفترض على من يعلم بِحَالهِ أَن يطعمهُ مِقْدَار مَا يتقوى بِهِ على الْخُرُوج وإداء الْعِبَادَات إِذا كَانَ قَادِرًا على ذَلِك لقَوْله ﷺ مَا آمن من بَات شبعانا وجاره إِلَى جنبه خاوي حَتَّى إِذا مَاتَ وَلم يطعمهُ أحد مِمَّن يعلم بِحَالهِ اشْتَركُوا جَمِيعًا بالمأثم لقَوْله

стр. 61

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا رجل مَاتَ ضيَاعًا بَين قوم أَغْنِيَاء فقد بَرِئت مِنْهُم ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَكَذَا إِذا لم يكن عِنْد من يعلم بِحَالهِ مَا يُعْطِيهِ وَلكنه قَادر على الْخُرُوج إِلَى النَّاس فيخبر بِحَالهِ ليواسوه يفترض عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن عَلَيْهِ أَن يدْفع مَا نزل بِهِ عَنهُ بِحَسب الْإِمْكَان وَالطَّاعَة بِحَسب الطَّاقَة فَإِن إمتنعوا من ذَلِك حَتَّى مَاتَ اشْتَركُوا فِي المأثم وَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ وَهُوَ نَظِير فدَاء الْأَسير فَإِن من وَقع أَسِيرًا فِي يَد أهل الْحَرْب من الْمُؤمنِينَ فقصدوا قَتله يفترض على كل مُسلم يعلم بِحَالهِ أَن يفْدِيه بِمَالِه إِن قدر على ذَلِك وَإِلَّا أخبر بِهِ غَيره مِمَّن يقدر عَلَيْهِ وَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ لحُصُول الْمَقْصُود وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى فَإِن الْجُوع الَّذِي هاج من طبعه عَدو يخَاف الْهَلَاك مِنْهُ بِمَنْزِلَة الْعَدو من الْمُشْركين فَأَما إِذا كَانَ الْمُحْتَاج يتَمَكَّن من الْخُرُوج وَلَكِن لَا يقدر على الْكسْب فَعَلَيهِ أَن يخرج وَمن يعلم بِحَالهِ إِذا كَانَ عَلَيْهِ شئ من الْوَاجِبَات فليؤده إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد وجد لما اسْتحق عَلَيْهِ تَصرفا ومستحقا فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسْقط الْفَرْض عَن نَفسه بِالصرْفِ إِلَيْهِ حتما لِأَنَّهُ أوفى إِلَيْهِ من غَيره وَهُوَ ينْدب إِلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِ إِن كَانَ قد أدّى مَا عَلَيْهِ من الْفَرَائِض لقَوْله تَعَالَى ﴿وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ وَلما سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أفضل

стр. 62

الْأَعْمَال قَالَ إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وَإِن كَانَ الْمُحْتَاج بِحَيْثُ يقدر على التكسب فَعَلَيهِ أَن يكْتَسب وَلَا يحل لَهُ أَن يسْأَل لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سَأَلَ النَّاس وَهُوَ غَنِي عَمَّا يسْأَل جَاءَت مَسْأَلته يَوْم الْقِيَامَة خدوشا أَو خموشا أَو كدوحا فِي وَجهه وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يفرق الصَّدقَات فَأَتَاهُ رجلَانِ يسألان من ذَلِك فَرفع بَصَره إِلَيْهِمَا فرآهما جلدين قَالَ أما إِنَّه لَا حق لَكمَا فِيهِ وَإِن شئتما أعطيتكما مَعْنَاهُ لَا حق لَهما فِي السُّؤَال وَقَالَ ﷺ لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي يَعْنِي لَا يحل السُّؤَال للقوي الْقَادِر على التكسب وَقَالَ ﷺ السُّؤَال آخر كسب العَبْد وَلكنه لَو سَأَلَ فَأعْطِي حل لَهُ أَن يتَنَاوَل لقَوْله ﷺ وَإِن شئتما أعطيتكما فَلَو كَانَ لَا يحل التَّنَاوُل لما قَالَ ﷺ لَهما

