← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6167

المنفرجتان

زكريا الأنصاري

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَكَيف يَصح لعاقل الرِّضَا عَن النَّفس وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ وَالْهدى قد يكون لَازِما بِمَعْنى الاهتداء وَهُوَ وجدان الطَّرِيق الْموصل للمطلوب كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ ويقابله الضلال وَهُوَ فقدان الطَّرِيق الْموصل. . وَقد يكون مُتَعَدِّيا بِمَعْنى الدّلَالَة على الطَّرِيق عَن أهل الْحق وعَلى الطَّرِيق الْموصل للبغية عِنْد الْمُعْتَزلَة ويقابله الإضلال بِمَعْنى الدّلَالَة على خِلَافه كأضلني فلَان عَن الطَّرِيق أَو عَن الطَّرِيق الْموصل للبغية وَالْهدى إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْخَيْر لِأَنَّهُ لُغَة الدّلَالَة بلطف وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ فوارد على طَرِيق التهكم

стр. 37

وَفِي الْبَيْت التَّمْكِين وَهُوَ أَن يمهد الناثر لسجعته والناظم لقافيته تمهيدا بِهِ ياتي بِكُل مِنْهَا متمكنة فِي مَكَانهَا غير نافرة وَلَا قلقة وَلَا مستدعاة لما لَا تعلق لَهُ بالفقرة أَو الْبَيْت

стр. 38

١٥ - (وَإِذَا حَاوَلْتَ نِهَايَتَهَا ... فاحْذَرْ إِذْ ذَاكَ مِنَ العَرَجِ) وَإِذا حاولت أَي طلبت نهايتها أَي الْأَبْوَاب أَو الْهدى فَإِنَّهُ يذكر وَيُؤَنث وَلِأَنَّهُ بِمَعْنى الخزانة وَالْمعْنَى إِذْ طلبت الِانْتِقَال إِلَى مقَام أَو حَال فاحذر إِذْ ذَاك من العرج أَي فالتزم فِيهِ حسن الْأَدَب من الثَّبَات عَلَيْهِ وموافقة مُرَاد الله تَعَالَى وَلَا تختر الِانْتِقَال عَنهُ حَتَّى ينقلك الله إِلَى مَا هُوَ أرفع مِنْهُ فَإِن تشوقت إِلَى الِانْتِقَال بِنَفْسِك لتبلغ الْغَايَة فقد بلغت غَايَة الْجَهْل بِرَبِّك وأسأت الْأَدَب فِي حَقه وَلَا تصل إِلَى مطلوبك فَكُن كَمَا قَالَ ابْن عَطاء الله كن عبد الله فِي كل شَيْء عَطاء ومنعا وَعزا وذلا وَولَايَة وعزلا وغنا وفقرا وقبضا وبسطا وفقدا ووجدا وَشدَّة ورخاء وفناء وَبَقَاء إِلَى غير ذَلِك من مختلفات الْآثَار وتنقلات الأغيار وكنى عَن عدم الْوُصُول بالعرج أَو شبه بِهِ عدم دوَام الاسْتقَامَة لِأَن كلا مِنْهُمَا لَا يُوصل مَعَه إِلَى مقصد قَرِيبا أَو لَا يُوصل إِلَيْهِ الْبَتَّةَ وتضمن كَلَامه مَعَ ذكر التحذير من حظوظ النَّفس وَمن التحذير

стр. 39

الركون إِلَى غير الله فِي أثْنَاء السلوك قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن التسترِي (وَلَا تلْتَفت فِي السّير غيرا فَكل مَا ... سوى الله غير وَاتخذ ذكره حصنا) (وكل مقَام لَا نُقِيم فِيهِ إِنَّه ... حجاب فجد السّير واستنجد العونا) (وَمهما ترى كل الْمَرَاتِب تجتلي ... عَلَيْك فَحل عَنْهَا فَعَن مثلهَا حلنا) (وَقل لَيْسَ لي فِي عير ذاتك مطلب ... فَلَا صُورَة تحلي وَلَا طرفَة تجنى) ثمَّ علل قَوْله فاحذر إِلَى آخِره بقوله

стр. 40

١٦ - (لِتَكُونَ مِنَ السُّبَّاقِ إِذَا ... مَا جِئْتَ إِلَى تِلْكَ الفُرَجِ) لتَكون من السباق إِلَى فرج الْجنَّة إِذا مَا مَا زَائِدَة للتَّأْكِيد جِئْت مَعَهم إِلَى تِلْكَ الْفرج أَرَادَ بالمجىء السّير لَا تنقل الْأَقْدَام بل بِنَظَر الْقلب فَشبه النّظر فِي المعقولات الموصلة إِلَى الْمَطْلُوب بالمجيء الحسّي وشبّه المنظور فِيهِ - وَهُوَ المعقولات - بالأمكنة لِأَنَّهَا مَحل حَرَكَة النّظر كَمَا أَن تِلْكَ الْأَمْكِنَة مَحل لحركة الْأَقْدَام. . وَأطلق اسْم المشبّه بِهِ على الْمُشبه على طَرِيق الِاسْتِعَارَة التحقيقية وَإِلَى متعلّق بالسباق فَإِن وصلت إِلَى تِلْكَ الْفرج

