Полный текст (877 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي أظهر روايتيه: هِيَ مَضْمُونَة
وَإِذا غصب جَارِيَة وَوَطئهَا
فَعَلَيهِ الْحَد وَالرَّدّ عِنْد الثَّلَاثَة
وَقِيَاس مَذْهَب أبي حنيفَة: أَنه يحد وَلَا أرش عَلَيْهِ للْوَطْء
فَإِن أولدها وَجب رد الْوَلَد وَهُوَ رَقِيق للْمَغْصُوب مِنْهُ
وَأرش مَا نقصته الْولادَة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: إِن جبر الْوَلَد النَّقْص فَلَا أرش
وَإِذا غصب دَارا أَو عبدا أَو ثوبا وَبَقِي فِي يَده مُدَّة وَلم ينْتَفع بِهِ فِي سكن وَلَا كِرَاء وَلَا اسْتِخْدَام وَلَا ركُوب وَلَا لبس إِلَى أَن أَخذه من الْغَاصِب فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ للمدة الَّتِي بَقِي فِيهَا فِي يَده وَلم ينْتَفع بِهِ
هَذَا قَول مَالك وَأبي حنيفَة
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: عَلَيْهِ أُجْرَة الْمدَّة الَّتِي كَانَت فِي يَده أُجْرَة الْمثل
وَالْعَقار وَالْأَشْجَار تضمن بِالْغَصْبِ
فَمَتَى غصب شَيْئا من ذَلِك
فَتلف بسيل أَو حريق أَو غَيره: لزمَه قِيمَته يَوْم الْغَصْب عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: إِن مَا لَا ينْقل كالعقار لَا يكون مَغْصُوبًا بِإِخْرَاجِهِ عَن يَد مَالِكه إِلَّا أَن يجني الْغَاصِب عَلَيْهِ ويتلف بِسَبَب الْجِنَايَة
فَيضمنهُ بِالْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَة
وَمن غصب إسطوانه أَو لبنة وَبنى عَلَيْهَا لم يملكهَا الْغَصْب عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَعند أبي حنيفَة يملكهَا وَيجب عَلَيْهِ قيمتهَا للضَّرَر الْحَاصِل على الْبَاقِي بهدم الْبناء وبسبب إخْرَاجهَا
وَاتَّفَقُوا على أَن من غصب قِطْعَة من سَاج وأدخلها فِي سفينة
فطالبه بهَا مَالِكهَا وَهُوَ فِي لجة الْبَحْر: أَنه لَا يجب عَلَيْهِ قلعهَا إِلَّا مَا حكى عَن الشَّافِعِي: أَنَّهَا تقلع
وَالأَصَح أَن ذَلِك إِذا لم يخف تلف نفس أَو مَال
فصل: وَمن غصب ذَهَبا أَو فضَّة فصاغ ذَلِك
حليا أَو ضربه دَنَانِير أَو دَرَاهِم أَو نُحَاسا أَو رصاصا أَو حديدا فَاتخذ مِنْهُ آنِية أَو سيوفا
فَعِنْدَ مَالك: عَلَيْهِ فِي ذَلِك كُله مثل مَا غصب فِي وَزنه وَصفته وَكَذَا لَو غصب ساجة فعملها أبوابا أَو تُرَابا فعمله لَبَنًا
وَكَذَلِكَ الْحِنْطَة إِذا طحنها وخبزها
وَقَالَ الشَّافِعِي: يرد ذَلِك كُله على الْمَغْصُوب مِنْهُ
فَإِن كَانَ فِيهِ نقص ألزم الْغَاصِب بِالنَّقْصِ
وَوَافَقَ أَبُو حنيفَة مَالِكًا إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة إِذا صاغهما
هَكَذَا نقل فِي عُيُون الْمسَائِل
وَقَالَ القَاضِي ابْن رشد فِي الْمسَائِل: إِذا غصب حِنْطَة فطحنها أَو شَاة فذبحها
أَو ثوبا فَقَطعه
كَانَ كل ذَلِك للْمَغْصُوب مِنْهُ عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية وَلم يملكهُ الْغَاصِب
وَكَذَلِكَ إِذا غصب بَيْضَة فحطها تَحت دجَاجَة أَو حبا فزرعه أَو نواة فغرسها
وَعند الْحَنَفِيَّة: تلْزم الْقيمَة
стр. 177
فصل: فتح قفص طَائِر بِغَيْر إِذن مَالِكه فطار
ضمنه الفاتح عِنْد مَالك وَأحمد
وَكَذَلِكَ إِذا حل دَابَّة من قيدها فهربت أَو عبدا مُقَيّدا أَو هربت الدَّابَّة فِي الْحَال عقب الْفَتْح والحل إِذا وقفت بعده ثمَّ طَار أَو هربت
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن طَار الطَّائِر أَو هربت الدَّابَّة بعد مَا وقفت سَاعَة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ ذَلِك عقب الْفَتْح أَو الْحل
فَقَوْلَانِ أصَحهمَا: الضَّمَان
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان على من فعل ذَلِك على كل وَجه
وَإِذا غصب عبدا فأبق أَو دَابَّة فهربت أَو عينا فسرقت أَو ضَاعَت
فَعِنْدَ مَالك: يغرم قيمَة ذَلِك وَتصير الْقيمَة ملكا للْمَغْصُوب مِنْهُ
وَيصير الْمَغْصُوب عِنْده ملكا للْغَاصِب حَتَّى لَو وجد الْمَغْصُوب لم يكن للْمَغْصُوب مِنْهُ الرُّجُوع فِيهِ وَلَا للْغَاصِب الرُّجُوع فِي الْقيمَة إِلَّا بتراضيهما وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة: إِلَّا فِي صُورَة
وَهِي مَا لَو فقد الْمَغْصُوب فَقَالَ الْمَغْصُوب مِنْهُ: قِيمَته مائَة
وَقَالَ الْغَاصِب: خَمْسُونَ
وَحلف غرم خمسين مُقَيّدا خوف هربه فهرب فَعَلَيهِ قِيمَته
وَسَوَاء عِنْد مَالك طَار الطَّائِر ثمَّ وجد الْمَغْصُوب وَقِيمَته مائَة كَمَا ذكر
فَإِن لَهُ أَن يرجع فِي الْمَغْصُوب وَترد الْقيمَة
وَعند مَالك يرجع الْمَالِك بِفضل الْقيمَة
وَقَالَ الشَّافِعِي: الْمَغْصُوب مِمَّا ذكر بَاقٍ على ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ
فَإِذا وجد الْمَغْصُوب مِنْهُ الْقيمَة الَّتِي كَانَ أَخذهَا وَأخذ الْمَغْصُوب
وَأما إِذا كتم الْغَاصِب الْمَغْصُوب وَادّعى هَلَاكه فَأخذ مِنْهُ الْقيمَة ثمَّ ظهر الْمَغْصُوب
فَلَا خلاف أَن للْمَغْصُوب مِنْهُ أَخذه
وَيرد الْقيمَة
فصل: وَمن غصب عقارا فَتلف فِي يَده
إِمَّا بهدم أَو سيل أَو حريق
قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يضمن الْقيمَة
وَعَن أبي حنيفَة: أَنه إِذا لم يكن ذَلِك بِسَبَبِهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَلَو غصب أَرضًا وزرعها فأدركها رَبهَا قبل أَن يَأْخُذ الزَّرْع
قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَهُ إِجْبَاره على الْقلع
وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ وَقت الزَّرْع لم يفت فللمالك الْإِجْبَار
وَإِن فَاتَ فروايتان أشهرهما: لَيْسَ لَهُ قلعه
وَله أُجْرَة الأَرْض
وَقَالَ أَحْمد: إِن شَاءَ صَاحب الأَرْض أَن يقر الزَّرْع فِي أرضه إِلَى الْحَصاد وَله الْأُجْرَة وَمَا نقص الزَّرْع
وَإِن شَاءَ دفع إِلَيْهِ قيمَة الزَّرْع وَكَانَ الزَّرْع لَهُ
وَإِذا أراق مُسلم خمرًا على ذمِّي فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد
وَكَذَلِكَ إِذا أتلف عَلَيْهِ خنزيرا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يغرم الْقيمَة لَهُ فِي ذَلِك
تذييل: كل من غصب شَيْئا وَعمل فِيهِ عملا
كَانَ لَهُ إبِْطَال عمله إِلَّا فِي خمس مسَائِل
стр. 178
إِحْدَاهَا: إِذا غصب غزلا فنسجه ثوبا
الثَّانِيَة: إِذا غصب نقرة فضربها دَرَاهِم
الثَّالِثَة: إِذا غصب طينا وضربه لَبَنًا
الرَّابِعَة: إِذا غصب جَوْهَر زجاج فاتخذه آنِية
الْخَامِسَة: إِذا غصب ذَهَبا وَفِضة
وَاتخذ ذَلِك حليا
والمعاني: الَّتِي يجب بهَا الضَّمَان سَبْعَة: الْغَصْب وَالْعَارِية والتعدي والإتلاف وَمَنَافع الْإِجَارَة على أحد الْقَوْلَيْنِ بعد انْقِضَاء الْأَجَل
وَالشَّيْء الْمَقْبُوض على البيع الْفَاسِد وَالشَّيْء الْمَقْبُوض على السّوم
والمضمونات: على خَمْسَة أَقسَام
أَحدهَا: مَا يضمن بِمثلِهِ
وَالثَّانِي: مَا يضمن بِقِيمَتِه
وَالثَّالِث: مَا يضمن بِغَيْرِهِ
وَالرَّابِع: مَا يضمن بِأَقَلّ الْأَمريْنِ
وَالْخَامِس: مَا يضمن بِأَكْثَرَ الْأَمريْنِ
فَأَما مَا يضمن بِمثلِهِ: فَأَرْبَعَة أَنْوَاع: الْمكيل
وَالْمَوْزُون وَالذَّهَب وَالْفِضَّة
وَأما مَا يضمن بِقِيمَتِه: فَأَرْبَعَة أَنْوَاع: الدّور والحيوانات والسلع وَمَنَافع الْإِجَارَة
وَأما مَا يضمن بِغَيْرِهِ: فَأَرْبَعَة أَنْوَاع: الْمَبِيع فِي يَد البَائِع وَلبن الْمُصراة وَالْمهْر فِي يَد الزَّوْج
وجنين الْأمة
وَأما مَا يضمن بِأَقَلّ الْأَمريْنِ: فَأَرْبَعَة أَنْوَاع: الضَّامِن إِذا بَاعَ شَيْئا من الْمَضْمُون لَهُ بالمضمون بِهِ صَحَّ فِي وَجه وَالسَّيِّد إِذا أتلف العَبْد الْجَانِي
والراهن إِذا أتلف الرَّهْن وَالرَّابِع: مهر الْمَرْأَة إِذا هربت من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام فِي وَقت الْهُدْنَة
وَأما مَا يضمن بِأَكْثَرَ الْأَمريْنِ: فنوعان
أَحدهمَا: الْمُلْتَقط بيع اللّقطَة بعد مُضِيّ الْحول ومجيء صَاحبهَا
فَإِنَّهُ يضمن بِأَكْثَرَ الْأَمريْنِ
وَالثَّانِي: أَن يَأْخُذ سلْعَة ليبيعها فيتعدى عَلَيْهَا ثمَّ يَبِيعهَا
فَإِنَّهُ يضمن أَكثر الْأَمريْنِ فِي ثمنه وَقِيمَته
انْتهى
المصطلح: وتشتمل صوره على أَنْوَاع
مِنْهَا: صُورَة رد عين الْمَغْصُوب: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه كَانَ من قبل تَارِيخه استولى على جَمِيع الْقطعَة الأَرْض الَّتِي بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيّ ويحددها الْجَارِيَة فِي ملك فلَان على سَبِيل الْغَصْب والتعدي وانتزعها من يَده قهرا وظلما وانتفع بهَا انْتِفَاع مثلهَا بالزرع وَالْغِرَاس وَالْبناء وَأَنه الْآن رَجَعَ إِلَى الله تَعَالَى
وَتَابَ إِلَيْهِ وعَلى
стр. 179
أَنه وَجب عَلَيْهِ رد الأَرْض الْمَذْكُورَة إِلَى مَالِكهَا فَردهَا إِلَيْهِ خَائفًا من الله تَعَالَى متحذرا مَا حذره رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ: (من ظلم قيد شبر من الأَرْض طوقه من سبع أَرضين) وَسلم الأَرْض الْمَذْكُورَة إِلَى مَالِكهَا
فتسلمها مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا ثمَّ بَاعَ الْغَاصِب الْمَذْكُور مِنْهُ جَمِيع الْبناء وَالْغِرَاس الْقَائِم على الأَرْض الْمَذْكُورَة المحدودة الموصوفة بأعاليه
الْمُشْتَمل على كَذَا وَكَذَا ويصفه وَصفا تَاما فَاشْترى ذَلِك مِنْهُ شِرَاء شَرْعِيًّا بِثمن مبلغه كَذَا وَكَذَا على حكم الْحُلُول ثمَّ بعد ذَلِك ولزومه شرعا تصادق الْمُتَبَايعَانِ الْمَذْكُورَان أَعْلَاهُ على أَن مُدَّة الْغَصْب للْأَرْض الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ واستقرارها بيد الْغَاصِب الْمَذْكُور كَذَا وَكَذَا سنة مُتَقَدّمَة على تَارِيخه وَإِلَى تَارِيخه وَأَن أُجْرَة الْمثل لَهَا عَن الْمدَّة الْمَذْكُورَة مبلغ كَذَا وَكَذَا
قاصص المُشْتَرِي الْمَذْكُور البَائِع الْمَذْكُور بِمَا وَجب لَهُ من أُجْرَة الْمثل للْأَرْض الْمَذْكُورَة وَهُوَ كَذَا بنظيره من الثّمن الْمعِين أَعْلَاهُ
مقاصصة شَرْعِيَّة وَدفع إِلَيْهِ الْبَاقِي من الثّمن وَهُوَ كَذَا وَكَذَا
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا وَسلم البَائِع الْمَذْكُور إِلَى المُشْتَرِي الْمَذْكُور جَمِيع الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ
فتسلمه مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا
وَصَارَ ذَلِك لَهُ وَملكه بِحكم هَذَا التبايع المشروح أَعْلَاهُ
وَذَلِكَ بعد النّظر والمعرفة وَالْمُعَاقَدَة الشَّرْعِيَّة
ويكمل
وَصُورَة غصب مَكِيل ورد مثله أَو قِيمَته
أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه من قبل تَارِيخه استولى لفُلَان على عشْرين مكوكا أَو غرارة أَو إردبا من الْقَمْح الصعيدي أَو الْبُحَيْرِي أَو من الْحِنْطَة الصَّفْرَاء الجيدة الهودية أَو الأحصبة أَو المرجبة أَو العميقية أَو اللقيمية أَو الزيلعية أَو الجزائرية أَو غير ذَلِك
وَأَنه تصرف فِي ذَلِك لنَفسِهِ وأزال عينه وأنهما ترافعا بِسَبَب ذَلِك إِلَى حَاكم شَرْعِي
فَحكم عَلَيْهِ بِمثل الْحِنْطَة الْمَذْكُورَة وألزمه بِدفع ذَلِك إِلَيْهِ
فَدفعهُ إِلَيْهِ
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَنَقله إِلَى ملكه
وَصَارَ ذَلِك لَهُ
وَملكه بِحكم هَذَا الترافع أَو يَقُول: وأنهما ترافعا إِلَى حَاكم حنبلي الْمَذْهَب
وتداعيا لَدَيْهِ بذلك فَأوجب عَلَيْهِ قيمَة الْحِنْطَة الْمَذْكُورَة
وَحكم عَلَيْهِ بذلك على مُقْتَضى مذْهبه الشريف حكما شَرْعِيًّا
فَدفع إِلَيْهِ الْقيمَة عَن ذَلِك
وَهِي كَذَا وَكَذَا
فقبضها مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وتصادقا على ذَلِك تَصَادقا شَرْعِيًّا ويكمل
وَصُورَة غصب الْعرُوض وَالْحَيَوَان وَالضَّمان بِقِيمَتِه بعد إِتْلَافه: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه غصب من فلَان جَمِيع الْجمل الْأَحْمَر الفاطر أَو أول فطر وَجَمِيع الْحمل القماش
стр. 180
السكندري الَّذِي عدته من التفاصيل كَذَا وَكَذَا تفصيلة وَمن الثِّيَاب المرش كَذَا وَكَذَا ثوبا
وَكَذَا وَكَذَا منديلا محيشي وَأَن قيمَة الْجمل الْمَذْكُور كَذَا وَكَذَا وَقِيمَة القماش كَذَا وَكَذَا الْقيمَة العادلة لَهُ حِين الْغَصْب وَأَنه تصرف فِي ذَلِك بِغَيْر طَرِيق شَرْعِي وأنهما ترافعا بِسَبَب ذَلِك إِلَى حَاكم شَرْعِي أَو إِلَى الْحَاكِم الْفُلَانِيّ وَحكم عَلَيْهِ بذلك بعد اعترافه لَدَيْهِ وتصديقه على ذَلِك كُله أَو بعد قيام الْبَيِّنَة الشَّرْعِيَّة عِنْد الْحَاكِم بذلك
وَدفع إِلَيْهِ الْقيمَة الْمعينَة أَعْلَاهُ
فقبضها مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَلم يتَأَخَّر لَهُ بِسَبَب ذَلِك مُطَالبَة وَلَا شَيْء قل وَلَا جلّ
وَأقر كل مِنْهُمَا أَنه لَا يسْتَحق على الآخر حَقًا وَلَا دَعْوَى وَلَا طلبا ويستوفى أَلْفَاظ الْإِقْرَار بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاق على نَحْو مَا تقدم شَرحه
ويكمل
وَصُورَة غصب العَبْد سمينا ورده هزيلا مَعَ أرش مَا نقص وَهُوَ صَحِيح عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد خلافًا ل مَالك وَأبي حنيفَة: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه غصب من فلَان جَمِيع الْمَمْلُوك الرُّومِي الْجِنْس أَو الحبشي أَو غَيره العشاري الْمَدْعُو فلَان الْمُعْتَرف للْمَغْصُوب مِنْهُ بِالرّقِّ والعبودية وَأَنه اسْتعْمل الرَّقِيق الْمَذْكُور فهزل وأنهما ترافعا بِسَبَب ذَلِك إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ الشَّافِعِي
وَحكم على الْغَاصِب الْمَذْكُور بِأَرْش مَا نقص بالهزال وَهُوَ كَذَا وَكَذَا
وأنهما اتفقَا على أَن يدْفع إِلَيْهِ مَمْلُوكه الْمَذْكُور ومبلغ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ أرش مَا نقص الْمَمْلُوك الْمَذْكُور بالهزال وَرَضي الْمَغْصُوب مِنْهُ بذلك وَسلم الْغَاصِب الْمَذْكُور إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ مَمْلُوكه الْمَذْكُور والمبلغ الْمعِين أَعْلَاهُ
فتسلم ذَلِك مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا
وَأقر كل مِنْهُمَا أَنه لَا يسْتَحق على الآخر إِلَى آخِره
ويكمل
وَصُورَة غصب الْجَارِيَة وإحبالها واستيلادها
وَوُجُوب الْحَد على الْغَاصِب وَأَنه غير مُحصن فَكَانَ حَده الضَّرْب
وَالْحكم عَلَيْهِ بعد اسْتِيفَاء الْحَد برد الْجَارِيَة إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ وَأرش مَا نقصتها الْولادَة ورد الْوَلَد إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ رَقِيقا وَبيعه وَأمه من وَالِده الْغَاصِب بعد ذَلِك
حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان وَفُلَان وتصادقا على أَن الْحَاضِر الأول غصب من الْحَاضِر الثَّانِي جَمِيع الْجَارِيَة التترية الْجِنْس الْمَرْأَة الْمسلمَة الْحَاضِرَة بحضورهما أَيْضا عِنْد شُهُوده المعترفة للْمَغْصُوب مِنْهُ بِالرّقِّ والعبودية
وَأَنه افترشها وأولدها ولدا يدعى فلَان وأنهما ترافعا إِلَى الْحَاكِم الْفُلَانِيّ الشَّافِعِي وَادّعى الثَّانِي على الأول بِالْغَصْبِ وَأقَام عَلَيْهِ بِهِ الْبَيِّنَة وَأَنه اعْترف بذلك بعد ثُبُوته بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة وَأَن الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ حكم عَلَيْهِ بِالْحَدِّ بعد أَن ثَبت عِنْده أَنه غير مُحصن
