Полный текст (222 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بِالذكر لِأَنَّهُ لم يحفظ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا لِأَن قَوْله بِخِلَاف قَوْلهمَا وَإِلَى هَذَا مَال شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى
وَمن ادّعى أَنه وَكيل الْغَائِب فِي قبض دينه فَصدقهُ الْغَرِيم أَمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أقرّ على نَفسه فَإِن حضر الْغَائِب وَصدقه فَذَاك وَإِلَّا دفع الْغَرِيم الدّين إِلَيْهِ ثَانِيًا وَرجع بِهِ على الْوَكِيل إِن كَانَ بَاقِيا فِي يَده لِأَن غَرَضه من الدّفع بَرَاءَة ذمَّته مِنْهُ وَلم يحصل وَإِن ضَاعَ من يَده لم يرجع عَلَيْهِ لِأَن بتصديقه اعْترف أَنه محق بِالْقَبْضِ إِلَّا أَن يكون ضمنه عِنْد الدّفع لِأَن الْمَأْخُوذ ثَانِيًا مَضْمُون عَلَيْهِ فِي زعمهما وَهَذِه كَفَالَة أضيفت إِلَى حَالَة الْقَبْض فَتَصِح بِمَنْزِلَة الْكفَالَة بِمَا ذاب لَك على فلَان وَلَو كَانَ الْغَرِيم لم يصدقهُ على الْوكَالَة وَدفعه إِلَيْهِ على ادعائه فَإِن رَجَعَ صَاحب المَال على الْغَرِيم رَجَعَ الْغَرِيم على الْوَكِيل وَإِن ضَاعَ من يَده لِأَنَّهُ لم يصدقهُ فِي الْوكَالَة وَإِنَّمَا دفع إِلَيْهِ على رَجَاء الْإِجَازَة فَإِذا انْقَطع رجاؤه رَجَعَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَو دفع إِلَيْهِ على تَكْذِيبه إِيَّاه فِي الْوكَالَة وَهَذَا ظَاهر فِي الْوُجُوه كلهَا وَلَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّ الْمَدْفُوع حَتَّى يحضر الْغَائِب لِأَن الْمُؤَدِّي صَار حَقًا للْغَائِب
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رجل قَالَ لمديونه ادْفَعْ مَا لفُلَان عَلَيْك إِلَيّ لأقبض لَعَلَّه يُجِيز فَدفع ذكر فِي الزِّيَادَات لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ تعلق بِهِ حق رب الدّين لِأَن الْقَابِض قبض لأَجله لَعَلَّه يُجِيز وَذكر فِي الْمُنْتَقى أَن لَهُ أَن يسْتَردّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْمَدْيُون إِذا دفع قدر الدّين إِلَى رجل ليدفع إِلَى رب دينه ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَردّهُ سنه لَهُ ذَلِك
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَن الْوَكِيل يقبض الْعين إِذا صدقه صَاحب الْيَد يجْبر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ كَالدّين
وَذكر فِي وكَالَة غَرِيب الرِّوَايَة رجل فِي يَده مَتَاع فَقَالَ هَذَا لفُلَان وَهَذَا وَكيل بِالْقَبْضِ يجْبر على الدّفع فِي الْعين وَالدّين عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ وَلَو ادّعى الْوكَالَة بِقَبض الْوَدِيعَة وَصدقه لَا يجْبر على التَّسْلِيم وَلَو كذبه أَو سكت لَا يجْبر أَيْضا وَلَو سلم لَا يتَمَكَّن من اسْتِرْدَاده فَإِن حضر الْمَالِك وَكذبه فِي الْوكَالَة فَفِي وَجه وَاحِد لَا يرجع الْمُودع على الْوَكِيل وَهُوَ مَا إِذا صدقه وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ الضَّمَان وَفِي سَائِر الْوُجُوه يرجع عَلَيْهِ بِعَيْنِه إِن كَانَ قَائِما وبقيمته إِن كَانَ هَالكا
وَمن ادّعى أَنه وصّى فلَان الْمَيِّت وَطلب الدّين وَصدقه الْغَرِيم فَإِنَّهُ لَا يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ بِخِلَاف الْوَكِيل فَإِن للْقَاضِي ولَايَة نصب الْوَصِيّ وَلَا يملك نصب الْوَكِيل
وَلَو وكلت رجلا يُزَوّجهَا من فلَان يَوْم الْجُمُعَة فَزَوجهَا مِنْهُ يَوْم الْخَمِيس لَا يجوز لَان التَّفْوِيض تنَاول زَمَانا مَخْصُوصًا
وَفِي الصُّغْرَى لَو قَالَ بِعْ عَبدِي الْيَوْم أَو طلق امْرَأَتي الْيَوْم فَفعل ذَلِك فِي غَد جَازَ وَيكون وَكيلا فِي الْيَوْم وَمَا بعده وَلَا يكون وَكيلا فِيمَا قبل ذَلِك
رجل وكل رجلا بِقَبض دين على رجل فَقَبضهُ فَهُوَ وَدِيعَة عِنْد الْوَكِيل إِن سَافر بِهِ لم يضمن وَإِن استودعه غَيره ضمن وَإِن خَلفه فِي أَهله لم يضمن فَإِن وَضعه عِنْد امْرَأَته أَو خادمه أَو بعض عِيَاله لم يضمن وَالْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا سَافر بِمَا أَمر بِبيعِهِ يضمن
وَفِي مختلفات القَاضِي أبي عَاصِم العامري وَلَو وَكله بِقَبض وديعته فَقَالَ الَّذِي كَانَت فِي يَده قد دفعتها
стр. 37
إِلَى الْمُوكل أَو إِلَى وَكيله فَالْقَوْل قَوْله وَهُوَ مُصدق فِي بَرَاءَة نَفسه وَلَو وَكله بِقَبض وَدِيعَة أَو عَارِية فَمَاتَ الْمُوكل فقد خرج الْوَكِيل من الْوكَالَة فَإِن قَالَ الْوَكِيل قد كنت قبضتها فِي حَيَاته ودفعتها إِلَى الْمُوكل لم يصدق على ذَلِك الا بِبَيِّنَة
رجل وكل رجلا بِقَبض كل حق لَهُ على النَّاس وَعِنْدهم وَمَعَهُمْ وَتَحْت أَيْديهم وبقبض مَا يحدث لَهُ من الْمُقَاسَمَة بَين شركائه وبحبس من يرى حَبسه وبالتخلية عَنهُ إِذا رأى ذَلِك وَكتب لَهُ بذلك كتابا وَكتب لَهُ فِي آخِره أَنه يُخَاصم ويخاصم ثمَّ إِن قوما يدعونَ قبل الْمُوكل مَالا وَالْمُوكل غَائِب فَأقر الْوَكِيل عَنهُ عِنْد القَاضِي أَنه وَكيله وَأنكر المَال فأحضر الْخُصُوم شهودهم على الْمُوكل لَا يكون لَهُم أَن يحبسوا الْوَكِيل لِأَن الْحَبْس جَزَاء الظُّلم وَلم يظْهر إِذْ لَيْسَ فِي هَذِه الشَّهَادَة أَمر بأَدَاء المَال وَلَا ضَمَان الْوَكِيل عَن مُوكله فَإِذا لم يجب على الْوَكِيل أَدَاء المَال من مَال الْمُوكل بِأَمْر الْمُوكل وَلَا بِالضَّمَانِ عَن مُوكله لَا يكون الْوَكِيل ظَالِما بامتناعه عَن أَدَاء المَال فَلَا يحبس فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة تدل على أَن الْمَأْمُور بِقَضَاء الدّين من مَال الْآمِر يجْبر على قَضَاء الدّين
إِذا شهدُوا على وكَالَة رجل فِي شَيْء وَالْوَكِيل يجْحَد الْوكَالَة فَإِن كَانَ الْوَكِيل الطَّالِب وَالْمَطْلُوب يَدعِي الْوكَالَة وَالْوَكِيل يجْحَد تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَهل يجْبر على الْخُصُومَة مَعَ الطَّالِب إِن شهد الشُّهُود أَن الْمَطْلُوب وَكله بِالْخُصُومَةِ مَعَ الطَّالِب وَقبل الْوكَالَة وَإِن لم يشْهدُوا على الْقبُول لَا يجْبر
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض لَيْسَ لَهُ أَن يطْلب شُفْعَة لِأَن الشُّفْعَة شِرَاء وَالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لَا يملك الشِّرَاء وَله أَن يقبض شُفْعَة قضى لمُوكلِه بهَا
وَفِي البزازي رجل قَالَ لآخر وَكلتك بِطَلَب كل حق لي قبل فلَان يُقيد بِمَا عَلَيْهِ يَوْم التَّوْكِيل وَلَا يدْخل الْحَادِث بعد التَّوْكِيل وَفِي التَّوْكِيل بِطَلَب كل حق لَهُ على النَّاس أَو بِكُل حق لَهُ بخوارزم يدْخل الْقَائِم لَا الْحَادِث وَذكر شيخ الْإِسْلَام أَنه إِذا وَكله بِقَبض كل حق لَهُ على فلَان يدْخل الْقَائِم والحادث فيتأمل عِنْد الْفَتْوَى
وَفِي الْمُنْتَقى وَكله بِقَبض كل دين لَهُ يدْخل الْحَادِث أَيْضا
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَكله بِطَلَب كل عقار لَهُ بخوارزم فَقدم الَّذِي فِي يَده الْعقار بخوارزم إِلَى بُخَارى لَهُ ذَلِك
وَفِي الدّين إِذا وَكله بِطَلَب كل دين لَهُ على من بخوارزم فَقدم خوارزمي إِلَى بُخَارى وادعاه لَا يَصح وَلَو قَالَ فِي كل دين لي فِي بُخَارى فَقدم الْمُسْتَقْرض مِنْهُ فِي خوارزم إِلَى بُخَارى تصح دَعْوَاهُ
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض فغصب مِنْهُ انسان شَيْئا بعد الْوكَالَة لَهُ طلبه
وَعَن الامام رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ لآخر أَنْت وَكيلِي فِي قبض مَالِي على النَّاس لَا يَقع على الْحَادِث وَلَو وَكله بِكُل حق لَهُ وبالخصومة فِي كل حق لَهُ وَلم يعين المخاصم بِهِ والمخاصم فِيهِ جَازَ اه
إِذا وَقعت الْمُنَازعَة بَين الْوَكِيل بالاستقراض وَبَين مُوكله فَالْقَوْل قَول الْمُوكل لِأَن الْوَكِيل يُرِيد أَن يغرمه مَا قَبضه من الْقَرْض وَلَيْسَ للْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَن يهب وَلَا يُصَالح لِأَنَّهُمَا ليسَا من الْخُصُومَة فِي شَيْء فَلم يدخلا تَحت التَّوْكِيل
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَو أَن رجلا قَالَ لرجل أقرضت فلَانا ألف دِرْهَم وَقد وَكلتك بقبضها مِنْهُ وقبضت وَقَالَ الْمُسْتَقْرض قد دفعتها إِلَى الْوَكِيل وَأنكر الْوَكِيل فَالْقَوْل قَول الْمُوكل وَعَن أبي يُوسُف القَوْل قَول
стр. 38
الْوَكِيل لِأَنَّهُ أقرّ أَنه أَمِين وَالْقَوْل قَول الْأمين وَلَا يسْتَحْلف الْوَكِيل نَائِبه بِاللَّه مَا يعلم أَن رب الدّين قد استوفى الدّين لِأَن النِّيَابَة لَا تجْرِي فِي الْأَيْمَان بِخِلَاف الْوَارِث حَيْثُ يحلف على الْعلم لِأَن الْحق يثبت للْوَارِث فَكَانَ الْحلف بطرِيق الاصالة دون النِّيَابَة
وَفِي المنبع الْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا يملك البيع بِمَا قل من الْأَثْمَان أَو كثر عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا لم يكن الثّمن مُسَمّى أما إِذا كَانَ الثّمن مُسَمّى بِأَن قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد بِأَلف فَبَاعَهُ بِأَلف إِلَّا درهما لَا يجوز وَقَالا لَا يجوز أَن يَبِيعهُ إِلَّا بِنُقْصَان يتَغَابَن النَّاس فِي مثله وَهُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَيملك البيع بالعروض أَيْضا كَمَا يملك البيع بالأثمان كالدراهم وَالدَّنَانِير وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا لَا يملك إِلَّا البيع بالأثمان
الْوَكِيل بإيجار الأَرْض وَكيل بإيجارها بِأَيّ عرض كَانَ سَوَاء آجرها بكيلي أَو وزني بِعَيْنِه أَو بِغَيْر عينه أَو بِالْعرضِ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا عملا بِإِطْلَاق الْوكَالَة عِنْده كَالْوَكِيلِ بِالْبيعِ وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالدَّنَانِيرِ أَو بِبَعْض مَا يخرج من الأَرْض يَعْنِي بِهِ الْمُزَارعَة حملا للإطلاق على الْمُتَعَارف وَعِنْدَهُمَا تجوز الْمُزَارعَة وَعِنْده لَا تجوز لِأَنَّهَا فَاسِدَة
الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي البزازي عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْوَكِيل إِنَّمَا يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ إِذا كَانَت الْوكَالَة للتِّجَارَة أما إِذا كَانَت للْحَاجة كَالْمَرْأَةِ تُعْطِي غزلها للْبيع لم يملك نَسِيئَة وَبِه يُفْتى وللوكيل بِالْبيعِ أَن يَبِيع بِالنَّسِيئَةِ وَيَأْخُذ رهنا وكفيلا أما الْإِقَالَة والحط وَالْإِبْرَاء والتجوز بِدُونِ حَقه يجوز عِنْدهمَا وَيضمن خلافًا لأبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ لَا يملك الْإِقَالَة بِخِلَاف الْوَكِيل بِالْبيعِ وَالسّلم فَإِذا بَاعَ ثمَّ أقَال لزم الثّمن وَكَذَا الْأَخ وَالْوَصِيّ وَالْمُتوَلِّيّ كَالْأَبِ
وَفِي التَّتِمَّة والحقائق ثمَّ على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يجوز البيع بِالنَّسِيئَةِ طَالَتْ الْمدَّة أَو قصرت وَعند صَاحِبيهِ لَا يجوز إِلَّا بِأَجل مُتَعَارَف فِي تِلْكَ السّلْعَة وَلَو وَكله بِالْبيعِ نَسِيئَة فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ جَازَ
إِذا قَالَ الْمُوكل بِعْ هَذَا العَبْد فِي السُّوق فَبَاعَهُ فِي دَاره لم ينفذ البيع عِنْد زفر لِأَنَّهُ مُخَالف وَعند الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ينفذ لِأَن هَذَا التَّقْيِيد غير مُقَيّد فَيلْغُو فَبَقيَ الْأَمر بِمُطلق البيع وَقد وجد فَينفذ
نوع فِي الْعَزْل الْمُوكل إِذا عزل وَكيله وَهُوَ حَاضر انْعَزل وَكَذَا لَو كَانَ غَائِبا فَكتب إِلَيْهِ كتاب الْعَزْل فَبَلغهُ الْكتاب وَعلم مَا فِيهِ انْعَزل حَتَّى لَو عَزله الْمُوكل وَلم يعلم الْوَكِيل بعزله فَهُوَ على وكَالَته وتصرفه جَائِز فِي جَمِيع الْأَحْكَام حَتَّى يبلغهُ الْعَزْل
الْوَكِيل لَو عزل نَفْيه بِدُونِ علم الْمُوكل لَا يَصح خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي الذَّخِيرَة وَتبطل الْوكَالَة بِمَوْت الْمُوكل وجنونه مطبقا وارتداده ولحاقه بدار الْحَرْب
وَقد اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فِي حد الْجُنُون المطبق فَقَالَ أَبُو يُوسُف حَده شهر لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّوْم وَعنهُ أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّلَوَات الْخمس وَعند مُحَمَّد حَده حول كَامِل وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن استمراره حولا مَعَ اخْتِلَاف فصوله آيَة استحكامه لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ جَمِيع الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالزَّكَاة أما مَا دون الْحول فَلَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة فَلَا يكون فِي معنى الْمَوْت
стр. 39
وَلَو وَكله بِقَبض الدّين ثمَّ إِن رب الدّين وهبه من الْغَرِيم وَالْوَكِيل لم يعلم بذلك فَقَبضهُ مِنْهُ وَهلك فِي يَده فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وللدافع أَن يَأْخُذ بِهِ الْمُوكل
وَلَو مَاتَ العَبْد الْمَأْمُور بِبيعِهِ أَو الْمُوكل وَلم يعلم بِهِ الْوَكِيل فَبَاعَ وَقبض الثّمن وَهلك فِي يَده ضمن وَلم يرجع بِهِ على الْآمِر وَلَا فِي تركته إِن كَانَ هُوَ الْمَيِّت قَالَ صَاحب الْفُصُول وَالْفرق فِي الايضاح فَلْينْظر ثمَّة
وَفِي الْوَلْوَالجيّ تَعْلِيق الْوكَالَة بِالشّرطِ يجوز فَإِنَّهُ نَص فِي الزِّيَادَات فِي بَاب الْخلْع امْرَأَة قَالَت لزَوجهَا إِذا جَاءَ غَد فطلقني بِأَلف دِرْهَم جَازَ وَلَو نهت الزَّوْج عَن ذَلِك قبل مَجِيء الْغَد جَازَ نهيها حَتَّى لَو طلق الزَّوْج بعد ذَلِك وَقع بِغَيْر جعل لِأَنَّهُ عمل بنهيها فِي إِبْطَاله ولَايَة إِلْزَام المَال عَلَيْهَا لَا فِي الْحجر عَن الطَّلَاق فَدلَّ أَنه صَحَّ تَعْلِيق التَّوْكِيل بِالشّرطِ انْتهى
نوع فِي الْكفَالَة الْكفَالَة فِي الشَّرِيعَة ضم الذِّمَّة فِي الْمُطَالبَة دون الْيَدَيْنِ وَقيل ضم الذِّمَّة إِلَى الذِّمَّة فِي الدّين فَيصير الدّين الْوَاحِد فِي حكم دينين أَو تصير الذمتان فِي حكم ذمَّة وَاحِدَة لِأَن الْكَفِيل مطَالب كالأصيل والمطالبة بإيفاء الدّين بِلَا دين محَال لِأَن الْمُطَالبَة فرع الدّين فَلَا يتَصَوَّر الْفَرْع بِدُونِ الاصل فَلَزِمَ من توجه الْمُطَالبَة إِلَى الْكَفِيل ثُبُوت الدّين فِي ذمَّته فَلَزِمَ تعدد الدّين ضَرُورَة وَلِهَذَا لَو وهب الدّين من الْكَفِيل صَحَّ وَلِهَذَا يرجع الْكَفِيل على الْأَصِيل فَلَو لم يكن الدّين ثَابتا على ذمَّة الْكَفِيل لما صَحَّ هِبته لِأَن هبة الدّين من غير من عَلَيْهِ الدّين لَا تصح وَلَا تصح الْكفَالَة إِلَّا مِمَّن يملك التَّبَرُّع لِأَن الْكفَالَة عقد تبرع فَتَصِح مِمَّن يملك التَّبَرُّع وَلَا تصح مِمَّن لَا يملكهُ فَلَا تَنْعَقِد كَفَالَة الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ وَلَا تجوز كَفَالَة الْمكَاتب عَن الْأَجْنَبِيّ لِأَن الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم على لِسَان صَاحب الشَّرْع الشريف صلوَات الله تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِ وَسَوَاء أذن لَهُ الْمولى أَو لم يَأْذَن لِأَن إِذن الْمولى لم يَصح فِي حَقه وَصَحَّ فِي حق الْقِنّ حَتَّى يُطَالب بِهِ بعد الْعتْق وَلَو كفل الْمكَاتب أَو الْمَأْذُون عَن الْمولى جَازَ لِأَنَّهُمَا يملكَانِ التَّبَرُّع عَلَيْهِ كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل قَالَ لآخر أَنا ضَامِن بِمَعْرِِفَة فلَان فَلَيْسَ هَذَا بكفالة وروى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي غير رِوَايَة الأَصْل أَنه قَالَ هَذَا على مُعَاملَة النَّاس وَلَو قَالَ الْكَفِيل قد ضمنت بِهِ أَو قَالَ هُوَ عَليّ أَو الي فقد لَزِمته الْكفَالَة لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْكفَالَة وَلَو قَالَ كتبتها لَك عِنْدِي أَو قَالَ أثبتها لَك عندى فَهَذَا لَيْسَ بِضَمَان بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ كتبهَا لَك على أَو أثبتها لَك على لِأَن كلمة عندى لاتنبىء عَن الِالْتِزَام بِخِلَاف كلمة عَليّ تذكر للالتزام
وَفِي الْمِنْهَاج للعقيلي وَتجوز الْكفَالَة بِأَن يَقُول أَنا كَفِيل بِمَا لَك عَلَيْهِ أَو ضَامِن أَو زعيم أَو قبيل أَو مَالك عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ أَو عِنْدِي أَو قبلي فَهَذَا كُله ضَمَان صَحِيح
وَيجوز تَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط بِأَن يَقُول مَا بَايَعت فلَانا فعلي أَو مَا يذوب لَك على فلَان فَهُوَ عَليّ انْتهى وَلَو قَالَ أَنا بِهِ زعيم أَو قبيل أَو ضمين لَزِمته الْكفَالَة لما قُلْنَا لِأَن الزعيم وَالْكَفِيل سَوَاء قَالَ ﵊ الزعيم غَارِم وَكَذَا الْقَبِيل والضمين وَلَو قَالَ أَنا ضَامِن لَك حَتَّى أدلك لَا يكون كَفِيلا كَمَا لَو قَالَ أَنا ضَامِن بمعرفته
قيل مَكْتُوب على بَاب بلد الرّوم الْكفَالَة أَولهَا ملامة وأوسطها ندامة وَآخِرهَا غَرَامَة وَمن لم يصدق فليجرب ليعرف الْبلَاء من السَّلامَة
стр. 40