стр. 63

ذَلِك وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ الْآيَة والقادر على الْكسْب فَقير فَأَما إِذا كَانَ عَاجِزا عَن الْكسْب وَلكنه قَادر على أَن يخرج فيطوف على الْأَبْوَاب وَيسْأل فَإِنَّهُ يفترض عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى إِذا لم يفعل ذَلِك حَتَّى هلك كَانَ آثِما عِنْد أهل الْفِقْه ﵏ وَقَالَ بعض المتقشفة السُّؤَال مُبَاح لَهُ بطرِيق الرُّخْصَة فَإِن تَركه حَتَّى مَاتَ لم يكن آثِما لِأَنَّهُ متمسك بالعزيمة وَهَذَا قريب مِمَّا نقل عَن الْحسن بن زِيَاد ﵀ إِن من كَانَ فِي سفر وَمَعَ رَفِيق لَهُ مَاء وَلَيْسَ عِنْده ثمنه أَنه لَا يلْزمه أَن يسْأَل رَفِيقه المَاء وَلَو تيَمّم وَصلى من غير أَن يسْأَله المَاء جَازَت صلَاته عِنْده وَلم يجز عندنَا وَجه قَوْلهم إِن فِي السُّؤَال ذلا وللمؤمن أَن يصون نَفسه عَن الذل وَبَيَانه فِيمَا نقل عَن عَليّ ﵁ ... لنقل الصخر من قلل الْجبَال ... أحب إِلَيّ من منن الرِّجَال ... يَقُول النَّاس لي فِي الْكسْب عَار ... فَقلت الْعَار فِي ذل السُّؤَال ... وَلِأَن مَا يلْحقهُ من الذل بالسؤال يَقِين وَمَا يصل إِلَيْهِ من الْمَنْفَعَة موهوم فَرُبمَا يعْطى مَا يسْأَل وَرُبمَا لَا يعْطى فَكَانَ السُّؤَال رخصَة لَهُ من غير أَن يكون مُسْتَحقّا عَلَيْهِ إِذْ الموهوم لَا يُعَارض المتحقق وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن السُّؤَال يوصله إِلَى مَا يقوم بِهِ نَفسه

стр. 64

ويتقوى بِهِ على الطَّاعَة فَيكون مُسْتَحقّا عَلَيْهِ كالكسب سَوَاء فِي حق من هُوَ قَادر على الْكسْب وَمعنى الذل فِي السُّؤَال فِي هَذِه الْحَالة مَمْنُوع أَلا ترى أَن الله تَعَالَى أخبر عَن مُوسَى ومعلمه ﵉ أَنَّهُمَا سَأَلَا عِنْد الْحَاجة فَقَالَ ﴿استطعما أَهلهَا﴾ والاستطعام طلب الطَّعَام وَمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُمَا بطرِيق الْأُجْرَة أَلا ترى أَنه قَالَ ﴿لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ فَعرفنَا أَنه كَانَ بطرِيق الْبر على سَبِيل الْهَدِيَّة وَالصَّدَََقَة على مَا اخْتلفُوا أَن الصَّدَقَة هَل كَانَت تحل للأنبياء سوى نَبينَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام على مَا نبينه وَكَذَا رَسُول الله ﷺ كَانَ قد سَأَلَ عِنْد الْحَاجة حَيْثُ قَالَ لوَاحِد من أَصْحَابه ﵃ هَل عنْدك شئ نأكله وَقَالَ ﷺ للْقَوْم هَل عنْدكُمْ مَاء بَات فِي الشن وَإِلَّا كرعنا من الْوَادي كرعا وَسَأَلَ رجلا ذِرَاع شَاة وَقَالَ ناولني الذِّرَاع فِي حَدِيث فِيهِ طول فَلَو كَانَ فِي السُّؤَال عِنْد الْحَاجة ذلة لما فعله الْأَنْبِيَاء ﵈ ذَلِك فقد كَانُوا أبعد النَّاس عَن اكْتِسَاب سَبَب الذل وَلِأَن مَا يسد بِهِ رمقه حق مُسْتَحقّ لَهُ فِي أَمْوَال النَّاس فَلَيْسَ فِي الْمُطَالبَة بِحَق مُسْتَحقّ لَهُ من معنى الذل شئ فَعَلَيهِ أَن يسْأَل فَأَما إِذا كَانَ قَادِرًا على الْكسْب فَلَيْسَ ذَلِك بِحَق مُسْتَحقّ لَهُ وَإِنَّمَا