وَحكم عَلَيْهِ برد الْجَارِيَة الْمَغْصُوبَة إِلَى مَالِكهَا وبأرش مَا نقصت بِالْوَطْءِ والولادة وَبرد الْوَلَد الْمَذْكُور
стр. 181
إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ رَقِيقا لَهُ حكما شَرْعِيًّا
وَاسْتوْفى الْحَد مِنْهُ ورد الْوَلَد على الْمَغْصُوب مِنْهُ
فتسلم مِنْهُ الْجَارِيَة وَوَلدهَا الْمَذْكُور
وَدفع إِلَيْهِ الْأَرْش وَهُوَ كَذَا وَكَذَا
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا ثمَّ بعد ذَلِك اشْترى الْغَاصِب الْمَذْكُور من الْمَغْصُوب مِنْهُ الْمَذْكُور جَمِيع الْجَارِيَة وَوَلدهَا مِنْهُ الْمَذْكُور الرَّضِيع الْمَدْعُو فلَان شِرَاء شَرْعِيًّا بِثمن مبلغه كَذَا وَكَذَا
وَدفع إِلَيْهِ الثّمن فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا وَسلم إِلَيْهِ الْجَارِيَة وَوَلدهَا الْمَذْكُورين فتسلمهما مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا وَعتق وَلَده الْمَذْكُور عَلَيْهِ حِين دُخُوله فِي ملكه بِعقد هَذَا البيع وَمُقْتَضَاهُ عتقا صَحِيحا شَرْعِيًّا
ويكمل
وَصُورَة مَا إِذا غصب رجل جَارِيَة من رجل وباعها من آخر فأولدها المُشْتَرِي وَهُوَ لَا يعلم أَنَّهَا مَغْصُوبَة وترافعا إِلَى حَاكم شَافِعِيّ فَحكم برد الْجَارِيَة إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ وَمهر مثلهَا وعَلى المُشْتَرِي من الْغَاصِب بِأَن يفتدي وَلَده بِقِيمَتِه وَيكون حرا وبالرجوع على الْغَاصِب بذلك كُله وَتَسْلِيم مَا وَجب للْمَغْصُوب مِنْهُ من الْجَارِيَة وَمهر الْمثل وَقِيمَة الْوَلَد
وابتياع الْجَارِيَة لأَب الْوَلَد أَو إعْتَاقهَا وتزويجها بأب الْوَلَد
حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان وَأشْهد عَلَيْهِ طَوْعًا فِي صِحَّته وسلامته: أَنه غصب من فلَان جَمِيع الْجَارِيَة الْفُلَانِيَّة غصبا عُدْوانًا وَأَنه بَاعهَا من فلَان وَأَن فلَانا افترشها وأولدها على فرَاشه ولدا يدعى فلَان وَأَنَّهُمْ بعد ذَلِك ترافعوا إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ الشَّافِعِي
وتحاكموا عِنْده وتحرر الْأَمر بَينهم على أَن ثَبت عِنْد الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ مَا حصلت الدَّعْوَى بِهِ من الْغَصْب وَالْبيع والافتراش والولادة وَمَا يحْتَاج إِلَى ثُبُوته عِنْده شرعا بالاعتراف أَو بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة وَأَنه حكم على المُشْتَرِي المفترش الْمَذْكُور برد الْجَارِيَة الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ وبمهر مثلهَا بعد ثُبُوت مِقْدَاره لَدَيْهِ وَقِيمَة الْوَلَد الْمَذْكُور مِنْهَا إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ الْمَذْكُور أَعْلَاهُ حكما شَرْعِيًّا مسؤولا فِيهِ بسؤال من جَازَ سُؤَاله شرعا مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فبمقتضى ذَلِك دفع فلَان الْمَذْكُور إِلَى فلَان الْمَغْصُوب مِنْهُ الْمَذْكُور جَمِيع الْجَارِيَة الْمَذْكُورَة ومبلغ كَذَا وَكَذَا
من ذَلِك مَا هُوَ مهر مثلهَا الثَّابِت شرعا كَذَا وَكَذَا
وَالْبَاقِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا قيمَة الْوَلَد الْمَذْكُور فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا وَحكم الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ للدافع الْمَذْكُور بِالرُّجُوعِ على فلَان الْغَاصِب الْمَذْكُور أَعْلَاهُ بِمهْر الْمثل وَقِيمَة الْوَلَد الْمَذْكُور حكما شَرْعِيًّا
وَقبض كل من الْمَغْصُوب مِنْهُ وَأبي الْوَلَد من الآخر مَا وَجب لَهُ قَبضه شرعا
ثمَّ بعد ذَلِك ولزومه شرعا: أعتق الْمَغْصُوب مِنْهُ الْجَارِيَة الْمَذْكُورَة عتقا صَحِيحا شَرْعِيًّا
وَزوجهَا بِإِذْنِهَا ورضاها من فلَان وَالِد ابْنهَا الْمَذْكُور تزويجا شَرْعِيًّا بِشُرُوطِهِ الشَّرْعِيَّة على صدَاق مبلغه كَذَا
قبل ذَلِك مِنْهُ قبولا
стр. 182
شَرْعِيًّا وَوَقع الْإِشْهَاد بذلك على الْوَجْه المشروح أَعْلَاهُ وبتصادقهما على ذَلِك كُله فِي تَارِيخ كَذَا وَكَذَا
وَصُورَة مَا إِذا غصب من رجل شَيْئا وَاسْتَعْملهُ على سَبِيل الْغَصْب حَتَّى هلك وَلَزِمتهُ قِيمَته: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه من قبل تَارِيخه تعدى على فلَان فِي مَتَاعه ويصفه وَأَخذه قهرا
وَاسْتولى عَلَيْهِ عُدْوانًا
وَاسْتَعْملهُ على سَبِيل الْغَصْب حَتَّى هلك وَذَهَبت عينه وَأَن أقْصَى قِيمَته كَذَا وَكَذَا وَأَن ذَلِك لزم ذمَّته بِالسَّبَبِ الْمعِين أَعْلَاهُ يقوم لَهُ بذلك حَالا
وَأقر بالملاءة وَالْقُدْرَة على ذَلِك
عرف الْحق فِي ذَلِك فَأقر بِهِ والصدق فَاتبعهُ لوُجُوبه عَلَيْهِ شرعا وَصدقه الْمَغْصُوب مِنْهُ الْمَذْكُور على ذَلِك تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا
ويكمل
وَصُورَة مَا إِذا غصب جَارِيَة وَوَطئهَا عَالما بِالتَّحْرِيمِ أَو جَاهِلا بِهِ: أشهد عَلَيْهِ فلَان: أَنه غصب فُلَانَة جَارِيَة فلَان
وَاسْتولى عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن سَيِّدهَا وَوَطئهَا وطئا يُوجب الْمهْر وَأَن الْمهْر كَذَا وَكَذَا وَأَن ذمَّته مَشْغُولَة بِهِ وَيلْزمهُ دفع ذَلِك لمولاها بِالسَّبَبِ الْمَذْكُور أَعْلَاهُ وَأَنه عَالم بِالتَّحْرِيمِ
وَأَن الْوَلَد إِذا وَلدته من ذَلِك الْوَطْء رَقِيق لسَيِّدهَا الْمَذْكُور
وَإِن كَانَ جَاهِلا بِالتَّحْرِيمِ كتب: وَأَن الْوَلَد حر نسيب بِحكم جَهله بِالتَّحْرِيمِ حَالَة الْوَطْء
وَأَن الْقيمَة للْوَلَد يَوْم الِانْفِصَال كَذَا وَكَذَا وَأَن ذَلِك لَازم ذمَّته لسَيِّد الْجَارِيَة حَالا
وَأَنه مَلِيء قَادر بذلك
وَصدقه السَّيِّد الْمَذْكُور على ذَلِك تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا
ويكمل
وَصُورَة دفع الشَّيْء الْمَغْصُوب لمَالِكه: يصدر بالاعتراف من الْمَغْصُوب مِنْهُ بالتسلم إِن كَانَ بِعَيْنِه وَإِن كَانَ مثله كتب: وَهُوَ مثل مَا غصبه مِنْهُ وَإِن كَانَ أقْصَى قِيمَته كتب: وَهُوَ أقْصَى قيمَة مَا غصبه مِنْهُ ويذيل بِالْإِقْرَارِ بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاق على نَحْو مَا تقدم شَرحه
وَكَذَلِكَ يفعل فِي كل صُورَة من صور الْغَصْب وَغَيره
قَاعِدَة: الْكَاتِب لهَذِهِ الصِّنَاعَة الحاذق فِيهَا يسْتَخْرج الوقائع ويرتبها على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة وينزلها تَنْزِيلا مطابقا
وَإِذا كتب شَيْئا فَلَا ينْتَقل مِنْهُ لغيره حَتَّى ينهيه ويستوفيه ويفرغ مِنْهُ وَإِلَّا فتجيء الْكِتَابَة مبددة
فَإِن الْمَأْكُول إِذا عمل قانون الْحِكْمَة أَكثر شهيا
وَلَا يخفى ذَلِك على الحاذق البارع
انْتهى
стр. 183
كتاب الشُّفْعَة
وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْكَام
الشُّفْعَة: اشتقاقها فِي اللُّغَة على أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا من شفعت الشَّيْء أَي ضممته فَهِيَ ضم نصيب إِلَى نصيب وَمِنْه: شفع الْأَذَان
ثَانِيهَا: من الزِّيَادَة وَمِنْه شَاة شَافِع أَي: حَامِل لِأَنَّهَا زَادَت بِوَلَدِهَا
ثَالِثهَا: أَنَّهَا من التقوية والإعانة
لِأَنَّهُ يتقوى بِمَا يَأْخُذهُ وَمِنْه: الْقُرْآن شَافِع مُشَفع
رَابِعهَا: أَنَّهَا مُشْتَقَّة من الشَّفَاعَة
لِأَن الشَّفِيع يَأْخُذهَا بلين ورفق
فَكَأَنَّهُ مستشفع إِذْ المُشْتَرِي لَيْسَ بظالم
وَالشُّفْعَة من أَمر الْإِسْلَام وَلم تكن فِي الْجَاهِلِيَّة
وَهِي ثَابِتَة بِالسنةِ وَالْإِجْمَاع
أما السّنة: فَمَا روى أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم
فَإِذا وَقعت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة) وروى البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ: (إِنَّمَا جعل رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة) وَفِي صَحِيح مُسلم بن الْحجَّاج عَن جَابر قَالَ: (قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مُشْتَرك لم يقسم: ربع أَو حَائِط لَا يحل لَهُ أَن يَبِيعهُ حَتَّى يُؤذن شَرِيكه
فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك
فَإِن بَاعه وَلم يُؤذنهُ فَهُوَ أَحَق بِهِ)
وَالرّبع: اسْم للدَّار مَعَ بنائها والحائط اسْم للبستان مَعَ غراسه
وَأما الْإِجْمَاع: فقد أجمع الْمُسلمُونَ على ثُبُوت الشُّفْعَة
وَالْحكم فِي الشُّفْعَة على
стр. 184
ثَلَاثَة أضْرب: ضرب تثبت فِيهِ الشُّفْعَة سَوَاء بيع مُفردا أَو مَعَ غَيره
وَضرب لَا تثبت فِيهِ الشُّفْعَة بِحَال
وَضرب تثبت فِيهِ الشُّفْعَة تبعا لغيره وَلَا تثبت فِيهِ الشُّفْعَة إِذا بيع مُنْفَردا
فَأَما الضَّرْب الأول وَهُوَ مَا تثبت فِيهِ الشُّفْعَة مُفردا أَو مَعَ غَيره فَهِيَ العرصات عَرصَة الأَرْض وَالدَّار
فَإِذا بَاعَ أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه فِيهَا ثَبت لشَرِيكه الشُّفْعَة فِيهِ
وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا الْأَصَم
فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تثبت الشُّفْعَة بِحَال لِأَن فِي ذَلِك إِضْرَارًا بأرباب الْأَمْوَال لِأَن المُشْتَرِي مَتى علم أَنه يُؤْخَذ مِنْهُ لم يرغب فِي الشِّرَاء
فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الضَّرَر الْبَالِغ
وَرُبمَا تقاعد شَرِيكه عَن الشِّرَاء مِنْهُ
وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ: مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَخْبَار
وَمَا ذكره الْأَصَم غير صَحِيح لأَنا نشاهد الأشقاص تشترى مَعَ علم المُشْتَرِي بِاسْتِحْقَاق الشُّفْعَة عَلَيْهِ
وَأما الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ مَا لَا يثبت فِيهِ الشُّفْعَة بِحَال فَهُوَ كل مَا ينْقل ويحول مثل الطَّعَام وَالثيَاب وَالْعَبِيد
فَإِذا بَاعَ أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه فِي ذَلِك لم يثبت لشَرِيكه فِيهِ الشُّفْعَة وَبِه قَالَ عَامَّة أهل الْعلم خلافًا لمَالِك
فَإِنَّهُ قَالَ: تثبت الشُّفْعَة فِي جَمِيع ذَلِك
دليلنا: قَوْله ﷺ : (الشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم
فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة) وَهَذَا لَا يتَنَاوَل مَا ينْقل
وَمَا روى جَابر من قَوْله ﷺ (لَا شُفْعَة إِلَّا فِي ربع أَو حَائِط) فنفى الشُّفْعَة فِي غَيرهمَا
وَأما الضَّرْب الثَّالِث وَهُوَ مَا تثبت فِيهِ الشُّفْعَة تبعا لغيره فَهُوَ الْغِرَاس وَالْبناء فِي الأَرْض
فَإِن بَاعَ أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه فِيهِ مُنْفَردا عَن الأَرْض لم تثبت فِيهِ الشُّفْعَة لِأَنَّهُ مَنْقُول كالثياب وَالْعَبِيد
فَإِن بَاعَ أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه فِي الْبناء وَالْغِرَاس مَعَ نصِيبه من الأَرْض تثبت فِيهِ الشُّفْعَة لقَوْله ﷺ : (الشُّفْعَة فِي كل ربع أَو حَائِط) و (الرّبع) هُوَ الدَّار ببنائها
و (الْحَائِط) هُوَ الْبُسْتَان بأشجاره ول الْبناء وَالْغِرَاس يرادان للبقاء والتأبيد
فَتثبت فيهمَا الشُّفْعَة كالأرض
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
: الشُّفْعَة: تثبت للشَّرِيك فِي الْملك بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَلَا شُفْعَة للْجَار عِنْد مَالك
стр. 185
وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب الشُّفْعَة بالجوار
وَالشُّفْعَة عِنْد أبي حنيفَة وعَلى الرَّاجِح من مَذْهَب الشَّافِعِي: على الْفَوْر
فَمن أخر الْمُطَالبَة بِالشُّفْعَة مَعَ الْإِمْكَان سقط حَقه فِيهَا كَخِيَار الرَّد وَللشَّافِعِيّ
وَقَالَ آخر: أَنه يبْقى حَقه ثَلَاثَة أَيَّام
وَله قَول آخر: أَنه يبْقى أبدا وَلَا يسْقط إِلَّا بالتصريح بالإسقاط
وَأما مَذْهَب مَالك: فَإِذا بيع الْمَشْفُوع وَالشَّرِيك حَاضر يعلم بِالْبيعِ
فَلهُ الْمُطَالبَة بِالشُّفْعَة مَتى شَاءَ
وَلَا تَنْقَطِع شفعته إِلَّا بِأحد أَمريْن
الأول: يمْضِي مُدَّة يعلم أَنه فِي مثلهَا قد أعرض عَن الشُّفْعَة
ثمَّ رُوِيَ عَن مَالك أَن تِلْكَ الْمدَّة سنة
وَرُوِيَ خمس سِنِين
الثَّانِي: أَن يرفعهُ المُشْتَرِي إِلَى الْحَاكِم وَيلْزمهُ الْحَاكِم بِالْأَخْذِ أَو التّرْك
فَالْحَاصِل من مَذْهَب مَالك: أَنَّهَا لَيست على الْفَوْر
وَالثَّانيَِة: على التَّرَاخِي
فَلَا تبطل أبدا حَتَّى يعْفُو وَيُطَالب
فصل: وَالثَّمَرَة إِذا كَانَت على النّخل وَهِي بَين شَرِيكَيْنِ
فَبَاعَ أَحدهمَا حِصَّته فَهَل لشَرِيكه الشُّفْعَة أم لَا اخْتلف فِي ذَلِك قَول مَالك
فَقَالَ فِي رِوَايَة: لَهُ الشُّفْعَة
وَقَالَ فِي أُخْرَى: لَا شُفْعَة لَهُ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَهُ الشُّفْعَة
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا شُفْعَة لَهُ
فصل: وَإِذا كَانَ ثمن الشُّفْعَة مُؤَجّلا
فَللشَّفِيع عِنْد مَالك وَأحمد: الْأَخْذ بذلك الثّمن إِلَى ذَاك الْأَجَل
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد الرَّاجِح من مذْهبه: للشَّفِيع الْخِيَار بَين أَن يعجل الثّمن وَيَأْخُذ الشّقص الْمَشْفُوع أَو يصبر إِلَى حُلُول الْأَجَل فيزن وَيَأْخُذ بِالشُّفْعَة
فصل: وَالشُّفْعَة مقسومة بَين الشفعاء على قدر حصصهم
فِي المَال الَّذِي استوجبوا من جِهَته الشُّفْعَة
فَيَأْخُذ كل وَاحِد من الشُّرَكَاء من الْمبلغ بِقدر ملكه فِيهِ عِنْد مَالك وَهُوَ الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ مقسومة على الرؤوس وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
وَالشُّفْعَة تورث عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَلَا تبطل بِالْمَوْتِ فَإِذا وَجَبت لَهُ شُفْعَة فَمَاتَ وَلم يعلم بهَا أَو علم وَمَات قبل التَّمَكُّن من الْأَخْذ انْتقل الْحق إِلَى الْوَارِث وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تبطل بِالْمَوْتِ وَلَا تورث
وَقَالَ أَحْمد: لَا تورث إِلَّا أَن يكون الْمَيِّت طَالب بهَا
فصل: وَلَو بنى مُشْتَرِي الشّقص أَو غرس ثمَّ طَالب الشَّفِيع
فَلَيْسَ لَهُ عِنْد مَالك
стр. 186
وَالشَّافِعِيّ وَأحمد مُطَالبَة المُشْتَرِي بهدم مَا بنى وَلَا قلع مَا غرس مُضَافا إِلَى الثّمن
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: للشَّفِيع أَن يجْبر المُشْتَرِي على الْقلع وَالْهدم
وَقَالَ فِي عُيُون الْمسَائِل: وَذهب قوم إِلَى أَن للشَّفِيع أَن يُعْطِيهِ ثمن الشّقص وَيتْرك الْبناء وَالْغِرَاس فِي مَوْضِعه
فصل: وكل مَا لَا يَنْقَسِم كالحمام والبئر والرحا وَالطَّرِيق وَالْبَاب لَا شُفْعَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي
وَاخْتلف قَول مَالك فَقَالَ: فِيهِ الشُّفْعَة
وَقَالَ: لَا شُفْعَة
وَاخْتَارَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الأول
