Полный текст (222 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الْعَادِل فِي حكمه القَاضِي بَين عباده بِعَمَلِهِ أَحْمَده على مَا حكم وَقضى واشكره على مَا أبرم وأمضى وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي من توكل عَلَيْهِ كَفاهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي اخْتَارَهُ على جَمِيع خلقه واصطفاه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الثِّقَات النقاه صَلَاة ينَال بهَا قَائِلهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيع مَا يتمناه
وَبعد فَلَمَّا ابْتليت بالقضا وَجرى الحكم وَمضى أَحْبَبْت أَن أجمع مُخْتَصرا فِي الْأَحْكَام منتخبا من كتب سَادَاتنَا الْعلمَاء الْأَعْلَام ذَاكِرًا فِيهِ مَا يكثر وُقُوعه بَين الْأَنَام على وَجه الإتقان والإحكام ليَكُون عونا للحكام على فصل القضايا وَالْأَحْكَام
ورتبته على ثَلَاثِينَ فصلا الْفَصْل الأول فِي آدَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الْفَصْل الثَّانِي فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى والبينات الْفَصْل الثَّالِث فِي الشَّهَادَات الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة الْفَصْل الْخَامِس فِي الصُّلْح الْفَصْل السَّادِس فِي الْإِقْرَار الْفَصْل السَّابِع فِي الْوَدِيعَة الْفَصْل الثَّامِن فِي الْعَارِية الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنْوَاع الضمانات الْفَصْل الْعَاشِر فِي الْوَقْف الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي الْغَصْب وَالشُّفْعَة وَالْقِسْمَة الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي الإكراء وَالْحجر الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي النِّكَاح الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي الطَّلَاق الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي الْعتاق الْفَصْل السَّادِس عشر فِي الْأَيْمَان الْفَصْل السَّابِع عشر فِي الْبيُوع الْفَصْل الثَّامِن عشر فِي الْإِجَارَات الْفَصْل التَّاسِع عشر فِي الْهِبَة الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي الرَّهْن الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الْكَرَاهِيَة الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي الصَّيْد والذبائح وَالْأُضْحِيَّة الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي الْجِنَايَات والديات وَالْحُدُود الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي الشّرْب والمزارعة وَالْمُسَاقَاة الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي الْحِيطَان وَمَا يتَعَلَّق بهَا الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي السّير
стр. 2
الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيمَا يكون إسلاما من الْكَافِر ومالا يكون وَمَا يكون كفرا من الْمُسلم ومالا يكون الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي الْوَصَايَا الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِي الْفَرَائِض الْفَصْل الثَّلَاثُونَ فِي مسَائِل شَتَّى وَهُوَ الختام
وَقد شرعت فِيهِ مستعينا بالحي الَّذِي لَا ينَام وَهُوَ الْمُوفق بمنه وَكَرمه للإتمام
الْفَصْل الأول فِي آدَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْقَضَاء فِي اللُّغَة عبارَة عَن اللُّزُوم وَلِهَذَا سمي القَاضِي لِأَنَّهُ يلْزم النَّاس وَفِي الشَّرْع يُرَاد بِالْقضَاءِ فصل الْخُصُومَات وَقطع المنازعات وَيجوز تَقْلِيد الْقَضَاء من السُّلْطَان الْعَادِل والجائر أما الْعَادِل فَلِأَن النَّبِي ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن قَاضِيا وَولى عُثْمَان بن اسيد على مَكَّة أَمِيرا وَأما الجائر فَلِأَن الصَّحَابَة ﵃ تقلدوا الْأَعْمَال من مُعَاوِيَة بعد أَن أظهر الْخلاف مَعَ عَليّ ﵁ وَكَانَ الْحق مَعَ عَليّ وَإِنَّمَا يجوز التَّقْلِيد من السُّلْطَان الجائر إِذا كَانَ يُمكنهُ من الْقَضَاء بِحَق وَأما إِذا كَانَ لَا يُمكنهُ فَلَا وَإِنَّمَا يتقلد الْقَضَاء من يكون عدلا فِي نَفسه عَالما بِالْكتاب وَالسّنة وَالِاجْتِهَاد وَشَرطه أَن يكون عَالما من الْكتاب وَالسّنة مَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام لَا المواعظ وَقيل إِنَّه إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطئه حل لَهُ الِاجْتِهَاد وَكَون القَاضِي مُجْتَهدا لَيْسَ بِشَرْط وَيَقْضِي بِمَا سَمعه أَو بفتوى غَيره وَأجْمع الْفُقَهَاء أَن الْمُفْتِي يجب أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد وَقَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَا وَفِي الْمُلْتَقط إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطئه حل لَهُ الْإِفْتَاء وَإِن لم يكن مُجْتَهدا لَا يحل لَهُ الْفَتْوَى إِلَّا بطرِيق الْحِكَايَة فيحكي مَا يحفظه من أَقْوَال الْفُقَهَاء والمفتي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أفتى بقول الإِمَام ﵀ أَو بقول صَاحِبيهِ رحمهمَا الله تَعَالَى وَعَن ابْن الْمُبَارك رَحمَه الله تَعَالَى يَأْخُذ بقول الإِمَام لَا غير وَإِن كَانَ مَعَه أحد صَاحِبيهِ أَخذ بقولهمَا لَا محَالة كَذَا ذكره الْبَزَّاز فِي جَامعه
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الدُّخُول فِي الْقَضَاء مِنْهُم من قَالَ يجوز الدُّخُول فِيهِ مُخْتَارًا وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجوز الدُّخُول فِيهِ إِلَّا مكْرها أَلا ترى أَن الإِمَام الْأَعْظَم رَحمَه الله تَعَالَى دعى إِلَى الْقَضَاء ثَلَاث مَرَّات فَأبى حَتَّى أَنه ضرب فِي كل مرّة ثَلَاثِينَ سَوْطًا وَمُحَمّد رَحمَه الله تَعَالَى امْتنع فقيد وَحبس فاضطر فتقلد
وَقَالَ ﷺ من جعل على الْقَضَاء فَكَأَنَّمَا ذبح بِغَيْر سكين إِنَّمَا شبه بِهَذَا لِأَن السكين تعْمل فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن أما الْقَتْل بِغَيْر سكين فَهُوَ الْقَتْل بطرِيق الخنق وَالْغَم وَأَنه يُؤثر فِي الْبَاطِن دون الظَّاهِر وَالْقَضَاء كَذَلِك لَا يُؤثر فِي الظَّاهِر لِأَن ظَاهره جاه وحشمة لَكِن يُؤثر فِي الْبَاطِن فَإِنَّهُ سَبَب الْهَلَاك فَشبه بِهِ لهَذَا كَذَا فِي الملحقات
وَقَالَ ﵊ من طلب الْولَايَة وكل إِلَيْهَا وَمن لم يطْلبهَا فَإِن الله تَعَالَى يُرْسل إِلَيْهِ ملكَيْنِ فيسد دانه وَقَالَ ﵇ الْقَضَاء ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة الحَدِيث وَمعنى ذَلِك كُله التحذير عَن طلب الْقَضَاء وَالدُّخُول فِيهِ إِلَّا أَنه قد دخل فِي الْقَضَاء قوم صَالِحُونَ واجتنبه قوم صَالِحُونَ هَذَا كُله إِذا كَانَ فِي الْبَلدة قوم يصلحون للْقَضَاء أما إِذا لم يكن من يصلح للْقَضَاء فَإِنَّهُ يدْخل وَإِذا كَانَ فِي الْبَلدة قوم يصلحون فَإِذا امْتنع وَاحِد مِنْهُم لَا يَأْثَم وَإِذا لم يكن وَامْتنع يَأْثَم وَلَو كَانَ فِي الْبَلدة
стр. 3
قوم يصلحون فامتنعوا جَمِيعًا وَكَانَ السُّلْطَان لَا يسمع الْخُصُومَات بِنَفسِهِ يأثمون لِأَنَّهُ تَضْييع لأحكام الله تَعَالَى
وَفِي التَّنْبِيه وَعند الشَّافِعِي ﵀ إِذا كَانَ القَاضِي فَقِيرا أَو قَصده اسْتِعْمَال الْأَحْكَام لحركة يجوز لَهُ أَن يطْلب الْقَضَاء
قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يتْرك القَاضِي على الْقَضَاء الا سنة وَاحِدَة لِأَنَّهُ مَتى اشْتغل بذلك نسي الْعلم فَيَقَع الْخلَل فِي الحكم فَيجوز للسُّلْطَان أَن يعْزل القَاضِي بريبة وَبِغير رِيبَة وَيَقُول السُّلْطَان للْقَاضِي مَا عزلتك للْفَسَاد فِيك وَلَكِن أخْشَى عَلَيْك أَن تنسى الْعلم فادرس الْعلم ثمَّ عد الينا حَتَّى نقدلك ثَانِيًا
وَلَا يسلم على القَاضِي فِي مجْلِس قَضَائِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جلس لفصل الْخُصُومَات لَا لرد السَّلَام وَأما الْأُمَنَاء الَّذين هم فِي مَجْلِسه هَل يسلم عَلَيْهِم الصَّحِيح أَنه إِن سلمُوا على النَّاس يسلم عَلَيْهِم
وَيكرهُ للْقَاضِي أَن يُفْتِي فِيهِ فِي مجْلِس للْقَضَاء وَفِي غَيره اخْتلف الْمَشَايِخ قيل يكره لِأَن الْخُصُوم يدْخلُونَ عَلَيْهِ بالحيل الْبَاطِلَة وَهَذَا يَشْمَل الْمجْلس وَغَيره وَقيل يُفْتِي فِي الْعِبَادَات وَلَا يُفْتِي فِي الْمُعَامَلَات كَذَا فِي الْمُحِيط
وَفِي المحلقات وَإِذا اخْتصم إِلَى القَاضِي اخوة أَو بَنو أعمام يَنْبَغِي لَهُ أَن يدافعهم قَلِيلا وَلَا يعجل بِالْقضَاءِ بَينهم لَعَلَّهُم يصطلحون لِأَن الْقَضَاء إِن وَقع بِحَق فَرُبمَا يَقع سَببا للعداوة بَينهم كَذَا ذكر هُنَا وَهَذَا لَا يخْتَص بالأقارب بل يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك أَيْضا إِذا وَقعت الْخُصُومَة بَين الْأَجَانِب لِأَن مر الْقَضَاء يُورث الضغينة فيحترز عَنهُ مَا أمكن انْتهى
قَالَ جلال الدّين أَبُو المحامد حَامِد بن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب السجلات يجوز للْقَاضِي أَخذ الْأُجْرَة على كتبه السجلات والمحاضر وَغَيرهَا من الوثائق بِمِقْدَار أُجْرَة الْمثل وَذَلِكَ لِأَن القَاضِي إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وإيصال الْحق إِلَى مُسْتَحقّه فَحسب أما الْكِتَابَة فَزِيَادَة عمل يعمله للمقضى لَهُ وعَلى هَذَا قَالُوا لَا بَأْس للمفتي أَن يَأْخُذ شَيْئا على كِتَابَة جَوَاب الْفَتْوَى وَذَلِكَ لِأَن الْوَاجِب على الْمُفْتى الْجَواب بِاللِّسَانِ دون الْكِتَابَة بالبنان وَمَعَ هَذَا الْكَفّ عَن ذَلِك أولى احْتِرَازًا من القيل والقال وصيانة لماء الْوَجْه عَن الابتذال
مَسْأَلَة لَا يصير الرجل أَهلا للْفَتْوَى مَا لم يكن صَوَابه أَكثر من خطئه وَذَلِكَ لِأَن صَوَابه مَتى كثر غلب والمغلوب فِي مُقَابلَة الْغَالِب سَاقِط كَذَا فِي الملتقطات
وَذكر فِي الْبُسْتَان قَالَ الْفَقِيه كَانَ بَعضهم يكره الْفَتْوَى لما روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أجرأكم على النَّار أجرؤكم على الْفَتْوَى وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتِي جبارا فظا غليظا بل يكون متواضعا
مَسْأَلَة أجر الْمثل فِي أَخذ الْأُجْرَة على كِتَابَة المحاضر والسجلات والوثائق فِي كل ألف دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم إِلَى الْعشْرَة وَالصَّحِيح أَنه يرجع فِي الْأُجْرَة إِلَى مِقْدَار طول الْكِتَابَة وقصرها وصعوبتها وسهولتها وَأما أَخذ القَاضِي الْأُجْرَة على الْأَنْكِحَة الَّتِي يُبَاشِرهَا مثل نِكَاح الصغار والأرامل اللَّاتِي لَا ولي لَهُنَّ لَا يحل لَهُ أَخذ شَيْء على ذَلِك كَذَا فِي كتاب السجلات
وَفِي الغنية وَيَنْبَغِي أَن ينصب انسانا حَتَّى يقْعد النَّاس بَين يَدي القَاضِي ويقيمهم وَيقْعد الشُّهُود ويقيمهم ويزجر من أَسَاءَ الْأَدَب وَيُسمى صَاحب الْمجْلس والجلواز أَيْضا وَأَنه يَأْخُذ من الْمُدَّعِي شَيْئا لِأَنَّهُ يعْمل لَهُ بإقعاد الشُّهُود على التَّرْتِيب وَغَيره لَكِن لَا يَأْخُذ أَكثر من دِرْهَمَيْنِ وللوكلاء أَن يَأْخُذُوا مِمَّن يعْملُونَ لَهُ من المدعين وَالْمُدَّعى عَلَيْهِم وَلَكِن لَا يَأْخُذُوا لكل مجْلِس أَكثر من دِرْهَمَيْنِ والرجالة يَأْخُذُونَ أُجُورهم مِمَّن يعْملُونَ لَهُ وهم المدعون لكِنهمْ يَأْخُذُونَ فِي الْمصر نصف دِرْهَم إِلَى دِرْهَم وَإِذا خَرجُوا إِلَى الرساتيق
стр. 4
لَا يَأْخُذُونَ لكل فَرسَخ أَكثر من ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو أَرْبَعَة هَكَذَا وَضعه الْعلمَاء الأتقياء الْكِبَار وَهِي أجور أمثالهم وَأُجْرَة الْكَاتِب على من يكْتب لَهُ الْكَاتِب وَأُجْرَة البواب على القَاضِي وَإِذا بعث أَمينا للتعجيل فالجعل على الْمُدَّعِي كالصحيفة قَالَ مت مُؤنَة الرجالة على الْمُدَّعِي فِي الِابْتِدَاء فَإِذا امْتنع فعل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَكَأن هَذَا اسْتِحْسَان مَال إِلَيْهِ للزجر فَإِن الْقيَاس أَن يكون على الْمُدَّعِي فِي الْحَالين المزكى يَأْخُذ الْأُجْرَة من الْمُدَّعِي وَكَذَا الْمَبْعُوث للتعديل قضى فِي ولَايَته ثمَّ اشْهَدْ على قَضَائِهِ فِي غير ولَايَته لَا يَصح الْإِشْهَاد انْتهى كَلَام الغنية
روى أَن دَاوُد ﵇ لما أَمر بفصل الْقَضَاء نزلت السلسلة من السَّمَاء فَإِذا تقدم إِلَيْهِ الخصمان فالمحق مِنْهُمَا تنزل السلسلة لَهُ والمبطل مِنْهُمَا تتقلص عَنهُ السلسلة فَرفعت وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه احتال بعض النَّاس وَذَلِكَ أَن رجلا أودع عِنْد رجل دَنَانِير ثمَّ جحد الْمُودع الدَّنَانِير وَكَانَ شَيخنَا مَعَه الْعَصَا فاختصما إِلَى دَاوُد ﵇ فاحتال الْمُودع وفقر الْعَصَا وَجعل الدَّنَانِير فِيهَا فَلَمَّا اخْتَصمَا قَامَ الْمُدَّعِي فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ للْمُدَّعِي خُذ عصاي حَتَّى أنال السلسلة فَأَخذهَا فَكَانَ محقا فِي الْإِنْكَار فتحير دَاوُد ﵇ فَأخْبرهُ جِبْرِيل ﵇ بذلك فَقطع دَاوُد الْعَصَا فَأمر الله أَن يقْضِي بِبَيِّنَة الْمُدَّعِي وَيَمِين الْمُدَّعِي عَلَيْهِ
وَذكر فِي الْوَاقِعَات أَن القَاضِي إِذا ارْتَدَّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه أَو فسق ثمَّ صلح فَهُوَ على حَاله إِلَّا أَن مَا قضى بِهِ فِي حَال الارتداد وَالْفِسْق بَاطِل وبنفس الْفسق لَا يَنْعَزِل وَلَو حكم بالرشوة كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلا
وَفِي فُصُول الْعِمَاد القَاضِي إِذا أَخذ الرِّشْوَة ثمَّ بعث إِلَى شَافِعِيّ الْمَذْهَب أَو إِلَى رجل آخر ليسمع الْخُصُومَة بَين اثْنَيْنِ وَيحكم بَينهمَا لَا ينفذ قَضَاء الثَّانِي وَلَا حكمه لِأَن القَاضِي الأول عمل فِي هَذَا لنَفسِهِ حِين أَخذ الرِّشْوَة وَالْفَاسِق إِذا قلد الْقَضَاء يصير قَاضِيا وَمَا قضى بِهِ نفذ قَضَاؤُهُ إِلَّا أَن لقاض آخر أَن يُبطلهُ إِذا كَانَ من رَأْيه خلاف ذَلِك وَمَتى أبْطلهُ لَيْسَ لقاض آخر أَن ينفذهُ وَهَذَا قَول عُلَمَائِنَا
قَاضِي كرخ وقاضي سرخس التقيا فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر إِن فلَانا أقرّ لفُلَان بِكَذَا لَا يجوز للْآخر أَن يقْضِي مَا لم يبْعَث إِلَيْهِ الرقعة يُرِيد بِهِ كتاب القَاضِي وَإِذا علم بِحَق الْإِنْسَان قبل تَقْلِيده الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بِهِ عِنْد أبي حنيفَة ﵀ خلافًا لَهما وَأما إِذا علم بعد تَقْلِيده الْقَضَاء فِي الْمصر الَّذِي هُوَ قَاض فِيهِ أَو فِي مجْلِس الْقَضَاء فَإِنَّهُ يقْضِي فِي حُقُوق الْعباد وَلَا يقْضِي فِيمَا هُوَ خَالص حق الله تَعَالَى إِلَّا فِي السَّكْرَان إِذا وجد بِهِ أَمَارَات السكر فَإِنَّهُ يعزره لِأَن ذَلِك تَعْزِير لَيْسَ بِحَدّ وَأما إِذا علم فِي غير مجْلِس الْقَضَاء فَهُوَ على الْخلاف الَّذِي ذكرته فِي الْوَجْه الأول
وَحكى عَن أبي بكر الْأَعْمَش أَن القَاضِي يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ الْأَمِير لَا يَنْعَزِل لِأَن مبْنى الْقَضَاء على الْعدْل والإمارة على الْقَهْر وَالْغَلَبَة انْتهى
رجل جَاءَ إِلَى القَاضِي وَقَالَ إِن لي على فلَان حَقًا فَإِذا كَانَ الْمَطْلُوب خَارج الْمصر وَكَانَ بِحَيْثُ لَو ابتكر من أَهله أمكنه أَن يحضر مجْلِس الْحَاكِم ويبيت فِي منزله فَإِنَّهُ يعديه اسْتِحْسَانًا فَإِنَّهُ كَمَا عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أعدى ذَلِك الْأَعرَابِي فِي قَضِيَّة أبي جهل وَقَامَ ﵊ بِنَفسِهِ وَفِي الْقيَاس لَا يعديه حَتَّى يُقيم بَيِّنَة بِالْحَقِّ فِي جِهَته وَهَذِه الْبَيِّنَة لَيست للْحكم بل لكشف الْحَال فَإِذا حضر أعَاد الْبَيِّنَة وَقيل يحلف أَنه محق فِي الدَّعْوَى كَذَا فِي الْمُحِيط
وَفِي الرَّوْضَة يجوز للْقَاضِي قبُول صلَة وَإِلَى بَلَده وإخوانه إِذا لم يكن ذَلِك لأجل الْقَضَاء
стр. 5
رجل جَاءَ بخصمه إِلَى القَاضِي فَقَالَ أحضر غَدا شهودي بذلك فَخذ كَفِيلا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يفعل ذَلِك فِي قَول أبي حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله
وَفِي أدب القَاضِي للخصاف لَا يمشي القَاضِي فِي السُّوق وَحده ويتخذ أعوانا بَين يَدَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي فِي غير مجْلِس الْقَضَاء مَا دَامَ قَاضِيا بل يولي غَيره مِمَّن يَثِق بِهِ ويروى عَن مُحَمَّد ﵀ أَنه يَبِيع وَيَشْتَرِي فِي غير مجْلِس الْقَضَاء وَلَو كَانَت على الْخصم بَيِّنَة واختفى فَإِنَّهُ لَا يقْضى عَلَيْهِ كَذَا فِي واقعات عمر وَفِي البزازي وَلم يجوزوا الهجوم على بَيته ووسع فِي ذَلِك بعض أَصْحَابنَا وَفعل ذَلِك وَقت قَضَائِهِ وَصورته قَالَ الْخصم إِنَّه توارى وَطلب الهجوم بعث أمينين مَعَهُمَا أعوانه وَنسَاء فَيقوم الأعوان من جَانب السِّكَّة والسطح وَتدْخل النِّسَاء حرمه ثمَّ أعوان القَاضِي فيفتشون الغرف وَتَحْت السرير وَعَامة أَصْحَابنَا لم يجوزوا الهجوم اه
وَلَو قضى القَاضِي بقول مرجوع عَنهُ جَازَ قَضَاؤُهُ وَكَذَا لَو قضى بقول يُخَالف قَول عُلَمَائِنَا وَهُوَ من أهل الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد وَلَو قضى بِشَاهِد وَيَمِين ثمَّ رفع إِلَى حَاكم لَا يرَاهُ جَازَ لَهُ إِبْطَاله فَإِن رفع قبل إِبْطَاله إِلَى حَاكم يرى جَوَازه فنفذه لَيْسَ لحَاكم آخر لَا يرَاهُ جَائِزا إِبْطَاله وعَلى هَذَا الِاعْتِبَار جَمِيع الْأَحْكَام الْمُخْتَلفَة وَإِن حكم بِخِلَاف مذْهبه وَلم يعلم بِهِ جَازَ فِي قَول أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يجوز وَإِن كَانَ هَذَا غَلطا مِنْهُ
وَفِي شرح أدب القَاضِي للخصاف قَاض قضى بِإِبْطَال حق رجل فِي دَار وَذَلِكَ أَنه أَقَامَ سِنِين لَا يبطل حَقه فَأبْطل القَاضِي حَقه من أجل ذَلِك ثمَّ رفع إِلَى قَاض آخر فَإِنَّهُ يبطل قَضَاء القَاضِي بذلك وَيجْعَل الرجل على حَقه فِي الدَّار لِأَن بعض الْعلمَاء وَإِن قَالَ من لَهُ دَعْوَى فِي دَار فِي يَد رجل فَلم يُطَالب ثَلَاث سِنِين وَهُوَ فِي الْمصر فقد بَطل حَقه لَكِن هَذَا القَوْل قَول مَجْهُول مهجور مُخَالف لقَوْل جُمْهُور من الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء فَكَانَ خلافًا لَا اخْتِلَافا وَالْقَضَاء فِي مَوضِع الْخلاف لَا ينفذ فَإِذا رفع إِلَى قَاض آخر كَانَ لَهُ أَن يُبطلهُ وَالْفرق بَين الْخلاف وَالِاخْتِلَاف أَن الِاخْتِلَاف مَا كَانَ طريقهم وَاحِدًا وَالْمَقْصُود مُخْتَلف وَالْخلاف مَا كَانَ طريقهم مُخْتَلفا
وَقعت لرجل مَسْأَلَة ثمَّ حكم الْحَاكِم بِغَيْر مَا أفتوا بِهِ فَإِنَّهُ يتْرك فَتْوَى الْفُقَهَاء إِلَى مَا يرَاهُ الْحَاكِم إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة خلافية لِأَن الْفَتْوَى لَا تنفذ وَالْحكم ينفذ كَذَا فِي تَكْمِلَة التكملة
وَذكر فِي الْمُحِيط إِذا زنى رجل بِأم امْرَأَته وَلم يدْخل بهَا فَرَأى القَاضِي أَن لَا يحرمها عَلَيْهِ فأقرها مَعَه وَقضى بذلك نفذ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ قَضَاء فِي مَحل مُجْتَهد فِيهِ ثمَّ نَفاذ هَذَا الْقَضَاء فِي حق الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مُتَّفق عَلَيْهِ وَفِي حق المقضى لَهُ إِن كَانَ عَالما فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَعند أبي يُوسُف ﵀ إِن كَانَ الْمَحْكُوم لَهُ يعْتَقد الْحُرْمَة وَقضى القَاضِي بِالْحلِّ لَا يتْرك رَأْي نَفسه بِإِبَاحَة القَاضِي كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
نوع فِيمَا يكون حكما من القَاضِي وَمَا لَا يكون إِذا قَالَ القَاضِي ثَبت عِنْدِي أَن لهَذَا على هَذَا كَذَا هَل يكون ذَلِك حكما مِنْهُ قَالَ بَعضهم يكون حكما وَكَانَ شمس الْأَئِمَّة مَحْمُود الأوزجندي يَقُول لَا بُد أَن يَقُول حكمت أَو قضيت أَو أنفذت عَلَيْك الْقَضَاء وَهَكَذَا ذكر الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى فِي واقعاته وَالصَّحِيح أَن قَوْله حكمت أَو قضيت لَيْسَ بِشَرْط وَأَن قَوْله ثَبت عِنْدِي كَذَا يَكْفِي وَكَذَا إِذا قَالَ ظهر عِنْدِي أَو صَحَّ عِنْدِي أَو علمت فَهَذَا كُله حكم وَكَذَا قَوْله أشهد عَلَيْهِ يكون حكما مِنْهُ
قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي قَول القَاضِي ثَبت عِنْدِي يكون حكما وَبِه نَأْخُذ لَكِن الأولى أَن يبين أَن
стр. 6
الثُّبُوت بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ لِأَن حكم القَاضِي بِالْبَيِّنَةِ يُخَالف الحكم بِالْإِقْرَارِ وَفِي الْعدة إِذا قَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا أرى لَك حَقًا فِي هَذَا الْمُدَّعِي لَا يكون هَذَا حكما مِنْهُ وَكَذَا لَو قَالَ بعد الشَّهَادَة وَطلب الحكم سلم الْمَحْدُود إِلَى الْمُدَّعِي لَا يكون هَذَا حكما مِنْهُ وَقيل انه يكون حكما مِنْهُ لِأَن أمره إِلْزَام وَحكم
إِذا كَانَ فِي الْمصر قاضيان كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي محلّة على حِدة فَوَقَعت خُصُومَة بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا فِي محلّة وَالْآخر فِي محلّة أُخْرَى وَالْمُدَّعِي يُرِيد أَن يخاصمه إِلَى قَاضِي محلته وَالْآخر يأباه قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ الْعبْرَة للْمُدَّعِي وَقَالَ مُحَمَّد لَا بل الْعبْرَة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَكَذَا لَو كَانَ أَحدهمَا من أهل الْعَسْكَر وَالْآخر من أهل الْبَلَد فَإِن أَرَادَ العسكري أَن يخاصمه إِلَى قَاضِي الْعَسْكَر فَهُوَ على هَذَا وَلَا ولَايَة لقَاضِي الْعَسْكَر على غير الجندي وَمن كَانَ محترفا فِي سوق الْعَسْكَر فَهُوَ جندي أَيْضا
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى قُضَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا خَرجُوا مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُم أَن يحكموا فِي أَي بَلْدَة نزل فِيهَا الْخَلِيفَة لأَنهم لَيْسُوا قُضَاة أَرض إِنَّمَا هم قُضَاة الْخَلِيفَة وَإِن خَرجُوا بِدُونِ الْخَلِيفَة لَيْسَ لَهُم الْقَضَاء