стр. 41

١٧ - (فَهُنَاكَ العَيْشُ وَبَهْجَتُهُ ... فَلِمُبْتَهِجٍ وَلِمُنْتَهِجِ) فهناك أَي لَا فِي غَيره الْعَيْش وهجته أَي الْحَيَاة الْكَامِلَة وحسنها فلمبتهج أَي مسرور بِمَا حصل لَهُ من لذّة التجلّي على اخْتِلَاف رتبها ولمبتهج من النّهج وَهُوَ الطَّرِيق واستعير للتقوى فَالْمُرَاد ولمتّق وانتهاجه بانتقاله فعلا وَحَالا فِي مَعَاني التَّقْوَى الظَّاهِرَة والباطنة الموصلة إِلَى صفو الْيَقِين الْمُوجب للابتهاج أَي فاعجبوا لهذين الصفتين العظيمتين من بَين النَّاس لِأَن مَا عداهما إمّا هَالك أَو فِي الْخطر. . والتنوين فِيهَا للتعظيم والتنويع وَلما اخْتلفَا فِي الْمقَام اخْتلفَا فِي التَّعْبِير عمّا فِي الضَّمِير فالمبتهج يَقُول مخبرا بذوقه (ذكرتك إِنِّي لَا نسيتك لمحة ... وأيسر مَا فِي الذّكر ذكر لساني) (وكدت بِلَا وَجه أَمُوت من الْهوى ... وهام على الْقلب بالخفقان) (فَلَمَّا أَرَانِي الوجد أَنَّك حَاضر ... شهدتك مَوْجُودا بِكُل مَكَان) (فخاطبت مَوْجُودا بِغَيْر تكلم ... وَلَا حظت مَعْلُوما بِغَيْر عيان) والمنتهج يَقُول مخبرا عَن حَال سيره ومجاهدة نَفسه بمراقبة ربه (كَأَن رقيبا مِنْك. . برعى خواطري ... وَآخر يرْعَى ناظري ولساني) (فَمَا رمقت عَيْنَايَ بعْدك منْظرًا ... لغيرك إِلَّا قلت قد رمقاني) (وَلَا خطرت فِي السِّرّ منى خطرة ... لغيرك إِلَّا عرجاً بعنانى) (وإخوان صدق قد بنيت حَدِيثهمْ ... وعرّجت عَنْهُم خاطري ولساني) (وَمَا الدَّهْر أسلو عَنْهُم غير أننى ... وَجَدْتُك مشهوداً بِكُل مَكَان)

стр. 42

وَاعْلَم أَن كل من وصل إِلَى صفو الْيَقِين بطرِيق الذَّوْق والوجدان فَهُوَ ذُو رُتْبَة فِي الْوُصُول وَإِن تفاوتوا فِيهَا كالملائكة فَمنهمْ من يجد الله بطرِيق الْأَفْعَال فيفنى عَن فعله وَفعل غَيره لوقوفه مَعَ فعل الله تَعَالَى. . وَيخرج فِي هَذِه الْحَالة من التَّدْبِير والاختبار وَهَذَا تجلى بطرِيق الْأَفْعَال وَمِنْهُم من يُوقف فِي مقَام الهيبة والأنس بِمَا يُكَلف قلبه من مطالعة الْجمال والجلال وَهَذَا تجل بطرِيق الصَّفَا وَمِنْهُم من يترقى إِلَى مقَام الفناء مُشْتَمِلًا على بَاطِنه أنوار الْيَقِين والمشاهدة ففنى فِي شُهُوده عَن وجوده وَهَذَا ضرب من تجلي الذَّات لخواص المقربين والمقربون هم الَّذين أخذُوا حظوظهم وإراداتهم واستعملوا فِي الْقيام بِحُقُوق مَوْلَاهُم عبودية لَهُ وطلبا لمرضاته وهم العارفون أهل صفو الْيَقِين واليهم أَشَارَ النَّاظِم بالمبتهج والأبرار هم الَّذين بقوا مَعَ حظوظهم وإلراداتهم وَأقِيمُوا فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة ومقامات الْيَقِين ليجزوا على مجاهدتهم برفيع الدَّرَجَات وهم الزاهدون وإليهم أَشَارَ بالمنتهج وَمَعَ الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة يَنْبَغِي للْعَبد أَن يعلم أَنه لم يصل إِلَى شَيْء فَأَيْنَ الْوُصُول هَيْهَات أَولا ترى أَن النَّبِي كَانَ يسْتَغْفر فِي الْيَوْم مئة مرّة واستغفاره إِنَّمَا هُوَ بِحَسب اخْتِلَاف رتب التجلي لَهُ حَتَّى يرى أَن كل تجل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقه مُوجب للاستغفار وَلذَلِك قَالَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك

стр. 43

وَفِي الْبَيْت الجناس اللَّاحِق والازدواج وَشبه الجناس ورد الْعَجز على الصَّدْر والمناسبة اللفظية والطباق وَإِذ ثَبت أَن الْعَيْش الْكَامِل وبهجته فِي الْجنَّة وَمن الْمَعْلُوم انه لَا يحصل ذَلِك عَادَة إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة

стр. 44

١٨ - (فَهِجَ الأَعْمَالَ إِذَا رَكَدَتْ ... فإِذَا مَا هِجْتَ إِذا تَهِجِ) فهج الْأَعْمَال وَفِي نُسْخَة وهج بِالْوَاو وَيُقَال هاج فلَان الشَّيْء هيجا وهياجا وهيجانا إِذا أثاره وحركته وهاج الشَّيْء إِذا أثاره وتحرك. . يتعدّى وَلَا يتَعَدَّى. . وَقد استعملها النَّاظِم أَي أثر الْأَعْمَال وحركها وَالْمعْنَى أدمها إِذا ركدت أَي سكنت وَالْمرَاد قلت لِأَنَّهُ كَانَ عمله دِيمَة وَلقَوْله أحب الْعَمَل إِلَى الله أَدْوَمه وَإِن قل فَإِذا مَا مَا زَائِدَة للتَّأْكِيد هجت أَي أدمت الْأَعْمَال إِذا بِالتَّنْوِينِ أَي حِين إِذْ قلت تهج أَي تدم وَفِي الْبَيْت الطباق ورد الْعَجز على الصَّدْر والترديد وَشبه الجناس والجناس اللَّاحِق والإرصاد والتعطّف وَهُوَ أَن تعلّق لَفْظَة أَو تصرف مِنْهَا بِمَعْنى فِي الصَّدْر ثمَّ بِمَعْنى آخر فِيمَا سوى الضَّرْب من الْعَجز. . وَهُوَ هُنَا فِي

стр. 45

هج وهجت فَشبه المصراعين فِي انعطاف أَحدهمَا على الآخر بالعطفين فِي كَون كل مِنْهُمَا يمِيل إِلَى الْجَانِب الَّذِي يمِيل إِلَيْهِ الآخر والتخلص وَهُوَ الْخُرُوج مِمَّا شيب الْكَلَام بِهِ إِلَى الْمَقْصُود مَعَ رِعَايَة الملاءمة بَينهمَا والناظم قد شيّب كَلَامه أَولا بِذكر أَحْوَال أهل النورانيات من المبتهجين والمنتهجين ثمَّ خَتمه بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْوُصُول ثمَّ حضّهم على دوَام الْأَعْمَال ثمّ خرج من ذَلِك إِلَى ذكر أَحْوَال أهل البدايات مَعَ رِعَايَة الملاءمة بَينهمَا من حَيْثُ أَن هَؤُلَاءِ يخاطبون بابتداء الْأَعْمَال وَأُولَئِكَ بدوامها ثمَّ أَشَارَ إِلَى مقَام التَّوْبَة بتقبيح الْمعْصِيَة فَقَالَ