ثمَّ هِيَ تصح فِي الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة وبالنفس عندنَا فَإِن كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر ثمَّ دفع إِلَيْهِ قبل شهر برىء وَفِي شرح الشافي يجب تَسْلِيمه بعد الشَّهْر كَمَا لَو بَاعَ بِثمن مُؤَجل
كفل ثَلَاثَة أَيَّام لَا يبرأ بمضيها وَالثَّلَاثَة لتأخير الْمُطَالبَة قَالَ أَبُو جَعْفَر وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى كفل إِلَى عشرَة أَيَّام فَهُوَ عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يبرأ وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر على أَنه بَرِيء إِذا مضى الشَّهْر فَهُوَ لَا يضمن شَيْئا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث الْفَتْوَى على أَنه لَا يصير كَفِيلا وَفِي الْوَاقِعَات الْفَتْوَى على أَنه يصير كَفِيلا
وَإِذا مَاتَ الْكَفِيل بِالدّينِ الْمُؤَجل حل الدّين فِي مَاله ثمَّ لوَارِثه الرُّجُوع على الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل وَالْكَفِيل حَتَّى يحل الدّين فِي تَرِكَة الْأَصِيل وَيكون على الْكَفِيل إِلَى أَجله وَإِن مَاتَ رب الدّين بَقِي الدّين عَلَيْهِمَا إِلَى أَجله
رجل كفل بِنَفس رجل وَهُوَ مَحْبُوس فَلم يقدر أَن يأتى بِهِ الْكَفِيل لَا يُطَالب الْكَفِيل بِهِ لِأَنَّهُ كفل مَالا يقدر على تَسْلِيمه فَلَا يَصح وَلَو كفله وَهُوَ مُطلق ثمَّ حبس الْكَفِيل يُطَالب الْكَفِيل بِهِ حَتَّى يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ حَال مَا كفل بِهِ كَانَ قَادِرًا على إِتْيَانه وَلَو كفل بِنَفس أَو مَال والطالب غَائِب لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى إِلَّا أَن الْمَرِيض إِذا قَالَ لوَارِثه اضمن عني دين فلَان وَهُوَ غَائِب فَإِنَّهُ يجوز وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ يجوز ذَلِك كُله لِأَن الْكفَالَة تصرف على نَفسه خَاصَّة فَيتم بِهِ كالإبراء
رجل كفل عَن رجل على أَنه إِن لم يُسلمهُ إِلَيْهِ يَوْم كَذَا فَالْمَال عَلَيْهِ صَحَّ هَذَا الشَّرْط فَإِن توارى الْمَكْفُول لَهُ يرفع الْكَفِيل الْأَمر إِلَى القَاضِي لينصب وَكيلا عَن الطَّالِب ويسلمه إِلَيْهِ فَيبرأ وَكَذَلِكَ فِيمَن بَاعَ شَيْئا على أَن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فتوارى البَائِع فَإِن المُشْتَرِي يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم فينصب عَنهُ وَكيلا فيسلمه إِلَيْهِ قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث هَذَا القَوْل بِخِلَاف قَول اصحابنا فِي الرِّوَايَات الظَّاهِرَة إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الرِّوَايَات عَن أبي يُوسُف ﵀ وَلَو فعل القَاضِي هَكَذَا إِذا علم أَن الْخصم متعنت بذلك فَهُوَ حسن
وَلَو كفل رجل بِنَفس رجل لرجل على أَنه إِن لم يواف بِهِ إِلَى كَذَا وَلم يواف بِهِ فَعَلَيهِ المَال الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ جَازَ وَلَو قَالَ إِن لم أوفك بِهِ غَدا فعلى ألف دِرْهَم وَلم يقل الَّتِي لَك عَلَيْهِ والطالب يَدعِي ألف دِرْهَم وَقَالَ الْكَفِيل لَيْسَ للطَّالِب عَلَيْهِ الف دِرْهَم وَلَهُم كَانَ إِقْرَار مني بِأَلف دِرْهَم مُعَلّقا بِالشّرطِ وَلم يكن كَفَالَة بِالْمَالِ وَقَالَ الطَّالِب لي عَلَيْهِ ألف دِرْهَم وَهُوَ الْآن علق الْكفَالَة بذلك المَال لعدم الموافاة لزمَه المَال فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يلْزمه شَيْء
وَإِن ادّعى رجل على رجل مَالا فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوب إِن لم آتِك غَدا فَهُوَ عَليّ لم يلْزمه ذَلِك وَإِن لم يَأْته لِأَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِالشّرطِ بَاطِل وَلَو قَالَ ذَلِك كفيله لزم الْكَفِيل مَا ثَبت عَلَيْهِ بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار مِنْهُ لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ وَتَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط عدم الموافاة إِذا اتَّحد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب جَائِز وَلَو قَالَ إِن لم أوافك غَدا فَمَا تَدعِي بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ لم يلْزم الْمَطْلُوب إِلَّا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الْمَطْلُوب لِأَن إِقْرَار الْكَفِيل فِي حق الْمَطْلُوب لَيْسَ بِحجَّة وَيلْزم الْكَفِيل مَا ادّعى عَلَيْهِ إِن لم يَأْتِ بِهِ لِأَن الْكَفِيل لما علق الْكفَالَة الثَّابِتَة بِعَدَمِ الموافاة كَانَ هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ وَلَيْسَ للْكَفِيل أَن يُطَالب الْمَدْيُون قبل الْأَدَاء وَإِن كَانَت الْكفَالَة بِالْأَمر وَمَعَ ذَلِك لَو أَدَّاهُ الْكَفِيل لَهُ أَن يسْتَردّ مَا لم يؤده الْمَكْفُول عَنهُ إِلَى الدَّائِن وَلَو وهب رب الدّين لأَحَدهمَا فَهَذَا وَأَدَاء المَال سَوَاء وَكَذَا لَو مَاتَ الطَّالِب فورثه أَحدهمَا
стр. 41
إِبْرَاء الاصيل يُبرئ الْكَفِيل لَا عَكسه لَو أخر عَن الْأَصِيل فَهُوَ تَأْخِير عَن الْكَفِيل لَا عَكسه وَإِن أَبْرَأ الْأَصِيل ورد الْإِبْرَاء صَحَّ رده فِي حق نَفسه وَيُطَالب بِهِ وَهل يَصح فِي حق الْكَفِيل اخْتلفُوا فِيهِ كَذَا فِي البزازي
وَفِي الْوَلْوَالجيّ صَحَّ الرَّد من الْأَصِيل فِي حق نَفسه وَفِي حق الْكَفِيل جَمِيعًا حَتَّى تعود الْكفَالَة انْتهى
وَالْكَفَالَة إِلَى الْحَصاد جَائِزَة ويتناول أول الْحَصاد وَلَو قَالَ إِلَى أَن تمطر السَّمَاء أَو تهب الرّيح لَا يجوز
كفل عَن انسان بِمَال عَلَيْهِ إِلَى سنة يجب على الْكَفِيل مُؤَجّلا وَإِن كَانَ على الْأَصِيل حَالا وَإِن مَاتَ الْكَفِيل يُؤْخَذ من تركته حَالا وَلَا يرجع وَرَثَة الْكَفِيل على الْمَكْفُول عَنهُ قبل الْوَقْت الَّذِي وقته
وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَن قَالَ أَنا كفلت بِهِ على أَنِّي مَتى طولبت بِهِ أَو كلما طولبت بِهِ فلي أجل شهر صحت الْكفَالَة وَله أجل شهر من وَقت الْمُطَالبَة الأولى فَإِذا تمّ الشَّهْر من الْمُطَالبَة لزم التَّسْلِيم وَلَا يكون للمطالبة الثَّانِيَة تَأْجِيل
رجل قَالَ لغريمه إِذا جَاءَ غَد فَأَنت بَرِيء من هَذَا المَال لَا يبرأ وَإِن كَانَ أصل المَال عَلَيْهِ من كَفَالَة يبرأ وَكَذَا إِذا قَالَ إِن قدم فلَان فَأَنت بَرِيء مِنْهَا وَكَذَا لَو شَرط الْكفَالَة على هَذَا فَهُوَ جَائِز
رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم بهَا كَفِيل عَنهُ فَصَالح الْكَفِيل الطَّالِب على مائَة على أَنه يبرا الْأَصِيل من الْألف وَالْكَفَالَة بأَمْره رَجَعَ الْكَفِيل على الْأَصِيل بِالْمِائَةِ لَا بِالْألف وَلَو صَالح على مائَة على أَن يهب الْكَفِيل الْبَاقِي رَجَعَ بِالْألف
الطَّالِب إِذا أبرا الْكَفِيل فالكفيل لَا يرجع على الْأَصِيل
وَذكر فِي الْعِمَادِيّ من لَهُ دين على آخر وَبِه كَفِيل فَاشْترى الطَّالِب من الْغَرِيم عقارا بيعا جَائِزا وتقاصا الثّمن أَو وَقعت الْمُقَاصَّة بِاعْتِبَار المجانسة هَل يبرأ الْكَفِيل أجَاب صَاحب الْهِدَايَة أَنه يبرأ قيل لَهُ وَلَو تفاسخا قَالَ لَا تعود الْكفَالَة
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل كفل بِنَفس رجل وَلم يقدر على تَسْلِيمه فَقَالَ لَهُ الطَّالِب ادْفَعْ الي مَالِي الْمَكْفُول عَنهُ حَتَّى تَبرأ من الْكفَالَة فَإِن أَرَادَ أَن يُؤَدِّيه على وَجه يكون لَهُ حق الرُّجُوع على الْمَطْلُوب فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِك أَن يدْفع الدّين إِلَى الطَّالِب ويهب الطَّالِب مَاله على الْمَطْلُوب إِلَيْهِ ويوكله بِقَبْضِهِ فَيكون لَهُ حق الْمُطَالبَة فَإِذا قَبضه يكون لَهُ حق الرُّجُوع لِأَنَّهُ لَو دفع المَال إِلَيْهِ بِغَيْر هَذِه الْحِيلَة يكون مُتَطَوعا وَلَو أدّى بِشَرْط أَن لَا يرجع عَلَيْهِ لَا يجوز
وَفِي البزازي رجلَانِ فِي سفينة مَعَهُمَا مَتَاع وثقلت السَّفِينَة فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه ألق متاعك على أَن يكون متاعي بيني وَبَيْنك أنصافا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا فَاسد وَضمن لمَالِك الْمَتَاع نصف قيمَة مَتَاعه
رجل قضى دين غَيره بِغَيْر أمره جَازَ فَلَو انْتقض بِوَجْه من الْوُجُوه يعود إِلَى ملك قَاضِي الدّين لِأَنَّهُ مُتَطَوّع وَلَو قضى بأَمْره يعود إِلَى ملك من عَلَيْهِ الدّين وَعَلِيهِ للْقَاضِي مثلهَا
وَفِي الْقنية رجل طلب دينه من الْمَدْيُون فَأعْطَاهُ مِقْدَارًا معينا من الْحِنْطَة وَلم يبعها مِنْهُ وَلم يقل إِنَّهَا من جِهَة الدّين فَهُوَ بيع بِالَّذِي يرَاهُ إِن كَانَت قيمتهَا أقل من الدّين فَإِن كَانَ السّعر بَينهمَا مَعْلُوما يكون بيعا بِقدر قِيمَته من الدّين وَإِلَّا فَلَا بيع بَينهمَا اه
стр. 42
كَفَالَة الْمَرِيض تصح من الثُّلُث وَلَا تجوز بِمَا لَا يُمكن اسْتِيفَاؤهُ نَحْو الْحُدُود وَالْقصاص إِذا كفل عَن المُشْتَرِي بِالثّمن جَازَ وَإِن كفل بِالْمَبِيعِ عَن البَائِع لَا يَصح
وَذكر فِي شرح أدب الْقَضَاء للحسام الشهيدي وَإِن ادّعى الطَّالِب على الْمَطْلُوب حدا فِي قذف أَو دَمًا فِيهِ قصاص أَو جِرَاحَة فِيهَا قصاص فَقَالَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة وَطلب كَفِيلا من الْمَطْلُوب فَإِنَّهُ يجْبر الْمَطْلُوب على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى يحضر شهودهة عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجْبر لَكِن إِن أعْطى كَفِيلا جَازَ وَأَجْمعُوا أَن فِي الْحُدُود الْخَالِصَة لله تَعَالَى كَحَد الزِّنَا وَشرب الْخمر وَالسكر من النَّبِيذ إِذا قدمه إِلَى القَاضِي فَقَالَ الَّذِي قدمه لي بَيِّنَة حَاضِرَة وَطلب مِنْهُ كَفِيلا لَا يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل وَإِن ادّعى سَرقَة لَا يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل فِي حق الْقطع لِأَنَّهُ خَالص حق الله تَعَالَى لَكِن يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة أَيَّام بِالْمَالِ الْمَسْرُوق إِذا ادّعى الْمَسْرُوق مِنْهُ قبله المَال الَّذِي سَرقه
وكل شَيْء يجب فِيهِ التَّعْزِير الْحر يقذف العَبْد أَو مثل الْحر يشْتم الْحر شتيمة يجب فِيهَا التَّعْزِير فَيَقُول الطَّالِب لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَخذ لي مِنْهُ كَفِيلا فَإِنَّهُ يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة ايام لِأَن التَّعْزِير حق العَبْد يسْقط بعفوه ويستحلف فِيهِ أَنه يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فَيجْبر الْمَطْلُوب على إِعْطَاء الْكَفِيل فِيهِ كالاموال
الْكفَالَة بالعهدة بَاطِلَة وبالخلاص أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا تصح بالخلاص وبالدرك تجوز بالِاتِّفَاقِ
رجل قَالَ لمن يلازم غَرِيمه خله فَأَنا أوافيك إِذا بدا لَك لم يكن كَفِيلا بِالنَّفسِ وَلَو قَالَ خله على أَن أوافيك فَفِي الْقيَاس كَذَلِك وَفِي الِاسْتِحْسَان يكون كَفِيلا بِالنَّفسِ
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ للطَّالِب ضمنت لَك مَا على فلَان إِنَّمَا أقبضهُ مِنْهُ وأدفعه اليك لَيْسَ هَذَا بكفالة وَمَعْنَاهُ أَن يتقاضاه لَهُ ويدفعه إِلَيْهِ إِذا قَبضه مِنْهُ على هَذَا مَعَاني كَلَام النَّاس
إِن لم يواف بِهِ غَدا فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ فَمَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ لزمَه المَال لمضي الْغَد وَإِن مَاتَ الْكَفِيل قبل الْأَجَل إِن سلمه ورثته قبل الْأَجَل أَو الْمَكْفُول سلم نَفسه عَن جِهَة الْكَفِيل قبل مُضِيّ الْأَجَل بَرِيء وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّمَا يَصح تَسْلِيمه عَن الْكَفِيل إِذا كَانَت الْكفَالَة بِأَمْر الْمَكْفُول لَهُ وَإِلَّا فَلَا
كفل بِنَفسِهِ على أَنه مَتى طَالبه سلمه إِلَيْهِ فَإِن لم يُسلمهُ فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ وَمَات الْمَطْلُوب وطالبه بِالتَّسْلِيمِ وَعجز لَا يلْزمه المَال لِأَن الْمُطَالبَة بِالتَّسْلِيمِ بعد الْمَوْت لَا تصح فَإِذا لم تصح الْمُطَالبَة لم يتَحَقَّق الْعَجز الْمُوجب للُزُوم المَال فَلَا يجب إِلَيْهِ أُشير فِي البزازي
كفل بِنَفسِهِ على أَن الْمَكْفُول عَنهُ إِذا غَابَ فَالْمَال عَلَيْهِ فَغَاب الْمَكْفُول عَنهُ ثمَّ رَجَعَ وَسلمهُ إِلَى الدَّائِن لَا يبرأ لِأَن المَال بحلول الْمَشْرُوط لزم فَلَا يبرأ إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَو الْإِبْرَاء وَكَذَا إِذا قَالَ الْكَفِيل إِذا غَابَ عَنْك وَلم أوافك بِهِ فَأَنا ضَامِن المَال الَّذِي عَلَيْهِ أما إِذا قَالَ إِن غَابَ فَلم أوافك بِهِ فَأَنا ضَامِن بِمَا عَلَيْهِ فَإِن هَذَا على أَن يوافي بِهِ بعد الْغَيْبَة
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ إِن لم يدْفع لَك مديونك مَالك أَو لم تقبضه فَهُوَ عَليّ ثمَّ إِن الطَّالِب تقاضى الْمَطْلُوب فَقَالَ الْمَدْيُون لَا أدفعه أَولا أقضيه وَجب على الْكَفِيل السَّاعَة
стр. 43
وَعنهُ أَيْضا إِن لم يعطك الْمَدْيُون دينك فَأَنا ضَامِن إِنَّمَا يتَحَقَّق الشَّرْط إِذا تقاضاه وَلم يُعْطه وَكَذَا إِذا مَاتَ الْمَطْلُوب بِلَا أَدَاء
وَفِي الفتاوي إِن تقاضيت وَلم يعطك فَأَنا ضَامِن وَمَات قبل أَن يتقاضاه وَيُعْطِيه بَطل الضَّمَان وَلَو قَالَ بعد التقاضي أَنا أُعْطِيك فَإِن أعطَاهُ مَكَانَهُ أَو ذهب بِهِ إِلَى السُّوق أَو منزله وَأَعْطَاهُ جَازَ فَإِن طَال ذَلِك وَلم يُعْطه من يَوْمه لزم الْكَفِيل
أقرّ بِمُوجب بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفسِ أَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ عِنْد الْحَاكِم قَالَ الْخصاف لَا يحْبسهُ فيهمَا أول مرّة وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة كَذَلِك فِي الْإِقْرَار أما فِي الْبَيِّنَة يحْبسهُ وَلَو كَانَ أول مرّة
غَابَ الْمَكْفُول إِن علم مَكَانَهُ أَو لَهُ خرجَة مفهومة فِي كل حِين إِلَى مَكَان أمْهل الْحَاكِم الْكَفِيل إِلَى أَن يذهب إِلَيْهِ وَيَأْتِي بِهِ إِذا أَرَادَ الْكَفِيل الذّهاب وَإِن أَبى حَبسه حَتَّى يَجِيء بِهِ وَإِن لم يعلم مَكَانَهُ واتفقا عَلَيْهِ لَا يحْبسهُ وَيجْعَل ذَلِك كموته
وَفِي الخزانة يجْبرهُ الْحَاكِم على تَسْلِيم الْمَكْفُول بِهِ إِلَى الطَّالِب وَيُعْطى الْكَفِيل وَلَا يجْبرهُ على عَطاء الْكَفِيل فَإِن قَالَ لَا علم لي بمَكَان الْمَكْفُول بِهِ إِن صدقه الْمَكْفُول لَهُ سَقَطت الْمُطَالبَة وَلَا يحبس حَتَّى يظْهر عَجزه وَلَا يحلفهُ
كفل على أَنه بِالْخِيَارِ إِلَى عشرَة ايام أَو أَكثر صَحَّ ذكره البزازي
وَفِي الْقنية الْكَفِيل بِأَمْر الْأَصِيل أدّى المَال إِلَى الدَّائِن بعد مَا أدّى الْأَصِيل وَلم يعلم بِهِ لَا يرجع على الْأَصِيل
إِذا غَابَ الْمَكْفُول عَنهُ فللدائن أَن يلازم الْكَفِيل حَتَّى يحضرهُ وَالْحِيلَة فِي فِي دَفعه أَن يَدعِي الْكَفِيل عَلَيْهِ ان خصمك غَابَ غيبَة لَا يدْرِي مَكَانَهُ فَبين لي مَوْضِعه فَإِن اقام بَيِّنَة على ذَلِك تنْدَفع عَنهُ الْخُصُومَة
وَفِي المنبع لَو قَالَ أَنا ضَامِن لَك على أَن أدلك عَلَيْهِ أَو أوقفك عَلَيْهِ لَا يكون ذَلِك كَفَالَة وَفِي المنتفى يكون كَفِيلا وعَلى هَذَا مُعَاملَة النَّاس
وَفِيه أَيْضا إِذا مَاتَ الرجل وَعَلِيهِ دُيُون وَلم يتْرك شَيْئا فتكفل عَنهُ رجل للْغُرَمَاء لم تصح الْكفَالَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الرجل الَّذِي تكفل للْغُرَمَاء ابْنه أَو أَجْنَبِيّا لم تصح عِنْده وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى تصح وَيلْزمهُ جَمِيع مَا تكفل بِهِ وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو تبرع بِهِ إِنْسَان يَصح بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ لَو كَانَ بِهِ كَفِيل يبْقى كَذَلِك بِالْإِجْمَاع اه
نوع فِي التَّسْلِيم سلمه إِلَى الطَّالِب بَرِيء قبل الطَّالِب أَولا كمن وضع الدّين بَين يَدَيْهِ يبرأ قبل أَولا
شَرط الموافاة فِي الْمَسْجِد فوفاه فِي السُّوق أَو فِي مجْلِس الحكم فَدفعهُ فِي السُّوق يبرأ عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة أبي حنيفَة وصاحبيه ﵏ أَجْمَعِينَ
قَالَ السَّرخسِيّ كَانَ هَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان أما فِي زَمَاننَا لَو شَرط الْمجْلس وَسلم فِي السُّوق لَا يبرأ لغَلَبَة الْفساد إِذْ لَا يعان على الْإِحْضَار إِلَى بَاب الْحَاكِم وَإِلَيْهِ ذهب الامام زفر ﵀ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَفِي التَّجْرِيد شَرط تَسْلِيمه فِي مجْلِس الحكم إِن سلمه فِي الْمصر فِي مَكَان يقدر على المحاكمة بِهِ بَرِيء
стр. 44
وَإِن كَانَ فِي بَريَّة لَا يبرأ وَإِن شَرط أَن يُسلمهُ فِي مصر كَذَا فسلمه فِي مصر آخر بَرِيء عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يبرأ وَلَو سلمه فِي السوَاد أَو فِي مَوضِع لَا قَاضِي فِيهِ ثمَّة لَا يبرأ فِي قَوْلهم
شَرط تَسْلِيمه عِنْد الْأَمِير مسلمه عِنْد القَاضِي أَو عزل ذَلِك الْأَمِير فسلمه عِنْد أَمِير قَامَ مَكَانَهُ جَازَ وَلَو سلمه إِلَيْهِ رَسُول الْكَفِيل أَو وَكيله أَو الْكَفِيل نَفسه عَن كَفَالَة الْمَطْلُوب جَازَ