قَالَ: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وعهدة الشَّفِيع فِي الْمَبِيع: على المُشْتَرِي وعهدة المُشْتَرِي: على البَائِع عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء
فَإِذا ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا أَخذه مُسْتَحقّه من يَد الشَّفِيع وَرجع الشَّفِيع بِالثّمن على المُشْتَرِي ثمَّ يرجع المُشْتَرِي على البَائِع
وَقَالَ ابْن أبي ليلى: عُهْدَة الشَّفِيع على البَائِع بِكُل حَال
وَاخْتلفُوا: هَل يجوز الاحتيال بِإِسْقَاط الشُّفْعَة مثل أَن يَبِيع سلْعَة مَجْهُولَة عِنْد من يرى ذَلِك مسْقطًا للشفعة أَو أَن يقر لَهُ بِبَعْض الْملك ثمَّ يَبِيعهُ الْبَاقِي أَو يَهبهُ لَهُ
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَهُ ذَلِك
وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَيْسَ لَهُ ذَلِك
فَإِذا وهبه من غير عوض فَلَا شُفْعَة فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ
وَكَذَلِكَ قَول أَحْمد بل لَا بُد أَن يكون قد ملك بعوض
وَاخْتلف قَول مَالك فِي ذَلِك
فَقَالَ: لَا شُفْعَة فِيهِ
وَقَالَ فِيهِ الشُّفْعَة
فَإِذا وَجَبت لَهُ الشُّفْعَة فبذل لَهُ المُشْتَرِي دَرَاهِم على ترك الْأَخْذ بِالشُّفْعَة جَازَ لَهُ أَخذهَا وتملكها عِنْد الثَّلَاثَة
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز ذَلِك وَلَا يملك الدَّرَاهِم
وَعَلِيهِ ردهَا
وَهل تسْقط شفعته بذلك لأَصْحَابه وَجْهَان
فصل: وَإِذا ابْتَاعَ اثْنَان من الشُّرَكَاء نصيبهما صَفْقَة وَاحِدَة
كَانَ للشَّفِيع عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد أَخذ نصيب أَحدهمَا بِالشُّفْعَة كَمَا لَو أَخذ نصيبهما جَمِيعًا
وَقَالَ مَالك: لَيْسَ لَهُ أَخذ حِصَّة أَحدهمَا دون الآخر بل إِمَّا أَن يأخذهما جَمِيعًا أَو يتركهما جَمِيعًا
وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة
وَلَو أقرّ أحد الشَّرِيكَيْنِ: أَنه بَاعَ نصِيبه من رجل وَأنكر الرجل الشِّرَاء وَلَا بَيِّنَة وَطلب الشَّفِيع الشُّفْعَة قَالَ مَالك: لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بعد ثُبُوت الشِّرَاء
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تثبت الشُّفْعَة وَهُوَ الْأَصَح من مَذْهَب الشَّافِعِي إِلَّا أَن إِقْرَاره يتَضَمَّن إِثْبَات حق المُشْتَرِي وَحقّ الشَّفِيع
فَلَا يبطل حق الشَّفِيع بإنكار المُشْتَرِي
وَتثبت الشُّفْعَة للذِّمِّيّ كَمَا تثبت للْمُسلمِ عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَحْمد: لَا شُفْعَة للذِّمِّيّ
انْتهى
فَائِدَة: حكى ابْن الصّلاح: أَن الْأَصْمَعِي سُئِلَ عَن معنى قَول النَّبِي ﷺ : (الْجَار أَحَق
стр. 187
بسقبه) فَقَالَ: أَنا لَا أفسر حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلَكِن الْعَرَب تزْعم أَن السقب: اللزيق
المصطلح: تشْتَمل صوره على أَنْوَاع
مِنْهَا: صُورَة طلب الشُّفْعَة وَالْأَخْذ بهَا: حضر إِلَى شُهُوده فلَان وَفُلَان
وتصادقا على أَن الْحَاضِر الأول حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ وأحضر مَعَه الْحَاضِر الثَّانِي
وَادّعى عَلَيْهِ عِنْد الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ: أَنه ابْتَاعَ من فلَان جَمِيع الْحصَّة الَّتِي مبلغها كَذَا الشائعة فِي جَمِيع الدَّار الْفُلَانِيَّة الْجَارِي نصفهَا الآخر فِي ملك الْمُدَّعِي الْمَذْكُور وتحدد بِثمن مبلغه كَذَا وَأَنه حَال اطِّلَاعه على ذَلِك حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْمشَار إِلَيْهِ قبل أَن يجلس أَو يشْتَغل بشغل مَا وَطلب مِنْهُ الشُّفْعَة فِي الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ
وَقَامَ فِي طلبَهَا على الْفَوْر
وأحضر مَعَه الثّمن
وَسَأَلَ الْحَاكِم سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسئلَ فَأجَاب بالتصديق على أَن النّصْف الآخر من الدَّار ملكه وَأَنه ابْتَاعَ مِنْهَا النّصْف الْمُدعى بِهِ بِالثّمن الْمعِين أَعْلَاهُ وَالْتمس يَمِين الْمُدَّعِي الْمَذْكُور أَنه لما بَاعه ذَلِك بَادر على الْفَوْر بِطَلَب الشُّفْعَة من الْمَبِيع الْمَذْكُور
وَلم يتَأَخَّر سَاعَة وَاحِدَة وَلَا اشْتغل بشغل
فَحلف كَمَا أَحْلف بالتماسه لذَلِك
وَأَن الطَّالِب الْمَذْكُور سَأَلَ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم عَلَيْهِ برد الْمَبِيع بِالثّمن الْمعِين أَعْلَاهُ
فَحكم لَهُ بذلك حكما شَرْعِيًّا
فَحِينَئِذٍ أَخذ الشَّفِيع الْمَذْكُور من المُشْتَرِي الْمَذْكُور النّصْف الْمَبِيع من الدَّار الْمَذْكُورَة أخذا شَرْعِيًّا
وَدفع الثّمن الْمعِين أَعْلَاهُ إِلَيْهِ
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَسلمهُ الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ
فتسلمه مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا
وبمقتضى ذَلِك صَار جَمِيع الدَّار الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ ملكا من أَمْلَاك الشَّفِيع الْمَذْكُور وَحقا من حُقُوقه بطريقه الشَّرْعِيّ من وَجه حق لَا شُبْهَة فِيهِ
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَصُورَة الْأَخْذ بِالشُّفْعَة فِي ملك الْجَار: أَخذ فلَان من فلَان جَمِيع الدَّار الْفُلَانِيَّة ويحددها الَّتِي ابتاعها من فلَان من قبل تَارِيخه بمبلغ كَذَا وَكَذَا أخذا صَحِيحا شَرْعِيًّا
وَدفع الْآخِذ إِلَيْهِ نَظِير الثّمن الْمعِين أَعْلَاهُ فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا وتصادقا على أَنَّهُمَا ترافعا إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْحَنَفِيّ
وَادّعى الْأَخْذ عَلَيْهِ بِالشُّفْعَة فِي الدَّار الْمَذْكُورَة
وَأقَام عِنْد الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ بَيِّنَة أَنه حَال اطِّلَاعه على البيع طلب الشُّفْعَة على الْفَوْر من
стр. 188
المُشْتَرِي الْمَذْكُور وَهُوَ قَائِم على الْمَبِيع
وأحلفه على ذَلِك الْيَمين الشَّرْعِيَّة
وَحكم لَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ بذلك حكما شَرْعِيًّا مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ تَصَادقا شَرْعِيًّا
وتسلم الْآخِذ من المُشْتَرِي الْمَشْفُوع الْمعِين أَعْلَاهُ تسلما شَرْعِيًّا
وَصَارَ فِي يَده بِحكم أَخذه لذَلِك بِالسَّبَبِ المشروح أَعْلَاهُ مصيرا تَاما
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَصُورَة طلب الشُّفْعَة من الخليط: حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان
وَأشْهد عَلَيْهِ أَنه لما بلغه أَن شَرِيكه فلَانا بَاعَ من فلَان النّصْف الشَّائِع من جَمِيع الدَّار الْفُلَانِيَّة الَّتِي يملك الْحَاضِر الْمَذْكُور النّصْف الآخر مِنْهَا وتحدد بِثمن مبلغه كَذَا
بَادر على الْفَوْر من غير تَأَخّر وَلَا إهمال وَلَا جُلُوس بعد سَاعَة وَلَا اشْتِغَال بشغل وَطَلَبه الشُّفْعَة فِي الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ
وَأشْهد عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ للشفعة فِيهِ بِحَق خلطته إشهادا شَرْعِيًّا
ويكمل
وَصُورَة طلب شُفْعَة الْجوَار: حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان
وَأشْهد عَلَيْهِ أَنه لما بلغه أَن جَاره فلَانا بَاعَ جَمِيع الدَّار الْمُجَاورَة لَهُ من الْجِهَة الْفُلَانِيَّة وتحدد بِمَا مبلغه كَذَا حضر إِلَى البَائِع ووقف على الْمَبِيع
وَطلب الشُّفْعَة فِيهِ وَأَنه مطَالب بِالشُّفْعَة بِحَق الْمُجَاورَة غير تَارِك لَهَا وَلَا نَازل عَنْهَا
وَأشْهد عَلَيْهِ بذلك
ويكمل
وَصُورَة الْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَيكْتب بِظَاهِر كتاب البايع: حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان
وأحضر مَعَه فلَانا
وَقَالَ لَهُ بِحَضْرَة شُهُوده: إِنَّه يملك جَمِيع الدَّار الْفُلَانِيَّة ويحددها ملكا صَحِيحا شَرْعِيًّا بتاريخ مُتَقَدم على تَارِيخه
وَأَن الدَّار الْمَذْكُورَة قَابِلَة للْقِسْمَة وَأَنه يسْتَحق أَخذ الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ بشفعة الخليط أَو بِالشُّفْعَة الشَّرْعِيَّة
وَأَنه قَامَ على الْفَوْر وَطلب الشُّفْعَة مِنْهُ حِين سَمَاعه بِالْبيعِ من غير إهمال
وَاجْتمعَ بِهِ وأعلمه أَنه طَالب للشفعة وَأَنه اسْتحق أَخذ الْمَبِيع الْمعِين أَعْلَاهُ وَطلب مِنْهُ تَسْلِيمه إِلَيْهِ
وأحضر لَهُ نَظِير الثّمن الْمعِين بَاطِنه وَطلب يَمِينه أَنه لم يكن الْأَمر جرى بَينهمَا كَذَلِك
فَأَعْرض المُشْتَرِي الْمَذْكُور عَن بذل الْيَمين
واعترف بذلك
وَصدق عَلَيْهِ تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا
وَالْتمس من الطَّالِب الْمَذْكُور الْقيام لَهُ بنظير الثّمن الْمعِين بَاطِنه
فَدفعهُ إِلَيْهِ
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَسلم إِلَيْهِ الْمَبِيع الْمعِين بَاطِنه
فتسلمه مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا
وَصَارَت الدَّار الْمَذْكُورَة جَمِيعهَا ملكا من أَمْلَاك الْآخِذ بِالشُّفْعَة الْمَذْكُورَة وَحقا من حُقُوقه
اسْتَقَرَّتْ بِيَدِهِ وَتَحْت تصرفه مصيرا واستقرارا شرعيين وَأقر كل مِنْهُمَا أَنه بعد ذَلِك لَا يسْتَحق على الآخر حَقًا وَلَا دَعْوَى وَلَا طلبا إِلَى آخِره
ويكمل
وَصُورَة تسلم الْحصَّة للمحجور عَلَيْهِ بشفعة الخليط بِتَصْدِيق المُشْتَرِي
وَيكْتب فِي
стр. 189
ظَاهر كتاب التبايع: حضر إِلَى شُهُوده فلَان الْوَصِيّ الشَّرْعِيّ على الْيَتِيم الصَّغِير فلَان بِمُقْتَضى الْوَصِيَّة الشَّرْعِيَّة المسندة إِلَيْهِ من وَالِد الصَّغِير الْمَذْكُور المحضرة لشهوده
المؤرخ بَاطِنهَا بِكَذَا الثَّابِت مضمونها مَعَ مَا يعْتَبر ثُبُوته شرعا بِمَجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ وأحضر مَعَه فلَانا المُشْتَرِي الْمَذْكُور بَاطِنه
واعترف أَنه تسلم مِنْهُ للْيَتِيم الْمَذْكُور أَعْلَاهُ جَمِيع الْحصَّة الْمَبِيعَة من الدَّار المحدودة الموصوفة بَاطِنه الَّتِي يملك الْيَتِيم الْمَذْكُور مِنْهَا الْبَاقِي ملكا صَحِيحا شَرْعِيًّا بتاريخ مُتَقَدم على تَارِيخ كتاب التبايع المسطر بَاطِنه تسلما شَرْعِيًّا
وَدفع إِلَيْهِ نَظِير الثّمن الْمعِين بَاطِنه من مَال الْيَتِيم الْمَذْكُور
ومبلغه كَذَا وَكَذَا
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا بعد أَن ترافعا بِسَبَب ذَلِك إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ
وَادّعى الْوَصِيّ الْمَذْكُور لمحجوره الْيَتِيم الْمَذْكُور أَعْلَاهُ على المُشْتَرِي الْمَذْكُور بَاطِنه بشفعة الْخلطَة بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيّ
وَبعد ثُبُوت ملكية الْيَتِيم الْمَذْكُور لِلنِّصْفِ الْبَاقِي من الدَّار الْمَذْكُورَة وَأَن الثّمن المبذول الْمعِين أَعْلَاهُ ثمن الْمثل للحصة الْمعينَة أَعْلَاهُ وَأَن للْيَتِيم الْمَذْكُور حظا ومصلحة فِي ذَلِك الثُّبُوت الشَّرْعِيّ وَالْحكم للْيَتِيم الْمَذْكُور بذلك وَاعْتِبَار مَا يجب اعْتِبَاره شرعا وَصدقه المُشْتَرِي الْمُسَمّى بَاطِنه على ذَلِك كُله تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا وَأقر أَنه لَا يسْتَحق مَعَ الْيَتِيم الْمَذْكُور أَعْلَاهُ فِي ذَلِك وَلَا فِي شَيْء مِنْهُ حَقًا وَلَا دَعْوَى وَلَا طلبا بِوَجْه وَلَا سَبَب وَلَا ملكا وَلَا شُبْهَة ملك وَلَا ثمنا وَلَا مثمنا وَلَا مَنْفَعَة وَلَا اسْتِحْقَاق مَنْفَعَة
وَلَا شَيْئا قل وَلَا جلّ لما مضى من الزَّمَان وَإِلَى يَوْم تَارِيخه
ويؤرخ
فصل: فِي الْحِيَل الدافعة للشفعة
مِنْهَا: أَن يَجْعَل الثّمن حَاضرا مَجْهُول الْقدر ويقبضه البَائِع من غير وزن فتندفع الشُّفْعَة وَيكْتب فِي الثّمن بصبرة من الدَّرَاهِم المجهولة الْوَزْن والمقدار المرئية حَالَة العقد أَو بِكَذَا وَكَذَا درهما وبجوهرة فاخرة أَو لؤلؤة نقية مَجْهُولَة الْقيمَة مرئية حَالَة العقد
قَالَ النَّوَوِيّ وَمِنْهَا: أَن يهب لَهُ الشّقص بِلَا ثَوَاب ثمَّ يهب لَهُ صَاحبه قِيمَته
وَمِنْهَا: أَن يَشْتَرِي عشر الدَّار مثلا بِتِسْعَة أعشار الثّمن كَيْلا يرغب الشَّفِيع لِكَثْرَة الثّمن
ثمَّ يَشْتَرِي تِسْعَة أعشارها بِعشر الثّمن فَلَا يتَمَكَّن الْجَار من الشُّفْعَة لِأَن المُشْتَرِي حَالَة الشِّرَاء شريك فِي الدَّار وَالشَّرِيك مقدم على الْجَار أَو بِخَط البَائِع على طرف ملكه خطا مِمَّا يَلِي دَار جَاره وَيبِيع مَا وَرَاء الْخط فتمتنع شُفْعَة الْجَار لِأَن بَين ملكه وَبَين الْمَبِيع فاصلا ثمَّ يَهبهُ الْفَاصِل
وَدفع الشُّفْعَة بالحيلة مَكْرُوه
وَأما الْحِيلَة فِي دفع شُفْعَة الْجوَار: فَلَا كَرَاهَة فِيهَا قطعا
وَالله أعلم
стр. 190
كتاب الْقَرَاض وَالْمُضَاربَة
وَمَا يتَعَلَّق بهما من الْأَحْكَام
الْقَرَاض وَالْمُضَاربَة: اسمان بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ أَن يدْفع مَاله إِلَى رجل ليتجر فِيهِ وَيكون الرِّبْح بَينهمَا على مَا يشترطانه وَرَأس المَال لرب المَال
وَأهل الْحجاز يسمون هَذَا العقد (قراضا)
وَاخْتلف فِي اشتقاقه فَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الْقَرْض وَهُوَ الْقطع
يُقَال: قرضت الطَّرِيق أَي قطعتها
وقرض الفأر الثَّوْب أَي قطعه
فَكَأَن رب المَال اقتطع لِلْعَامِلِ قِطْعَة من مَاله أَو أقطع لَهُ قِطْعَة من الرِّبْح
وَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الْمُسَاوَاة
يُقَال: تقارض الشاعران إِذا سَاوَى كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر بِشعرِهِ فِي الْمَدْح والذم
وَحكي عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ (قارض النَّاس مَا قارضوك
فَإِن تَركتهم لم يتركوك) يُرِيد: ساوهم
فالمتقارضان يتساويان
لِأَن أَحدهمَا يبْذل المَال وَالْآخر يتَصَرَّف فِيهِ
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لاشْتِرَاكهمَا فِي الرِّبْح
فالمقارض بِكَسْر الرَّاء هُوَ رب المَال
وَبِفَتْحِهَا: هُوَ الْعَامِل
وَأما الْمُضَاربَة: فاشتقاقها من الضَّرْب بِالْمَالِ
وَقيل: هُوَ من ضرب كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الرِّبْح بِسَهْم
فالمضارب بِكَسْر الرَّاء هُوَ الْعَامِل لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يضْرب فِي المَال وَلم يشتق لرب المَال مِنْهُ اسْم
والقراض: جَائِز
وَالْأَصْل فِي جَوَازه: إِجْمَاع الصَّحَابَة
وَرُوِيَ ذَلِك عَن عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَحَكِيم بن حزَام ﵃
وروى الشَّافِعِي ﵁: (أَن عبيد الله وَعبد الله ابْنا عمر بن الْخطاب ﵃ خرجا فِي جَيش إِلَى الْعرَاق
فتسلفا من أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ عَامل لعمر مَالا فابتاعا بِهِ مَتَاعا وقدما بِهِ الْمَدِينَة
فباعاه وربحا
فَقَالَ عمر ﵁: أكل الْجَيْش قد أسلف قَالَا: لَا
فَقَالَ عمر: أديا المَال وَربحه
فَسكت عب الله وراجعه عبد الله
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو
стр. 191
هلك المَال ضمناه
فَلم لَا يكون ربحه لنا فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو جعلته قراضا فَقَالَ: قد جعلته قراضا