стр. 65

حَقه فِي كَسبه فَعَلَيهِ أَن يكْتَسب وَلَا يسْأَل أحدا من النَّاس وَلَكِن لَهُ أَن يسْأَل ربه كَمَا فعل مُوسَى ﵇ فَقَالَ ﴿رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ وَقد أمرنَا بذلك قَالَ الله تَعَالَى ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَقَالَ ﷺ سلوا الله حَوَائِجكُمْ حَتَّى الْملح لقدوركم والشسع لنعالكم قَالَ والمعطي أفضل من الْآخِذ وَإِن كَانَ الْآخِذ يُقيم بِالْأَخْذِ فرضا عَلَيْهِ وَهَذِه الْمَسْأَلَة تشْتَمل على ثَلَاث فُصُول أَحدهَا أَن يكون الْمُعْطِي مُؤديا للْوَاجِب والآخذ قَادر على الْكسْب وَلكنه مُحْتَاج فَهُنَا الْمُعْطِي أفضل من الْآخِذ بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ فِي الْإِعْطَاء مؤد للْفَرض والآخذ فِي الْأَخْذ مُتَبَرّع فَإِن لَهُ أَن لَا يَأْخُذ ويكتسب ودرجه أَدَاء الْفَرْض أَعلَى من دَرَجَة التَّبَرُّع كَسَائِر الْعِبَادَات فَإِن الثَّوَاب فِي أَدَاء المكتوبات أعظم مِنْهُ فِي النَّوَافِل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن المفترض عَامل لنَفسِهِ والمتبرع عَامل لغيره وَعمل الْمَرْء لنَفسِهِ أفضل لقَوْله ﷺ إبدأ بِنَفْسِك معنى هَذَا أَنه بِنَفس الْأَدَاء لنَفسِهِ يفرغ ذمَّة نَفسه فَكَانَ عَاملا لنَفسِهِ والآخذ بِنَفس الْأَخْذ لَا ينفع نَفسه بل بالتناول بعد الْأَخْذ وَلَا يدْرِي أيبقى إِلَى أَن يتَنَاوَل أَو لَا يبْقى وَلِهَذَا لَا منَّة للغني على الْفَقِير فِي أَخذ الصَّدَقَة لِأَن مَا يحصل بِهِ للغني فَوق مَا يحصل للْفَقِير من

стр. 66

حَيْثُ أَنه يحمل للغني مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ للْحَال ليصل إِلَيْهِ عِنْد حَاجته إِلَى ذَلِك والغني يحْتَاج إِلَى ذَلِك ليحصل بِهِ مَقْصُوده للْحَال وَلَو اجْتمع الْفُقَرَاء على ترك الْأَخْذ لم يلحقهم فِي ذَلِك مأثم بل يحْمَدُونَ عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا اجْتمع الْأَغْنِيَاء عَن الِامْتِنَاع عَن أَدَاء الْوَاجِب فَعرفنَا أَن الْمِنَّة للْفُقَرَاء على الْأَغْنِيَاء الْفَصْل الثَّانِي أَن يكون الْمُعْطِي والآخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَبَرّع فَأن كَانَ الْمُعْطِي مُتَبَرعا والآخذ قَادر على الْكسْب فالمعطي هُنَا أفضل أَيْضا لِأَنَّهُ بِمَا يُعْطي يَنْسَلِخ عَن الْغنى ويتمايل إِلَى الْفقر والآخذ بِالْأَخْذِ يتمايل إِلَى الْغنى وَقد بَينا أَن دَرَجَة الْفَقِير أَعلَى من دَرَجَة الْغَنِيّ فَمن يتمايل إِلَى الْفقر بِعَمَلِهِ كَانَ أَعلَى دَرَجَة وَلِأَن الْعِبَادَات مَشْرُوعَة بطرِيق الِابْتِلَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَمعنى الإبتلاء بالإعطاء أظهر مِنْهُ فِي الْأَخْذ لِأَن االابتلاء فِي الْعَمَل الَّذِي لَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَفِي نفس كل أحد دَاعِيَة إِلَى الْأَخْذ دون الْإِعْطَاء وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إِن الْمُسلم يحْتَاج فِي تصدقه بدرهم إِلَى أَن يكسر شهوات سبعين شَيْطَانا وَإِذا كَانَ معنى الِابْتِلَاء فِي الْإِعْطَاء أظهركان أفضل لما رُوِيَ أَن النَّبِي