ضمن نفس رجل وَحبس فِي السجْن فَسلم لَا يبرا وَلَو ضمن وَهُوَ مَحْبُوس فسلمه فِيهِ يبرأ وَلَو أطلق ثمَّ حبس ثَانِيًا فَدفعهُ إِلَيْهِ فِيهِ إِن كَانَ الْحَبْس الثَّانِي من أُمُور التِّجَارَة وَنَحْوهَا صَحَّ الدّفع وَإِن كَانَ من أُمُور السُّلْطَان وَنَحْوهَا لَا
حبس الطَّالِب الْمَطْلُوب ثمَّ طَالب الْكَفِيل بِهِ فَدفعهُ وَهُوَ فِي حَبسه قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يبرأ وَلَو قَالَ الْمَطْلُوب دفعت اليك نَفسِي عَن كَفَالَة فلَان وَهُوَ فِي حَبسه جَازَ وبرىء
الْكفَالَة بِالنَّفسِ تورث بِأَن مَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ نَفسه وَلم يقل عَن كَفَالَة فلَان لَا يبرأة الْكَفِيل
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى حبس الْمَكْفُول بِالنَّفسِ بدين عَلَيْهِ ثمَّ إِن الطَّالِب خَاصم الْكَفِيل فِي طلبه فَأخْرجهُ القَاضِي لأَجله من الْحَبْس فَقَالَ الْكَفِيل دَفعته إِلَيْهِ لكفالتي وَرَسُول القَاضِي مَعَه وَهُوَ مُمْتَنع عَنهُ برَسُول القَاضِي لَا يبرأ وَلَو قَالَ قُدَّام القَاضِي وَهُوَ يُخَاصم دَفعته اليك يبرأ وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب مَحْبُوسًا عِنْد غير القَاضِي الَّذِي تخاصما عِنْده يجْبر الْكَفِيل على تخليصه وإحضاره الْجُمْلَة من البزازي
نوع فِي بَيَان أَحْكَام الْحِوَالَة صِحَة الْحِوَالَة تعتمد على قبُول الْمُحْتَال لَهُ والمحتال عَلَيْهِ وَلَا تصح الْحِوَالَة فِي غيبَة الْمُحْتَال لَهُ فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى كَمَا فِي الْكفَالَة إِلَّا أَن يقبل رجل الْحِوَالَة عَن الْغَائِب وَلَا يشْتَرط حَضْرَة الْمُحْتَال عَلَيْهِ لصِحَّة الْحِوَالَة حَتَّى لَو أَحَالهُ على رجل غَائِب ثمَّ علم الْغَائِب بهَا فَقبل صحت الْحِوَالَة وَكَذَا لَا يشْتَرط حَضْرَة الْمُحِيل حَتَّى لَو قَالَ رجل لصَاحب الدّين لَك على فلَان ألف دِرْهَم فاحتل بهَا على فرضى الطَّالِب بذلك وَأَجَازَ صحت الْحِوَالَة وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع بعد ذَلِك وَلَو قَالَ رجل للمديون إِن لفُلَان ابْن فلَان عَلَيْك ألف دِرْهَم فأحل بهَا عَليّ فَقَالَ الْمَدْيُون أحلّت ثمَّ بلغ الطَّالِب فَأجَاز لَا يجوز فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي أَن الْحِوَالَة نقل الدّين من ذمَّة إِلَى ذمَّة أَو نقل الْمُطَالبَة فَعِنْدَ الْبَعْض نقل الدّين وَعند الْبَعْض نقل الْمُطَالبَة وَالِاخْتِلَاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى نقل الدّين وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى نقل الْمُطَالبَة وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِيمَا إِذا أَبْرَأ الْمُحْتَال لَهُ الْمُحِيل عَن دين الْحِوَالَة فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَصح لِأَنَّهُ انْتقل الدّين عَنهُ إِلَى الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَصح
وَفِي التَّجْرِيد إِذا أَحَالهُ وَقبل الْحِوَالَة برىء الْمُحِيل عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وكل دين جَازَت الْكفَالَة بِهِ فالحوالة بِهِ جَائِزَة كَذَا فِي الْخُلَاصَة
قَالَ الطَّالِب مَاتَ الْمُحْتَال عَلَيْهِ بِلَا تَرِكَة وَقَالَ الْمُحِيل مَاتَ عَن تَرِكَة فَالْقَوْل للطَّالِب مَعَ حلفه
الْمُحِيل والمحتال يملكَانِ النَّقْض وبالنقض يبرأ الْمُحْتَال عَلَيْهِ
قَالَ الْمُحِيل مَاتَ الْمُحْتَال عَلَيْهِ بعد أَدَاء الدّين اليك فَقَالَ الْمُحْتَال لَا بل قيله وتوى حَقي فلي الرُّجُوع بِهِ عَلَيْك فَالْقَوْل للمحتال لتمسكه بِالْأَصْلِ وَلَو قضى الْمُحْتَال عَلَيْهِ الْمحَال لَهُ المَال بِأَمْر الْمُحِيل رَجَعَ على الْمُحِيل فَإِن قَالَ
стр. 45
الْمُحِيل كَانَ لي عَلَيْك لم يصدق وَلم يكن قبُول الْحِوَالَة إِقْرَارا مِنْهُ بِشَيْء لِأَن الْأَدَاء حصل بأَمْره وَذَا مُثبت حق الرُّجُوع فَلَو بَطل إِنَّمَا يبطل بِكَوْن الدّين عَلَيْهِ ووالحوالة قد تكون على غير الْمَدْيُون كَمَا تكون على الْمَدْيُون فَلَا يبطل حق الرُّجُوع بِالشَّكِّ فَلَو قَالَ الْمُحِيل للمحتال كنت وَكيلِي فِي قبض الدّين من الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَقَالَ الْمُحْتَال أحلتني عَلَيْهِ بدين لي عَلَيْك فَالْقَوْل قَول الْمُحِيل مَعَ يَمِينه إِلَّا أَن يَقُول الْمُحِيل اضمن هَذَا المَال عني انْتهى كَذَا فِي الْوَلْوَالجيّ
وَفِي شرح الْوِقَايَة وَتكره السفتجة وَهِي أَن يدْفع إِلَى تَاجر مَالا بطرِيق الْإِقْرَاض ليدفعه إِلَى صديق لَهُ فِي بلد آخر لسُقُوط خطر الطَّرِيق
وَإِنَّمَا سمي الْإِقْرَاض الْمَذْكُور بِهَذَا الِاسْم تَشْبِيها لَهُ بِوَضْع الدَّرَاهِم فِي السفاتج فِي الْأَشْيَاء المجوفة كَمَا تجْعَل الْعَصَا مجوفة ويخبأ فِيهَا المَال وَإِنَّمَا شبه بِهِ لِأَن كلا مِنْهُمَا احتال لسُقُوط خطر الطَّرِيق أَو لِأَن أَصْلهَا أَن الانسان إِذا أَرَادَ السّفر وَله نقد واراد إرْسَاله إِلَى صديقه فَوَضعه فِي سفتجة ثمَّ مَعَ ذَلِك خَافَ خطر الطَّرِيق فأقرض مَا فِي السفتجة إنْسَانا آخر فَأطلق السفتجة على إقراض مَا فِي السفتجة ثمَّ شاع فِي الْإِقْرَاض لسُقُوط خطر الطَّرِيق انْتهى كَلَام صدر الشَّرِيعَة
وَفِي المنبع وَيكرهُ قرض يُسْتَفَاد بِهِ من أَمن الطَّرِيق صورته رجل دفع إِلَى تَاجر عشرَة دَرَاهِم قرضا ليدفعه إِلَى صديقه ليستفيد بِهِ سُقُوط خطر الطَّرِيق وَهُوَ معنى قَوْله وَتكره السفاتج وَهِي جمع سفتجة بِضَم السِّين وَفتح التَّاء وَإِنَّمَا يكره ذَلِك لقَوْله ﷺ كل قرض جر نفعا فَهُوَ رَبًّا وَإِنَّمَا قَالَ وَيكرهُ قرض الخ لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَفعه على سَبِيل الْقَرْض إِلَيْهِ فجر نفعا وَهُوَ أَمن الطَّرِيق فَإِنَّهُ حرَام وَالله أعلم
الْفَصْل الْخَامِس
فِي الصُّلْح
الصُّلْح على ثَلَاثَة أضْرب صلح مَعَ إِقْرَار وَصلح مَعَ إِنْكَار وَصلح مَعَ سكُوت وَهُوَ أَن يقر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَلَا يُنكر بل يسكت
وَوجه الانحصار أَن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد دَعْوَى إِمَّا الْمُدَّعِي أَن يُجيب لدعواه أَو لَا يُجيب فَإِن أجَاب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْجَواب بِالْإِقْرَارِ أَو بالإنكار فَهُوَ الضَّرْب الأول وَالثَّانِي فَإِن لم يجب أصلا فَهُوَ السُّكُوت وكل ذَلِك جَائِز عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز الصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار وَالسُّكُوت
وَصلح الْفُضُولِيّ جَائِز بِأَن يَقُول الْفُضُولِيّ أقرّ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ سرا عِنْدِي بأنك على حق فِي دعواك فصالحني على كَذَا وَضَمنَهُ صَحَّ
وَطَرِيق الضَّمَان أَن يَقُول الْفُضُولِيّ صَالح من دعواك على كَذَا على أَنِّي ضَامِن أَو على مَالِي أَو صالحني من دعواك على فلَان على كَذَا وأضاف العقد إِلَى نَفسه أَو مَاله صَحَّ وطولب الْفُضُولِيّ بِالْبَدَلِ ثمَّ يرجع على الْمصَالح عَلَيْهِ إِن كَانَ الصُّلْح بأَمْره كَذَا ذكره فِي البزازي
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَا يجوز صلح الدّين بِالدّينِ إِلَّا أَن يكون من جنسه وَهُوَ أَن يكون عَلَيْهِ عشرَة دَرَاهِم
стр. 46
إِلَى شهر فَصَالحه على خَمْسَة إِلَى شَهْرَيْن فَيجوز أما الأول فَلِأَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الكالئ بالكاليء وَأما الثَّانِي فَلِأَن ذَلِك لَيْسَ بصلح لِأَن الْمصَالح عَلَيْهِ عين حَقه الَّذِي كَانَ قبل الصُّلْح لكنه تبرع بشيئين بحط الْبَعْض وبالزيادة فِي الْأَجَل وَلَو صَالح من دينه على عبد يجوز وَلم يَبِعْهُ مُرَابحَة لِأَن مبْنى الصُّلْح على التَّجَوُّز بِدُونِ الْحق فَصَارَ بِالصُّلْحِ كَأَنَّهُ أَبرَأَهُ عَن بعض الدّين وَاشْترى العَبْد بِالْبَاقِي
وَلَو كَانَ لَهُ على رجل ألف دِرْهَم فَصَالحه مِنْهَا على خَمْسمِائَة دِرْهَم جَازَ وَإِن فَارقه قبل أَن يُعْطِيهِ إِيَّاه لِأَن هَذَا الصُّلْح إِبْرَاء عَن النّصْف لِأَن الصُّلْح إِبْرَاء وَطلب لإيفاء النّصْف لِأَن الصُّلْح يجوز بِدُونِ الْحق والتجوز بِدُونِ الْحق إِبْرَاء للْبَعْض وَاسْتِيفَاء للْبَعْض وَذَلِكَ جَائِز وَلَو صَالحه من دينه على بعضه عَاجلا أَو آجلا كَانَ جَائِزا لِأَنَّهُ تبرع باسقاط الْبَعْض واسقاط الْمُطَالبَة عَمَّا بقى فِي يَده وَلَو صَالحه بِجِنْس آخر لَا يجوز لِأَنَّهُ مصارفة الدَّرَاهِم بِالدَّنَانِيرِ آجلا فَلَا يجوز
رجل لَهُ على رجل ألف دِرْهَم دينا فَأنْكر الْمَطْلُوب ذَلِك فَصَالحه الطَّالِب على مائَة دِرْهَم فَقَالَ لَهُ صالحتك على مائَة دِرْهَم من الْألف الَّتِي عَلَيْك وابرأتك عَن الْبَقِيَّة أَو لم يقل فَذَلِك جَائِز وَيبرأ الْمَطْلُوب فِي الظَّاهِر وَلَا يبرأ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي هَذَا الصُّلْح معنى وَالرِّضَا شَرط جَوَاز الصُّلْح
وَفِي الْقنية ادّعى عَلَيْهِ مَالا فَأنكرهُ وَحلف ثمَّ ادَّعَاهُ الْمُدعى عِنْد قَاض آخر فَأنكرهُ فصولح يَصح وَفِي الْأَسْرَار أَنه لَا يَصح وَكَذَا فِي نكت الشِّيرَازِيّ وَقيل يَصح وروى مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يَصح
قَالَ وَرَأَيْت بِخَط عَلَاء الْأَئِمَّة الحمامي ادّعى على آخر حق التَّعْزِير أَو حد الْقَذْف وَأنكر الآخر وتوجهت عَلَيْهِ الْيَمين فَافْتدى يَمِينه بِمَال قَالَ الْحلْوانِي فِيهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ قيل يحل أَخذ ذَلِك وَقيل لَا يحل وَلَو ادّعى حق الشّرْب وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا فَالْأَصَحّ أَنه يجوز أَخذ المَال وَيجوز الافتداء
رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم إِلَى سنة فَصَالحه على أَن يُعْطي بهَا كَفِيلا ويؤرخها إِلَى سنة أُخْرَى يجوز وَكَذَا لَو كَانَ بهَا كَفِيل فَأعْطَاهُ كَفِيلا آخر وابرأ الْكَفِيل الأول واخرها سنة يجوز وَلَو صَالحه على أَن يعجل لَهُ نصف المَال على أَن يُؤَخر عَنهُ مَا بقى إِلَى سنة أُخْرَى مثل حُلُوله ثمَّ اسْتحق لم يرجع عَلَيْهِ حَتَّى يحل الْأَجَل وَكَذَا لَو وجدهَا زُيُوفًا أَو ستوقة وَإِن صَالحه على عبد فَوجدَ فِيهِ عَيْبا فَرده إِن عَاد إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ يعود الْأَجَل وَإِن عَاد بالإقالة فَالْمَال حَال وَكَذَا لَو كَانَ بِالْمَالِ كَفِيل أَو رهن فِي يَد الْمُرْتَهن فالرهن وَالْكَفِيل على حَاله وَلَو جعل دينه حَالا فَهُوَ حَال وَلَيْسَ بصلح لِأَن الْأَجَل حق الْمَطْلُوب وَقد ابطله وَكَذَا لَو قَالَ أبطلت الْأَجَل أَو تركته أَو جعلته حَالا أما لَو قَالَ برأت من الْأَجَل بِالضَّمِّ لم يبطل أما إِذا قَالَ أَبْرَأتك أَو برأت بِالْفَتْح بَطل الْأَجَل وَلَو قَالَ لَا حَاجَة لي فِي الْأَجَل لَا يبطل الْأَجَل
وَفِي الْخُلَاصَة رجل ادّعى على آخر ألف دِرْهَم فَأنْكر ثمَّ صَالحه على أَن يَبِيعهُ بهَا عبدا جَازَ وَهَذَا إِقْرَار مِنْهُ بِالدّينِ بِخِلَاف قَوْله صالحتك على هَذَا العَبْد فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا مِنْهُ بِالدّينِ
وَفِي الأَصْل إِذا كَانَ لرجل على آخر ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ أبراتك عَن خَمْسمِائَة أَو حططت عَنْك خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي الْبَاقِي وَلم يُوَقت وقتا فَأعْطَاهُ الْبَاقِي فِي هَذَا الْيَوْم أَو لم يُعْطه بَرِيء مِنْهُ عَن خَمْسمِائَة
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير جعل الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه إِن قَالَ أد الي غَدا خَمْسمِائَة على أَنَّك بَرِيء من الْبَاقِي أَو على أَنَّك إِن لم تعطني خَمْسمِائَة فالألف عَلَيْك على حَالهَا فَالْأَمْر كَمَا قَالَ وَلَو قَالَ أد الي خَمْسمِائَة غَدا على
стр. 47
أَنَّك بَرِيء من الْفضل فَإِن أعطَاهُ بَرِيء مُطلقًا وَإِن لم يُعْطه فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يبرأ وَعند ابي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يبرأ وَلَو قَالَ أَبْرَأتك عَن خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي غَدا خَمْسمِائَة حصل الابراء مُطلقًا أَدَّاهُ الْخَمْسمِائَةِ غَدا أَو لم يؤد وَلَو قَالَ إِن أدّيت الي خَمْسمِائَة فَأَنت بَرِيء أَو مَتى أدّيت الي أَو إِن أدّيت أَو إِذا أدّيت لَا يبرأ لِأَن تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ بَاطِل
صولح من دَعْوَى الدّين على دَرَاهِم وافتراقا قبل قبض بدل الصُّلْح يجوز لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَن إِقْرَار فَافْتَرقَا عَن يَمِين بدين بزعمهما وَإِن كَانَ عَن إِنْكَار فَفِي زعم الْمُدَّعِي كَذَلِك وَفِي زعم الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بذل المَال لإِسْقَاط الْيَمين وَقبض الْبَدَل ينْعَقد الْإِسْقَاط لَا يشْتَرط كَمَا فِي الْخلْع وَالْعِتْق على مَال وَإِن وَقع عَن دَرَاهِم فِي الذِّمَّة على دَنَانِير أَو عَكسه فَيشْتَرط قبض الْبَدَل فِي الْمجْلس لِأَنَّهُ صرف وَإِن وَقع عَن دَنَانِير فِي الذِّمَّة على دَنَانِير أقل لَا يشْتَرط قَبضه فِيهِ لِأَنَّهُ إِسْقَاط بعض الْحق وَأخذ الْبَاقِي وَيجوز الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل بَين الْمكَاتب وَالْمولى حَتَّى لَو قَالَ لمَوْلَاهُ زِدْنِي فِي الْأَجَل حَتَّى أزيدك فِي الْبَدَل أَو قَالَ احطط عني من بدل الْكِتَابَة كَذَا حَتَّى أترك حَقي فِي الْأَجَل وَأعجل لَك الْبَدَل صَحَّ وَلَا يجوز الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل بَين الحرين وَلَا يجوز بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ بَين الْمولى وَالْمكَاتب
الصُّلْح عَن الشُّفْعَة بَاطِل وَتبطل الشُّفْعَة بِهِ ولقيم الْوَقْف أَن يُصَالح سَارِق الْقطن من أَرض الْوَقْف إِن كَانَ مقرا وَإِن كَانَ إِنَّمَا يُعْطِيهِ لأجل مَخَافَة هتك السّتْر وَنَحْو ذَلِك لم يجز
وَفِي الْعِمَادِيّ ادّعى على رجل مَحْدُود أَنه وقف على كَذَا فَأنْكر فَصَالحه الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على مَال لَا يَصح الصُّلْح لِأَن الصُّلْح بِمَنْزِلَة البيع وَلَيْسَ للمتولى ولَايَة البيع والاستبدال وَلَو دفع الْمُتَوَلِي شَيْئا إِلَى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَأخذ الدَّار لأجل الْوَقْف يجوز إِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة على إِثْبَات الْوَقْف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَو فعل ذَلِك لَا يجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ بخصم والفضولي لَو فعل ذَلِك يجوز لِأَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فعل ذَلِك ليَأْخُذ الدَّار أما الْفُضُولِيّ لَو فعل ذَلِك من مَال نَفسه لاستخلاص الْوَقْف يدْفع المَال وَلَا يَأْخُذ الدَّار وَلَو اشْترى دَارا فاتخذها مَسْجِدا ثمَّ ادّعى رجل فِيهَا دَعْوَى فَصَالحه الَّذِي بنى الْمَسْجِد أَو رجل من بَين أظهرهم لِلْمَسْجِدِ فَهُوَ جَائِز
الْكَفِيل بِالنَّفسِ إِذا صَالح على مَال لاسقاط الْكفَالَة لَا يَصح أَخذ المَال وَهل تسْقط الْكفَالَة فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَو كَانَ كَفِيلا بِالنَّفسِ وَالْمَال فَصَالح بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْكفَالَة بِالنَّفسِ بَرِيء
رجل ادّعى دَارا فَصَالحه على بَيت مِنْهَا أَو على قِطْعَة مِنْهَا لم يجز لَا عِنْد الْإِنْكَار وَلَا عِنْد الْإِقْرَار لِأَن مَا قبض عين حَقه وَهُوَ على دَعْوَاهُ فِي الْبَاقِي وَالْوَجْه فِيهِ أحد أَمريْن إِمَّا أَن يزِيد درهما فِي بدل الصُّلْح فَيصير ذَلِك عوضا عَن حَقه فِيمَا بَقِي أَو يلْحق بِهِ ذكر الْبَرَاءَة عَن دَعْوَى الْبَاقِي وَإِن صَالحه على دَار أُخْرَى أَو على شَيْء آخر لَا تقبل دَعْوَاهُ بعد ذَلِك وَلَو كَانَت دَعْوَاهُ فِي الدّين فَصَالحه على بعض الدّين أَو على غَيره بطلت دَعْوَاهُ بِخِلَاف الْعين
صَالح عَن دين على عين ثمَّ هَلَكت قبل التَّسْلِيم فَإِنَّهُ يعود الدّين وَلَو صَالحه من الدّين على شَيْء ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة بِالدّينِ لم يكن لَهُ فسخ الصُّلْح
وَصِيّ ادّعى على رجل ألفا للْيَتِيم وَلَا بَيِّنَة لَهُ فَصَالح بِخَمْسِمِائَة عَن الْألف عَن الْإِنْكَار ثمَّ وجد بَيِّنَة عادلة فَلهُ أَن يقيمها على الالف وَكَذَا إِذا وجد الصَّبِي بَيِّنَة بعد الْبلُوغ كَذَا فِي الْقنية
وَفِي البزازي رجل ادّعى دينا أَو عينا على آخر وتصالحا على بدل وكتبا وَثِيقَة الصُّلْح وذكرا فِيهَا تصالحا عَن هَذِه الدَّعْوَى على كَذَا وَلم يبْق لهَذَا الْمُدَّعِي على هَذَا الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دَعْوَى وَلَا خُصُومَة بِوَجْه من الْوُجُوه
стр. 48