فَأخذ مِنْهَا رَأس المَال وَنصف الرِّبْح) فَدلَّ على أَن الْقَرَاض كَا مستقيضا فِي الصَّحَابَة
فَإِن قيل: إِذا تسلفا المَال من أبي مُوسَى
فَكيف يحتجون بذلك على الْقَرَاض قُلْنَا: مَوضِع الْحجَّة مِنْهُ: قَول الرجل لعمر ﵁ (لَو جعلته قراضا) وَلم يُنكر عَلَيْهِ عمر وَلَا غَيره الْقَرَاض
فَإِن قيل: إِذا كَانَا قد تسلفا ذَلِك من أبي مُوسَى وابتاعا بِهِ مَتَاعا
فقد ملكا المَال وَربحه
فَكيف سَاغَ لعمر أَن يَجعله قراضا وَيَأْخُذ مِنْهُمَا نصف الرِّبْح فتأول أَصْحَابنَا ذَلِك ثَلَاث تأويلات
أَحدهَا وَهُوَ تَأْوِيل أبي الْعَبَّاس أَن أَبَا مُوسَى كَانَ قد اجْتمع عِنْده مَال لبيت المَال وَأَرَادَ أَن ينفذهُ إِلَى الْمَدِينَة
فخاف عَلَيْهِ غرر الطَّرِيق فأقرضهما ذَلِك المَال ليَكُون فِي ذمتهما أحظ لبيت المَال
وَقد ملكا المَال وَربحه إِلَّا أَن عمر أَرَادَ أَن ينفع الْمُسلمين فاستدعاهما واستطاب أَنفسهمَا عَن نصف الرِّبْح وللعامل أَن يفعل كَمَا فعل أَبُو مُوسَى إِذا خَافَ على المَال
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: كَانَ الطَّرِيق آمنا وَإِنَّمَا أقْرضهُمَا أَبُو مُوسَى ليتقرب بذلك إِلَى قلب أَبِيهِمَا عمر: فَلَمَّا تَصرفا فِي المَال وربحا كَانَ الرِّبْح ملكا للْمُسلمين
واستحقا أُجْرَة الْمثل
وَبَلغت أجرتهما نصف الرِّبْح
وَلِهَذَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: (كَأَنِّي بِأبي مُوسَى وَهُوَ يَقُول أئتيا أَمِير الْمُؤمنِينَ)
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ أَبُو مُوسَى أقْرضهُمَا ذَلِك المَال ثمَّ قارضهما بعد ذَلِك
فخلطا الرِّبْح الَّذِي حصل مِنْهُ
فاستطاب عمر أَنفسهمَا عَن نصف الرِّبْح
وَالْأول: أصح لِأَن الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير لَا تجوز إجارتهما للتِّجَارَة
فجوز عقد الْقَرَاض عَلَيْهَا كالنخل لما لم تجز إِجَارَته ليستغل جَازَ عقد الْمُسَاقَاة عَلَيْهَا
وَالْأَرْض لما جَازَت إِجَارَتهَا لتستغل لم يجز عقد المخابرة عَلَيْهَا
وَاحْتَجُّوا لهَذَا العقد بِإِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃
وبالقياس على الْمُسَاقَاة
وَيشْتَرط فِي المَال الْمَدْفُوع: أَن يكون نَقْدا وَهُوَ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير المضروبة فَلَا تجوز على التبر والحلي والمغشوش وَالْعرُوض وَأَن يكون قدرا مَعْلُوما
فَلَا يجوز على دَرَاهِم مَجْهُولَة الْقدر وَأَن يكون المَال عينا حَاضِرَة
فَلَا يجوز أَن يقارضه على دين لَهُ فِي ذمَّة الْغَيْر
وَلَا يجوز أَن يقارض صَاحب الدّين الْمَدْيُون بِمَا لَهُ فِي ذمَّته من الدّين وَأَن يكون مَال الْقَرَاض مُسلما إِلَى الْعَامِل فَلَا يجوز أَن يشْتَرط كَون المَال عِنْد الْمَالِك
стр. 192
وَأَن يعْمل الْمَالِك مَعَ الْعَامِل
وَيجوز أَن يشْتَرط عمل غُلَام رب المَال مَعَ الْعَامِل
ووظيفة الْعَامِل: التِّجَارَة وتوابعها كنشر الثِّيَاب وطيها فَلَو قارضه على أَن يَشْتَرِي حِنْطَة فيطحنها ويخبزها أَو ثوبا يتَوَلَّى نسجه ثمَّ يَبِيعهُ فسد الْقَرَاض
وَلَا يجوز أَن يشْتَرط عَلَيْهِ شِرَاء مَتَاع معِين أَو نوع ينْدر وجوده
كالخيل البلق
مثلا أَو يشْتَرط عَلَيْهِ الْمُعَامَلَة من شخص معِين
وَيشْتَرط فِي الرِّبْح: الِاخْتِصَاص بالمتعاقدين
فَلَا يجوز شَرط شَيْء مِنْهُ لثالث
فَلَو قَالَ: قارضتك على أَن يكون الرِّبْح كُله لَك
فَهَل يكون قراضا فَاسِدا أَو صَحِيحا فِيهِ وَجْهَان
أصَحهمَا الأول
وَلَو قَالَ: على كُله لي
فَهَل يكون قراضا فَاسِدا أَو إبضاعا فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَان
وَأَن يكون الرِّبْح بَينهمَا مَعْلُوما بالجزئية
فَلَو قَالَ: على أَن لَك فِيهِ شركَة أَو نَصِيبا فسد العقد
وَلَو قَالَ: على أَنه بَيْننَا
وَصَحَّ وَيَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الرِّبْح مُنَاصَفَة
وَلَو قَالَ: على أَن النّصْف لي وَسكت عَن جَانب الْعَامِل لم يَصح
وَلَو عكس وَقَالَ: على أَن النّصْف من الرِّبْح لَك صَحَّ
وَلَو شَرط لنَفسِهِ عشرَة أَو مائَة
أَو شَرط الِاخْتِصَاص بِعشْرَة أَو مائَة مثلا
فسد الْقَرَاض
وَلَا بُد فِي الْقَرَاض من الْإِيجَاب وَالْقَبُول
وَقيل: لَو قَالَ: خُذ هَذِه الدَّرَاهِم واتجر فِيهَا على أَن الرِّبْح بَيْننَا
فَأخذ اسْتغنى عَن الْقبُول
وَيجوز أَن يقارض اثْنَان وَاحِدًا وَوَاحِد اثْنَيْنِ
وَلَا يجوز لِلْعَامِلِ أَن يقارض بِغَيْر إِذن رب المَال وَإِذا فسد الْقَرَاض نفذت تَصَرُّفَات الْعَامِل
وَكَانَ جَمِيع الرِّبْح لرب المَال
وَعَلِيهِ أُجْرَة مثل الْعَمَل لِلْعَامِلِ
وعَلى الْعَامِل أَن يتَصَرَّف بالغبطة وَلَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِالْغبنِ وَلَا نَسِيئَة من غير إِذن
وَله الرَّد بِالْعَيْبِ إِن كَانَت الْغِبْطَة فِي الرَّد
وَلَا يُعَامل الْعَامِل الْمَالِك
وَلَا يَشْتَرِي بِمَال الْقَرَاض بِأَكْثَرَ من رَأس المَال وَلَا من يعْتق على الْمَالِك بِغَيْر إِذْنه
وَكَذَا لَو اشْترى زَوجته وَلَو فعل لم يَقع عَن الْمَالِك وَيَقَع عَن الْعَامِل إِذا اشْترى فِي الذِّمَّة وَلَا يُسَافر بِمَال الْقَرَاض إِلَّا بِإِذن
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
: اتّفق الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى على جَوَاز الْمُضَاربَة
وَهِي (الْقَرَاض) بلغَة أهل الْمَدِينَة وَهُوَ أَن يدْفع إِنْسَان إِلَى إِنْسَان مَالا ليتجر فِيهِ وَالرِّبْح مُشْتَرك
فَلَو أعطَاهُ سلْعَة
وَقَالَ لَهُ: بعها وَاجعَل ثمنهَا قراضا
فَهَذَا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: قِرَاض فَاسد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ قِرَاض صَحِيح
стр. 193
وَاخْتلفُوا فِي الْقَرَاض بالفلوس
فَمَنعه الْأَئِمَّة
وَأَجَازَهُ أَشهب وَأَبُو يُوسُف إِذا راجت
وَالْعَامِل إِذا أَخذ مَال الْقَرَاض بِبَيِّنَة لم يبرأ مِنْهُ عِنْد الْإِنْكَار إِلَّا بِبَيِّنَة
وَقَالَ أهل الْعرَاق: يقبل قَوْله مَعَ يَمِينه
وَإِذا دفع إِلَى الْعَامِل مَاله قراضا فَاشْترى الْعَامِل مِنْهُ سلْعَة ثمَّ هلك المَال قبل دَفعه إِلَى البَائِع
فَلَيْسَ على الْمُقَارض عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد شَيْء
والسلعة لِلْعَامِلِ
وَعَلِيهِ ثمنهَا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يرجع بذلك على رب المَال
فصل: وَلَا يجوز الْقَرَاض إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة
لَا يفسخها قبلهَا وَلَا على أَنه إِذا انْتَهَت الْمدَّة يكون مَمْنُوعًا من البيع وَالشِّرَاء عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز ذَلِك
وَإِذا شَرط رب المَال على الْعَامِل: أَن لَا يَشْتَرِي إِلَّا من فلَان
كَانَ الْقَرَاض فَاسِدا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يَصح
وَإِذا عمل الْمُقَارض بعد فَسَاد الْقَرَاض فَحصل فِي المَال ربح: كَانَ لِلْعَامِلِ أُجْرَة مثل عمله عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ
وَالرِّبْح لرب المَال وَالنُّقْصَان عَلَيْهِ
وَاخْتلف قَول مَالك
فَقَالَ: يرد إِلَى قِرَاض مثله
وَإِن كَانَ فِيهِ شَيْء لم يكن لَهُ شَيْء
وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب: وَيحْتَمل أَن يكون لَهُ قِرَاض مثله وَإِن كَانَ فِيهِ بعض شَيْء
وَنقل عَنهُ: أَن لَهُ أُجْرَة مثله كمذهب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة
فصل: وَإِذا سَافر الْعَامِل بِالْمَالِ فنفقته من مَال الْقَرَاض
عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك
وَقَالَ أَحْمد: من مَال نَفسه حَتَّى فِي ركُوبه
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
أظهرهمَا: أَن نَفَقَته من مَال نَفسه وَمن أَخذ قراضا على أَن جَمِيع الرِّبْح لَهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِز عِنْد مَالك
وَقَالَ أهل الْعرَاق: يصير المَال قرضا عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي: لِلْعَامِلِ أُجْرَة مثله وَالرِّبْح لرب المَال
وعامل الْقَرَاض يملك الرِّبْح بِالْقِسْمَةِ لَا بالظهور على أصح قولي الشَّافِعِي
وَهُوَ قَول مَالك
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يملك بالظهور وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اشْترى رب المَال شَيْئا من الْمُضَاربَة فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يَصح
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَصح وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عِنْد أَحْمد
وَلَو ادّعى الْمضَارب أَن رب المَال أذن لَهُ فِي البيع وَالشِّرَاء نَقْدا ونسيئة وَقَالَ رب المَال: مَا أَذِنت لَك إِلَّا بِالنَّقْدِ
قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: القَوْل قَول الْمضَارب مَعَ يَمِينه وَقَالَ الشَّافِعِي: القَوْل قَول رب المَال مَعَ يَمِينه
وَالْمُضَارب لرجل إِذا ضَارب لآخر فربح
قَالَ أَحْمد وَحده: لَا يجوز لَهُ الْمُضَاربَة فَإِن فعل وَربح رد الرِّبْح إِلَى الأول
стр. 194
المصطلح: وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ من الصُّور
وَلها عمد: وَهِي ذكر رب المَال والمدفوع إِلَيْهِ وأسمائهما وأنسابهما وَأَن لَا يشْتَرط فِيهَا مُدَّة مَعْلُومَة وَذكر المَال ومبلغه من الذَّهَب أَو الْفضة وَذكر تِجَارَة الْعَامِل بِهِ فِي أَصْنَاف التِّجَارَات على مَا يُطلقهُ لَهُ رب المَال نَقْدا أَو نَسِيئَة وَذكر الْأَجْزَاء الْمَشْرُوطَة بَينهمَا فِيمَا رزق الله تَعَالَى من الرِّبْح
وَصِحَّة الْعقل وَالْبدن
وَجَوَاز الْأَمر
وَمَعْرِفَة الش بهما والتاريخ
وَأما الصُّور: فَهِيَ على أَنْوَاع مِنْهَا: صُورَة قِرَاض مُتَّفق عَلَيْهِ: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَو أقرّ فلَان أَنه قبض وتسلم من فلَان من الذَّهَب كَذَا وَكَذَا دِينَارا أَو من الْفضة كَذَا وَكَذَا درهما قبضا شَرْعِيًّا
وَصَارَ ذَلِك إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ وحوزه على سَبِيل الْقَرَاض الشَّرْعِيّ الْجَائِز بَين الْمُسلمين
أذن الدَّافِع الْمَذْكُور للقابض الْمَذْكُور أَن يبْتَاع بذلك مَا شَاءَ من أَصْنَاف البضائع وأنواع المتاجر وَأَن يُسَافر بذلك إِلَى حَيْثُ شَاءَ من الْبِلَاد شرقا وغربا وَبرا وبحرا عذبا وملحا صُحْبَة الرفاق والقفول فِي الطّرق المسلوكة المأمونة وَيبِيع ذَلِك كَيفَ شَاءَ بِالنَّقْدِ والنسيئة أَو بِأَحَدِهِمَا ويتصرف فِي ذَلِك بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْأَخْذ وَالعطَاء وَسَائِر التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة على الْوَجْه الشَّرْعِيّ ويتعوض بِهِ وَبِمَا شَاءَ مِنْهُ مَا شَاءَ من أَنْوَاع التِّجَارَات وأصناف البضائع على إِطْلَاقهَا وتباين أَنْوَاعهَا وأجناسها ويدير ذَلِك فِي يَده مرّة بعد أُخْرَى وَحَالا بعد حَال
بِمَا فِيهِ الْحَظ والمصلحة وَالْغِبْطَة عَاملا فِي ذَلِك كُله بتقوى الله تَعَالَى وطاعته وخشيته ومراقبته فِي سره وعلانيته وَمهما رزق الله تَعَالَى فِي ذَلِك من ربح
ويسره من فَائِدَة بعد إِخْرَاج الْمُؤَن والكلف وَالْأَجْر وتعديل رَأس المَال الْمَذْكُور وإفرازه وَحقّ الله تَعَالَى إِن وَجب كَانَ بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ لَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر قراضا صَحِيحا شَرْعِيًّا مُشْتَمِلًا على الْإِيجَاب وَالْقَبُول والتسلم وَالتَّسْلِيم على الْوَجْه الشَّرْعِيّ
وَإِن صدر الْإِذْن من رب المَال فِي السّفر إِلَى بلد مَعْلُوم أَو نَص لَهُ على البيع بِالْعقدِ أَو بِالنَّسِيئَةِ أَو على أَن يجلس بحانوت بسوق معِين أَو غير ذَلِك
نَص عَلَيْهِ وَكتب مَا يَقع عَلَيْهِ اتِّفَاقهمَا مُبينًا إِن كَانَ اتِّفَاقًا جَائِزا شرعا
وَصُورَة الْقَرَاض بِلَفْظ الْمُضَاربَة: إِمَّا أَن يَقُول: ضَارب فلَان فلَانا على أَن يدْفع إِلَيْهِ من مَاله وصلب مَاله كَذَا وَكَذَا دِينَارا خَالِصا أَو كَذَا وَكَذَا درهما فضَّة جَيِّدَة خَالِصَة خَالِيَة من الْغِشّ
وَإِمَّا أَن يبْدَأ بِالْإِشْهَادِ أَو الْإِقْرَار بِالْقَبْضِ حَسْبَمَا تقدم وَأذن لَهُ أَن يفعل كَذَا وَكَذَا ويسوق الْكَلَام ويستوعب الشُّرُوط الْمُتَّفق عَلَيْهِ الْجَائِزَة شرعا إِلَى آخرهَا
ويكمل على نَحْو مَا تقدم شَرحه
стр. 195
وَإِن كَانَت الْمُضَاربَة بِدَرَاهِم مغشوشة والغش فِيهَا أقل من الثُّلُث: فَهُوَ جَائِز عِنْد الْحَنَفِيَّة فَيكْتب الصَّدْر ويكمل الْإِشْهَاد بالألفاظ الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك حَسْبَمَا تقدم وَيثبت كتاب الْمُضَاربَة عِنْد قَاض حَنَفِيّ
وَصُورَة إِذن الْمولى لعَبْدِهِ أَن يقارض: أقرّ فلَان الْمُسلم أَو النَّصْرَانِي أَو الْيَهُودِيّ الْبَالِغ وَيذكر حليته وجنسه ثمَّ يَقُول: مَمْلُوك فلَان الْحَاضِر مَعَه عِنْد شُهُوده الَّذِي أذن لَهُ فِي الْإِقْرَار بِمَا سَيَأْتِي ذكره فِيهِ إِذْنا شَرْعِيًّا إِقْرَار مثله وَلَا يُقَال فِي العَبْد: جَوَاز أمره وَإِنَّمَا يُقَال: جَوَاز إِقْرَار مثله وَأَنه قبض وتسلم من فلَان من الذَّهَب كَذَا
أَو من الْفضة كَذَا وَكَذَا قبضا شَرْعِيًّا
وَصَارَ ذَلِك بِيَدِهِ وحوزه ويكمل الْقَرَاض إِلَى آخِره على نَحْو مَا تقدم شَرحه
فَإِذا وصل إِلَى التَّارِيخ كتب قبل (سَيّده) وَأقر فلَان الْقَابِض الْمَذْكُور أَعْلَاهُ: أَنه مَمْلُوك لفُلَان الْمَذْكُور وَأَنه قبل الْإِذْن مِنْهُ فِي الْعَمَل فِي مَال الْقَرَاض الْمَشْرُوع أَعْلَاهُ على الْوَضع الْمُعْتَبر الْمعِين أَعْلَاهُ
وَصدقه المقار الْمَذْكُور على ذَلِك كُله تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا
وَوَقع الْإِشْهَاد على الْقَابِض ومولاه الْآذِن وَرب المَال بِمَا نسب إِلَى كل مِنْهُم أَعْلَاهُ فِي تَارِيخ كَذَا وَكَذَا
وَصُورَة المفاصلة فِي الْمُضَاربَة: أقرّ فلَان أَنه كَانَ من قبل تَارِيخه دفع إِلَى فلَان مَالا وَقدره كَذَا وَكَذَا على سَبِيل الْمُضَاربَة الشَّرْعِيَّة على أَن يَشْتَرِي بِهِ وَيبِيع فِيهِ وَيعْمل مَا يرَاهُ
واكتتب بذلك كتابا مؤرخا بَاطِنه بِكَذَا وَأَن فلَانا الْمَذْكُور اشْترى بِمَال الْمُضَاربَة مَا أمكنه شِرَاؤُهُ وَبَاعَ مَا أمكنه بَيْعه وَتصرف فِي ذَلِك تَصرفا شَرْعِيًّا وَأخذ وَأعْطى وأنهما تحاسبا بعد ذَلِك وَعرفا مَا رزق الله تَعَالَى فِي ذَلِك من نَمَاء ويسره من ربح وَفَائِدَة وتقاسماه بَينهمَا بعد أَن دفع فلَان إِلَى فلَان رَأس المَال الْمَذْكُور
فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا تَاما وافيا وتفاسخا مَا كَانَ بَينهمَا من هَذِه الْمُضَاربَة وأبطلاها وَلم يبْق لكل وَاحِد مِنْهُمَا قبل صَاحبه وَلَا عِنْده وَلَا فِي ذمَّته وَلَا فِي يَده حق وَلَا دَعْوَى وَلَا طلب وَلَا دين وَلَا عين وَلَا ورق وَلَا ربح وَلَا حق وَلَا بَقِيَّة من حق وَلَا يَمِين بِاللَّه تَعَالَى على ذَلِك وَلَا على شَيْء مِنْهُ وَلَا مُطَالبَة على أحد من خلق الله تَعَالَى بِسَبَب ذَلِك وَلَا شَيْء قل وَلَا جلّ لما مضى من سَائِر الزَّمَان إِلَى يَوْم تَارِيخه وتصادقا على ذَلِك كُله تَصَادقا شَرْعِيًّا