وَذكر الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم بن قطلوا بغى الجمالي فِي مُؤَلفه مَا نَصه اعْلَم أَنه قد اخْتلف الْعَمَل فِي التَّنْفِيذ فتنفيذهم الْآن هُوَ أَن يشْهد شُهُود الْحَاكِم عِنْد قَاض آخر بِمَا نسب إِلَى الْحَاكِم فِي أسجاله وَهَذَا يُسمى فِي الْحَقِيقَة إِثْبَاتًا وَلَيْسَ فِيهِ حكم وَلَا مَا يساعد على الحكم فَلَا اثر لَهُ فِي الْقَضَاء الْمُخْتَلف فِيهِ كالقضاء على الْغَائِب وَنَحْوه لخلوه عَن الدَّعْوَى من الْخصم على الْخصم وَالْحكم وَلِهَذَا قَالَ فِي كتاب الْأَحْكَام تنفيذات الْأَحْكَام الصادرة عَن الْحُكَّام فِيمَا تقدم الحكم فِيهِ من غير المنفذ بِأَن يَقُول ثَبت عِنْدِي أَنه ثَبت عِنْد فلَان لحَاكم من الْحُكَّام كَذَا وَكَذَا وَهَذَا لَيْسَ حكما من المنفذ الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ فَيجب إِذا قَالَ ثَبت عِنْدِي أَن فلَانا حكم بِكَذَا وَهَذَا لَيْسَ حكما من هَذَا الْمُثبت بل لَو اعْتقد أَن ذَلِك الحكم على خلاف الْإِجْمَاع صَحَّ أم يَقُول ثَبت عِنْدِي أَنه ثَبت عِنْد فلَان كَذَا وَكَذَا لِأَن التَّصَرُّف الْفَاسِد وَالْحرَام قد يثبت عِنْد الْحَاكِم ليرتب عَلَيْهِ تَأْدِيب ذَلِك الْحَاكِم أَو نَحوه
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي التَّنْفِيذ حكم الْبَتَّةَ وَلَا يعْتَبر بِكَثْرَة الْإِثْبَات عِنْد الْحُكَّام فَهُوَ حكم وَاحِد وَهُوَ الأول إِلَّا أَن يَقُول الثَّانِي حكمت بِمَا حكم بِهِ الأول اه
قلت وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَن يَقُول حكمت بِمَا حكم بِهِ الأول إِلَّا بعد أَن يجْرِي بَين يَدَيْهِ خُصُومَة صَحِيحَة من خصم على خصم
القَاضِي إِذا نصب وَصِيّا فِي تَرِكَة أَيْتَام وهم فِي ولَايَته والتركة لَيست فِي ولَايَته أَو كَانَت التَّرِكَة فِي ولَايَته والأيتام لم يَكُونُوا فِي ولَايَته أَو كَانَ بعض التَّرِكَة فِي ولَايَته وَالْبَعْض الآخر لم يكن فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي يَصح النصب على كل حَال وَيعْتَبر التظالم والاستعداء وَيصير الْوَصِيّ وَصِيّا فِي جَمِيع التَّرِكَة أَيْنَمَا كَانَت التَّرِكَة وَكَانَ ركن الْإِسْلَام على السغدي يَقُول مَا كَانَ من التَّرِكَة فِي ولَايَته يصير وَصِيّا فِيهِ ومالا يكون فَلَا وَقيل يشْتَرط لصِحَّة النصب كَون الْيَتِيم فِي ولَايَته وَلَا يشْتَرط كَون التَّرِكَة فِي ولَايَته
وَلَو نصب القَاضِي مُتَوَلِّيًا فِي وقف وَلم يكن الْوَقْف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة إِذا وَقعت الْمُطَالبَة فِي مجْلِس صَحَّ النصب وَقَالَ ركن الْإِسْلَام لَا يَصح وَإِن كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ولَايَته وَلم تكن ضَيْعَة الْوَقْف فِي ولَايَته فَإِن كَانَت لطلبة الْعلم أَو رِبَاطًا أَو مَسْجِدا فِي مصره وَلم تكن ضَيْعَة الْوَقْف
стр. 7
فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى يعْتَبر التظالم والاستعداء وَقَالَ ركن الْإِسْلَام إِذا كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ حَاضرا يجوز
وَذكر فِي مَجْمُوع النَّوَازِل قَاضِي سَمَرْقَنْد نصب قيمًا فِي مَحْدُود وقف ببخارى وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ بسمرقند صحت الدَّعْوَى والسجل
وروى عَن بعض الْمَشَايِخ القَاضِي إِذا نصب وَصِيّا فِي تَرِكَة لَيست فِي ولَايَته لَا يجوز وَهُوَ فَتْوَى صَاحب الْفُصُول وفتوى مَشَايِخ مرو وَقَالَ الإِمَام شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي يجوز وَالْعبْرَة للخصومة وَذكر رشيد الدّين فِي فَتَاوَاهُ الْيَتِيم إِذا كَانَ من بُخَارى لَا يجوز نصب الْوَصِيّ من قَاضِي سَمَرْقَنْد وَلَو كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ بسمرقند وَالْمُتوَلِّيّ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ ببخارى صَحَّ حكم قَاضِي بُخَارى بِأَنَّهُ وقف على فلَان وَيكون الْمُتَوَلِي قَائِما مقَام الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَيكْتب إِلَى قَاضِي سَمَرْقَنْد ليسلم إِلَى الْمُتَوَلِي اه
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَيقبل كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي كل حق يسْقط بِشُبْهَة لِأَن كِتَابه كالخطاب فِي مجْلِس قَضَائِهِ بِخِلَاف رِسَالَة القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الْحُقُوق فَإِنَّهَا لَا تقبل لِأَن الرَّسُول ينْقل خطاب الْمُرْسل وَالنَّقْل اقْتصر على هَذَا الْموضع والمرسل فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ بقاض وَقَول القَاضِي فِي غير مَوضِع قَضَائِهِ كَقَوْل وَاحِد من الرّعية
وَفِي المنبع وَإِذا مَاتَ الْكَاتِب أَو عزل أَو خرج عَن أَهْلِيَّة الْقَضَاء بِأَن ارْتَدَّ أَو عمى أَو جن أَو فسق هَل يعْمل القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بكتابه ينظر إِن كَانَ ذَلِك عرض لِلْكَاتِبِ قبل الْوُصُول إِلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو بعد الْوُصُول وَقبل الْقِرَاءَة لم يقْض بِهِ الثَّانِي عِنْدهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف فِي الأمالي يقْضِي بِهِ وَلَو وصل إِلَيْهِ ثمَّ عرضت لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء يقْضِي بِهِ بِالْإِجْمَاع وَكَذَا لَو مَاتَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو عزل قبل وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ ثمَّ وصل إِلَى القَاضِي الَّذِي ولى مَكَانَهُ لم يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ لم يكْتب إِلَيْهِ الا إِذا كتب إِلَى فلَان قَاضِي بلد كَذَا أَو إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من قُضَاة الْمُسلمين فَإِنَّهُ يجوز أَن يقْضِي بِهِ من قَامَ مقَام الْمَكْتُوب إِلَيْهِ لِأَن الْكَاتِب إِذا عرف الأول صحت كِتَابَة القَاضِي إِلَيْهِ وَلَو كتب ابْتِدَاء من فلَان قَاضِي بلد كَذَا إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من قُضَاة الْمُسلمين لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز تسهيلا لِلْأَمْرِ على النَّاس
نوع فِي الْعَزْل تَعْلِيق عزل القَاضِي بِالشّرطِ جَائِز وَقَالَ ظهير الدّين المرغيناني وَنحن لَا نفتي بِصِحَّة تَعْلِيق الْعَزْل بِالشّرطِ
أَرْبَعَة خِصَال إِذا حلت بِالْقَاضِي صَار معزولا ذهَاب الْبَصَر وَذَهَاب السّمع وَذَهَاب الْعقل وَالرِّدَّة وَإِذا عزل السُّلْطَان القَاضِي لَا يَنْعَزِل مَا لم يصر الْخَبَر إِلَيْهِ كَالْوَكِيلِ حَتَّى لَو قضى بقضايا قبل وُصُول الْخَبَر إِلَيْهِ تنفذ وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه لَا يَنْعَزِل وَإِن علم بعزله مَا لم يُقَلّد غَيره مَكَانَهُ وَيقدم صِيَانة لحقوق النَّاس ونعتبره بِإِمَام الْجُمُعَة إِذا عزل وَهَذَا إِذا حصل الْعَزْل مُطلقًا أما إِذا حصل مُعَلّقا بِشَرْط وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ لَا يَنْعَزِل مَا لم يصل إِلَيْهِ الْكتاب علم بِالْعَزْلِ قبل وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ أَو لم يعلم وَرِوَايَة أبي يُوسُف تتأتى هُنَا أَيْضا
موت السُّلْطَان لَا يُوجب عزل القَاضِي حَتَّى لَو مَاتَ الْخَلِيفَة وَله أُمَرَاء وقضاة فهم على حَالهم وَلَيْسَ هَذَا كَالْوكَالَةِ وَكَذَا موت القَاضِي لَا يُوجب عزل النَّائِب وَلَو عزل السُّلْطَان القَاضِي يَنْعَزِل نَائِبه بِخِلَاف
стр. 8
مَا إِذا مَاتَ القَاضِي حَيْثُ لَا يَنْعَزِل نَائِبه هَكَذَا قيل وَيَنْبَغِي أَن لَا يَنْعَزِل النَّائِب بعزله القَاضِي لِأَنَّهُ نَائِب السُّلْطَان أَو نَائِب الْعَامَّة أَلا ترى أَنه لَا يَنْعَزِل بِمَوْت القَاضِي وَعَلِيهِ كثير من مَشَايِخنَا وَإِذا عزل السُّلْطَان نَائِب القَاضِي لَا يَنْعَزِل القَاضِي
القَاضِي إِذا قَالَ عزلت نَفسِي أَو أخرجت نَفسِي عَن الْقَضَاء وَسمع السُّلْطَان يَنْعَزِل كَمَا فِي الْوَكِيل أما بِدُونِ سَماع السُّلْطَان فَلَا وَقيل لَا يَنْعَزِل القَاضِي بعزله نَفسه أصلا لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْعَامَّة وَحقّ الْعَامَّة مُتَعَلق بِقَضَائِهِ فَلَا يملك عزل نَفسه كَذَا فِي الْفُصُول
وَفِي جَامع الفتاوي كَانَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر يَقُول كَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر الاسكاف يَقُول تَوْلِيَة الْحُكَّام الْقُضَاة فِي دِيَارنَا غير صَحِيح لِأَن الْمولى لَا يواجههم بالتقليد
وَفِي شرح الْوِقَايَة وَصَحَّ قَضَاء الْمَرْأَة فِي غير حد وقود اعْتِبَارا بشهادتها قلت الْجِهَة الجامعة بَينهمَا كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر
السُّلْطَان إِذا حكم بَين اثْنَيْنِ لَا ينفذ وَقيل ينفذ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
بَاعَ الْمُدبر وَأم الْوَلَد ثمَّ ارتفعا إِلَى القَاضِي فَأجَاز بيعهمَا ثمَّ ارتفعا إِلَى قَاض آخر يمْضِي الْقَضَاء إِلَّا فِي أم الْوَلَد لِأَنَّهُ روى أَن عليا ﵁ رَجَعَ عَنهُ
نوع فِي الْحَبْس يحبس بدانق وَفِي كل دين مَا خلا دين الْوَالِدين أَو الأجداد أَو الْجدَّات لوَلَده وَيحبس الْمُسلم بدين الذِّمِّيّ والمستأمن وَعَكسه وَإِذا حبس الْكَفِيل يحبس الْمَكْفُول عَنهُ مَعَه وَإِذا لوزم يلازمه لَو كَانَت الْكفَالَة بأَمْره وَإِلَّا لَا وَلَا يَأْخُذ المَال قبل الْأَدَاء
دلّت الْمَسْأَلَة على جَوَاب الْوَقْعَة وَهُوَ أَن الْمَكْفُول لَهُ يتَمَكَّن من حبس الْأَصِيل وَالْكَفِيل وكفيل الْكَفِيل وَإِن كَثُرُوا وَإِذا خَافَ فراره قَيده وَلَا يخرج لجمعة وَلَا عيد وَلَا جَنَازَة وَلَا عِيَادَة مَرِيض وَيحبس فِي مَوضِع وَحش وَلَا يفرش لَهُ فرَاش وَلَا وطاء وَلَا يدْخل عَلَيْهِ من يسْتَأْنس بِهِ وَفِي الْأَقْضِيَة وَلَا يمْنَع من دُخُول الْجِيرَان عَلَيْهِ وَأَهله لاحتياجه إِلَى الشورى فِي الْقَضَاء وَلَا يمكنون من الْمكْث عِنْده طَويلا وَعَن مُحَمَّد أَنه يخرج فِي موت وَالِده وَولده لَا فِي غَيرهمَا إِذا لم يكن من يقوم عَلَيْهِمَا وَإِلَّا لَا
وَذكر القَاضِي أَن الْكَفِيل يخرج لجنازة الْوَالِدين والأجداد والجدات وَالْأَوْلَاد وَفِي غَيرهم لَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَقَالَ أَبُو بكر الاسكاف إِذا جن لَا يخرج وَلَو مرض فِي الْحَبْس واضناه وَلم يجد من يقوم عَلَيْهِ أخرجه كَذَا عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا غلب عَلَيْهِ الْهَلَاك وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يُخرجهُ والهلاك فِي الْحَبْس وَغَيره سَوَاء وَالْفَتْوَى على رِوَايَة مُحَمَّد وَإِنَّمَا يُطلقهُ إِذا أطلقهُ بكفيل وَإِن لم يجد كَفِيلا لَا يُطلقهُ وحضرة الْخصم بعد التكفيل للإطلاق لَيْسَ بِشَرْط وَلَا يخرج إِلَى الْحمام
وَعَن الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يمْنَع عَن الْوَطْء بِخِلَاف الْأكل لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَالظَّاهِر عدم الْمَنْع لَكِن تدخل عَلَيْهِ زَوجته أَو أمته حَتَّى يَطَأهَا فِي مَوضِع خَال قَالَ وَيمْنَع من الْكسْب فِي الْأَصَح وَإِن خَافَ أَن يفر من الْحَبْس حول إِلَى سجن اللُّصُوص وَإِذا حبس الْمَحْبُوس فِي السجْن مُتَعَنتًا لَا يُوفى المَال قَالَ الإِمَام الأرسابيدي يطين عَلَيْهِ الْبَاب وَيتْرك لَهُ ثقبة يلقى لَهُ مِنْهَا المَاء وَالْخبْز وَقَالَ القَاضِي الرَّأْي فِيهِ إِلَى القَاضِي وَيتْرك لَهُ دست من الثِّيَاب وَيُبَاع الْبَاقِي وَإِن كَانَت لَهُ ثِيَاب حَسَنَة بَاعهَا القَاضِي وَاشْترى لَهُ الْكِفَايَة وَصرف
стр. 9
الْفضل إِلَى الدّين وَيُبَاع مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَال حَتَّى اللبد فِي الصَّيف والنطع فِي الشتَاء وَلَو كَانَ لَهُ كانون من حَدِيد يُبَاع ويشترى لَهُ من الطين وَعَن شُرَيْح رَحمَه الله تَعَالَى أَنه بَاعَ الْعِمَامَة
وَلَو أفلس المُشْتَرِي إِن كَانَ قبل الْقَبْض يَبِيع القَاضِي الْمَبِيع للثّمن وَعند الامام رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَبِيع الْعقار وَلَا الْعرُوض وَقَالَ عِصَام لَا يَبِيع الْعقار إِجْمَاعًا وَالْخلاف فِي الْمَنْقُول وَقيل يَبِيع الْعقار عِنْدهمَا وَهُوَ الْأَصَح
وَفِي شرح الْقَدُورِيّ فِي المَال الْحَاضِر وَفِي الْغَائِب لَا يَبِيع الْعقار وَلَا الْعرُوض وَإِن ظفر بِالدَّنَانِيرِ وَله عَلَيْهِ دَرَاهِم فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يَأْخُذ وَفِي الصُّغْرَى أَنه يَأْخُذ قَالَ الْمَدْيُون أبيع عرضي وأوفي ديني أَجله القَاضِي ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يحْبسهُ وَلَو كَانَ لَهُ عقار يحْبسهُ ليَبِيعهُ وَيَقْضِي الدّين وَلَو كَانَ بِثمن قَلِيل وَإِذا وجد الْمَدْيُون من يقْرضهُ ليقضي بِهِ دينه فَلم يفعل فَهُوَ ظَالِم وَإِن أَرَادَ الدَّائِن إِطْلَاقه بِلَا حُضُور القَاضِي لَهُ ذَلِك فَإِن كَانَ أَمر الْمَدْيُون ظَاهرا عِنْد النَّاس فَالْقَاضِي يقبل بَيِّنَة الْإِعْسَار ويخليه قبل الْمدَّة الَّتِي نذكرها وَإِن كَانَ أمره مُشكلا هَل تقبل الْبَيِّنَة قبل الْحَبْس فِيهِ رِوَايَتَانِ اخْتَار الإِمَام الفضلى الْقبُول وَعَامة الْمَشَايِخ عدم الْقبُول
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي يسْأَل القَاضِي عَنْهَا بعد الْحَبْس فقدردها الفضلى فِي كتاب الْكفَالَة بشهرين أَو ثَلَاثَة وَفِي رِوَايَة الْحسن بأَرْبعَة وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ بِنصْف الْحول وَالصَّحِيح تفويضه إِلَى رَأْي القَاضِي لِأَنَّهُ للضجر والتسارع إِلَى قَضَاء الدّين وأحوال النَّاس فِي ذَلِك مُتَفَاوِتَة وَلَا يشْتَرك فِي بَيِّنَة الْإِعْسَار حَضْرَة الْمُدَّعِي فَإِن برهن الْمَطْلُوب على الْإِعْسَار والطالب على الْيَسَار فَبَيِّنَة الطَّالِب أولى كبينة الْإِبْرَاء مَعَ بَيِّنَة الْإِقْرَار انْتهى وَلَا يشْتَرط بَيَان مَا بِهِ يثبت الْيَسَار
وَذكر القَاضِي يسْأَل القَاضِي عَن الْمَحْبُوس بعد مُدَّة فَإِن أخبر بالإعسار أَخذ مِنْهُ كَفِيلا وخلاه إِن كَانَ صَاحب الدّين غَائِبا وَلَو كَانَ لمَيت على رجل دين وَله وَرَثَة صغَار وكبار لَا يُطلقهُ من الْحَبْس قبل الاستيثاق بكفيل الصغار وَقَالَ الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى يثبت الإفلاس بقول الشُّهُود هُوَ فقر لَا نعلم لَهُ مَالا وَلَا عرضا وَلَا مَا يخرج بِهِ عَن الْفقر وَعَن الصفار يشْهدُونَ أَنه مُفلس معدم لَا نعلم لَهُ مَالا سوى كسوته واختبرناه سرا وعلنا فَإِن لم يخبر أحد عَن حَاله لَكِن ادّعى الْمَدْيُون الْإِعْسَار والدائن الْيَسَار قَالَ فِي التَّجْرِيد لَا يصدق فِي كل دين لَهُ بدل كَثمن أَو قرض أَو حصل بِعقد أَو الْتِزَام كصداق أَو كَفَالَة وَفِي جَامع الصَّدْر ﵀ لَا يصدق فِي الْمهْر الْمُعَجل وَيصدق فِي الْمُؤَجل وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَفِي الأَصْل لَا يصدق فِي الصَدَاق بِلَا فصل بَين مؤجله ومعجله وَفِي الْأَقْضِيَة وَكَذَا لَا يصدق فِي نفقات الْأَقَارِب والزوجات وارش الْجِنَايَات
رب الدّين إِذا ادّعى أَن لَهُ مَالا بعد مَا برهن على الافلاس يحلف عِنْد الامام ﵀ قَالَ الامام الْحلْوانِي لَو طلب الْمَحْبُوس يَمِين الطَّالِب أَنه لَا يعرف أَنه معدم يحلفهُ فَإِن نكل أطلقهُ وَإِن حلف أَبَد حَبسه
وَيجوز الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة لملازمة الْغَرِيم وَقَالَ القَاضِي الْمَذْهَب عندنَا أَنه لَا يلازمه فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ بني لذكر الله تَعَالَى وَبِه يُفْتى
قَالَ هِشَام سَأَلت مُحَمَّدًا ﵀ عَمَّن أخرج من السجْن عَن تفليس قَالَ يلازمه لِأَنَّهُ لَا علم لنا بِحَالهِ لَعَلَّه أخْفى مَاله فتخرجه الْمُلَازمَة ذكر الْمُلَازمَة واراد بِهِ الْحَبْس بِدَلِيل التفاريع قَالَ قلت لَهُ فَإِن كَانَت
стр. 10
الْمُلَازمَة أضرّ بالعيال لكَونه مِمَّن يتكسب بالسعي فِي الطرقات قَالَ آمُر رب الدّين أَن يُوكل غُلَاما لَهُ يكون مَعَه وَلَا أمْنَعهُ عَن طلب مَا يقوته وَعِيَاله يَوْمه وَإِن شَاءَ تَركه أَيَّامًا ثمَّ لَازمه على قدر ذَلِك قَالَ قلت لَهُ إِن كَانَ عَاملا يعْمل بِيَدِهِ قَالَ إِن كَانَ عملا يقدر أَن يعمله حَيْثُ يلازمه لَازمه وَإِن كَانَ عملا لَا يقدر مَعَه على الطّلب خرج وَطلب وَإِن كَانَ فِي ملازمته ذهَاب قوته وَعِيَاله أكلفه أَن يُقيم كَفِيلا بِنَفسِهِ ثمَّ نخلي سَبيله
إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة وَطلب يَمِين خَصمه لَا يستحلفه القَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يُقيم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بعد الْحلف ويفضحه بذلك وَقد أمرنَا بالستر وَقَالا لَهُ أَن يحلفهُ قَالَ الامام الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن شَاءَ القَاضِي مَال إِلَى قَوْله وَإِن شَاءَ مَال إِلَى قَوْلهمَا كَمَا قَالُوا فِي التَّوْكِيل بِلَا رضَا الْخصم يَأْخُذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ
نقد الْمَحْبُوس الدّين والدائن غَائِب إِن شَاءَ القَاضِي أَخذ الدّين وَوَضعه عِنْد عدل وَأطْلقهُ وَإِن شَاءَ أطلقهُ بكفيل ثِقَة بِنَفسِهِ وبالمال وَفِي النَّوَازِل وَكَذَا لَو برهن الْمَحْبُوس على الإفلاس وَرب الدّين غَائِب
وَاسْتحْسن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن تحبس الْمَرْأَة إِذا حبس الزَّوْج وَكَانَ قَاضِي عَنْبَسَة يحبسها مَعَه صِيَانة لَهَا عَن الْفُجُور
قَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ للْقَاضِي أخذت الرِّشْوَة من غريمي وقضيت عَليّ عزره
وَمن أَخذ من السُّلْطَان مَالا حَرَامًا فَحق الْخُصُومَة فِي الْآخِرَة لصَاحب الْحق مَعَ السُّلْطَان وَمَعَ الْقَابِض إِن لم يخلطه السُّلْطَان وَبعد الْخَلْط عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى يكون مَعَ السُّلْطَان لَا غَيره
إِذا أَرَادَ أَن يذهب مَعَ خَصمه إِلَى السُّلْطَان لَا إِلَى القَاضِي يجوز لَهُ ذَلِك شرعا وَلَا يُفْتى بِهِ لكنه إِن عجز عَن الإستيفاء عِنْد القَاضِي ذهب إِلَى السُّلْطَان
القَاضِي إِذا قَاس مَسْأَلَة على مَسْأَلَة وَحكم ثمَّ ظَهرت رِوَايَة بِخِلَافِهِ فالخصومة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ القَاضِي وَالْمُدَّعِي أما مَعَ الْمُدَّعِي فَلِأَنَّهُ آثم بِأخذ المَال وَأما مَعَ القَاضِي فَلِأَنَّهُ آثم بِالِاجْتِهَادِ لِأَن أحدا لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي زَمَاننَا وَبَعض أذكياء خوارزم قَاس الْمُفْتِي على القَاضِي فأوردت عَلَيْهِ أَن القَاضِي صَاحب مُبَاشرَة الحكم والمفتي سَبَب للْحكم فَكيف يُؤَاخذ السَّبَب مَعَ الْمُبَاشر فَانْقَطع وَكَانَ لَهُ أَن يَقُول القَاضِي فِي زَمَاننَا ملْجأ إِلَى الحكم بعد الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَو ترك يلام لِأَنَّهُ غير عَالم حَتَّى يقْضى بِعِلْمِهِ كَذَا فِي البزازي
الْفَصْل الثَّانِي فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى والبينات
الْمُدَّعِي من لَا يجْبر على الْخُصُومَة إِذا تَركهَا وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ من يجْبر على الْخُصُومَة أَي على الْجَواب وَقَالَ مُحَمَّد ﵀ فِي الأَصْل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ هُوَ الْمُنكر وَإِنَّمَا اقْتصر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا عرف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عرف الْمُدَّعِي
وَلَو كَانَت الدَّعْوَى غير صَحِيحَة فَادّعى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الدّفع هَل يسمع وَهل يُمكن إِثْبَات دَفعه من غير تَصْحِيح الدَّعْوَى اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَفِي كتاب الرُّجُوع عَن الشَّهَادَات مَا يدل على أَن الْمُدَّعِي للدَّفْع يُطَالب بتصحيح الدَّعْوَى كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْمُحِيط القَاضِي مُخَيّر إِن شَاءَ سَأَلَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ جَوَابه وَإِن شَاءَ نظر إِلَيْهِ وَإِذا سَأَلَهُ وَجب عَلَيْهِ الْجَواب وَإِذا وَجب عَلَيْهِ الْجَواب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يقْرَأ وينكر أَو يسكت فَإِن أقرّ قضى القَاضِي على الْمُدَّعِي
стр. 11
عَلَيْهِ بِمُوجب إِقْرَاره لظُهُور صدق دَعْوَاهُ بِالْإِقْرَارِ وَإِن أنكر سَأَلَ القَاضِي من الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة المظهرة لصدق دَعْوَاهُ فَقَالَ أَلَك بَيِّنَة لقَوْله ﵊ حِين اخْتصم الْحَضْرَمِيّ والكندي بَين يَدَيْهِ للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة فَقَالَ لَا فَقَالَ لَك يَمِينه فَإِن أحضرها قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذا آتِي الْمُدَّعِي بِشَاهِد فقد ترجح جَانب جِهَة الصدْق بِهِ لَكِن عَارضه شَهَادَة الأَصْل فَإِن الذمم خلقت فِي الأَصْل بَريَّة وَعَن الْحُقُوق عرية فَلَا بُد من شَاهد آخر ليَكُون شغلها بِحجَّة قَوِيَّة اه
وَفِي المنبع قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لي بَيِّنَة على هَذَا الْحق ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على ذَلِك لم تقبل لِأَنَّهُ أكذب بَينته
وَفِي الْبَدَائِع وَإِن قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَة لي ثمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ هَل تقبل روى الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنَّهَا تقبل وروى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنَّهَا لَا تقبل
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَإِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد سُؤال القَاضِي إِيَّاه عَن الدّفع لَا دفع لي ثمَّ جَاءَ بِالدفع فقد قيل يجب أَن تكون الْمَسْأَلَة على الْخلاف بَين أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى بِنَاء على هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَا يحفظ عَن أبي يُوسُف رِوَايَة فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ الْمُدَّعِي كل بَيِّنَة آتى بهَا فهم شُهُود زور وَكَذَلِكَ لَو قَالَ كل شَهَادَة يشْهد لي بهَا فَلَا وَفُلَان على فلَان بِهَذَا الْحق فَلَا حق لي فِيهَا ثمَّ ادّعى بعد ذَلِك شَهَادَتهمَا عَلَيْهِ وَجَاء بهما يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ على هَذَا الْخلاف وَدفع الدَّعْوَى كَمَا هُوَ الصَّحِيح فَكَذَلِك دفع الدّفع وَكَذَلِكَ دفع دفع الدّفع فَصَاعِدا هُوَ الْمُخْتَار