ثمَّ جَاءَ الْمُدَّعِي يَدعِي عَلَيْهِ بعد الصُّلْح دَعْوَى أُخْرَى بِأَن كَانَ الْمُدَّعِي مثلا امْرَأَة ادَّعَت دَارا وَجرى الْحَال كَمَا ذكرنَا ثمَّ جَاءَت تطلب من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دين الْمهْر لَا تسمع لِأَن الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى ذكرت مُطلقًا وَلَا مَانع من أَن يَدعِي وَاحِدًا ويصالح عَنهُ وَعَن جَمِيع الدَّعَاوَى
وَاخْتَارَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى أَن الصُّلْح بعد الانكار عَن دَعْوَى فَاسِدَة لَا يَصح لِأَن الْمُدَّعِي زَعمه يَأْخُذهُ بَدَلا عَمَّا ادَّعَاهُ فَلَا بُد من صِحَة الدَّعْوَى
وَفِي نظم الْفِقْه أَخذ سَارِقا فِي دَار غَيره فَأَرَادَ دَفعه إِلَى صَاحب المَال فَدفع لَهُ السَّارِق مَالا على أَن يكف عَنهُ يبطل وَيرد المبذول إِلَى السَّارِق لِأَن الْحق لَيْسَ لَهُ وَلَو كَانَ الصُّلْح مَعَ صَاحب السّرقَة بَرِيء من الْخُصُومَة بِأخذ المَال
رجل اتهمَ بِسَرِقَة وَحبس فَصَالح ثمَّ زعم أَن الصُّلْح كَانَ خوفًا على نَفسه إِن كَانَ فِي حبس الْوَالِي تصح الدَّعْوَى لِأَن الْغَالِب على أَنه حبس ظلما وَإِن كَانَ فِي حبس القَاضِي لَا تصح لِأَن الْغَالِب على أَنه حبس بِحَق
الصُّلْح الْفَاسِد كَالْبيع الْفَاسِد يتَمَكَّن كل مِنْهُمَا من الْفَسْخ
ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَأنْكر وَأَعْطَاهُ نصفهَا وَلم يقل شَيْئا ثمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي يَعْنِي الدَّافِع اسْتِرْدَاده لَهُ ذَلِك وَإِن كَانَ مَكَان النَّقْد عرض لَا يملك الِاسْتِرْدَاد
فَالْحَاصِل أَن كل مَا كَانَ للْمُدَّعِي فِيهِ حق الْأَخْذ لَا يتَمَكَّن من اسْتِرْدَاد الْمُدَّعِي مالم يذكر لفظ الصُّلْح أَو تدل عَلَيْهِ الْقَرِينَة لِأَن فِي زعم الْمُدَّعِي أَنه أَخذ حَقه فَكيف يكون صلحا ومالا يتَمَكَّن الْمُدَّعِي من أَخذه كالعرض يكون صلحا بالتعاطي
رجل ادّعى على آخر ألفا فَأنْكر فصولح على شَيْء ثمَّ برهن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على الْإِيفَاء أَو الْإِبْرَاء لَا يقبل وَإِن ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَادّعى الْقَضَاء أَو الْإِبْرَاء وصولح ثمَّ برهن على أَحدهمَا تقبل وَيرد بدل الصُّلْح لِأَن الصُّلْح فدَاء الْيَمين وَالْيَمِين فِي الأولى كَانَت على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَفَدَاهُ بِالْمَالِ وَفِي الثَّانِيَة على الْمُدَّعِي فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الْفِدَاء عَنْهَا فَإِذا برهن على الْقَضَاء أَو الْإِبْرَاء يرد بدله
رجلَانِ بَينهمَا أَخذ وَعَطَاء وتبرع وقرض وَشركَة تَصَادقا على ذَلِك وَلم يعرفا الْمِقْدَار فتصالحا على مائَة إِلَى أجل جَازَ لِأَن لفظ الصُّلْح دَلِيل على أَن الْحق أَكثر وَقد تبرع بالتأجيل فِيمَا بقى كمن لَهُ على آخر دَرَاهِم لَا يعرفان مقدارها صَالح على مائَة
رجلَانِ لَهما على رجل دين فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يَأْخُذ نصِيبه على وَجه لَا يكون للشَّرِيك فِيهَا نصيب فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِك أَن يَبِيع من الْمَطْلُوب كفا من زبيب بِمِائَة دِرْهَم ويسلمه إِلَيْهِ ثمَّ يُبرئهُ عَن نصِيبه من الدّين ويطالبه بِثمن الزَّبِيب فَحِينَئِذٍ لَا يكون لشَرِيكه فِيهِ نصيب لِأَنَّهُ لَا شركَة فِي هَذَا الدّين وَإِن مبْنى الصُّلْح على التَّجَوُّز بِدُونِ الْحق فَصَارَ كَأَن الْمصَالح أَبرَأَهُ عَن بعض نصِيبه وَاسْتوْفى الْبَعْض وَلَا يجوز تَعْلِيق الصُّلْح بِالشّرطِ وَلَا اضافته إِلَى وَقت بِأَن قَالَ إِذا جَاءَ غَد فقد صالحتك على كَذَا أَو صالحتك غَدا على كَذَا لِأَن تَعْلِيق التمليكات بِالشّرطِ وإضافتها إِلَى الْوَقْت بَاطِل وَلِأَن الصُّلْح فِي الْأَعْيَان مُلْحق بِالْبيعِ فَكَمَا لَا يجوز تَعْلِيق البيع بِالشّرطِ وَلَا اضافته إِلَى الْوَقْت فَكَذَلِك الصُّلْح
وَيجوز الصُّلْح عَن دَعْوَى نِكَاح وَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَدعِي رجل على امْرَأَة نِكَاحا وَهِي تجحد فصالحته على مَال حَتَّى يتْرك الدَّعْوَى جَازَ وَكَانَ فِي معنى الْخلْع لِأَن الصُّلْح يجب اعْتِبَاره بأقرب الْعُقُود
стр. 49
إِلَيْهِ احتيالا لصِحَّته وَأخذ المَال على ترك الْبضْع خلع فَصَارَ بدل المَال مِنْهَا فِي حق الْمُدَّعِي فِي معنى الْخلْع بِنَاء على زَعمه وَالْخلْع بِلَفْظ الْبَرَاءَة صَحِيح وَفِي حَقّهَا لدفع الشغب وَالْخُصُومَة وتخليص النَّفس عَن الْوَطْء الْحَرَام وَفِي الْهِدَايَة قَالُوا لَا يحل لَهُ أَخذ المَال فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا كَانَ مُبْطلًا فِي دَعْوَاهُ وَقَالَ صَاحب المنبع هَذَا لَيْسَ بمختص بِهَذَا الْمقَام بل هُوَ عَام فِي جَمِيع أَنْوَاع الصُّلْح بِدَلِيل مَا ذكر فِي كتاب الْإِقْرَار أَن من أقرّ لغيره بِمَال وَالْمقر لَهُ يعلم أَنه كَاذِب فِي إِقْرَاره فَإِنَّهُ لَا يحل لَهُ ذَلِك فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِلَّا أَن يُسلمهُ بِطيب نَفسه فَيكون تَمْلِيكًا على طَرِيق الْهِبَة وَالثَّانِي أَن تَدعِي امْرَأَة نِكَاحا على رجل فصالحها على مَال لَا يجوز لِأَنَّهُ رشوة مَحْضَة من غير خُصُومَة ويلزمها ردهَا كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْوَلْوَالجيّ الْخَلِيفَة إِذا جعل غَيره ولي عَهده بعد مَوته ثمَّ مَاتَ يجب على النَّاس أَن يعلمُوا بِهِ وَيصير الثَّانِي خَليفَة كَمَا فعل أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ فوض الْأَمر فِي حَيَاته إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَذَا للْمُوصي أَن يُوصي إِلَى غَيره بعد مَوته اه
الْفَصْل السَّادِس فِي الْإِقْرَار
الْإِقْرَار هُوَ إِخْبَار بِحَق لآخر عَلَيْهِ وَحكمه ظُهُور الْمقر بِهِ لَا إثْبَاته ابْتِدَاء فَيصح الْإِقْرَار بِالْخمرِ للْمُسلمِ حَتَّى يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ وَلَا يَصح الْإِقْرَار بِالطَّلَاق وَالْعتاق مكْرها وَلَو كَانَ انشاء يَصح مَعَ الاكراه لِأَن طَلَاق الْمُكْره وإعتاقه واقعان عندنَا وَاسْتدلَّ بعض على كَونه اخبارا بمسائل مِنْهَا إِذا أقرّ بِنصْف دَاره مشَاعا صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَمِنْهَا إِذا أقرَّت بِالزَّوْجِيَّةِ صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح الا بِمحضر من الشُّهُود وَمِنْهَا إِذا أقرّ الْمَرِيض بدين مُسْتَغْرق جَمِيع مَاله صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَمِنْهَا إِذا أقرّ العَبْد الْمَأْذُون لرجل بِعَين فِي يَده صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَاسْتدلَّ بعض على كَونه تَمْلِيكًا بمسائل مِنْهَا إِذا أقرّ لرجل فَرد إِقْرَاره ثمَّ قبل لَا يَصح وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ وَمِنْهَا إِذا أقرّ الْمَرِيض لوَارِثه بدين لم يَصح وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ وَمِنْهَا أَن الْملك الثَّابِت بِسَبَب الْإِقْرَار لَا يظْهر فِي حق الزَّوَائِد المستهلكة حَتَّى لَا يملك الْمقر لَهُ مطالبتها وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لكَانَتْ مَضْمُونَة عَلَيْهِ
وَفِي الذَّخِيرَة وَالْمُحِيط ادّعى عينا فِي يَد انسان أَنَّهَا لَهُ ثمَّ إِن صَاحب الْيَد أقرّ لَهُ بِهِ تصح هَذِه الدَّعْوَى عِنْد الْبَعْض وَعند عَامَّة الْمَشَايِخ لَا يَصح لِأَن نفس الْإِقْرَار لَا يصلح سَببا للاستحقاق فَإِن الاقرار كَاذِبًا لَا يثبت الِاسْتِحْقَاق للْمقر لَهُ وَعند من يَقُول يَصح لَو نكل فالفتوى على أَنه لَا يحلف على الْإِقْرَار وَإِنَّمَا يحلف على المَال
قَالَ صَاحب الْفُصُول قَامَت على قَول من يَقُول من الْمَشَايِخ إِنَّه تمْلِيك فِي الْحَال يَنْبَغِي أَن تصح دَعْوَى المَال بِسَبَب الْإِقْرَار وعَلى قَول من يَقُول إِنَّه إِخْبَار لَا تصح وَأَجْمعُوا على أَنه لَو قَالَ هَذَا الْعين ملكي وَهَكَذَا أقرّ بِهِ صَاحب الْيَد تصح هَذِه الدَّعْوَى لِأَنَّهُ لم يَجْعَل الْإِقْرَار سَبَب الْوُجُوب الْجُمْلَة من شرح الْوِقَايَة لِابْنِ فرشته
وَفِي المنبع وَلَا يَصح إِقْرَار الصَّبِي إِلَّا إِذا كَانَ مَأْذُونا بِالتِّجَارَة فَإِن إِقْرَاره جَائِز بدين لرجل أَو وَدِيعَة أَو عَارِية أَو مُضَارَبَة أَو غصب لِأَنَّهُ الْتحق بِسَبَب الاذن بالبالغ لدلَالَة الاذن على عقله وَلَا يَصح إِقْرَاره بِالْمهْرِ وَالْجِنَايَة وَالْكَفَالَة لِأَنَّهَا غير دَاخِلَة تَحت الاذن إِذْ التِّجَارَة مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ وَالنِّكَاح مُبَادلَة مَا لَيْسَ بِمَال وَالْكَفَالَة تبرع من وَجه فَلم تكن تِجَارَة مُطلقَة وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون لَا يَصح إِقْرَاره وَكَذَلِكَ العَبْد الْمَحْجُور
стр. 50
لَا يَصح إِقْرَاره بِالْمَالِ وَإِن كَانَ يَصح بالحدود وَالْقصاص لِأَن ذمَّته ضعفت برقه فانضمت إِلَيْهَا مَالِيَّة الرَّقَبَة وَالْكَسْب وَهِي ملك الْمولى فَلَا يَصح إِقْرَاره عَلَيْهِ بِخِلَاف العَبْد الْمَأْذُون فَإِن إِقْرَاره بالديون وَبِمَا فِي يَده صَحِيح لِأَن الْمولى رضى بِإِسْقَاط حَقه بالتسليط عَلَيْهِ والنائم والمغمى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ وَإِقْرَار السَّكْرَان جَائِز بالحقوق كلهَا الا بالحدود الْخَالِصَة وَالرِّدَّة وتنفذ سَائِر التَّصَرُّفَات من السَّكْرَان كَمَا تنفذ من الصاحي وَسَيَجِيءُ تَمَامه فِي فصل الطَّلَاق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وكما يَصح الْإِقْرَار بالمعلوم يَصح بِالْمَجْهُولِ بِخِلَاف الْجَهَالَة فِي الْمقر لَهُ فَإِنَّهُ يمْنَع صِحَة الاقرار بِلَا خلاف
وَفِي الذَّخِيرَة جَهَالَة الْمقر لَهُ إِنَّمَا تمنع صِحَة الْإِقْرَار إِذا كَانَت متفاحشة بِأَن قَالَ هَذَا العَبْد لوَاحِد من النَّاس أما إِذا لم تكن متفاحشة لَا تمنع بِأَن قَالَ هَذَا العَبْد لأحد هذَيْن الرجلَيْن
وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الْجَهَالَة تمنع أَيْضا فِي هَذِه الصُّورَة لِأَنَّهُ أقرّ للْمَجْهُول وَأَنه لَا يُفِيد لِأَن فَائِدَته الْجَبْر على الْبَيَان وَهَا هُنَا لَا يجْبر على الْبَيَان وَالأَصَح أَنه يَصح لِأَنَّهُ يُفِيد وَفَائِدَته وُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق وَطَرِيق الْوُصُول ثَابت لِأَنَّهُمَا لَو اتفقَا على أَخذه فَلَهُمَا حق الْأَخْذ فَالْحَاصِل أَن الْإِقْرَار للْمَجْهُول لَا يَصح إِذا كَانَت الْجَهَالَة متفاحشة وَإِذا لم تكن متفاحشة يجوز وَالْإِقْرَار بِمَجْهُول يَصح مُطلقًا مَعْلُوما كَانَ أَو مَجْهُولا وَأما الْإِبْرَاء عَن الْحُقُوق المجهولة يَصح بعوض وبدونه
وَفِي المنبع الْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يَصح ثمَّ قَالَ وَفِي الْبَدَائِع لَو ابرأه عَن ضَمَان الْعين وَهِي قَائِمَة فِي يَده صَحَّ الابراء وَسقط عَنهُ الضَّمَان عِنْد أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر لَا يَصح لِأَن الْإِبْرَاء إِسْقَاط وَإِسْقَاط الْأَعْيَان لَا يعقل فالتحق بِالْعدمِ وَبقيت الْعين مَضْمُونَة كَمَا كَانَت وَإِذا هَلَكت ضمن
رجل فِي يَده دَار ادَّعَاهَا آخر فَقَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْك الْقيَاس أَن يُؤمر بِالدفع إِلَى الْمُدَّعِي إِلَى أَن يبرهن على الشِّرَاء مِنْهُ وَفِي الِاسْتِحْسَان يُمْهل ثَلَاثَة ايام بعد التكفيل عَلَيْهِ فَإِن برهن وَإِلَّا سلم إِلَى الْمُدَّعِي وعَلى الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان إِذا ادّعى الْمَدْيُون الْإِيفَاء وجحده الْمُدَّعِي فَلَا بُد من برهَان الْمُدَّعِي عَلَيْهِ
وَكَانَ الامام ظهير الدّين يُفْتِي فِيهَا بِالْقِيَاسِ
أقرّ أَنه اقْتضى من فلَان ألفا كَانَت لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ فلَان لم يكن لَك عَليّ شَيْء يضمن الْمقر بعد مَا يحلف الْمقر لَهُ على أَنه لم يكن لَهُ عَلَيْهِ شَيْء
قَوْله عِنْد دَعْوَى المَال عَلَيْهِ مَا قبضت مِنْك بِغَيْر حق لَا يكون إِقْرَارا وَلَو قَالَ دَفعته إِلَى أَخِيك بِأَمْرك إِقْرَار بِالْقَبْضِ فَلَا يبرأ بِلَا إِثْبَات الْأَمر بالإيصال والاتصال وَلَو قَالَ بِأَيّ سَبَب دَفعته الي قَالُوا يكون إِقْرَارا وَفِيه نظر
قدمه قبل حُلُول الْأَجَل إِلَى الْحَاكِم وَطَلَبه بِهِ فَلهُ أَن يحلف مَا عَليّ الْيَوْم شَيْء وَهَذَا الْحلف لَا يكون إِقْرَارا بِالْمَالِ الْمُدَّعِي بِهِ ويسعه أَن يحلف بِهَذَا الْوَجْه إِن لم يقْصد بِهِ ذهَاب حَقه
قَالَ الْفَقِيه لَا يلْتَفت إِلَى قَول من جعله إِقْرَارا بِوُجُوب المَال الْمُؤَجل وَكَذَلِكَ الْكَلَام إِذا حلف الزَّوْج عِنْد إِنْكَاره دَعْوَى زَوجته الصَدَاق فَإِن المهور فِي زَمَاننَا مُؤَجّلَة بِالْعَادَةِ قلت وَهَذَا دَلِيل على أَن الزَّوْجَة لَيْسَ لَهَا مُطَالبَة زَوجهَا بِالْمهْرِ الْمُؤخر بعد قبضهَا الْمُعَجل ودخوله بهَا الا بعد الْفِرَاق بِمَوْت أَو طَلَاق لِأَن
стр. 51
الْمُؤخر مُؤَجل عرفا لما مر وَالله أعلم وَلَا بُد من نقل صَرِيح يعْتَمد عَلَيْهِ فِي ذَلِك فيا أَيهَا الطَّالِب لَا تجزم بِشَيْء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الا بعد النَّقْل الصَّرِيح والتأمل الصَّحِيح
ادّعى عَلَيْهِ مَالا فَقَالَ قَبضته لكنه ملكي يُؤمر بِالرَّدِّ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يكون على الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ
رجل قَالَ لآخر اقْضِ الْألف الَّتِي لي عَلَيْك أَو غلَّة عَبدِي فَقَالَ نعم أَو قَالَ غَدا أعطيكها أَو اقعد فاقبضها أَو وَزنهَا لَا على وَجه السخرية أَو قَالَ خُذْهَا أَو أرسل غَدا من يقبضهَا أَو يتزنها أَو لَا أزنها لَك الْيَوْم أَو لَا تأخذها مني الْيَوْم أَو حَتَّى يدْخل عَليّ مَالِي أَو يقدم على غلامي أَو قَالَ لم تحل أَو قَالَ صالحني عَنْهَا أَو قَالَ لَا أقضيكها أَو لَا أعطيكها أَو قَالَ أحل غرماءك عَليّ أَو بَعضهم أَو من شِئْت مِنْهُم أَو يحتال بهَا عَليّ أَو قَضَاهَا فلَان عني أَو أبرأتينها أَو أحللتنيها أَو وهبتنيها أَو تَصَدَّقت بهَا عَليّ أَو قَالَ مَالك عَليّ الا مائَة أَو سوى مائَة أَو غير مائَة أَو قَالَ اشْهَدُوا أَن لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم فَإِنَّهُ إِقْرَار فِي ذَلِك كُله وَلَو ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَقَالَ لَا أعطكيها أَو قَالَ مَا لفُلَان عَليّ شَيْء فَلَا تخبره أَن لَهُ عَليّ ألفا لَا يكون اقرارا وَلَو لم يبْدَأ بِالنَّفْيِ لَكِن قَالَ لَا تخبر فلَانا أَن لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم أَو لَا تعلمه يكون اقرارا وَمن اصحابنا من قَالَ الصَّحِيح أَنه فِي الاخبار لَا يكون اقرارا وَلَو قَالَ لَا تشهدوا أَن لفُلَان عَليّ ألفا لَا يكون اقرارا وَذكر مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَن قَوْله لَا تخبره إِقْرَار وَلَا تشهد لَا يكون اقرارا
وَفِي البزازي أَشَارَ إِلَى أَن قَوْله لَا تخبره لَا يكون اقرارا وَقَوله أخبرهُ يكون إِقْرَارا قَالَ الْكَرْخِي الصَّحِيح هَذَا وَالله أعلم وَمَا ذكر أَن قَوْله لَا تخبره إِقْرَار خطأ قَالَ مَشَايِخ بُخَارى هُوَ الصَّوَاب وَقَالَ فِي الْقنية وَهُوَ الصَّحِيح
رجل قَالَ وجدت فِي كتابي أَن لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم أَو بخطي أَو كتبت بيَدي أَن لَهُ عَليّ ألفا فَهَذَا كُله بَاطِل وَإِذا قَالَ البَائِع وجدت بخطي أَن لفُلَان عَليّ كَذَا لزمَه ذَلِك
قَالَ السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَذَا خطّ الصراف والسمسار فعلى هَذَا لَو قَالَ للصكاك اكْتُبْ خطا عَليّ لفُلَان بِأَلف دِرْهَم أَو اكْتُبْ خطا بِبيع هَذِه الدَّار بِأَلف دِرْهَم من فلَان أَو اكْتُبْ لامرأتي صك الطَّلَاق كَانَ إِقْرَارا بِالْمَالِ وَالْبيع وَالطَّلَاق وَحل لِلْكَاتِبِ أَن يشْهد بِمَا سمع سَوَاء كتب أَو لَا
قَالَ لآخر لي عَلَيْك ألف فَقَالَ الآخر ولي عَلَيْك مثلهَا أَو قَالَ طلقت امْرَأَتك فَقَالَ وَأَنت طلقت امْرَأَتك أوقال أعتقت عَبدك فَقَالَ وَأَنت أعتقت عَبدك لَا يكون إِقْرَارا فِي ظَاهر الرِّوَايَة وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه إِقْرَار وَبِه يُفْتى وَلَو جعلت زَوجهَا فِي حل يبرأ عَن الْمهْر كَمَا لَو أَبْرَأ غَرِيمه من الدّين الا إِذا كَانَ هُنَاكَ مَا يَخُصُّهُ
رجل قَالَ أبرأت جَمِيع غرمائي لَا يَصح إِلَّا إِذا نَص على قوم مخصوصين قَالَ الْفَقِيه وَعِنْدِي أَنه يَصح
الْإِقْرَار وَالْإِبْرَاء لَا يحتاجان إِلَى الْقبُول ويرتدان بِالرَّدِّ لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف قرض أَو عِنْدِي ألف وَدِيعَة الا أَنِّي لم أَقبض لم يصدق وَلَو قَالَ أقرضتني أَو أودعتني أَو أَعْطَيْتنِي لكني لم أقبضهُ إِن وصل صدق اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا لَا
غصبت مِنْهُ هَذَا العَبْد أمس إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا يلْزم
عَليّ ألف إِن شَاءَ فلَان فشاء فلَان لَا يلْزم
стр. 52
جَمِيع مَا فِي يَدي أَو يعرف بِي أَو ينْسب الي لفُلَان يكون إِقْرَارا