ويؤرخ
تَنْبِيه: من علل الْمُضَاربَة: أَن يكْتب إِلَى أجل مَعْلُوم لما فِيهِ من الضَّرَر الْعَائِد على رب المَال وَالْعَامِل أما لَو كَانَت مضيقة بتأقيت الشِّرَاء جَازَ
فَإِنَّهُ عقد جَائِز
فَلهُ أَن يمنعهُ من ذَلِك مَتى شَاءَ
وَيجوز لوَلِيّ الطِّفْل وَالْمَجْنُون أَن يقارض بمالهما سَوَاء فِيهِ الْأَب وَالْجد وَالْوَصِيّ وَالْحكم وأمينه
انْتهى
стр. 196
تَنْبِيه آخر: إِذا كَانَ الْقَرَاض بيد جمَاعَة فَلَا يَصح أَن يتكافلوا فِي الذِّمَّة
وَلَا يجوز ضَمَان الدَّرك فِي مَال الْقَرَاض وَلَا ضَمَان الذِّمَّة بل يَصح ضَمَان الْوَجْه
لِأَن يَد الْعَامِل يَد أَمَانَة
فرع: إِذا قَالَ الْعَامِل: ربحت كَذَا ثمَّ قَالَ: خسرت بعده
قبل قَوْله
وَإِن قَالَ: غَلطت فِي الْحساب أَو كذبت من خوف الْفَسْخ لم يقبل خلافًا لمَالِك حَيْثُ يَقُول: لَو قَالَ: ربحت كَذَا ثمَّ قَالَ: كذبت من خوف الْفَسْخ ينظر
فَإِن كَانَ هُنَاكَ موسم يتَوَقَّع رواج الْمَتَاع فِيهِ قبل قَوْله وَإِلَّا فَلَا
فَائِدَة: لَو أذن الْمَالِك لِلْعَامِلِ فِي الشِّرَاء سلما جَازَ
وَلَو أذن لَهُ فِي البيع سلما لم يجز
وَالْفرق: وجود الْخط طَالبا فِي الشِّرَاء وَعَدَمه فِي البيع وَالله أعلم
стр. 197
كتاب الْمُسَاقَاة والمزارعة
وَمَا يتَعَلَّق بهما من الْأَحْكَام
الأَصْل فِي الْمُسَاقَاة: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: (افْتتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر على أَن لَهُ الأَرْض وكل صفراء وبيضاء يَعْنِي: الذَّهَب وَالْفِضَّة فَقَالُوا: نَحن أعلم بِالْأَرْضِ مِنْكُم فأعطونا على أَن لنا النّصْف وَلكم النّصْف فَأَعْطَاهُمْ
فَلَمَّا كَانَ وَقت الثَّمَرَة بعث إِلَيْهِم عبد الله بن رَوَاحَة ليحزر الثَّمَرَة
فحزرها عَلَيْهِم
فَقَالُوا: يَا ابْن رَوَاحَة أكثرت علينا
فَقَالَ: إِن شِئْتُم فلكم وضمنتم نصيب الْمُسلمين وَإِن شِئْتُم فلي وأضمن لكم نصيبكم
فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْحق
وَبِه قَامَت السَّمَاوَات) وَرُوِيَ (أَن عبد الله بن رَوَاحَة خرص عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ ألف وسق
فَكَانَ لرَسُول الله ﷺ عشرُون ألفا
وَلَهُم عشرُون ألفا) وروى ابْن عمر (أَن النَّبِي ﷺ ساقى أهل خَيْبَر على تِلْكَ الْأُصُول بالشطر)
وَالْمُسَاقَاة: أَن يُعَامل إنْسَانا على أَشجَار ليتعهدها بالسقي والتربية على أَن ثمارها تكون بَينهمَا
وَاللَّفْظ مَأْخُوذ من السَّقْي
وَإِن كَانَ مَشْرُوطًا على الْعَامِل أعمالا كَثِيرَة لِأَن السَّقْي أشق الْأَعْمَال وأكثرها نفعا
وَهِي خَاصَّة بالحجاز لِأَن أَهلهَا يسقون من الْآبَار
فَكَانَ الْمَالِك وَالْعَامِل يتعاونان على السَّقْي
وَقيل: الْمُسَاقَاة من نوب المَاء بَين الْقَوْم
فَيكون لبَعْضهِم فِي وَقت ولآخرين فِي وَقت
وَتجوز الْمُسَاقَاة من جَائِز التَّصَرُّف لنَفسِهِ وللصبي وَالْمَجْنُون بِالْولَايَةِ
وموردها: الْكَرم والنخيل
وَلَا ترد على مَا لَا يُثمر من الْأَشْجَار وَمَا ينْبت وَلَا سَاق لَهُ بِحَال
وَلَا تصح المخابرة وَهِي الْمُعَامَلَة على الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا وَالْبذْر من الْعَامِل وَلَا الْمُزَارعَة
وَهِي هَذِه الْمُعَامَلَة وَالْبذْر من الْمَالِك
نعم لَو كَانَ بَين النخيل بَيَاض يجوز الْمُزَارعَة عَلَيْهِ تبعا للمساقاة على النخيل وعسر إِفْرَاد النخيل بالسقي وَالْبَيَاض بالمزارعة
وَكَذَا يشْتَرط أَن يفصل بَينهمَا وَأَن لَا يقدم الْمُزَارعَة على الْمُسَاقَاة فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَأَصَح
стр. 198
الْوَجْهَيْنِ: أَنه لَا فرق بَين أَن يكثر الْبيَاض أَو يقل وَأَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي الْجُزْء الْمَشْرُوط من الثَّمر وَالزَّرْع
وَلَا يجوز أَن يخابر تبعا للمساقاة
وَإِذا أفردت الأَرْض بالزراعة كَانَ الرّيع للْمَالِك وَعَلِيهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَة مثل عمله وثيرانه وآلاته
وَالطَّرِيق فِي أَن يصير الرّيع بَينهمَا وَلَا تلْزم أجرته: أَن يسْتَأْجر الْعَامِل بِنصْف الْبذر ليزرع لَهُ نصف الأَرْض ويعيره النّصْف الآخر أَو يستأجره بِنصْف الْبذر وَنصف مَنْفَعَة الأَرْض ليزرع لَهُ النّصْف الآخر من الْبذر فِي النّصْف الآخر من الأَرْض
وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي كتاب الْإِجَارَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَيشْتَرط تَخْصِيص الثِّمَار بالمتساقيين
وتشريكهما فِيهَا وَالْعلم بالنصيبين بالجزئية كَمَا فِي الْقَرَاض وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا تصح الْمُسَاقَاة بعد ظُهُور الثِّمَار وَلَكِن قبل بَدو الصّلاح
وَلَو ساقاه على ودي ليغرسه وَيكون بَينهمَا لم يجز
وَإِن كَانَ مغروسا وَشرط لَهُ جُزْءا من الثَّمَرَة
فَإِن قدر العقد بِمدَّة يُثمر فِيهَا غَالِبا صَحَّ العقد
وَإِن قدره بِمدَّة لَا يُثمر فِيهَا مثله لم يَصح
وَلَا يشْتَرط على الْعَامِل مَا لَيْسَ من جنس أَعمال الْمُسَاقَاة وَيعرف الْعَمَل بِتَقْدِير الْمدَّة من سنة أَو أَكثر
وَلَا يجوز التَّوْقِيت بِإِدْرَاك الثِّمَار
وَصِيغَة العقد أَن يَقُول: ساقيتك على هَذَا النّخل بِكَذَا
وَمَعْنَاهُ سلمتها إِلَيْك لتتعهدها
وَيشْتَرط فِيهِ الْقبُول وَلَا يشْتَرط تَفْصِيل الْأَعْمَال
وَيحمل الْمُطلق فِي كل نَاحيَة على الْعرف الْغَالِب
وعَلى الْعَامِل كل عمل يحْتَاج إِلَيْهِ إصْلَاح الثِّمَار واستزادتها وتكررها فِي كل سنة
كالسقي وَمَا يتبعهُ من تنقية النَّهر وَإِصْلَاح الأجاجين الَّتِي يثبت فِيهَا المَاء
وكالتلقيح وتنحية الْحَشِيش والقضبان الْمضرَّة وتعريش الكروم حَيْثُ جرت الْعَادة بِهِ وَحفظ الثِّمَار وجدادها وتجفيفها
وَمَا يقْصد بِهِ حفظ الْأُصُول وَلَا يتَكَرَّر كل سنة
فَهُوَ من وَظِيفَة الْمَالِك
كبناء الْحِيطَان
وحفر الْأَنْهَار الجديدة
وَالْمُسَاقَاة لَازِمَة
فَلَو هرب الْعَامِل قبل تَمام الْعَمَل
وأتمه الْمَالِك مُتَبَرعا بَقِي اسْتِحْقَاق الْعَامِل فِي الثَّمَرَة تَاما وَإِلَّا اسْتَأْجر الْحَاكِم عَلَيْهِ من يتم الْعَمَل
فَإِن لم يقدر على مُرَاجعَة الْحَاكِم فليشهد على الْإِنْفَاق إِن أَرَادَ الرُّجُوع
وَإِن مَاتَ الْعَامِل وَخلف تَرِكَة أتم الْوَارِث الْعَمَل مِنْهَا
وَإِن قَالَ الْوَارِث: أَنا أتم الْعَمَل بنفسي أَو أستأجر من مَالِي
فعلى الْمَالِك تَمْكِينه
وَإِذا ثَبت خِيَانَة الْعَامِل اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ من مَاله من يعْمل
وَإِن أمكن الْحِفْظ بمشرف اقْتصر عَلَيْهِ
وَإِذا خرجت الثِّمَار مُسْتَحقَّة رَجَعَ الْعَامِل على الَّذِي ساقاه بِأُجْرَة الْمثل
стр. 199
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب: اتّفق فُقَهَاء الْأَمْصَار من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمذَاهب على جَوَاز الْمُسَاقَاة
وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى بُطْلَانهَا وَلم يذهب إِلَى ذَلِك أحد غَيره
وَتجوز الْمُسَاقَاة على سَائِر الْأَشْجَار المثمرة كالنخل وَالْعِنَب والتين والجوز
وَغير ذَلِك عِنْد مَالك وَأحمد وَهُوَ الْقَدِيم من مَذْهَب الشَّافِعِي
وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابه
وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
والجديد الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي: أَنه لَا تجوز إِلَّا فِي النّخل وَالْعِنَب
وَقَالَ دَاوُد: لَا تجوز إِلَّا فِي النّخل خَاصَّة
فصل: وَإِذا كَانَ بَين النخيل بَيَاض
وَإِن كثر صحت الْمُزَارعَة عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاة على النّخل عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد بِشَرْط اتِّحَاد الْعَامِل وعسر إِفْرَاد النّخل بالسقي وَالْبَيَاض بالعمارة
وبشرط أَن لَا يفصل بَينهمَا وَأَن لَا تقدم الْمُزَارعَة بل تكون تبعا للمساقاة
وَأَجَازَ مَالك: دُخُول الْبيَاض الْيَسِير بَين الشّجر فِي غير الْمُسَاقَاة من غير اشْتِرَاط
وَجوزهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على أَصلهمَا فِي جَوَاز المخابرة فِي كل أَرض
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بِالْمَنْعِ هُنَا كَمَا قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَاز فِي الأَرْض المنفردة
فصل: وَلَا تجوز المخابرة
وَهِي عمل الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا وَالْبذْر من الْعَامِل بالِاتِّفَاقِ
وَلَا الْمُزَارعَة وَهِي أَن يكون الْبذر من مَالك الأَرْض عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَهُوَ الْجَدِيد الصَّحِيح من قولي الشَّافِعِي
وَالْقَدِيم من قوليه وَاخْتَارَهُ أَعْلَام الْمَذْهَب
وَهُوَ الْمُرَجح
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الْمُخْتَار الرَّاجِح فِي الدَّلِيل صِحَّتهَا
وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَطَرِيق جعل الْغلَّة لَهما وَلَا أُجْرَة: أَن يستأجره بِنصْف الْبذر ليزرع لَهُ النّصْف الآخر
ويعيره نصف الأَرْض وَقد تقدم ذكر ذَلِك فِي الحكم
فصل: وَإِذا ساقاه على ثَمَرَة مَوْجُودَة وَلم يبد صَلَاحهَا
: جَازَ عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَسَحْنُون على كل ثَمَرَة مَوْجُودَة من غير تَفْصِيل
وَإِذا اخْتلفَا فِي الْجُزْء الْمَشْرُوط تحَالفا عِنْد الشَّافِعِي وينفسخ العقد
وَيكون لِلْعَامِلِ أُجْرَة مثله فِيمَا عمل بِنَاء على أَصله فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين وَمذهب الْجَمَاعَة: أَن القَوْل قَول الْعَامِل مَعَ يَمِينه
انْتهى
المصطلح: وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ من الصُّور
وَلها عمد
وَهِي ذكر المساقي والمساقى وأسمائهما وأنسابهما
وَذكر النّخل وَالْعِنَب
وَلَا يُقَال: الْكَرم لِأَن النَّبِي ﷺ (نهى عَن
стр. 200
تَسْمِيَة الْعِنَب كرما) وموضعهما وتحديدهما
وَمُدَّة الْمُسَاقَاة وَعمل الْعَامِل فيهمَا على مَا يَصح
وَيجوز ذكر الْأَجْزَاء من التَّمْر أَو الْعِنَب على مَا يتفقان عَلَيْهِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا والتسلم وَالتَّسْلِيم والرؤية وَالْإِشْهَاد والتاريخ
وَصُورَة مَا إِذا كتب الْمُسَاقَاة فِي ذيل الْإِجَارَة: وساقى الْمُؤَجّر الْمَذْكُور الْمُسْتَأْجر الْمَذْكُور على مَا فِي الْمَأْجُور الْمَذْكُور من الْأَشْجَار المثمرة مُدَّة الْإِجَارَة على أَن يعْمل لَهُ فِي ذَلِك حق الْعَمَل بِنَفسِهِ أَو بِمن يقوم مقَامه فِي ذَلِك
وَمهما فتح الله تَعَالَى من ثَمَر كَانَ للمؤجر الْمَذْكُور بِحَق عمله فِي ذَلِك كَذَا وَكَذَا سَهْما وَكَانَ لرب الأَرْض من ذَلِك بِحَق ملكه كَذَا وَكَذَا سَهْما أَو يَقُول: كَانَ مقسوما على كَذَا وَكَذَا سَهْما مَا هُوَ للمؤجر بِحَق ملكه كَذَا وَكَذَا
وَمَا هُوَ للْمُسْتَأْجر بِحَق عمله كَذَا وَكَذَا مُسَاقَاة صَحِيحَة شَرْعِيَّة لَازِمَة
وَسلم إِلَيْهِ ذَلِك
فتسلمه مِنْهُ بِعقد هَذِه الْمُسَاقَاة تسلما شَرْعِيًّا
ويكمل بالتاريخ
وَصُورَة مَا إِذا كتب الْمُسَاقَاة مُفْردَة عَن كتاب الْإِجَارَة: ساقى فلَان فلَانا أَو أقرّ فلَان أَنه ساقى فلَانا أَو أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه ساقى فلَانا على مَا بِيَدِهِ من الْكَرم والنحل أَو على الْأَشْجَار النّخل وَالرُّمَّان والتين وَالزَّيْتُون وَالْعِنَب وَغير ذَلِك النابتة فِي أَرَاضِي الْبُسْتَان الْفُلَانِيّ الْجَارِي فِي ملك المساقي الْمَذْكُور
وَبِيَدِهِ وتصرفه يذكرهُ ويصفه ويحدده وَإِن أمكن ذكر مساحته ذكرهَا وَمَا يُحِيط بِهِ من السياج الدائر عَلَيْهِ ويغلق عَلَيْهِ بَاب خَاص وشربه من ساقية كَذَا مُسَاقَاة صَحِيحَة شَرْعِيَّة جَائِزَة نَافِذَة مُدَّة سنة كَامِلَة من تَارِيخه أَو أَكثر مَا يتفقان عَلَيْهِ على أَن الْعَامِل الْمَذْكُور يتَوَلَّى الْقيام بِسَائِر مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْأَشْجَار المساقى عَلَيْهَا الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ من سقِِي وتنظيف الأَرْض من الْحَشِيش والعيدان وَإِصْلَاح الأجاجين وتنحية مَا يضر بالأشجار وتأبير النّخل وجداده وزبر الْكَرم وَإِقَامَة عرائشه وَحفظه وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِنَفسِهِ وبمن يَسْتَعِين بِهِ من أَجْزَائِهِ وعوامله وأبقاره وعدده وآلاته الْمعدة لمثل ذَلِك وَمهما أطلعه الله فِي ذَلِك ورزقه من ثَمَرَة كَانَ مقسوما على ثَلَاثَة أَقسَام: للْمَالِك بِحَق ملكه قِسْمَانِ وللعامل بِحَق عمله قسم وَاحِد أَو يَقُول: كَانَ مقسوما على ألف جُزْء لفُلَان المبدأ بِذكرِهِ بِحَق ملكه جُزْء وَاحِد وَلفُلَان الْمثنى بِذكرِهِ بِحَق عمله بَقِيَّة الْأَجْزَاء الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج الْمُؤَن والكلف وَالْأَجْر وَحقّ الله تَعَالَى إِن وَجب
تعاقدا على ذَلِك معاقدة صَحِيحَة شَرْعِيَّة مُشْتَمِلَة على الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَسلم الْمَالِك إِلَى الْعَامِل جَمِيع الْبُسْتَان الْمَذْكُور بِعقد هَذِه الْمُسَاقَاة الْجَائِزَة بَينهمَا على الحكم المشروح أَعْلَاهُ
فتسلمه مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا بعد الرُّؤْيَة والمعرفة والإحاطة بذلك علما وخبرة نَافِيَة للْجَهَالَة
رَضِيا بذلك واتفقا عَلَيْهِ
ويكمل
стр. 201
وَصُورَة الْمُسَاقَاة على سَائِر الْأَشْجَار الْمُخْتَلفَة الثِّمَار على مَذْهَب مَالك وَأحمد وَأحد قولي الشَّافِعِي خلافًا لأبي حنيفَة: ساقى فلَان فلَانا البستاني على جَمِيع الْأَشْجَار الْمُخْتَلفَة الثِّمَار الْقَائِمَة بأراضي الْبُسْتَان الْفُلَانِيّ الْمَعْرُوف ببستان كَذَا الرَّاكِب على نهر كَذَا
وَله حق شرب من النَّهر الْمَذْكُور مَعْلُوم وَهُوَ يَوْم الثُّلَاثَاء وَلَيْلَة الْأَرْبَعَاء من كل أُسْبُوع مثلا أَو يكون سقيه بالسواقي والعوامل فيذكر ذَلِك
ويصف الْبُسْتَان وَيذكر اشتمالاته وأنواع فواكهه وأشجاره وَصفا تَاما ويحدده ثمَّ يَقُول: مُسَاقَاة صَحِيحَة شَرْعِيَّة جَائِزَة لَازِمَة مُدَّة سنة كَامِلَة من تَارِيخه أَو أقل أَو أَكثر على أَن الْعَامِل الْمَذْكُور يتَوَلَّى سقِِي الْأَشْجَار الْمَذْكُورَة والحرث حول أُصُولهَا وتنظيف الأَرْض من الْحَشِيش والعيدان وتنحية مَا يَضرهَا
وَوضع الشواميك تَحت غصونها عِنْد تعذر حمل ثمارها وَأَن يحفظ ثمارها بِنَفسِهِ وَيعْمل فِي ذَلِك بأجرائه وعوامله وعدده وآلاته
وَمهما رزق الله تَعَالَى من ثَمَرَة فِي ذَلِك كَانَ مقسوما بَينهمَا على كَذَا وَكَذَا سَهْما للْمَالِك من ذَلِك بِحَق ملكه كَذَا
وللعامل بِحَق عمله كَذَا
وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج الْمُؤَن والكلف وَالْأَجْر
وَحقّ الله تَعَالَى إِن وَجب