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل ادّعى على رجل شَيْئا من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَالْعرُوض والضياع وَأنكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ كُله وَأَرَادَ تَحْلِيفه فَالْقَاضِي يجمع الْكل ويحلفه يَمِينا وَاحِدًا وَفِي المنبع هَذَا إِذا حلف فَإِن نكل عَن الْيَمين وَلم يحلف يقْضِي القَاضِي بِالنّكُولِ فِي أول مرّة وَهُوَ الْمَذْهَب حَتَّى لَو قضى بِالنّكُولِ مرّة نفذ قَضَاؤُهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن الْخصاف قَالَ يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَقُول لَهُ إِنِّي أعرض عَلَيْك الْيَمين ثَلَاث مَرَّات فَإِن حَلَفت وَإِلَّا قضيت عَلَيْك وَفِي الْكَافِي وَفِي التَّقْدِير بِالثلَاثِ فِي عرض الْيَمين لَازم فِي الْمَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَبِه قَالَ احْمَد وَلَكِن الْجُمْهُور على أَن الْعرض ثَلَاثًا بطرِيق الِاحْتِيَاط وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَذكر فِي الْمُحِيط وَلَو قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد مَا نكل عَن الْيَمين ثَلَاث مَرَّات أَنا أَحْلف يحلفهُ قبل الْقَضَاء بِالنّكُولِ وَبعد الْقَضَاء لَا يحلفهُ وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فعل لَا يقْضِي بِالنّكُولِ وَلَكِن ترد الْيَمين على الْمُدَّعِي وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى وَفِي الْمُحِيط وَيجوز رد الْيَمين على الْمُدَّعِي على وَجه الصُّلْح وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير أَن الصُّلْح عَن الْيَمين جَائِز حَتَّى لَا يكون لَهُ أَن يستحلفه على ذَلِك أبدا فَلَمَّا جَازَ الصُّلْح جَازَ أَيْضا رد الْيَمين إِلَى الْمُدَّعِي على وَجه الصُّلْح
وَفِي الذَّخِيرَة رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم مُؤَجّلَة فَطلب رب الدّين من الْمَدْيُون كَفِيلا فَالْقَاضِي لَا يجْبرهُ على إِعْطَاء الْكَفِيل وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة عَن أَصْحَابنَا ﵏ إِن لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِإِعْطَاء الْكَفِيل وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا وَلَو طلب المُشْتَرِي من البَائِع كَفِيلا بالدرك لَو ظهر لَهُ ذَلِك فِي الدّين الْمُؤَجل أولى
وَفِي الْمُنْتَقى قَالَ رب الدّين مديوني يُرِيد السّفر لَهُ التكفيل وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا
وَفِي البزازي قَالَت زَوجي يُرِيد أَن يغيب فَخذ بِالنَّفَقَةِ كَفِيلا لَا يجبيها الْحَاكِم إِلَى ذَلِك لِأَنَّهَا لم تجب
стр. 12
بعد عَلَيْهِ وَاسْتحْسن الامام الثَّانِي رَحمَه الله تَعَالَى أَخذ الْكَفِيل رفقا بهَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَيجْعَل كَأَنَّهُ كفل بِمَا ذاب لَهَا عَلَيْهِ
وَفِي الْمُحِيط لَو أفتى بقول الإِمَام الثَّانِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي سَائِر الدُّيُون بِأخذ الْكَفِيل كَانَ حسنا رفقا بِالنَّاسِ
عين فِي يَد رجل ادّعى آخر أَنَّهَا ملكه اشْتَرَاهَا من فلَان الْغَائِب وَصدقه ذُو الْيَد على ذَلِك فَالْقَاضِي لَا يَأْمر ذَا الْيَد بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُدَّعِي حَتَّى لَا يكون قَضَاء على الْغَائِب بِالشِّرَاءِ بِإِقْرَارِهِ كَذَا فِي الْعِمَادِيّ وَفِيه ايضا إِذا ادّعى على رجل أَنه كفل عَن فلَان بِمَا يذوب لَهُ عَلَيْهِ فَأقر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَأنكر الْحق فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة أَنه ذاب لَهُ على فلَان كَذَا فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُ بهَا فِي حق الْكَفِيل الْحَاضِر وَفِي حق الْغَائِب جَمِيعًا حَتَّى لَو حضر الْغَائِب وَأنكر لَا يلْتَفت إِلَى إِنْكَاره
قَالَ رجل لامْرَأَة رجل غَائِب إِن زَوجك وكلني أَن أحملك إِلَيْهِ فَقَالَت إِنَّه قد طَلقنِي ثَلَاثًا وأقامت الْبَيِّنَة على ذَلِك يقْضِي بقصر يَد الْوَكِيل عَنْهَا وَلَا يقْضِي بِالطَّلَاق على الْغَائِب حَتَّى لَو حضر الْغَائِب وَأنكر الطَّلَاق تحْتَاج الْمَرْأَة إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة
قَالَ لامْرَأَته إِن طلق فلَان امْرَأَته فَأَنت طَالِق ثمَّ ان امْرَأَة الْحَالِف ادَّعَت أَن فلَانا طلق امْرَأَته وَفُلَان غَائِب وَزوج المدعية حَاضر وأقامت الْبَيِّنَة لَا تقبل وَلَا يحكم بِوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا لِأَن بينتها على طَلَاق فلَان الْغَائِب لَا تصح لِأَن فِي ذَلِك ابْتِدَاء الْقَضَاء على الْغَائِب وَقد أفتى بعض الْمُتَأَخِّرين بِقبُول هَذِه الْبَيِّنَة وبوقوع الطَّلَاق إِلَّا أَن الأول اصح
الانسان إِذا أَقَامَ بَيِّنَة على شَرط حَقه بِإِثْبَات فعل على الْغَائِب فَإِن لم يكن فِيهِ إبِْطَال حق الْغَائِب تقبل هَذِه الْبَيِّنَة وينتصب الْحَاضِر خصما عَن الْغَائِب وَإِن كَانَ فِيهِ إبِْطَال حق الْغَائِب من طَلَاق أَو عتاق أَو بيع أَو مَا أشبه ذَلِك أفتى بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يقبل وَيَقْضِي على الْحَاضِر وَالْغَائِب جَمِيعًا وَبِه أَخذ شمس الْأَئِمَّة الأوزجندي
لَو طلب رب الدّين الْكَفِيل بِالدّينِ فَقَالَ الْكَفِيل الْمَدْيُون أَدَّاهُ والمديون غَائِب فَأَقَامَ الْكَفِيل بَيِّنَة على أَدَاء الدّين تقبل وينتصب الْكَفِيل خصما عَن الْمَدْيُون لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ دفع رب المَال إِلَّا بِهَذَا فينتصب خصما عَنهُ
وَفِي الْمُحِيط وَسَائِر الْفَتَاوَى إِذا ادّعى انسان على آخر وَالْقَاضِي يعلم أَنه مسخر لَا شَيْء عَلَيْهِ لَا يجوز وَلَو حكم عَلَيْهِ لَا يجوز أَيْضا وَتَفْسِير المسخر أَن ينصب القَاضِي وَكيلا عَن الْغَائِب ليسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَو أحضر رجل غَيره عِنْد القَاضِي ليسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَالْقَاضِي يعلم أَن الْمحْضر لَيْسَ بخصم فَإِنَّهُ لَا يسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجوز نصب الْوَكِيل عَن خصم اختفى فِي بَيته وَلم يحضر مجْلِس الحكم بعد مَا بعث القَاضِي أمناءه إِلَى دَاره وَنُودِيَ على بَاب دَاره
وَذكر فِي شَهَادَات الْجَامِع رجل غَابَ فجَاء رجل فَادّعى على رجل ذكر أَنه غَرِيم الْغَائِب وَأَن الْغَائِب وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ على غُرَمَائه بِالْكُوفَةِ وبالخصومة فِيهِ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ يُنكر وكَالَته فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على وكَالَته وَقضى القَاضِي عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ قَالَ صَاحب الْفُصُول هَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل على جَوَاز الحكم على المسخر وَفِي أدب القَاضِي أَن الحكم على المسخر يجوز وَقيل يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه الْمَسْأَلَة على رِوَايَتَيْنِ
وَإِذا قضى على وَكيل الْغَائِب أَو على وَصِيّ الْمَيِّت يقْضِي على الْغَائِب وعَلى الْمَيِّت وَلَا يقْضِي على الْوَكِيل
стр. 13
وَالْوَصِيّ وَيكْتب فِي السّجل أَنه قضى على الْغَائِب وعَلى الْمَيِّت بِحَضْرَة وَكيله وبحضرة وَصِيّه لِأَن هَذَا فِي الأَصْل قَضَاء على الْغَائِب وَفِي الْقَضَاء على الْغَائِب رِوَايَتَانِ عَن اصحابنا وَكَانَ ظهير الدّين المرغيناني يُفْتِي فِي الْقَضَاء على الْغَائِب بِعَدَمِ النَّفاذ
وَفِي الْوَاقِعَات إِذا قضى بِالْبَيِّنَةِ وَغَابَ الْمقْضِي عَلَيْهِ وَله مَال عِنْد النَّاس لَا يدْفع إِلَى الْمقْضِي لَهُ حَتَّى يحضر الْغَائِب وَكَذَا ذكر فِي أَجنَاس الناطفي وَزَاد إِلَّا فِي نَفَقَة الْمَرْأَة وَالْأَوْلَاد الصغار والوالدين
وَلَو أَن رجلا جَاءَ إِلَى القَاضِي وَقَالَ إِن هَذِه الدَّابَّة وَدِيعَة عِنْدِي وَقد غَابَ الْمَالِك وَلم يتْرك النَّفَقَة فمرني بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لأرجع بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ أَو قَالَ التقطت هَذِه الدَّابَّة أَو رددت هَذَا الْآبِق من مسيرَة سفر وَالْمَالِك غَائِب فَطلب مِنْهُ أَن يقْضِي بِالنَّفَقَةِ حَتَّى يرجع على الْمَالِك فَإِن القَاضِي يسْأَل مِنْهُ الْبَيِّنَة فَإِن أَقَامَهَا قضى بِالْبَيِّنَةِ على الْغَائِب فَإِذا حضر يرجع عَلَيْهِ
وَفِي العمادى وَإِذ قَالَ الْغَرِيم للطَّالِب إِن لم أقضك مَالك الْيَوْم فامرأته كَذَا فتوارى الطَّالِب وخشي الْمَطْلُوب أَن لَا يظْهر الْيَوْم فَيحنث هُوَ فِي يَمِينه فَأخْبر القَاضِي الْقِصَّة فنصب عَن الْغَائِب وَكيلا وَأمر الْوَكِيل بِقَبض المَال من الْمَطْلُوب حَتَّى يبر فَقبض المَال وَحكم بِهِ حَاكم آخر فَإِن أَبَا يُوسُف قَالَ لَا يجوز كَذَا ذكره فِي آخر الْأَقْضِيَة وَهَذَا قَوْلهم وَإِن خص قَول أبي يُوسُف بِالذكر
وَذكر الناطفي أَن القَاضِي ينصب وَكيلا عَن الْغَائِب وَيقبض مَاله وَلَا يَحْنَث الْمَطْلُوب قَالَ الناطفي وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَذكر رشيد الدّين فِي فَتَاوِيهِ ادّعى عينا فِي يَد رجل واراد إِحْضَاره لمجلس القَاضِي فَأنْكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَن يكون فِي يَده فجَاء الْمُدَّعِي بِشَاهِدين شَهدا أَن هَذَا الْعين كَانَ فِي يَد الْمُدَّعِي عَلَيْهِ قبل هَذَا التَّارِيخ بِسنة هَل تسمع وَهل يجْبر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على إِحْضَاره بِهَذِهِ الْبَيِّنَة أم لَا كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى يَنْبَغِي أَن تقبل لِأَنَّهُ أثبت يَده فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَلم يثبت خُرُوجه من يَده وَقد وَقع الشَّك فِي زَوَال تِلْكَ الْيَد فَتثبت الْيَد مالم يُوجد المزيل
قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَمن المنقولات مَالا يُمكن إِحْضَاره عِنْد القَاضِي كالصبرة من الطَّعَام والقطيع من الْغنم وَالْقَاضِي فِيهِ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ حضر ذَلِك الْموضع لَو تيَسّر لَهُ ذَلِك وَإِن كَانَ لَا يتهيأ لَهُ الْحُضُور وَكَانَ مَأْذُونا بالاستخلاف يبْعَث خَلِيفَته إِلَى ذَلِك الْموضع وَهُوَ نَظِير مَا إِذا كَانَ القَاضِي يجلس فِي دَاره وَوَقعت الدَّعْوَى فِي جمل لَا يَسعهُ بَاب دَاره فَإِنَّهُ يخرج إِلَى بَاب دَاره أَو يَأْمر نَائِبه حَتَّى يخرج ليشير إِلَيْهِ الشُّهُود بِحَضْرَتِهِ
وَفِي الْقَدُورِيّ إِذا كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ شَيْئا يتَعَذَّر نَقله كالرحى فالحاكم فِيهِ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ حضر وَإِن شَاءَ بعث أَمينا
قَالَ فَخر الاسلام على الْبَزْدَوِيّ وَإِذا كَانَت الْقيمَة مُخْتَلفَة فَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يُكَلف الْمُدَّعِي بِبَيَان الْقيمَة فَإِن كلفه وَلم يبين تسمع دَعْوَاهُ
وَفِي الْمَبْسُوط رجل ترك الدَّعْوَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وَلم يكن لَهُ مَانع من دَعْوَى شَرْعِيَّة ثمَّ ادّعى بعد ذَلِك لَا تسمع دَعْوَاهُ لِأَن تَركه مَعَ التَّمَكُّن دَلِيل على عدم الْحق ظَاهرا
وَذكر فِي الْمُحِيط رجل لَهُ على آخر فلوس أَو طَعَام فَاشْترى مَا عَلَيْهِ بِدَرَاهِم أَو دَنَانِير وتفرقا قبل نقد الثّمن كَانَ العقد بَاطِلا
стр. 14
قَالَ الْعِمَادِيّ وَهَذَا فصل يجب حفظه وَالنَّاس عَنهُ غافلون فَإِن الْعَادة فِيمَا بَين النَّاس أَن من كَانَ لَهُ على آخر حِنْطَة أَو شعير أَو مَا أشبه ذَلِك فصاحبها يَأْخُذ مِمَّن هِيَ عَلَيْهِ عِنْد غلاء السّعر خطا بِالذَّهَب أَو الْفضة بِثمن ذَلِك ويسمونه فِيهَا بَينهم تَقْوِيم الْحِنْطَة فَإِنَّهُ فَاسد لِكَوْنِهِمَا افْتَرقَا عَن دين بدين
وَفِي الذَّخِيرَة رجل ادّعى دَارا أَو عقارا آخر أَو مَنْقُولًا فِي يَد رجل ملكا مُطلقًا واقام الْبَيِّنَة على الْملك الْمُطلق يقْضِي بِبَيِّنَة الْخَارِج عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة رَحِمهم الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا لم يذكرَا تَارِيخا وَأما إِذا ذكرَاهُ إِن كَانَ سَوَاء فَكَذَلِك يقْضِي للْخَارِج وَإِن كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق يقْضِي لأسبقهما تَارِيخا
وَلَو ادّعى حمارا وَقَالَ فِي دَعْوَاهُ هَذَا الْحمار غَابَ عني مُنْذُ شهر فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِنِّي أقيم الْبَيِّنَة أَن هَذَا الْحمار ملكي وَفِي يَدي مُنْذُ سنة أَو مَا أشبه ذَلِك يقْضِي للْمُدَّعِي وَلَا يلْتَفت إِلَى بَيِّنَة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لِأَن مَا ذكره الْمُدَّعِي من التَّارِيخ تَارِيخ غيبَة الْحمار عَن يَده لَا تَارِيخ ملكه فَكَانَ دَعْوَاهُ فِي الْملك مُطلقًا خَالِيا عَن التَّارِيخ وَصَاحب الْيَد ذكر التَّارِيخ إِلَّا أَن التَّارِيخ حَالَة الِانْفِرَاد لَا يعْتَبر عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ دَعْوَى صَاحب الْيَد دَعْوَى مُطلق الْملك كدعوى الْخَارِج فَيَقْضِي بِبَيِّنَة الْخَارِج اه
وَفِي الْعِمَادِيّ الْخَارِج وَذُو الْيَد إِذا ادّعَيَا الشِّرَاء من وَاحِد وَأَقَامَا بَيِّنَة وَلم يؤرخا يقْضى لذِي الْيَد فَإِن أرخ الْخَارِج لَا يعْمل بِهِ لِأَن التَّارِيخ فِي حَقه خبر وَالْقَبْض فِي حق ذِي الْيَد معاين وَأَنه دَلِيل على سبق عقده والمعاينة أقوى من الْخَبَر إِلَّا إِذا أرخا وتاريخ الْخَارِج أسبق فَحِينَئِذٍ يقْضى للْخَارِج
وَفِي شرح أدب القَاضِي للحسام الشَّهِيد وَإِن ادّعى أَن اباه مَاتَ وَهُوَ وَارثه وَلَا وَارِث لَهُ غَيره وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَالَّذِي فِي يَده الدَّار يُنكر ذَلِك فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة أَن الدَّار كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ لِأَبِيهِ وَارِثا غَيره فَإِن الْحَاكِم يحكم لَهُ بِالدَّار لِأَنَّهُ أثبت سَبَب الْملك لنَفسِهِ بِالْحجَّةِ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ
قَالَ وَلَو أَن رجلا مَاتَ وَله وَرَثَة فَحَضَرَ وَاحِد مِنْهُم وَادّعى وَفَاة أَبِيه وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاث لَهُ ولسائر وَرَثَة أَبِيه وهم فلَان وَفُلَان وَالَّذِي فِي يَده الدَّار يجْحَد هَذَا كُله فَأَقَامَ الابْن شَاهِدين على وَفَاة أَبِيه وعدة ورثته وَأَن هَذِه الدَّار لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُم وَلم يحضر مِنْهُم وَارِث غَيره فَإِن القَاضِي يقبل ذَلِك وَيحكم بِالدَّار لِأَبِيهِ وَيدْفَع إِلَى هَذَا الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَة حِصَّته مِنْهَا لِأَن الْوَاحِد من الْوَرَثَة ينْتَصب خصما فِيمَا يثبت للْمَيت وعَلى الْمَيِّت وَأما حصص البَاقِينَ فَإِنَّهَا تتْرك فِي يَده فَكلما حضر وَاحِد مِنْهُم أَخذ حِصَّته مِنْهَا وَلَا يُكَلف إِعَادَة الْبَيِّنَة على أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ وَهَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو ويوسف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يدْفع إِلَى الْمُدَّعِي حِصَّته مِنْهَا وينتزع الْبَاقِي من يَد الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَيجْعَل على يَد رجل عدل حَتَّى يحضر من بَقِي من الْوَرَثَة وَأَجْمعُوا على أَن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَو كَانَ مقرا دفع إِلَى الْوَارِث الْحَاضِر نصِيبه وَالْبَاقِي يتْرك فِي يَد ذِي الْيَد
إِذا حضر رجل وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَأقَام على ذَلِك بَيِّنَة وَلم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة وَلم يعرفوهم وَلَكِن قَالُوا تَركهَا مِيرَاثا لوَرثَته فَإِنَّهُ لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَلَا يدْفع إِلَيْهِ شَيْء حَتَّى يُقيم بَيِّنَة على عدد الْوَرَثَة لأَنهم لما لم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة لَا يصير نصيب هَذَا الْوَاحِد مَعْلُوما وَالْقَضَاء بِغَيْر الْمَعْلُوم مُتَعَذر
وَهَا هُنَا ثَلَاث فُصُول الأول هَذَا وَالثَّانِي لَو شهد الشُّهُود أَنه ابْنه ووارثه وَلَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره
стр. 15
فَإِن القَاضِي يقْضِي بِجَمِيعِ التَّرِكَة لَهُ من غير تلوم الثَّالِث إِذا شهدُوا أَنه ابْن فلَان مَالك هَذِه الدَّار وَلم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة وَلم يَقُولُوا فِي شَهَادَتهم لَا نَعْرِف لَهُ وَارِثا غَيره فان القَاضِي يتلوم فِي ذَلِك زَمَانا على قدر مَا يرى فَإِن حضر وَارِث غَيره قسم الدَّار بَينهم وَإِن لم يحضر دفع الدَّار إِلَيْهِ وَهل يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِمَا دفع إِلَيْهِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّمَا يدْفع إِلَى الْوَارِث الَّذِي حضر جَمِيع المَال بعد التَّلَوُّم إِذا كَانَ هَذَا الْوَارِث مِمَّن لَا يحجب بِغَيْرِهِ كَالْأَبِ وَالِابْن أما إِذا كَانَ مِمَّن يحجب بِغَيْرِهِ كالجد وَالْأَخ وَالْعم فَإِنَّهُ لَا يدْفع إِلَيْهِ المَال وَأما إِذا كَانَ مِمَّن لَا يحجب بِغَيْرِهِ وَلَكِن يخْتَلف نصِيبه كالزوج وَالزَّوْجَة فَإِنَّهُ يدْفع إِلَيْهِ أقل النَّصِيبَيْنِ
وَقَالَ مُحَمَّد أوفر النَّصِيبَيْنِ النّصْف للزَّوْج وَالرّبع للْمَرْأَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف أقل النَّصِيبَيْنِ وَقَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى مصطرب فِي بَعْضهَا مثل قَول مُحَمَّد فِيمَا إِذا كَانَ الْمَيِّت امْرَأَة وَالْمُدَّعِي زوجا وَفِي بَعْضهَا مثل قَول أبي يُوسُف ثمَّ إِذا ثَبت عِنْد أبي يُوسُف أَنه يدْفع لَهُ اقل النَّصِيبَيْنِ فقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَنهُ فِي ذَلِك أما إِذا كَانَ الْمَيِّت زوجا وَالْمُدَّعِي امْرَأَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة عَنهُ يدْفع إِلَيْهَا ربع الثّمن لِأَنَّهُ قد يكون للزَّوْج أَربع نسْوَة فَيكون نصِيبهَا ربع الثّمن وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي يُوسُف أَنه يُعْطي لَهَا ربع الْمِيرَاث كَمَا ذكر عَن مُحَمَّد وَأما إِذا كَانَ الْمَيِّت امْرَأَة وَالْمُدَّعِي زوجا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضا فِي ظَاهر الرِّوَايَة عَنهُ يدْفع إِلَيْهِ الرّبع انْتهى
المساومة وَمَا يشبهها كالإيداع والاستعارة والاستئجار والاستيهاد إِقْرَار بِأَنَّهُ لذِي الْيَد ومانع من الدَّعْوَى لنَفس الْمسَاوِي وَلغيره
طلب نِكَاح الْأمة مَانع من دَعْوَى تَملكهَا وَطلب نِكَاح الْحرَّة مَانع من دَعْوَى نِكَاحهَا
وَفِي الْقنية بخ أحضر ابْن الْمَيِّت فَادّعى أَن اباك أَخذ مني كَذَا دِينَارا واشار إِلَى الابْن وَلم يذكر اسْم الْأَب وَنسبه أَو شهد الشُّهُود بِنَحْوِ مَا ذكر لَا يَصح وَيشْتَرط ذكر اسْمه وَنسبه وَفِيه أَيْضا قع قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ للْمُدَّعِي لَا أعرفك فَلَمَّا ثَبت الْحق بِالْبَيِّنَةِ ادّعى الايصال لَا يسمع وَلَو ادّعى إِقْرَار الْمُدَّعِي الْوُصُول أَو الايصال يسمع
نوع فِي كَيْفيَّة الْيَمين والاستحلاف وَيحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِاللَّه تَعَالَى لقَوْله ﵊ لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمن كَانَ مِنْكُم حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليذر
وَفِي الْمَبْسُوط الْحر والمملوك وَالرجل وَالْمَرْأَة وَالْفَاسِق والصالح وَالْكَافِر وَالْمُسلم فِي الْيَمين سَوَاء وتغلظ الْيَمين بِذكر أَوْصَاف الله تَعَالَى بِأَن يَقُول لَهُ القَاضِي قل وَالله الَّذِي لَا اله الا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الطَّالِب الْغَالِب الْمدْرك المهلك الَّذِي يعلم من السِّرّ مَا يعلم من الْعَلَانِيَة مَا لفُلَان هَذَا عَلَيْك وَلَا قبلك هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْء مِنْهُ وَالِاخْتِيَار فِي صفة التَّغْلِيظ إِلَى القَاضِي يزِيد مَا شَاءَ من أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَينْقص مَا شَاءَ وَلَكِن يحْتَاط فِيهَا عَن الْوَاو العاطفة لِئَلَّا يتَكَرَّر عَلَيْهِ الْيَمين إِذْ الْمُسْتَحق يَمِين وَاحِدَة حَتَّى لَو قَالَ وَالله والرحمن الرَّحِيم تصير أيمانا
ثمَّ اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ مِنْهُم من يَقُول القَاضِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ غلظ وَإِن شَاءَ لم يغلظ فِي كل مدعي بِهِ
стр. 16
وعَلى كل مدعي عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَقُول يعْتَبر حَال الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن عرف بالصلاح اكْتفى بِذكر اسْم الله تَعَالَى وَإِن عرف بِغَيْر ذَلِك الْوَصْف غلط فِي الْيَمين وَمِنْهُم من يَقُول يعْتَبر حَال الْمُدَّعِي بِهِ إِن كَانَ مَالا عَظِيما يغلظ فِي الْيَمين وَإِن كَانَ حَقِيرًا اكْتفى بِذكر اسْم الله تَعَالَى وَلَا يحلف بِالطَّلَاق وَلَا بالعتاق لِأَن الْيَمين بهما يَمِين بِغَيْر الله تَعَالَى وَالْيَمِين بِغَيْر الله تَعَالَى لَا يجوز وَقيل فِي زَمَاننَا إِذا ألح الْخصم سَاغَ للْقَاضِي أَن يحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق لقلَّة مبالاة النَّاس بِالْيَمِينِ بِاللَّه تَعَالَى وَكثر الِامْتِنَاع عَن الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق كَذَا فِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا
وَفِي الْخُلَاصَة وَلَو حلفه القَاضِي بِالطَّلَاق فنكل وَقضى بِالْمَالِ لَا ينفذ قَضَاؤُهُ وَلَا تغلظ الْيَمين بِزَمَان وَلَا مَكَان عندنَا وَيحلف الْيَهُودِيّ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَالنَّصْرَانِيّ بِاللَّه الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى والمجوسي بِاللَّه الَّذِي خلق النَّار وَعَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يحلف أحد إِلَّا بِاللَّه خَالِصا وَلَا يحلف الوثني الا بِاللَّه
فَإِن قيل مَا الْفرق بَين يَمِين الْمَجُوسِيّ والوثني حَيْثُ يجوز تَغْلِيظ الْيَمين فِي حق الْمَجُوسِيّ بِذكر النَّار وَلم يجز فِي حق الوثني بِذكر الصَّنَم فَقَوْل بِاللَّه الْعَظِيم الَّذِي خلق الصَّنَم قلت إِنَّا أمرنَا بإهانة الصَّنَم والوثن لأَنهم اتَّخَذُوهَا إِلَهًا فَأمرنَا بإهانتهما بِخِلَاف النَّار لأَنهم لم يتخذوها الها فَمَا أمرنَا باهانتها فَتَأمل كَذَا فِي المنبع
وَسُئِلَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الشَّيْبَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَن الْمَرْأَة إِذا كَانَت تعلم بِالنِّكَاحِ وَلَا تَجِد بَيِّنَة تقيمها لإِثْبَات النِّكَاح وَالزَّوْج يُنكر مَاذَا يصنع القَاضِي حَتَّى لَا تبقي هَذِه الْمَرْأَة معلقَة أَبَد الدَّهْر قَالَ يستحلفه القَاضِي وَيَقُول إِن كَانَت هَذِه الْمَرْأَة لَك فَهِيَ طَالِق حَتَّى يَقع الطَّلَاق بِالْيَمِينِ إِن كَانَت امْرَأَته لتخلص مِنْهُ وَتحل للأزواج
وَفِي المنبع هَل يحلف على الْحَاصِل أَو على السَّبَب فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله يحلف على الْحَاصِل وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يحلف على السَّبَب وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام يُفَوض إِلَى رَأْي القَاضِي
وَذكر فِي النَّوَازِل أَنه يحلف الصَّبِي الْمَأْذُون وَيَقْضِي بِنُكُولِهِ وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَو حلف وَهُوَ صبي ثمَّ أدْرك لَا يَمِين عَلَيْهِ وَأَنه دَلِيل على أَن يَمِينه مُعْتَبرَة وَذكر فِي إِقْرَار الدَّعَاوَى والبينات أَن الصَّبِي التَّاجِر وَالْعَبْد التَّاجِر يسْتَحْلف وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ
وَيجوز الافتداء عَن الْيَمين بِالدَّرَاهِمِ وَكَذَا يجوز الصُّلْح عَن الْيَمين على الدَّرَاهِم حَتَّى لَا يكون للْمُدَّعِي أَن يحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد ذَلِك لِأَن الافتداء عَن الْيَمين صلح على الْإِنْكَار وَبعد الصُّلْح على الْإِنْكَار لَا تسمع دَعْوَى الْمُدَّعِي فِيمَا وَقع الصُّلْح عَنهُ
ادّعى على آخر مَالا فَأنْكر وَأَرَادَ الْمُدَّعِي استحلافه فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن الْمُدَّعِي قد حلفني على هَذِه الدَّعْوَى عِنْد قَاضِي بلد كَذَا وَأنكر الْمُدَّعِي ذَلِك فاقام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَيِّنَة على ذَلِك تقبل وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة وَأَرَادَ تَحْلِيف الْمُدَّعِي لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يَدعِي إِيفَاء حَقه فِي الْيَمين وَلَو ادّعى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَنه أبرأني عَن هَذِه الدَّعْوَى وَقَالَ القَاضِي حلفه إِنَّه لم يكن أبرأني عَن هَذَا لَا يحلفهُ القَاضِي لِأَن الْمُدَّعِي بِالدَّعْوَى اسْتحق الْجَواب على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَالْجَوَاب إِمَّا بِالْإِقْرَارِ أَو بالإنكار وَقَوله أبرأني عَن هَذِه الدَّعْوَى لَيْسَ بِإِقْرَار وَلَا إِنْكَار فَلَا يكون مسموعا من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَيُقَال لَهُ أجب خصمك ثمَّ ادْع عَلَيْهِ مَا شِئْت وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ أبرأني عَن هَذِه الْألف فَإِنَّهُ يحلف لِأَن دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن المَال إِقْرَار بِوُجُوب المَال وَالْإِقْرَار جَوَاب وَدَعوى الْإِبْرَاء مسْقط فيترتب عَلَيْهِ الِاسْتِحْلَاف
стр. 17
وَمن الْمَشَايِخ من قَالَ الصَّحِيح أَنه يحلف الْمُدَّعِي على هَذِه الدَّعْوَى وَهِي دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى كَمَا يحلف الْمُدَّعِي على دَعْوَى التَّحْلِيف وَإِلَيْهِ مَال شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَعَلِيهِ أَكثر قُضَاة زَمَاننَا
وَفِي الغنية ادّعى الْمَدْيُون الايصال فَأنْكر الْمُدَّعِي وَلَا بَيِّنَة لَهُ فَطلب يَمِينه فَقَالَ الْمُدَّعِي اجْعَل حَقي فِي الْخَتْم ثمَّ استحلفني فَلهُ ذَلِك فِي زَمَاننَا اه
إِذا أقرّ الْوَاهِب أَن الْمَوْهُوب لَهُ قبض الْمَوْهُوب فِي الْمجْلس أَو بعده بأَمْره ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك إِنَّه لم يقبض وَكنت أَقرَرت بِهِ كَاذِبًا وَسَأَلَ القَاضِي أَن يحلف الْمَوْهُوب لَهُ بِاللَّه لقد قَبضه عَن هَذِه الْهِبَة الَّتِي يَدعِي بهَا فعندهما لَا يحلفهُ لِأَن التَّحْلِيف إِنَّمَا يَتَرَتَّب على دَعْوَى صَحِيحَة وَالدَّعْوَى لم تصح هَا هُنَا لمَكَان التَّنَاقُض وعَلى قَول أبي يُوسُف يحلفهُ بِاللَّه لقد قَبضته بِحكم الْهِبَة الَّتِي تدعيها وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى شَيْئا وَأقر المُشْتَرِي بِقَبض المُشْتَرِي ثمَّ ادّعى أَنه لم يقبضهُ وَطلب من القَاضِي أَن يحلف البَائِع بِاللَّه لقد سلمته إِلَى المُشْتَرِي بِحكم هَذَا الشِّرَاء الَّذِي يَدعِيهِ وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى شَيْئا واقر البَائِع يقبض الثّمن ثمَّ ادّعى أَنه لم يقبضهُ وَأَرَادَ تَحْلِيف المُشْتَرِي وَرب الدّين إِذا أقرّ بِقَبض الدّين وَأشْهد عَلَيْهِ ثمَّ أنكر الْقَبْض يحلف الْمَدْيُون وَالْمقر على نَفسه بدين لرجل ثمَّ أنكر الدّين وَقَالَ لَا شَيْء لَهُ عَليّ وَإِنَّمَا أَقرَرت لَهُ بذلك كَاذِبًا وَطلب يَمِين الْمقر لَهُ الْكل على هَذَا الْخلاف أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الْمُعْتَاد فِيمَا بَين النَّاس أَن البَائِع يقر بِقَبض الثّمن والمشترى يقبض الْمُشْتَرى للإشهاد وَإِن لم يكن قبض ثمنه حَقِيقَة وَكَذَلِكَ الْمُعْتَاد فِيمَا بَين النَّاس أَن الْمُسْتَقْرض يكْتب أَولا خطّ الْإِقْرَار وَيشْهد عَلَيْهِ قبل قبض المَال فَلَو كَانَ التَّنَاقُض مَانِعا من صِحَة الدَّعْوَى والاستحلاف لبطلت حُقُوق النَّاس
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَرْبَعَة أَشْيَاء يسْتَحْلف القَاضِي الْخصم فِيهَا قبل أَن يطْلب الْمُدَّعِي ذَلِك
أَحدهَا الشَّفِيع إِذا طلب من القَاضِي أَن يقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَة يحلفهُ بِاللَّه لقد طلبت الشُّفْعَة حِين علمت بِالشِّرَاءِ وَإِن لم يطْلب المُشْتَرِي ذَلِك وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يستحلفه القَاضِي الثَّانِي الْبكر إِذا بلغت واختارت الْفرْقَة وَطلبت التَّفْرِيق من القَاضِي يستحلفها بِاللَّه لقد اخْتَرْت الْفرْقَة حِين بلغت وَإِن لم يَدعه الزَّوْج وَالثَّالِث المُشْتَرِي إِذا أَرَادَ الرَّد بِالْعَيْبِ يحلفهُ القَاضِي إِنَّه لم يرض بِالْعَيْبِ وَلَا عرضته على البيع مُنْذُ رايته وَالرَّابِع الْمَرْأَة إِذا سَأَلت من القَاضِي أَن يفْرض لَهَا النَّفَقَة فِي مَال الزَّوْج الْغَائِب يحلفها بِاللَّه مَا أَعْطَاك نَفَقَتك حِين خرج وَيجب أَن تكون مَسْأَلَة النَّفَقَة فِي قَوْلهم جَمِيعًا
ادّعى الشُّفْعَة بالجوار فَقَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ مَاذَا تَقول فِيمَا ادّعى فَقَالَ هَذِه الدَّار لَا بنى هَذَا الطِّفْل صَحَّ إِقْرَاره لِابْنِهِ لِأَن الدَّار فِي يَده وَالْيَد دَلِيل الْملك فَكَانَ إِقْرَار على نَفسه فَيصح فَإِن قَالَ الشَّفِيع للْقَاضِي حلفه بِاللَّه مَا أَنا شفيعها فَإِنَّهُ لَا يحلفهُ لِأَن إِقْرَار الْأَب بِالشُّفْعَة على ابْنه لَا يَصح فَلَا يُفِيد الِاسْتِحْلَاف وَهَذَا من جملَة الْحِيَل والمخارج فِي الْخُصُومَات وَإِن أَرَادَ الشَّفِيع أَن يُقيم الْبَيِّنَة على الشِّرَاء كَانَ الْأَب خصما وَتسمع الْبَيِّنَة عَلَيْهِ لِأَن الْأَب قَائِم مقَام الابْن وَلَو كَانَ الابْن كَبِيرا لَكَانَ خصما فَكَذَا هَذَا
وَفِي الْمُحِيط الشَّهَادَة الْقَائِمَة على عتق العَبْد لَا تقبل بِدُونِ الدَّعْوَى عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَتقبل الْبَيِّنَة على عتق الْأمة وَطَلَاق الْمَرْأَة حسبَة من غير الدَّعْوَى وَلَا يحلف على عتق العَبْد حسبَة بِدُونِ الدَّعْوَى بالِاتِّفَاقِ وَهل يحلف على عتق الْأمة وَطَلَاق الْمَرْأَة بِدُونِ الدَّعْوَى أَشَارَ مُحَمَّد فِي آخر كتاب التَّحَرِّي أَنه يحلف وَهَكَذَا ذكر فِي شرح الْقَدُورِيّ وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنه لَا يحلف فَتَأمل عِنْد الْفَتْوَى
стр. 18
وَذكر فِي الْخُلَاصَة عبد فِي يَد رجل أَقَامَ الْبَيِّنَة أَنه حر وَقَالَ ذُو الْيَد إِنَّه عبد فلَان أودعنيه أَو آجرنيه فَبَيِّنَة ذِي الْيَد أولى بِخِلَاف مَا إِذا أَقَامَ العَبْد الْبَيِّنَة على مَوْلَاهُ أَنه حر الأَصْل واقام مَوْلَاهُ الْبَيِّنَة أَنه عَبده فَبَيِّنَة العَبْد أولى لِأَن الْمولى يصلح خصما لإِثْبَات بَيِّنَة العَبْد بِالْحُرِّيَّةِ أما هَاهُنَا فالمودع لَيْسَ بخصم لَكِن يُحَال بَين العَبْد وَبَين ذِي الْيَد وَلَو قَالَ العَبْد أعتقني فلَان وَذُو الْيَد لم يقم الْبَيِّنَة على الْإِيدَاع وَالْإِجَارَة لَا يُحَال بَينه وَبَين العَبْد لِأَنَّهُ أقرّ بِالرّقِّ ثمَّ ادّعى الْعتْق وَلَو أَن رجلا قدم بَلْدَة وَمَعَهُ رجال وَنسَاء وصبيان يخدمونه وهم فِي يَده وَادّعى أَنهم أرقاؤه وَادعوا أَنهم أَحْرَار كَانُوا أحرارا مالم يقرُّوا لَهُ بِالْملكِ بِكَلَام أَو بِبيع أَو تقوم لَهُ بَيِّنَة وَإِن كَانُوا من أهل الْهِنْد أَو السَّنَد أَو التّرْك أَو الرّوم
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير غُلَام هُوَ فِي يَد رجل قَالَ أَنا حر وَقَالَ الَّذِي فِي يَده هُوَ عبد إِن كَانَ لَا يعبر عَن نَفسه فَالْقَوْل قَول ذِي الْيَد وَهُوَ كالمتاع وَإِن كَانَ بَالغا أَو صَغِيرا يعبر عَن نَفسه فَالْقَوْل قَول الْغُلَام وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة هَذَا على الرّقّ وَهَذَا على الْحُرِّيَّة فَبَيِّنَة الْغُلَام أولى وَيجوز أَن يكون القَوْل قَوْله وَالْبَيِّنَة بَينته كَالْمُودعِ إِذا قَالَ رددت الْوَدِيعَة كَانَ القَوْل قَوْله وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة بَينته
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَو بَاعَ رجل رجلا وَقَبضه المُشْتَرِي وَهُوَ سَاكِت فَهُوَ إِقْرَار بِأَنَّهُ عَبده لِأَنَّهُ إِنْفَاذ لتصرف يخْتَص بِهِ المماليك تَصرفا يُوجب حَقًا فِي الْمحل وَهُوَ ملك الرَّقَبَة وَالْيَد والانقياد لمثل هَذَا التَّصَرُّف يكون إِقْرَارا بِالرّقِّ وَالْملك وَلَو عرض عبد أَو أمة على رجل وَهُوَ سَاكِت أَو هِيَ ساكتة وَلم يبع ثمَّ قَالَا نَحن حران صدقا عَلَيْهِ اه
وَفِي أدب القَاضِي رجل قَالَ لآخر إِن فلَانا الْمَيِّت أوصى اليك وجعلك قيمًا فِي مَاله وَأنكر الْوَصِيّ فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وَكَذَا لَو قَالَ إِن فلَانا وكلك بِطَلَب حُقُوقه ولي على موكلك مَال وَأنكر الْوَكِيل الْوكَالَة لَا يَمِين عَلَيْهِ وَإِذا ادّعى المُشْتَرِي إِيفَاء الثّمن وَالْبَائِع يُنكر يحلف البَائِع وَكَذَا الْمُسْتَقْرض إِذا ادّعى إِيفَاء الْقَرْض وَأنكر الْمقْرض يحلف الْمقْرض وَلَو ادّعى الْمضَارب أَو الشَّرِيك دفع المَال وَأنكر رب المَال أَو الشَّرِيك الْقَبْض يحلف الْمضَارب أَو الشَّرِيك الَّذِي كَانَ المَال فِي يَده لِأَن المَال فِي أَيْدِيهِمَا أَمَانَة وَالْقَوْل قَول الْأمين مَعَ الْيَمين وَإِذا ادّعى المُشْتَرِي إِيفَاء الثّمن وَأنكر البَائِع فَالْقَاضِي إِنَّمَا يحلفهُ إِذا طلب المُشْتَرِي يَمِينه وَلَو حلفه القَاضِي من غير طلبه ثمَّ أَرَادَ المُشْتَرِي تَحْلِيفه ثَانِيًا لَهُ ذَلِك ثمَّ إِذا حلف البَائِع أَنه لم يسْتَوْف الثّمن وَقَالَ المُشْتَرِي أَنا أجيء بِالْبَيِّنَةِ على الْإِيفَاء فَالْقَاضِي لَا يجْبر المُشْتَرِي على أَدَاء المَال بل يمهله ثَلَاثَة أَيَّام بِشَرْط أَن يَدعِي حُضُور الشُّهُود وَأما إِذا قَالَ شهودي غيب يقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَلَا يمهله كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
وَفِي الغنية أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن لي دفعا شَرْعِيًّا للْقَاضِي أَن يقْضِي عَلَيْهِ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة العادلة وَلَا يلْتَفت إِلَى مثل هَذِه الْمقَالة وَقَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى يكلفه أَن يَأْتِي بِالدفع فَإِن أَبْطَأَ كَانَ لَهُ أَن يقْضِي ويبقي لَهُ حق الدّفع
أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة وَطلب القَاضِي من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دفعا فعجز عَنهُ يقْضِي القَاضِي يَعْنِي لَا يُؤَخر قَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى يقْضِي وَالْقَاضِي ظَالِم فِي تَأْخِيره للْحكم وَقَالَ الْكَرَابِيسِي تَأْخِير الْقَضَاء بعد ثُبُوت الْحق ظلم
أَتَى بِدفع صَحِيح وَقضى القَاضِي بِبُطْلَان دَعْوَى الْمُدَّعِي ثمَّ أعَاد الدَّعْوَى عِنْد قَاض آخر لَا يحْتَاج الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِلَى إِعَادَة الدّفع عِنْده وَلَا ينْقض الحكم بِهِ إِذا ثَبت ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ اه كَلَام الغنية
стр. 19
الْمَدْيُون إِذا حلف أَن لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على الدّين فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا يظْهر كذبه فِي الْحلف لِأَن الْبَيِّنَة حجَّة من حَيْثُ الظَّاهِر فَلَا يظْهر كذبه فِي يَمِينه وَعند أَبى يُوسُف يظْهر كذبه فِي يَمِينه
وَلَا يَمِين فِي الْحُدُود سَوَاء كَانَ حدا هُوَ خَالص حق الله تَعَالَى نَحْو حد الزِّنَى وَشرب الْخمر وحد السّرقَة أَو كَانَ دائرا بَين حق الله تَعَالَى وَحقّ العَبْد نَحْو حد الْقَذْف حَتَّى إِن من ادّعى على آخر أَنه قذفه وَأنكر الْقَاذِف لَا يَمِين عَلَيْهِ فِيهِ وَأما فِي السّرقَة فَإِن السَّارِق يسْتَحْلف لأجل المَال إِذا أَرَادَ الْمَالِك أَخذ المَال دون الْقطع وَيُقَال لَهُ حِينَئِذٍ دع ذكر السّرقَة إِذا وادع تنَاول مَالك فَيكون لَك عَلَيْهِ الْيَمين وَفِي الْقصاص فِي النَّفس والأطراف يسْتَحْلف إِلَّا أَن فِي الطّرف يقْضِي بِالْقطعِ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالْمَالِ وَفِي النَّفس لَا يقْضِي بِالنّكُولِ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَكِن يحبس حَتَّى يقر أَو يحلف وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالدِّيَةِ
ادّعى على آخر أَنه قَالَ لَهُ يَا مُنَافِق أَو يَا كَافِر أَو يَا زنديق أَو ادّعى أَنه ضربه أَو لطمه أَو مَا أشبه ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي توجب التَّعْزِير واراد تَحْلِيفه فَالْقَاضِي يحلفهُ لِأَن التَّعْزِير مَحْض حق العَبْد وَلِهَذَا ملك العَبْد إِسْقَاطه بِالْعَفو والصغر لَا يمْنَع وُجُوبه كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان لَو وَجب يَمِين على الْأَخْرَس فَإِنَّهُ يحلف وَصُورَة تَحْلِيفه أَن يَقُول لَهُ القَاضِي عَلَيْك عهد الله وميثاقه إِن كَانَ كَذَا وَكَذَا فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ بنعم يصير حَالفا وَلَا يَقُول لَهُ بِاللَّه إِن كَانَ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ لَو أَشَارَ بِرَأْسِهِ بنعم فِي هَذَا الْوَجْه يصير مقرا بِاللَّه وَلَا يكون حَالفا
رجل ادّعى أَنه وَكيل الْغَائِب بِقَبض الدّين أَو الْعين إِن برهن على الْوكَالَة وَالْمَال قبلت وَإِن أقرّ بِالْوكَالَةِ وَأنكر المَال لَا يصير خصما وَلَا تقبل الْبَيِّنَة على المَال لِأَنَّهُ لم يثبت كَونه خصما بِإِقْرَار الْمَطْلُوب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحجَّة فِي حق الطَّالِب وَإِن أقرّ بِالْمَالِ وَأنكر الْوكَالَة لَا يسْتَحْلف على الْوكَالَة لِأَن التَّحْلِيف يَتَرَتَّب على دَعْوَى صَحِيحَة وَلم تُوجد لعدم ثُبُوت الْوكَالَة
وَذكر الْخصاف أَنه يحلف على الْوكَالَة وَالْأول أصح وَفِي الْمُنْتَقى الْمَطْلُوب إِذا كَانَ مَرِيضا أَو امْرَأَة يبْعَث من يستحلفهما وَقَالَ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى لَا يبْعَث
من عَلَيْهِ الدّين الْمُؤَجل قدمه الدَّائِن إِلَى القَاضِي قبل الْحل وحلفه مَاله قبلك الْيَوْم شَيْء وجهله القَاضِي إِن كَانَ الْحَالِف لَا يَنْوِي إِتْلَاف حَقه لَا بَأْس بِهِ وَلَكِن لَيْسَ للْقَاضِي أَن يقبله مِنْهُ بل يحلفهُ بِاللَّه مَاله قبلك شَيْء قَالَ الْفَقِيه فِيهِ دَلِيل على أَن قَوْله لَيْسَ قبله الْيَوْم شَيْء إِقْرَار وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول بعض الْحُكَّام إِنَّه إِقْرَار بِالدّينِ الْمُؤَجل فَيجب عَلَيْهِ المَال
وَذكر الناطفي أَن من عَلَيْهِ دين مُؤَجل لَو أقرّ بِهِ وَادّعى الْأَجَل لَا يصدقهُ القَاضِي فحيلته أَن يَقُول القَاضِي سلة إِحَالَة أم مُؤَجّلَة إِن ادّعى الْحَالة يحلف بِاللَّه مَا عَلَيْهِ هَذِه الْألف الَّتِي يدعيها وَإِن حلف بِغَيْر هَذَا الطَّرِيق حنث
وَفِي الْمُحِيط للْمَرْأَة إِثْبَات الْمهْر الْمُؤَجل وَإِن لم يكن لَهَا ولَايَة الْمُطَالبَة وَكَذَا الدّين الْمُؤَجل
رجل أَخذ دَرَاهِمه مِمَّن هِيَ عَلَيْهِ ونقدها النَّاقِد ثمَّ وجد بَعْضهَا زُيُوفًا لَا ضَمَان على النَّاقِد وَترد إِلَى الدَّافِع وَيسْتَرد غَيرهَا وَإِن أنكر الدَّافِع أَن يكون ذَا مدفوعه فَالْقَوْل قَول الْقَابِض لِأَنَّهُ يُنكر أَخذ غَيرهَا وَهَذَا إِذا لم يقر بِاسْتِيفَاء حَقه أَو الْجِيَاد فَإِن كَانَ أقرّ لَا يرجع إِن أنكر الدَّافِع أَن يكون ذَا هُوَ
стр. 20
فِي الْقنية رجل طلب دينه من الْمَدْيُون فَأعْطَاهُ ألف من الْحِنْطَة وَلم يبعها مِنْهُ وَلم يقل إِنَّهَا من جِهَة الدّين فَهُوَ بيع بِالدّينِ وَإِن كَانَت قيمتهَا أقل من الدّين فَإِن كَانَ السّعر بَينهمَا مَعْلُوما يكون بيعا بِقدر قِيمَته من الدّين وَإِلَّا فَلَا بيع بَينهمَا
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو كَانَ لرجل على آخر دَنَانِير فَقَالَ أَنا أُعْطِيك بهَا دَرَاهِم فساوم بِالدَّرَاهِمِ وَلم يَقع بيع ثمَّ فَارقه عَن قبض وَلم يسْتَأْنف بيعا فَهَذَا جَائِز البياعة وبنحوه عَن مُحَمَّد ﵀ قَالَ وَقد وَقعت وَاقعَة الْفَتْوَى فِي زَمَاننَا قلت وَصورتهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لَكِن عربها بعض الْفُضَلَاء الْمجمع على خَيره وَدينه وَهُوَ رب الدّين إِذا توَافق مَعَ الْمَدْيُون على أَن يُعْطِيهِ من الذّرة بِمِقْدَار مَاله عِنْده من الدَّرَاهِم وَقد كَانَ ذَلِك الْقدر فِي ملكه والذرة فِي ذَلِك الْوَقْت كل مائَة من بِدِينَار إِلَّا أَن رب الدّين لم يقبض الذّرة فِي ذَلِك الْمجْلس ثمَّ بعد ايام جَاءَ وَقبض ذَلِك الْقدر من الْغلَّة وَقد تغير السّعر أينعقد البيع بَينهمَا فعلى قِيَاس مَا ذكر فِي مداينات الذَّخِيرَة يَنْبَغِي أَن ينْعَقد البيع بَينهمَا بِالْإِقْرَارِ السَّابِق وَالله أعلم
وَفِي فَتَاوَى الديناري رجل لَهُ عِنْد رجل حِنْطَة دينا فجَاء رب الدّين وَأخذ مِنْهُ قماشا من الخام بِحِسَاب الْحِنْطَة وَذَلِكَ الْيَوْم سعر الْحِنْطَة كل مائَة من بِدِينَار ثمَّ لما حَاسبه كَانَ السّعر يَوْم الْحساب كل خمسين مِنْهَا بِدِينَار فَإِن حصل بَينهمَا مواضعة بِأَن عين القماش الخام بِمِقْدَار من الْحِنْطَة يعْتَبر ذَلِك التَّعْيِين وَإِن لم يحصل بَينهمَا مواضعة يعْتَبر وَقت الْحساب لَا وَقت الخرج وَاعْتبر بعض الْمَشَايِخ وَقت الخرج مستدلا بِأَنَّهُ لَو استخرج رجل من سمان حبوبا وَأَعْطَاهُ أغلب ثمنهَا يعْتَبر وَقت الخرج قَالَ الديناري وَالْمُعْتَبر عندنَا وَقت الْحساب
ادّعى الْمَدْيُون أَن الدَّائِن كتب على قرطاس بِخَطِّهِ إِن الدّين الَّذِي لي على فلَان بن فلَان أَبرَأته عَنهُ صَحَّ وَسقط الدّين لِأَن الْكِتَابَة المرسومة المعنونة كالمنطوق بِهِ وَإِن لم يكن كَذَلِك لَا يَصح الْإِبْرَاء وَلَا دَعْوَى الْإِبْرَاء وَلَا فرق بَين أَن تكون الْكِتَابَة بِطَلَب الدَّائِن وَبِغير طلبه وَلَو قَالَ تركت الدّين الَّذِي لي عَلَيْك لَا يكون إِبْرَاء وَيحمل على ترك الطّلب فِي الْحَال
وَذكر فِي الخزانة الْأَكْمَل محالا على فَتَاوَى صاعد رجل كتب على نَفسه بِمَال مَعْلُوم وخطه مَعْلُوم بَين التُّجَّار وَأهل الْبَلَد ثمَّ مَاتَ فجَاء غَرِيمه يطْلب المَال من الْوَرَثَة وَعرض خطّ الْمَيِّت بِحَيْثُ عرف النَّاس خطه حكم بذلك فِي تركته وَقد جرت الْعَادة بَين النَّاس بِمثلِهِ حجَّة
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى وَلَو قَالَ تركت حَقي من الْمِيرَاث أَو بَرِئت مِنْهُ أَو من حصتي لَا يَصح وَهُوَ على حَقه لِأَن الْإِرْث جبري لَا يَصح تَركه
قَالَ الْمُدَّعِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد الْخُصُومَة وهبت وَتركت لَا يكون إِبْرَاء مَا لم يقل مِنْك بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أبرئني مِمَّا لَك عَليّ أَو هَب لي فَقَالَ وهبت أَو تركت أَو أبرأت لِخُرُوجِهِ مخرج الْجَواب قَالَ من كَانَ لي عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ فِي حل قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ على دَعْوَاهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ على دَعْوَاهُ فِي الْعين الْقَائِمَة لَا فِي الدّين