وَلَو قَالَ جَمِيع مَالِي أَو مَا أملكهُ لفُلَان فَهُوَ هبة لَا يملك بِلَا تَسْلِيم وَقبُول انْتهى كَلَام البزازي
وَفِي الْقنية اسْتَأْجر مِنْهُ دَارا فَهُوَ إِقْرَار لَهُ بِالْملكِ وَلَو أقرّ أَنه كَانَ يدْفع غلَّة هَذِه الدَّار إِلَى فلَان لم يكن إِقْرَارا بِالدَّار لَهُ وَلَو قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا أقرّ وَلَا أنكر فَهُوَ على صُورَة الْإِنْكَار وَقيل إِقْرَار لقَوْله لَا أنكر وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يحبس وَلَا يحلف لِأَنَّهُ لم يظْهر مِنْهُ الْإِنْكَار وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُنكر حَيْثُ قَالَ لَا أقرّ
قَالَ الآخر لي عَلَيْك كَذَا فادفعه الي فَقَالَ استهزاء نعم أَحْسَنت فَهُوَ إِقْرَار ويؤاخذ بِهِ
ادّعى عَلَيْهِ مَالا مَعْلُوما فَقَالَ مستهزئا بِهِ الْأَمر أَمرك أتفكر الْيَوْم فَهُوَ إِقْرَار بالمدعي
إِذا مَاتَ الْمَدْيُون قبل تَمام الْأَجَل فطالب الدَّائِن ابْنه فَقَالَ اصبر حَتَّى يحل الاجل فَهُوَ إِقْرَار
قَول النَّاس فِي الْعَادة جَمِيع مَا فِي يَدي حق وَملك لفُلَان فَهُوَ فِي عرفنَا مَحْمُول على وَجه الْكَرَامَة وانه حسن
ادّعى على امْرَأَة نِكَاحا فأنكرت التَّزْوِيج ثمَّ طالبته بِالْمهْرِ فَهُوَ إِقْرَار بِهِ وَقَالَ مجد الْأَئِمَّة التركماني الْإِقْرَار بِالْمهْرِ لَا يكون إِقْرَارا بِالنِّكَاحِ وَالْإِقْرَار بِالْوَلَدِ من الْحرَّة إِقْرَار بِالنِّكَاحِ
طلب رب الدّين الْكَفِيل بِالْمَالِ فَقَالَ لَهُ لم لَا تطالب الْأَصِيل فَقَالَ لَا شغل لي مَعَه لَا يكون إِقْرَارا بِالْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ مُحْتَمل
وَذكر فِي الْوَلْوَالجيّ رجل أقرّ لامْرَأَته فِي مَرضه بِمهْر ألف دِرْهَم وَقد تزَوجهَا على ذَلِك ثمَّ اقامت الْوَرَثَة الْبَيِّنَة بعد الْمَوْت على أَن الْمَرْأَة وهبت مهرهَا لزَوجهَا فِي حَيَاة الزَّوْج هبة صَحِيحَة لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَالْمهْر لَازم بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لما أقرّ فِي مَرضه وَتلك الْحَالة حَالَة تدارك مَا سبق فَهَذَا دَلِيل على أَن الْإِقْرَار لَازم فيؤاخذ بذلك
رجل يمرض يَوْمًا وَيصِح يَوْمًا ويمرض يَوْمَيْنِ وَيصِح يَوْمًا أقرّ لِابْنِهِ بدين فِي ذَلِك الْمَرَض فَإِن صَحَّ بعد ذَلِك جَازَ مَا صنع لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِمَرَض الْمَوْت فَإِن فعل ذَلِك فِي مرض ثمَّ لم يَصح بعد ذَلِك وَصَارَ صَاحب فرَاش حَتَّى اتَّصل بِالْمَوْتِ فَإِقْرَاره غير جَائِز لِأَن هَذَا إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض مَوته لبَعض ورثته فَيكون بَاطِلا لمَكَان التُّهْمَة وَلقَوْله ﷺ لَا وَصِيَّة لوَارث اه
رجل قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم فِي علمي لم يلْزمه شَيْء فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِيمَا علمت لم يلْزمه شَيْء عِنْدهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يلْزمه ذَلِك
وَفِي البزازي قَالَ لَهُ عَليّ دَرَاهِم أَو دريهمات فَثَلَاثَة لَو قَالَ دَرَاهِم كَثِيرَة فعلى قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى عشرَة وعَلى قَوْلهمَا مِائَتَا دِرْهَم ودنانير كَثِيرَة عِنْده عشرَة وَعِنْدَهُمَا عشرُون
قَالَ مَال عَظِيم عِنْدهمَا نِصَاب الزَّكَاة مِائَتَان وَلم يذكر مَا عِنْده قيل ينظر إِلَى حَال الْمقر فَرب رجل يستعظم الْمِائَتَيْنِ وَرب آخر لَا يستعظم الْعشْرَة آلَاف
قَالَ كَذَا دِينَارا يُقَال إِن كَذَا تسْتَعْمل فِي الْعدَد وَأَقل الْعدَد اثْنَان عَليّ مَال فدرهم عَليّ مَال لَا قَلِيل وَلَا كثير مِائَتَان عَليّ دَرَاهِم أضعافا مضاعفة أَو مضاعفة أضعافا ثَمَانِيَة عشر عِنْدهمَا عَليّ دَرَاهِم مضاعفة سِتَّة أَكثر الدَّرَاهِم عشرَة عِنْده مِائَتَان عِنْدهمَا شَيْء من الدَّرَاهِم أَو من الدَّنَانِير ثَلَاثَة أَمْوَال عِظَام سِتّمائَة مَا بَين عشرَة إِلَى دِرْهَم أَو مَا بَين دِرْهَم إِلَى عشرَة تِسْعَة عِنْده وَمَا بَين عشرَة إِلَى عشْرين تِسْعَة عشر عِنْده
стр. 53
وَعِنْدَهُمَا عشرَة فِي الأولى وَعِشْرُونَ فِي الثَّانِي مَا بَين دِرْهَم إِلَى دِرْهَم دِرْهَم عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى
رجل قَالَ مَا فِي يَدي من قَلِيل وَكثير من عبيد وَغَيره أَو مَا فِي حانوتي لفُلَان صَحَّ لِأَنَّهُ عَام لَا مَجْهُول
وَإِن تنَازعا فِي شَيْء أَنه كَانَ وَقت الْإِقْرَار فِي يَده أَو حانوته فَقَالَ الْمقر لَا بل حدث بعده القَوْل للْمقر
رجل قَالَ هَذَا الْبَيْت وَمَا أغلق عَلَيْهِ بَابه لامرأتي وَفِيه مَتَاع فلهَا الْبَيْت وَالْمَتَاع بِخِلَاف مَا لَو كَانَ مَكَان الْإِقْرَار بيع فَإِن الْمَتَاع لَا يدْخل فِيهِ لِأَنَّهُ يصير كَأَنَّهُ بَاعَ الْبَيْت بحقوقه
وَفِي الْمُنْتَقى لي عَلَيْك ألف فَقَالَ أخر عني دعواك شهرا أَو أخر الَّذِي ادعيت بِهِ لَا يكون إِقْرَارا وَكَذَا لَو قَالَ أخر دعواك حَتَّى يقدم مَالِي فأعطيكها وَلَو قَالَ بلَى فأعطيكها يكون إِقْرَارا عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
لي عَلَيْك مِائَتَان فَقَالَ قضيت مائَة بعد مائَة فَلَا حق لَك على لَا يكون إِقْرَارا وَكَذَا لَو قَالَ قضيت خمسين لَا يكون إِقْرَارا لي عَلَيْك ألف فَقَالَ حسبتها لَك أَو قضيتك أَو أحلتك بهَا أَو هبتها أَو أبرأتنى أَو أحللتنى قَالَ الناطفى كُله إِقْرَار
رجل قَالَ لآخر أقرضتك الْفَا فَقَالَ مَا استقرضت من أحد سواك لَا يكون إِقْرَارا وَلَو قَالَ استقرضت مِنْك يكون إِقْرَارا
وَذكر السَّرخسِيّ أَن قَوْله مَا استقرضت من أحد سواك إِذا كَانَ مجيبا لَهُ لِأَن مَعْنَاهُ استقرضت مِنْك لَا من غَيْرك وَلَو صرح بقوله استقرضت مِنْك لَا يكون إِقْرَارا ثمَّ قَالَ هَذَا من أعجب الْمسَائِل فَإِن إِقْرَاره بِفعل الْغَيْر أَعنِي قَوْله أقرضتني إِقْرَار وبفعل نَفسه أَعنِي قَوْله استقرضت مِنْك ابْتِدَاء لَا يكون إِقْرَارا
وَفِي بعض الْفَتَاوَى استقرضت مِنْك فَلم تقرضني صَحَّ إِذا وصل وَإِلَّا لَا
وَذكر شيخ الاسلام أَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِالشّرطِ بَاطِل
وَقَوله إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو إِذا جَاءَ الْأَضْحَى أَو إِذا أفطر النَّاس أَو إِذا مت لَيْسَ بتعليق بل تَأْجِيل إِلَى هَذِه الْأَوْقَات لصلوحه للتأجيل فَإِن الدّين بِالْمَوْتِ يحل وَلَا يصدق فِي دَعْوَى التَّأْجِيل بِخِلَاف قَوْله إِذا قدم فلَان إِلَّا إِذا ادّعى كَفَالَة معلقَة بقدوم فلَان
الْإِشَارَة تقوم مقَام الْعبارَة وَإِن قدر على الْكِتَابَة
كتب كتابا فِيهِ إِقْرَار بَين يَدي الشُّهُود فَهَذَا على اقسام الأول أَن يكْتب وَلَا يَقُول شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا فَلَا تحل الشَّهَادَة بِأَنَّهُ إِقْرَار قَالَ القَاضِي النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِن كتب مصدرا مرسوما وَعلم الشَّاهِد حل لَهُ الشَّهَادَة على إِقْرَاره كَمَا لَو أقرّ كَذَلِك وَإِن لم يقل اشْهَدْ عَليّ بِهِ فعلى هَذَا إِذا كتب للْغَائِب على وَجه الرسَالَة أما بعد فعلي لَك كَذَا يكون إِقْرَارا لِأَن الْكِتَابَة من الْغَائِب كالخطاب من الْحَاضِر فَيكون متكلما وَعَامة الْمَشَايِخ على خِلَافه لِأَن الْكِتَابَة قد تكون للتجربة وَفِي حق الْأَخْرَس يشْتَرط أَن يكون معنونا مصدرا وَإِن لم يكن إِلَى الْغَائِب الثَّانِي كتب وَقَرَأَ عِنْد الشُّهُود لَهُم أَن يشْهدُوا وَإِن لم يقل اشْهَدُوا عَليّ الثَّالِث أَن يقرأه عَلَيْهِ عِنْدهم غَيره فَيَقُول الْكَاتِب هَذَا اشْهَدُوا عَليّ بِهِ الرَّابِع أَن يكْتب عِنْدهم وَيَقُول اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ إِن عمِلُوا بِمَا فِيهِ كَانَ إِقْرَار وَإِلَّا فَلَا
стр. 54
قَالَ أَعْطِنِي الْألف الَّتِي لي عَلَيْك فَقَالَ اصبر أَو سَوف تأخذها لَا يكون إِقْرَارا
قَالَ مَال نَفِيس أَو كريم أَو حظير لَا رِوَايَة فِيهِ وَكَانَ الْجِرْجَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول مِائَتَان أُلُوف دَرَاهِم ثَلَاثَة آلَاف أُلُوف كَثِيرَة عشرَة آلَاف أَشْيَاء كَثِيرَة أَرْبَعُونَ إبل كَثِيرَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ
قَالَ لَهُ أَعطيتك مِقْدَار كَذَا فَقَالَ بِأَيّ سَبَب أَعْطَيْتنِي يكون إِقْرَارا بِالدفع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ صرح بِالدفع إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن السَّبَب
قَالَ لي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ صدقت يلْزمه إِذا لم يقلهُ على وَجه الِاسْتِهْزَاء وَيعرف ذَلِك بالنغمة
إِذا أقرّ أَنه قبض مِنْهُ كَذَا قَالَ شيخ الاسلام لَا يلْزمه مالم يقل قَبضته بِغَيْر حق قبضا يُوجب الرَّد وَالْأَشْبَه أَنه يلْزم الرَّد لِأَن الْقَبْض الْمُطلق سَبَب يُوجب الرَّد وَالضَّمان كالأخذ فَإِنَّهُ نَص فِي الأَصْل أَنه إِذا قَالَ أخذت مِنْك ألفا وَدِيعَة وَقَالَ الْمقر لَهُ وَالْمقر ضَامِن مَعَ أَن الْمقر نَص على الْأَخْذ وَدِيعَة فَهَذَا أولى
طلب الصُّلْح وَالْإِبْرَاء عَن الدَّعْوَى لَا يكون إِقْرَارا وَطلب الصُّلْح وَالْإِبْرَاء عَن المَال يكون إِقْرَارا
ادّعى الْإِقْرَار فِي الصغر وَأنْكرهُ الْمقر لَهُ فَالْقَوْل للْمقر لاستناده إِلَى حَالَة معهودة مُنَافِيَة للضَّمَان
أَخَذته مِنْك عَارِية وَقَالَ لَا بل بيعا فَالْقَوْل للآخذ لإنكاره البيع وَكَذَا لَو قَالَ أخذت الدَّرَاهِم مِنْك وَدِيعَة وَقَالَ لَا بل قرضا وَكَذَا الثَّوْب لَو قَالَ أَخَذته مِنْك عَارِية وَقَالَ بل أَخَذته بيعا فَلَا يكون إِقْرَارا وَهَذَا إِذا لم يلْبسهُ فَإِن كَانَ لبسه وَهلك ضمن
صب دهنا لإِنْسَان عِنْد الشُّهُود فَادّعى مَالِكه ضَمَانه فَقَالَ كَانَ نجسا لوُقُوع فَأْرَة فِيهِ فَالْقَوْل للصاب لإنكاره الضَّمَان وَالشُّهُود يشْهدُونَ على الصب لَا على عدم النَّجَاسَة
وَفِي المنبع إِذا قَالَ الْمقر فِي إِقْرَاره لَهُ عَليّ أَو قبلي ألف دِرْهَم فقد أقرّ بِالدّينِ وَلَو قَالَ عِنْدِي أَو معي أَو فِي بَيْتِي أَو فِي صندوقي أَو فِي كيسي فَهُوَ إِقْرَار بالأمانة فِي يَده لِأَن هَذِه الْمَوَاضِع إِنَّمَا تكون محلا للعين لَا للدّين إِذْ مَحَله الذِّمَّة
رجل أقرّ لآخر بِأَلف دِرْهَم مُؤَجّلَة إِلَى شهر وَقَالَ الْمقر لَهُ بل هِيَ حَالَة فَالْقَوْل قَول الْمقر لَهُ عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى لزمَه مُؤَجّلا
إِذا أقرّ بِمِائَة على نَفسه لرجل واشهد شَاهِدين ثمَّ أقرّ فِي مَوضِع آخر لذَلِك الرجل بِمِائَة أَو أقل أَو أَكثر أَو اشْهَدْ شَاهِدين فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى هما مالان إِذا ادّعى الطَّالِب الْمَالَيْنِ وَعِنْدَهُمَا مَال وَاحِد إِلَّا إِذا تَفَاوتا فَيلْزمهُ الْأَكْثَر
وَمحل الْخلاف فِي الْإِقْرَار الْمُجَرّد عَن السَّبَب وَعَن الصَّك إِذْ فِي الْمُقَيد بِالسَّبَبِ المتحد بِأَن قَالَ فِي الكرتين ثمن هَذِه الْجَارِيَة المَال وَاحِد مُتحد على كال حَال وَفِي الْمُقَيد بِالسَّبَبِ الْمُخْتَلف بِأَن قَالَ ثمن هَذِه الْجَارِيَة فِي الكرة الأولى وَثمن هَذَا العَبْد فِي الكرة الْأُخْرَى المَال مُخْتَلف على كل حَال
وَكَذَا إِذا كَانَ الْإِقْرَار مُطلقًا عَن السَّبَب لَكِن مَعَ الصَّك فَإِن كَانَ بِهِ صك وَاحِد فَالْمَال وَاحِد سَوَاء كَانَ الْإِقْرَار وَالْإِشْهَاد فِي موطن وَاحِد أَو موطنين وَإِن كَانَ صكان فمالان فِي الْوَجْهَيْنِ وَكَذَا إِذا أقرّ بِمِائَة مُطلقًا وَكتب فِي صك ثمَّ أقرّ وَكتب فِي صك فهما مالان
إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم بل الْفَا دِرْهَم يلْزمه ألفا دِرْهَم عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر يلْزمه
стр. 55
ثَلَاثَة آلَاف لِأَنَّهُ أقرّ بِأَلف ثمَّ رَجَعَ وَأقر بِأَلفَيْنِ فصح الْإِقْرَار وَلم يَصح الرُّجُوع كَمَا فِي قَوْله أَنْت طَالِق وَاحِدَة لَا بل ثِنْتَيْنِ
رجل قَالَ غصبنا من فلَان ألف دِرْهَم ثمَّ قَالَ وَكُنَّا عشرَة أنفس وَالْمقر لَهُ يعدعي أَنه هُوَ الْغَاصِب مِنْهُ الْألف وَحده لزمَه الْألف كَامِلا وَقَالَ زفر لَا يلْزمه إِلَّا عشر الْألف وعَلى هَذَا الْخلاف مَا لَو قَالَ أقرضنا أَو أودعنا أَو أعارنا
رجل ادّعى على الْمَيِّت دينا لَا يزِيد على تركته وَله ابْنَانِ فَصدقهُ أَحدهمَا وَكذبه الآخر فعندنا يُؤْخَذ جَمِيع الدّين مِمَّا فِي يَد الْمُصدق إِن كَانَ وافيا بِالدّينِ وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى على الْمُصدق نصف الدّين لِأَنَّهُ أبعد عَن الضَّرَر وَلنَا أَنه أقرّ بِالدّينِ وَهُوَ مقدم على الْمِيرَاث فَمَا لم يقْض جَمِيع الدّين لَا تصير التَّرِكَة فارغة عَن الدّين فَلَا يكون لَهُ مِنْهَا شَيْء بِالْإِرْثِ
وَفِي الْحَقَائِق قَالَ الْحلْوانِي قَالَ مَشَايِخنَا رَحِمهم الله تَعَالَى فِيمَا روينَا فِي ظَاهر رِوَايَة أَصْحَابنَا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة شَيْء لم يشْتَرط فِي الْكتب وَهُوَ أَن يقْضِي عَلَيْهِ القَاضِي بِإِقْرَارِهِ وبمجرد الْإِقْرَار لَا يحل الدّين فِي نصِيبه ثمَّ قَالَ صَاحب الْحَقَائِق تحفظ هَذِه الزِّيَادَة انْتهى
نوع فِي الِاسْتِثْنَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ الِاسْتِثْنَاء فِي الأَصْل نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يكون الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالثَّانِي أَن يكون من خلاف جنسه فَالْأول على ثَلَاثَة أوجه اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير واستثناء الْكثير من الْقَلِيل واستثناء الْكل من الْكل أما اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير فَإِنَّهُ جَائِز بِلَا خلاف لِأَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا فَإِذا قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة يلْزمه سَبْعَة كَأَنَّهُ قَالَ لفُلَان عَليّ سَبْعَة لِأَن للسبعة اسْمَيْنِ أَحدهمَا سَبْعَة وَالْآخر عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة
وَفِي الذَّخِيرَة محالا على الْمُنْتَقى قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم الا قَلِيلا فَعَلَيهِ أحد وَخَمْسُونَ درهما وَكَذَا فِي نَظَائِره نَحْو قَوْله إِلَّا شَيْئا لِأَن اسْتثِْنَاء الشَّيْء اسْتثِْنَاء الْأَقَل عرفا فأوجبنا النّصْف وَزِيَادَة دِرْهَم فقد اسْتثْنى الْأَقَل
وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا بَعْضهَا فَعَلَيهِ أَكثر من النّصْف وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا مائَة أَو خمسين قَالَ أَبُو سُلَيْمَان عَلَيْهِ تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ لِأَنَّهُ ذكر كلمة الشَّك فِي الِاسْتِثْنَاء فَيثبت أقلهما فَكَذَا فِي هَذَا وَفِي رِوَايَة أبي حَفْص يلْزمه تِسْعمائَة لِأَن الشَّك فِي الِاسْتِثْنَاء يُوجب الشَّك فِي الْإِقْرَار فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ تِسْعمائَة أَو تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ فَيثبت الْأَقَل قَالُوا وَالْأول أصح لِأَن الشَّك حصل فِي الِاسْتِثْنَاء ظَاهرا
وَأما اسْتثِْنَاء الْكثير من الْقَلِيل بِأَن قَالَ لفُلَان عَليّ تِسْعَة إِلَّا عشرَة فَجَائِز فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَيلْزمهُ دِرْهَم إِلَّا مَا روى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يَصح وَعَلِيهِ الْعشْرَة الْحَد وَهُوَ مَذْهَب الْفراء لِأَن الْعَرَب لم تَتَكَلَّم بِهِ وَالصَّحِيح ظَاهر الرِّوَايَة
وَأما اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل فَبَاطِل بِأَن يَقُول لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا فَيلْزم عشرَة وَيَقَع ثَلَاث لِأَنَّهُ لَا يُمكن فِيهِ معنى الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا فَمَا لم يبْق شَيْء بعد الِاسْتِثْنَاء لم يُمكن جعله متكلما بِمَا بقى فَلم يَصح فَبَقيَ كَلَامه الأول بَاقِيا على حَاله كَمَا كَانَ
стр. 56
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم اسْتغْفر الله الا مائَة دِرْهَم كَانَ الِاسْتِثْنَاء بَاطِلا وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم يَا فلَان الا عشرَة كَانَ الِاسْتِثْنَاء جَائِزا
إِذا قَالَ لزيد عَليّ عشرَة الا تِسْعَة الا ثَمَانِيَة الا سَبْعَة الا سِتَّة الا خَمْسَة الا أَرْبَعَة الا ثَلَاثَة الا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدَة يلْزمه خَمْسَة فَالْأَفْضَل فِيهِ أَن يصرف كل اسْتثِْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ لكَونه أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَيبْدَأ من الِاسْتِثْنَاء الْأَخير فيستثنى الْبَاقِي مِمَّا يَلِيهِ ثمَّ ينظر إِلَى الثَّانِي هَكَذَا إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول ثمَّ ينظر الْبَاقِي من الِاسْتِثْنَاء الأول فَيَسْتَثْنِي ذَلِك من الْجُمْلَة الملفوظة فَمَا بقى مِنْهَا فَهُوَ الْقدر الْمقر بِهِ
