← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6163

الكسب - بشرح السرخسي - ت زكار

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل الزَّاهِد، شمس الْأَئِمَّة، وفخر الْإِسْلَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي سهل السَّرخسِيّ - إملاء ﵀: وَإِذ قد أجبتكم إِلَى مَا سَأَلْتُمُونِي من إملاء شرح الْمُخْتَصر على حسب الطَّاقَة وَقدر الفاقه، بالآثار الْمَشْهُورَة والاشارات الْمَذْكُورَة فِي تصنيفات مُحَمَّد بن الْحسن ﵀، لإِظْهَار وَجه التَّأْثِير وَبَيَان طَرِيق التَّصْوِير، رَأَيْت أَن الْحق بِهِ إملاء شرح " كتاب الْكسْب " الَّذِي يرويهِ مُحَمَّد بن سَمَاعه عَن مُحَمَّد بن الْحسن ﵀، وَهُوَ من جملَة تصنيفاته، إِلَّا أَنه لم يشْتَهر لِأَنَّهُ لم يسمع ﵀، وَهُوَ من جملَة تصنيفاته، إِلَّا أَنه لم يشْتَهر لِأَنَّهُ لم يسمع [١ - و] مِنْهُ ذَلِك أَبُو حَفْص وَلَا أَبُو سُلَيْمَان رحمهمَا الله، وَلِهَذَا لم يذكرهُ الْحَاكِم ﵀ فِي الْمُخْتَصر، وَفِيه من الْعُلُوم مَا لَا يسع جهلها،

стр. 2

وَلَا تخلف عَن علمهَا، وَلَو لم يكن فِيهِ إِلَّا حث المقتبسين على مُشَاركَة المكتسبين فِي الْكسْب لأَنْفُسِهِمْ، والتناول من كد يديهم لَكَانَ يحِق على كل أحد إِظْهَار هَذَا النَّوْع من الْعلم. وَقد كَانَ شَيخنَا الإِمَام ﵀ بَين بعض ذَلِك على طَرِيق الْآثَار فَنَذْكُر مَا ذَكرْنَاهُ تبركا بالمسموع مِنْهُ، ونلحق بِهِ مَا تكلم فِيهِ أهل الْأُصُول ﵏، وَمَا يجود بِهِ الخاطر من الْمعَانِي والإشارات.

стр. 3

الْكسْب مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ

стр. 4

بَاب الِاكْتِسَاب فِي عرف أهل اللِّسَان تَحْصِيل المَال بِمَا يحل من الْأَسْبَاب وَاللَّفْظ فِي الْحَقِيقَة يسْتَعْمل فِي كل بَاب وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ أَي بجنايتكم على أَنفسكُم فقد سمى جِنَايَة الْمَرْء على نَفسه كسبا وَقَالَ جلّ وَعلا فِي آيَة السّرقَة ﴿جَزَاء بِمَا كسبا﴾ أَي باشرا من ارْتِكَاب الْمَحْظُور فَعرفنَا أَن اللَّفْظ مُسْتَعْمل فِي كل بَاب وَلَكِن عِنْد الاطلاق يفهم مِنْهُ اكْتِسَاب المَال ثمَّ بَدَأَ مُحَمَّد ﵀ الْكتاب بقوله طلب الْكسْب فَرِيضَة على كل مُسلم كَمَا أَن طلب الْعلم فَرِيضَة وَبِهَذَا اللَّفْظ يرويهِ ابْن مَسْعُود ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ = أَنه قَالَ طلب الْكسْب فَرِيضَة على

стр. 5

لى كل مُسلم وَفِي رِوَايَة قَالَ طلب الْكسْب بعد الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة الْفَرِيضَة بعد الْفَرِيضَة وَقَالَ النَّبِي ﷺ طلب الْحَلَال كمقارعة الْأَبْطَال وَمن بَات نَاوِيا من طلب الْحَلَال بَات مغفورا لَهُ وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يقدم دَرَجَة الْكسْب على دَرَجَة الْجِهَاد فَيَقُول لِأَن أَمُوت بَين شُعْبَتَيْ رحلي أضْرب فِي الأَرْض أَبْتَغِي من فضل الله أحب إِلَيّ من أَن أقتل مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله لِأَن الله تَعَالَى قدم الَّذين يضْربُونَ فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ من فَضله على الْمُجَاهدين بقوله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ صَافح سعد بن معَاذ ﵁ يَوْمًا فَإِذا يَدَاهُ أكنبتا فَسَأَلَهُ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ أضْرب بالمر والمسحاة فِي نخيلي لأنفق على عيالي فَقبل رَسُول الله ﷺ يَده وَقَالَ كنان يحبهما الله تَعَالَى وَفِي هَذَا بَيَان أَن الْمَرْء باكتساب مَالا بُد لَهُ ينَال من الدرجَة

стр. 6

أَعْلَاهَا وَإِنَّمَا ينَال ذَلِك بِإِقَامَة الْفَرِيضَة وَلِأَنَّهُ لايتوصل إِلَى إِقَامَة الْفَرْض إِلَّا بِهِ فَيكون فرضا بِمَنْزِلَة الطَّهَارَة لأَدَاء الصَّلَاة وَبَيَانه من وُجُوه أَحدهَا أَن يُمكنهُ من أَدَاء الْفَرَائِض بِقُوَّة بدنه وَإِنَّمَا يحصل لَهُ ذَلِك بالقوت عَادَة ولتحصيل الْقُوت طرق الِاكْتِسَاب أَو التغالب أَو الانتهاب وبالانتهاب يسْتَوْجب الْعقَاب وَفِي التغالب فَسَاد وَالله لَا يحب الْفساد فَتعين جِهَة الِاكْتِسَاب لتَحْصِيل الْقُوت وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ نفس الْمُؤمن مطيته فاليحسن إِلَيْهَا يَعْنِي الاحسان بِأَن لايمنعها قدر الْكِفَايَة وَإِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك بِالْكَسْبِ وَلِأَنَّهُ لايتوصل إِلَى أَدَاء الصَّلَاة أَلا بِالطَّهَارَةِ ولابد لَك من كوز تستقي بِهِ المَاء أَو دلو ورشاء ينْزح بِهِ المَاء من الْبِئْر وَكَذَا لايتوصل إِلَى أَدَاء الصَّلَاة إِلَّا بستر الْعَوْرَة وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بِثَوْب وَلَا يحصل لَهُ إِلَّا بالإكتساب عَادَة وَمَا لَا يَتَأَتَّى إِقَامَة الْفَرْض إِلَّا بِهِ يكون فرضا فِي نَفسه الْكسْب طَرِيق الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقد أمرنَا بالتمسك بهم والاقتداء بهديهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فبهداهم اقتده﴾ وَبَيَان أَن أول من اكْتسب أَبونَا آدم ﷺ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى﴾ أَي تتعب فِي طلب الرزق وَقَالَ مُجَاهِد ﵀ فِي تَفْسِيره لَا تَأْكُل خبْزًا بِزَيْت حَتَّى تعْمل

стр. 7

عملا إِلَى الْمَوْت وَفِي الْآثَار أَن آدم ﵇ لما هَبَط إِلَى الأَرْض أَتَاهُ جِبْرَائِيل ﵇ بِالْحِنْطَةِ وَأمره بِأَن يَزْرَعهَا فزرعها وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وخبزها فَلَمَّا فرغ من هَذِه الْأَعْمَال حَان وَقت الْعَصْر أَتَاهُ جِبْرَائِيل ﵇ وَقَالَ إِن رَبك يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول إِن صمت الْيَوْم غفرت لَك خطيئتك وشفعتك فِي أولادك فصَام وَكَانَ حَرِيصًا على تنَاول ذَلِك الطَّعَام لينْظر أَنه هَل يجد من الطّعْم مَا كَانَ يجد لَهُ لطعام الْجنَّة فَمن ثمَّة حرص الصائمون بعد الْعَصْر على تنَاول الطَّعَام وَكَذَا نوح ﵇ كَانَ نجارا يَأْكُل من كَسبه وَإِدْرِيس ﵇ كَانَ خياطا وابراهيم ﵇ كَانَ بزازا على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ عَلَيْكُم بالبز فَإِن أَبَاكُم كَانَ بزازا يَعْنِي الْخَلِيل ﵇ وَدَاوُد ﵇ كَانَ يَأْكُل من كَسبه على مَا رُوِيَ أَنه كَانَ يخرج متنكرا فَيسْأَل عَن سيرته أهل مَمْلَكَته حَتَّى استقبله جِبْرَائِيل ﵇ يَوْمًا على صُورَة شَاب فَقَالَ لَهُ دَاوُد ﵇ كَيفَ تعرف دَاوُد أَيهَا الْفَتى فَقَالَ نعم العَبْد دَاوُد إِلَّا أَن فِيهِ خصْلَة فَقَالَ وَمَا هِيَ قَالَ إِنَّه يَأْكُل من بَيت المَال وَإِن خير النَّاس من يَأْكُل من كَسبه فَرجع دَاوُد ﵇ إِلَى محرابه باكيا متضرعا يسْأَل الله تَعَالَى وَيَقُول اللَّهُمَّ عَلمنِي كسبا تغنيني بِهِ عَن بَيت المَال فَعلمه الله تَعَالَى