стр. 46

١٩ - (وَمَعاصِي اللَّه سَمَاجَتُهَا ... تَزدَانَ لِذِي الخُلُقِ السَّمِجِ) ومعاصي الله تَعَالَى سماجتها من سمج بِالضَّمِّ أَي قبح تزدان أَي تتزين وتحسن لذِي الْخلق بِضَم الْخَاء وَاللَّام مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان بِلَا تكلّف كالكرم والشجاعة السمج أَي الْقَبِيح وسماجتها بدل اشْتِمَال من الْمُبْتَدَأ قبله أَو مُبْتَدأ خَبره تزدان وَهُوَ مَعَ خَبره خبر الأول وتزدان أَصله تتزين بِوَزْن تفتعل من الزين تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا قلبت ألفا وَوَقعت تَاء الافتعال وَهِي من الْحُرُوف الرّخوة بعد الزَّاي الشَّدِيدَة فتنافرتا فأبدل من التَّاء دَالا وأبقيت بِحَالِهَا وَيجوز قَلبهَا زاياً وإدغامها فِي الزَّاي قبلهَا وَيجوز قلب الزَّاي دَالا وإدغامها فِي الدّال المبدلة وَفِي الْبَيْت الطباق وردّ الْعَجز على الصَّدْر ثمَّ أَشَارَ إِلَى ترغيب ذَوي النهايات فِي مداومة الْأَعْمَال فِي الطَّاعَة وَقَالَ

стр. 47

٢٠ - (وَلِطَاعتِهِ وَصَبَاحَتِهَا ... أَنْوَارُ صَبَاحٍ مُنْبَلِجٍ) لطاعته أَي طَاعَة الله وصباحتها أَي جمَالهَا (أنوار صباح منبلج) أَي أضواء ظَاهِرَة ظُهُور ضوء الصَّباح الْوَاضِح وَبهَا تذْهب ظلمات الْجَهْل عَن الْقلب وظلمات الْقلب عَن الرّوح ويفوز الْمُطِيع بالهناء من النَّعيم الَّذِي مِنْهُ النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم وَالطَّاعَة غير الْقرْبَة وَالْعِبَادَة لِأَنَّهَا امْتِثَال الْأَمر وَالنَّهْي والقربة مَا تقرب بِهِ بِشَرْط معرفَة المتقرب إِلَيْهِ وَالْعِبَادَة مَا تعبد بِهِ بِشَرْط النِّيَّة فِي معرفَة المعبود فالطاعة تُوجد بِدُونِهَا فِي النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الله تَعَالَى إِذْ مَعْرفَته إِنَّمَا تحصل بِتمَام النُّور. . والقربة تُوجد بِدُونِ الْعِبَادَة فِي الْقرب الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة كَالْعِتْقِ وَالْوَقْف وَظَاهر كَلَامه أَن للطاعة أنوار وَإِن كَانَ الْمُطِيع فَاسِقًا وَهُوَ كَذَلِك قَالَ ابْن عَطاء الله وَيَكْفِي فِي تَعْظِيم الْمُؤمن وَلَو كَانُوا عَن الله غافلين قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذِي اصْطَفَيْنَا ... ﴾ الْآيَة أثبت لَهُم الاصطفاء بِالْإِيمَان وَإِن كَانُوا ظالمين

стр. 48

وَفِي الْبَيْت التتميم والإيغال وَشبه الجناس ثمَّ أَشَارَ إِلَى ترغيب ذَوي البدايات فِي فعل الطَّاعَة بتشويقهم إِلَى نسَاء الْجنَّة لِأَنَّهُ أمثل بحالهم فَقَالَ

стр. 49

٢١ - (مَنْ يَخْطِبْ حُورَ الْخُلْدِ بِهَا ... يَظْفر بالحُورِ وَبِالْغُنْجِ) وَمن يخْطب بِالْجَزْمِ بِمن الشّرطِيَّة من الْخطْبَة بِكَسْر الْخَاء وَهِي طلب التَّزْوِيج أَي من طلب من الله تَعَالَى حور الْخلد أَي نسَاء الْجنَّة وَفِي نُسْخَة حور الْعين بهَا أَي بِالطَّاعَةِ ويوف بهَا يظفر بِالْجَزْمِ بِمن أَي يفز بالحور الكاملات الْحسن اللائي لَا يُوجد مِثْلهنَّ فِي الدُّنْيَا وبالغنج بِضَم الْغَيْن مَعَ النُّون وإسكانها وَفتحهَا حسن الشكل بِالْكَسْرِ أَي الدل يُقَال امْرَأَة ذَات شكل أَي دلّ وغنج وَيجوز فِيهِ تَقْدِير مُضَاف أَي بذوات الغنج فَيكون من عطف الصِّفَات الدَّال على اجتماعها فِي ذَات وَاحِدَة مثل قَول الشَّاعِر (إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... وَلَيْث الكتيبة فِي المزدحم) وَسميت نسَاء الْجنَّة بالحور الْعين لِأَنَّهُنَّ شبهن بالظباء وَالْبَقر من الْحور بِفَتْح الْحَاء وَالْوَاو وَهُوَ شدَّة بَيَاض الْعين فِي شدَّة سوادها وَسميت الْجنَّة بالخلد لِأَنَّهَا دَار الْبَقَاء الدَّائِم السَّالِم من المحنة وَفِي الْبَيْت الترديد والتتميم والإيغال وَإِذا أردْت الظفر بالحور الْعين