فَالْحَاصِل أَن الاستثناءات إِذا تعدّدت لَا تَخْلُو من أَن تكون متعاطفة أَو لَا تكون متعاطفة فَإِن كَانَت متعاطفة يعود الْكل إِلَى الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي صدر الْكَلَام وَإِن لم تكن متعاطفة فَإِن استغرق الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي الأول فَيَعُود الْكل إِلَى الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي صدر الْكَلَام ايضا وَإِن لم يسْتَغْرق فَيَعُود الآخر إِلَى مَا يَلِيهِ وهلم جرا
وَفِيه طَرِيق آخر وَهُوَ أَن يُؤْخَذ الْمُثبت فِي الْيَمين والمنفي فِي الْيَسَار ثمَّ بعد الْجمع وفراغ الْإِقْرَار يسْقط المنفيات من المثبتات فَمَا بَقِي يكون مقرا بِهِ كَمَا فِي مثالك لفُلَان عَليّ عشرَة الا تِسْعَة الا ثَمَانِيَة إِلَى آخِره فالمثبتات عشرَة وَثَمَانِية وَسِتَّة وَأَرْبَعَة وَاثْنَانِ فالمجموع ثَلَاثُونَ والمنفيات تِسْعَة وَسَبْعَة وَخَمْسَة وَثَلَاثَة وَوَاحِد فالمجموع خَمْسَة وَعِشْرُونَ فَإِذا أسقطت المنفيات من المثبتات يبْقى خَمْسَة وَهُوَ الْجَواب
قَالَ صَاحب المنبع ثمَّ إِنِّي تحيرت فِي ضبط إِعْرَاب هَذِه المستثنيات هَل تكون كلهَا وَاجِبَة النصب أَو مَا وَجب نَصبه هُوَ المنفيات لَا المثبتات فعرضت ذَلِك على فحول النُّحَاة فتحيروا وَمَا جسر أحدهم مِنْهُم على الرِّوَايَة غير أَن شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ الشَّافِعِي ﵀ قد روى أَن وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ يلقنه هَذِه الْمَسْأَلَة بَعْضهَا مَنْصُوبًا وَبَعضهَا غير مَنْصُوب اه
رجل قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَطل إِقْرَاره لِأَنَّهُ علقه بِشَرْط وَإِنَّمَا يَصح التَّعْلِيق فِي الإنشاءات لَا الإخبارات وَالْإِقْرَار إِخْبَار فَلَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ
وَلَو قَالَ اشْهَدُوا عَليّ أَن لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن مت فَهِيَ عَلَيْهِ عَاشَ أَو مَاتَ لِأَن هَذَا لَيْسَ باستثناء وَلَا مخاطرة فَإِن مَوته كَائِن لَا محَالة ثمَّ اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فِي أَن التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إبِْطَال أَو تَعْلِيق فَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ تَعْلِيق وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إبِْطَال فعلى هَذَا قَوْله إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِن كَانَ إبطالا لإِقْرَاره فقد بَطل وَلَا يجب شَيْء وَإِن كَانَ تَعْلِيقا فالإقرار لَا يحْتَمل التَّعْلِيق لما بَينا وَلِأَنَّهُ شَرط لَا يُوقف عَلَيْهِ واثر الشَّرْط فِي إعدام الحكم قبل وجوده وَهَذَا لَا يعلم وجوده فَيكون إعداما لَهُ من الأَصْل بِخِلَاف قَوْله لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم إِذا مت أَو إِذا جَاءَ راس الشَّهْر أَو الْفطر لِأَنَّهُ أجل بَيَان الْمدَّة فَيكون تأجيلا لَا تَعْلِيقا أَلا ترى أَنه لَو كذبه فِي التَّأْجِيل يصير المَال حَالا
نوع فِي الْإِقْرَار فِي الْمَرَض صَحِيح أقرّ بدين ثمَّ مرض فَأقر بدين يقدم دين الصِّحَّة على دين الْمَرَض عندنَا حَتَّى لَو مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض يقْضِي دين غَرِيم الصِّحَّة أَولا فَإِن فضل شَيْء يقْضِي بِهِ دين غَرِيم الْمَرَض وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى تقسم تركته على دين الصِّحَّة وَالْمَرَض بِالنِّسْبَةِ
وَفِي الْبَدَائِع إِقْرَار الْمَرِيض فِي الأَصْل نَوْعَانِ إِقْرَاره بِالدّينِ لغيره وَإِقْرَاره بِاسْتِيفَاء الدّين من غَيره
أما إِقْرَاره بِالدّينِ فعلى وَجْهَيْن لأَجْنَبِيّ وَقد بَيناهُ أَو لوَارث بِالْعينِ أَو بِالدّينِ فَلَا يَصح إِلَّا بِتَصْدِيق البَاقِينَ
стр. 57
عندنَا وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَصح فِي أحد قوليه وَأما إِقْرَاره بِاسْتِيفَاء دين الصِّحَّة أَو دين الْمَرَض فَإِن أقرّ بِاسْتِيفَاء دين وَجب لَهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصح وَيصدق فِي إِقْرَاره حَتَّى يبرأ الْغَرِيم عَن الدّين أَي دين كَانَ وَإِن أقرّ الْمَرِيض بِاسْتِيفَاء دين وَجب لَهُ فِي حَال الْمَرَض فَإِن وَجب لَهُ بَدَلا عَمَّا هُوَ مَال لم يَصح إِقْرَاره وَلَا يصدق فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة وَيجْعَل ذَلِك تَبَرعا مِنْهُ بِالدّينِ لِأَنَّهُ لما مرض فقد تعلق حق الْغُرَمَاء بِالْبَدَلِ وَكَذَا لَو أتلف رجل على الْمَرِيض شَيْئا فِي مَرضه فَأقر الْمَرِيض بِقَبض الْقيمَة مِنْهُ لم يصدق على ذَلِك إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين الصِّحَّة لما ذكرنَا وَإِن وَجب لَهُ بَدَلا عَمَّا لَيْسَ بِمَال يَصح إِقْرَاره لِأَن بِالْمرضِ لَا يتَعَلَّق حق غُرَمَاء الصِّحَّة بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل التَّعْلِيق لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال فَلَا يتَعَلَّق بالمبدل وَأما إِقْرَار الْمَرِيض بِالْإِبْرَاءِ بِأَن أقرّ أَنه كَانَ أَبْرَأ فلَانا من الدّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي صِحَّته لَا يجوز لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الدّين وَأَنه لَا يملك إنْشَاء الْإِبْرَاء للْحَال فَلَا يملك الْإِقْرَار بِهِ بِخِلَاف الْإِقْرَار بِاسْتِيفَاء الدّين لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الدّين وَأَنه يملك إنْشَاء الْقَبْض فَيملك الْإِخْبَار عَنهُ بِالْقَبْضِ انْتهى كَلَام الْبَدَائِع
مَرِيض أقرّ بِمَال لأجنبية ثمَّ تزَوجهَا بعد الْإِقْرَار لم يبطل الْإِقْرَار عندنَا وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى يبطل لِأَنَّهُ طَرَأَ على الْإِقْرَار مَا ابطله
مَرِيض مرض مرض الْمَوْت أقرّ بِأَلف دِرْهَم بِعَينهَا أَنَّهَا لقطَة عِنْده وَلَا مَال لَهُ غَيرهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تصدقه الْوَرَثَة أَو تكذبه فَإِن صدقته الْوَرَثَة تصدقوا بهَا اتِّفَاقًا وَإِن كذبوه فَهُوَ مَحل الْخلاف فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يتصدقون بثلثها بعد مَوته وَالْبَاقِي مِيرَاث لَهُم وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كذبوه فِي ذَلِك كَانَت كلهَا مِيرَاثا لَهُم
وَفِي حيل الْخصاف امْرَأَة قَالَت فِي الْمَرَض لم يكن لي على زَوجي مهر أَو قَالَ فِي الْمَرَض لم يكن لي على فلَان شَيْء يبرأ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَفِي الذَّخِيرَة قَوْلهَا فِي الْمَرَض لَا مهر لي عَلَيْهِ أَو لَا شَيْء لي عَلَيْهِ أَو لم يكن لي عَلَيْهِ مهر قيل لَا يَصح وَقيل يَصح وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح
وَفِي الْقنية لَو قَالَ الْمَجْرُوح لم يجرحني فلَان ثمَّ مَاتَ لَيْسَ لوَرَثَة الْمَجْرُوح أَن يدعوا على الْجَارِح بِهَذَا السَّبَب قَالَ برهَان الدّين صَاحب الْمُحِيط وَهَذِه الْمَسْأَلَة على التَّفْصِيل إِن كَانَ الْجرْح مَعْرُوفا عِنْد القَاضِي أَو النَّاس لم يقبل إِقْرَار الْمَرِيض
مَرِيض قَالَ فِي حَال مَرضه لَيْسَ لي فِي الدُّنْيَا شَيْء ثمَّ مَاتَ فلبعض الْوَرَثَة أَن يحلفوا زَوْجَة الْمُتَوفَّى وَابْنَته على أَنَّهُمَا لَا يعلمَانِ شَيْئا من تَرِكَة الْمُتَوفَّى انْتهى
الْفَصْل السَّابِع فِي الْوَدِيعَة
الْوَدِيعَة أَمَانَة تركت للْحِفْظ فَلَا يضمنهَا الْمُودع إِن هَلَكت بِلَا تعد مِنْهُ فيحفظها بِنَفسِهِ وبمن فِي عِيَاله كزوجته ووالده ووالدته وَعَبده وَأمته وأجيره الْخَاص الَّذِي اسْتَأْجرهُ مشاهرة أَو مسانهة وَكسوته وَطَعَامه على الْمُسْتَأْجر وَيجوز للْمُودع أَن يُسَافر بالوديعة قربت الْمسَافَة أَو بَعدت وَإِن كَانَت الْوَدِيعَة مِمَّا لَهُ حمل وَمؤنَة وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى حَتَّى لَو هَلَكت لم تضمن عِنْده
وَفِي الجلالية يجوز لَهُ السّفر وَإِن كَانَ لَهَا حمل وَمؤنَة عِنْده إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن تكون
стр. 58
الْوَدِيعَة طَعَاما كثيرا فَإِنَّهُ يضمن إِذا سَافر بِهِ لجَوَاز أَن تستغرقه الْمُؤْنَة فَيكون فِي معنى الْإِتْلَاف وَقَالا لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِذا كَانَ لَهُ حمل وَمؤنَة غير أَن عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا إِذا بَعدت الْمسَافَة أما إِذا قربت فَلهُ ذَلِك وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ أَن يُسَافر بهَا مُطلقًا وَالْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا بِأَن لَا يَقْصِدهُ أحد غَالِبا وَلَو قَصده يُمكنهُ دَفعه بِنَفسِهِ وبرفقة السّفر وَلم يَنْهَهُ الْمُودع عَن المسافرة بهَا وَأما إِذا لم يكن الطَّرِيق آمنا أَو كَانَ الطَّرِيق آمنا لَكِن نَهَاهُ عَن السّفر بهَا فبالسفر يضمن بِلَا خلاف
وَفِي البزازي وَله أَن يحفظها كَمَا يحفظ مَال نَفسه فِي دَاره وحانوته وَفِي النَّوَازِل قَالَ لَا تضعها فِي حانوتك فوضعها فَضَاعَت إِن كَانَ الْحَانُوت أحرز من الدَّار أَو لم يجد مَكَانا آخر لَا يضمن وَإِلَّا ضمن وَلَو كَانَت مِمَّا يمسك فِي الْبيُوت فَقَالَ لَا تدفعها إِلَى زَوجتك فَدفع لَا يضمن وَقيل لَو نَهَاهُ عَن الدّفع لبَعض عِيَاله فَدفع إِن لم يجد بدا مِنْهُ لَا يضمن وَإِلَّا ضمن
وضع كيس الْوَدِيعَة فِي صندوقه وَله فِيهِ كيس فانشق واختلطا لَا يضمن واشتركا والهلاك والبقاء على قدر ماليهما وَلَو خلطهما أَجْنَبِي أَو بعض من فِي عِيَاله لَا يضمن الْمُودع وَيضمن الخالط صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يضمن أَبوهُ لأَجله
دفن مَال الْوَدِيعَة فِي أَرض إِن علمه بعلامة لَا يضمن وَإِلَّا ضمن وَفِي الْمَفَازَة يضمن بِكُل حَال وَفِي الْكَرم لَو كَانَ حصينا لَهُ بَاب مغلق لَا يضمن وَإِن وَضعه بِلَا دفن فِي مَوضِع لَا يدْخل أحد فِيهِ بِلَا اسْتِئْذَان لَا يضمن
توجه السراق فدفنها فِي الْجَبانَة خوفًا وفر ثمَّ جَاءَ وَلم يجدهَا إِن أمكنه أَن يَجْعَل عَلامَة وَلم يَجْعَل ضمن وَإِلَّا فَإِن جَاءَ على فَور الْإِمْكَان لَا يضمن وَإِلَّا ضمن
جعل دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي الْخُف الْأَيْمن فَضَاعَت يضمن وَإِن كَانَت فِي الْأَيْسَر فَضَاعَت لَا يضمن لِأَنَّهَا إِن كَانَت فِي الْيُمْنَى كَانَت على شرف السُّقُوط عِنْد الرّكُوب وَقيل يضمن فيهمَا
ربط دَرَاهِم الْوَدِيعَة بِطرف الْكمّ أَو الْعِمَامَة وضاعت لَا يضمن وَإِن وَضعهَا فِي دَاخل الْكمّ يتَأَمَّل عِنْد الْفَتْوَى
وَفِي العمادى لَو شدّ دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي منديل ثمَّ وَضعهَا فِي كمه فَسَقَطت لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَكَذَا إِذا جعلهَا فِي جيبه وَحضر فِي مجْلِس الْفسق فسرقت مِنْهُ لَا يضمن وَعَن بعض الْأَئِمَّة لَو وضع دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي كمه وَهَلَكت يضمن وَلَو وَضعهَا فِي كيسه أَو شدها على التكة فَضَاعَت يَنْبَغِي أَن لَا يضمن
الْمُودع إِذا مَاتَ فَقَالَ ورثته قد رد الْوَدِيعَة مورثنا فِي حَيَاته لم يقبل قَوْلهم وَالضَّمان وَاجِب فِي مَال الْمَيِّت لِأَنَّهُ مَاتَ مجهلا فَإِن أَقَامَ الْوَرَثَة الْبَيِّنَة على إِقْرَار الْمَيِّت أَنه قَالَ فِي حَيَاته رددت الْوَدِيعَة تقبل لِأَن الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَاينَة
الدَّابَّة الْوَدِيعَة إِذا أَصَابَهَا شَيْء فَأمر الْمُودع انسانا أَن يعالجها فعطبت من ذَلِك فَصَاحب الدَّابَّة بِالْخِيَارِ يضمن أَيهمَا شَاءَ فَإِن ضمن الْمُسْتَوْدع لم يرجع هُوَ على الَّذِي عالجها لِأَنَّهُ تبين أَنه عالج دَابَّته بأَمْره وَإِن ضمن الَّذِي عالجها هَل يرجع على الْمُسْتَوْدع إِن علم أَنَّهَا دَابَّة الْمُسْتَوْدع مِنْهُ أَو لم يعلم لَكِن لم يعلم أَنَّهَا لغيره يرجع لِأَن الْأَمر قد صَحَّ فِي الْوَجْه الأول فانتقل الْفِعْل إِلَيْهِ وَفِي الْوَجْه الثَّانِي كَذَلِك لِأَن الْيَد دَلِيل الْملك على الْمَنْقُول فصح الْأَمر أَيْضا
стр. 59
القَاضِي إِذا قبض أَمْوَال الْيَتَامَى وَمَات وَلم يبين أَن وَضعهَا فِي بَيته وَلَا يدْرِي لمن المَال ضمن لِأَنَّهُ هُوَ الْمُودع وَقد مَاتَ مجهلا وَإِن دفع إِلَى قوم وَلَا يدْرِي لمن دفع لَهُ لَا يضمن لِأَن الْمُودع غَيره وَهُوَ لم يمت مجهلا
الْمُودع إِذا قَالَ لرب الْوَدِيعَة قد رددت بعض الْوَدِيعَة وَمَات فَالْقَوْل قَول رب الْوَدِيعَة فِيمَا أَخذ مَعَ يَمِينه إِلَى الْوَدِيعَة صَارَت دينا ظَاهرا إِلَّا بِقدر مَا رد إِلَى رب الْوَدِيعَة وَإِن كَانَ الْآخِذ رب الْوَدِيعَة فَيكون القَوْل قَوْله فِي مِقْدَار الْمَأْخُوذ وَلَو أَن قَاضِيا أودع مَالا ليتيم أَو تَاجر فَجحد ذَلِك الْمُودع أَو مَاتَ وتوى ذَلِك المَال لم يكن على القَاضِي فِي ذَلِك شَيْء لِأَن القَاضِي أَمِين فِيمَا صنع والأمين لَا ضَمَان عَلَيْهِ كَذَا فِي الْوَلْوَالجيّ
رجل لَهُ على آخر دين فَأرْسل الدَّائِن إِلَى مدينه رجلا ليقبضه فَقَالَ الْمَدِين دفعت الدّين إِلَى الرَّسُول وَصدقه الرَّسُول وَقَالَ دَفعته إِلَى الدَّائِن وَأنْكرهُ الدَّائِن فَالْقَوْل قَول الرَّسُول مَعَ يَمِينه
دفع إِلَى دلال ثوبا للْبيع فَقَالَ ضَاعَ الثَّوْب مني وَلَا أَدْرِي كَيفَ ضَاعَ لَا يضمن وَلَو قَالَ لَا أَدْرِي فِي أَي حَانُوت وَضعته يضمن انْتهى وَسَيَجِيءُ تَمام مسَائِل هَذَا الْفَصْل فِي فصل أَنْوَاع الضمانات ان شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل الثَّامِن
فِي الْعَارِية
الْعَارِية بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار لِأَن طلبَهَا عَار وعيب وَهِي أَمَانَة كَالْوَدِيعَةِ إِلَّا أَن الْعَارِية امانة فِيهَا تمْلِيك الْمَنْفَعَة وَلِهَذَا تَنْعَقِد بِلَفْظ التَّمْلِيك بِأَن يَقُول ملكت مَنْفَعَة دَاري هَذِه شهرا أَو جعلت لَك سُكْنى دَاري هَذِه شهرا وللمعير أَن يفْسخ العقد فِي كل سَاعَة لكَونهَا عقدا جَائِزا غير لَازم
وَفِي الْبَدَائِع للعارية شَرَائِط مِنْهَا الْقَبْض من الْمُسْتَعِير مِمَّا يُمكن الِانْتِفَاع بِهِ بِدُونِ استهلاكه وَمِنْهَا الْعقل فَلَا تصح الاعارة من الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل وَأما الْبلُوغ فَلَيْسَ بِشَرْط عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى حَتَّى تصح عندنَا إِعَارَة الصَّبِي الْمَأْذُون وَكَذَا الْحُرِّيَّة فَلَيْسَتْ بِشَرْط فيملكها العَبْد الْمَأْذُون لِأَنَّهَا من تَوَابِع التِّجَارَة فَيملك تملك التِّجَارَة وَلَا تضمن بِلَا تعد إِن هَلَكت سَوَاء هَلَكت بِاسْتِعْمَالِهِ أَولا وَبِه قَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن هَلَكت من الِاسْتِعْمَال الْمُعْتَاد لم يضمن وَإِن هَلَكت لَا فِي حَال الِاسْتِعْمَال يضمن
وَفِي الْمُحِيط وَلَو شَرط الضَّمَان فِي الْعَارِية قيل لَا تصح الْعَارِية
وَذكر ابْن رستم فِي نوادره رجل قَالَ لآخر أعرني ثَوْبك فَإِن ضَاعَ فَأَنا ضَامِن لَا يضمن وَالشّرط لَغْو وَكَذَا لَو رهن فَقَالَ الْمُرْتَهن آخذه رهنا على أَنه إِن ضَاعَ ضَاعَ بِغَيْر شَيْء جَازَ الرَّهْن وَالشّرط بَاطِل وَإِن ضَاعَ ضَاعَ بِالْمَالِ وَيجوز للْمُسْتَعِير أَن يعير مَا استعاره عندنَا إِذا كَانَ مِمَّا لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمُسْتَعْمل وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ أَن يعير وَفِي البزازي الْعَارِية لَا تؤاجر وَلَا ترهن وَهل تودع قَالَ مَشَايِخ الْعرَاق نعم لِأَنَّهَا دون الْإِعَارَة وَبِه أَخذ الْفَقِيه وَاخْتَارَهُ الصَّدْر وَقيل لَا لِأَنَّهُ لَو أرسلها على يَد أَجْنَبِي ضمن والوديعة لَا تودع وَلَا تعار وَلَا تؤاجر وَلَا ترهن فَإِن فعل شَيْئا مِنْهَا ضمن وَالْمُسْتَأْجر يعار ويودع ويؤاخر ويرهن وَلَيْسَ للْمُرْتَهن أَن يتَصَرَّف بِشَيْء يبطل الرَّهْن
برهن الْمُسْتَعِير على ردهَا والمعير على هلاكها عِنْده بِالتَّعَدِّي فَبَيِّنَة الْمُعير أولى
стр. 60
اسْتعَار دَابَّة من انسان فأعارها فَنَامَ الْمُسْتَعِير فِي الْمَفَازَة ومقودها فِي يَده فَقطع السَّارِق المقود وَذهب بهَا لَا يضمن وَإِن جلب المقود من يَده وَلم يشْعر بِهِ وَذهب بهَا يضمن قَالَ الصَّدْر هَذَا إِذا نَام مُضْطَجعا وَإِن نَام جَالِسا لَا يضمن فِي الْوَجْهَيْنِ
ربط الْحمار الْمُسْتَعَار إِلَى شَجَرَة فَوَقع الْحَبل فِي عُنُقه وانخنق لَا يضمن لِأَن الرَّبْط مُعْتَاد لَا التَّخْلِيَة بالحبل وَلَو اسْتعَار دَابَّة وسلك بهَا فِي غير طَرِيق الجادة وَهَلَكت يضمن اه كَلَام البزازي وَسَنذكر تَمَامه عقيب الْفَصْل الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنْوَاع الضمانات الْوَاجِبَة وكيفيتها وَفِي تضمين الْأمين
ذكر فِي الصُّغْرَى إِذا أَمر إنْسَانا يَأْخُذ مَال الْغَيْر فَالضَّمَان على الْآخِذ لِأَن الْآمِر لم يَصح أمره وَفِي كل مَوضِع لَا يَصح الْأَمر لَا يجب الضَّمَان على الْآمِر