стр. 8

صفة الدرْع ولين لَهُ الْحَدِيد حَتَّى كَانَ الْحَدِيد فِي يَده كالعجين فِي يَد غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ فَكَانَ يصنع الدرْع وَيبِيع الدرْع بإثني عشر ألفا فَكَانَ يَأْكُل من ذَلِك وَيتَصَدَّق وَسليمَان صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ يصنع المكاتل من الخوص فيأكل من ذَلِك وزَكَرِيا ﵇ كَانَ نجارا وَعِيسَى ﵇ كَانَ يَأْكُل من غزل أمه وَرُبمَا كَانَ يلتقط السنبلة فيأكل من ذَلِك وَهُوَ نوع اكْتِسَاب وَنَبِينَا ﷺ كَانَ يرْعَى فِي بعض الْأَوْقَات على مَا رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ لأَصْحَابه ﵃ يَوْمًا كنت رَاعيا لعقبة بن أبي معيط وَمَا بعث الله نَبيا إِلَّا استرعاه وَفِي حَدِيث السَّائِب بن شريك عَن أَبِيه ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ شَرِيكي وَكَانَ خير شريك لايداري وَلَا يُمَارِي أَي لايلاج وَلَا يُخَاصم قيل فِي مَاذَا كَانَت الشّركَة بَيْنكُمَا فَقَالَ فِي الْأدم وازدرع رَسُول الله ﷺ بالجرف على مَا ذكره مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الْمُزَارعَة ليعلم أَن الْكسْب عَن طَرِيق الْمُرْسلين عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 9

ثمَّ الْكسْب نَوْعَانِ كسب من الْمَرْء لنَفسِهِ وَكسب مِنْهُ على نَفسه فالكاسب لنَفسِهِ هُوَ الطَّالِب لما لابد لَهُ من الْمُبَاح والكاسب على نَفسه هُوَ الْبَاغِي لما عَلَيْهِ فِيهِ جنَاح نَحْو مَا يكون من السَّارِق وَالنَّوْع الثَّانِي حرَام بالإتفاق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يكْسب إِثْمًا فَإِنَّمَا يكسبه على نَفسه﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يكْسب خَطِيئَة أَو إِثْمًا﴾ الْآيَة وَالْمذهب عِنْد الْفُقَهَاء من السّلف وَالْخلف ﵏ أَن النَّوْع الأول من الْكسْب مُبَاح على الاطلاق بل هُوَ فرض عِنْد الْحَاجة وَقَالَ قوم من جهال أهل التقشف وحماقى أهل التصوف إِن الْكسْب حرَام لَا يحل إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة بِمَنْزِلَة تنَاول الْميتَة وَقَالُوا إِن الْكسْب يَنْفِي التَّوَكُّل على الله أَو ينقص مِنْهُ وَقد أمرنَا بالتوكل قَالَ الله تَعَالَى ﴿فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَمَا يتَضَمَّن نفي مَا أمرنَا بِهِ من التَّوَكُّل يكون حَرَامًا وَالدَّلِيل على أَنه يَنْفِي التَّوَكُّل قَوْله ﷺ لَو توكلتم على الله حق التَّوَكُّل لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وَتَروح بطانا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ وَفِي هَذَا حث على ترك الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ وَبَيَان أَن مَا قدر لَهُ من الْمَوْعُود يَأْتِيهِ لَا محَالة وَقَالَ عز وَجل

стр. 10

﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ﴾ الْآيَة وَالْخطاب وَإِن كَانَ لرَسُول الله ﷺ فَالْمُرَاد مِنْهُ أمته فقد أمروا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَترك الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ بِطَلَب الرزق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَفِي الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ ترك مَا يَأْمر الْمَرْء لأَهله وَأمر بِهِ من عبَادَة ربه وَإِلَيْهِ أشاز النَّبِي ﷺ فِي قَوْله مَا أُوحِي إِلَيّ أَن أجمع المَال وأكون من التاجرين وَإِنَّمَا أُوحِي إِلَيّ ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَكن من الساجدين﴾ الْآيَة وَمَا فِي الْقُرْآن من ذكر البيع وَالشِّرَاء فِي بعض الْآيَات لَيْسَ المُرَاد التَّصَرُّف فِي المَال والمكسب بل المُرَاد تِجَارَة العَبْد مَعَ ربه ببذل النَّفس فِي طَاعَته والاشتغال بِعِبَادَتِهِ فَذَلِك يُسمى تِجَارَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة وَالْمرَاد هَذَا النَّوْع وَهُوَ بذل النَّفس لنيل الثَّوَاب بِالْجِهَادِ وأنواع الطَّاعَة وَكَذَا قد سمن الله تَعَالَى أَخذ المَال لإرتكاب مَا لايحل لَهُ فِي الدّين بايعا نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولبئس مَا شروا بِهِ أنفسهم﴾ وَقَالَ ﴿اشْتَروا بآيَات الله ثمنا قَلِيلا﴾

стр. 11

وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ النَّبِي ﷺ فِي قَوْله النَّاس غاديان فبائع نَفسه فموبقها ومشتر نَفسه فمعتقها وَأَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كَانُوا يلزمون الْمَسْجِد فَلَا يشتغلون بِالْكَسْبِ ومدحوا على ذَلِك وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاء الراشدون وَغَيرهم من أَعْلَام الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لم يشتغلوا بِالْكَسْبِ وهم الْأَئِمَّة السَّادة والقدوة القادة وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿إِذا تداينتم بدين﴾ وَقَالَ ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض﴾ وَقَالَ ﷻ ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة حَاضِرَة﴾ الْآيَة فَفِي بعض هَذِه الْآيَات تنصيص على الْحل وَفِي بَعْضهَا ندب إِلَى الِاشْتِغَال بِالتِّجَارَة فَمن يَقُول بحرمتها فَهُوَ مُخَالف لهَذِهِ النُّصُوص وَإِنَّمَا يحمل كَلَام صَاحب الشَّرْع عِنْد الاطلاق على مَا يتفاهمه النَّاس فِي مخاطبتهم لِأَن الشَّرْع إِنَّمَا خاطبنا بِمَا نفهمه وَلَفْظَة البيع وَالشِّرَاء حَقِيقَة للتَّصَرُّف فِي المَال بطرِيق الِاكْتِسَاب وَالْكَلَام مَحْمُول على حَقِيقَة لَا يجوز تَركهَا إِلَى نوع من الْمجَاز إِلَّا عِنْد قيام الدَّلِيل كَمَا فِيمَا اسْتشْهدُوا بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ﴾ فقد قَامَ الدَّلِيل على أَن المُرَاد بِهِ الْمجَاز وَلم يُوجد مثل ذَلِك هَهُنَا فَكَانَ مَحْمُولا على حَقِيقَته وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾

стр. 12

وَالْمرَاد التِّجَارَة وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ يَعْنِي التِّجَارَة فِي طَرِيق الْحَج وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أطيب مَا أكلْتُم من كسب أَيْدِيكُم وَإِن أخي دَاوُد ﵇ كَانَ يَأْكُل من كسب يَده وَالْمرَاد الاشارة إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ وَأقوى مَا نعتمده أَن الِاكْتِسَاب طَرِيق الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقد قَررنَا ذَلِك وَلَا معنى لمعارضتهم إيانا فِي ذَلِك بِعِيسَى وَيحيى ﵉ فقد بَينا أَن عِيسَى ﵇ كَانَ يَأْكُل من غزل أمه ﵂ ثمَّ نقُول إِن الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي هَذَا لَيْسَ كغيرهم فقد بعثوا لدَعْوَة النَّاس إِلَى دين الْحق وَإِظْهَار ذَلِك وَكَانُوا مشغولين بِمَا بعثوا لأَجله وَلم يشتغلوا عَامَّة أوقاتهم بِالْكَسْبِ لهَذَا وَقد اكتسبوا فِي بعض الْأَوْقَات ليبينوا للنَّاس أَن ذَلِك مَا يَنْبَغِي أَن يشْتَغل بِهِ الْمَرْء وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفِي التَّوَكُّل على الله كَمَا ظَنّه هَؤُلَاءِ الْجُهَّال وَقد بَين ذَلِك عمر ﵁ فِي حَدِيثه حَيْثُ مر بِقوم من الْقُرَّاء فَرَآهُمْ جُلُوسًا قد نكسوا رؤوسهم فَقَالَ من هَؤُلَاءِ فَقيل هم المتوكلون فَقَالَ كلا وَلَكنهُمْ المتأكلون يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس

стр. 13

أنبئكم من المتَوَكل فَقيل نعم فَقَالَ هُوَ الَّذِي يلقِي الْحبّ فِي الأوض ثمَّ يتوكل على ربه وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فَقَالَ يَا معشر الْقُرَّاء ارْفَعُوا رؤوسكم واكتسبوا لأنفسكم ودعواهم أَن الْكِبَار من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم كَانُوا لَا يكتسبون دَعْوَى بَاطِل فقد رُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ كَانَ بزازا وَعمر ﵁ كَانَ يعْمل الْأدم وَعُثْمَان ﵁ كَانَ تَاجِرًا يجلب إِلَيْهِ الطَّعَام فيبيعه وَعلي ﵁ كَانَ يكْتَسب على مَا رُوِيَ أَنه أجر نَفسه غير مرّة حَتَّى آجر نَفسه من يَهُودِيّ فِي حَدِيث فِيهِ طول ثمَّ صَحَّ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ اشْترى سَرَاوِيل بِدِرْهَمَيْنِ وَقَالَ للوزان زن وأرجح فَإنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء هَكَذَا نزن وَبَاعَ رَسُول الله ﷺ قَعْبًا وحلسا يَبِيع من يزِيد وَاشْترى نَاقَة من أَعْرَابِي وأوفاه ثمنهَا ثمَّ جحد الْأَعرَابِي وَقَالَ هَلُمَّ شَاهدا قَالَ ﷺ من يشْهد لي فَقَالَ خُزَيْمَة بن ثَابت ﵁ أَنا أشهد لَك بأنك وفيت الْأَعرَابِي ثمن النَّاقة فَقَالَ ﷺ كَيفَ تشهد لي وَلم تكن حَاضرا قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّا نصدقك

стр. 14

فِيمَا تَأْتِينَا بِهِ من خبر السَّمَاء أَفلا نصدقك فِيمَا تخبر بِهِ من إِيفَاء ثمن النَّاقة فَقَالَ ﷺ من شهد لَهُ خُزَيْمَة فحسبه وَلَا حجَّة لَهُم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ فَالْمُرَاد الْمَطَر الَّذِي ينزل من السَّمَاء فَيحصل بِهِ النَّبَات فَإِن ذَلِك يُسمى رزقا على مَا نقل عَن بعض السّلف ﵏ يَا بن آدم إِن الله يرزقك ويرزق رزقك ويرزق رزق رزقك يَعْنِي ينزل الْمَطَر من السَّمَاء رزقا للنبات ثمَّ النَّبَات رزق الْأَنْعَام والأنعام رزق لبني آدم وَلَئِن حملنَا الْآيَة على ظَاهرهَا فَنَقُول فِي السَّمَاء رزقنا كَمَا أخبر الله تَعَالَى ولكننا أمرنَا باكتساب السَّبَب ليَأْتِينَا ذَلِك الرزق عِنْد الِاكْتِسَاب بَيَانه فِي قَوْله ﷺ فِيمَا يرويهِ عَن ربه عَبدِي حرك يدك أنزل عَلَيْك الرزق وَقد أَمر الله تَعَالَى مَرْيَم ﵍ بهز النَّخْلَة كَمَا قَالَ ﴿وهزي إِلَيْك﴾ الْآيَة وَهُوَ قَادر على أَن يرزقها من غير هز بعناء كَمَا كَانَ يرزقها فِي الْمِحْرَاب قَالَ ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب﴾ الْآيَة وَإِنَّمَا أمرهَا بذلك ليَكُون بَيَانا للعباد أَنه يَنْبَغِي لَهُم أَن لَا يدعوا إكتساب

стр. 15

السَّبَب وَإِن كَانُوا يتيقنون أَن الله هُوَ الرَّزَّاق وَهَذَا نَظِير الْخلق فَإِن الله تَعَالَى هُوَ الْخَالِق قد يخلق لَا من سَبَب وَلَا فِي سَبَب كَمَا خلق آدم صلوَات الله عَلَيْهِ وَقد يخلق لَا من سَبَب فِي سَبَب كَمَا خلق عِيسَى ﵇ وَقد يخلق من سَبَب فِي سَبَب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ الْآيَة وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالنِّكَاحِ وَطلب الْوَلَد لَا يَنْفِي يَقِين العَبْد بِأَن الْخَالِق هُوَ الله تَعَالَى فَكَذَا أَمر الرزق ليعلم من يزْعم أَن حَقِيقَة التَّوَكُّل فِي ترك الْكسْب فَهُوَ مُخَالف للشريعة وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله للسَّائِل الَّذِي قَالَ أرسل نَاقَتي وَأَتَوَكَّل فَقَالَ ﷺ لَا بل اعقلها وتوكل وَنَظِير هَذَا الدُّعَاء فقد أمرنَا بِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَمَعْلُوم أَن مَا قدر لكل أحد فَهُوَ يَأْتِيهِ لَا محَالة ثمَّ أحد لَا ينظر بِهَذَا إِلَى ترك السُّؤَال وَالدُّعَاء من الله تَعَالَى والأنبياء ﵈ كَانُوا يسْأَلُون الْجنَّة مَعَ علمهمْ أَن الله يدخلهم الْجنَّة وَقد وعد لَهُم ذَلِك وَهُوَ ﴿لَا يخلف الميعاد﴾ وَقد كَانُوا يأمنون الْعَاقِبَة ثمَّ كَانُوا يسْأَلُون الله تَعَالَى ذَلِك فِي دُعَائِهِمْ وَكَذَا أَمر الشِّفَاء فالشافي هُوَ الله تَعَالَى وَقد أمرنَا بالمداواة قَالَ ﷺ تداووا عباد الله فَإِن الله تَعَالَى مَا خلق دَاء إِلَّا خلق

стр. 16

لَهُ دَوَاء إِلَّا السام أَو قَالَ الْهَرم وَقد فعل ذَلِك رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد حِين داوى مَا أَصَابَهُ من الْجراحَة فِي وَجهه ثمَّ إِن اكْتِسَاب الْكسْب بالمداواة لَا يَنْفِي التيقن بِأَن الله تَعَالَى هُوَ الشافي فَكَذَا اكْتِسَاب سَبَب الرزق بالتحرك لَا يَنْفِي التيقن بِأَن الله تَعَالَى هُوَ الرازق وَالْعجب من الصُّوفِيَّة أَنهم لَا يمتنعون من تنَاول طَعَام من أطْعمهُم من كسب يَده وَربح تِجَارَته مَعَ علمهمْ بذلك فَلَو كَانَ الِاكْتِسَاب حَرَامًا لَكَانَ المَال الْحَاصِل بِهِ حرَام التَّنَاوُل لِأَن مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ بارتكاب الْحَرَام يكون حَرَامًا أَلا ترى أَن بيع الْخمر للْمُسلمِ لما كَانَ حَرَامًا كَانَ تنَاول ثمنهَا حَرَامًا وَحَيْثُ لم يمْتَنع أحد مِنْهُم من التَّنَاوُل عرفنَا أَن قَوْلهم من نتيجة الْجَهْل والكسل ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء ﵏ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الْكسْب بِقدر مَالا بُد مِنْهُ فَرِيضَة وَقَالَت الكرامية بل هُوَ مُبَاح بطرِيق الرُّخْصَة لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فرضا فِي كل وَقت أَو فِي وَقت مَخْصُوص وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يتفرغ أحد عَن أَدَاء هَذِه الْفَرِيضَة ليشتغل بغَيْرهَا من الْفَرَائِض والواجبات

стр. 17

وَثَانِي بَاطِل لِأَن مَا يكون فرضا فِي وَقت مَخْصُوص شرعا يكون مُضَافا إِلَى ذَلِك الْوَقْت كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَلم يرد الشَّرْع بِإِضَافَة الْكسْب إِلَى وَقت مَخْصُوص ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فرضا لرغبة النَّاس إِلَيْهِ أَو للضَّرُورَة وَالْأول بَاطِل فَإِن الرَّغْبَة ثَابِتَة فِي جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا من الْأَمْوَال وَأحد لَا يَقُول يفترض على كل أحد تَحْصِيل جَمِيع ذَلِك وَالثَّانِي بَاطِل أَيْضا فَإِن مَا يفترض للضَّرُورَة إِنَّمَا يفترض عِنْد تحقق الضَّرُورَة وَبعد تحقق الضَّرُورَة يعجز عَن الْكسْب فَكيف يتَأَخَّر فرضيته إِلَى حَال عَجزه وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يفترض جَمِيع أَنْوَاعه أَو نوع مَخْصُوص مِنْهُ وَالْأول بَاطِل لِأَن لَيْسَ فِي وسع أحد من الْبشر مُبَاشرَة جَمِيع أَنْوَاعه وَلَا يعلم ذَلِك فَإِن عمره يفنى قبل أَن يتَعَلَّم ذَلِك وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن لَيْسَ بعض الْأَنْوَاع بتخصيصه بالفريضة بِأولى من بعض وَلَا يَخْلُو إِمَّا يفترض على جَمِيع النَّاس أَو على بَعضهم وَالْأول بَاطِل فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ مَا اشتغلوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّة أوقاتهم وَكَذَا أَعْلَام الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمن بعدهمْ من الأخيار لَا يظنّ بهم أَنهم اجْتَمعُوا على ترك مَا هُوَ فرض عَلَيْهِم وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن لَيْسَ بعض النَّاس بتخصيصه بِهَذِهِ الْفَرِيضَة بِأولى من الْبَعْض فَتبين أَن الْكسْب لَيْسَ بِفَرْض أصلا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ أَصله فرضا لَكَانَ الاستكثار مِنْهُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ أَو كَانَ نفلا بِمَنْزِلَة الْعِبَادَات والاستكثار مِنْهُ مَذْمُوم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَذَاب شَدِيد﴾ وَبِهَذَا الْحَرْف يَقع الْفرق بَينه وَبَين طلب