أَبرَأَهُ عَن الدَّعَاوَى ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ أَو الْوِصَايَة عَن غَيره صَحَّ وَفِي الْعِمَادِيّ رجل ادّعى على آخر مَالا فَأنْكر فَقَالَ الْمُدَّعِي إِنَّه كتب لي بذلك خطأ فَأنْكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَن يكون خطه فَأمره القَاضِي أَن يكْتب على بَيَاض فَكتب وَكَانَ بَين الخطين مشابهة ظَاهِرَة دَالَّة على أَنَّهُمَا بِخَط كَاتب وَاحِد لَا يقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ الْمُدَّعِي بِهِ لِأَن هَذَا لَا يكون أَعلَى حَالا مِمَّا لَو كَانَ هَذَا خطي وَأَنا كتبته
стр. 21
وَلَكِن لَيْسَ على هَذَا المَال فهنالك القَوْل قَوْله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ السَّيِّد الامام نَاصِر الدّين وَذكر مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الطَّلَاق وَلَو كتب الطَّلَاق على الرَّسْم فِي مثله ثمَّ قَالَ لم أنو بِهِ الطَّلَاق لَا يصدق فَكَذَا الاقرار
وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالجيّ رجل ادّعى على رجل دَارا أَو عبدا ثمَّ قَالَ الْمُدَّعِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَبْرَأتك عَن هَذِه الدَّار وَعَن خصومتي فِي هَذِه الدَّار أَو فِي دعواي فِي هَذِه الدَّار فَهَذَا كُله بَاطِل حَتَّى لَو ادّعى بعد ذَلِك تسمع وَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة تقبل بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بَرِئت لَا تقبل بَينته بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنا بَرِيء من هَذَا العَبْد أَو خرجت عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي بعد ذَلِك لِأَن قَوْله أَبْرَأتك عَن خصومتي فِي هَذِه الدَّار خطاب للْوَاحِد فَلهُ أَن يُخَاصم غَيره فِي ذَلِك بِخِلَاف قَوْله بَرِئت لِأَنَّهُ أضَاف الْبَرَاءَة إِلَى نَفسه مُطلقًا فَيكون هُوَ بَرِيئًا
نوع فِي الِاخْتِلَاف إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي قدر الثّمن أَو الْمَبِيع بِأَن ادّعى المُشْتَرِي ثمنا وَادّعى البَائِع أَكثر مِنْهُ أَو اعْترف البَائِع بِقدر من الْمَبِيع وَادّعى المُشْتَرِي وَأكْثر مِنْهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لأَحَدهمَا بَيِّنَة أَو لَهما بَيِّنَة أَولا بَيِّنَة لَهما وَلَا لأَحَدهمَا فَإِن كَانَ لأَحَدهمَا بَيِّنَة قضى لمن قَامَت بِبَيِّنَتِهِ لِأَنَّهُ نور دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ وَإِن أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة المثبتة للزِّيَادَة أولى لِأَن الْبَينَات شرعت للإثبات وَإِن لم يكن لَهما وَلَا لأَحَدهمَا بَيِّنَة قيل للْمُشْتَرِي إِمَّا أَن ترْضى بِالثّمن الَّذِي ادَّعَاهُ البَائِع وَإِلَّا فسخنا البيع وَقيل للْبَائِع إِمَّا أَن تسلم مَال ادَّعَاهُ المُشْتَرِي من الْمَبِيع وَإِلَّا فسخنا البيع لِأَن الْغَرَض قطع الْخُصُومَة وَقد أمكن ذَلِك بِرِضا أَحدهمَا بِمَا يَدعِيهِ الآخر فَإِن لم يرضيا اسْتحْلف القَاضِي كل وَاحِد مِنْهُمَا على دَعْوَى الآخر وَيبدأ بِيَمِين المُشْتَرِي فِي الصَّحِيح ثمَّ إِذا حلف أَحدهمَا يسْتَحْلف الآخر فَإِن نكل أَحدهمَا ثبتَتْ الدَّعْوَى الآخر لِأَن النّكُول بذل أَو إِقْرَار ثمَّ إِذا تحَالفا هَل يَنْفَسِخ البيع بِنَفس التَّحَالُف أَو بِفَسْخ القَاضِي فقد اخْتلفُوا فِيهِ قَالَ بَعضهم يَنْفَسِخ البيع بِنَفس التَّحَالُف وَقَالَ بَعضهم لَا يَنْفَسِخ إِلَّا بِفَسْخ القَاضِي عِنْد طلبهما أَو طلب أَحدهمَا وَهُوَ الصَّحِيح هَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْمَبِيع وَحده أوفى الثّمن وَحده وَأما إِذا اخْتلفَا فِي الْمَبِيع وَالثمن جَمِيعًا بِأَن قَالَ البَائِع بِعْت هَذَا العَبْد بألفي دِرْهَم وَقَالَ المُشْتَرِي بل اشْتريت هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم فَإِن لم يكن لَهما وَلَا لأَحَدهمَا بَيِّنَة تحَالفا وتفاسخا البيع على مَا بَيناهُ وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا بَيِّنَة فَمن قَامَت بَينته أولى لما بَيناهُ وَإِن أَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة على مَا يَدعِيهِ فَبَيِّنَة البَائِع أولى فِي الثّمن لِأَنَّهَا أَكثر اثباتا وَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى فِي الْمَبِيع لِأَنَّهَا أَكثر إِثْبَاتًا وَإِن اخْتلفَا فِي الْأَجَل أَو فِي شَرط الْخِيَار أَو اسْتِيفَاء بعض الثّمن كَانَ القَوْل للْمُنكر مَعَ يَمِينه
وَفِي الْمَبْسُوط فرق بَين هَذَا وَبَين الْأَجَل فِي السّلم فَإِن هُنَاكَ القَوْل من يَدعِي الْأَجَل من قبل أَن هُنَاكَ الْأَجَل من شَرط صِحَة العقد على مَا يَجِيء فِي بَابه اه كَذَا ذكر فِي المنبع
إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي قدر الثّمن بعد قبض الْمَبِيع وهلاكه لَا تحالف فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى بل القَوْل فِيهِ للْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَقَالَ مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله يَتَحَالَفَانِ وَيفْسخ البيع على قيمَة الْهَالِك وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا خرج الْمَبِيع عَن ملكه أَو تغير وَصَارَ بِحَال لَا يقدر على رده بِالْعَيْبِ
إِذا اشْترى عَبْدَيْنِ صَفْقَة وَاحِدَة وقبضهما ثمَّ مَاتَ أَحدهمَا وَاخْتلفَا فِي مِقْدَار الثّمن فَقَالَ المُشْتَرِي اشتريتهما بِأَلف دلاهم وَقَالَ البَائِع اشتريتهما بألفي دِرْهَم قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَتَحَالَفَانِ إِلَّا أَن يرضى البَائِع أَن يتْرك حِصَّة الْهَالِك فَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ وَإِذا لم يرض البَائِع بترك حِصَّة الْهَالِك لَا يَتَحَالَفَانِ وَيكون القَوْل قَول
стр. 22
المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيّ وَيفْسخ العقد فِي الْحَيّ وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي فِي حِصَّة الْهَالِك من الثّمن مَعَ يمنيه وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيرد الْحَيّ وَقِيمَة الْهَالِك
وَفِي المنبع إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع لبيت فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الِاخْتِلَاف بَين الزَّوْجَيْنِ فِي حَال حياتهما وَإِمَّا أَن يكون بَين ورثتهما بعد وفاتهما وَإِمَّا أَن يكون فِي حَال حَيَاة أَحدهمَا وَمَوْت الآخر فَإِن كَانَ الِاخْتِلَاف فِي حَال حياتهما فإمَّا أَن يكون فِي حَال قيام النِّكَاح وَإِمَّا أَن يكون بعد زَوَاله بِالطَّلَاق فَإِن كَانَ فِي حَال قيام النِّكَاح فَمَا يصلح للرجل كالعمامة والقلنسوة وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ قَول الزَّوْج مَعَ يَمِينه لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ وَمَا يصلح للنِّسَاء كالخمار والملحفة والمغزل وَنَحْوهَا فَالْقَوْل فِيهِ للْمَرْأَة مَعَ الْيَمين لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهَا
قَالَ الامام التُّمُرْتَاشِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمَا يصلح للنِّسَاء فَالْقَوْل فِيهِ وللمرأة مَعَ الْيَمين إِلَّا إِذا كَانَ الرجل صائغا وَله أساور وخواتيم النِّسَاء وحلى وخلخال وأمثال ذَلِك فَحِينَئِذٍ لَا يكون مثل هَذِه الْأَشْيَاء للْمَرْأَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت الْمَرْأَة تبيع ثِيَاب الرِّجَال كالعمامة والقوس والدرع والمنطقة انْتهى وَمَا يصلح لَهما كالآنية وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والمنزل وَالْعَقار والمواشي وَغَيرهَا فَالْقَوْل فِيهِ قَول الزَّوْج وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول الزَّوْج فِي غير الْمُشكل كَمَا قَالَا وَأما فِي الْمُشكل فَالْقَوْل قَول الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا وَفِي الْبَاقِي القَوْل قَول الزَّوْج وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى الْمُشكل بَينهمَا نِصْفَانِ وَفِي قَول آخر وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى الْمَتَاع كُله بَينهمَا نِصْفَانِ وَقَالَ ابْن أبي لَيْلَة القَوْل قَول الزَّوْج فِي الْكل وَلها ثِيَاب بدنهَا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ الْبَيْت بَيت الْمَرْأَة فالمتاع كُله لَهَا إِلَّا مَا على الزَّوْج من ثِيَاب بدنه وَإِن كَانَ الْبَيْت بَيت الزَّوْج فالمتاع لَهُ لِأَن يَد صَاحب الْبَيْت على مَا فِي الْبَيْت أقوى وَأظْهر من يَد غَيره وَهَذَا كُله إِذا اخْتلفَا فِي حَال قيام النِّكَاح وَأما إِذا اخْتلفَا بعد طَلاقهَا ثَلَاثًا أَو بَائِنا فَالْقَوْل قَول الزَّوْج لِأَنَّهَا صَارَت أَجْنَبِيَّة بِالطَّلَاق فَزَالَتْ يَدهَا هَذَا إِذا اخْتلف الزَّوْجَانِ قبل الطَّلَاق أَو بعده أما إِذا مَاتَا فَاخْتلف ورثتهما فَالْقَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول وَرَثَة الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا وَفِي الْبَاقِي القَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج لِأَن الْوَارِث يقوم مقَام الْمُورث فصارا كالمورثين اخْتلفَا بأنفسهما وهما حَيَّان فِي حَال قيام النِّكَاح وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ على هَذَا الْخلاف فَكَذَلِك بعد مَوْتهمَا وَإِن مَاتَ أَحدهمَا فَاخْتلف الْحَيّ مِنْهُمَا وورثة الْمَيِّت فَإِن كَانَ الْمَيِّت هُوَ الْمَرْأَة فَالْقَوْل قَول الزَّوْج عِنْد ابي حنيفَة وَمُحَمّد لِأَنَّهَا لَو كَانَت حَيَّة لَكَانَ القَوْل قَول الزَّوْج فَبعد مَوتهَا أولى وَعند ابي يُوسُف القَوْل قَول وَرَثَة الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا كَمَا هُوَ أَصله وَإِن كَانَ الْمَيِّت هُوَ الزَّوْج فَالْقَوْل قَوْلهَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمُشكل وَعند أبي يُوسُف فِي قدر جهاز مثلهَا وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج وَهَذَا كُله إِذا كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ أَو مملوكين أَو مكاتبين أما إِذا كَانَ أَحدهمَا حرا وَالْآخر مَمْلُوكا أَو مكَاتبا فاختلفا فِي حياتهما فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول الْحر وَعِنْدَهُمَا إِن كَانَ الْمَمْلُوك مَحْجُورا فَكَذَلِك وَإِن كَانَ الْمَمْلُوك مَأْذُونا أَو مكَاتبا فَالْجَوَاب فِيهِ وَفِيمَا إِذا كَانَا حُرَّيْنِ سَوَاء وَقد تقدم جَوَاب الحرين بتفاصيلهما
وَفِي الْمُحِيط رجل زوج ابْنَته فجهزها بجهاز فَمَاتَتْ الْبِنْت وَزعم أَبوهَا أَن الجهاز الْمَدْفُوع إِلَيْهَا كَانَ مَاله وَأَنه لم يملكهُ مِنْهَا وانما أَعَارَهُ لَهَا وَلم يَهبهُ لَهَا فَالْقَوْل قَول الزَّوْج وعَلى الْأَب الْبَيِّنَة لِأَن الظَّاهِر شَاهد للزَّوْج
стр. 23
وَلِأَن الانسان إِذا جهز بنته يدْفع إِلَيْهَا بطرِيق التَّمْلِيك ظَاهرا وَصَارَ كمن دفع ثوبا إِلَى قصار ليقصره وَلم يذكر أجرا حمل على الاجارة بِشَهَادَة الظَّاهِر فَكَذَا هَذَا
وَالْبَيِّنَة الصَّحِيحَة أَن تشهد عِنْد التَّسْلِيم إِلَى الْمَرْأَة أَنه إِنَّمَا سلم إِلَيْهَا هَذِه الْأَعْيَان بطرِيق الْعَارِية أَو يكْتب نُسْخَة وَيشْهد الْأَب على إِقْرَارهَا أَن جَمِيع مَا فِي هَذِه النُّسْخَة مِنْك عَارِية بيَدي لَكِن هَذَا للْقَضَاء لَا للِاحْتِيَاط لجَوَاز أَنه اشْترى لَهَا بعض هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الصغر فَبِهَذَا الْإِقْرَار لَا يصير للْأَب فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فالاحتياط أَن يَشْتَرِي مِنْهَا مَا فِي هَذِه النُّسْخَة بِثمن مَعْلُوم ثمَّ الْبِنْت تبرئه عَن الثّمن انْتهى
وَفِي الْعِمَادِيّ إِن كَانَ لرجل على انسان دينان من جنس وَاحِد فَأدى الْمَدْيُون شَيْئا من المَال فَالْقَوْل قَول الدَّافِع أَنه دفع بِأَيّ جِهَة فَيسْقط ذَلِك الدّين عَن ذمَّته وَلَو كَانَا من جِنْسَيْنِ بِأَن كَانَ أَحدهمَا من الذَّهَب وَالْآخر من الْفضة أَو أَحدهمَا من الْحِنْطَة وَالْآخر من الشّعير فَأدى الْفضة وَقَالَ أدّيت عوضا عَن الذَّهَب لَا يكون عوضا عَن الذَّهَب لِأَن الْمُعَاوضَة لَا تتمّ الا بالطرفين
دلال بَاعَ شَيْئا ثمَّ ان المُشْتَرِي دفع عشرَة دَرَاهِم إِلَى الدَّلال وَقَالَ دفعت من الثّمن وَقَالَ الدَّلال دفعت دلالتي فَالْقَوْل قَول الدَّافِع مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ المملك
رجل عَلَيْهِ ألف دِرْهَم من كَفَالَة وَألف دِرْهَم من ثمن مَبِيع فجَاء بِأَلف وَقَالَ أؤدي هَذِه من الْكفَالَة وَقَالَ الطَّالِب لَا آخذها إِلَّا من جَمِيع مَالِي عَلَيْك لَهُ ذَلِك وَحصل الْقَبْض عَن الْمَالَيْنِ وَيرجع بِمَا بَقِي على الْمَكْفُول عَنهُ وَإِن قبض وَلم يقل شَيْئا فللمطلوب أَن يَجعله من أَي الْمَالَيْنِ شَاءَ
خياط يخيط ثوبا فِي دَار انسان اخْتلفَا فِي الثَّوْب فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار وَلِأَن الثَّوْب وَإِن كَانَ فِي يَد الْخياط صُورَة فَهُوَ فِي يَد صَاحب الدَّار معنى
حمال خرج من دَار رجل وعَلى عَاتِقه مَتَاع فَإِن كَانَ الْحمال يعرف بِبيع ذَلِك وَحمله فَهُوَ لَهُ وَكَانَ الظَّاهِر شَاهدا لَهُ وَإِن كَانَ لَا يعرف فَهُوَ لصَاحب الدَّار لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ وَكَذَلِكَ حمال عَلَيْهِ كارة وَهُوَ فِي دَار بزاز وَاخْتلفَا فِي تِلْكَ الكارة فَإِن كَانَت الدَّار مِمَّا يحمل فِيهَا فَالْقَوْل قَول الْحمال وَإِن كَانَت مِمَّا لَا يحمل فِيهَا فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار
رجلَانِ اصطادا طائرا فِي دَار رجل وَاخْتلفَا فِيهِ فَإِن اتفقَا على اصل الْإِبَاحَة وَلم يستول عَلَيْهِ قطّ فَهُوَ للصائد سَوَاء اصطاده من الْهَوَاء أَو من الشّجر أَو من الْحَائِط لِأَنَّهُ الْآخِذ دون صَاحب الدَّار إِذْ الصَّيْد لَا يعْتَبر بِكَوْنِهِ مأخوذا على حَائِطه أَو شَجَره وَقد قَالَ ﵊ الصَّيْد لمن أَخذه وَإِن اخْتلفَا فَقَالَ صَاحب الدَّار اصطدته قبلك أَو ورثته وَأنكر الصَّائِد فَإِنَّهُ ينظر إِن أَخذه من الْهَوَاء فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ الْآخِذ إِذْ لَا يدْخلهُ على الْهَوَاء وَإِن أَخذ من جِدَاره أَو من شَجَره فَهُوَ لصَاحب الدَّار لِأَن الْجِدَار وَالشَّجر فِي يَده وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفَا فِي أَخذه من الْهَوَاء أَو من الْجِدَار فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار لِأَن الأَصْل أَن مَا فِي دَار الانسان يكون فِي يَده هَكَذَا روى عَن أبي يُوسُف مَسْأَلَة الصَّيْد على هَذِه التفاصيل وَالله أعلم
стр. 24
الْفَصْل الثَّالِث فِي الشَّهَادَات
يفترض على الشَّاهِد أَدَاء الشَّهَادَة عِنْد الْحَاكِم إِذا طلب مِنْهُ الْمُدَّعِي الْأَدَاء وَلَا يَسعهُ كتمانها لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تكتموا الشَّهَادَة وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه﴾ وَهُوَ صَرِيح فِي ذَلِك
وَفِي الْمُحِيط رجل طلب مِنْهُ أَن يكْتب شَهَادَته أَو يشْهد على عقد هَل لَهُ أَن يمْتَنع ينظر إِن كَانَ الطَّالِب يجد غَيره فللشاهد هَذَا أَن يمْتَنع وَإِلَّا فَلَا يَسعهُ ذَلِك
وَفِي نَوَادِر هِشَام عَن مُحَمَّد رجل لَهُ شُهُود كَثِيرَة فَدَعَا بَعضهم ليقيم الشَّهَادَة وَهُوَ يجد غَيره مِمَّن تقبل شَهَادَته وَلَكِن هَذَا الشَّاهِد مِمَّن تقبل شَهَادَته أسْرع لَا يَسعهُ الِامْتِنَاع عَن الْأَدَاء لما قُلْنَا
وَفِي الْمُجْتَبى فِي تَفْسِير الفضلى وَتحمل الشَّهَادَة فرض على الْكِفَايَة وَإِلَّا لضاعت الْحُقُوق وَبَطلَت المواثيق وعَلى هَذَا الْكَاتِب إِذا ندب لذَلِك إِلَّا أَنه يجوز لِلْكَاتِبِ أَخذ الْأُجْرَة دون الشَّاهِد
وَفِي النّصاب الْإِشْهَاد فِي الْمُبَايعَة والمداينة فرض على الْعباد لِأَنَّهُ يتْلف المَال لولاه إِلَّا إِذا كَانَ قَلِيلا أَو تلفهَا لَا يخَاف عَلَيْهِ نَحْو دِرْهَم لحقارته
وَذكر فِي الذَّخِيرَة سُئِلَ نصر عَن الشَّاهِد إِذا دعِي إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة وَهُوَ فِي الرستاق إِن كَانَ بِحَال لَو حضر إِلَى مجْلِس الحكم وَشهد يُمكنهُ الرُّجُوع إِلَى أَهله فِي يَوْمه يجب عَلَيْهِ الْحُضُور لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي الْحُضُور وَإِن كَانَ لَا يُمكنهُ الرُّجُوع إِلَى أَهله فِي يَوْمه لَا يجب عَلَيْهِ الْحُضُور وَإِن كَانَ الشَّاهِد شَيخا كَبِيرا لَا يقدر على الْمَشْي بالأقدام وَلَيْسَ عِنْده مَا يركبه يُكَلف الْمَشْهُود لَهُ بِدَابَّة يركبهَا ويحضر مَعَه مجْلِس الحكم فَلَا بَأْس بِهِ قَالَ وَهَذَا من إكرام الشُّهُود
وَعَن أبي سُلَيْمَان الْجِرْجَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى رجل أخرج شُهُودًا إِلَى ضَيْعَة قد اشْتَرَاهَا واستأجر دَوَاب لَهُم فَرَكبُوا وذهبوا لم تقبل شَهَادَتهم وَفِيه نظر لِأَن الْعَادة جرت أَن من أخرج شَاهدا إِلَى الرستاق يُعْطِيهِ دَابَّة خُصُوصا إِذا لم يكن للشَّاهِد دَابَّة
وَفِي شرح شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى إِن فِي حُقُوق الْعباد إِذا طلب الْمُدَّعِي الشَّاهِد ليشهد لَهُ فَتَأَخر من غير عذر ظَاهر ثمَّ ادى لَا تقبل شَهَادَته وَكَذَلِكَ إِذا طلب أجرا على الْأَدَاء لَا تقبل كَذَا فِي المنبع
وَفِي البزازي شَهدا على امْرَأَة لَا يعرفانها فَإِنَّهَا لَا تجوز حَتَّى تشهد جمَاعَة أَنَّهَا فُلَانَة وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز إِذا شهد عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة وَلَا يشْتَرط رُؤْيَة وَجههَا وَشَرطهَا فِي الْجَامِع الصَّغِير حَتَّى تشهد على مَعْلُوم لِأَن الشَّهَادَة على الْمَجْهُول بَاطِلَة وَقَالَ الإِمَام خُوَاهَر زَاده ﵀ على أَنه لَا يشْتَرط رُؤْيَة شخصها أَيْضا وَغَيره على أَنه يشْتَرط رُؤْيَة شخصها وَفِي الْمُنْتَقى تحمل الشَّهَادَة على امْرَأَة ثمَّ مَاتَت فَشهد عِنْده عَدْلَانِ على أَنَّهَا فُلَانَة لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهَا
وَذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى رجل فِي بَيت وَحده دخل عَلَيْهِ رجل وَرَآهُ ثمَّ خرج وَجلسَ على الْبَاب وَلَيْسَ للبيت مَسْلَك غَيره فَسمع إِقْرَاره من الْبَاب بِلَا رُؤْيَة وَجهه حل لَهُ أَن يشْهد بِمَا أقرّ
стр. 25
وَفِي الْعُيُون رجل أخْفى قوما لرجل ثمَّ سَأَلَهُ عَن شَيْء فَأقر وهم يسمعُونَ كَلَامه ويرونه وَهُوَ لَا يراهم جَازَت شَهَادَتهم وَإِن لم يروه وسمعوا كَلَامه لَا يحل لَهُم الشَّهَادَة
وَلَا تجوز الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ إِلَّا فِي أَربع مَوَاطِن النّسَب وَالنِّكَاح وَالْقَضَاء وَالْمَوْت وَفِي الْوَقْف الصَّحِيح أَنَّهَا تقبل بِالتَّسَامُعِ على أَصله لَا على شَرَائِطه وَلَو شهد الشُّهُود على الْوَقْف من غير دَعْوَى تقبل لِأَن الْوَقْف حِكْمَة التَّصَدُّق بالغلة وَهُوَ حق الله تَعَالَى وَفِي حُقُوق الله تَعَالَى لَا تشْتَرط الدَّعْوَى كَذَا فِي المنبع
وَفِي الصُّغْرَى الشَّهَادَة فِيمَا يقبل بِالتَّسَامُعِ على طَرِيقين بالشهرة الْحَقِيقِيَّة وَهُوَ أَن يسمع من قوم لَا يتَوَهَّم اتِّفَاقهم على الْكَذِب وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعَدَالَة وَلَفظ الشَّهَادَة الْحكمِيَّة وَهُوَ أَن يشْهد عِنْده رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ عَدْلَانِ بِلَفْظ الشَّهَادَة
وَلَا تجوز الشَّهَادَة بالشهرة فِي الْوَلَاء عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف ﵀ تجوز وَلَا تجوز فِي الْعتْق وَالطَّلَاق إِجْمَاعًا قَالَ الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا قَوْلهمَا وَعند أبي يُوسُف ﵀ أَنه يجوز كَمَا فِي الْوَلَاء
وَفِي الْمُنْتَقى الْأَصَح أَنه يشْهد فِي الْمهْر بِالتَّسَامُعِ
رأى خطه وَلم يتَذَكَّر الْوَاقِعَة أَو رأى كِتَابَة الشَّهَادَة وَلم يتَذَكَّر المَال لَا يَسعهُ أَن يشْهد وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَسعهُ أَن يشْهد وَذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن الشَّرْط عِنْد الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى أَن يتَذَكَّر الْحَادِثَة والتاريخ ومبلغ المَال وَصفته حَتَّى لَو لم يتَذَكَّر شَيْئا مِنْهَا وتيقن أَنه خطه وخاتمه لَا يشْهد وَإِن شهد فَهُوَ شَاهد زور وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه إِن قطع أَنه خطه يشْهد بِشَرْط أَن يكون مستودعا لم يتَنَاوَلهُ الْأَيْدِي وَلم يكن فِي يَد صَاحب الصَّك من الْوَقْت الَّذِي كتب فِيهِ اسْمه وَإِلَّا لَا يشْهد وَإِذا شهد عِنْد القَاضِي يقبله لَكِن يسْأَله عَنهُ أَنه يشْهد عَن علم أَو عَن الْخط فَإِن شهد عَن علم قبله وَإِن شهد عَن الْخط لَا قَالَ الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى يُفْتى بقول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
إِذا عرف خطه والخط فِي حرز وَنسي الشَّهَادَة عِنْدهَا لَهُ أَن يشْهد قَالَ الْفَقِيه وَبِه نَأْخُذ وَيَنْبَغِي للشَّاهِد إِذا شهد وَكتب أَن يُعلمهُ حَتَّى يكون بِحَالَة يعرفهُ بعده وَلَا يُمكن تَغْيِيره
رجل كتب كتاب وَصيته وَقَالَ للْقَوْم اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِي الْكتاب لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا حَتَّى يقرأه عَلَيْهِم أَو يرونه يكْتب وهم يقرءُون مَا فِيهِ وَكَذَا الْوَصِيَّة المختومة وَهِي أَن الْمَرِيض إِذا كتب كتاب وَصيته وختمه وَقَالَ للشُّهُود هَذِه وصيتي وختمي فَاشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِي هَذَا الْكتاب لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا بِمَا فِيهِ حَتَّى يعلمُوا مَا فِي الْكتاب بِأَن قرءوها أَو قُرِئت عَلَيْهِم وَكَذَا لَو شهدُوا على صك وَلم يقرءوه وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَان وَلَو كتب رِسَالَة عِنْد أُمِّيين لَا يقرآن وَلَا يكتبان وأمسكا الْكَاتِب عِنْدهمَا أَو شَهدا بِمَا لَا يجوز عِنْدهمَا وَعند ابي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز كَذَا فِي الْخُلَاصَة