وَالسُّلْطَان لَو أَمر رجلا بِأخذ مَال الْغَيْر هَل يجب الضَّمَان على الْمَأْمُور ذكر فِي أول دَعْوَى الْوَجِيز رجل ادّعى على رجل أَنه أَمر فلَانا فَأخذ مِنْهُ كَذَا من المَال فَإِن كَانَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الْأَمر سُلْطَانا فالدعوى عَلَيْهِ مسموعة وَإِن كَانَ غير سُلْطَان فَلَا لِأَن أَمر السُّلْطَان إِكْرَاه على مَا يَجِيء فِي فصل الْإِكْرَاه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
رجل أَمر عبد غَيره بالإباق أَو قَالَ لَهُ اقْتُل نَفسك فَفعل تجب قيمَة العَبْد وَلَو قَالَ اتلف مَال مَوْلَاك فأتلف لَا يضمن الْآمِر
من اسْتعْمل عبد الْغَيْر كَانَ بِمَنْزِلَة قَبضه حَتَّى لَو هلك من ذَلِك الْعَمَل يضمن وَكَذَا لَو أودع رجلا عبدا فَبَعثه الْمُودع فِي حَاجته صَار غَاصبا
عبد بَين اثْنَيْنِ استخدمه أَحدهمَا فِي غيبَة صَاحبه فَمَاتَ فِي خدمته لَا يضمن وَفِي الدَّابَّة يضمن وَفِي نَوَادِر هِشَام أَنه يضمن فِي العَبْد أَيْضا
وَذكر فِي بعض أصُول الْفِقْه أَن الترصف فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة لَا يُوجب الضَّمَان كالاستخدام وَإِن كَانَ لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا
إِذا قَالَ لعبد الْغَيْر ارتق الشَّجَرَة وانثر ثَمَرَة المشمش لتأكله أَنْت فَسقط لَا ضَمَان على الْآمِر وَلَو قَالَ لتأكله أَنْت وَأَنا أفتى القَاضِي الامام فَخر الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يَنْبَغِي أَن يضمن قِيمَته كُله لِأَنَّهُ اسْتعْمل كُله فِي منفعَته
غُلَام حمل كوز مَاء لينقل إِلَى بَيت مَوْلَاهُ باذنه فَدفع إِلَيْهِ رجل آخر كوزه ليحمل لَهُ مَاء من الْحَوْض بِغَيْر اذن مَوْلَاهُ فَهَلَك العَبْد فِي الطَّرِيق قَالَ صَاحب الْمُحِيط مرّة يضمن نصف قِيمَته ثمَّ قَالَ فِي الْمرة الآخرى يضمن كل قيمَة العَبْد لِأَن فعله صَار نَاسِخا لفعل الْمولى
غُلَام جَاءَ إِلَى فصاد وَقَالَ افصدني ففصده فصدا مُعْتَادا فَمَاتَ من ذَلِك السَّبَب قَالَ يضمن قيمَة العَبْد عَاقِلَة الفصاد وَكَذَلِكَ الصَّبِي تجب دِيَته على عَاقِلَة الفصاد
رجل كَانَ يكسر حطبا فجَاء غُلَام انسان وَقَالَ أَعْطِنِي الْقدوم حَتَّى أكسر أَنا فَأبى أَن يُعْطِيهِ فألح عَلَيْهِ
стр. 61
فِي ذَلِك وَأخذ مِنْهُ الْقدوم وَكسر بعض الْحَطب ثمَّ قَالَ ائْتِ بآخر حَتَّى أكسره فَأبى فَأتى الْغُلَام بحطب وكسره فَضرب بعض المكسور من الْحَطب على عينه وَذَهَبت عينه لَا يكون على صَاحب الْحَطب شَيْء لِأَنَّهُ لم يَأْمر الْغُلَام بِكَسْر الْحَطب وَلم يَسْتَعْمِلهُ فِي شَيْء وَإِنَّمَا فعله العَبْد بِاخْتِيَار نَفْيه فَلَا يكون الرجل ضَامِنا لشَيْء
وَفِي التَّجْرِيد إِذا استخدم عبد رجل بِغَيْر اذنه أَو دَابَّة سَاقهَا أَو حمل عَلَيْهَا شَيْئا أَو ركبهَا بِغَيْر اذنه فَهُوَ ضَامِن إِن عطبت فِي تِلْكَ الْخدمَة أَو فِي غَيرهَا
وَفِي الذَّخِيرَة ركب دَابَّة غَيره فَتلفت ضمن سَاقهَا أَو لم يسقها فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الْحسن يضمن إِذا سَاقهَا
وَفِي النَّوَازِل غصب عبدا ثمَّ رده وَقد عورت عينه عِنْده يضمن الْأَرْش ثمَّ بَاعه مَوْلَاهُ فانجلى الْبيَاض فِي يَد المُشْتَرِي رَجَعَ الْغَاصِب بِمَا دفع من أرش الْعين على البَائِع
وَفِي فَتَاوَى الفضلى لَو غصب من صبي شَيْئا ثمَّ رده عَلَيْهِ إِن كَانَ الصَّبِي من أهل الْحِفْظ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَلَو غصب من عبد مَحْجُور شَيْئا ثمَّ رده عَلَيْهِ بَرِيء من ضَمَانه
وَفِي فَوَائِد الْفَقِيه أبي جَعْفَر من وضع سكينا فِي يَد صبي فَقتل بهَا نَفسه لَا يضمن وَلَو عثر بهَا حَتَّى مَاتَ يضمن
صبي قَائِم على سطح أَو حَائِط صَاح فِيهِ رجل فَفَزعَ الصَّبِي فَوَقع وَمَات يغرم الصائح دِيَته وَتلك على عَاقِلَته وَكَذَلِكَ لَو كَانَ على الطَّرِيق فمرت بِهِ دَابَّة فصاح فِيهَا رجل فوطئته الدَّابَّة فَمَاتَ يضمن الصائح دِيَته وهى على عَاقِلَته
وَلَو بعث غُلَاما صَغِيرا بِغَيْر اذن أَهله إِلَى حَاجَة فارتقى فَوق بَيت مَعَ الصّبيان فَوَقع وَمَات يضمن
وَفِي النَّوَازِل قَالَ أَبُو بكر رَحمَه الله تَعَالَى لَو رمى صبي سَهْما فَأصَاب امْرَأَة لَا ضَمَان على وَالِده وَإِنَّمَا يجب فِي مَاله وَإِن لم يكن لَهُ مَال فنظرة إِلَى ميسرَة قَالَ وَإِنَّمَا وَجب فِي مَاله لِأَنَّهُ لَا يرى للعجم عَاقِلَة وَهُوَ يَقُول الْعَاقِلَة للْعَرَب لأَنهم يتناصرون
وَفِي الْعُيُون وَلَو أَدخل صَبيا أَو مغمى عَلَيْهِ أَو نَائِما فِي دَاره فَسقط الْبَيْت قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن فِي الصَّبِي والمغمى عَلَيْهِ وَلَا يضمن فِي النَّائِم
سَكرَان ذَاهِب الْعقل وَقع ثَوْبه فِي الطَّرِيق فَأخذ الثَّوْب رجل ليحفظه فَهَلَك فِي يَده لم يضمن وَلَو كَانَ الثَّوْب تَحت رَأسه وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يضمن وَلَو كَانَت الدَّرَاهِم فِي كمه فَرَفعهَا وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يضمن أَيْضا
وَذكر فِي الْعدة لَو أخرج خَاتم رجل من إصبعه وَهُوَ نَائِم ثمَّ أَعَادَهُ فِي أُصْبُعه فِي ذَلِك لنوم برىء وَفِي نوم آخر لَا يبرأ وَإِن اسْتَيْقَظَ ثمَّ نَام فَأَعَادَهُ لَا يبرأ
غصب شَيْئا من الصاحي ثمَّ رده عَلَيْهِ وَهُوَ سَكرَان يبرأ وَهُوَ كالصاحي بِخِلَاف مالو آخذ مِنْهُ وَهُوَ يقظان ثمَّ رده عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فَإِنَّهُ لَا يبرأ
إِذا تعلق بِرَجُل وخاصمه فَسقط من الْمُتَعَلّق بِهِ شَيْء يضمن الْمُتَعَلّق
стр. 62
وَمن هدم بَيت نَفسه فانهدم من ذَلِك منزل جَاره لَا يضمن لِأَنَّهُ غير مُتَعَدٍّ فِيهِ
وَفِي الْعُيُون لَو ضرب رجلا فَسقط الْمَضْرُوب مغشيا عَلَيْهِ وَسقط مِنْهُ شَيْء وتوى قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الضَّارِب المَال الَّذِي مَعَ الْمَضْرُوب لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلك وَكَذَا يضمن ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ لَو تلفت وَيَأْتِي فِي فصل الْغَصْب مَا يُخَالف هَذَا فَلْينْظر ثمَّة
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رجل فر من الظَّالِم فَأَخذه إِنْسَان حَتَّى أدْركهُ الظَّالِم فَأَخذه وخسره أَو طلب ظَالِم رجلا ليقْبض مِنْهُ جباية فدله رجل عَلَيْهِ فَأخذ مِنْهُ مَالا فَفِي قِيَاس قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الْآخِذ لَهُ وَالدَّال عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تسبب لأخذ مَاله وَالْفَتْوَى على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يضمن وَكَذَا لَو تخاصم رجلَانِ فَضرب أَحدهمَا الآخر فَذهب الْمَظْلُوم إِلَى الْوَالِي فخسره لَا يضمن الْمَظْلُوم لِأَنَّهُ طلب الْغَوْث
وَفِي فَوَائِد ظهير الدّين المرغيناني وَلَو قَالَ لغيره اسلك هَذَا الطَّرِيق فَإِنَّهُ آمن فسلكه وَأَخذه اللُّصُوص لَا يضمن وَلَو قَالَ إِن كَانَ مخوفا وَأخذ مَالك فَأَنا ضَامِن وَبَاقِي الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا ضمن وَصَارَ الأَصْل أَن الْمَغْرُور إِنَّمَا يرجع على الْغَار إِذا حصل الْغرُور فِي ضمن عقد الْمُعَارضَة أَو ضمن الْغَار صفة السَّلامَة للمغرور نصا
وَلَو قَالَ الطَّحَّان لصَاحب الْحِنْطَة اجْعَل الْحِنْطَة فِي الدَّلْو فَجَعلهَا فِي الدَّلْو فَذَهَبت من ثقب كَانَ بِهِ إِلَى المَاء والطحان كَانَ عَالما بِهِ يضمن لِأَنَّهُ صَار غارا فِي ضمن العقد بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الأولى لِأَن ثمَّة مَا ضمن السَّلامَة بِحكم العقد وَهَا هُنَا العقد يَقْتَضِي السَّلامَة فَيصير مغرورا فَيضمن
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين سَأَلَ هِشَام مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَن فتح بَاب قفص حَتَّى خرج مِنْهُ الطَّائِر أَو فتح الزق وَالسمن جامد فذاب وَخرج مِنْهُ السّمن قَالَ يضمن وَلَو حل قيد عبد فأبق العَبْد لَا يضمن لِأَن العَبْد لَهُ عَزِيمَة فَإِن كَانَ العَبْد ذَاهِب الْعقل يضمن وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يضمن فِي هَذَا كُله وَلَو شقّ زق دهن سَائل حَتَّى سَالَ يضمن وَكَذَا لَو قطع حَبل الْقنْدِيل يضمن
وَفِي مختلفات الْمَشَايِخ قَالَ أَبُو حنيفَة وابو يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى إِذا فتح بَاب قفص أَو اصطبل حَتَّى طَار الطَّائِر أَو خرج الْحمار أَو حل قيد عبد فهرب فَإِنَّهُ لَا يضمن وقفُوا أَو لم يقفوا وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن وقف سَاعَة ثمَّ ذهب لَا يضمن وَإِن ذهب من سَاعَته يضمن
وَلَو فتح بَاب دَار فَسرق آخر مِنْهَا مَتَاعا لَا يضمن الفاتح سَوَاء سرق عقيب الْفَتْح أَو بعده وَكَذَا إِذا حل رِبَاط دَابَّة فسرقها إِنْسَان أَو فتح بَاب قفص فَأخذ الطَّائِر انسان آخر لَا ضَمَان على الَّذِي حل وَفتح
وَالْمُودع إِذا فتح بَاب القفص أَو حل قيد العَبْد أَو فتح بَاب الاصطبل حَتَّى ذهب يضمن بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ الْتزم الْحِفْظ أَلا ترى أَنه إِذا دلّ الْغَاصِب أَو السَّارِق على الْوَدِيعَة ضمن وَغَيره لَا يضمن وَلَو نفر رجل طير انسان لَا يضمن وَلَو قصد تنفيره يضمن وَلَو دنا مِنْهُ وَقصد تنفيره يضمن وَلَو دنا مِنْهُ وَلم يقْصد تنفيره لَا يضمن
وَفِي فَتَاوَى السَّمرقَنْدِي وَلَو نقب حَائِط انسان بِغَيْر اذنه ثمَّ غَابَ الناقب فَدخل انسان من ذَلِك النقب وسرق شَيْئا لَا ضَمَان على الناقب لِأَنَّهُ متسبب وَالسَّارِق مبَاشر وَكَانَ أَبُو نصر الدبوسي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول يضمن الناقب لَكِن الْفَتْوَى بِعَدَمِ الضَّمَان
إِذا قمط الرجل رجلا وألقاه فِي الْبَحْر وَتَركه حَتَّى مَاتَ فَإِن غرق من سَاعَته يضمن دِيَته وَإِن سبح سَاعَة ثمَّ غرق لم يكن عَلَيْهِ شَيْء
стр. 63
وَفِي شرح الطحاوى وَلَو القى حَيَّة أَو عقربا على قَارِعَة الطَّرِيق فلدغ رجلا فَالضَّمَان على الَّذِي ألْقى إِلَّا إِذا تحول من ذَلِك الْموضع إِلَى مَوضِع آخر فَحِينَئِذٍ ترْتَفع جِنَايَته وَلَو دخل رجل دَار قوم فعقره كلبهم فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لم يُوجد الإغراء والإشلاء مِنْهُم
وَفِي التَّجْنِيس رجل لَهُ كلب عقور كلما مر عَلَيْهِ مار يعضه فعض انسانا هَل يجب عَلَيْهِ الضَّمَان إِن تقدمُوا إِلَى صَاحب الْكَلْب وعرفوه بذلك قبل العض يضمن وَإِن لم يتقدموا إِلَيْهِ قبل العض لَا يضمن بِمَنْزِلَة الْحَائِط المائل قَالَ قَاضِي خَان رَحمَه الله تَعَالَى وَيَنْبَغِي أَن لَا يضمن إِذا لم يكن من صَاحبه أشلاء وَلَو أغرى كَلْبا حَتَّى عقر رجلا لَا ضَمَان على المغرى عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى كَمَا إِذا أرسل طائرا فَأصَاب فِي فوره ذَلِك لَا يضمن بِالْإِجْمَاع
رجل أَخذ هرة وَأَلْقَاهَا إِلَى حمامة انسان أَو دجَاجَة فَأكلت الْهِرَّة الْحَمَامَة قَالَ إِن أَخَذتهَا الْهِرَّة برميه وإلقائه إِلَيْهَا يضمن وَإِن أَخَذتهَا بعد الرَّمْي وَالْإِلْقَاء لَا يضمن قيل لَهُ وَلَو أشلى كَلْبه على انسان وأغراه عَلَيْهِ فعقره ايضمن المشلى قَالَ نعم لِأَنَّهُ بالإغراء لكلبه صَار آلَة لعقره كَأَنَّهُ ضربه بِحَدّ سَيْفه
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ من أرسل بَهِيمَة فاصابت فِي فورها شَيْئا ضمن وَكَذَلِكَ إِذا أرسلها وَلم يكن لَهَا قَائِد وَلَا سائق وَلَا زاجر فاصابت شَيْئا فِي ذَلِك الطَّرِيق فَإِنَّهُ يضمن وَلَو عطفت عَن ذَلِك الطَّرِيق وَكَانَ لَهَا طَرِيق آخر فأصابت شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يضمن وَلَو عطفت وَلم يكن لَهَا طَرِيق غَيره فَذَلِك مَضْمُون على الْمُرْسل
وَفِي الْمُلْتَقط وَلَا يجب الضَّمَان على صَاحب الْمَاشِيَة إِذا أتلفت شَيْئا لَيْلًا أَو نَهَارا إِذا لم يكن لَهَا سائق أَو قَائِد
وَفِي الْعدة وَلَو أوقف الدَّابَّة فِي سوق الدَّوَابّ لَا ضَمَان على صَاحبهَا إِن أتلفت شَيْئا وَإِن أوقفها على بَاب السُّلْطَان يضمن مَا أَصَابَت وَكَذَا لَو أوقفها على بَاب الْمَسْجِد الْأَعْظَم أَو مَسْجِد آخر إِلَّا إِذا جعل الامام للْمُسلمين موضعا يوقفون دوابهم فِيهِ فَلَا يضمن
وَفِي الْعُيُون غنم دخلت بستانا فأفسدته وصاحبها مَعهَا يَسُوقهَا ضمن مَا أفسدته وَإِذا لم يسقها لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَكَذَا الثور وَالْحمار وَمن وجد فِي زرعه أَو كرمه دَابَّة وَقد افسدت الزَّرْع فحبسها فَهَلَكت يضمن وَإِن أخرجهَا الْمُخْتَار أَنه إِن أخرجهَا وساقها فَهَلَكت يضمن وَإِن أخرجهَا وَلم يسقها لَا يضمن وَكَذَا لَو أخرج دَابَّة الْغَيْر من زرع الْغَيْر
وَفِي التَّجْنِيس وَلَو سَاقهَا إِلَى مَكَان يَأْمَن مِنْهَا على زرعه لَا يضمن كَأَنَّهُ أخرجهَا عَن زرعه قَالَ أَبُو نصر وَقَالَ أَكثر مَشَايِخنَا إِنَّه يضمن وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
رجل بعث بقرته إِلَى بقار على يَد رجل فجَاء الرجل إِلَى البقار بهَا وَقَالَ إِن فلَانا بعث بقرته هَذِه اليك فَقَالَ البقار اذْهَبْ هَا إِلَى مَالِكهَا فَإِنِّي لَا أقبلها فَذهب بهَا فَهَلَكت فالبقار ضَامِن لِأَنَّهُ إِذا جَاءَ بهَا إِلَى البقار فقد انْتهى الْأَمر فَيصير البقار أَمينا وَلَيْسَ للْمُودع أَن يودع وَلَو نخس دَابَّة انسان فَأَلْقَت الرَّاكِب فَمَاتَ ان كَانَ باذن الرَّاكِب لَا يضمن الناخس وَإِن كَانَ بِغَيْر اذنه يضمن كَمَال الدِّيَة وَإِن ضربت الناخس فَمَاتَ فدمه هدر وَإِن أَصَابَت رجلا آخر بالذنب أَو بِالرجلِ أَو كَيْفَمَا أَصَابَته إِن نخسها بِإِذن الرَّاكِب فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا وَإِلَّا فَعَلَيهِ
وَفِي خُلَاصَة الْمُفْتِي وَمِمَّا يجرب بِهِ الْفَقِيه إِذا سُئِلَ عَن أَخذ حمَار غَيره بِغَيْر اذنه وَاسْتَعْملهُ ورده إِلَى الْموضع
стр. 64
الَّذِي أَخذ مِنْهُ وَكَانَ مَعَه جحش فَأَكله الذِّئْب هَل يضمن وَإِنَّمَا اسْتعْمل الأتان خَاصَّة جَوَابه إِن لم يتَعَرَّض للجحش بِشَيْء إِلَّا أَنه سَاق الْأُم فانساق الجحش مَعهَا ذَاهِبًا وجائيا لم يضمن وَإِن كَانَ حِين سَاق الأتان سَاق الجحش مَعهَا أَيْضا ضمن
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لَو وضع ثوبا فِي دَار رجل فَرَمَاهُ صَاحب الدَّار فأفسده ضمن وَلَو أَدخل دَابَّته فِي دَار غَيره فأخرجها صَاحب الدَّار إِن تلفت لَا يضمن لِأَن الدَّابَّة فِي الدَّار تضرها فَلهُ أَن يدْفع الضَّرَر بِالْإِخْرَاجِ وَأما الثَّوْب فِي الدَّار فَلَا يَضرهَا فَكَانَ إِخْرَاجه إتلافا وَلَو وجد دَابَّة فِي مربط فأخرجها فَهَلَكت يضمن وَفِي الْجَامِع الصَّغِير غصب مربطا وَشد فِيهِ دَابَّته فأخرجها مَالك المربط وَهَلَكت صَار ضَامِنا
وَفِي فَوَائِد ابي الْحسن الرستغني غصب عجلا فاستهلكه ويبس لبن أمه يضمن الْغَاصِب قيمَة الْعجل ونقصان الْأُم وَإِن لم يفعل الْغَاصِب فِي الْأُم فعلا لمَكَان التَّسَبُّب
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين وَلَو أرسل دَابَّته فِي مرتع مُبَاح فجَاء آخر فَأرْسل إِلَيْهِ دَابَّته فعضت الثَّانِيَة الأولى إِن عضتها على الْفَوْر ضمن وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ ذَلِك فِي مربط لأَحَدهمَا لَا ضَمَان على صَاحب المربط
وَذكر فِي الْعُيُون قَالَ ابو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا اسْتهْلك رجل حمَار غَيره أَو بغله بِقطع يَده أَو بذَبْحه إِن شَاءَ صَاحبه ضمنه وَسلمهُ إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ حَبسه وَلَا يضمن شَيْئا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَلَو ضرب رجل الدَّابَّة حَتَّى صَارَت عرجاء فَهُوَ كالقطع وَمن ذبح شَاة غَيره فمالكها بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه قيمتهَا وَسلمهَا إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ أَخذهَا وَضَمنَهُ النُّقْصَان وَكَذَا الْجَزُور وَكَذَا إِذا قطع يَدهَا
وَفِي الْهِدَايَة وَلَو كَانَت الدَّابَّة غير مأكولة اللَّحْم فَقطع الْغَاصِب طرفها فللمالك أَن يضمنهُ جَمِيع قيمتهَا لوُجُود الِاسْتِهْلَاك من كل وَجه بِخِلَاف قطع طرف العَبْد الْمَمْلُوك حَيْثُ يَأْخُذهُ مَعَ أرش الْمَقْطُوع لِأَن الْآدَمِيّ يبقي مُنْتَفعا بعد قطع الطّرف وَلَو ذبح حمَار غَيره فَلَيْسَ لَهُ أَن يضمنهُ النُّقْصَان وَلكنه يضمنهُ جَمِيع الْقيمَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وعَلى قَول مُحَمَّد ﵀ لَهُ أَن يمسِكهُ وَيضمن النُّقْصَان وَإِن شَاءَ ضمنه كل الْقيمَة وَلَا يمسك الْمَذْبُوح
ذبح شَاة انسان بِحَيْثُ لَا يرجي حَيَاتهَا لَا يضمن اسْتِحْسَانًا الْأَجْنَبِيّ والراعي فِي ذَلِك سَوَاء وَفِي الْفرس والبغل يُفْتى بِالضَّمَانِ فِي الْأَجْنَبِيّ والراعي والبقار لَو ذبح الْبَقَرَة أَو الْحمار وَكَانَ لَا يُرْجَى حياتهما لَا يضمن وَإِذا ذبح شَاة لَا يُرْجَى حَيَاتهَا يضمن قيمتهَا يَوْم الذّبْح
رجل مر بِشَاة الْغَيْر وَقد أشرفت على الْهَلَاك فذبحها يكون ضَامِنا وَذكر فِي النَّوَازِل أَنه لَا يضمن اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مَأْذُون فِيهِ دلَالَة