стр. 18

الْعلم بِأَن أَصله لما كَانَ فرضا كَانَ الاستكثار مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ وَالْأَمر حَقِيقَة للْوُجُوب وَلَا يتَصَوَّر الْإِنْفَاق من المكسوب إِلَّا بعد الْكسْب وَمَا لَا يتَوَصَّل إِلَى إِقَامَة الْعِبَادَة إِلَّا بِهِ وَلَا يتَوَصَّل إِلَى إِقَامَة الْفَرْض إِلَّا بِهِ يكون فرضا وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ الْآيَة يَعْنِي الْكسْب وَالْأَمر حَقِيقَة للْوُجُوب فَإِن قيل قد وري عَن مُجَاهِد وَمَكْحُول رحمهمَا الله أَنَّهُمَا قَالَا المُرَاد طلب الْعلم قُلْنَا مَا ذكرنَا من التَّفْسِير مَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ طلب الْكسْب بعد الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة هِيَ الْفَرِيضَة بعد الْفَرِيضَة وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ فَلَا يتْرك ذَلِك بقول مَكْحُول وَمُجاهد رحمهمَا الله وَالظَّاهِر يُؤَيّد مَا ذكرنَا بِدَلِيل مَا ذكر بعده ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ الْآيَة وَكَانَ قد انْفَضُّوا بذلك فِي حَال خطبَته فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بِهِ بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة فَإِن قيل فَالْأَمْر بعد النَّهْي يُفِيد الْإِبَاحَة قُلْنَا الْأَمر حَقِيقَة للْإِيجَاب وَلَو كَانَ المُرَاد هُوَ الْإِبَاحَة والرخصة لقَالَ فَلَا

стр. 19

جنَاح عَلَيْكُم أَن تَبْتَغُوا من فضل الله كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي بَاب طَرِيق الْحَج ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى أَمر بِالْإِنْفَاقِ على الْعِيَال من الزَّوْجَات وَالْأَوْلَاد والمعتدات وَلَا يتَمَكَّن من الْإِنْفَاق عَلَيْهِم إِلَّا بتحصيل المَال بِالْكَسْبِ وَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَدَاء الْوَاجِب يكون وَاجِبا والمعقول يشْهد لَهُ فَإِن فِي الْكسْب نظام الْعَالم وَالله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الْعَالم إِلَى حِين فنائها وَجعل سَبَب الْبَقَاء والنظام كسب الْعباد وَفِي تَركه تخريب نظامه وَذَلِكَ مَمْنُوع مِنْهُ فَإِن قيل فبقاء هَذَا النظام يتَعَلَّق بالتسافد بَين الْحَيَوَانَات وَأحد لَا يَقُول بفرضية ذَلِك قُلْنَا نعم إِن الله تَعَالَى علق الْبَقَاء بتسافد الْحَيَوَانَات وَركب الشَّهْوَة فِي طباعهم فَتلك الشَّهْوَة تحملهم على مُبَاشرَة ذَلِك الْفِعْل فَلَا تقع الْحَاجة إِلَى أَن يَجْعَل ذَلِك فرضا عَلَيْهِم لكيلا يمتنعون عَن ذَلِك فَإِن الطَّبْع أدعى إِلَى إفضاء الشَّهَوَات فَأَما الِاكْتِسَاب فِي الِابْتِدَاء كد وتعب وَقد تعلق بِهِ بَقَاء نظام الْعَالم فَلَو لم يَجْعَل أَصله فرضا لاجتمع النَّاس عَن آخِرهم على تَركه لِأَن لَيْسَ فِي طبعهم مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الكد والتعب فَجعل الشَّرْع أَصله فرضا لكيلا يجتمعوا على تَركه فَيحصل مَا هُوَ الْمَقْصُود وَجَمِيع مَا ذكرُوا من التقسيمات يبطل بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّد ﵀ فِي قَوْله طلب الْكسْب فَرِيضَة كَمَا أَن طلب الْعلم فَرِيضَة فَإِن هَذِه التقسيمات تَأتي فِي الْعلم وَمَعَ ذَلِك كَانَ أَصله فرضا بالِاتِّفَاقِ فَكَذَا طلب الْكسْب

стр. 20

وَكَانَ معنى الْفَرْضِيَّة مَا بَينا من بَقَاء نظام الْعَالم بِهِ وَلَا يُوجد ذَلِك فِي الاستكثا مِنْهُ على قصد التكاثر والتفاخر وَإِنَّمَا ذمّ الله تَعَالَى الاستكثار إِذا كَانَ بِهَذِهِ فَقَالَ ﴿وتفاخر بَيْنكُم وتكاثر﴾ ثمَّ يَنْبَنِي على هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي أَنه بَعْدَمَا اكْتسب مَالا بُد لَهُ مِنْهُ هَل الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ أفضل أم التفرغ لِلْعِبَادَةِ قَالَ بعض الْفُقَهَاء ﵏ الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ أفضل وَأكْثر مَشَايِخنَا ﵏ على أَن التفريغ لِلْعِبَادَةِ أفضل وَجه القَوْل الأول أَن مَنْفَعَة الِاكْتِسَاب أَعم فَإِن مَا اكْتَسبهُ الزَّارِع تصل منفعَته إِلَى الْجَمَاعَة عَادَة وَالَّذِي يشْتَغل بِالْعبَادَة إِنَّمَا ينفع نَفسه لِأَن بِفِعْلِهِ يتَحَصَّل النجَاة لنَفسِهِ وَيحصل الثَّوَاب لجسمه وَمَا كَانَ أَعم نفعا فَهُوَ أفضل لقَوْله ﷺ خير النَّاس من ينفع النَّاس وَلِهَذَا كَانَ الِاشْتِغَال بِطَلَب الْعلم أفضل من التفرغ لِلْعِبَادَةِ لِأَن مَنْفَعَة ذَلِك أَعم وَلِهَذَا كَانَت الْإِمَارَة والسلطنة بِالْعَدْلِ أفضل من التخلي لِلْعِبَادَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْخُلَفَاء الراشدون رضوَان الله عَلَيْهِم لِأَن ذَلِك أَعم نفعا وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ النَّبِي ﷺ فِي قَوْله الْعِبَادَة عشرَة أَجزَاء وَقَالَ ﷺ الْجِهَاد عشرَة أَجزَاء تِسْعَة مِنْهَا طلب الْحَلَال يَعْنِي طلب الْحَلَال للإنفاق على الْعِيَال وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه بِالْكَسْبِ يتَمَكَّن من أَدَاء أَنْوَاع الطَّاعَات من الْجِهَاد وَالْحج وَالصَّدَََقَة وبر الْوَالِدين وصلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب والأجانب

стр. 21

وَفِي التفريغ لِلْعِبَادَةِ لَا يتَمَكَّن إِلَّا من أَدَاء بعض الْأَنْوَاع كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَجه القَوْل الآخر وَهُوَ الْأَصَح أَن الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ مَا اشتغلوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَلَا يخفى على أحد أَن اشتغالهم بِالْعبَادَة فِي عمرهم كَانَ أَكثر من إشتغالهم بِالْكَسْبِ وَمَعْلُوم أَنهم كَانُوا يختارون لأَنْفُسِهِمْ أَعلَى الدَّرَجَات وَلَا شكّ أَن أَعلَى مناهج الدّين طَرِيق الْمُرْسلين ﵈ وَكَذَا النَّاس فِي الْعَادة إِذا حزبهم أَمر يَحْتَاجُونَ إِلَى دَفعه عَن أنفسهم فيشتغلون بِالْعبَادَة لَا بِالْكَسْبِ وَالنَّاس إِنَّمَا يَتَقَرَّبُون إِلَى الْعباد دون المكتسبين وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الِاكْتِسَاب يَصح من الْكَافِر وَالْمُسلم جَمِيعًا فَكيف يَسْتَقِيم القَوْل بتقديمه على مَا لايصح إِلَّا من الْمُؤمنِينَ خَاصَّة وَهِي الْعِبَادَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن النَّبِي ﷺ لما سُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال قَالَ أحمزها أَي أشقها على الْبدن وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْمَرْء إِنَّمَا ينَال أَعلَى الدَّرَجَات بِمَنْع النَّفس عَن هَواهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ الْآيَة والاشتغال بِهَذِهِ الصّفة فِي الِابْتِدَاء والدوام فِي الْعِبَادَات فَأَما الْكسْب فَفِيهِ بعض التَّعَب فِي الِابْتِدَاء وَلَكِن فِيهِ قَضَاء الشَّهْوَة فِي الِانْتِهَاء وَتَحْصِيل مُرَاد النَّفس فَلَا بُد من القَوْل بِأَن مَا يكون بِخِلَاف هوى النَّفس ابْتِدَاء وانتهاء فَهُوَ أفضل وَلَا يدْخل على شئ مِمَّا ذكرنَا النِّكَاح فَإِن الِاشْتِغَال بِالنِّكَاحِ أفضل عندنَا من التخلي لعبادة الله تَعَالَى وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك أفضل