رجل كتب صك وَصيته وَقَالَ لقوم اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ وَلم يقرأه عَلَيْهِم قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله تَعَالَى لَا تجوز الشَّهَادَة عَلَيْهِ وَقيل تجوز وَالْأول أصح
стр. 26
وَفِي المنبع وَأَجْمعُوا فِي الصَّك أَن الْإِشْهَاد لَا يَصح إِلَّا بإعلام الْكَاتِب مَا فِي الْكتاب فاحفظ هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن النَّاس اعتادوا خلاف ذَلِك فَإِنَّهُ يشْهدُونَ بِمَا فِي الصَّك من غير قِرَاءَة الْحُرُوف وَغير ذَلِك
القَاضِي إِذا أشهد جمَاعَة على السّجل وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ وَلم يُخْبِرهُمْ القَاضِي بذلك لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَهُوَ أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
سمع اقرار رجل بِحَق وَسعه أَن يشْهد عَلَيْهِ وَإِن لم يعاين السَّبَب وَإِن لم يقل لَهُ اشْهَدْ عَليّ بِمَا أَقرَرت
توَسط بَين رجلَيْنِ فَقَالَا لَهُ لَا تشهد علينا بِمَا تسمع منا فَسمع إقرارهما أَو إِقْرَار أَحدهمَا لرجل بِشَيْء أَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر بَقِي لَك عَليّ كَذَا لَهُ أَن يشْهد كَمَا سمع
وَفِي الْمُحِيط شَهدا على امْرَأَة سمياها ونسباها وَكَانَت حَاضِرَة فَقَالَ القَاضِي أتعرفانها فَقَالَا لَا لَا تقبل شَهَادَتهمَا وَلَو قَالَا تحملنا هَذَا على الْمُسَمَّاة بفلانة بنت فلَان الْفُلَانِيَّة وَلَكِن لَا نَدْرِي أَنَّهَا هِيَ أم لَا صحت الشَّهَادَة وكلف الْمُدَّعِي أَن يَأْتِي بِآخَرين يَشْهَدَانِ أَنَّهَا فُلَانَة بنت فلَان اه
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو جَاءَ الْمُدَّعِي بِشَاهِدين فَشهد أَحدهمَا وَفسّر الشَّهَادَة على وَجههَا ثمَّ قَالَ الآخر أشهد بِمثل شَهَادَة صَاحِبي تقبل قلت وَفِيه تَفْصِيل وَهُوَ إِن كَانَ الشَّاهِد فصيحا يُمكنهُ بَيَان الشَّهَادَة على وَجههَا لَا يقبل مِنْهُ الْإِجْمَال وَإِن كَانَ أعجميا غير فصيح يقبل مِنْهُ الْإِجْمَال إِذا كَانَ بِحَال لَوْلَا حشمة مجْلِس الْقَضَاء يُمكنهُ أَن يعبر الشَّهَادَة بِلِسَانِهِ أما إِذا كَانَ بِحَال لَا يُمكنهُ أَن يعبر بِلِسَانِهِ أصلا فَإِنَّهُ لَا يقبل أَيْضا
وَقَالَ الشَّيْخ الامام شمس الْأَئِمَّة ابو بكر مُحَمَّد بن أبي سهل ﵀ الْمُخْتَار أَن يَجْعَل الْجَواب على التَّفْصِيل إِن أحس القَاضِي بخيانة من الشُّهُود بِشَهَادَة الزُّور يُكَلف كل شَاهد أَن يُفَسر شَهَادَته وَإِن لم يحس بِشَيْء من الْخِيَانَة لَا يُكَلف وَيحكم فِي ذَلِك بِرَأْيهِ
وَذكر الشَّيْخ ظهير الدّين المرغيناني فِي شُرُوطه أَنه إِذا جرى بَين اثْنَيْنِ بيع أَو إِجَارَة أَو عقد آخر وأشهدا على ذَلِك جمَاعَة هَل يشْتَرط كِتَابَة معرفَة الشُّهُود الْمُتَبَايعين بوجههما وأسمائهما وأنسابهما كَانَ هِلَال وَأَبُو زيد لَا يكتبان ذَلِك وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا يَكْتُبُونَ أخذا بِالِاحْتِيَاطِ
وَقَالَ ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدِي أَن الْمُتَبَايعين إِذا كَانَا معروفين عِنْد النَّاس مشهورين لَا حَاجَة إِلَى كِتَابَة معرفَة الشُّهُود للمتبايعين وَإِن كَانَا غير مشهورين فَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة عَلَيْهِ بِمحضر مِنْهُ فَلَا بُد من مَعْرفَته بِوَجْهِهِ ليمكنهم أَدَاء الشَّهَادَة عَلَيْهِ وَعند غيبته أَو مَوته يحْتَاج إِلَى الشَّهَادَة باسمه وَنسبه فَلَا بُد من معرفتهم اسْمه وَنسبه وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد على إِخْبَار الْمُتَبَايعين باسمهما ونسبهما فَعَسَى أَن يسميا وينتسب العاقدان باسم غَيرهمَا وَنسبه يُرِيد أَن يزورا على الشُّهُود حَتَّى يخرجَا الْمَبِيع من يَد مَالِكه فَلَو اعتمدوا على قَوْلهمَا نفذ تزويرهما وَبَطل أَمْلَاك النَّاس وَهَذَا فصل كثير من النَّاس عَنهُ غافلون فَإِنَّهُم يسمعُونَ لفظ الشِّرَاء وَالْبيع وَالْإِقْرَار والتقابض من رجلَيْنِ لَا يعرفونهما ثمَّ إِذا اسْتشْهدُوا من بعد موت صَاحب الْمَبِيع يشْهدُونَ على ذَلِك الِاسْم وَالنّسب وَلم يكن لَهُم علم بذلك فَيجب أَن يحْتَرز على مثل ذَلِك غَايَة الِاحْتِرَاز صِيَانة لنَفسِهِ عَن المجازفة ولأموال النَّاس عَن الضّيَاع
قَالَ وَطَرِيق علم الشُّهُود بِالنّسَبِ أَن يشْهد عِنْدهم جمَاعَة لَا يتَصَوَّر تواطؤهم على الْكَذِب عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا شَهَادَة رجلَيْنِ كَاف كَمَا فِي سَائِر الْحُقُوق قَالَ وَإِذا لحقه الْحَرج فِي إِحْضَار الْجَمَاعَة
стр. 27
الَّتِي شَرط أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَن يشْهد عَدْلَانِ على شَهَادَتهمَا عُدُولًا آخَرين على النّسَب حَتَّى إِذا احتاجوا إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة شهدُوا على شَهَادَتهمَا على النّسَب وعَلى مَا فِي الْكتاب بِمَا شهدُوا عَلَيْهِ
نوع فِيمَن تقبل شَهَادَته وَمن لَا تقبل لَا تقبل شَهَادَة سِتَّة عشر العَبْد الْمُدبر الْمكَاتب أم الْوَلَد المجلود فِي الْقَذْف الشَّرِيك فِي شركته المفاوض الَّذِي يجر لنَفسِهِ نفعا بِشَهَادَتِهِ الَّتِي تقوم على النَّفْي شَهَادَة التهاتر شَهَادَة أهل الْكفْر على الْمُسلمين شَهَادَة الْمولى مأذونه ومكاتبه شَهَادَة الْأَعْمَى وَالْخُنْثَى الْمُشكل لَا تقبل شَهَادَته مَعَ رجل أَو امْرَأَة وَلَو كَانَ مَعَ رجل وَامْرَأَة تقبل وَمَتى ردَّتْ الْعلَّة ثمَّ زَالَت لَا تقبل إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع عبد ردَّتْ شَهَادَته ثمَّ عتق وَكَافِر أسلم وأعمى أبْصر وَصبي ردَّتْ شَهَادَته ثمَّ بلغ فَأَعَادُوا الْأَدَاء تقبل
وَفِي خُلَاصَة النَّوَازِل لأبي اللَّيْث لَا تقبل شَهَادَة معلم الصّبيان لِأَن عقله نَاقص لكَونه بِالنَّهَارِ مَعَ الغلمان وبالليل مَعَ النسوان وَيَوْم الْجُمُعَة فِي الطاحون
وَعَن عَلْقَمَة أَنه قَالَ عقل ثَمَانِينَ معلما كعقل امْرَأَة وَاحِدَة وَالصَّحِيح أَنه إِن كَانَ عدلا تقبل شَهَادَته وَحَدِيث عَلْقَمَة وابي اللَّيْث فِي معلم بِعَيْنِه
وَفِي الْمَنْع لَا تقبل شَهَادَة الْآبَاء والأمهات والأجداد والجدات للْوَلَد وَولد الْوَلَد وَإِن سفل وَلَا شَهَادَة الْأَوْلَاد وَأَوْلَاد الْأَوْلَاد للآباء والأمهات والأجداد والجدات
شَهَادَة الرجل لولد الِابْنَة لَا تقبل لِأَنَّهُ لَو قضى لَهُ لَا يجوز وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة الرجل على قَضَاء أَبِيه بِأَن يشْهد أَن أَبَاهُ قضى لفُلَان على فلَان بِكَذَا وَتجوز شَهَادَته على شَهَادَة أَبِيه رَوَاهُ الْحسن عَن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
وروى أَيْضا عَن أبي حنيفَة أَنه لَا تجوز شَهَادَة الابْن على قَضَاء أَبِيه وَإِن كَانَ الْأَب قَاضِيا يَوْم الشَّهَادَة وَعَن مُحَمَّد أَنه تجوز شَهَادَة الابْن على قَضَاء أَبِيه مُطلقًا اه
وَلَا تجوز شَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر وَلَا شَهَادَة الْأَجِير لمن اسْتَأْجرهُ وَالْمرَاد بِهِ الْأَجِير الْخَاص الَّذِي يعد ضَرَر أستاذه ضَرَرا لنَفسِهِ ونفعه نفعا لنَفسِهِ وَهُوَ معنى قَوْله ﵊ لَا شَهَادَة للقانع بِأَهْل الْبَيْت وَفِي الْمغرب قيل أَرَادَ بِهِ من يكون مَعَ الْقَوْم كالخادم وَالتَّابِع والأجير وَنَحْوه وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السَّائِل يطْلب معاشه انْتهى
وَفِي شرح منظومة ابْن وهبان شَهَادَة الْعَدو على عدوه هَل تقبل أَو لَا تقبل وَالصَّحِيح أَنَّهَا تقبل سَوَاء كَانَت الْعَدَاوَة دينية أَو دنيوية فَإِنَّهَا لَا تقدح فِي الْعَدَالَة وَقيل الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة تُؤثر فِي الْعَدَالَة وتقدح فِيهَا فَلَا تقبل شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت الْعَدَاوَة دنيوية
وَمِثَال الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة أَن يشْهد الْمَقْذُوف على الْقَاذِف والمقطوع عَلَيْهِ الطَّرِيق على الْقَاطِع والمقتول وليه على الْقَاتِل والمجروح على الْجَارِح وَالزَّوْج يشْهد على امْرَأَته بالزنى فَإِن هَؤُلَاءِ تقبل شَهَادَتهم فِي قَول أَكثر أهل الْعلم كربيعة وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَهُوَ الْمُصَرّح بِهِ فِي غَالب كتب أَصْحَابنَا وَالْمَشْهُور على أَلْسِنَة فقهائنا
وَمِثَال الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة الْمُسلم يشْهد على الْكَافِر والمحق من أهل السّنة يشْهد على المبتدع فَإِن شَهَادَة هَؤُلَاءِ غير مَرْدُودَة وَلَا قادحة فِي الْعَدَالَة
стр. 28
وَذكر صَاحب المغنى من الْحَنَابِلَة عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْعَدَاوَة لَا تمنع الشَّهَادَة مُطلقًا وَذكر صَاحب الْقنية من أَصْحَابنَا فِي بَاب من تقبل شَهَادَته وَمن لَا تقبل مَا يُؤَيّد ذَلِك
تَنْبِيه قد يتَوَهَّم بعض المتفقهة وَالشُّهُود أَن كل من خَاصم شخصا فِي حق أَو ادّعى عَلَيْهِ حَقًا أَنه يصير عدوه فَيشْهد بَينهمَا بالعداوة وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْعَدَاوَة تثبت بِنَحْوِ مَا ذكرت نعم لَو خَاصم الشَّخْص آخر فِي حق لَا تقبل شَهَادَته عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْحق كَالْوَكِيلِ لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ وَكيل فِيهِ وَالْوَصِيّ لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ وَصِيّ فِيهِ وَالشَّرِيك لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ شريك فِيهِ وَنَحْو ذَلِك لَا أَنه إِذا تخاصم اثْنَان فِي حق لَا تقبل شَهَادَة أَحدهمَا على الآخر لما بَينهمَا من الْمُخَاصمَة
فرع إِذا قُلْنَا إِنَّه لَا تجوز شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت الْعَدَاوَة دنيوية هَل الحكم فِي القَاضِي كَذَلِك حَتَّى لَا يجوز قَضَاء القَاضِي على من بَينه وَبَينه عَدَاوَة دنيوية لم اقف على هَذَا الْفَرْع فِي كتب أَصْحَابنَا وَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِيهِ على التَّفْصِيل إِن كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ فَيَنْبَغِي أَن لَا ينفذ وَإِن كَانَ بِشَهَادَة الْعُدُول وبمحضر من النَّاس فِي مجْلِس الحكم بِطَلَب خصم شَرْعِي ودعواه فَيَنْبَغِي أَن يجوز وَرَأَيْت فِي الرَّافِعِيّ من كتب الشَّافِعِيَّة عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ أَنه يجوز قَضَاء الْعَدو على عدوه بِخِلَاف شَهَادَة الْعَدو على عدوه وَفرق بَينهمَا بِأَن قَالَ لِأَن أَسبَاب الحكم ظَاهِرَة واسباب الشَّهَادَة خافية اه مَا نقلته من شرح الْمَنْظُومَة
وَفِي الْوِقَايَة وَلَا تقبل شَهَادَة مخنث يفعل الرَّدِيء ونائحة ومغنية ومدمن الشّرْب على اللَّهْو وَمن يلْعَب بالطيور أَو الطنبور أَو يُغني للنَّاس أَو يرتكب مَا يحد بِهِ أَو يدْخل الْحمام بِلَا إِزَار أَو يَأْكُل الرِّبَا أَو يقامر بالنرد أَو الشطرنج أَو تفوته الصَّلَاة بهما أَو يَبُول على الطَّرِيق أَو يَأْكُل فِيهِ أَو يظْهر سبّ السّلف
وَفِي الذَّخِيرَة وَلم يرد بالنائحة الَّتِي تنوح فِي مصيبتها وَإِنَّمَا اراد الَّتِي تنوح فِي مُصِيبَة غَيرهَا اتَّخذت ذَلِك مكسبة
وَفِي الْبَدَائِع وَأما من يضْرب شَيْئا من الملاهي فَإِنَّهُ ينظر إِن لم يكن مستبشعا كالقصب والدف وَنَحْوهمَا لَا بَأْس بِهِ وَلَا تسْقط عَدَالَته وَإِن كَانَ مستبشعا كالعود وَنَحْوه سَقَطت عَدَالَته لِأَنَّهُ لَا يحل بِوَجْه من الْوُجُوه قَوْله وَمد من الشّرْب المُرَاد بِهِ الادمان فِي النِّيَّة يَعْنِي يشرب وَمن نِيَّته أَن يشرب بعد ذَلِك إِذا وجده
وَأما اللاعب بالطيور فَإِنَّهُ ينظر إِلَى العورات فِي السَّطْح وَغَيره وَذَا فسق هَذَا إِذا كَانَ يطيرها أما إِذا كَانَ يمسك الْحمام فِي بَيته ويستأنس بهَا وَلَا يطيرها فَهُوَ عدل لِأَن اقتناء الْحمام فِي الْبيُوت مُبَاح أَلا ترى أَن النَّاس يتخذون بروج الْحمام وَلم يمْنَع من ذَلِك أحد وَبِهَذَا تبين أَنه إِذا اتخذ الْحمام لحمل الْكتب كَمَا فِي الديار المصرية والشامية لَا يكون حَرَامًا لوُقُوع الْحَاجة إِلَيْهَا وَأما من ارْتكب كَبِيرَة فَإِنَّهُ ترد شَهَادَته
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مَاهِيَّة الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة قَالَ بَعضهم مَا فِيهِ حد فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ كَبِيرَة وَمَا لَا حد فِيهِ فَهُوَ صَغِيرَة قيل وَهَذَا لَيْسَ بسديد فَإِن شرب الْخمر وَأكل الرِّبَا من الْكَبَائِر وَلَا حد فيهمَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم مَا أوجب الْحَد فَهُوَ كَبِيرَة وَمَا لَا حد فَهُوَ صَغِيرَة وَهَذَا أَيْضا يبطل بِأَكْل الرِّبَا وَغَيره لِأَنَّهُ لَا حد فِيهِ مَعَ أَنَّهَا كَبِيرَة وَقَالَ بَعضهم مَا كَانَ حَرَامًا لعَينه فَهُوَ كَبِيرَة وَقيل هِيَ السَّبع الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث الْمَعْرُوف سبع من الْكَبَائِر لَا كَفَّارَة فِيهِنَّ الاشراك بِاللَّه والفرار من الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت الْمُؤمن والزنى وَشرب
стр. 29
الْخمر وَهَذَا قَول أهل الْحجاز واهل الحَدِيث وَزَاد بَعضهم على هَذِه السَّبع أكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق وَأَصَح مَا يُقَال فِيهِ مَا هُوَ الْمَنْقُول عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ مَا كَانَ شنيعا بَين الْمُسلمين وَفِيه هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى وَالدّين فَهُوَ حرَام من جملَة الْكَبَائِر يُوجب سُقُوط الْعَدَالَة
وَفِي الْمُحِيط وَحكى أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي حسن الْكَرْخِي رحمهمَا الله تَعَالَى أَن من مَشى فِي السُّوق بسراويل وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيره لَا تقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ تَارِك للمروءة وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة من يَأْكُل فِي السُّوق بَين يَدي النَّاس وَكَذَا من يمد رجلَيْهِ عِنْد النَّاس أَو يكْشف رَأسه فِي مَوضِع لاعادة فِيهِ وَمن يجن سَاعَة ويفيق سَاعَة فَشهد فِي حَالَة الصحو تقبل شَهَادَته لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة الْإِغْمَاء وَالْإِغْمَاء لَا يمْنَع قبُول الشَّهَادَة وَقدره بعض مَشَايِخنَا بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ حَتَّى لَو جن يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ أَفَاق فشهادته جَائِزَة فِي حَال الصحو اه
وَفِي الْقنية لَا تقبل شَهَادَة رب الدّين لمديونه إِذا كَانَ مُفلسًا وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي ووالد صَاحب الْمُحِيط تقبل شَهَادَة رب الدّين لمديونه وَإِن كَانَ مُفلسًا
وَفِي شرح الْجَامِع للعتابي رب الدّين إِذا شهد لمديونه بعد مَوته بِمَال لَا تقبل شَهَادَته لتَعلق حَقه بِالتَّرِكَةِ وَكَذَا الْوَصِيّ لَهُ بِأَلف مُرْسلَة أَو بِشَيْء بِعَيْنِه لَا تقبل لِأَنَّهُ يزْدَاد بِهِ مَحل وَصيته أَو سَلامَة عينه
وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الأوزجندي رَحمَه الله تَعَالَى رجل شهد قبل أَن يستشهد تسمع شَهَادَته بعد ذَلِك
وَلَا تقبل شَهَادَة العواني الَّذِي يَأْخُذ بِغَيْر حق لِأَنَّهُ يكون ظلما فَيكون فسقا
وَلَو شهد الساكنان بِأَجْر أَو بِغَيْر أجر لرب الدَّار جَازَ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا لَا تجوز فَإِن شهد المرتهنان للْمُدَّعِي على الرَّاهِن تقبل وَلَو شهد الراهنان لَا تقبل حَتَّى يفتك الرَّهْن
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لَا تقبل شَهَادَة الأقلف وَلَا تقبل صلَاته وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَتقبل شَهَادَة الزَّوْج لصهره وَشَهَادَة الصّديق لصديقه وَلَا تقبل شَهَادَة من يَبِيع الأكفان إِذا ترصد لذَلِك لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يتَمَنَّى الْمَوْت والطاعون وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة النخاس والدلال لِأَنَّهُمَا يكذبان وَلَا يباليان
شهد أَحدهمَا أَنه طَلقهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخر بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تقبل بِخِلَاف الْإِقْرَار
وَفِي الْخُلَاصَة وَلَا تقبل شَهَادَة الخطابية لأَنهم يشْهدُونَ لبَعْضهِم بَعْضًا بالزور وَيَقُولُونَ إِن عليا هُوَ الاله الْأَكْبَر وجعفر الصَّادِق هُوَ الاله الْأَصْغَر تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ
وَفِي الْمُحِيط شهد الشُّهُود بِحَق لرجل ثمَّ حلفوا لَا تقبل شَهَادَتهم للتُّهمَةِ وَلَو بَاعَ عينا ثمَّ شهد بهَا للْمُدَّعِي لَا تقبل وَتقبل شَهَادَة الْأَخ لِأَخِيهِ وَعَمه لِأَن الْأَمْلَاك وَالْمَنَافِع بَينهمَا متباينة كَذَا فِي الْهِدَايَة وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَشْرَاف بالعراق لتعصبهم وَقَالَ بعض الْعلمَاء لَا تجوز شَهَادَة الْقَرَوِي وَتجوز شَهَادَة أهل الْأَمْصَار
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو شهد أَنه وقف على فُقَرَاء جِيرَانه وهما من جِيرَانه الْفُقَرَاء جَازَت شَهَادَتهمَا لِأَن الْجوَار لَيْسَ بِأَمْر لَازم وَكَذَا لَو شَهدا أَنه وَقفه على فُقَرَاء مَسْجده وهما من فُقَرَاء مَسْجده جَازَت شَهَادَتهمَا وَكَذَا لَو شهد أهل الْمدرسَة بوقف الْمدرسَة تقبل شَهَادَتهم لَكِن الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى فصلوا الْجَواب فيهمَا فَقَالُوا فِي شَهَادَة أهل الْمدرسَة إِن كَانُوا يَأْخُذُونَ الْوَظَائِف من ذَلِك الْوَقْف لَا تقبل شَهَادَتهم وَإِن كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ تقبل وَقيل فِي هَذِه الْمسَائِل كلهَا تقبل وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن كَون الْفَقِيه فِي الْمدرسَة لَيْسَ بِلَازِم بل ينْتَقل
رجل قَالَ لآخر اكْتُبْ شهادتي فِي هَذَا الصَّك فَكتب الْمَأْمُور شهد بذلك لَا يكون إِقْرَارا من الْآمِر بِأَن هَذَا ملك البَائِع
стр. 30
وَذكر فِي أدب القَاضِي الْخصاف أَسبَاب الْجرْح كَثِيرَة مِنْهَا ركُوب بَحر الْهِنْد لانه مخاطر بِنَفسِهِ وَدينه وَمَاله وَمِنْهَا التِّجَارَة فِي قرى فَارس فَإِنَّهُم يُطْعِمُونَهُمْ الرِّبَا وهم يعلمُونَ
قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى القَاضِي يقبل شَهَادَته ابنيه وَلَو شَهدا أَن أباهما قضى للْمُدَّعِي على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا تقبل وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَخْرَس لعَجزه عَن الْأَدَاء وَتقبل شَهَادَة الْخصي إِذا كَانَ عدلا
وَأما ولد الزِّنَى فَاخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول شَهَادَته قَالَ بَعضهم لَا تقبل مُطلقًا وَقَالَ بَعضهم تقبل فِي كل شَيْء إِلَّا فِي الزِّنَى وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ بَعضهم تقبل مُطلقًا إِذا كَانَ عدلا وَبِه أَخذ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله تَعَالَى
شَهَادَة الرئيس والجابي فِي السِّكَّة الَّذِي يَأْخُذ الدَّرَاهِم والصراف الَّذِي يجمع عِنْده الدَّرَاهِم ويأخذها طَوْعًا لَا تقبل
شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض مَقْبُولَة سَوَاء اتّفقت مللهم كاليهودي مَعَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ مَعَ النَّصْرَانِي والمجوسي مَعَ الْمَجُوسِيّ أَو اخْتلف إِلَّا أَن يَكُونَا من أهل دارين مُخْتَلفين بِأَن يشْهد رومي على هندي أَو هندي على رومي وَتقبل شَهَادَة الذِّمِّيّ على الْمُسْتَأْمن وَلَا تقبل شَهَادَة الْمُسْتَأْمن على الذِّمِّيّ لِأَن الذِّمِّيّ أَعلَى حَالا مِنْهُ لكَونه من أهل دَارنَا حَتَّى لَا يُمكن من الرُّجُوع إِلَى دَار الْحَرْب بِخِلَاف الْمُسْتَأْمن وَتقبل شَهَادَة المستأمنين بَعضهم على بعض إِذا كَانُوا من أهل دَار وَاحِدَة فَإِن كَانُوا من أهل دارين كالرومي والتركي لَا تقبل لِأَن الْولَايَة فِيمَا بَينهم تخْتَلف باخْتلَاف المنعتين وَلِهَذَا لَا يجْرِي بَينهمَا التَّوَارُث بِخِلَاف دَار الاسلام فَإِنَّهَا دَار أَحْكَام فباختلاف المنعة لَا تخْتَلف الدَّار وَهَذَا بِخِلَاف أهل الذِّمَّة فَإِنَّهُم صَارُوا من أهل دَارنَا فَتقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض وَإِن كَانُوا من منعات مُخْتَلفَة كَذَا فِي المنبع
وَفِي البزازي ويكتفى بِشَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة حرَّة مسلمة عَاقِلَة بَالِغَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كالولادة وَالْعَيْب الَّذِي لَا ينظر إِلَيْهِ الرِّجَال وَلَا يشْتَرط لفظ الشَّهَادَة عِنْد مَشَايِخ الْعرَاق وَعند مَشَايِخنَا يشْتَرط وَعَلِيهِ اعْتمد الْقَدُورِيّ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى والمثبت أحفظ وَالأَصَح أَنه تقبل شَهَادَة رجل وَاحِد فِيهِ أَيْضا وَيحمل على وُقُوع النّظر لَا عَن قصد أَو عَن قصد لتحمل الشَّهَادَة كَمَا فِي الزِّنَى وعَلى استهلال الصَّبِي فِي حق الْإِرْث لَا تقبل الا شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَعِنْدَهُمَا تقبل شَهَادَة حرَّة مسلمة وعَلى حَرَكَة الْوَلَد بعد الْولادَة على هَذَا الْخلاف وَالشَّهَادَة على الْعَذْرَاء أَو الرتقاء على هَذَا الْخلاف أَيْضا
جَاءَت الْمَنْكُوحَة بِولد وَقَالَت لبعلها الْوَلَد مِنْك فَأنْكر وِلَادَتهَا لَا يقبل قَوْلهَا بِلَا شَهَادَة الْقَابِلَة وبشهادتها يثبت النّسَب والثنتان أحوط وَإِن كَانَ يصدقها فبمجرد قَوْلهَا يثبت النّسَب
شهد الابنان على أَبِيهِمَا بِطَلَاق أمهما إِن جحدت الطَّلَاق تقبل شَهَادَتهمَا وَإِن ادَّعَت الطَّلَاق لَا تقبل وَفِيه إِشْكَال فَإِن الطَّلَاق حق الله تَعَالَى وَيَسْتَوِي فِيهِ وجود الدَّعْوَى وَعدمهَا فَلَو انعدمت الدَّعْوَى تقبل فَكَذَا إِذا وجدت قُلْنَا نعم هُوَ حَقه تَعَالَى كَمَا ذكرت لَكِن يسلم لَهَا بضعهَا حَتَّى تملك الِاعْتِيَاض فَتعْتَبر الدَّعْوَى إِذا وجدت وَلَا تعْتَبر الْفَائِدَة إِذا عدمت الدَّعْوَى اه