стр. 67

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال قَالَ أحمزها أَي أشقها على الْبدن وَسُئِلَ عَن أفضل الصَّدَقَة قَالَ جهد الْمقل وَلِأَن الْآخِذ يحصل لنَفسِهِ مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى اقْتِضَاء الشَّهَوَات والمعطي يخرج من ملكه مَا كَانَ يتَمَكَّن من اقْتِضَاء الشَّهَوَات وَأَعْلَى الدَّرَجَات منع النَّفس عَن اقْتِضَاء الشَّهَوَات الْفَصْل الثَّالِث إِذا كَانَ الْمُعْطِي مُتَبَرعا والآخذ مفترضا بِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزا عَن الْكسْب مُحْتَاجا إِلَى مَا يسد بِهِ رمقه فَعِنْدَ أهل الْفِقْه ﵏ الْمُعْطِي أفضل أَيْضا وَقَالَ أهل الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل واسحاق بن رَاهَوَيْه رحمهمَا الله الْأَخْذ أفضل هُنَا لِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ يُقيم بِهِ فرضا عَلَيْهِ والمعطي يتَنَفَّل وَقد بَينا أَن إِقَامَة الْفَرْض أَعلَى دَرَجَة من التَّنَفُّل وَلِأَن الْآخِذ لَو امْتنع من الْأَخْذ هُنَا كَانَ آثِما والمعطي لَو امْتنع من الْإِعْطَاء لم يكن آثِما إِذا كَانَ هُنَاكَ غَيره مِمَّن يُعْطِيهِ مِمَّا هُوَ فرض عَلَيْهِ وَالثَّوَاب مُقَابل بالعقوبة أَلا ترى أَن الله تَعَالَى هدد نسَاء رَسُول الله ﷺ بِضعْف مَا هدد بِهِ غَيْرهنَّ من النِّسَاء فَقَالَ ﴿من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة﴾ الْآيَة ثمَّ جعل لَهُنَّ الثَّوَاب على الطَّاعَات ضعف مَا لغيرهن لقَوْله تَعَالَى ﴿نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ فَإِذا كَانَ الْإِثْم هُنَا فِي حق الْآخِذ دون الْمُعْطِي فَلذَلِك للآخذ أَكثر من

стр. 68

مَا للمعطي وَلَكِن هَذَا كُله يشكل برد السَّلَام فَإِن السَّلَام سنة ورد السَّلَام فَرِيضَة ثمَّ مَعَ ذَلِك كَانَت الْبِدَايَة بِالسَّلَامِ أفضل من الرَّد على مَا قَالَ ﷺ بِالسَّلَامِ للبادي عشرُون حَسَنَة وللراد عشر حَسَنَات وَرُبمَا يَقُولُونَ الْآخِذ يسْعَى فِي إحْيَاء النَّفس والمعطي يسْعَى فِي تحصين النَّفس أَو فِي إنماء المَال وإحياء النَّفس أَعلَى دَرَجَة من إنماء المَال وَحجَّتنَا فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى من غير تَفْصِيل بَين التَّنَفُّل بِالْأَدَاءِ وَبَين إِقَامَة الْفَرْض فَإِن قيل المُرَاد بِالْيَدِ الْعليا يَد الْفَقِير لِأَنَّهَا نائبة عَن يَد الشَّرْع فَإِن الْمُتَصَدّق يَجْعَل مَاله لله تَعَالَى خَالِصا بِأَن يُخرجهُ من ملكه ثمَّ يَدْفَعهُ إِلَى الْفَقِير ليَكُون كِفَايَة لَهُ من الله تَعَالَى وَالْفَقِير يَنُوب عَن الشَّرْع فِي الْأَخْذ من الْغَنِيّ وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ الْآيَة وَقَالَ ﷺ إِن الصَّدَقَة تقع فِي يَد الرَّحْمَن فيربيها كَمَا يُربي أحدكُم فلوة حَتَّى تصير مثل أحد فَبِهَذَا تبين أَن المُرَاد بِالْيَدِ الْعليا يَد الْمُعْطِي وَلِأَن الْمُعْطِي يتَطَهَّر من الدنس