стр. 22

لما فِيهِ من تَكْثِير عباد الله وَأمة رَسُول الله ﷺ وَتَحْقِيق مباهاة رَسُول الله ﷺ بهم وَذَلِكَ لايوجد هُنَا وَكَانَ التفرغ لِلْعِبَادَةِ أفضل من الِاشْتِغَال بِالْكَسْبِ بَعْدَمَا حصل مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ وَهَذِه الْمَسْأَلَة تنبني على مَسْأَلَة أُخْرَى اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء ﵏ وَهُوَ أَن صفة الْفقر أَعلَى أم صفة الْغنى فَالْمَذْهَب عندنَا أَن صفة الْفقر أَعلَى وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء إِن صفة الْغنى أَعلَى وَقد أَشَارَ مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الْكسْب فِي موضِعين إِلَى مَا بَيناهُ من مَذْهَبنَا فَقَالَ فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وَلَو أَن النَّاس قنعوا بِمَا يكفيهم وعمدوا إِلَى الفضول فوجهوها إِلَى أَمر آخرتهم كَانَ خيرا لَهُم وَقَالَ فِي الْموضع الاخر وَمَا زَاد على مَا لَا بُد مِنْهُ يُحَاسب الْمَرْء عَلَيْهِ وَلَا يُحَاسب أحد على الْفقر فَلَا شكّ أَن مَا لَا يُحَاسب الْمَرْء عَلَيْهِ يكون أفضل مِمَّا يُحَاسب الْمَرْء عَلَيْهِ وَأما من فضل الْغنى احْتج فَقَالَ الْغنى نعْمَة والفقر بؤس ونقمة ومحنة وَلَا يخفى على عَاقل أَن النِّعْمَة أفضل من النقمَة والمحنة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى سمى المَال فضلا فَقَالَ ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ وَمَا هُوَ فضل الله فَهُوَ أَعلَى الدَّرَجَات وسمى المَال خيرا فَقَالَ ﴿إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين﴾ وَهَذَا اللَّفْظ يدل على أَنه خير من ضِدّه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد منا فضلا﴾ يعْنى الْملك وَالْمَال حَتَّى رُوِيَ أَنه كَانَ لَهُ مائَة سَرِيَّة فَمن الله بذلك عَلَيْهِ وَسَماهُ فضلا مِنْهُ وَسليمَان صلوَات

стр. 23

الله عَلَيْهِ سَأَلَ الله تَعَالَى ذَلِك فَقَالَ ﴿رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ وَلَا يظنّ بِأحد من الرُّسُل ﵈ أَنه سَأَلَ الله الدرجَة الْأَدْنَى دون الدرجَة الْعليا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْأَيْدِي ثَلَاثَة يَد الله ثمَّ الْيَد المعطية ثمَّ الْيَد المعطاة فَهِيَ السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي حَدِيث آخر قَالَ ﷺ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وَالْيَد الْعليا هِيَ المعطية وَقَالَ ﷺ لسعد بن أبي وَقاص ﵁ إِنَّك إِن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير لَك من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ لعَائِشَة ﵂ فِي مَرضه إِن أحب النَّاس إِلَى غنى أَنْت وأعزهم على فقر أَنْت فَهَذَا يدل على صفة الْغنى أفضل وَأَعْلَى من صفة الْفقر قَالَ ﷺ كَاد الْفقر أَن يكون كفرا وَقَالَ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفقر إِلَّا إِلَيْك وَقَالَ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْبُؤْس وَالتَّبَاؤُس والبؤس الْفقر وَالتَّبَاؤُس التمسكن وَلَا يظنّ بِالنَّبِيِّ أَنه يتَعَوَّذ بِاللَّه تَعَالَى من أَعلَى الدَّرَجَات وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن الْفقر أسلم للعباد وَأَعْلَى الدَّرَجَات للْعَبد مَا يكون أسلم لَهُ وَبَيَان ذَلِك أَنه يسلم بالفقر من طغيان الْغنى قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد﴾

стр. 24

الْآيَة إِنَّمَا حملهمْ على ذَلِك طغيان الْغنى يَعْنِي الَّذين ادعوا مَا لَا يَنْبَغِي لَهُم وَلَا لأحد من الْبشر فَأَنَّهُ لم ينْقل أَن أحدا من الْفُقَرَاء وَقع فِي ذَلِك فَدلَّ أَن الْفقر أسلم ثمَّ صفة الْغنى مِمَّا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَيَدْعُو إِلَيْهِ الطَّبْع ويتوصل بِهِ إِلَى إقتضاء الشَّهَوَات وَلَا يتَوَصَّل بالفقر إِلَى شَيْء من ذَلِك وَأَعْلَى الدَّرَجَات مَا يكون أبعد من اقْتِضَاء الشَّهَوَات قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا﴾ وَقَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ الْآيَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ حفت الْجنَّة بالمكاره وَالنَّار بالشهوات وَقَالَ ﷺ الْفقر أزين على الْمُؤمن من العذار الْجيد على خد الْعَرُوس وَقَالَ ﷺ إِن فُقَرَاء أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِنصْف يَوْم وَهُوَ خَمْسمِائَة عَام وَفِي الْآثَار أَن آخر الْأَنْبِيَاء ﵈ دُخُولا الْجنَّة سُلَيْمَان ﵇ لملكه وَقَالَ ﷺ يَوْمًا لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ مَا بطأ بك عني يَا عبد الرَّحْمَن قَالَ وَمَا ذَاك يَا رَسُول الله فَقَالَ ﷺ إِنَّك آخر أَصْحَابِي لُحُوقا بِي يَوْم الْقِيَامَة فَأَقُول مَا حَبسك عني فَيَقُول المَال كنت محاسبا مَحْبُوسًا حَتَّى الْآن وَكَانَ هُوَ من الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ وَقد قَاسم الله تَعَالَى مَاله أَربع مَرَّات فَتصدق بِالنِّصْفِ وَأمْسك النّصْف فِي الْمرة الأولى كَانَ مَاله ثَمَانِيَة

стр. 25

آلَاف دِرْهَم فَتصدق بأَرْبعَة آلَاف وَفِي الْمرة الثَّانِيَة كَانَ ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار فَتصدق بأَرْبعَة آلَاف دِينَار وَفِي الْمرة الثَّالِثَة كَانَ سِتَّة عشر ألف دِينَار فَتصدق بِنِصْفِهَا وَفِي الْمرة الرَّابِعَة كَانَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَتصدق بِنِصْفِهَا وَمَعَ هَذَا كُله قَالَ لَهُ ﷺ فِي حَقه مَا قَالَ فَتبين بِهِ أَن صفة الْفقر أفضل وَقَالَ ﷺ عرض على مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض فاستقلت أخي جِبْرَائِيل ﵇ ذَلِك فَأَشَارَ إِلَى التَّوَاضُع فَقلت أكون عبدا نَبيا أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا فَإِذا جعت صبرت وَإِذا شبعت شكرت فَكَانَ ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين وَلَا شكّ أَن النَّبِي ﷺ يسْأَل لنَفسِهِ أَعلَى الدَّرَجَات وَأَن الْأَفْضَل لنا مَا سَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ لنَفسِهِ وَقَالَ ﷺ أَنا حظكم من الْأَنْبِيَاء وَأَنْتُم حظي من الْأُمَم فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه علينا التَّمَسُّك بهديه وهداه وَتبين فِيمَا ذكرنَا أَن النَّبِي ﷺ مَا تعوذ من الْفقر الْمُطلق وَإِنَّمَا تعوذ من الْفقر المنسي على مَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من فقر منسي وَمن غنى يطغي إِلَّا أَنه قيد السُّؤَال فِي بعض الْأَحْوَال وَأطلق فِي بعض الْأَحْوَال وَمرَاده ذَلِك أَيْضا وَلَكِن من

стр. 26

سمع اللَّفْظ مُطلقًا نَقله كَمَا سَمعه وَهَذِه الْمَسْأَلَة تنبني على مَسْأَلَة أُخْرَى اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء ﵏ وَهُوَ إِن الشُّكْر على الْغنى أفضل أم الصَّبْر على الْفقر اخْتلف الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على أَرْبَعَة أقاويل فَمنهمْ من توقف فِي جوابها لتعارض الْآثَار وَقَالُوا إِن أَبَا حنيفَة ﵀ توقف فِي أَطْفَال الْمُشْركين لتعارض الْآثَار فيقتدى بِهِ ويتوقف فِي هَذَا الْفَصْل لتعارض الْآثَار أَيْضا وَمِنْهُم من قَالَ هما سَوَاء وَاسْتَدَلُّوا بقوله ﷺ الطاعم الشاكر كالجائع الصابر وَلِأَن الله تَعَالَى أثنى بقوله فِي كِتَابه على عَبْدَيْنِ وسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا نعم العَبْد أَحدهمَا أنعم عَلَيْهِ فَشكر وَهُوَ سُلَيْمَان ﵇ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لداود﴾ الْآيَة وَالْآخر ابْتُلِيَ فَصَبر وَهُوَ أَيُّوب ﵇ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد﴾ الْآيَة فَعرفنَا أَنَّهَا سَوَاء وَمِنْهُم من قَالَ الشُّكْر على الْغنى أفضل لقَوْله ﷺ الْحَمد لله ثمن كل نعْمَة وَقَالَ ﷺ لَو أَن جَمِيع الدُّنْيَا صَارَت لقْمَة فَتَنَاولهَا عبد وَقَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين كَانَ مَا أَتَى بِهِ خيرا مِمَّا أُوتِيَ يَعْنِي لما فِي هَذِه الْكَلِمَة من الثَّنَاء على الله تَعَالَى