وَفِي العتابي الْوَكِيل بِقَبض الدّين تجوز شَهَادَته بِالدّينِ
نوع فِي الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة الشَّهَادَة إِذا وَافَقت الدَّعْوَى كَانَت مَقْبُولَة وَإِن خالفتها لم تقبل
стр. 31
وَفِي الْبَدَائِع الشَّرَائِط الَّتِي ترجع إِلَى نفس الشَّهَادَة أَنْوَاع مِنْهَا لفظ الشَّهَادَة فَلَا تقبل بغَيْرهَا من الْأَلْفَاظ كلفظة الْإِخْبَار والإعلام وَغَيرهمَا وَمِنْهَا موافقتها للدعوى فالشهادة المنفردة عَن الدَّعْوَى فِيمَا يشْتَرط فِيهِ الدَّعْوَى غير مَقْبُولَة وَبَيَان ذَلِك فِي مسَائِل إِذا ادّعى ملكا بِسَبَب ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على ملك مُطلق لَا تقبل وبمثله لَو ادّعى ملكا مُطلقًا ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على الْملك بِسَبَب تقبل وَوجه الْفرق بَينهمَا ظَاهر فَتَأمل
وَفِي المنبع الْمُوَافقَة كَمَا تشْتَرط بَين الشَّهَادَة وَالدَّعْوَى فَكَذَلِك تشْتَرط بَين شَهَادَة الشَّاهِدين فِيمَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد حَتَّى لَو وَقع الِاخْتِلَاف بَين شَهَادَتهمَا لم تقبل شَهَادَتهمَا وَهَذَا لِأَن اخْتِلَافهمَا اخْتِلَاف بَين الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة
وَفِي الْكَافِي وَلَو ادّعى الْغَرِيم الْإِيفَاء فَشهد أحد الشَّاهِدين على إِقْرَار الطَّالِب بِالِاسْتِيفَاءِ وَالْآخر انه أَبرَأَهُ أَو حلله أَو وهبه أَو تصدق عَلَيْهِ بِهِ لم تقبل لاختلافهما لفظا وَمعنى إِلَّا إِذا قَالَ شَاهد الْبَرَاءَة إِنَّه أقرّ أَنه بَرِيء إِلَيْهِ بالإيفاء وَلَو ادّعى الْإِبْرَاء فَشهد أَحدهمَا أَنه أَبرَأَهُ وَالْآخر أَنه وهبه أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ تقبل لِأَنَّهُمَا يستعملان فِي الْبَرَاءَة وَلَو ادّعى الْهِبَة فَشهد أَحدهمَا بِالْهبةِ وَالْآخر بِالْإِبْرَاءِ تقبل وَلَو شهد الآخر بِالصَّدَقَةِ لَا تقبل لِأَن الصَّدَقَة إِخْرَاج المَال إِلَى الله وَالْهِبَة إِلَى العَبْد
وَإِذا اخْتلف الشَّاهِدَانِ فِي الزَّمَان أَو الْمَكَان فِي البيع وَالشِّرَاء وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْوكَالَة وَالْوَصِيَّة وَالرَّهْن وَالدّين وَالْقَرْض والبراءة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة وَالْقَذْف تقبل وَإِذا اخْتلفَا فِي الْجِنَايَة وَالْغَضَب وَالْقَتْل وَالنِّكَاح لَا تقبل
وَفِي الذَّخِيرَة لَو شهد أَحدهمَا بِالْقَتْلِ وَالْآخر بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ لَا تقبل لِأَن الْقَتْل فعل وَالْإِقْرَار قَول وَالْفِعْل غير القَوْل فَاخْتلف الْمَشْهُود بِهِ وَكَذَا لَو شَهدا بِالْقَتْلِ وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لِأَن الْفِعْل الثَّانِي غير الْفِعْل الأول وَكَذَا إِذا اخْتلفَا فِي الْآلَة الَّتِي كَانَ بهَا الْقَتْل لَا تقبل وَلَو شَهدا بالْقَوْل وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لَا يقْدَح فِي الشَّهَادَة وَلَو شَهدا بِالْفِعْلِ وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لَا تقبل وَلَو شَهدا بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان بِأَن شَهدا بِالرَّهْنِ وَالْقَبْض وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان جَازَت الشَّهَادَة
وَفِي الْقنية أمة اقامت بَيِّنَة أَن مَوْلَاهَا دبرهَا فِي مرض مَوته وَهُوَ عَاقل وأقامت الْوَرَثَة بَيِّنَة أَنه كَانَ مخلوط الْعقل فَبَيِّنَة الْأمة أولى وَكَذَا إِذا خَالع امْرَأَته ثمَّ أَقَامَ الزَّوْج بَيِّنَة أَنه كَانَ مَجْنُونا وَقت الْخلْع وأقامت بَيِّنَة أَنه كَانَ عَاقِلا حِينَئِذٍ أَو كَانَ مَجْنُونا وَقت الْخُصُومَة فاقام وليه بَيِّنَة أَنه كَانَ مَجْنُونا وَالْمَرْأَة على أَنه كَانَ عَاقِلا فَبَيِّنَة الْمَرْأَة أولى فِي الْفَصْلَيْنِ
بَاعَ ضَيْعَة وَلَده فَأَقَامَ المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنه بَاعهَا فِي صغره بِثمن الْمثل وَالِابْن اقام بَيِّنَة أَنه بَاعهَا فِي حَال بُلُوغه فَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى وَقَالَ برهَان الدّين صَاحب الْمُحِيط بَيِّنَة الابْن أولى وَلَو اقام البَائِع بَيِّنَة أَنِّي بعتها فِي حَال صغرى وَأقَام المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنَّك بعتها بعد الْبلُوغ فَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى لِأَنَّهُ يثبت الْعَارِض
ادّعى الزَّوْج بعد وفاتها أَنَّهَا كَانَت أَبرَأته من الصَدَاق حَال صِحَّتهَا واقام بَيِّنَة واقامت الْوَرَثَة بَيِّنَة أَنَّهَا أَبرَأته فِي مرض مَوتهَا فَبَيِّنَة الصِّحَّة أولى وَقيل بَيِّنَة الْوَرَثَة أولى
وَفِي تَتِمَّة الصُّغْرَى وَالْمُحِيط لَو أقرّ لوَارث ثمَّ مَاتَ فَقَالَ الْمقر لَهُ أقرّ فِي الصِّحَّة وَقَالَ الْوَرَثَة فِي مَرضه فَالْقَوْل قَول الْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمقر لَهُ وَإِن لم يقم بَيِّنَة وَأَرَادَ استحلافهم لَهُ ذَلِك
ادّعى على رجل أَنه أكرهني بالتخويف بِحَبْس الْوَالِي وَالضَّرْب على أَن يسْتَأْجر مِنْهُ حانوتا واقام بَيِّنَة
стр. 32
وَأقَام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَيِّنَة بِأَنَّهُ كَانَ طَائِعا فَبَيِّنَة الطواعية أولى وَلَو قضى القَاضِي بِبَيِّنَة الْإِكْرَاه ينفذ قَضَاؤُهُ إِن عرف الْخلاف وَقضى بِنَاء على الْفَتْوَى
أَقَامَ المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنه بَاعهَا مِنْهُ هَذَا الشَّيْء بيعا صَحِيحا واقام البَائِع بَيِّنَة أَنه بَاعه مكْرها فَبَيِّنَة الصِّحَّة أولى وَقَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى بَيِّنَة الْإِكْرَاه أولى
وَفِي الْمُحِيط ادّعى أَحدهمَا البيع أَو الصُّلْح عَن طوع وَادّعى الآخر عَن كره فَبَيِّنَة مدعي الكره أولى وَكَذَا لَو ادّعى الْإِقْرَار عَن طوع وَالْآخر عَن كره فَبَيِّنَة مدعي الكره أولى اه
الشَّهَادَة على الشَّهَادَة جَائِزَة فِي الأقارير والحقوق وأقضية الْقُضَاة وكتبهم وكل شَيْء إِلَّا فِي الْحُدُود وَالْقصاص
وَذكر الناطفي فِي واقعاته أَن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِي الْوَقْف لَا تجوز وَالصَّحِيح أَنَّهَا تجوز لما فِيهِ من إحْيَاء الْحُقُوق وَلَا تجوز على شَهَادَة رجل أقَال من شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَأما كَيْفيَّة الْإِشْهَاد من الأَصْل أَن يَقُول شَاهد الأَصْل لشاهد الْفَرْع أشهد أَن لزيد على عَمْرو كَذَا فاشهد أَنْت على شهادتي بذلك أَو يَقُول أشهد أَنى أشهد أَن فلَان بن فلَان أقرّ عندى بِكَذَا أَو يَقُول أشهد أَنى سَمِعت فلَانا يقر لفُلَان بِكَذَا فاشهد أَنْت على شهادتي وَإِنَّمَا شَرط الْإِشْهَاد حَتَّى لَا يَصح تحمل الْفَرْع بِنَفس السماع بِدُونِ الاشهاد
وَفِي الْمُحِيط والتحمل لَا يَصح الا بِالْأَمر وَلِهَذَا لَو نهى الْأُصُول وَالْفُرُوع عَن الشَّهَادَة وَبعد الْأَمر عمل بِالنَّهْي
وَفِي التَّتِمَّة إِذا حكى الرجل شَهَادَة نَفسه عِنْد غَيره فِي حَادِثَة لرجل على رجل وَقَالَ لذَلِك الْغَيْر اشْهَدْ أَو قَالَ فاشهد وَلم يقل على شهادتي لم تجز وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى تجوز لِأَن مَعْنَاهُ فاشهد على شهادتي
وَلَا تقبل شَهَادَة شُهُود الْفَرْع إِلَّا أَن يَمُوت شُهُود الأَصْل أَو يمرضوا مَرضا لَا يَسْتَطِيعُونَ حُضُور مجْلِس القَاضِي أَو يغيبوا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَصَاعِدا
وَعَن أبي يُوسُف أَنه لم يَجْعَل السّفر شرطا وَلكنه قَالَ إِن كَانَ غَائِبا عَن الْمصر فِي مَسَافَة لَو غَدا إِلَى القَاضِي لأَدَاء الشَّهَادَة لم يسْتَطع أَن يبيت بأَهْله صَحَّ الاشهاد لِأَن إحْيَاء الْحُقُوق وَاجِب مَا أمكن
وَذكر القَاضِي إِمَام الدّين على السغدي وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَن عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن يجوز الاشهاد من غير عذر وَعند أبي حنيفَة ﵀ لَا يجوز بِنَاء على أَن التَّوْكِيل من غير رضَا الْخصم لَا يجوز عِنْده إِلَّا بِعُذْر السّفر أَو الْمَرَض وَعِنْدَهُمَا يجوز إِلَّا أَن هَذَا غير ظَاهر فَلَا يُفْتى بِهِ
وَفِي آخر شَهَادَات الْمُنْتَقى قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أقبل الشَّهَادَة على الشَّهَادَة والمشهود على شَهَادَته فِي الْمصر من غير مرض بِهِ وَلَا عِلّة
إِذا شهد الرّجلَانِ عِنْد القَاضِي على شَهَادَة رجل وصححا الشَّهَادَة فَإِن كَانَ القَاضِي يعرف الْأُصُول وَالْفُرُوع بِالْعَدَالَةِ قضى بِشَهَادَتِهِم وَإِن عرف الْأُصُول بِالْعَدَالَةِ وَلم يعرف الْفُرُوع يسْأَل عَن الْفُرُوع وَإِن عرف الْفُرُوع بِالْعَدَالَةِ وَلم يعرف الْأُصُول بِالْعَدَالَةِ ذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن القَاضِي يسْأَل الْفُرُوع عَن الْأُصُول وَلَا يقْضِي قبل السُّؤَال فَإِن عدلوا أصولهم تثبت عَدَالَة الْأُصُول بِشَهَادَتِهِم فِي ظَاهر الرِّوَايَة
стр. 33
وَهُوَ الصَّحِيح وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا تثبت عَدَالَة الْأُصُول بتعديل الْفُرُوع للتُّهمَةِ لِأَن فِي تعديلهم مَنْفَعَة لَهُم حَيْثُ ينفذ قَوْلهم بعدالة الْأُصُول
إِذا أنكر الْأُصُول شَهَادَتهم لم تقبل شَهَادَة الْفُرُوع لِأَن التحميل شَرط صِحَة شَهَادَة الْفُرُوع وَقد فَاتَ هَذَا الشَّرْط للتعارض بَين الْخَبَرَيْنِ فَيفوت الْمَشْرُوط وَهُوَ صِحَة الشَّهَادَة اه
نوع فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة لَا يَصح الرُّجُوع إِلَّا فِي مجْلِس الْقَضَاء حَتَّى لَو رَجَعَ عِنْد غير القَاضِي لَا يَصح وَلَو ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ رجوعهما وَأَرَادَ يمينهما لَا يحلفان وَكَذَا لَا تقبل بَينته على الرُّجُوع لِأَنَّهُ ادّعى رُجُوعا بَاطِلا
وَفِي التَّتِمَّة وَلَو ادّعى الرُّجُوع عِنْد القَاضِي وَلم يدع الْقَضَاء بِالرُّجُوعِ وبالضمان لَا يَصح لِأَن الرُّجُوع عِنْد القَاضِي إِنَّمَا يَصح إِذا اتَّصل بِهِ الْقَضَاء أما إِذا ادّعى الرُّجُوع عِنْد القَاضِي وَالْقَضَاء بذلك صَحَّ وَتقبل الْبَيِّنَة على ذَلِك وَلَو شهد عِنْد قَاض وَرجع عِنْد قَاض آخر يَصح وَيجب الضَّمَان عَلَيْهِ لَكِن إِذا قضى القَاضِي عَلَيْهِ وَمن الْمَشَايِخ من استبعد توقف صِحَة الرُّجُوع على الْقَضَاء بِالرُّجُوعِ أَو بِالضَّمَانِ وَإِذا أقرّ الشَّاهِدَانِ عِنْد القَاضِي أَنَّهُمَا رجعا فِي غير مجْلِس القَاضِي يَصح وَيجْعَل الْإِقْرَار بِمَنْزِلَة الْإِنْشَاء وَإِذا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَن شَهَادَتهمَا قبل الحكم بهَا سَقَطت شَهَادَتهمَا عَن الْإِلْزَام على القَاضِي بالحكم لظُهُور التَّنَاقُض بَين كَلَامهمَا فَإِن رجعا بعد الحكم لم يفْسخ وضمنا مَا اتلفاه بِشَهَادَتِهِمَا وَإِن رَجَعَ أَحدهمَا ضمن نصفا وَالْعبْرَة للْبَاقِي لَا للراجع
دقيقة فِي ايجاب الضَّمَان على الشَّاهِدين الشَّاهِدَانِ مَتى مَا ذكرا شَيْئا هُوَ لَازم للْقَضَاء ثمَّ ظهر بِخِلَافِهِ ضمنا وَمَتى مَا ذكرا شَيْئا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْقَضَاء ثمَّ تبين بِخِلَاف مَا قَالَا لَا يضمنَانِ شَيْئا حَتَّى أَن مولى الْمُوَالَاة إِذا مَاتَ فَادّعى رجل مِيرَاثه بِسَبَب الْوَلَاء فَشهد شَاهِدَانِ أَن هَذَا الرجل مولى هَذَا الَّذِي أسلم وَالَاهُ وعاقده وَأَنه وَارثه وَلَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره فَقضى لَهُ القَاضِي بميراثه فاستهلكه وَهُوَ مُعسر ثمَّ إِن رجلا آخر أَقَامَ الْبَيِّنَة أَنه كَانَ نقض وَلَاء الأول ووالى هَذَا الثَّانِي وَأَنه توفى وَهَذَا الثَّانِي مَوْلَاهُ ووارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره فَالْقَاضِي يقْضِي بِالْمِيرَاثِ للثَّانِي وَيكون الثَّانِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الشَّاهِدين الْأَوَّلين وَإِن شَاءَ ضمن الْمَشْهُود لَهُ الأول لِأَنَّهُ ظهر كذب الشَّاهِدين الْأَوَّلين فِيمَا للْحكم بِهِ تعلق
وَبَيَان ذَلِك فِي مَسْأَلَة الْوَلَاء أَن قَوْلهمَا هُوَ وَارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره أَمر لَا بُد مِنْهُ للْقَضَاء لَهُ بِالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُم إِذا شهدُوا بِأَصْل الْوَلَاء وَلم يَقُولُوا إِنَّه وَارثه فَالْقَاضِي لَا يقْضِي لَهُ بِالْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا أَخذ الأول الْمِيرَاث بقول الشَّاهِدين الْأَوَّلين إِنَّه مَوْلَاهُ ووارثه الْيَوْم وَقد ظهر كذبهما فضمنا بِخِلَاف مَسْأَلَة الشَّهَادَة فِي النِّكَاح فَإِنَّهُمَا إِذا شَهدا أَنه مَاتَ وَهِي امْرَأَته لَا يضمنَانِ لِأَن قَوْلهمَا مَاتَ وَهِي امْرَأَته زِيَادَة غير مُحْتَاج إِلَيْهَا فَإِنَّهُمَا لَو قَالَا كَانَت امْرَأَته فَإِن القَاضِي يقْضِي لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَصَارَ وجود هَذِه الزِّيَادَة والعدم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فَلَو انعدمت هَذِه الزِّيَادَة لَكَانَ لَا يجب عَلَيْهِمَا شَيْء لِأَنَّهُمَا شَهدا بِنِكَاح كَانَ وَلم يظْهر كذبهما فِي ذَلِك
وَلَو شهد أَن لفُلَان على هَذَا الرجل ألف دِرْهَم فَقضى القَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَأمر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِدفع المَال وَهُوَ الْألف إِلَى الْمُدَّعِي ثمَّ اقام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَة على الْبَرَاءَة فَإِن الشَّاهِدين يضمنَانِ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي تضمين الْمُدَّعِي أَو الشَّاهِدين لِأَنَّهُمَا حققا عَلَيْهِ ايجاب المَال فِي الْحَال فَإِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة على الْبَرَاءَة فقد ظهر كذبهما فصارا خائنين فغرما بِخِلَاف الْفَصْل الأول لِأَنَّهُ ثمَّة لم يحققا المَال فِي الْحَال وَإِنَّمَا أخبر عَن شَيْء مَاض فَلم يظْهر كذبهما وأوضح مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الطَّلَاق فَإِن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِذا أنكر
стр. 34
المَال وَحلف ثمَّ شَهدا على إِقْرَاره بذلك لم يَحْنَث لما أَنه لم يحققا عَلَيْهِ الايجاب وَلَو حققا فِي الْحَال حنث فاتضح الْفرق كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة
شَرط صِحَة الْوكَالَة أَن يكون الْمُوكل مِمَّن يملك التَّصَرُّف لِأَن الْوَكِيل يَسْتَفِيد ولَايَة التَّصَرُّف من الْمُوكل وَيقدر عَلَيْهِ من قبله وَمن لَا يقدر على شَيْء كَيفَ يقدر غَيره عَلَيْهِ
وَفِي الذَّخِيرَة هَذَا شَرط على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَأما على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يشْتَرط أَن يكون الْمُوكل قَادِرًا على التَّصَرُّف بل الْوَكِيل يتَصَرَّف بأهلية نَفسه وَلِهَذَا جَازَ عِنْده تَوْكِيل الْمُسلم الذِّمِّيّ بشرَاء الْخمر وَالْخِنْزِير وتوكيل الْمحرم الْحَلَال بيبع الصَّيْد وَقيل المُرَاد بمالكية الْمُوكل للتَّصَرُّف وَقدرته عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى اصل التَّصَرُّف وَإِن امْتنع بِعَارِض وَبيع الْخمر يجوز للْمُسلمِ فِي الأَصْل وَإِنَّمَا امْتنع لعَارض النَّهْي
وَفِي النتف الْوكَالَة على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا وكَالَة رجل لرجل آخر وَالثَّانِي وكَالَة رجلَيْنِ لرجل وَاحِد وَالثَّالِث وكَالَة رجل لِرجلَيْنِ وَالرَّابِع وكَالَة رجلَيْنِ لِرجلَيْنِ أَو أَكثر وَكلهَا جَائِزَة وَيجوز أَن يُوكل كل أحد إِلَّا ثَلَاثَة أَصْنَاف العَبْد الْمَحْجُور وَالصَّبِيّ الْمَحْجُور وَالْمَعْتُوه الَّذِي لَا يعقل
رجل قَالَ لآخر أَنْت وَكيلِي فِي كل شَيْء يصير وَكيلا فِي الْبياعَات والمواضعات والهبات وَالْعتاق لِأَن اللَّفْظ عَام وروى عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يكون وَكيلا فِي المواضعات دون الهبات وَالْعتاق كَذَا ذكره فِي واقعات الناطفي
وَفِي ادب القَاضِي للخصاف وَلَو قَالَ فلَان وَكيلِي فِي كل شَيْء فَهَذَا تَوْكِيل فِي الْحِفْظ لَا غير اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يصير وَكيلا وَلَو قَالَ فلَان وَكيلِي فِي كل شَيْء جَائِز أمره فَهَذَا وَكيل فِي الْحِفْظ وَالْبيع وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة والتقاضي لديونه وحقوقه وَغير ذَلِك لِأَنَّهُ فوض التَّصَرُّف إِلَيْهِ عَاما فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ مَا صنعت من شَيْء فَهُوَ جَائِز فَيملك جَمِيع أَنْوَاع التَّصَرُّفَات وَلَو طلق امْرَأَته يجوز قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد رَحمَه الله تَعَالَى بِهِ يُفْتى حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي النَّوَازِل أَن من قَالَ لآخر وَكلتك فِي جَمِيع أموري فَقَالَ الْوَكِيل طلقت امْرَأَتك أَو وقفت أَرْضك لَا يجوز لِأَنَّهُ يُرَاد بِهَذِهِ اللَّفْظَة التَّصَرُّف على سَبِيل الْمُبَادلَة وَهُوَ اخْتِيَار الْفَقِيه أبي اللَّيْث وَمَا ذَكرْنَاهُ قبل هُوَ اخْتِيَار الصَّدْر الشَّهِيد انْتهى
وَفِي المنبع لَا خلاف أَن التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي إِثْبَات الدّين وَالْعين جَائِز وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط لصِحَّته رضَا الْخصم قَالَ ابو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَصح التَّوْكِيل الا بِرِضا الْخصم إِلَّا أَن يكون الْمُوكل مَرِيضا أَو غَائِبا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام أَو تكون الْمَرْأَة الموكلة مخدرة لم تخالط الرِّجَال بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا قَالَ فَخر الاسلام البزودي المخدرة هِيَ الَّتِي لَا يَرَاهَا أحد غير الْمحرم من الرِّجَال أما الَّتِي جليت على المنصة فيراها الْأَجَانِب لَا تكون مخدرة وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ يلْزم التَّوْكِيل بِغَيْر رضَا الْخصم لِأَنَّهَا لَو حضرت
стр. 35
لَا تنطق بِحَقِّهَا لغَلَبَة الْحيَاء عَلَيْهَا فَيلْزم توكيلها وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يَصح التَّوْكِيل بِغَيْر رضَا الْخصم وَبِه قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَالصَّحِيح أَن الْخلاف فِي اللُّزُوم لَا فِي الصِّحَّة فَعنده الْوكَالَة من غير رضَا الْخصم صَحِيحَة غير لَازِمَة حَتَّى ترد الْوكَالَة برد الْخصم وَلَا يلْزمه الْحُضُور وَلَا الْجَواب بخصومة التَّوْكِيل وَعِنْدَهُمَا صَحِيحَة لَازِمَة وَلَا ترد برده وَيلْزمهُ الْحُضُور وَالْجَوَاب بخصومة الْوَكِيل وبقولهما أَخذ أَبُو اللَّيْث وَأَبُو الْقَاسِم الصفار وَبَعض الْمُتَأَخِّرين اخْتَار أَن القَاضِي إِذا علم من خَصمه التعنت من إباء التَّوْكِيل يقبل التَّوْكِيل وَإِن علم من الْمُوكل الْقَصْد إِلَى إِضْرَار صَاحبه بالحيل من الْوَكِيل لَا يقبل التَّوْكِيل إِلَّا بِرِضا صَاحبه وَإِلَيْهِ مَال الامام السَّرخسِيّ والأوزجندي رحمهمَا الله
وَفِي البزازي وكل أحد الْخَصْمَيْنِ من وكلاء المحكمة وَكيلا فَقَالَ الآخر لَيْسَ لي مَال اسْتَأْجر بِهِ من وكلاء المحكمة من يقاومه وَأَنا عَاجز عَن فَلَا أرْضى بالوكيل بل يتَكَلَّم بِنَفسِهِ معي فالراي فِيهِ إِلَى الْحَاكِم وَأَصله أَن التَّوْكِيل بِلَا رضَا خَصمه من الصَّحِيح الْمُقِيم طَالبا كَانَ أَو مَطْلُوبا وضيعا أَو شريفا إِذا لم يكن الْمُوكل حَاضرا فِي مجْلِس الحكم لَا يَصح عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى أَي لَا يجْبر خَصمه على قبُول الْوكَالَة وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى يَصح أَن يجير على قبُوله لما مر
وَفِي أدب القَاضِي لَا خلاف فِي صِحَّته بِلَا رضَا خَصمه لَكِن لَا يسْقط حق الْخصم فِي مُطَالبَته بالحضور مجْلِس الحكم وَالْجَوَاب لنَفسِهِ الا بِرِضا الْخصم أَو مرض الْمُوكل أَو مخدرة وَكَونه مَحْبُوسًا من الْأَعْذَار وَيلْزمهُ تَوْكِيله فعلى هَذَا لَو كَانَ الشَّاهِد مَحْبُوسًا لَهُ أَن يشْهد على شَهَادَته
وَقَالَ البزازي إِن كَانَ فِي سجن القَاضِي لَا يكون عذرا لِأَنَّهُ يُخرجهُ حَتَّى يشْهد ثمَّ يُعِيدهُ وعَلى هَذَا يُمكن أَن يُقَال فِي الدَّعْوَى أَيْضا كَذَلِك بِأَن يُجيب عَن الدَّعْوَى ثمَّ يُعَاد اه وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل من الْأَشْرَاف وَقعت لَهُ خُصُومَة مَعَ رجل هُوَ دونه فَأَرَادَ أَن يُوكل وَكيلا وَلَا يحضر بِنَفسِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى نَحن نرى أَن تقبل الْوكَالَة والشريف وَغير الشريف فِيهِ سَوَاء
وَفِي المنبع قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ فِي مجْلِس الحكم حَتَّى لَو أقرّ على مُوكله فِي غير مجْلِس الحكم لَا يَصح إِقْرَاره وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى آخر التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ فِي مجْلِس الحكم وَفِي غير مجْلِس الحكم فَإِن الْمُوكل أَقَامَ الْوَكِيل مقَام نَفسه مُطلقًا فَيَقْضِي أَن يملك مَا كَانَ الْمُوكل مَالِكًا وَالْمُوكل مَالك الْإِقْرَار بِنَفسِهِ فِي مجْلِس القَاضِي وَفِي غير مجْلِس القَاضِي فَكَذَا الْوَكِيل
وَلأبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله أَن جَوَاب الْخُصُومَة مُخْتَصّ بِمَجْلِس الحكم حَتَّى لَا يسْتَحق على الْمَطْلُوب الْجَواب إِلَّا فِي مجْلِس الحكم وَالتَّوْكِيل بِجَوَاب الْخصم يتَقَيَّد فِي مجْلِس الحكم ضَرُورَة فَصَارَ تَقْدِير الْمَسْأَلَة وَكلتك لتجيب خصمي فِي مجْلِس الحكم وَلَو قَالَ هَكَذَا لَا يَصح إِقْرَار الْوَكِيل عَلَيْهِ فِي غير مجْلِس الحكم
أقرّ بِالدّينِ وَأنكر الْوكَالَة فَطلب زاعم الْوكَالَة تَحْلِيفه على عدم علمه بِكَوْنِهِ وَكيلا فالإمام ﵀ قَالَ لَا يحلفهُ وَقَالَ صَاحِبَاه يحلفهُ