стр. 69

بالإعطاء والآخذ يتلوث وَبَيَان ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة﴾ الْآيَة فَعرفنَا أَن فِي آداء الصَّدَقَة معنى التَّطْهِير والتزكية وَفِي الْأَخْذ تلويث وَقد سمى رَسُول الله ﷺ الصَّدَقَة أوساخ النَّاس وسماها غسالة وَقَالَ يَا معشر بني هَاشم إِن الله كره لكم غسالة أَيدي النَّاس يَعْنِي الصَّدَقَة وَيدل عَلَيْهِ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُبَاشر الْإِعْطَاء بِنَفسِهِ فَكَانَ أَخذ الصَّدَقَة لنَفسِهِ حرَام عَلَيْهِ كَمَا قَالَ ﷺ لَا تحل الصَّدَقَة لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد وَتكلم النَّاس فِي حق سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ فَمنهمْ من يَقُول مَا كَانَ يحل أَخذ الصَّدَقَة لسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ أَيْضا وَلكنهَا كَانَت تحل لقراباتهم ثمَّ إِن الله تَعَالَى أكْرم نَبينَا ﷺ بِأَن حرم الصَّدَقَة على قرَابَته إِظْهَارًا لفضيلته لتَكون درجتهم فِي هَذَا الحكم كدرجة الْأَنْبِيَاء ﵈ وَقيل بل كَانَت الصَّدَقَة تحل لسَائِر الْأَنْبِيَاء وَهَذِه خُصُوصِيَّة لنبينا ﷺ فَكيف مَا كَانَ لَا يجوز أَن يُقَال فِي تَحْرِيم الصَّدَقَة إعلاء الدَّرَجَات عَلَيْهِ معنى الْكَرَامَة والخصوصية لَهُ فَلَو كَانَ الْأَخْذ أفضل من الْإِعْطَاء بِحَال لما كَانَ فِي تَحْرِيم الْأَخْذ عَلَيْهِ وعَلى أهل بَيته معنى

стр. 70

الخصوصية والكرامة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الشَّرْع ندب كل أحد إِلَى التَّصَدُّق وَندب كل أحد إِلَى التَّحَرُّز عَن السُّؤَال قَالَ ﷺ لثوبان ﵁ لَا تسْأَل النَّاس شَيْئا أعطوك أَو منعوك وَقَالَ ﷺ لحكيم بن حزَام ﵁ إياك إياك أَن تسْأَل أحد شَيْئا أَعْطَاك أَو مَنعك وَكَانَ بَعْدَمَا سمع هَذِه الْمقَالة لَا يسْأَل أحدا شَيْئا وَلَا يَأْخُذ من أحد شَيْئا حَتَّى كَانَ عمر بن الْخطاب يعرض عَلَيْهِ نصِيبه مِمَّا يعْطى فَكَانَ لَا يَأْخُذهُ وَيَقُول لست آخذ من أحد شَيْئا بَعْدَمَا قَالَ لي رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ وَكَانَ عمر ﵁ يشْهد عَلَيْهِ حَقه وَيَقُول يَا أَيهَا النَّاس قد أشهدتكم عَلَيْهِ أَنِّي عرضت عَلَيْهِ وَهُوَ يَأْبَى وَبِهَذَا تبين أَن الْإِعْطَاء أفضل من الْأَخْذ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف﴾ الْآيَة يَعْنِي من التعفف عَن السُّؤَال وَا ٤ لأخذ وَقَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم من إستعف أعفه الله وَمن اسْتغنى أغناه الله وَمن فتح على نَفسه بَابا من الْمَسْأَلَة فتح الله عَلَيْهِ سبعين بَابا من الْفقر فَإِذا كَانَ التعفف من الْأَخْذ كَانَ الْإِقْدَام على