стр. 50

٢٢ - (فَكُنْ المَرْضِيَّ لَهَا بِتُقًى ... تَرْضَاهُ غَداً وتكُونُ نَجِي) فَكُن الكفو المرضي لَهَا تبقى بِمَعْنى التَّقْوَى وتاؤها بدل من الْوَاو وواو تقوى بدل من الْيَاء بِدَلِيل الْوِقَايَة فيهمَا أَي بِسَبَب تقى مِنْك ترضاه بِأَن ترَاهُ مَقْبُولًا أَي مثابا عَلَيْهِ لموافقته الشَّرْع غَدا أَي يَوْم الْقِيَامَة وَأَصله غدو حذفت واوه بِلَا عوض وَفِي نُسْخَة هوى أَي هَوَاك تكون بِهِ هُنَاكَ نجي بِالْوَقْفِ بِحَذْف الْحَرَكَة وَالْألف على لُغَة ربيعَة أَي نجيا من المكروهات ... وَجعل السَّبَب فِيمَا ذكر التَّقْوَى لِأَنَّهَا أعظم الْخِصَال وأنفعها وَلِهَذَا وصّى الله بهَا الْأَوَّلين والآخرين فَقَالَ ﴿وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا الله﴾ وَفِي الْخَبَر جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ أوصني فَقَالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإِنَّهَا جماع كل خير وَعَلَيْك بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّة الْمُسلم وَعَلَيْك بِذكر الله فَإِنَّهُ نور لقلبك وحقيقتها اجْتِنَاب مَا يخَاف مِنْهُ ضَرَر فِي الدّين وَفِي الْبَيْت التتميم فِي غَدا وَشبه الجناس وَلما رغب فِي فعل الطَّاعَة بِمَا مر بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَغَيرهَا فَقَالَ

стр. 51

فارغة

стр. 52

٢٣ - (وَاتْلُ القُرْآنَ بِقَلْبٍ ذِي ... حَزَنٍ وَبِصَوْتٍ فِيهِ شَجِي) واتل الْقُرْآن متدبرا بِهِ بقلب أَي فؤاد ذِي حزن بِفَتْح الْحَاء وَالزَّاي أَي حَزِين وَفِي نُسْخَة ذِي حرق جمع حرقة أَي محترق ومحسنا لَهُ بِصَوْت فِيهِ شج أَي حَزِين بِمَعْنى رَقِيق من قَوْلهم فلَان يقْرَأ بالتحزين إِذا أرق صَوته وَذَلِكَ لقَوْله تَعَالَى ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ وَلخَبَر التِّرْمِذِيّ يَقُول الله من شغله الْقُرْآن وذكري عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين وَفضل كَلَام الله على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على جَمِيع خلقه وَخبر أبي دَاوُد وَغَيره زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ كَمَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث قَالَ وَقد رُوِيَ كَذَلِك وَهُوَ الصَّحِيح وَمَعْنَاهُ أشغلوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ والهجوا بِهِ واتخذوه شعارا وزينة انْتهى وَلِأَن ذَلِك أقرب إِلَى توقير الْقُرْآن واحترامه بقوله شج وصف على فعيل بِمَعْنى مفعول أَو فَاعل فَيكون مشددا لكنه خففه للوزن

стр. 53

وَيحْتَمل أَن يكون فعلا كعمي أَو مصدرا وعَلى الْأَوَّلين يكون صفة لصوت وَفِيه حَالا أَي فِي حَال تِلَاوَة الْقُرْآن وعَلى الثَّالِث يكون على يَجْعَل مُبْتَدأ وَفِيه خَبره أَي فِي الصَّوْت شجى أَي حزن وَفِي الْبَيْت التَّكْمِيل وَهُوَ أَن يَأْتِي الناثر والناظم بِمَعْنى من مدح أَو غَيره ثمَّ يرى أَنه غير كَاف فَيَأْتِي بِمَعْنى آخر فيزيده تكميلا

стр. 54

٢٤ - (وَصَلاةُ اللّيْلِ مَسَافَتُهَا ... فاذْهَبْ فِيهَا بالْفَهْمِ وَجِي) وَصَلَاة وَفِي نُسْخَة وَقيام اللَّيْل نافلته وَهِي أفضل من نَافِلَة النَّهَار مسافتها أَي مَسَافَة التِّلَاوَة فِيهَا فَاذْهَبْ فِيهَا بالفهم أَي الْعلم وجي قَالَ تَعَالَى ﴿من أهل الْكتاب أمة قَائِمَة يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ﴾ وروى الطَّبَرَانِيّ وَغَيره خبر شرف الْمُؤمن قِيَامه اللَّيْل وَيكرهُ قيام كل اللَّيْل دَائِما وَأَن يضر فِيهِ نَفسه والناظم شبه الصَّلَاة بالمسافة لِأَنَّهَا مَحل لِكَثْرَة التِّلَاوَة كَمَا أَن الْمسَافَة مَحل لِكَثْرَة السّير أَي صَلَاة اللَّيْل مَحل لإكثار التِّلَاوَة فاخصص التِّلَاوَة فِيهَا بمزيد حُضُور وَتَأمل ليتم لَك لَذَّة الْمُنَاجَاة وَيفِيض عَلَيْك المعارف وَفِي الْبَيْت الطباق والإرصاد والتتميم والإيغال

стр. 55

٢٥ - (وَتَأَمَّلْهَا وَمَعَانِيهَا ... تأْتِ الْفِرْدَوْسَ وَتَنْفَرجِ) وتأملها أَي صَلَاة اللَّيْل وَتَأمل مَعَانِيهَا أَي مقاصدها الدِّينِيَّة والدنيوية الْوَارِدَة فِي الْأَخْبَار كَخَبَر عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ ومقربة لكم إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومطردة للداء عَن الْجَسَد ومنهاة عَن الْإِثْم // (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره) // تأت الفردوس فَهُوَ حديقة أَعلَى الْجنَّة وأوسطها لخَبر البُخَارِيّ إِذا سألتموا الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ أَوسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وفوقه عرش الرَّحْمَن وَمِنْه تفجر أَنهَار الْجنَّة وتنفرج من الْهم وَالْغَم وَيجوز أَن يكون ذَلِك مجَازًا عَن كَمَال لَذَّة الْمعرفَة الراسخة الْحَاصِلَة من التَّأَمُّل وَالْمعْنَى إِذا كررت التَّأَمُّل فِي الصَّلَاة كثرت معارفك وأنوارك اللدنية الشبيهة فِي كمالها ورسوخها بالفردوس أَو الموصلة إِلَيْهِ وَيجوز عود الضَّمِير إِلَى الْآيَات المتلوة المفهومة مِمَّا مر وَالْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع بعد أَمر وَقصد بِهِ السَّبَبِيَّة يجْزم كَمَا فِي الْبَيْت. . بِخِلَاف مَا إِذا لم يقْصد بِهِ السَّبَبِيَّة فَإِنَّهُ يرفع سَوَاء وَقع صفة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾

стр. 56

على قِرَاءَة الرّفْع حَالا أم استئنافا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ وَيحْتَمل الْأَوْجه كلهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا لَا تخَاف دركا﴾ وَقد قرئَ لَا تخف وَفِي الْبَيْت التتميم والإيغال