стр. 27

وَتبين بِالْحَدِيثِ الأول أَن الشُّكْر يكون بالثناء على الله فَكَانَ أفضل من الصَّبْر وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ وَهَذَا يعم جَمِيع الطَّاعَات وَلَا شكّ أَن مَا يعم جَمِيع الطَّاعَات والامتناع من أَنْوَاع الْمعاصِي مَعَ التَّمَكُّن من مباشرتها صُورَة وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الصَّبْر على الْفقر وَالْمذهب عندنَا أَن الصَّبْر على الْفقر أفضل قَالَ ﷺ الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَقَالَ ﷺ الصَّبْر من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد وَلِأَن فِي الْفقر معنى الِابْتِلَاء وَالصَّبْر وَالصَّبْر على الِابْتِلَاء يكون أفضل من الشُّكْر على النِّعْمَة وَيعْتَبر هَذَا بِسَائِر أَنْوَاع الِابْتِلَاء فَإِن الصَّبْر على ألم الْمَرَض أعظم فِي الثَّوَاب من الشُّكْر على صِحَة الْبدن وَكَذَلِكَ الصَّبْر على الْعَمى أفضل من الشُّكْر على الْبَصَر قَالَ ﷺ فِيمَا يأثر عَن ربه من أخذت كريمتيه فَصَبر على ذَلِك فَلَا أجر لَهُ عِنْدِي إِلَّا الْجنَّة أَو قَالَ الْجنَّة والرؤية وَهَذِه لفقرة وَهُوَ أَن لِلْمُؤمنِ ثَوابًا فِي نفس الْمُصِيبَة قَالَ ﷺ يُؤجر الْمُؤمن فِي كل شئ حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها فِي رجله وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن ماعزا ﵁ حِين أَصَابَهُ حر الْحِجَارَة هرب وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ نوع اضْطِرَاب ثمَّ مَعَ ذَلِك قَالَ فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 28

لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت تَوْبَته على جَمِيع أهل الأَرْض لوسعتهم فَعرفنَا أَن فِي نفس الْمُصِيبَة لِلْمُؤمنِ ثَوَاب وَفِي الصَّبْر عَلَيْهَا ثَوَاب أَيْضا فَأَما نفس الْغنى لَا ثَوَاب بِهِ وَإِنَّمَا الثَّوَاب فِي الشُّكْر على الْغنى وَمَا ينَال بِهِ بِهِ الثَّوَاب من وَجْهَيْن يكون أَعلَى مَا ينَال فِيهِ الثَّوَاب من وَجه وَاحِد وكما أَن فِي الشُّكْر على الْغنى ثَنَاء على الله تَعَالَى وَفِي الصَّبْر على الْمُصِيبَة كَذَا لقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة﴾ الْآيَة وَحكي أَن غَنِيا وَفَقِيرًا تناظرا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ الْغَنِيّ الْغَنِيّ الشاكر أفضل فَإِن الله تَعَالَى اسْتقْرض من الْأَغْنِيَاء فَقَالَ ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله﴾ الْآيَة وَقَالَ الْفَقِير إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا اسْتقْرض من الْأَغْنِيَاء للْفُقَرَاء وَقد يستقرض من الحبيب وَغير الحبيب وَلَا يستقرض إِلَّا لأجل الحبيب تَرْجِيحه إِن الْغَنِيّ يحْتَاج إِلَى الْفَقِير وَالْفَقِير لَا يحْتَاج إِلَى الْغَنِيّ لِأَن الْغَنِيّ يلْزمه أَدَاء حق المَال فَلَو اجْتمع الْفُقَرَاء عَن آخِرهم على أَن لَا يَأْخُذُوا شَيْئا من ذَلِك لم يجبروا على الْأَخْذ ويحمدون شرعا على الِامْتِنَاع عَن الْأَخْذ وَلَا يتَمَكَّن الْأَغْنِيَاء من إِسْقَاط الْوَاجِب عَن أنفسهم وَالله تَعَالَى يُوصل إِلَى الْفُقَرَاء كفايتهم على حسب مَا ضمن لَهُم فَبِهَذَا تبين أَن الْأَغْنِيَاء هم الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى الْفُقَرَاء والفقراء لَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِم بِخِلَاف مَا ظَنّه من يعْتَبر الظَّاهِر وَلَا يتَأَمَّل فِي الْمَعْنى فاتضح بِمَا قَررنَا أَن الْفَقِير الصابر أفضل من الْغَنِيّ الشاكر وَفِي كل خير

стр. 29

ثمَّ الْكسْب على مَرَاتِب فمقدار مَا لَا بُد لكل أحد مِنْهُ يَعْنِي مَا يُقيم بِهِ صلبه يفترض على كل أحد إكتسابه عينا لِأَنَّهُ لَا يتَوَصَّل إِلَى إِقَامَة الْفَرَائِض إِلَّا بِهِ وَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِقَامَة الْفَرَائِض يكون فرضا فَإِن لم يكْتَسب زِيَادَة على ذَلِك فَهُوَ فِي سَعَة من ذَلِك لقَوْله ﷺ من أصبح آمنا فِي سربه معافى فِي بدنه عِنْده قوت يَوْمه فَكَأَنَّمَا حيزت لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها وَقَالَ ﷺ لِابْنِ حُبَيْش فِيمَا يعظه بلغَة تسد بهَا جوعتك وخرقة تواري بهَا سوءتك فَإِن كَانَ لَك كن يكنك فَحسن وَإِن كَانَ لَك دَابَّة تركبها فبخ بخ وَهَذَا إِذا لم يكن عَلَيْهِ دين فَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين فالاكتساب بِقدر مَا يقْضِي بِهِ دينه فرض عَلَيْهِ لِأَن قَضَاء الدّين مُسْتَحقّ عَلَيْهِ عينا قَالَ ﷺ الدّين مقضي وبالاكتساب يتَوَصَّل إِلَيْهِ وَكَذَا إِن كَانَ لَهُ عِيَال من زَوْجَة وَأَوْلَاد فَإِنَّهُ يفترض عَلَيْهِ الْكسْب بِقدر كفايتهم عينا لِأَن الانفاق على زَوجته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ وأنفقوا عَلَيْهِم من وجدكم وَهَكَذَا فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود

стр. 30

رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله﴾ الْآيَة وَإِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى إبْقَاء هَذَا الْمُسْتَحق بِالْكَسْبِ وَقَالَ ﷺ كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يضيع من يعول لَهُ فالتحرز عَن ارْتِكَاب المآثم فرض وَقَالَ ﷺ إِن لنَفسك عَلَيْك حَقًا فأعط كل ذِي حق حَقه وَلَكِن هَذَا فِي الْفَرْضِيَّة دون الأول لقَوْله ﷺ ثمَّ بِمن تعول فَإِن الْكسْب زِيَادَة على ذَلِك مَا يدخره لنَفسِهِ وَعِيَاله فَهُوَ فِي سَعَة من ذَلِك لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ إدخر قوت عِيَاله لسنة بَعْدَمَا كَانَ ينْهَى عَن ذَلِك على مَا رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ لِبلَال ﵁ انفق بِلَالًا وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا والمتأخر يكون نَاسِخا للمتقدم فَإِن كَانَ لَهُ أَبَوَانِ كبيران معسران فَإِنَّهُ يفترض عَلَيْهِ الْكسْب بِقدر كفايتهما لِأَن نفقتهما مُسْتَحقّ عَلَيْهِ مَعَ عسرته إِذا كَانَ مُتَمَكنًا من الْكسْب قَالَ ﷺ للرجل الَّذِي أَتَاهُ وَقَالَ أُرِيد الْجِهَاد مَعَك فَقَالَ أَلَك أَبَوَانِ قَالَ نعم قَالَ ﷺ إرجع ففيهما فَجَاهد يَعْنِي اكْتسب فأنفق عَلَيْهِمَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وصاحبهما﴾