وَذكر فِي الْعِمَادِيّ محالا على الذَّخِيرَة فِي فصل إِثْبَات الْوكَالَة أَن فِي تَحْلِيف الْوَكِيل للْمُدَّعِي عَلَيْهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ بَعضهم هَذَا جَوَاب الْكل إِلَّا أَن الْخصاف خص قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
стр. 36
بِالذكر لِأَنَّهُ لم يحفظ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا لِأَن قَوْله بِخِلَاف قَوْلهمَا وَإِلَى هَذَا مَال شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى
وَمن ادّعى أَنه وَكيل الْغَائِب فِي قبض دينه فَصدقهُ الْغَرِيم أَمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أقرّ على نَفسه فَإِن حضر الْغَائِب وَصدقه فَذَاك وَإِلَّا دفع الْغَرِيم الدّين إِلَيْهِ ثَانِيًا وَرجع بِهِ على الْوَكِيل إِن كَانَ بَاقِيا فِي يَده لِأَن غَرَضه من الدّفع بَرَاءَة ذمَّته مِنْهُ وَلم يحصل وَإِن ضَاعَ من يَده لم يرجع عَلَيْهِ لِأَن بتصديقه اعْترف أَنه محق بِالْقَبْضِ إِلَّا أَن يكون ضمنه عِنْد الدّفع لِأَن الْمَأْخُوذ ثَانِيًا مَضْمُون عَلَيْهِ فِي زعمهما وَهَذِه كَفَالَة أضيفت إِلَى حَالَة الْقَبْض فَتَصِح بِمَنْزِلَة الْكفَالَة بِمَا ذاب لَك على فلَان وَلَو كَانَ الْغَرِيم لم يصدقهُ على الْوكَالَة وَدفعه إِلَيْهِ على ادعائه فَإِن رَجَعَ صَاحب المَال على الْغَرِيم رَجَعَ الْغَرِيم على الْوَكِيل وَإِن ضَاعَ من يَده لِأَنَّهُ لم يصدقهُ فِي الْوكَالَة وَإِنَّمَا دفع إِلَيْهِ على رَجَاء الْإِجَازَة فَإِذا انْقَطع رجاؤه رَجَعَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَو دفع إِلَيْهِ على تَكْذِيبه إِيَّاه فِي الْوكَالَة وَهَذَا ظَاهر فِي الْوُجُوه كلهَا وَلَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّ الْمَدْفُوع حَتَّى يحضر الْغَائِب لِأَن الْمُؤَدِّي صَار حَقًا للْغَائِب
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رجل قَالَ لمديونه ادْفَعْ مَا لفُلَان عَلَيْك إِلَيّ لأقبض لَعَلَّه يُجِيز فَدفع ذكر فِي الزِّيَادَات لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ تعلق بِهِ حق رب الدّين لِأَن الْقَابِض قبض لأَجله لَعَلَّه يُجِيز وَذكر فِي الْمُنْتَقى أَن لَهُ أَن يسْتَردّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْمَدْيُون إِذا دفع قدر الدّين إِلَى رجل ليدفع إِلَى رب دينه ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَردّهُ سنه لَهُ ذَلِك
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَن الْوَكِيل يقبض الْعين إِذا صدقه صَاحب الْيَد يجْبر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ كَالدّين
وَذكر فِي وكَالَة غَرِيب الرِّوَايَة رجل فِي يَده مَتَاع فَقَالَ هَذَا لفُلَان وَهَذَا وَكيل بِالْقَبْضِ يجْبر على الدّفع فِي الْعين وَالدّين عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ وَلَو ادّعى الْوكَالَة بِقَبض الْوَدِيعَة وَصدقه لَا يجْبر على التَّسْلِيم وَلَو كذبه أَو سكت لَا يجْبر أَيْضا وَلَو سلم لَا يتَمَكَّن من اسْتِرْدَاده فَإِن حضر الْمَالِك وَكذبه فِي الْوكَالَة فَفِي وَجه وَاحِد لَا يرجع الْمُودع على الْوَكِيل وَهُوَ مَا إِذا صدقه وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ الضَّمَان وَفِي سَائِر الْوُجُوه يرجع عَلَيْهِ بِعَيْنِه إِن كَانَ قَائِما وبقيمته إِن كَانَ هَالكا
وَمن ادّعى أَنه وصّى فلَان الْمَيِّت وَطلب الدّين وَصدقه الْغَرِيم فَإِنَّهُ لَا يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ بِخِلَاف الْوَكِيل فَإِن للْقَاضِي ولَايَة نصب الْوَصِيّ وَلَا يملك نصب الْوَكِيل
وَلَو وكلت رجلا يُزَوّجهَا من فلَان يَوْم الْجُمُعَة فَزَوجهَا مِنْهُ يَوْم الْخَمِيس لَا يجوز لَان التَّفْوِيض تنَاول زَمَانا مَخْصُوصًا
وَفِي الصُّغْرَى لَو قَالَ بِعْ عَبدِي الْيَوْم أَو طلق امْرَأَتي الْيَوْم فَفعل ذَلِك فِي غَد جَازَ وَيكون وَكيلا فِي الْيَوْم وَمَا بعده وَلَا يكون وَكيلا فِيمَا قبل ذَلِك
رجل وكل رجلا بِقَبض دين على رجل فَقَبضهُ فَهُوَ وَدِيعَة عِنْد الْوَكِيل إِن سَافر بِهِ لم يضمن وَإِن استودعه غَيره ضمن وَإِن خَلفه فِي أَهله لم يضمن فَإِن وَضعه عِنْد امْرَأَته أَو خادمه أَو بعض عِيَاله لم يضمن وَالْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا سَافر بِمَا أَمر بِبيعِهِ يضمن
وَفِي مختلفات القَاضِي أبي عَاصِم العامري وَلَو وَكله بِقَبض وديعته فَقَالَ الَّذِي كَانَت فِي يَده قد دفعتها
стр. 37
إِلَى الْمُوكل أَو إِلَى وَكيله فَالْقَوْل قَوْله وَهُوَ مُصدق فِي بَرَاءَة نَفسه وَلَو وَكله بِقَبض وَدِيعَة أَو عَارِية فَمَاتَ الْمُوكل فقد خرج الْوَكِيل من الْوكَالَة فَإِن قَالَ الْوَكِيل قد كنت قبضتها فِي حَيَاته ودفعتها إِلَى الْمُوكل لم يصدق على ذَلِك الا بِبَيِّنَة
رجل وكل رجلا بِقَبض كل حق لَهُ على النَّاس وَعِنْدهم وَمَعَهُمْ وَتَحْت أَيْديهم وبقبض مَا يحدث لَهُ من الْمُقَاسَمَة بَين شركائه وبحبس من يرى حَبسه وبالتخلية عَنهُ إِذا رأى ذَلِك وَكتب لَهُ بذلك كتابا وَكتب لَهُ فِي آخِره أَنه يُخَاصم ويخاصم ثمَّ إِن قوما يدعونَ قبل الْمُوكل مَالا وَالْمُوكل غَائِب فَأقر الْوَكِيل عَنهُ عِنْد القَاضِي أَنه وَكيله وَأنكر المَال فأحضر الْخُصُوم شهودهم على الْمُوكل لَا يكون لَهُم أَن يحبسوا الْوَكِيل لِأَن الْحَبْس جَزَاء الظُّلم وَلم يظْهر إِذْ لَيْسَ فِي هَذِه الشَّهَادَة أَمر بأَدَاء المَال وَلَا ضَمَان الْوَكِيل عَن مُوكله فَإِذا لم يجب على الْوَكِيل أَدَاء المَال من مَال الْمُوكل بِأَمْر الْمُوكل وَلَا بِالضَّمَانِ عَن مُوكله لَا يكون الْوَكِيل ظَالِما بامتناعه عَن أَدَاء المَال فَلَا يحبس فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة تدل على أَن الْمَأْمُور بِقَضَاء الدّين من مَال الْآمِر يجْبر على قَضَاء الدّين
إِذا شهدُوا على وكَالَة رجل فِي شَيْء وَالْوَكِيل يجْحَد الْوكَالَة فَإِن كَانَ الْوَكِيل الطَّالِب وَالْمَطْلُوب يَدعِي الْوكَالَة وَالْوَكِيل يجْحَد تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَهل يجْبر على الْخُصُومَة مَعَ الطَّالِب إِن شهد الشُّهُود أَن الْمَطْلُوب وَكله بِالْخُصُومَةِ مَعَ الطَّالِب وَقبل الْوكَالَة وَإِن لم يشْهدُوا على الْقبُول لَا يجْبر
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض لَيْسَ لَهُ أَن يطْلب شُفْعَة لِأَن الشُّفْعَة شِرَاء وَالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لَا يملك الشِّرَاء وَله أَن يقبض شُفْعَة قضى لمُوكلِه بهَا
وَفِي البزازي رجل قَالَ لآخر وَكلتك بِطَلَب كل حق لي قبل فلَان يُقيد بِمَا عَلَيْهِ يَوْم التَّوْكِيل وَلَا يدْخل الْحَادِث بعد التَّوْكِيل وَفِي التَّوْكِيل بِطَلَب كل حق لَهُ على النَّاس أَو بِكُل حق لَهُ بخوارزم يدْخل الْقَائِم لَا الْحَادِث وَذكر شيخ الْإِسْلَام أَنه إِذا وَكله بِقَبض كل حق لَهُ على فلَان يدْخل الْقَائِم والحادث فيتأمل عِنْد الْفَتْوَى
وَفِي الْمُنْتَقى وَكله بِقَبض كل دين لَهُ يدْخل الْحَادِث أَيْضا
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَكله بِطَلَب كل عقار لَهُ بخوارزم فَقدم الَّذِي فِي يَده الْعقار بخوارزم إِلَى بُخَارى لَهُ ذَلِك
وَفِي الدّين إِذا وَكله بِطَلَب كل دين لَهُ على من بخوارزم فَقدم خوارزمي إِلَى بُخَارى وادعاه لَا يَصح وَلَو قَالَ فِي كل دين لي فِي بُخَارى فَقدم الْمُسْتَقْرض مِنْهُ فِي خوارزم إِلَى بُخَارى تصح دَعْوَاهُ
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض فغصب مِنْهُ انسان شَيْئا بعد الْوكَالَة لَهُ طلبه
وَعَن الامام رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ لآخر أَنْت وَكيلِي فِي قبض مَالِي على النَّاس لَا يَقع على الْحَادِث وَلَو وَكله بِكُل حق لَهُ وبالخصومة فِي كل حق لَهُ وَلم يعين المخاصم بِهِ والمخاصم فِيهِ جَازَ اه
إِذا وَقعت الْمُنَازعَة بَين الْوَكِيل بالاستقراض وَبَين مُوكله فَالْقَوْل قَول الْمُوكل لِأَن الْوَكِيل يُرِيد أَن يغرمه مَا قَبضه من الْقَرْض وَلَيْسَ للْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَن يهب وَلَا يُصَالح لِأَنَّهُمَا ليسَا من الْخُصُومَة فِي شَيْء فَلم يدخلا تَحت التَّوْكِيل
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَو أَن رجلا قَالَ لرجل أقرضت فلَانا ألف دِرْهَم وَقد وَكلتك بقبضها مِنْهُ وقبضت وَقَالَ الْمُسْتَقْرض قد دفعتها إِلَى الْوَكِيل وَأنكر الْوَكِيل فَالْقَوْل قَول الْمُوكل وَعَن أبي يُوسُف القَوْل قَول
стр. 38
الْوَكِيل لِأَنَّهُ أقرّ أَنه أَمِين وَالْقَوْل قَول الْأمين وَلَا يسْتَحْلف الْوَكِيل نَائِبه بِاللَّه مَا يعلم أَن رب الدّين قد استوفى الدّين لِأَن النِّيَابَة لَا تجْرِي فِي الْأَيْمَان بِخِلَاف الْوَارِث حَيْثُ يحلف على الْعلم لِأَن الْحق يثبت للْوَارِث فَكَانَ الْحلف بطرِيق الاصالة دون النِّيَابَة
وَفِي المنبع الْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا يملك البيع بِمَا قل من الْأَثْمَان أَو كثر عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا لم يكن الثّمن مُسَمّى أما إِذا كَانَ الثّمن مُسَمّى بِأَن قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد بِأَلف فَبَاعَهُ بِأَلف إِلَّا درهما لَا يجوز وَقَالا لَا يجوز أَن يَبِيعهُ إِلَّا بِنُقْصَان يتَغَابَن النَّاس فِي مثله وَهُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَيملك البيع بالعروض أَيْضا كَمَا يملك البيع بالأثمان كالدراهم وَالدَّنَانِير وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا لَا يملك إِلَّا البيع بالأثمان
الْوَكِيل بإيجار الأَرْض وَكيل بإيجارها بِأَيّ عرض كَانَ سَوَاء آجرها بكيلي أَو وزني بِعَيْنِه أَو بِغَيْر عينه أَو بِالْعرضِ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا عملا بِإِطْلَاق الْوكَالَة عِنْده كَالْوَكِيلِ بِالْبيعِ وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالدَّنَانِيرِ أَو بِبَعْض مَا يخرج من الأَرْض يَعْنِي بِهِ الْمُزَارعَة حملا للإطلاق على الْمُتَعَارف وَعِنْدَهُمَا تجوز الْمُزَارعَة وَعِنْده لَا تجوز لِأَنَّهَا فَاسِدَة
الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي البزازي عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْوَكِيل إِنَّمَا يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ إِذا كَانَت الْوكَالَة للتِّجَارَة أما إِذا كَانَت للْحَاجة كَالْمَرْأَةِ تُعْطِي غزلها للْبيع لم يملك نَسِيئَة وَبِه يُفْتى وللوكيل بِالْبيعِ أَن يَبِيع بِالنَّسِيئَةِ وَيَأْخُذ رهنا وكفيلا أما الْإِقَالَة والحط وَالْإِبْرَاء والتجوز بِدُونِ حَقه يجوز عِنْدهمَا وَيضمن خلافًا لأبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ لَا يملك الْإِقَالَة بِخِلَاف الْوَكِيل بِالْبيعِ وَالسّلم فَإِذا بَاعَ ثمَّ أقَال لزم الثّمن وَكَذَا الْأَخ وَالْوَصِيّ وَالْمُتوَلِّيّ كَالْأَبِ
وَفِي التَّتِمَّة والحقائق ثمَّ على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يجوز البيع بِالنَّسِيئَةِ طَالَتْ الْمدَّة أَو قصرت وَعند صَاحِبيهِ لَا يجوز إِلَّا بِأَجل مُتَعَارَف فِي تِلْكَ السّلْعَة وَلَو وَكله بِالْبيعِ نَسِيئَة فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ جَازَ
إِذا قَالَ الْمُوكل بِعْ هَذَا العَبْد فِي السُّوق فَبَاعَهُ فِي دَاره لم ينفذ البيع عِنْد زفر لِأَنَّهُ مُخَالف وَعند الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ينفذ لِأَن هَذَا التَّقْيِيد غير مُقَيّد فَيلْغُو فَبَقيَ الْأَمر بِمُطلق البيع وَقد وجد فَينفذ
نوع فِي الْعَزْل الْمُوكل إِذا عزل وَكيله وَهُوَ حَاضر انْعَزل وَكَذَا لَو كَانَ غَائِبا فَكتب إِلَيْهِ كتاب الْعَزْل فَبَلغهُ الْكتاب وَعلم مَا فِيهِ انْعَزل حَتَّى لَو عَزله الْمُوكل وَلم يعلم الْوَكِيل بعزله فَهُوَ على وكَالَته وتصرفه جَائِز فِي جَمِيع الْأَحْكَام حَتَّى يبلغهُ الْعَزْل
الْوَكِيل لَو عزل نَفْيه بِدُونِ علم الْمُوكل لَا يَصح خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي الذَّخِيرَة وَتبطل الْوكَالَة بِمَوْت الْمُوكل وجنونه مطبقا وارتداده ولحاقه بدار الْحَرْب
وَقد اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فِي حد الْجُنُون المطبق فَقَالَ أَبُو يُوسُف حَده شهر لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّوْم وَعنهُ أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّلَوَات الْخمس وَعند مُحَمَّد حَده حول كَامِل وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن استمراره حولا مَعَ اخْتِلَاف فصوله آيَة استحكامه لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ جَمِيع الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالزَّكَاة أما مَا دون الْحول فَلَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة فَلَا يكون فِي معنى الْمَوْت
стр. 39
وَلَو وَكله بِقَبض الدّين ثمَّ إِن رب الدّين وهبه من الْغَرِيم وَالْوَكِيل لم يعلم بذلك فَقَبضهُ مِنْهُ وَهلك فِي يَده فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وللدافع أَن يَأْخُذ بِهِ الْمُوكل
وَلَو مَاتَ العَبْد الْمَأْمُور بِبيعِهِ أَو الْمُوكل وَلم يعلم بِهِ الْوَكِيل فَبَاعَ وَقبض الثّمن وَهلك فِي يَده ضمن وَلم يرجع بِهِ على الْآمِر وَلَا فِي تركته إِن كَانَ هُوَ الْمَيِّت قَالَ صَاحب الْفُصُول وَالْفرق فِي الايضاح فَلْينْظر ثمَّة
وَفِي الْوَلْوَالجيّ تَعْلِيق الْوكَالَة بِالشّرطِ يجوز فَإِنَّهُ نَص فِي الزِّيَادَات فِي بَاب الْخلْع امْرَأَة قَالَت لزَوجهَا إِذا جَاءَ غَد فطلقني بِأَلف دِرْهَم جَازَ وَلَو نهت الزَّوْج عَن ذَلِك قبل مَجِيء الْغَد جَازَ نهيها حَتَّى لَو طلق الزَّوْج بعد ذَلِك وَقع بِغَيْر جعل لِأَنَّهُ عمل بنهيها فِي إِبْطَاله ولَايَة إِلْزَام المَال عَلَيْهَا لَا فِي الْحجر عَن الطَّلَاق فَدلَّ أَنه صَحَّ تَعْلِيق التَّوْكِيل بِالشّرطِ انْتهى
نوع فِي الْكفَالَة الْكفَالَة فِي الشَّرِيعَة ضم الذِّمَّة فِي الْمُطَالبَة دون الْيَدَيْنِ وَقيل ضم الذِّمَّة إِلَى الذِّمَّة فِي الدّين فَيصير الدّين الْوَاحِد فِي حكم دينين أَو تصير الذمتان فِي حكم ذمَّة وَاحِدَة لِأَن الْكَفِيل مطَالب كالأصيل والمطالبة بإيفاء الدّين بِلَا دين محَال لِأَن الْمُطَالبَة فرع الدّين فَلَا يتَصَوَّر الْفَرْع بِدُونِ الاصل فَلَزِمَ من توجه الْمُطَالبَة إِلَى الْكَفِيل ثُبُوت الدّين فِي ذمَّته فَلَزِمَ تعدد الدّين ضَرُورَة وَلِهَذَا لَو وهب الدّين من الْكَفِيل صَحَّ وَلِهَذَا يرجع الْكَفِيل على الْأَصِيل فَلَو لم يكن الدّين ثَابتا على ذمَّة الْكَفِيل لما صَحَّ هِبته لِأَن هبة الدّين من غير من عَلَيْهِ الدّين لَا تصح وَلَا تصح الْكفَالَة إِلَّا مِمَّن يملك التَّبَرُّع لِأَن الْكفَالَة عقد تبرع فَتَصِح مِمَّن يملك التَّبَرُّع وَلَا تصح مِمَّن لَا يملكهُ فَلَا تَنْعَقِد كَفَالَة الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ وَلَا تجوز كَفَالَة الْمكَاتب عَن الْأَجْنَبِيّ لِأَن الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم على لِسَان صَاحب الشَّرْع الشريف صلوَات الله تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِ وَسَوَاء أذن لَهُ الْمولى أَو لم يَأْذَن لِأَن إِذن الْمولى لم يَصح فِي حَقه وَصَحَّ فِي حق الْقِنّ حَتَّى يُطَالب بِهِ بعد الْعتْق وَلَو كفل الْمكَاتب أَو الْمَأْذُون عَن الْمولى جَازَ لِأَنَّهُمَا يملكَانِ التَّبَرُّع عَلَيْهِ كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل قَالَ لآخر أَنا ضَامِن بِمَعْرِِفَة فلَان فَلَيْسَ هَذَا بكفالة وروى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي غير رِوَايَة الأَصْل أَنه قَالَ هَذَا على مُعَاملَة النَّاس وَلَو قَالَ الْكَفِيل قد ضمنت بِهِ أَو قَالَ هُوَ عَليّ أَو الي فقد لَزِمته الْكفَالَة لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْكفَالَة وَلَو قَالَ كتبتها لَك عِنْدِي أَو قَالَ أثبتها لَك عندى فَهَذَا لَيْسَ بِضَمَان بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ كتبهَا لَك على أَو أثبتها لَك على لِأَن كلمة عندى لاتنبىء عَن الِالْتِزَام بِخِلَاف كلمة عَليّ تذكر للالتزام
وَفِي الْمِنْهَاج للعقيلي وَتجوز الْكفَالَة بِأَن يَقُول أَنا كَفِيل بِمَا لَك عَلَيْهِ أَو ضَامِن أَو زعيم أَو قبيل أَو مَالك عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ أَو عِنْدِي أَو قبلي فَهَذَا كُله ضَمَان صَحِيح
وَيجوز تَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط بِأَن يَقُول مَا بَايَعت فلَانا فعلي أَو مَا يذوب لَك على فلَان فَهُوَ عَليّ انْتهى وَلَو قَالَ أَنا بِهِ زعيم أَو قبيل أَو ضمين لَزِمته الْكفَالَة لما قُلْنَا لِأَن الزعيم وَالْكَفِيل سَوَاء قَالَ ﵊ الزعيم غَارِم وَكَذَا الْقَبِيل والضمين وَلَو قَالَ أَنا ضَامِن لَك حَتَّى أدلك لَا يكون كَفِيلا كَمَا لَو قَالَ أَنا ضَامِن بمعرفته
قيل مَكْتُوب على بَاب بلد الرّوم الْكفَالَة أَولهَا ملامة وأوسطها ندامة وَآخِرهَا غَرَامَة وَمن لم يصدق فليجرب ليعرف الْبلَاء من السَّلامَة
стр. 40
ثمَّ هِيَ تصح فِي الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة وبالنفس عندنَا فَإِن كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر ثمَّ دفع إِلَيْهِ قبل شهر برىء وَفِي شرح الشافي يجب تَسْلِيمه بعد الشَّهْر كَمَا لَو بَاعَ بِثمن مُؤَجل
كفل ثَلَاثَة أَيَّام لَا يبرأ بمضيها وَالثَّلَاثَة لتأخير الْمُطَالبَة قَالَ أَبُو جَعْفَر وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى كفل إِلَى عشرَة أَيَّام فَهُوَ عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يبرأ وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر على أَنه بَرِيء إِذا مضى الشَّهْر فَهُوَ لَا يضمن شَيْئا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث الْفَتْوَى على أَنه لَا يصير كَفِيلا وَفِي الْوَاقِعَات الْفَتْوَى على أَنه يصير كَفِيلا
وَإِذا مَاتَ الْكَفِيل بِالدّينِ الْمُؤَجل حل الدّين فِي مَاله ثمَّ لوَارِثه الرُّجُوع على الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل وَالْكَفِيل حَتَّى يحل الدّين فِي تَرِكَة الْأَصِيل وَيكون على الْكَفِيل إِلَى أَجله وَإِن مَاتَ رب الدّين بَقِي الدّين عَلَيْهِمَا إِلَى أَجله
رجل كفل بِنَفس رجل وَهُوَ مَحْبُوس فَلم يقدر أَن يأتى بِهِ الْكَفِيل لَا يُطَالب الْكَفِيل بِهِ لِأَنَّهُ كفل مَالا يقدر على تَسْلِيمه فَلَا يَصح وَلَو كفله وَهُوَ مُطلق ثمَّ حبس الْكَفِيل يُطَالب الْكَفِيل بِهِ حَتَّى يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ حَال مَا كفل بِهِ كَانَ قَادِرًا على إِتْيَانه وَلَو كفل بِنَفس أَو مَال والطالب غَائِب لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى إِلَّا أَن الْمَرِيض إِذا قَالَ لوَارِثه اضمن عني دين فلَان وَهُوَ غَائِب فَإِنَّهُ يجوز وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ يجوز ذَلِك كُله لِأَن الْكفَالَة تصرف على نَفسه خَاصَّة فَيتم بِهِ كالإبراء
رجل كفل عَن رجل على أَنه إِن لم يُسلمهُ إِلَيْهِ يَوْم كَذَا فَالْمَال عَلَيْهِ صَحَّ هَذَا الشَّرْط فَإِن توارى الْمَكْفُول لَهُ يرفع الْكَفِيل الْأَمر إِلَى القَاضِي لينصب وَكيلا عَن الطَّالِب ويسلمه إِلَيْهِ فَيبرأ وَكَذَلِكَ فِيمَن بَاعَ شَيْئا على أَن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فتوارى البَائِع فَإِن المُشْتَرِي يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم فينصب عَنهُ وَكيلا فيسلمه إِلَيْهِ قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث هَذَا القَوْل بِخِلَاف قَول اصحابنا فِي الرِّوَايَات الظَّاهِرَة إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الرِّوَايَات عَن أبي يُوسُف ﵀ وَلَو فعل القَاضِي هَكَذَا إِذا علم أَن الْخصم متعنت بذلك فَهُوَ حسن
وَلَو كفل رجل بِنَفس رجل لرجل على أَنه إِن لم يواف بِهِ إِلَى كَذَا وَلم يواف بِهِ فَعَلَيهِ المَال الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ جَازَ وَلَو قَالَ إِن لم أوفك بِهِ غَدا فعلى ألف دِرْهَم وَلم يقل الَّتِي لَك عَلَيْهِ والطالب يَدعِي ألف دِرْهَم وَقَالَ الْكَفِيل لَيْسَ للطَّالِب عَلَيْهِ الف دِرْهَم وَلَهُم كَانَ إِقْرَار مني بِأَلف دِرْهَم مُعَلّقا بِالشّرطِ وَلم يكن كَفَالَة بِالْمَالِ وَقَالَ الطَّالِب لي عَلَيْهِ ألف دِرْهَم وَهُوَ الْآن علق الْكفَالَة بذلك المَال لعدم الموافاة لزمَه المَال فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يلْزمه شَيْء
وَإِن ادّعى رجل على رجل مَالا فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوب إِن لم آتِك غَدا فَهُوَ عَليّ لم يلْزمه ذَلِك وَإِن لم يَأْته لِأَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِالشّرطِ بَاطِل وَلَو قَالَ ذَلِك كفيله لزم الْكَفِيل مَا ثَبت عَلَيْهِ بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار مِنْهُ لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ وَتَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط عدم الموافاة إِذا اتَّحد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب جَائِز وَلَو قَالَ إِن لم أوافك غَدا فَمَا تَدعِي بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ لم يلْزم الْمَطْلُوب إِلَّا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الْمَطْلُوب لِأَن إِقْرَار الْكَفِيل فِي حق الْمَطْلُوب لَيْسَ بِحجَّة وَيلْزم الْكَفِيل مَا ادّعى عَلَيْهِ إِن لم يَأْتِ بِهِ لِأَن الْكَفِيل لما علق الْكفَالَة الثَّابِتَة بِعَدَمِ الموافاة كَانَ هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ وَلَيْسَ للْكَفِيل أَن يُطَالب الْمَدْيُون قبل الْأَدَاء وَإِن كَانَت الْكفَالَة بِالْأَمر وَمَعَ ذَلِك لَو أَدَّاهُ الْكَفِيل لَهُ أَن يسْتَردّ مَا لم يؤده الْمَكْفُول عَنهُ إِلَى الدَّائِن وَلَو وهب رب الدّين لأَحَدهمَا فَهَذَا وَأَدَاء المَال سَوَاء وَكَذَا لَو مَاتَ الطَّالِب فورثه أَحدهمَا
следующие страницы →