стр. 57

٢٦ - (وَاشْرَبْ تَسْنِيمَ مُفَجَّرِهَا ... لَا مُمْتَزِجاً وَبمُمْتَزِجِ) واشرب بطاعتك تسنيم مفجرها بِفَتْح الْجِيم المشدد أَي مفجر الفردوس وَهُوَ المَاء المجري من فجرت المَاء أجريته والتسنيم عين فِي الْجنَّة يشرب مِنْهَا المقربون من سنمت الشَّيْء رفعته سميت بِهِ لِأَن شرابها أرفع شراب فِي الْجنَّة أَو لِأَنَّهَا تأتيهم من فَوق على مَا رُوِيَ أَنَّهَا تجْرِي فِي الْهَوَاء متسنمة فتنصب فِي أوانيهم فيشربون مِنْهَا مَا يريدونه حَالَة كَونه لَا ممتزجا أَي مختلطا بغَيْرهَا وَهَذَا للمقربين وبممتزج بِغَيْرِهِ وَهُوَ للأبرار قَالَ تَعَالَى ﴿يسقون﴾ أَي الْأَبْرَار ﴿من رحيق﴾ أَي خمرة خَالِصَة من الدنس ثمَّ قَالَ ومزاجه أَي مَا يمزج بِهِ ﴿من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون﴾ أَي مِنْهَا أَو ضمن يشرب معنى يلتذ. . وَفسّر فِي الْآيَة التسنيم بقوله ﴿عينا﴾ إِلَى آخِره ونصبه بأعنى مُقَدرا أَو بالحالية من تسنيم وَحَاصِله أَنَّك تجمع اللذتين العجيبتين لَذَّة التسنيم الصّرْف وَلَذَّة التسنيم الممتزج وَالْكَلَام على ظَاهره وَيحْتَمل أَنه شبه مَا يظْهر من مَعَاني التِّلَاوَة من المعارف والأنوار بالتدبر والتفهم فِي تأثر النَّفس بِهِ اسْتِحْسَانًا وكمالا بِالْمَاءِ الْمَذْكُور خَالِصا وممتزجا وَأمر بِقبُول تِلْكَ المعارف والأنوار بقوله

стр. 58

واشرب أَي تلق بِالْقبُولِ فَهُوَ اسْتِعَارَة أَو كِنَايَة اَوْ اشرب أَمر بَاقٍ على مَعْنَاهُ كَمَا تقرر فيعطف على جَوَاب الْأَمر السَّابِق وَفِي الْبَيْت الطباق ورد الْعَجز على الصَّدْر والجناس التَّام فِي لَا ممتزجا وبممتزج

стр. 59

٢٧ - (مُدِحَ العَقْلُ الآتِيِه هُدًى ... وَهَوًى مُتَوَلٍّ عَنْهُ هُجِي) مدح الْعقل الآتيه أَي الَّذِي أَتَى مَا مر من الطَّاعَة وَغَيرهَا من المقامات وَجعلهَا معرفَة الله الَّتِي بهَا سَعَادَة الدَّاريْنِ والتهيؤ لمناجاته وَفهم خطابه هدى أَي دلَالَة على الطَّرِيق وَهُوَ مفعول لَهُ أَو حَال من فَاعل آتيه أومن مَفْعُوله أَو مِنْهُمَا وَالْعقل لُغَة الْمَنْع وَاصْطِلَاحا يُقَال بالاشتراك كَمَا قَالَ الْغَزالِيّ لأربعة معَان أَحدهَا غريزة يتهيأ بهَا لدرك الْعُلُوم النظرية قَالَ وَكَأَنَّهُ نور يقذف فِي الْقلب بِهِ يستعد لإدراك الْأَشْيَاء ثَانِيهَا بعض الْعُلُوم الضرورية ثَالِثهَا عُلُوم تستفاد من التجارب بمجاري الْأَحْوَال رَابِعهَا انْتِهَاء قُوَّة تِلْكَ الغريزة إِلَى أَن تعرف عواقب الْأُمُور وتقمع الشَّهْوَة الداعية إِلَى اللَّذَّة العاجلة وتقهرها قَالَ وَيشْتَبه أَن يكون الِاسْم لُغَة واستعمالا لتِلْك الغريزة وَإِنَّمَا أطلق على الْعُلُوم مجَازًا من حَيْثُ إِنَّهَا ثَمَرَتهَا كَمَا يعرف الشَّيْء بثمرته فَيُقَال الْعلم هُوَ الخشية وَالرَّابِع هُوَ مُرَاد النَّاظِم

стр. 60

وَعبر عَن أَولهَا الإِمَام الرَّازِيّ بِأَنَّهُ غريزة يتبعهَا الْعلم بالنظريات عِنْد سَلامَة الْآلَات وعرفه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ بِأَنَّهُ صفة يُمَيّز بهَا بَين الْحسن والقبيح وَهُوَ معنى قَول الشَّافِعِي إِنَّه آلَة التَّمْيِيز وعرفه أَكثر الْحُكَمَاء بِأَنَّهُ جَوْهَر مُجَرّد غير مُتَعَلق بِالْبدنِ تعلق التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف وَبَعْضهمْ بِأَنَّهُ جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته مُقَارن لَهَا فِي فعله وَهُوَ النَّفس الناطقة الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا كل وَاحِد بقوله أَنا وَذَلِكَ عِنْد أَكثر الْحُكَمَاء والمعتزلة ويخصهم بِأَنَّهُ جَوْهَر لطيف فِي الْبدن ينبعث شعاعه فِيهِ كالسراج فِي الْبَيْت وَمحله الدِّمَاغ عِنْد أَكثر الْحُكَمَاء وَبَعض الْفُقَهَاء وَالْقلب عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء وَبَعض الْحُكَمَاء وَنقل عَن الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ الشَّارِح وَهُوَ الَّذِي قَالَ يدل عَلَيْهِ نُصُوص الشَّرِيعَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾

стр. 61

وَأما فَسَاده لفساد الدِّمَاغ فَلَا يدل على أَنه مَحَله لجَوَاز أَن يكون سَلامَة الدِّمَاغ شرطا فِي اتصاف الْقلب بِهِ عَادَة وَهوى مُبْتَدأ وَهُوَ ميل النَّفس إِلَى الشَّهْوَة حَلَال أَو حرَام متول أَي معرض عَنهُ أَي عَن مَا مر من الطَّاعَة وَغَيرهَا من المقامات عَن الْهدى مُضَاف إِلَى متول أَي مَوْصُوف بِهِ هجي خبر الْمُبْتَدَأ أَي ذمّ من هجوته هجوا أَو هجاء وتهجاء انقلبت الْوَاو يَاء فِي الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول لتطرفها وانكسار مَا قبلهَا وَفِي الْبَيْت التتميم فِي هدى والمقابلة وَهِي أَن تجمع أُمُور مُخْتَلفَة ثمَّ تقَابل بضد كل مِنْهُمَا كَمَا قَابل الْمَدْح بالذم والإتيان بالتولي وَالْهدى ب الْهوى وكما فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾ والطباق

стр. 62

فارغة

стр. 63

٢٨ - (وَكِتَابُ اللهِ رِيَاضَتُهُ ... لِعِقُول الْخَلْقِ بِمُنْدَرِجِ) وَكتاب الله تَعَالَى رياضته أَي تَعْلِيمه وتأديبه بأَمْره وَنَهْيه ووعده ووعيده ووعظه وَضرب أَمْثَاله لعقول الْخلق كِنَايَة بمندرج أَي بطرِيق وَاضِحَة ينْدَرج النَّاس فِيهَا لصحتها ووضوحها من درج الْقَوْم واندرجوا مضوا فِي سبيلهم وَالْمرَاد بدلائل وَضرب الْأَمْثَال وآيات واضحات لَا قدح فِيهَا وَلَا فِي مقدماتها كالطرق المسلوكة لأمنها واتضاحها والرياضة من رضت الدَّابَّة أَي علمتها السّير وإضافتها إِلَى ضمير الْكتاب من الْإِسْنَاد الْمجَازِي كَقَوْلِهِم طَرِيق سَائِر ونهر جَار لِأَن الْمعلم والمؤدب حَقِيقَة وَهُوَ الله لَكِن بِأَلْفَاظ الْكتاب فَكَأَنَّهَا الرائضة لعقول الْخلق. . فَفِي ذَلِك تَشْبِيه الْعُقُول بالدابة فِي حَاجَة التَّعَلُّم على طَرِيق الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وطوي ذكر الْمُشبه بِهِ وَاكْتفى بلازمه وَحده وَخص الْكتاب بِالذكر لِأَنَّهُ مرجع الْأَدِلَّة وَالْآيَة الْكُبْرَى وَالنعْمَة الْعُظْمَى فِي بَيَان مَا لَا تهتدي إِلَيْهِ الْعُقُول فِي الِاعْتِصَام من الْفِتَن لخَبر أَنه سَيكون فتن كَقطع اللَّيْل المظلم قيل فَمَا النجَاة مِنْهَا يَا رَسُول الله قَالَ كتاب الله فِيهِ نبأ من قبلكُمْ وَخبر مَا بعدكم وَحكم مَا بَيْنكُم وَهُوَ فصل لَيْسَ بِالْهَزْلِ من تَركه تجبرا قصمه الله وَمن ابْتغى الْهدى فِي عيره أضلّهُ الله وَهُوَ حَبل الله المتين ونوره الْمُبين وَالذكر الْحَكِيم

стр. 64

والصراط الْمُسْتَقيم وَهُوَ الَّذِي لَا تزِيغ بِهِ الْأَهْوَاء وَلَا تتشعب مَعَه الآراء وَلَا تشبع مِنْهُ الْعلمَاء وَلَا تمله الأتقياء من علمه سبق وَمن عمل بِهِ أجر وَمن حكم بِهِ عدل وَمن اعْتصمَ بِهِ هدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَقَوله رياضته بدل اشْتِمَال من الْمُبْتَدَأ قبله أَو مُبْتَدأ ثَان خَبره بمندرج وَهُوَ مَعَ خَبره خبر الأول وَاللَّام زَائِدَة لتقوية الْعَامِل لضَعْفه بالفرعية وتنوين مندرج للتكثير والتنويع

стр. 65

٢٩ - (وَخِيَارُ الْخَلْقِ هُدَاتُهُمُ ... وَسِوَاهُمْ مِنْ هَمَجِ الْهَمَجِ) وَخيَار الْخلق وَفِي نُسْخَة النَّاس أَي أفضلهم هداتهم إِلَى طَرِيق الْحق وهم الْعلمَاء الْعَامِلُونَ يُقَال هديته الطَّرِيق وللطريق وَإِلَى الطَّرِيق أَي دللته عَلَيْهِ وَيدل لما قَالَه أَدِلَّة كَثِيرَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ ... ﴾ فَبَدَأَ بِنَفسِهِ وثنى بملائكته وَثلث بأولي الْعلم دون غَيرهم وناهيك بِهِ شرفا وَقَوله ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَهُم دَرَجَات فَوق الْمُؤمنِينَ بِسبع مئة دَرَجَة مَا بَين الدرجتين مسيرَة خمس مئة عَام وَقَوله ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فحصر خَشيته فيهم وَأعظم بِهِ شرفا لِأَن مَعْرفَته سَبَب خَشيته وَقَوله من سلك طَرِيقا يَبْتَغِي بِهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء وَإِن فضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على سَائِر الْكَوَاكِب وَفِي رِوَايَة كفضلي على أدناكم وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما إِنَّمَا ورثوا الْعلم

стр. 66

فَمن أَخذه فقد أَخذ بحظ وافر // (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ) // وَغَيرهمَا (وَسِوَاهُمْ مِنْ هَمَجِ الْهَمَجِ) خير النَّاس رجلَانِ عَالم ومتعلم وَسَائِر النَّاس همج لَا خير فيهم // (رَوَاهُ ابْن ماجة) // بِلَفْظ الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْخَيْر وَلَا خير فِي سَائِر النَّاس والهمج جمع همجة وَهِي الشَّاة المهزولة والذباب الصَّغِير الَّذِي يسْقط على وُجُوه الْغنم وَالْحمير شبه بذلك غير الهداة فِي قلَّة الهمة وخسة الْقُلُوب ثمَّ بَالغ بِأَن جعلهم من همج الهمج. . على على طَرِيق التَّجْرِيد التشبيهي الَّذِي هُوَ أبلغ أَنْوَاع التَّجْرِيد. . تَنْبِيها على ذمّ الْعلم الَّذِي لَا ينفع صَاحبه عِنْد الله بِأَن قصد بِهِ حظا أَو جاها دنيويا فيأثم بِخَبَر أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه // (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ) // وَخبر لَا يكون الْمَرْء عَالما حَتَّى يكون بِعِلْمِهِ عَاملا // (رَوَاهُ ابْن حبَان والبهيقي) // مَوْقُوفا على أبي الدَّرْدَاء وَفِي الْبَيْت الجناس ورد الْعَجز على الصَّدْر والمقابلة وَهِي أَن يوتى بمعنيين متوافقين أَو أَكثر ثمَّ بِمَا يُقَابل ذَلِك على التَّرْتِيب كَمَا قَابل خِيَار الْخلق ب سواهُم وهداتهم ب همج الهمج فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾

стр. 67

والتجريد وَهُوَ أَن ينتزع من متصف بِصفة آخر مثله فِيهَا لأجل الْمُبَالغَة فِي كمالها فِيهِ ... مِثَاله فِي التَّشْبِيه لَئِن لقِيت زيدا لتلْقين مِنْهُ بحرا ولتلقين بِهِ أسدا يعنون نفس زيد والناظم جرد غير الهداة من همج الهمج بعد التَّشْبِيه مُبَالغَة فِي الذَّم وَلما أَشَارَ إِلَى عظم خطر الْعلم وَالْعَمَل فِيمَن قصد مِنْهَا قصدا مذموما أَشَارَ إِلَى الْأَمر بالجد فيهمَا وَالصَّبْر عَلَيْهِمَا ليسلم الآني بهما من الْخطر فَقَالَ

стр. 68

٣٠ - (وَإذَا كُنْتَ المِقْدَامُ فَلَا ... تَجْزَعْ فِي الحَرْبِ مِنَ الرَّهَجِ) وَإِذا كنت الْمِقْدَام أَي الْكثير الْإِقْدَام على الْعَدو لشجاعتك وأل فِيهِ للْعهد العلمي على سَبِيل الادعاء أَي الْكَامِل فِي الْإِقْدَام أَو الِاسْتِغْرَاق الْمجَازِي الْجَامِع لخصائص جنس الْمِقْدَام كَمَا فِي قَوْلك أَنْت الرجل علما فَلَا تجزع إِي تضطرب وَفِي نُسْخَة فَلَا تلوي أَي تعرض فِي الْحَرْب أَي الْقِتَال من أجل الرهج أَي الْغُبَار أَي كن فِي جدك ونشاطك قوي الْقلب بِاللَّه نَافِذ الْعَزْم فِيمَا تطلب. . كالمقدام الَّذِي لَا يردهُ عَن مقْصده راد وَإِن عظم وَإِذا كنت كَذَلِك فَلَا تجزع فِي مجاهدتك الشَّيْطَان وَالنَّفس ومخلفتها الشبيهة بِالْحَرْبِ من الْعَوَارِض الشبيهة بالرهج فِي الدناءة. . كوسوسة الشَّيْطَان وَهوى النَّفس لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ لَك إِن كنت خلقت سعيدا لم يَضرك ترك الْعلم وَالْعَمَل أَو شقيا لم ينفعاك وادفع هَذِه الشُّبْهَة بِأَن تَقول إِنَّمَا أَنا عبد الله وعَلى العَبْد الِامْتِثَال لعبوديته والرب يحكم مَا يَشَاء وَيفْعل مَا يُرِيد وَلِأَن الْعلم وَالْعَمَل ينفعاني كَيفَ مَا كنت لِأَنِّي إِن كنت سعيدا ازددت بهما ثَوابًا أَو شقيا فَلَا ألوم نَفسِي وَلِأَن الله لَا يعاقبني على الطَّاعَة بِكُل حَال وَلَا تضرني على أَنِّي إِن دخلت النَّار وَأَنا مُطِيع أحب إِلَيّ من أَن أدخلها وَأَنا عَاص فَكيف ووعده حق وَقَوله صدق. . وَقد وعد على الطَّاعَة الثَّوَاب وَبِمَا تقرر ظهر لَك إِن الْحَرْب مستعارة لمجاهدة الشَّيْطَان وَالنَّفس بِجَامِع الْمَشَقَّة وَإِن الرهج مستعار للخواطر الْوَارِدَة على الْقلب مِنْهُمَا بِجَامِع الدناءة وَهَذِه الِاسْتِعَارَة مرشحة للأولى لِأَن الرهج من

стр. 69

لَوَازِم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْقِتَال فتشبيه المجاهدة بِالْحَرْبِ اسْتِعَارَة تصريحية وَإِثْبَات الرهج لَهَا ترشيح وَفِي الْبَيْت الإيغال

стр. 70

٣١ - (وَإِذَا أَبْصَرْتَ مَنَارَ هُدًى ... فاظْهَرْ فَرْداً فَوْقَ الثَّبَجِ) وَإِذا أَبْصرت بعد جدك فِي الْعلم وَالْعَمَل وإعراضك عَن الْعَوَارِض الدنيئة منار هدى أَي الطَّرِيق الْمُسْتَقيم فاظهر فَردا أَي فَاعل مُنْفَردا فَوق الثبج بِفَتْح الْبَاء أَي الْوسط أَو الْمُعظم من منار الْهدى لتصير من المختصين بِهِ المتمكنين مِنْهُ والمنار مفعل من النُّور وَهُوَ مَا يحل فِيهِ النُّور وَهُوَ أَيْضا الْعلم الَّذِي ينصب فِي الطَّرِيق للاهتداء بِهِ واستعار الإبصار وَهُوَ رُؤْيَة الْعين للْعلم لِأَن المحسوس أجلى من الْمَعْقُول فشبهه بِهِ فِي الْجلاء واستعار بعد تَشْبِيه الْهدى بالمنار والنور للدليل الْوَاضِح الْمُفِيد للْعلم وَالْعَمَل أَو للشَّيْخ الْمُفِيد لذَلِك فقد قَالُوا من لم يكن لَهُ شيخ فالشيطان شَيْخه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مَدين من لم يَأْخُذ أدبه من المتأدبين أفسد من يتبعهُ وَقَالَ أَيْضا الشَّيْخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه أنار باطنك بإشراقه فتشبيهه الْهدى بِالنورِ اسْتعَار بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَات الْمنَار لَهُ اسْتِعَارَة تخييلية واستعار الثبج لأقوى وأشرف أَدِلَّة الْعلم وَأَسْبَاب الْعَمَل لِأَن وسط كل شَيْء خِيَاره ومعظمه أقواه وأل فِيهِ