стр. 31

فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا وَلَيْسَ من المصاحبة بِالْمَعْرُوفِ تَركهمَا يموتان جوعا مَعَ قدرته على الْكسْب وَلَكِن هَذَا دون مَا سبق فِي الْفَرْضِيَّة لما رُوِيَ أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله ﷺ معي دِينَار فَقَالَ ﷺ أنفقهُ على نَفسك فَقَالَ معي آخر قَالَ ﷺ أنفقهُ على عِيَالك قَالَ معي آخر قَالَ ﷺ أنفقهُ على والديك فَأَما غير الْوَالِدين من ذَوي الرَّحِم الْمحرم فَلَا يفترض على الْمَرْء الْكسْب للانفاق عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَا تسْتَحقّ نَفَقَتهم عَلَيْهِ إِلَّا بِاعْتِبَار صفة الْيَسَار لكنه ينْدب إِلَى الْكسْب والانفاق عَلَيْهِم لما فِيهِ صلَة الرَّحِم وَهُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي الشَّرْع قَالَ ﷺ لَا خير فِيمَن لَا يحب المَال ليصل بِهِ رَحمَه وَيكرم بِهِ ضَيفه ويبر بِهِ صديقه وَقَالَ ﷺ لعَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ وارغب لَك رَغْبَة من المَال الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ نعم المَال الصَّالح للرجل الصَّالح يصل بِهِ رَحمَه وَقَطِيعَة الرَّحِم حرَام لقَوْله ﷺ ثَلَاث معلقات بالعرش النِّعْمَة وَالْأَمَانَة وَالرحم تَقول النِّعْمَة كفرت وَلم أشكر وَتقول الْأَمَانَة خزنت وَلم أؤد وَتقول الرَّحِم قطعت وَلم أوصل وَقَالَ ﷺ صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر وَقَطِيعَة الرَّحِم ترفع الْبركَة عَن الْعُمر

стр. 32

وَقَالَ ﷺ فِيمَا يأثر عَن ربه أَنا الرَّحْمَن وَهِي الرَّحِم شققت لَهَا اسْما من اسْمِي فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته وَفِي ترك الانفاق عَلَيْهِم مَا يُؤَدِّي إِلَى قطيعته فَينْدب إِلَى الِاكْتِسَاب للانفاق عَلَيْهِم وَبعد ذَلِك الْأَمر موسع عَلَيْهِ فَإِن شَاءَ إكتسب وَجمع المَال وَإِن شَاءَ أَبى لِأَن السّلف ﵏ مِنْهُم من جمع المَال وَمِنْهُم من لم يفعل فَعرفنَا أَن كلا الطَّرفَيْنِ مُبَاح وَأما الْجمع فَلَمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من طلب الدُّنْيَا حَلَالا متعففا لَقِي الله تَعَالَى وَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَمن طلبَهَا مفاخرا مكاثرا لَقِي الله تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان فَدلَّ أَن جمع المَال على طَرِيق التعفف مُبَاح وَكَانَ ﷺ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَل أوسع رِزْقِي عِنْد كبري وانقضاء عمري وَكَانَ كَذَا فقد اجْتمع لَهُ أَرْبَعُونَ شَاة حلوبة وفدك وَسَهْم بِخَيْبَر فِي آخر عمره

стр. 33

وَأما الِامْتِنَاع عَن جمع المَال فطريق مُبَاح أَيْضا لحَدِيث عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من ذهب لتمنى إِلَيْهِمَا ثَالِثا لَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ وَقيل هَذَا كَانَ مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآن فِي سُورَة يُونُس فِي الرُّكُوع الثَّانِي أَو الثَّالِث ثمَّ انتسخ تِلَاوَته وَبقيت رِوَايَته وَقَالَ ﷺ تَبًّا لِلْمَالِ وَفِي رِوَايَة تَبًّا لصَاحب الذَّهَب وَالْفِضَّة وَقَالَ ﷺ هلك المكثرون إِلَّا من قَالَ بِمَالِه هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي يتَصَدَّق من كل جَانب وَقَالَ ﷺ يَقُول الشَّيْطَان لن ينجو مني صَاحب المَال من احدى ثَلَاث إِمَّا أَن أزينه فِي عينه فيجمعه من غير حلّه وَإِمَّا أَن أحقره فِي عينه فيعطي من غير حلّه وَأما أَن أحببه إِلَيْهِ فَيمْنَع حق الله تَعَالَى مِنْهُ فَفِي هَذَا بَيَان أَن الِامْتِنَاع عَن الْجمع أسلم وَلَا عيب على من اخْتَار طَرِيق السَّلامَة ثمَّ بَين مُحَمَّد ﵀ أَن الْكسْب فِيهِ معنى المعاونة على الْقرب والطاعات أَي كسب كَانَ حَتَّى أَن فتال الحبال ومتخذ الكيزان والجرار وَكسب الحوكة فِيهِ معاونة على الطَّاعَات والقرب فَإِنَّهُ لايتمكن من أَدَاء الصَّلَاة إِلَّا بِالطَّهَارَةِ وَيحْتَاج لَهُ إِلَى كوز ورشاء ينْزح بِهِ المَاء وَيحْتَاج إِلَى ستر الْعَوْرَة لأَدَاء الصَّلَاة وَإِنَّمَا يتَمَكَّن من ذَلِك بِعَمَل الحوكة فَعرفنَا أَن ذَلِك كُله من أَسبَاب التعاون على إِقَامَة الطَّاعَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَليّ ﵁ فِي قَوْله لَا تسبوا الدُّنْيَا

стр. 34

فَنعم مَطِيَّة الْمُؤمن الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة وَقَالَ أَبُو ذَر ﵁ حِين سَأَلَهُ رجل عَن أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان فَقَالَ الصَّلَاة وَأكل الْخبز فَنظر إِلَيْهِ الرجل كالمتعجب فَقَالَ لَوْلَا الْخبز مَا عبد الله تَعَالَى يَعْنِي بِأَكْل الْخبز يُقيم صلبه فَيمكن من إِقَامَة الطَّاعَة ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء ﵏ أَن المكاسب كلهَا فِي الْإِبَاحَة سَوَاء قَالَ بعض المتقشفة مَا يرجع إِلَى الدناءة من المكاسب فِي عرف النَّاس لَا يسع الْإِقْدَام عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة لقَوْله ﵇ لَيْسَ لِلْمُؤمنِ أَن يذل نَفسه وَقَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى يحب معالي الْأُمُور وَيبغض سفسافها والسفاف مَا يذل الْمَرْء بخسته وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَوْله ﷺ إِن من الذُّنُوب ذنوبا لَا يكفرهَا الصَّوْم وَلَا الصَّلَاة قيل مَا يكفرهَا يَا رَسُول الله قَالَ الهموم فِي طلب الْمَعيشَة وَقَالَ ﷺ طلب الْحَلَال كمقارعة الْأَبْطَال وَمن بَات نَاوِيا فِي طلب الْحَلَال بَات مغفورا لَهُ وَقَالَ ﷺ أفضل الْأَعْمَال الِاكْتِسَاب للانفاق على الْعِيَال من غير تَفْضِيل بَين أَنْوَاع الْكسْب وَلَو لم يكن فِيهِ سوى التعفف واستغناء عَن السُّؤَال لَكَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ السُّؤَال آخر كسب العَبْد أَي يبْقى فِي ذلته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﷺ لحكيم بن حزَام ﵁ أَو لغيره

стр. 35

مكسبه فِيهَا نقص الْمرتبَة خير لَك من أَن تسْأَل النَّاس أعطوك أَو منعوك ثمَّ المذمة فِي عرف النَّاس لَيْسَ للكسب بل للخيانة وَخلف الْوَعْد وَالْيَمِين الكاذبة وَمعنى الْبُخْل ثمَّ المكاسب أَرْبَعَة الْإِجَارَة وَالتِّجَارَة والزراعة والصناعة وكل ذَلِك فِي الْإِبَاحَة سَوَاء عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء رَحِمهم الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم الْمُزَارعَة مذمومة لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ رأى شَيْئا من آلَات الحراثة فِي دَار قوم فَقَالَ مَا دخل هَذَا بَيت قوم إِلَّا ذلوا وَسُئِلَ ﷺ عَن قَوْله ﴿إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا يردوكم على أعقابكم﴾ أهوَ التَّعَرُّب قَالَ لَا وَلكنه الزِّرَاعَة وَالتَّعَرُّب سُكُون الْبَادِيَة وَترك الْهِجْرَة وَقَالَ عبد الله بن عمر ﵁ إِذا تبايعتم بِالْعينِ وابتعتم أَذْنَاب الْبَقر ذللتم حَتَّى يطْمع فِيكُم وَحجَّتنَا فِي ذَلِك مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ ازدرع بالجرف وَقَالَ ﷺ الزَّارِع يتاجر ربه وَقد كَانَ لَهُ فدك وَسَهْم خَيْبَر وَكَانَ قوته