стр. 71

الْأَخْذ ترك التعفف من حَيْثُ الصُّورَة فَلهَذَا كَانَ الْمُعْطِي أفضل من الْآخِذ وَفِي كل خير وَقَالَ وكل مَا كَانَ الْأكل فِيهِ فرضا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يكون مثابا على الْأكل لِأَنَّهُ يتَمَثَّل بِهِ الْأَمر فيتوصل بِهِ إِلَى أَدَاء الْفَرَائِض من الصَّوْم وَالصَّلَاة فَيكون بِمَنْزِلَة السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة وَالطَّهَارَة لأَدَاء الصَّلَاة وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ يُؤجر الْمُؤمن فِي كل شئ حَتَّى اللُّقْمَة يَضَعهَا فِي فِيهِ وَفِي حَدِيث آخر قَالَ ﷺ يُؤجر الْمُؤمن فِي كل شئ حَتَّى فِي مضاجعة أَهله فَقيل إِنَّه يقْضِي شَهْوَته أفيؤجر على ذَلِك قَالَ أَرَأَيْت لَو وَضعهَا فِي غير حلّه أما كَانَ يُعَاقب على ذَلِك وبمثله نستدل هُنَا فَنَقُول لَو ترك الْأكل فِي مَوضِع كَانَ فرضا عَلَيْهِ

стр. 72

كَانَ معاقبا على ذَلِك فَإِذا أكل كَانَ مثابا عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ أفضل دِينَار الْمَرْء دِينَار يُنْفِقهُ على أَهله فَإِذا كَانَ هُوَ مثابا فِيمَا يُنْفِقهُ على غَيره فَفِي مَا يُنْفِقهُ على نَفسه أولى قَالَ وَلَا يكون محاسبا فِي ذَلِك وَلَا معاتبا وَلَا مهاقبا لِأَنَّهُ مثاب على ذَلِك كَمَا هُوَ مثاب على إِقَامَة الْعِبَادَات فَكيف يكون معاتبا عَلَيْهِ أَو محاسبا وَالْأَصْل فِيهِ حديثان أَحدهمَا حَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ حَيْثُ سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَكلَة أكلتها مَعَك فِي بَيت أبي الْهَيْثَم بن التيهَان فِي من لحم وخبز وشعير وزيت أهوَ من النَّعيم الَّذِي نسْأَل عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ فَقَالَ ﷺ لَا يَا أَبَا بكر إِنَّمَا ذَلِك للْكفَّار أما علمت أَن الْمُؤمن لَا يسْأَل عَن ثَلَاث قَالَ وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا يواري بِهِ سوءته وَمَا يُقيم بِهِ صلبه وَمَا يكنه من الْحر وَالْبرد ثمَّ هُوَ مسؤول بعد ذَلِك عَن كل نعْمَة وَالثَّانِي حَدِيث عمر ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي ضِيَافَة رجل فَأتي بعذق فِيهِ تمر وَبسر وَرطب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لتسألن عَن هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَأخذ عمر ﵁ العذق وَجعل ينفضه حَتَّى تناثر على الأَرْض وَيَقُول ونسأل عَن هَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 73

وَالله لتسألن عَن كل نعْمَة حَتَّى الشربة من المَاء الْبَارِد إِلَّا عَن ثَلَاث كسرة تقيم بهَا صلبك أَو خرقَة تواري بهَا سوءتك أَو كن يكنك من الْحر وَالْبرد قَالَ فِي الْكتاب وَهَذَا قَول عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عَبَّاس ﵃ أَن الْمَرْء لَا يُحَاسب على هَذَا الْمِقْدَار وَكفى بإجماعهم حجَّة فَمن دج عمره بِهَذَا أَو كَانَ قانعا رَاضِيا دخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب لحَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من هدي لِلْإِسْلَامِ وقنع بِمَا آتَاهُ الله تَعَالَى دخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَقيل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ أَنه الَّذِي يصبر على هَذَا الْمِقْدَار الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ثمَّ بعده التَّنَاوُل إِلَى مِقْدَار الشِّبَع مُبَاح على الْإِطْلَاق لقَوْله تَعَالَى ﴿قل من حرم زِينَة الله﴾ الاية فَعرفنَا أَن ذَلِك الْقدر لَيْسَ بِمحرم فَإِذا لم يكن محرما فَهُوَ مُبَاح على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ أكل الخبيص والفواكه وأنواع الحلاوات من السكر وَغير ذَلِك مُبَاح لكنه دون مَا تقدم حَتَّى أَن الِامْتِنَاع مِنْهُ والاكتفاء بِمَا دونه أفضل لَهُ فَكَانَ تنَاول هَذِه النعم رخصَة والامتناع مِنْهَا عَزِيمَة فَذَلِك أفضل لحديثين رويا فِي الْبَاب