ويكمل بِذكر المعاقدة والتسلم وَالتَّسْلِيم والرؤية والاتفاق والتراضي على نَحْو مَا تقدم شَرحه
تَنْبِيه: هَذِه الْمُسَاقَاة مَقْصُودَة فِي الْأَشْجَار الَّتِي لَيْسَ تحتهَا أَرض مكشوفة قَليلَة وَلَا كَثِيرَة
وَإِنَّمَا الْأَشْجَار مغطية لجَمِيع الأَرْض
فَأَما إِذا كَانَ بَين الْأَشْجَار أَرض بَيَاض مكشوفة قَليلَة أَو كَثِيرَة
فَإِنَّهُ تجوز الْمُزَارعَة عَلَيْهَا مَعَ الْمُسَاقَاة فِي عقد وَاحِد وَيكون لِلْعَامِلِ جُزْء من الثَّمَرَة وجزء مِمَّا يخرج من الأَرْض
وَذَلِكَ مَذْهَب أَحْمد وَحده وَمذهب أبي يُوسُف خلافًا للباقين
وَأَن يكون الْبذر من صَاحب الأَرْض لَا يرجع ببذره
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يخرج الْبذر أَولا من وسط الْغلَّة وَيقسم الْبَاقِي بَينهمَا بالجزئية الَّتِي اشترطاها
سَوَاء كَانَ الْبذر لِلْعَامِلِ أَو لَهما
وَصُورَة الْمُسَاقَاة والمزارعة على أَشجَار بَينهمَا أَرض بَيَاض وَالْبذْر من الْمَالِك يخرج أَولا وَيقسم الْبَاقِي بَينهمَا: ساقى فلَان فلَانا على جَمِيع الْأَشْجَار الْمُخْتَلفَة الثِّمَار الْقَائِمَة أُصُولهَا بأراضي الْبُسْتَان الْفُلَانِيّ الْمَعْرُوف بِكَذَا ويوصف ويحدد وزارعه على الْأَرَاضِي الْبيَاض الْكَشْف الَّتِي بَين الْأَشْجَار الْمَذْكُورَة مُسَاقَاة ومزارعة صحيحتين شرعيتين جائزتين شرعا على أَن فلَانا يعْمل فِي ذَلِك حق الْعَمَل الْمُعْتَاد فِي مثل ذَلِك ويتعاهد أشجاره بالسقي على عَادَته ويقطف ثماره وَيقوم بمصالحه وإزاحة أعذاره وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأَن يبذر الأَرْض الْبيَاض الَّتِي بِهِ بِمَا يحضرهُ لَهُ الْمَالِك من الْبذر ويغلقها بالزراعة بعد الْحَرْث والسواد وَغير ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ الزراع فِي مثل ذَلِك بِنَفسِهِ وبمن يَسْتَعِين بِهِ من أجرائه وعوامله وثيرانه وعدده وآلاته
فَإِذا بدا الصّلاح فِي الثَّمَرَة
стр. 202
وَجَاز بيعهَا ودرست الْغلَّة وَصَارَت حبا صافيا وَبَلغت الخضراوات المزروعة بِالْأَرْضِ الْمَذْكُورَة فطاب أكلهَا: كَانَ ذَلِك بَينهمَا على ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَان للْمَالِك بِحَق ملكه وَسَهْم لِلْعَامِلِ بِحَق عمله
وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج مَا يجب إِخْرَاجه من الْمُؤَن والكلف وَالْأَجْر وَالْبذْر
وَحقّ الله تَعَالَى إِن وَجب
ويكمل على نَحْو مَا تقدم شَرحه
وَإِن اتفقَا على ترك الْبذر وَعدم إِخْرَاجه من الْوسط
فقد وَافق مَذْهَب مُحَمَّد أَيْضا
تَنْبِيه: قد منع الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى جَوَاز الْمُسَاقَاة إِلَّا على وَجه وَاحِد وَهُوَ أَن يكون النّخل كثيرا وَالْبَيَاض يَسِيرا
وَجوز مَالك الْمُزَارعَة تبعا للمساقاة على الأَرْض الَّتِي بَين النخيل قَليلَة كَانَت أَو كَثِيرَة تبعا لِلْأُصُولِ
وَفِي الْمُسَاقَاة على الليف وَالسَّعَف والكرنوف خلاف
فَإِن كَانَت تعد من الثَّمَرَة جَازَ
وَإِلَّا فَلَا
وَصُورَة مَا إِذا أجره الأَرْض وساقاه على مَا فِيهَا من نخل أَو عِنَب أَو شجر: اسْتَأْجر فلَان من فلَان جَمِيع بَيَاض الأَرْض الْفُلَانِيَّة ويصفها ويحددها وَيَقُول: خلا مَوَاضِع النّخل وَالشَّجر ومغارسها من الأَرْض المحدودة الموصوفة أَعْلَاهُ أَو يَقُول: خلا منابت الْأَشْجَار النابتة فِي الأَرْض الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ وَمَا لذَلِك من طَرِيق شرب وَحقّ من هَذِه الأَرْض الْمَذْكُورَة
فَإِن ذَلِك لم يدْخل وَلَا شَيْء مِنْهُ فِي عقد الْإِجَارَة إِجَارَة شَرْعِيَّة لمُدَّة كَذَا بِأُجْرَة مبلغها كَذَا وَيذكر قبضهَا أَو حلولها أَو تقسيطها ويكمل الْإِجَارَة بالمعاقدة والتسلم وَالتَّسْلِيم والرؤية
وَبعد ذكر التَّفَرُّق يَقُول: ثمَّ يعد تَمام ذَلِك ولزومه شرعا ساقى فلَان الْمُؤَجّر فلَانا الْمُسْتَأْجر أَو سَأَلَ فلَان الْمُسْتَأْجر فلَانا الْمُؤَجّر أَن يساقيه على مَا فِي الأَرْض الْمُؤجرَة المحدودة الموصوفة بأعاليه من نخل وَشَجر مُدَّة الْإِجَارَة الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ على أَن يسقى ذَلِك كُله ويؤبر مَا يحْتَاج مِنْهُ إِلَى التَّأْثِير ويلقحه وَيقطع الْحَشِيش وَالسَّعَف والأطراف الْمضرَّة بِهِ ويعمره وَيقوم بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لطول الْمدَّة الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ بِنَفسِهِ وبمن يَسْتَعِين بِهِ من أَجْزَائِهِ وعوامله وآلاته وعدده وَمهما رزق الله فِيهِ وَأَعْطَاهُ من ثَمَرَة كَانَ لفُلَان مِنْهَا بِحَق ملكه كَذَا وَلفُلَان بِحَق عمله ومساقاته كَذَا
وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج الْمُؤَن والكلف وَالْأَجْر وَحقّ الله تَعَالَى إِن وَجب
فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ وساقاه على ذَلِك وَرَضي بِمَا شَرطه لَهُ
وَسلم إِلَيْهِ جَمِيع مَا فِي الأَرْض الْمَذْكُورَة من نخل وَشَجر
فتسلمه مِنْهُ وَصَارَ بِيَدِهِ بِعقد الْمُسَاقَاة الْجَارِي بَينهمَا على ذَلِك بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول
وَضمن المساقي الْمَذْكُور الْقيام بِمَا ساقاه عَلَيْهِ على مَا يُوجِبهُ شَرط الْمُسَاقَاة الشَّرْعِيَّة الْجَائِزَة شرعا
وَذَلِكَ بعد الرُّؤْيَة والمعرفة عِنْد عقد الْإِجَارَة وَقَبله
ويؤرخ
وَصُورَة إِجَارَة ومساقاة أُخْرَى: اسْتَأْجر فلَان من فلَان جَمِيع بَيَاض أَرض الْبُسْتَان الشّجر السَّقْي الْمَعْرُوف بِكَذَا ويوصف ويحدد بحقوقها كلهَا وحدودها وبئرها الكائنة
стр. 203
بهَا
والساقية الْخشب المركبة على فوهتها وَمَا يعرف بهَا وينسب إِلَيْهَا خلا مغارس الْأُصُول النابتة فِي الأَرْض الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا خَارِجَة عَن عقد هَذِه الْإِجَارَة إِجَارَة شَرْعِيَّة لينْتَفع الْمُسْتَأْجر الْمَذْكُور بذلك الِانْتِفَاع الشَّرْعِيّ بالزراعات الصيفية والشتوية غير الْمضرَّة بالأشجار النابتة فِي الْمَأْجُور مُدَّة كَذَا بِأُجْرَة مبلغها كَذَا
وَسلم إِلَيْهِ مَا أجره إِيَّاه
فتسلم ذَلِك مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا بعد النّظر والمعرفة وَالْمُعَاقَدَة الشَّرْعِيَّة وَسلم إِلَيْهِ الْأُصُول الْقَائِمَة فِي الأَرْض الْمُؤجرَة المحدودة الموصوفة بأعاليه
فتسلمها مِنْهُ على سَبِيل الْمُسَاقَاة الشَّرْعِيَّة الْجَائِزَة شرعا المنعقدة بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول على أَن هَذَا المساقي الَّذِي هُوَ الْمُسْتَأْجر يتَوَلَّى تكريم أُصُولهَا وتقليم نخلها وتأبيرها وتلقيحها وسقيها بِالْمَاءِ والتحويط عَلَيْهَا
وتنقية مَا حولهَا من النباتات الْمضرَّة بهَا وَأَن يفعل مَا يَفْعَله المساقون فِيهَا على الْعَادة فِي مثلهَا لطول مُدَّة الْإِجَارَة الْمعينَة أَعْلَاهُ بِنَفسِهِ وبمن يَسْتَعِين بِهِ من أجرائه وعوامله وعدده وآلاته
وَمهما فتح الله فِي ذَلِك عِنْد إِدْرَاك غلاتها فللمساقي الْمَالِك سهم وَاحِد من جملَة ألف سهم بِحَق ملكه وللمستأجر المساقي تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ جُزْءا بِحَق عمله حَسْبَمَا اتفقَا وتراضيا على ذَلِك
وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج مَا يجب إِخْرَاجه شرعا
واعترف كل مِنْهُمَا بِمَعْرِِفَة مَا تعاقد عَلَيْهِ ونظرهما لَهُ وخبرتهما بِهِ الْخِبْرَة النافية للْجَهَالَة
ويؤرخ
تَنْبِيه: من أَرَادَ الِاحْتِيَاط فِي الْمُسَاقَاة وَالْخُرُوج مِمَّا جرى فِيهِ الْخلاف بَين الْعلمَاء فليذكر فِي آخر العقد: أَن الْمُتَعَاقدين تَصَادقا على أَن العقد الْجَارِي بَينهمَا فِي ذَلِك حكم بِهِ حَاكم شَرْعِي يرى صِحَّته وَيَقُول: وأنهما رفعا ذَلِك إِلَى حَاكم شَرْعِي نظر فِيهِ
فَرَآهُ صَحِيحا على مُقْتَضى قَاعِدَة مذْهبه الشريف
وَأَنه حكم بِصِحَّتِهِ وأمضاه
وَأَجَازَهُ وارتضاه وألزم الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ حكما شَرْعِيًّا
وَيكون الِاحْتِرَاز بِذكر حكم الْحَاكِم لأجل اخْتِلَاف النَّاس فِي عقد الْمُسَاقَاة
وَقد تقدم بَيَانه
ضَابِط: الْعَمَل فِي الْمُسَاقَاة على ضَرْبَيْنِ: عمل يعود نَفعه على الثَّمَرَة
فَهُوَ على الْعَامِل وَعمل يعود نَفعه على الأَرْض فَهُوَ رب المَال
وَلَا بُد أَن تكون الْمُسَاقَاة مُؤَقَّتَة لمُدَّة مَعْلُومَة
والأجود: أَن لَا تزيد على ثَلَاث سِنِين
وصيغتها: ساقيتك أَو عقدت مَعَك عقد الْمُسَاقَاة
وتنعقد بِكُل لفظ يُؤَدِّي إِلَى مَعْنَاهَا
وَالْمُسَاقَاة عقد لَازم
وَيملك الْعَامِل نصِيبه من الثَّمَرَة بعد الظُّهُور على الْمَذْهَب
وَقد تقدم ذكر ذَلِك
وَالله أعلم
بَاب الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة
: الصَّحِيح: أَنَّهُمَا عقدان مُخْتَلِفَانِ
فالمزارعة: الْمُعَامَلَة على الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج
стр. 204
من زَرعهَا
وَالْبذْر من مَالك الأَرْض
وَالْمُخَابَرَة: مثلهَا إِلَّا أَن الْبذر من الْعَامِل
وَقيل: هما بِمَعْنى وَاحِد
وَالصَّحِيح الأول
وَبِه قَالَ الْجُمْهُور وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي
وَأما قَول صَاحب الْبَيَان: إِن أَكثر الْأَصْحَاب قَالُوا: هما بِمَعْنى وَاحِد
فمردود لَا يعْتَبر
وَقد يُقَال: المخابرة اكتراء الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا
والمزارعة: اكتراء الْعَامِل ليزرع الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا
وَالْمعْنَى: لَا يخْتَلف
وَهِي مُخْتَلف فِيهَا بَين الْعلمَاء
قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار جَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة وَالْمَعْرُوف من مَذْهَب الشَّافِعِي بُطْلَانهَا
قَالَ صَاحب الْبَحْر الصَّغِير: وَأرى جَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة فِي جَمِيع الْأَرَاضِي وَالْأَشْجَار المثمرة والمعاطاة فِي المحقرات لعُمُوم الْبلوى فِي الْبلدَانِ وصيانة الْخلق عَن الْعِصْيَان
فَمن كتبهَا على مَذْهَب من يرى ذَلِك فليعرض بِذكر حكم الْحَاكِم بِصِحَّتِهَا وإجازتها ليخرج من الْخلاف كَمَا تقدم ذكره آنِفا
وَصُورَة الْمُزَارعَة على أصل من يَقُول بِصِحَّتِهَا: أقرّ فلَان أَنه تسلم من فلَان جَمِيع الْقطعَة الأَرْض الْفُلَانِيَّة وَيذكر حُدُودهَا وحقوقها على أَن يعمرها بِنَفسِهِ وأعوانه ودوابه ويزرع فِيهَا كَذَا وَكَذَا فِي سنة كَذَا أَو ليزرع فِيهَا مَا يحب ويختار من المزروعات الصيفية والشتوية على الْعَادة فِي مثل ذَلِك
وَيقوم بسقي مَا يزرع فِيهَا وَبِمَا يصلحه وينميه إِلَى حِين بُلُوغه واستكمال منفعَته
وَمهما رزق الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَأَعْطَاهُ بكرمه من غلَّة الزَّرْع الْمَذْكُور أخرج مِنْهُ مَا يجب عَلَيْهِ فِيهِ الصَّدَقَة
وَكَانَ الْبَاقِي بَينهمَا لفُلَان بِحَق أرضه كَذَا وَلفُلَان بِحَق بذره وَعَمله كَذَا
وَرَضي فلَان الْمَالِك للْأَرْض الْمَذْكُورَة بذلك بمخاطبته إِيَّاه واتفاقهما وتراضيهما على ذَلِك
ويؤرخ
وَصُورَة أُخْرَى فِي الْمُزَارعَة: أقرّ فلَان أَنه تسلم من فلَان جَمِيع الأَرْض السليخة الكائنة بمَكَان كَذَا
الْمَعْرُوفَة بِكَذَا وتوصف وتحدد ليزرعها من عِنْده أَو يَقُول: من مَاله وصلب حَاله حِنْطَة أَو غَيرهَا من أَصْنَاف الْحُبُوب والمزروعات فِي سنة كَذَا تسلما شَرْعِيًّا وَمهما لحق ذَلِك من حرث وحصاد ورجاد ودرس ودراوة وَغير ذَلِك من بداءة الزَّرْع وَإِلَى نِهَايَة استغلاله يكون على فلَان الْعَامِل الْمَذْكُور
فَإِذا صَار حبا صافيا كَانَ لفُلَان كَذَا وَلفُلَان كَذَا حَسْبَمَا اتفقَا وتراضيا على ذَلِك
ويؤرخ
فَائِدَة: رُبمَا اشْترط النَّاس فِي الْمُسَاقَاة أَو الْمُزَارعَة مَا يفْسد عقدهَا من عمل
стр. 205
دولاب أَو حفر نهر أَو بِنَاء حَائِط
فالموثق إِذا خَافَ الْفساد فِي كِتَابَته وَكَانَ لَا بُد من ذكر مَا اتفقَا عَلَيْهِ من ذَلِك فليكتب آخر الْكتاب بعد تَمام العقد
ثمَّ أقرّ الْمزَارِع الْمَذْكُور أَو المساقي الْمَذْكُور إِقْرَارا شَرْعِيًّا صدر مِنْهُ على غير شَرط كَانَ فِي صلب عقد هَذِه الْمُزَارعَة أَو الْمُسَاقَاة وَلَا مقترن بِهِ أَن عَلَيْهِ لفُلَان بِحَق وَاجِب عرفه لَهُ على نَفسه: بِنَاء جَمِيع الْحَائِط الْفُلَانِيّ أَو حفر النَّهر الْفُلَانِيّ أَو عمل دولاب فِي الْجِهَة الْفُلَانِيَّة
قبل ذَلِك مِنْهُ قبولا شَرْعِيًّا
وَفِي هَذَا ضَرَر على الْمزَارِع وَمَا أَظن كَاتبه بَينهمَا يسلم من الْإِثْم
فَيَنْبَغِي أَن يتَحَلَّل مِنْهُمَا: وَأَيْضًا فَلَا بُد فِي هَذِه الْعُقُود من مُرَاعَاة الشُّرُوط كرؤية الأَرْض والآلات وَتَقْدِير الْمدَّة وَغَيرهَا
هَذَا إِذا أفردت الأَرْض بِالْعقدِ
وَأما إِذا كَانَ بَين النّخل: فَتجوز الْمُزَارعَة عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاة على النّخل وَقد تقدّمت صور ذَلِك
وَيشْتَرط فِيهِ اتِّحَاد الْعَامِل فَلَا يجوز أَن يساقي وَاحِدَة ويزارع آخر
стр. 206
كتاب الْإِجَارَة
وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْكَام
وَهِي مُشْتَقَّة من الْأجر وَهُوَ الثَّوَاب
تَقول: آجرك الله أَي أثابك الله
فَكَأَن الْأُجْرَة عوض عمله
كَمَا أَن الثَّوَاب عوض عمله
وَالْأَصْل فِيهَا: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس
أما الْكتاب: فَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ قَالَ الشَّافِعِي ﵀: لَو لم يكن فِي الْإِجَارَة إِلَّا هَذَا لكفى
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى ذكر أَن الْمُطلقَة إِذا أرضعت ولد زَوجهَا فَإِنَّهُ يُعْطِيهَا أجرتهَا
وَالْأُجْرَة لَا تكون إِلَّا فِي الْإِجَارَة
وَالرّضَاع غرر لِأَن اللَّبن قد يقل وَقد يكثر
وَقد يشرب الصَّبِي من اللَّبن كثيرا وَقد يشرب قَلِيلا
وَقد أجَازه الله تَعَالَى
وَيدل على صِحَّتهَا: قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى وَشُعَيْب عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام: ﴿يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين قَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج﴾ فلولا أَن الْإِجَارَة كَانَت جَائِزَة فِي شرعهم لما قَالَت: ﴿يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ﴾ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالَ بعد قَوْلهَا ﴿يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ﴾ وَلم يُنكر عَلَيْهَا ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج﴾ فَجعل الْمَنْفَعَة مهْرا
وَقَوله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى وَالْخضر عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام: ﴿قَالَ لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾
وَأما السّنة: فروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أعْطوا الْأَجِير حَقه قبل أَن يجِف عرقه) وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من اسْتَأْجر أَجِيرا فليبين لَهُ الْأُجْرَة) وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (قَالَ ربكُم : ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن كنت خَصمه خصمته: رجل أعْطى بِي عهدا ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا فَأكل
стр. 207
ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى عمله وَلم يوفه أجره وروت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر استأجرا رجلا خريتا عَالما بالهداية والخريت الدَّلِيل وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ احْتجم وَأعْطى الْحجام أجرته
وَأما الْإِجْمَاع فَروِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه أجر نَفسه من يَهُودِيّ يَسْتَقِي لَهُ المَاء اكل دلو بتمرة وَرُوِيَ أَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس قَالَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة ١٩٨) هُوَ أَن يحجّ الرجل ويؤاجر نَفسه وَرُوِيَ أَن عبد الرحمنبن عَوْف اسْتَأْجر أَرضًا فَبَقيت فِي يَده إِلَى أَن مَاتَ فَقَالَ أَهله نَا نرى أَنَّهَا لَهُ حَتَّى وصّى بهَا وَذكر أَن عَلَيْهِ شَيْئا من أجرتهَا وَمَا رُوِيَ خلاف ذَلِك عَن أحد من الصَّحَابَة
وَأما الْقيَاس فَلِأَن الْمَنَافِع كالأعيان فَلَمَّا جَازَ عقد البيع على الْأَعْيَان جَازَ عقد الْإِجَارَة على الْمَنَافِع وَيعْتَبر فِي الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر مَا يعْتَبر فِي البَائِع وَالْمُشْتَرِي وَصِيغَة العقد أَن يَقُول أجرتك هَذِه الدَّار أَو أكريتك أَو مَلكتك مَنَافِعهَا مُدَّة كَذَا بِكَذَا فَيَقُول الْمُسْتَأْجر اسْتَأْجَرت أَو اكتريت أَو تملكت أَو قبلت
وَأظْهر الْوَجْهَيْنِ أَنَّهَا تَنْعَقِد بِمَا لَو قَالَ أجرتك مَنْفَعَتهَا وَأَنَّهَا لَا تَنْعَقِد إِذا قَالَ بِعْتُك مَنْفَعَتهَا وتنقسم الْإِجَارَة إِلَى وَارِدَة على الْعين كإجارات العقارات وكما إِذا اسْتَأْجر دَابَّة بِعَينهَا للْحَمْل أَو الرّكُوب أَو شخصا بِعَيْنِه للخياطة أَو غَيرهَا وَإِلَى وَارِدَة على الذِّمَّة كاستئجار دَابَّة مَوْصُوفَة وكما إِذا الْتزم للْغَيْر خياطَة أَو بِنَاء
وَإِذا قَالَ استأجرك لتعمل كَذَا فَالْحَاصِل إِجَارَة عين أَو إِجَارَة فِي الذِّمَّة فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا الأول وَيشْتَرط فِي الْإِجَارَة فِي الذِّمَّة تَسْلِيم الْأُجْرَة فِي الْمجْلس كتسليم رَأس مَال السّلم فِي الْمجْلس وَفِي إِجَارَة الْعين لَا يشْتَرط وَيجوز فِي الْأُجْرَة التَّعْجِيل والتأجيل إِن كَانَت فِي الذِّمَّة وَإِذا أطلقت تعجلت وَإِن كَانَت مُعينَة ملكت فِي الْحَال كَالْبيع ولتكن الْأُجْرَة مَعْلُومَة
تَنْبِيه قَوْلنَا مَعْلُومَة احْتِرَازًا من الْمَنْفَعَة المجهولة فَإِنَّهَا لَا تصح للغرر وَلَا بُد من الْعلم بِالْمَنْفَعَةِ قدرا ووصفا بِحَيْثُ تكون قَابِلَة للبذل وَالْإِبَاحَة وعَلى هَذَا اسْتِئْجَار آلَات اللَّهْو كالطنبور والمزمار والرباب وَنَحْوهَا حرَام يحرم بذل الْأُجْرَة فِي مقابلتها
стр. 208
وَيحرم أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا
لِأَنَّهَا من قبيل أكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ
وَكَذَلِكَ لَا يجوز اسْتِئْجَار المغاني وَلَا اسْتِئْجَار شخص لحمل خمر وَنَحْوه وَلَا اسْتِئْجَار شخص لجبي المكوس والرشا وَجَمِيع الْمُحرمَات
وَلَا تصح إِجَارَة الدَّار بعمارتها وَلَا الدَّابَّة بعلفها
وَلَا يجوز اسْتِئْجَار السلاخ بِالْجلدِ والطحان بِجُزْء من الدَّقِيق أَو بالنخالة
وَلَو اسْتَأْجر الْمُرضعَة بِجُزْء من الرَّقِيق المرتضع فِي الْحَال
الظَّاهِر: الْجَوَاز
انْتهى
وَيشْتَرط فِي الْمَنْفَعَة أَن تكون مُتَقَومَة
فَلَا يجوز اسْتِئْجَار البَائِع على كلمة لَا يتعب بهَا وَإِن كَانَت السّلْعَة تروج بهَا
وَأظْهر الْوَجْهَيْنِ: أَنه لَا يجوز اسْتِئْجَار الْكَلْب للصَّيْد والفحل للضراب
وَيشْتَرط أَن يكون الْمُؤَجّر يقدر على تَسْلِيمه
فَلَا يجوز اسْتِئْجَار الْآبِق وَالْمَغْصُوب وَلَا اسْتِئْجَار الْأَعْمَى لحفظ الْمَتَاع
وَلَا يجوز اسْتِئْجَار الأَرْض لزرع مَا يسقى إِذا لم يكن لَهَا مَاء دَائِم وَكَذَا إِن كَانَ لَا تكفيها الأمطار الْمُعْتَادَة
وَيجوز إِن كَانَ لَهَا مَاء دَائِم
وَكَذَا إِن كَانَ يكفيها الأمطار الْمُعْتَادَة
أَو مَاء الثلوج المجتمعة فِي الْجَبَل
وَالْغَالِب الْحُصُول فِي الْوَجْهَيْنِ والمعجوز عَنهُ شرعا كالمعجوز عَنهُ حسا فَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار لقلع سنّ صَحِيحَة وَلَا اسْتِئْجَار الْحَائِض لخدمة الْمَسْجِد
وَأظْهر الْوَجْهَيْنِ: أَن اسْتِئْجَار الْمَنْكُوحَة للرضاع وَغَيره بِغَيْر إِذن الزَّوْج لَا يجوز
وَيجوز تَأْجِيل الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة ف الذِّمَّة كَمَا إِذا ألزم ذمَّته الْحمل إِلَى مَوضِع كَذَا أَو إِلَى شهر كَذَا
وَلَا يجوز إِيرَاد إِجَارَة الْعين على الْمَنْفَعَة الْمُسْتَقْبلَة كإجارة الدَّار للسّنة الْقَابِلَة وَلَو أجر السّنة الثَّانِيَة من الْمُسْتَأْجر قبل انْقِضَاء الأولى
فالأشبه الْجَوَاز
وَيجوز أَن يُؤجر دَابَّة من إِنْسَان ليرْكبَهَا بعض الطَّرِيق دون بعض أَو من اثْنَيْنِ ليركب هَذَا أَيَّامًا وَهَذَا أَيَّامًا
وَيبين البعضين
وَيشْتَرط أَيْضا فِي الْمَنْفَعَة: أَن تكون مَعْلُومَة
وتقدر الْمَنَافِع تَارَة بِالزَّمَانِ كاستئجار الدَّار سنة
وَتارَة بِمحل الْعَمَل كاستئجار الدَّابَّة إِلَى مَوضِع كَذَا للرُّكُوب والخياط ليخيط هَذَا الثَّوْب
وَلَو جمع بَينهمَا فَقَالَ: استأجرتك لتخيط لي هَذَا الثَّوْب بَيَاض هَذَا النَّهَار
فأصح الْوَجْهَيْنِ: أَنه لَا يجوز
وَيقدر تَعْلِيم الْقُرْآن بالمدة أَو بِتَعْيِين السُّور
وَيقدر فِي الِاسْتِئْجَار للْبِنَاء بتبيين الْموضع والطول وَالْعرض والسمك وَمَا يبنىء بِهِ إِن قدر بِالْعَمَلِ
وَالْأَرْض الَّتِي تصلح للْبِنَاء والزراعة وَالْغِرَاس لَا بُد فِي إِجَارَتهَا من تعْيين الْمَنْفَعَة
وَتَعْيِين الزِّرَاعَة يَعْنِي ذكر مَا يزرع فِي أصح الْوَجْهَيْنِ
وَلَو قَالَ: أجرتكها لتنتفع بهَا مَا شِئْت صَحَّ
وَلَو قَالَ: إِن
стр. 209
شِئْت فازرعها وَإِن شِئْت فاغرسها جَازَ على الْأَصَح
وَفِي إِجَارَة الدَّابَّة للرُّكُوب يَنْبَغِي أَن يعرف الْمُؤَجّر الرَّاكِب بمشاهدته وَيقوم مقَام الْمُشَاهدَة: الْوَصْف التَّام على الْأَشْبَه
وَكَذَا الحكم فِيمَا يركب عَلَيْهِ من زاملة أَو حمل أَو غَيرهمَا
وَلَا بُد فِي الْإِجَارَة على الْعين من تعْيين الدَّابَّة وَاشْتِرَاط رؤيتها
وَفِي الْإِجَارَة فِي الذِّمَّة لَا بُد من ذكر الْجِنْس وَالنَّوْع والذكورة وَالْأُنُوثَة
وتبيين قدر السّير فِي كل يَوْم
فَإِن كَانَ فِي الطَّرِيق منَازِل مضبوطة
جَازَ إهماله وَينزل العقد عَلَيْهَا
وَفِي الِاسْتِئْجَار للْحَمْل يَنْبَغِي أَن يعرف الْمُؤَجّر الْمَحْمُول بِرُؤْيَتِهِ إِن كَانَ حَاضرا
ويمتحنه بِالْيَدِ إِن كَانَ فِي ظرف وَإِن كَانَ غَائِبا فَيقدر بِالْكَيْلِ أَو الْوَزْن وَلَا بُد من ذكر الْجِنْس
وَلَا يشْتَرط معرفَة جنس الدَّابَّة وصفتها إِن كَانَت الْإِجَارَة فِي الذِّمَّة إِلَّا إِذا كَانَ الْمَحْمُول زجاجا وَنَحْوه
وَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار للعبادات الَّتِي لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِالنِّيَّةِ
وَيسْتَثْنى الْحَج وتفرقة الزَّكَاة وَكَذَا الْجِهَاد
وَيجوز لتجهيز الْمَيِّت وَدَفنه وَتَعْلِيم الْقُرْآن
وَيجوز الِاسْتِئْجَار للحضانة والإرضاع مَعًا ولأحدهما دون الآخر
وَالأَصَح: أَنه لَا يستتبع وَاحِد مِنْهُمَا الآخر
والحضانة: حفظ الصَّبِي وتعهده بِغسْل الرَّأْس وَالْبدن وَالثيَاب وتدهينه وتكحيله وربطه فِي المهد وتحريكه لينام وَنَحْوهَا
وَإِذا استؤجرت لَهما فَانْقَطع اللَّبن
فَالْمَذْهَب: أَن العقد يَنْفَسِخ فِي الْإِرْضَاع وَفِي الْحَضَانَة
وَالْمَشْهُور: أَنه لَا يجب الحبر على الْوراق وَلَا الْخَيط على الْخياط وَلَا الذرور على الكحال فِي استئجارهم
وَيجب تَسْلِيم مِفْتَاح الدَّار إِلَى الْمُكْتَرِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ عمَارَة الدَّار وَإِنَّمَا هِيَ من وَظِيفَة الْمكْرِي فَإِن بَادر وَعمر وَأصْلح المنكسر فَذَاك
وَإِلَّا فللمكتري الْخِيَار
وكسح الثلوج من السَّطْح كالعمارة وتطهير عَرصَة الدَّار عَن الكناسات على الْمُكْتَرِي وَكَذَا كسح الثَّلج فِي عَرصَة الدَّار
وعَلى الْمكْرِي إِذا أجر الدَّابَّة للرُّكُوب: الإكاف والبرذعة والحزام والثفر والبرة والخطام وَالْأَشْبَه فِي السرج: اتِّبَاع الْعرف فِيهِ والمحمل والمظلة والغطاء وتوابعها على الْمُكْتَرِي
والظرف الَّذِي ينْقل فِيهِ الْمَحْمُول على الْمكْرِي إِن وَردت الْإِجَارَة على الذِّمَّة وعَلى الْمُكْتَرِي إِن تعلّقت بِالْعينِ
وعَلى الْمكْرِي فِي إِجَارَة الذِّمَّة: الْخُرُوج مَعَ الدَّابَّة ليتعهدها وإعانة الرَّاكِب فِي الرّكُوب وَالنُّزُول بِحَسب الْحَاجة وَرفع الْحمل
стр. 210
وحطه وَشد الْمحمل وحله
وَفِي إِجَارَة الْعين لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّخْلِيَة بَين الْمُكْتَرِي وَالدَّابَّة
وتنفسخ إِجَارَة الْعين بِتَلف الدَّابَّة ويثتت الْخِيَار بعيبها
وَفِي إِجَارَة الذِّمَّة لَا تَنْفَسِخ بالتلف
وَلَا يثبت فِيهَا الْخِيَار بِالْعَيْبِ وَلَكِن على الْمكْرِي الْإِبْدَال وَالطَّعَام الْمَحْمُول ليؤكل بِبَدَل إِذا أكل على الْأَصَح
وَالأَصَح: أَن مُدَّة الْإِجَارَة لَا تتقدر لَكِن يَنْبَغِي أَن لَا تزيد على مُدَّة بَقَاء ذَلِك الشَّيْء غَالِبا
وَفِي قَول: لَا تزيد الْمدَّة على سنة
وَفِي قَول آخر: ثَلَاثِينَ سنة
والمستحق لِاسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة لَهُ اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بِغَيْرِهِ
فَمن اسْتَأْجر ليركب: لَهُ أَن يركب مثل نَفسه أَو أخف مِنْهُ وَإِذا اسْتَأْجر ليسكن أسكن مثله وَلَا يسكن الْحداد والقصار
وَلَا يجوز إِبْدَال مَا يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَة مِنْهُ كَالدَّارِ وَالدَّابَّة الْمعينَة والمستوفى بِهِ كَالثَّوْبِ الْمعِين للخياطة وَالصَّبِيّ الْمعِين للإرضاع وَفِي جَوَاز إِبْدَاله وَجْهَان
أظهرهمَا: الْجَوَاز
وَيَد الْمُسْتَأْجر على الدَّابَّة وَالثَّوْب يَد أَمَانَة فِي مُدَّة الْإِجَارَة
وَبعد انْقِضَائِهَا كَذَلِك فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَلَو ربط دَابَّة اكتراها لحمل أَو ركُوب وَلم ينْتَفع بهَا
فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِلَّا إِذا انْهَدم الإصطبل عَلَيْهَا فِي وَقت لَو انْتفع بهَا لما أَصَابَهَا الانهدام
وَإِذا تلف المَال فِي يَد الْأَجِير من غير تعد كَالثَّوْبِ إِذا اُسْتُؤْجِرَ لخياطة أَو صبغة
فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن لم ينْفَرد الْآجر بِالْيَدِ بل قعد الْمُسْتَأْجر عِنْده أَو أحضرهُ إِلَى منزله
وَإِن انْفَرد بِالْيَدِ فَكَذَلِك فِي أصح الْأَقْوَال
وَالثَّالِث: الْفرق بَين الْمُنْفَرد والمشترك وَلَا يضمن الْمُنْفَرد
وَالْمُنْفَرد: هُوَ الَّذِي أجر نَفسه مُدَّة مُعينَة للْعَمَل
والمشترك: هُوَ الَّذِي يقبل الْعَمَل فِي ذمَّته
وَلَو دفع ثوبا إِلَى قصار ليقصره أَو خياط ليخيطه
فَفعل وَلم يجر ذكر أُجْرَة
فأصح الْوَجْهَيْنِ: أَن لَهُ الْأُجْرَة
وَقد يستحسن القَوْل الثَّالِث وَهُوَ الْفرق بَين أَن يكون الْعَامِل مَعْرُوفا بذلك الْعَمَل فَيسْتَحق أَو لَا فَلَا يسْتَحق
وَإِذا تعدى الْمُسْتَأْجر فِيمَا اسْتَأْجرهُ كَمَا لَو ضرب الدَّابَّة فَوق الْعَادة أَو أركب الدَّابَّة أثقل مِنْهُ أَو أسكن الدَّار الْحداد أَو الْقصار دخل الْمُسْتَأْجر فِي ضَمَانه
وَكَذَلِكَ لَو اكترى لحمل مائَة من من الْحِنْطَة أَو الْعَكْس أَو اكترى لحمل عشر أَقْفِزَة من الشّعير فَحمل عشرَة من الْحِنْطَة دون الْعَكْس أَو أَن يحمل مائَة من من حِنْطَة فَحمل مائَة وَعشرَة
فَعَلَيهِ أُجْرَة الْمثل للزِّيَادَة
وَإِن تلفت الدَّابَّة بذلك فَعَلَيهِ الضَّمَان إِن لم يكن صَاحبهَا مَعهَا وَانْفَرَدَ بِالْيَدِ
وَإِن كَانَ صَاحبهَا مَعهَا فَيضمن نصف الْقيمَة أَو قسطها من الزِّيَادَة فِيهِ قَولَانِ
أقربهما: الثَّانِي
وَإِن سلمه إِلَى الْمكْرِي فَحَمله وَهُوَ جَاهِل
فَالظَّاهِر: وجوب الضَّمَان على الْمُكْتَرِي أَيْضا
وَإِن وزن الْمكْرِي بِنَفسِهِ وَحمل فَلَا أُجْرَة لَهُ للزِّيَادَة
وَلَا ضَمَان لَو تلفت
стр. 211
الدَّابَّة
وَلَو دفع ثوبا إِلَى خياط فخاطه قبَاء وَقَالَ: هَكَذَا أَمرتنِي
وَقَالَ الْمَالِك: بل أَمرتك أَن تقطعه قَمِيصًا
فأصح الْقَوْلَيْنِ: أَن القَوْل قَول الْمَالِك مَعَ يَمِينه
وَإِذا حلف فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ
وعَلى الْخياط أرش النُّقْصَان
وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بالأعذار مثل أَن يسْتَأْجر حَماما فيتعذر عَلَيْهِ الْوقُود أَو دَابَّة ليسافر عَلَيْهَا فتمرض
وَلَو اسْتَأْجر أَرضًا للزِّرَاعَة فزرعها فَهَل الزَّرْع بجائحة فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخ وَلَا حط شَيْء من الْأُجْرَة
وَمَوْت الدَّابَّة والأجير المعينين يُوجب الِانْفِسَاخ فِي الْمُسْتَقْبل
وَلَا يُؤثر فِي الْمَاضِي فِي أصح الْقَوْلَيْنِ
ويستقر الْمُسَمّى بِالْقِسْطِ
وَمَوْت الْمُتَعَاقدين لَا يُوجب الِانْفِسَاخ
وَكَذَا مُتَوَلِّي الْموقف إِذا أجر الْبَطن الأول وَمَات قبل تَمامهَا
فأصح الْوَجْهَيْنِ: أَن الْإِجَارَة تَنْفَسِخ
وَلَو أجر ولي الصَّبِي مُدَّة لَا يبلغ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبلغ بالاحتلام
فأظهر الْوَجْهَيْنِ: أَن الْإِجَارَة تبقى
وَالأَصَح: أَن انهدام الدَّار يُوجب الِانْفِسَاخ
فَإِن انْقَطع مَاء الأَرْض الْمُسْتَأْجرَة للزِّرَاعَة فَذَلِك لَا يُوجب الِانْفِسَاخ
وَلَكِن يثبت الْخِيَار
وَلَو أكرى الْجمال جمالا وهرب وَتركهَا عِنْد الْمُكْتَرِي فيراجع الْمُكْتَرِي الْحَاكِم لينفق عَلَيْهَا من مَال الْجمال
فَإِن لم يجد لَهُ مَالا اسْتقْرض عَلَيْهِ ثمَّ إِن وثق بالمكتري دَفعه إِلَيْهِ وَإِلَّا جعله عِنْد ثِقَة
وَيجوز أَن يَبِيع مِنْهَا بِقدر مَا ينْفق من ثمنه عَلَيْهَا وَبَاقِي النَّفَقَة للمكتري
وَيجوز أَن يَأْذَن للمكتري فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهَا من مَاله ليرْجع فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ
وَإِذا تسلم الْمُكْتَرِي الدَّابَّة أَو الدَّار وأمسكها حَتَّى مَضَت مُدَّة الْإِجَارَة اسْتَقَرَّتْ الْأُجْرَة سَوَاء انْتفع بهَا أَولا
وَلَو اسْتَأْجر للرُّكُوب إِلَى مَوضِع وتسلم المركوب وَمَضَت مُدَّة إِمْكَان السّير إِلَيْهِ فَكَذَلِك
وَلَا فرق بَين إِجَارَة الْعين وَبَين أَن تكون فِي الذِّمَّة
ويستقر فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة أُجْرَة الْمثل بِمَا يسْتَقرّ بِهِ الْمُسَمّى فِي الصَّحِيحَة