стр. 36

فِي آخر عمره من ذَلِك وَعمر ﵁ كَانَ لَهُ أَرض بِخَيْبَر تدعى شمع وَقد كَانَ لِابْنِ مَسْعُود وَالْحسن بن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة ﵄ مزارع بِالسَّوَادِ يزرعونها ويؤدون خراجها وَقد كَانَ لِابْنِ عَبَّاس ﵄ أَيْضا مزارع بِالسَّوَادِ وَغَيرهَا وَتَأْويل الْآثَار المروية فِيمَا إِذا اشْتغل النَّاس كلهم بالزراعة وأعرضوا عَن الْجِهَاد حَتَّى يطْمع فيهم عدوهم وكل ذَلِك مَرْوِيّ فِي حَدِيث ابْن عمر ﵄ قَالَ وقعدتم عَن الْجِهَاد وذللتم حَتَّى يطْمع فِيكُم فَأَما إِذا اشْتغل بَعضهم بِالْجِهَادِ وَبَعْضهمْ بالزراعة فَفِي عمل الْمُزَارعَة معاونة للمجاهد وَفِي عمل الْمُجَاهِد دفع عَن الْمزَارِع وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا ثمَّ اخْتلف مَشَايِخنَا ﵏ فِي التِّجَارَة والزراعة قَالَ بَعضهم التِّجَارَة التِّجَارَة أفضل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ الْآيَة وَالْمرَاد الضَّرْب فِي الأَرْض للتِّجَارَة فقدمه فِي الذّكر على الْجِهَاد الَّذِي هُوَ سَنَام الدّين وَلِهَذَا قَالَ عمر ﵁ لإن أَمُوت بَين شُعْبَتَيْ رحلي أضْرب فِي الأَرْض أَبْتَغِي من فضل الله أحب إِلَيّ من أَن أقَاتل مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله وَقَالَ ﷺ التَّاجِر الْأمين مَعَ الْكِرَام البررة يَوْم الْقِيَامَة وَأكْثر مَشَايِخنَا ﵏ على أَن الزِّرَاعَة أفضل من

стр. 37

التِّجَارَة لِأَنَّهَا أَعم نفعا فبعمل الزِّرَاعَة يحصل مَا يُقيم الْمَرْء بِهِ صلبه ويتقوى على الطَّاعَة وبالتجارة لَا يحصل ذَلِك وَلَكِن يَنْمُو المَال وَقَالَ ﷺ خير النَّاس من هُوَ أَنْفَع للنَّاس والأشتغال بِمَا يكون نَفعه أَعم يكون أفضل وَلِأَن الصَّدَقَة فِي الزِّرَاعَة أظهر فَلَا بُد أَن يتَنَاوَل مِمَّا يكتسبه الزراع النَّاس وَالدَّوَاب والطيور وكل ذَلِك صَدَقَة لَهُ قَالَ ﷺ مَا غرس مُسلم شَجَرَة فَيتَنَاوَل مِنْهَا انسان أَو دَابَّة أَو طير إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَة وَفِي رِوَايَة مَا أكلت الْعَافِيَة مِنْهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَة والعافية الطُّيُور الطالبة لأرزاقها الراجعة إِلَى أوكارها وَإِذا كَانَ فِي عَادَة النَّاس ثمَّ الْكسْب الَّذِي يَنْعَدِم فِيهِ التَّصَدُّق لَا تُوجد فِيهِ الْأَفْضَلِيَّة كعمل الحياكة مَعَ أَنه من التعاون على إِقَامَة الصَّلَاة فَعرفنَا أَن مَا يكون التَّصَدُّق فِيهِ أَكثر من الْكسْب فَهُوَ أفضل فَأَما تَأْوِيل مَا تعلقوا بِهِ فقد رُوِيَ عَن مَكْحُول وَمُجاهد رحمهمَا الله قَالَا المُرَاد الضَّرْب فِي الأَرْض لطلب الْعلم وَبِه نقُول أَن ذَلِك أفضل فقد أَشَارَ مُحَمَّد ﵀ إِلَى ذَلِك فِي قَوْله طلب الْكسْب فَرِيضَة

стр. 38

كَمَا أَن طلب الْعلم فَرِيضَة فتشبيه هَذَا بذلك دَلِيل على أَن طلب الْعلم فَرِيضَة أَعلَى دَرَجَة من غَيره وَبَيَان فَرضِيَّة طلب الْعلم فِي قَوْله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَالْمرَاد علم الْحَال على مَا قيل أفضل الْعلم علم الْحَال وَأفضل الْعَمَل حفظ الْحَال وَبَيَان هَذَا أَن مَا يحْتَاج الْمَرْء فِي الْحَال لأَدَاء مَا لزمَه يفترض عَلَيْهِ عينا علمه كالطهارة لأَدَاء الصَّلَاة فَإِن أَرَادَ التِّجَارَة يفترض عَلَيْهِ تعلم مَا يحرز بِهِ عَن الرِّبَا والعقود الْفَاسِدَة وَإِن كَانَ لَهُ مَال يفترض عَلَيْهِ تعلم زَكَاة جنس مَاله ليتَمَكَّن بِهِ من الْأَدَاء وَإِن لزمَه الْحَج يفترض عَلَيْهِ تعلم مَا يُؤَدِّي بِهِ الْحَج فَهَذَا معنى علم الْحَال وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الشَّرِيعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة والبقاء بَين النَّاس يكون بالتعلم والتعليم فيفترض التَّعْلِيم والتعلم جَمِيعًا وَقد قَررنَا هَذَا الْمَعْنى فِي بَيَان فَرضِيَّة الْكسْب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لعن الَّذين لَا يعلمُونَ وَالَّذين لَا يتعلمون ليرْفَع الْعلم بهم وَقَالَ إِن الله تَعَالَى لَا يقبض الْعلم انتزاعا بنزعه من الْقُلُوب وَلَكِن يقبض الْعلمَاء فَإِذا قبض الْعلمَاء اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا وَالَّذِي يُؤَيّد هَذَا كُله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ الْآيَة وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه يفترض تَعْلِيم الْكَافِر إِذا طلب فتعليم الْمُؤمن أولى

стр. 39

وَبَيَان قَوْلنَا أَن من آكِد الْفَرَائِض أَن الْإِنْسَان لَو شغل جَمِيع عمره بالتعليم والتعلم كَانَ مفترضا فِي الْكل وَلَو شغل جَمِيع عمره بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم كَانَ متنقلا فِي الْبَعْض وَلَا شكّ أَن إِقَامَة الْفَرْض أَعلَى دَرَجَة من إِدْرَاك النَّفْل وَقَالَ وكما أَن طلب الْعلم فَرِيضَة فأداء الْعلم للنَّاس فَرِيضَة لِأَن اشْتِغَال الْعَالم بِالْعلمِ بِهِ مَعْرُوف وَالْعَمَل بِخِلَافِهِ مُنكر فالتعليم يكون أمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر وَهُوَ فرض على هَذِه الْأمة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ الْآيَة ويختلفون فِي فصل وَهُوَ أَن من تعلم حكما أَو حكمين هَل يفترض عَلَيْهِ أَن يبين ذَلِك لمن لَا يُعلمهُ أم لَا فعلى قَول بعض مَشَايِخنَا ﵏ يلْزمه ذَلِك وَأَكْثَرهم على أَنه لَا يلْزمه ذَلِك وَإِنَّمَا يجب ذَلِك على الَّذين اشتهروا بِالْعلمِ فِيمَن يعْتَمد النَّاس قَوْلهم وَقد أَشَارَ فِي هَذَا الْكتاب إِلَى الْقَوْلَيْنِ فاللفظ الْمَذْكُور هُنَا يُوجب التَّعْمِيم وَقَالَ بعد هَذَا فعلى البصراء من الْعلمَاء أَن يبينوا للنَّاس طَرِيق الْفِقْه فَهَذَا يدل على أَن الْفَرْضِيَّة على الَّذين اشتهروا بِالْعلمِ خَاصَّة وَجه القَوْل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾

стр. 40

الْآيَة فَتبين بالآيتين أَن الكتمان حرَام وَأَن ضِدّه وَهُوَ الْإِظْهَار لَازم فَيتَنَاوَل ذَلِك كل من بلغه علم فَإِن يتَصَوَّر مِنْهُ الكتمان فِيمَا بلغه فيفترض عَلَيْهِ الاظهار وَقَالَ ﷺ فَمن كتم علما عِنْده ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وَقَالَ ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ آخر هَذِه الْأمة يلعن أَولهَا فَمن كَانَ مِمَّن عِنْده علم فليظهره فَإِن كاتم الْعلم يَوْمئِذٍ ككاتم مَا أنزل الله على مُحَمَّد وَلِأَن تعلم الْعلم بِمَنْزِلَة أَدَاء الزَّكَاة وعَلى كل أحد أَدَاء الزَّكَاة من نصابه صَاحب النّصاب وَصَاحب النصب فِي ذَلِك سَوَاء وَجه القَوْل الآخر أَن الْعلمَاء فِي كل زمَان خلفاء الرُّسُل ﵈ كَمَا قَالَ ﷺ الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَمَعْلُوم أَن فِي زمن الرَّسُول ﷺ كَانَ هُوَ الْمُبين للنَّاس مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَمر دينهم فَإِن الله تَعَالَى وَصفه بذلك وَقَالَ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَلَا يجب على أحد سواهُ بَيَان شَيْء من ذَلِك فِي حَضرته فَكَذَا فِي كل حِين ومكانه إِنَّمَا يفترض الْأَدَاء على الْمَشْهُورين بِالْعلمِ دون غَيرهم وَلِأَن النَّاس فِي الْعَادة إِنَّمَا يعتمدون قَول من اشْتهر بِالْعلمِ وَقل مَا يعتمدون غَيرهم وَرُبمَا يستخف بَعضهم بِمَا يسمعهُ مِمَّن لم يشْتَهر بِالْعلمِ فَلهَذَا كَانَ الْبَيَان
следующие страницы →