стр. 71

لتعريف الْعَهْد الْخَارِجِي لتقدم مَا يسْتَلْزم مصحوبها وَهُوَ منار هدى وَفِي الْبَيْت التتميم فِي فَردا والاتساع

стр. 72

٣٢ - (وَإِذَا اشْتَاقَتْ نَفْسٌ وَجَدَتْ ... أَلَمًا بالشَّوْقِ المُعْتَلِجِ) وَإِذا اشتاقت نفس أَي مَالَتْ إِلَى مطلوبها ميلًا تحرق بِهِ الأحشاء بِحَيْثُ لَا يسكن باللقاء والتنوين للتكثير والتنويع أَي نفوس كَثِيرَة صَادِقَة فِي الْمحبَّة راسخة فِي الْمعرفَة وجدت ألما تنوينه للتكثير والتنويع أَيْضا بالشوق أَي شوقها المعتلج أَي الشَّديد وأل فِي الشوق لتعريف الْعَهْد الْخَارِجِي لتقدم مَا يسْتَلْزم مصحوبها والاشتياق أَعلَى من الشوق لِأَنَّهُ لَا يسكن باللقاء كَمَا مر. . بِخِلَاف الشوق قَالَ ابْن عَطاء الله والمحبة أَعلَى من الشوق أَيْضا لِأَنَّهُ ينشأ عَنْهَا وَيَأْخُذ مِنْهُ أَنَّهَا أَعلَى من الاشتياق أَيْضا وَفِي كل مِنْهُمَا وَقْفَة وَالْوَجْه حمله على الطَّالِب لذَلِك. . فَإِذا قصد الشوق فتحصيل الْمحبَّة أَعلَى مِنْهُ فِي حَقه لِأَن الثَّمَرَة إِنَّمَا تكون عَن مثمر والاعتناء بالمثمر قبل الثَّمَرَة أولى أما بعد حصولهما فَظَاهر أَن الشوق أَعلَى كمعرفة الله تَعَالَى مَعَ النّظر المحصل لَهَا. . والمحبة تنشأ عَن قُوَّة الْعلم بالمحبوب فَمن قوي علمه بِاللَّه كَانَت محبته لَهُ أَكثر وَمن عرف فضل الْعلم وَالْعَمَل أحبهما. . وَهِي لكَونهَا ميل الْقلب إِلَى الشَّيْء يَسْتَحِيل فِي حق الله تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنى فَالْمُرَاد لَازمه فمحبته تَعَالَى لعَبْدِهِ عصمته لَهُ وتوفيقه للقرب مِنْهُ وثناؤه عَلَيْهِ بِمَا يرقيه وتفضله عَلَيْهِ بِمَا يرقيه

стр. 73

وغايتها كشف الْحجب عَن قلبه حَتَّى يرَاهُ بِهِ فَيكون إِذْ ذَاك من أجل الواصلين المقربين كَمَا نبه عَلَيْهِ فِيمَا حَكَاهُ عَن ربه من قَوْله فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ ... الحَدِيث وَسبب ذَلِك التجرد لله والانقطاع إِلَيْهِ والإعراض عَن غَيره بصفاء الْقلب وَإِصْلَاح الحركات والسكنات وَلَا ريب أَن هَذِه مرتبَة ينشأ عَنْهَا الشوق إِلَى لقاءه وَحب الْمَوْت وجدت مَأْخُوذ من وجد مَطْلُوبه وجودا ظفر بِهِ بعد أَن لم يكن ظافرا أَو من وجد ضالته وجدانا بِكَسْر الْوَاو ظفر بهَا بعد ذهابها عَنهُ أَو من وجد وجدا حزن أَي حزنت من ألم الشوق. . وَالْأول هُوَ الْمُتَبَادر

стр. 74

وَفِي الْبَيْت التتميم والإيغال والاتساع والتعطف وَشبه الجناس

стр. 75

٣٣ - (وَثَنَايَا الحَسْنَا ضَاحِكَةٌ ... وَتَمَامُ الضِحْكِ علَى الفَلَجِ) وثنايا الْمَرْأَة الحسنا بِالْفَتْح وَالْقصر للوزن. . وبالضم مؤنث أحسن ككبرى وأكبر وَهِي أَربع ثِنْتَانِ من أَعلَى وثنتان من أَسْفَل ضاحكة صاحبتها وَتَمام الضحك مِنْهَا بِكَسْر الضَّاد وَإِسْكَان الْحَاء لُغَة فِي الضحك بِفَتْح الضَّاد مَعَ كسر الْحَاء وإسكانها وبكسرهما كَائِن على الفلج مِنْهَا بِفَتْح اللَّام من فلج بِكَسْرِهَا وَهُوَ تبَاعد منابت الْأَسْنَان وَهُوَ حسن فِيهَا أَي وأدلة الْعلم وَأَسْبَاب الْعَمَل وَاضِحَة حَسَنَة لَا لبس فِيهَا يخَاف مِنْهَا الْهَلَاك والوقوع فِي الضلال وَإِنَّمَا يخَاف مِمَّا يعرض للسالك من جِهَة الشَّيْطَان وَالنَّفس وَتَمام وضوحها بوضوح أَصْلهَا لِأَنَّهُ وضع من لَا ينْطق عَن الْهوى فَشبه دَلَائِل الْعلم وَأَسْبَاب الْعَمَل بثنايا امْرَأَة حسناء وكنى بِكُل من الثنايا والفلج عَن الْمَرْأَة فِي الْحور الْعين وبالضحك عَن الرِّضَا وَالسُّرُور أَي الْحَوْرَاء راضية مسرورة بزوجها الْمجد فِي الْعلم وَالْعَمَل لَا تبغي بِهِ بَدَلا إِن كَانَ غَيره أجل مِنْهُ وَأحسن. . وَتَمام رِضَاهَا وسرورها مَعَ حسن ذَاتهَا أَي أَن رِضَاهَا وسرورها أَمر جبلت عَلَيْهِ فِي ذَاتهَا الْحَسْنَاء السليمة من كل نقص لم تتكلفه لأمر تخَاف على نَفسهَا أَن يرغب بِهِ زَوجهَا عَنْهَا من نقص ذَاتهَا لسوء خلقهَا وَنَحْوهمَا وعَلى للتَّعْلِيل أَو للمصاحبة أَو للاستعانة وَالْجُمْلَة الْأَخِيرَة معطوفة على الَّتِي قبلهَا أَو حَال من ضمير ضاحكة
следующие страницы →