стр. 74

أَحدهمَا حَدِيث الصّديق ﵁ فَإِنَّهُ أُتِي بقدح قد لت بِعَسَل وَبرد فقربه إِلَى فِيهِ ثمَّ رده وَأمر بالتصدق بِهِ على الْفُقَرَاء وَقَالَ أَرْجُو أَن لَا أكون من الَّذين يُقَال لَهُم ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ﴾ الْآيَة فَفِي هَذَا دَلِيل أَن تنَاول ذَلِك مُبَاح لِأَنَّهُ قربه إِلَى فِيهِ وَفِيه دَلِيل أَن الِامْتِنَاع مِنْهُ أفضل وَالثَّانِي حَدِيث عمر ﵁ بِأَنَّهُ اشْترى جَارِيَة وَأمر بهَا فزينت لَهُ وأدخلت عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا بَكَى وَقَالَ أَرْجُو أَن لَا أكون من الَّذين يتوصلون إِلَى جَمِيع شهواتهم فِي الدُّنْيَا ثمَّ دَعَا شَابًّا من الْأَنْصَار لم يكن تَحْتَهُ إمرأة فأهداها لَهُ وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ الْآيَة وَلِأَن أفضل مناهج الدّين طَرِيق الْمُرْسلين ﵈ وَقد كَانَ طريقهم الِاكْتِفَاء بِمَا دون هَذَا فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَكَذَا نَبينَا ﷺ وَرُبمَا أصَاب فِي بعض الْأَوْقَات من ذَلِك على مَا رُوِيَ أَنه قَالَ لأَصْحَابه ﵃ يَوْمًا لَيْت لنا ملبقا نأكله فجَاء بِهِ عُثْمَان ﵁ فِي قَصْعَة فَقيل أَنه أصَاب مِنْهُ وَقيل لم يصب وَأمر بالتصدق بِهِ ثمَّ فِيمَا تقدم من تنَاول الْخبز إِلَى الشِّبَع لَا حِسَاب عَلَيْهِ سوى الْعرض على مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن قَوْله

стр. 75

عز وَجل ﴿فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ فَقَالَ ﷺ ذَاك الْعرض يَا بنت أبي بكر أما علمت أَن من نُوقِشَ لِلْحسابِ عذب وَمعنى الْعرض بَيَان الْمِنَّة وتذكير النعم وَالسُّؤَال أَنه هَل قَامَ بشكرها فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ الْآيَة أَن الْعرض فِي مثل هَذَا وَأما فِي إقتضاء الشَّهَوَات من الْحَلَال وَتَنَاول اللَّذَّات فَهُوَ محاسب على ذَلِك غير معاقب عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله ﷺ فِي صفة الدُّنْيَا حلالها حِسَاب وحرامها عَذَاب وَالدَّلِيل على أَن الِاكْتِفَاء بِمَا دون ذَلِك أفضل حَدِيث الضَّحَّاك ﵁ فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وافدا من قومه وَكَانَ متنعما فيهم قَالَ ﷺ مَا طَعَامك يَا ضحاك قَالَ اللَّحْم وَالْعَسَل وَالزَّيْت ولب الْبر قَالَ ثمَّ يصير مَاذَا فَقَالَ ثمَّ يصير إِلَى مَا يُعلمهُ رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ضرب للدنيا مثلا بِمَا يخرج من ابْن آدم ثمَّ قَالَ لَهُ إياك أَن تَأْكُل فَوق الشِّبَع
следующие страницы →