وَلَو أكرى عينا مُدَّة وَلم يُسَلِّمهَا حَتَّى مَضَت الْمدَّة
انْفَسَخت الْإِجَارَة وَلم تقدر الْمدَّة
وَلَو كَانَت الْإِجَارَة للرُّكُوب إِلَى مَوضِع وَلم يسلم الدَّابَّة حَتَّى مَضَت مُدَّة إِمْكَان السّير
فَالْأَظْهر: أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخ
وَالصَّحِيح: أَنه إِذا أعتق عَبده الْمُسْتَأْجر لم تَنْفَسِخ الْإِجَارَة وَأَنه لَا خِيَار للْعَبد وَلَا رُجُوع على السَّيِّد بِالْأُجْرَةِ لما بعد الْعتْق
وَيصِح بيع الْمُسْتَأْجر من الْمُسْتَأْجر وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة فِي أصح الْوَجْهَيْنِ
وَفِي بَيْعه من غير الْمُسْتَأْجر قَولَانِ
أصَحهمَا: صِحَّته أَيْضا
وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة
وَإِذا أجر النَّاظر فزادت الْأُجْرَة فِي الْمدَّة أَو ظهر طَالب بِالزِّيَادَةِ لم يَنْفَسِخ العقد فِي الْأَصَح
стр. 212
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
: اتّفق الْعلمَاء على أَن الْإِجَارَة من الْعُقُود الْجَائِزَة بِالْعِوَضِ وَأَن من شَرط صِحَّتهَا: أَن تكون الْمَنْفَعَة والعوض معلومين
وَاخْتلفُوا: هَل تملك الْأُجْرَة بِنَفس العقد فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تملك الْأُجْرَة بِالْعقدِ
وَتجب أُجْرَة كل يَوْم بِقسْطِهِ من الْأُجْرَة
وَقَالَ مَالك: لَا تملك الْمُطَالبَة إِلَّا يَوْمًا بِيَوْم
وَأما الْأُجْرَة: فقد ملكت بِالْعقدِ
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: تملك الْأُجْرَة بِنَفس العقد
وتستحق بِالتَّسْلِيمِ
وتستقر بِمُضِيِّ الْمدَّة
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا استأجروا دَارا كل شهر بِشَيْء مَعْلُوم
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تصح الْإِجَارَة فِي الشَّهْر الأول وَتلْزم
وَأما مَا عداهُ من الشُّهُور: فَيلْزم بِالدُّخُولِ فِيهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي الْمَشْهُور عَنهُ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: تبطل الْإِجَارَة فِي الْجَمِيع
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر مِنْهُ شهر رَمَضَان فِي شهر رَجَب فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يَصح العقد
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَصح
وَاخْتلفُوا: هَل تصح الْإِجَارَة مُدَّة تزيد على سنة فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يجوز
وَعَن الشَّافِعِي أَقْوَال أظهرها: لَا يَصح أَكثر من سنة
وَعنهُ يجوز إِلَى ثَلَاثِينَ سنة
وَعنهُ يجوز أَكثر من سنة بِغَيْر تَقْدِير
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا حول الْمَالِك الْمُسْتَأْجر فِي أثْنَاء الشَّهْر
فَقَالُوا: لَهُ أُجْرَة مَا سكن إِلَّا أَحْمد
فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أُجْرَة لَهُ
وَكَذَلِكَ قَالَ: إِن تحول السَّاكِن لم يكن لَهُ أَن يسْتَردّ أُجْرَة مَا بَقِي
فَإِن أخرجته يَد غالبة كَانَ عَلَيْهِ أُجْرَة مَا سكن
وَاخْتلفُوا فِي الْعين الْمُسْتَأْجرَة: هَل يجوز لمَالِكهَا بيعهَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تبَاع إِلَّا برضاء الْمُسْتَأْجر أَو يكون عَلَيْهِ دين يحْبسهُ الْحَاكِم عَلَيْهِ
فيبيعها فِي دينه
وَقَالَ مَالك وَأحمد: يجوز بيعهَا من الْمُسْتَأْجر وَغَيره يتسلمها المُشْتَرِي إِذا كَانَ غير الْمُسْتَأْجر بعد انْقِضَاء مُدَّة الْإِجَارَة
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ
وَاخْتلفُوا فِي إِجَارَة الْمشَاع
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تصح إِجَارَة الْمشَاع إِلَّا من الشَّرِيك
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تجوز على الْإِطْلَاق
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أظهرهمَا: أَنَّهَا لَا تصح على الْإِطْلَاق
وَالْأُخْرَى: تصح اخْتَارَهَا أَبُو حَفْص العكبري
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز الِاسْتِئْجَار لِاسْتِيفَاء الْقصاص فِي النَّفس وَفِيمَا دون النَّفس
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَصح الِاسْتِئْجَار على اسْتِيفَاء الْقصاص فِي النَّفس وَفِيمَا دون النَّفس
وَقتل أهل الْحَرْب
ثمَّ اخْتلفُوا
هَل تجب الْأُجْرَة على الْمُقْتَص لَهُ أَو الْمُقْتَص مِنْهُ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ على الْمُقْتَص لَهُ فِي الْجَمِيع إِذا كَانَ فِي الطّرف أَو فِيمَا دون
стр. 213
النَّفس
وَمَا فَوق ذَلِك فَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار فِيهِ أصلا بِنَاء على مذْهبه
وَقَالَ مَالك: هِيَ على الْمُقْتَص لَهُ فِي الْجَمِيع
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: هِيَ على الْمُقْتَص مِنْهُ فِي الْجَمِيع
وَاخْتلفُوا: هَل يجوز للْمُسْتَأْجر فسخ عقد الْإِجَارَة من عذر مُخْتَصّ كَمَرَض أَو غَيره فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز
وَهِي لَازِمَة من الطَّرفَيْنِ لَا يجوز لأحد مِنْهُمَا فَسخهَا إِلَّا أَن يمْتَنع اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بِعَيْب فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: للْمُسْتَأْجر الْفَسْخ لعذر يلْحقهُ مثل: أَن يمرض أَو يَحْتَرِق مَتَاعه أَو يسرق أَو يغصب أَو يفلس: فَيكون لَهُ فسخ الْإِجَارَة
وَاخْتلفُوا هَل تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين فَقَالَ أَبُو حنيفَة: تبطل مَعَ الْإِمْكَان من اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا تَنْفَسِخ بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين وَلَا بموتهما جَمِيعًا
وَيقوم الْوَارِث مقَام مُوَرِثه فِي ذَلِك
وَاخْتلفُوا فِي أَخذ الْأُجْرَة على الْقرب كتعليم الْقُرْآن وَالْحج وَالْأَذَان والإمامة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا يجوز ذَلِك
وَقَالَ مَالك: يجوز فِي تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْحج وَالْأَذَان
وَأما الْإِمَامَة: فَإِن أفردها وَحدهَا لم يجز لَهُ أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا وَإِن جمعهَا مَعَ الْأَذَان جَازَ
وَكَانَت الْأُجْرَة على الْأَذَان لَا على الصَّلَاة
وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز فِي تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْحج
وَأما الْإِمَامَة فِي الْفُرُوض: فَلَا تجوز فِيهَا وَيجوز فِي النَّوَافِل ولأصحابه فِي جَوَاز ذَلِك فِي التَّرَاوِيح وَجْهَان
وَفِي الْأَذَان ثَلَاثَة أوجه
وَاخْتلفُوا فِي أُجْرَة الْحجام فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يجوز وَيُبَاح للْحرّ
وَقَالَ أَحْمد: لَا يجوز
فَإِن أَخذهَا من غير شَرط وَلَا عقد عَلفهَا ناضحة وأطعمها رقيقَة وَهِي حرَام فِي حق الْحر
وَاخْتلفُوا هَل يجوز للْمُسْتَأْجر أَن يُؤَخر الْعين الْمُسْتَأْجرَة بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجرهَا بِهِ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز إِلَّا أَن يكون قد أحدث فِيهَا شَيْئا
فَإِن لم يحدث فِيهَا شَيْئا لم يكن لَهُ أَن يكْرِي بِزِيَادَة
فَإِن أكرى تصدق بِالْفَضْلِ
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يجوز سَوَاء أصلح فِي الْعين شَيْئا أَو بنى فِيهَا بِنَاء أَو لم يفعل
وَعَن أَحْمد أَربع رِوَايَات
إِحْدَاهُنَّ: كمذهب أبي حنيفَة
وَالثَّانيَِة: كمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَالثَّالِثَة: لَا تجوز إِجَارَتهَا بِزِيَادَة بِحَال
وَالرَّابِعَة: يجوز ذَلِك بِإِذن الْمُؤَجّر وَلَا يجوز بِغَيْر إِذْنه
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز اسْتِئْجَار الْخَادِم والظئر بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز فِي الظِّئْر دون الْخَادِم وَقَالَ مَالك: يجوز فيهمَا جَمِيعًا
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز
стр. 214
فيهمَا
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أظهرهمَا: الْجَوَاز فيهمَا كَقَوْل مَالك
وَالْأُخْرَى: الْمَنْع فيهمَا كَقَوْل الشَّافِعِي
وَاخْتلفُوا فِي اسْتِئْجَار الْكتب للنَّظَر فِيهَا
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يجوز
وَاخْتلفُوا فِي الْأَجِير الْمُشْتَرك هَل يجب عَلَيْهِ الضَّمَان فِيمَا جنت يَده فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يضمن مَا جنت يَده
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ
أَحدهمَا: يضمن
وَالثَّانِي: لَا يضمن
وَاخْتلفُوا فِي الْأَجِير الْمُشْتَرك أَيْضا هَل يضمن مَا لم تجن يَده فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ الضَّمَان
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ كالمذهبين
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا: لَا ضَمَان عَلَيْهِ كمذهب أبي حنيفَة
وَالْأُخْرَى: يضمن كمذهب مَالك
وَالثَّالِثَة: إِن كَانَ هَلَاكه مِمَّا لَا يُسْتَطَاع الِامْتِنَاع مِنْهُ
كالحريق واللصوص وَمَوْت الْبَهِيمَة
فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ بِأَمْر خَفِي
ويستطاع الِاحْتِرَاز مِنْهُ ضمن
وَأما الأجراء: فَلَا يضمنُون عِنْد مَالك
وهم على الْأَمَانَة إِلَّا الصناع خَاصَّة
فَإِنَّهُم ضامنون إِذا انفردوا بِالْعَمَلِ فِيمَا عملوه بِالْأُجْرَةِ أَو بغَيْرهَا إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة بفراغه وهلاكه فَيبرأ
وَاخْتلف الْخياط وَصَاحب الثَّوْب
فَعِنْدَ مَالك وَأحمد: إِن القَوْل قَول الْخياط
وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه: القَوْل قَول صَاحب الثَّوْب
وَاتَّفَقُوا على أَن الرَّاعِي مَا لم يَتَعَدَّ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا ضرب الْبَهِيمَة الْمُسْتَأْجرَة الضَّرْب الْمُعْتَاد فَهَلَكت
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يضمن
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يضمن وَإِن كَانَ ضربا مُعْتَادا
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا عقد مَعَ حمال على حمل مائَة رَطْل ثمَّ أكل مِنْهَا
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: كلما أكل مِنْهَا شَيْئا أبدل عوضه وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أظهر قوليه: لَيْسَ لَهُ أَن يُبدل عوضه
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة فَهَل لَهُ أَن يؤجرها لغيره فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز إِلَّا لمن يُسَاوِيه فِي معرفَة الرّكُوب وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يجوز لَهُ أَن يؤجرها إِلَّا لمن يُسَاوِيه فِي الطول وَالسمن
وَقَالَ مَالك: لَهُ أَن يكريها من مثله فِي رفْقَة يسيرَة
وَاخْتلفُوا فِيمَن نصب نَفسه للمعاش من غير عقد إِجَارَة
كالملاح والحلاق
فَقَالَ مَالك وَأحمد: يسْتَحق كل مِنْهُم الْأُجْرَة
وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: لَا يسْتَحق الْأُجْرَة من غير عقد
وَلم يُوجد عَن أبي حنيفَة فِيهِ نَص بل قَالَ أَصْحَابه الْمُتَأَخّرُونَ: إِنَّهُم يسْتَحقُّونَ الْأُجْرَة
وَاخْتلفُوا فِي إِجَارَة الْحلِيّ الذَّهَب بِالذَّهَب أَو الْفضة بِالْفِضَّةِ هَل يكره فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك: لَا يكره
وَكَرِهَهُ أَحْمد
стр. 215
وَاخْتلفُوا فِي إِكْرَاه الأَرْض بِالثُّلثِ وَالرّبع مِمَّا يخرج مِنْهَا
فَقَالُوا: لَا يَصح
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أظهرهمَا: جَوَازه
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا اسْتَأْجر أَرضًا ليزرعها حِنْطَة
فَلهُ أَن يَزْرَعهَا حِنْطَة
وَمَا ضَرَره ضَرَر الْحِنْطَة
وَاخْتلفُوا فِي الرجل يسْتَأْجر زَوجته لإرضاع وَلَده مِنْهَا
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يَصح
وَزَاد مَالك فَقَالَ: تجبر على ذَلِك إِلَّا أَن تكون شريفة لَا ترْضع مثلهَا
وَقَالَ أَحْمد: يَصح
وَاخْتلفُوا فِيمَن اكترى بَهِيمَة إِلَى مَوضِع مَعْلُوم فجاوزه فعطبت الدَّابَّة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ الْأُجْرَة الْمُسَمَّاة إِلَى الْموضع الْمُسَمّى وَعَلِيهِ قيمتهَا
وَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ فِيمَا جاوزه
وَقَالَ مَالك: صَاحبهَا بعد تلفهَا بِالْخِيَارِ بَين أَن يضمنهُ الْقيمَة بِلَا أُجْرَة أَو أُجْرَة الْمثل بِلَا قيمَة بعد أَن يُؤَدِّي الْأُجْرَة الأولى
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: عَلَيْهِ الْمُسَمّى وَأُجْرَة مَا تعداه أَو قيمتهَا
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر دَارا ليُصَلِّي فِيهَا
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يجوز أَن يُؤجر الرجل دَاره مِمَّن يتخذها مصلى مُدَّة مَعْلُومَة ثمَّ تعود إِلَيْهِ ملكا
وَله الْأُجْرَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز ذَلِك وَلَا أُجْرَة لَهُ
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة فِي الإفصاح: وَهَذَا من محَاسِن أبي حنيفَة لَا مِمَّا يعاب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على الْقرب عِنْده
فَلَا يُؤْخَذ عَلَيْهَا أُجْرَة
وَاخْتلفُوا: هَل يجوز اشْتِرَاط الْخِيَار ثَلَاثًا فِي الْإِجَارَة فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يجوز سَوَاء كَانَت على مُدَّة أَو فِي الذِّمَّة
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز فِي الْمدَّة قولا وَاحِدًا
وَفِي الذِّمَّة قَولَانِ
وَاتَّفَقُوا على أَن العقد فِي الْإِجَارَة: إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْمَنْفَعَةِ دون الرَّقَبَة خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي
وَاخْتلفُوا فِي إِجَارَة الإقطاع
وَالْمَشْهُور الْمَعْرُوف الْمُقَرّر من الشَّافِعِي: صِحَّتهَا
وَالْجُمْهُور على ذَلِك
قَالَ النَّوَوِيّ: لِأَن الجندي يسْتَحق الْمَنْفَعَة
تَنْبِيه: قَالَ شَيخنَا الإِمَام تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: مَا زلنا نسْمع عُلَمَاء الْإِسْلَام قاطبة بالديار المصرية والبلاد الشامية يَقُولُونَ بِصِحَّة إِجَارَة الإقطاع حَتَّى بزغ الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ وَولده
فَقَالَا فِيهَا مَا قَالَا وَهُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب أَحْمد
وَلَكِن مَذْهَب أبي حنيفَة: بُطْلَانهَا
فصل
: وَإِذا اسْتَأْجر أَرضًا ليزرع فِيهَا نوعا من الْغِرَاس مِمَّا يتأبد ثمَّ انْقَضتْ السّنة فللمؤجر الْخِيَار عِنْد مَالك بَين أَن يُعْطي الْمُسْتَأْجر قيمَة الْغِرَاس وَكَذَلِكَ إِن بنى: أَن يُعْطِيهِ قيمَة بِنَاء ذَلِك على أَنه مقلوع أَو يَأْمُرهُ بقلعه
وَقَالَ أَبُو حنيفَة كَقَوْل مَالك إِلَّا أَنه قَالَ: إِذا كَانَ الْقلع يضر بِالْأَرْضِ أعطَاهُ الْمُؤَجّر الْقيمَة
وَلَيْسَ للغارس قلعه وَإِن لم
следующие страницы →