وَفِي الْمُحِيط وَلَو ذبح شَاة وعلقها لأجل السلخ فسلخها انسان ضمن لِأَن النَّاس يتفاوتون فِي السلخ دون الذّبْح وَلَو ألْقى قشور الرُّمَّان أَو الْبِطِّيخ على قَارِعَة الطَّرِيق فزلقت بهَا دَابَّة انسان فَتلفت يضمن لِأَنَّهُ غير مَأْذُون فِي هَذَا الْفِعْل وَمن فعل فعلا هُوَ غير مَأْذُون فِيهِ فَمَا تولد مِنْهُ يكون مَضْمُونا عَلَيْهِ
مر رجل فِي طَرِيق الْمُسلمين فَتعلق ثَوْبه بقفل حَانُوت رجل فتخرق قَالَ ابو الْقَاسِم الصفار رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ القفل فِي ملكه لَا يضمن وَإِن كَانَ فِي غير ملكه يضمن
стр. 65
وَهَاهُنَا زِيَادَة لَا بُد مِنْهَا وَهِي أَنه إِذا تعلق ثَوْبه بذلك فجر ثَوْبه فتخرق بجره لَا يضمن صَاحب القفل لِأَنَّهُ إِذا جر الثَّوْب فَهُوَ الَّذِي خرقه
رجل جلس على ثوب انسان وَهُوَ لَا يعلم حَتَّى قَامَ صَاحبه فانشق ثَوْبه من جُلُوسه ضمن النُّقْصَان
وَلَو عض رجل يَد آخر فَأخْرج يَده من فَم العاض فَكسر اسنان العاض وَسقط من لحم يَد المعضوض شَيْء وجرح يَده لَا يجب مُوجب السن لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي نزع الْيَد وَيجب على العاض أرش الْيَد لِأَنَّهُ جَان
وَفِي فَوَائِد صدر الاسلام طَاهِر بن مَحْمُود رَحمَه الله تَعَالَى الحائك إِذا عمل لانسان ثوبا فَأَرَادَ مَالِكه أَخذه مِنْهُ فأبي الحائك أَن يَدْفَعهُ حَتَّى يَأْخُذ الْأُجْرَة فَمد صَاحب الثَّوْب الثَّوْب فتخرق من مد صَاحبه لَا يضمن الحائك شَيْئا وَإِن تخرق من مدهما ضمن الحائك نصف قيمَة النُّقْصَان وَلَو أَخذ يَد رجل فَمد ذَلِك الرجل يَده فشلت إِن أَخذ يَده لأجل التَّحِيَّة لَا يجب الضَّمَان وَإِن أَخذهَا لأجل العض تجب دِيَة الْيَد على الْآخِذ لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي مد يَده
رجل تشبث بِثَوْب آخر فَجَذَبَهُ المتشبث من يَد صَاحبه حَتَّى تخرق يضمن جَمِيع الْقيمَة فَإِن جذبه صَاحبه من يَد المتشبث ضمن المتشبث نصف الْقيمَة
وَفِي الْمَبْسُوط غصب ثوب إِنْسَان ولبسه ثمَّ جَاءَ صَاحب الثَّوْب فَمد ثَوْبه وَالْغَاصِب لَا يعلم أَنه صَاحب الثَّوْب فتخرق الثَّوْب لَا ضَمَان على الْغَاصِب لِأَنَّهُ تخرق من مده وَلَو قَالَ صَاحب الثَّوْب رد عَليّ ثوبي فَمَنعه فَمد مدا لَا يمد مثله من شدته فتخرق الثَّوْب لَا ضَمَان على الْغَاصِب أَيْضا وَلَو مده كَمَا يمد النَّاس عَادَة فتخرق مِنْهُ ضمن الْغَاصِب نصف الْقيمَة لِأَنَّهُ من جنايتهما لِأَن إِمْسَاكه وَمنعه ثوب غَيره جِنَايَة
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى سُئِلَ عَمَّن أوقد نَارا فِي ملك غَيره فتعدت إِلَى كدس حِنْطَة أَو شَيْء آخر من الْأَمْوَال فَأَحْرَقتهُ هَل يضمن قَالَ لَا وَلَو أحرقت شَيْئا فِي الْمَكَان الَّذِي أوقد فِيهِ ضمن قلت وَفرق أَصْحَابنَا رَحِمهم الله تَعَالَى بَين المَاء وَالنَّار قَالُوا لَو أوقد النَّار فِي أَرض نَفسه فتعدت إِلَى أَرض غَيره فأحرقت شَيْئا لَا يضمن وَلَو سَالَ المَاء إِلَى أَرض نَفسه فَسَالَ إِلَى أَرض غَيره وأتلف شَيْئا ضمن لِأَن من طبع النَّار الخمود والتعدي إِنَّمَا يكون بِفعل الرّيح وَنَحْوه فَلم يضف إِلَى فعل الموقد فَلم يضمن وَمن طبع المَاء السيلان فالائتلاف يُضَاف إِلَى فعله
وَسُئِلَ صَاحب الْمُحِيط عَن مزارع أوقد نَارا فِي الأَرْض المملكة فِي يَوْم ريح فَاحْتَرَقَ الْحَشِيش وسرت النَّار إِلَى الأكداس فاحترقت هَل يضمن الموقد أجَاب رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَت الرّيح وَقت الإيقاد ريحًا يذهب مثلهَا بِمثل تِلْكَ النَّار إِلَى تِلْكَ الأكداس يضمن وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين رجل أوقد فِي تنوره نَارا وَألقى فِيهِ من الْحَطب مَالا يحْتَملهُ التَّنور فَاحْتَرَقَ بَيته وتعدت إِلَى دَار جَاره فأحرقتها يضمن صَاحب التَّنور وَلَو مر بِنَار فِي ملكه أَو فِي ملك غَيره فَوَقَعت شرارة مِنْهَا على ثوب انسان فَاحْتَرَقَ قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل رَحمَه الله تَعَالَى يضمن وَهَكَذَا ذكر فِي النَّوَادِر عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن من مر بالنَّار فِي مَوضِع لَهُ حق الْمُرُور فِيهِ فَوَقَعت مِنْهُ شرارة فِي ملك انسان
стр. 66
أَو ألقتها الرّيح لَا يضمن فَإِن لم يكن لَهُ حق الْمُرُور فِي ذَلِك الْموضع فَالْجَوَاب على التَّفْصِيل إِن وَقعت مِنْهُ شرارة يضمن وَإِن هَب بِهِ الرّيح لَا يضمن وَهَذَا أظهر وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
حداد ضرب حَدِيدَة على حَدِيدَة أُخْرَى محماة فطارت شرارة من ضربه فَوَقَعت على ثوب انسان فَاحْتَرَقَ ثَوْبه ضمن الْحداد وَذكر الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا جلس الْحداد فِي دكانه وَاتخذ فِي حانوته كورا يعْمل بِهِ والحانوت إِلَى جَانب طَرِيق الْعَامَّة فَأخْرج حَدِيدَة من كوره وضربها بِمِطْرَقَةٍ فتطاير شِرَارهَا فقتلت رجلا أَو فقأت عين انسان أَو أحرقت شَيْئا أَو قتلت دَابَّة كَانَ ضَمَان مَا تلف بذلك من المَال على الْحداد ودية الْقَتْل وَالْعين تكون على عَاقِلَته وَلَو لم يدق الْحداد وَلَكِن احتملت الرّيح بعض النَّار من كوره أَو الْحَدِيد المحماة فأخرجتها إِلَى طَرِيق الْعَامَّة فقتلت انسانا أَو أحرقت ثوب انسان أَو قتلت دَابَّة كَانَ هدرا
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو رش المَاء فِي الطَّرِيق فَسَقَطت بِهِ دَابَّة أَو انسان ذكر فِي الْكتاب أَنه يضمن مُطلقًا قلت وَهَذَا الْجَواب فِي الدَّابَّة يجْرِي على إِطْلَاقه أما فِي الْآدَمِيّ فَإِنَّهُ إِذا رش كل الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يجد طَرِيقا يمر فِيهِ فَإِنَّهُ يضمن الراش وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ مَا ذكره أَبُو الْحسن الرستغنى فِي فَوَائده أَنه لَو لم يَتَعَدَّ فِي الرش ورش كَمَا يرش النَّاس عَادَة لدفع الْغُبَار لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِجِنَايَة وَإِن تعدى بالرش ضمن
وَفِي الْمُحِيط من حفر بِئْرا وسد رَأسهَا فَفتح آخر رَأسهَا فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ الأول كبسها بِالتُّرَابِ أَو الطين بِمَا يكبس بِهِ مثله من أَجزَاء الأَرْض ثمَّ حفرهَا الثَّانِي فَالضَّمَان على الثَّانِي وَإِن كَانَ الأول كبسها بِمَا لَا يكبس بِهِ الْبِئْر عَادَة كالدقيق وَالْحِنْطَة وَنَحْوهمَا فَالضَّمَان على الأول
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين من حفر بِئْرا فَغطّى رَأسهَا فَرفع آخر الغطاء فَتلف بهَا شَيْء ضمن الأول وَمن حفر فِي أَرض غَيره بِئْرا ضمن النُّقْصَان وَقَالَ بعض الْعلمَاء يُؤمر بالكبس وَلَا يضمن النُّقْصَان وَلَو هدم جِدَار غَيره لَا يجْبر على بنائِهِ وَالْمَالِك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه قيمَة الْحَائِط وَالنَّقْص للضامن وَإِن شَاءَ أَخذ النَّقْص وَقِيمَة النُّقْصَان
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان من حفر بِئْرا فِي فنَاء مَسْجِد أَو هدم حَائِط الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يُؤمر بالتسوية وَلَا يقْضى بِالنُّقْصَانِ وَكَذَا من حفر بِئْرا فِي فنَاء قوم يُؤمر بالتسوية
الْغَاصِب إِذا حفر بِئْرا فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة ورضى بِهِ الْمَالِك فَأَرَادَ الْغَاصِب طمها لَيْسَ لَهُ ذَلِك عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك سَوَاء ينْتَفع بهَا أَو لم ينْتَفع
وَفِي بعض الْفَتَاوَى رجل نزح مَاء بِئْر انسان حَتَّى صَارَت يابسة لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن صَاحب الْبِئْر غير مَالك للْمَاء وَلَو صب مَاء انسان من الْجب يُقَال لَهُ املأه لِأَنَّهُ ملكه وَالْمَاء من ذَوَات الْأَمْثَال
وَفِي فتاوي ظهير الدّين قطع أَشجَار كرم انسان يضمن الْقيمَة لِأَنَّهُ أتلف غير المثلى وَطَرِيق معرفَة ذَلِك أَن يقوم الْكَرم مَعَ الْأَشْجَار النابتة وَيقوم مَقْطُوع الْأَشْجَار ففضل مَا بَينهمَا قيمَة الْأَشْجَار وَبعد ذَلِك صَاحب الْكَرم بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ دفع الْأَشْجَار المقطوعة إِلَى الْقَاطِع وَضَمنَهُ تِلْكَ الْقيمَة وَإِن شَاءَ أمسك الْأَشْجَار وَدفع من تِلْكَ الْقيمَة قيمَة الْأَشْجَار المقطوعة وَيضمنهُ الْبَاقِي
стр. 67
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى مَسْأَلَة قطع الْأَشْجَار هَكَذَا ثمَّ قَالَ وَإِن كَانَت قيمَة الْأَشْجَار مَقْطُوعَة وَغير مَقْطُوعَة سَوَاء فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان رجل أتلف على رجل أحد مصراعي بَاب أَو أحد زَوجي خف أَو مكعب كَانَ للْمَالِك أَن يسلم إِلَيْهِ المصراع الآخر أَو الزَّوْج الآخر وَيضمنهُ قيمتهمَا
وَفِي الايضاح الْمَغْصُوب إِذا كَانَ قَائِما فِي يَد الْغَاصِب فالمغصوب مِنْهُ يَأْخُذهُ مثلِيا كَانَ الْمَغْصُوب أَو غير مثلى فِي الْوُجُوه كلهَا إِلَّا إِذا كَانَت قِيمَته فِي بَلْدَة الْخُصُومَة أقل من قِيمَته فِي بَلْدَة الْغَصْب فَحِينَئِذٍ يثبت للْمَغْصُوب مِنْهُ خيارات ثَلَاثَة إِن شَاءَ انْتظر وَإِن شَاءَ رَضِي بِهِ وَإِن شَاءَ أَخذ قيمَة الْمَغْصُوب فِي بلد الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة وَفِي المثلى الْجَواب على التَّفْصِيل إِن تَسَاوَت الْقيمَة فِي البلدتين يُطَالِبهُ برد الْمثل وَإِن كَانَت الْقيمَة فِي بَلْدَة الْخُصُومَة أَكثر فللمالك خيارات ثَلَاثَة رضى بِالْمثلِ وَإِن شَاءَ طَالبه بِقِيمَتِه فِي بَلْدَة الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة وَإِن شَاءَ انْتظر وَإِن كَانَ قِيمَته فِي بَلْدَة الْغَصْب أقل فالغاصب بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعطَاهُ الْمثل وَإِن شَاءَ أعطَاهُ الْقيمَة فِي بَلْدَة الْغَصْب أَو فِي مَكَان الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة إِلَّا إِذا رَضِي الْمَالِك بِالتَّأْخِيرِ فَيكون لَهُ ذَلِك فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يذكر فِي دَعْوَى غصب الْمكيل وَالْمَوْزُون سوى الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير مَكَان الْغَصْب حَتَّى يعلم أَنه هَل لَهُ ولَايَة الْمُطَالبَة أَولا وَهَكَذَا ذكر فِي الذَّخِيرَة
لَو ادّعى أَنه غصب مِنْهُ كَذَا قفيز حِنْطَة وَبَين الشَّرَائِط لَا بُد وَأَن يذكر مَكَان الْغَصْب وَذكر فِي عُمْدَة الْمُفْتِينَ إِذا ادّعى الْوَدِيعَة لَا بُد من ذكر مَوضِع الْإِيدَاع أَنه فِي أَي مصر سَوَاء كَانَ لَهُ حمل وَمؤنَة أَو لم يكن وَذكر فِي مَوضِع آخر أَنه إِذا لم يكن لَهُ حمل وَمؤنَة لَا يشْتَرط بَيَان مَوضِع الْغَصْب وَذكر فِي الْعدة من غصب مَنْقُولًا فَعَلَيهِ مثله وَإِن كَانَ مثلِيا وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم فَعَلَيهِ قِيمَته يَوْم الْغَصْب
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين غصب شَاة فَسَمنت فِي يَده ثمَّ ذَبحهَا ضمن قيمتهَا يَوْم الْغَصْب لَا يَوْم الذّبْح
غَاصِب الْغَاصِب إِذا رد على الْغَاصِب الأول يبرأ عَن الضَّمَان وَلَو هلك الْمَغْصُوب فِي يَد غَاصِب الْغَاصِب فَأدى الْقيمَة إِلَى الْغَاصِب الأول يبرأ أَيْضا حَتَّى لَا يكون للْمَالِك بعده أَن يضمن الثَّانِي لقِيَام الْقيمَة مقَام الْعين وَهَذَا إِذا كَانَ قبض الأول مَعْرُوفا بِقَضَاء القَاضِي أَو بِغَيْر قَضَائِهِ وَإِنَّمَا يصير مَعْرُوفا بِإِقَامَة الْبَيِّنَة أَو بِتَصْدِيق الْمَالِك فَأَما إِذا أقرّ الْغَاصِب بذلك فَإِنَّهُ لَا يصدق فِي حق الْمَالِك وَيصدق فِي حق نَفسه وَالْمَالِك بِالْخِيَارِ فِي تضمين أَيهمَا شَاءَ
وَذكر رشيد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي فَتَاوِيهِ لَو بَاعَ غَاصِب الْغَاصِب وَأخذ الثّمن لَا يكون للْغَاصِب الأول أَن يَأْخُذ الثّمن مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالك وَلَيْسَ بنائب عَنهُ وَلَا يكون لَهُ إجَازَة البيع وللمغصوب مِنْهُ الْخِيَار فِي تضمين الْغَاصِب أَو غَاصِب الْغَاصِب
رجل غصب عبدا فغصبه مِنْهُ آخر فَمَاتَ عِنْده فالمولى بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الأول وَيتبع الأول الآخر وَإِن شَاءَ أَبْرَأ الأول وَاتبع الثَّانِي بِالْقيمَةِ وَلَا شَيْء لَهُ على الأول
وَفِي النَّوَازِل رجل هشم إبريق فضَّة لإِنْسَان ثمَّ جَاءَ آخر وهشمه هشما زَاد فِي نقصانه بَرِيء الأول من الضَّمَان وَضمن الثَّانِي مثله
стр. 68
وَفِي الْمُحِيط الْمَالِك إِذا أجر الْمَغْصُوب من الْغَاصِب يبرأ من الضَّمَان بِنَفس العقد كَمَا لَو بَاعه مِنْهُ وَلَو أَعَارَهُ مِنْهُ لَا يبرأ حَتَّى لَو هلك قبل الِاسْتِعْمَال يكون مَضْمُونا على الْغَاصِب
إِذا قَالَ الْمَالِك للْغَاصِب أودعتك الْمَغْصُوب ثمَّ هلك فِي يَده يضمنهُ لِأَنَّهُ لم يُوجد الْإِبْرَاء عَن الضَّمَان نصا وَالْأَمر بِالْحِفْظِ وَعقد الْوَدِيعَة لَا ينافيان ضَمَان الْغَصْب كَمَا إِذا خَالف الْمُودع يضمن وَإِن كَانَ العقد قَائِما وتوكيل الْمَالِك الْغَاصِب بِبيع الْمَغْصُوب لَا يُبرئهُ من ضَمَانه وَإِن بَاعه مالم يُسلمهُ وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ الْمَالِك الْمَغْصُوب لَا يخرج عَن ضَمَان الْغَاصِب مالم يُسلمهُ إِلَى المُشْتَرِي
وَفِي التَّجْنِيس إِذا وضع الْمَغْصُوب بَين يَدي الْمَالِك يبرأ وَإِن لم يُوجد مِنْهُ حَقِيقَة الْقَبْض وَكَذَا الْمُودع بِخِلَاف مَا إِذا اسْتهْلك الْمَغْصُوب أَو الْوَدِيعَة ثمَّ جَاءَ بِالْقيمَةِ ووضعها بَين يَدي الْمَالِك فَإِنَّهُ لَا يبرأ مَا لم يُوجد حَقِيقَة الْقَبْض
وَفِي النَّوَازِل جَارِيَة جَاءَت إِلَى نخاس بِغَيْر اذن مَوْلَاهَا طالبة للْبيع ثمَّ ذهبت وَلَا يدْرِي أَيْن ذهبت وَقَالَ النخاس رَددتهَا عَلَيْك فَالْقَوْل قَوْله وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْجَارِيَة هِيَ الَّتِي أَتَت إِلَيْهِ فَكَانَت أَمَانَة عِنْده وَتَفْسِير ذَلِك أَن النخاس لم يَأْخُذ الْجَارِيَة حَتَّى يصير غَاصبا وَمعنى الرَّد أَن يأمرها بالذهاب إِلَى الْمنزل
نوع فِي ضَمَان أحد الشَّرِيكَيْنِ بِسَبَب الْعين الْمُشْتَركَة ذكر القَاضِي ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي فَتَاوَاهُ وَلَو اسْتعْمل عبدا مُشْتَركا بَينه وَبَين غَيره بِغَيْر اذن شَرِيكه يصير غَاصبا نصِيبه
وَفِي أَجنَاس الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى فِي اسْتِعْمَال العَبْد الْمُشْتَرك بِغَيْر اذن شَرِيكه رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة هِشَام عَن مُحَمَّد يصير غَاصبا وَفِي رِوَايَة ابْن رستم عَنهُ لَا يصير غَاصبا وَفِي الدَّابَّة الْمُشْتَركَة يصير غَاصبا على الرِّوَايَتَيْنِ
وَفِي الْعِمَادِيّ قَالَ سُئِلَ جدي رَحمَه الله تَعَالَى عَن الْمَوَاشِي الْمُشْتَركَة بَين اثْنَيْنِ وَغَابَ أحد الشَّرِيكَيْنِ فَدفع الشَّرِيك الْحَاضِر نصِيبه وَنصِيب الآخر إِلَى الرَّاعِي فَهَلَكت هَل يضمن نصيب صَاحبه أجَاب بِأَنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ مُودع يُمكنهُ أَن يحفظها بيد أجيره فَلَا يصير مودعا غَيره
رجلَانِ بَينهمَا دَار غَابَ أَحدهمَا فللحاضر أَن يسكن الدَّار كلهَا وَكَذَا الْخَادِم بِخِلَاف الدَّابَّة
وَفِي الذَّخِيرَة بَيت أَو حَانُوت بَين شَرِيكَيْنِ سكنه أَحدهمَا لَا تجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَإِن كَانَ معدا للِاسْتِغْلَال لِأَنَّهُ سكن بِتَأْوِيل الْملك
وَفِي الْقنية رجل لَهُ سفينة فاشترك مَعَ أَرْبَعَة على أَن يعملوا فِي سفينته وآلاتها وَالْخمس لصَاحب السَّفِينَة وَالْبَاقِي بَينهم بِالسَّوِيَّةِ فَهِيَ فَاسِدَة وَالْحَاصِل لصَاحب السَّفِينَة وَعَلِيهِ أجر مثلهم لَهُم
وَعَن عين الْأَئِمَّة الْكَرَابِيسِي رجل أقْرض لصَاحبه مائَة دِرْهَم وَدفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ أخرج مائَة أُخْرَى وخلط الْمِائَتَيْنِ وَقَالَ للمستقرض خذهما واتجر بهما على الشّركَة فَهَذَا مختل لِأَنَّهُمَا لم يبينا الرِّبْح فَلَيْسَ بشركة
وَفِي أَجنَاس الناطفي وَالرَّوْضَة قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كَانَ دود القز من وَاحِد وورق التوت مِنْهُ أَيْضا وَالْعَمَل من آخر على أَن القز بَينهمَا نِصْفَيْنِ أَو اقل أَو أَكثر لم يجز وَكَذَا لَو كَانَ الْعَمَل مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يجوز أَن لَو كَانَ الْبيض مِنْهُمَا وَالْعَمَل عَلَيْهِمَا وَإِن لم يعْمل صَاحب الأوراق لَا يضرّهُ
стр. 69
زرع أَرضًا مُشْتَركَة بَينه وَبَين غَيره هَل للشَّرِيك أَن يُطَالِبهُ بِالربعِ أَو بِالثُّلثِ بِحِصَّة نَفسه من الأَرْض كَمَا هُوَ عرف ذَلِك الْموضع أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يملك ذَلِك وَلَكِن يغرمه نُقْصَان نصِيبه من الأَرْض إِن دخل فِيهَا النُّقْصَان
الْمكيل أَو الْمَوْزُون إِذا كَانَ بَين حَاضر وغائب أَو بَين صبي وَبَالغ فَأخذ الْحَاضِر أَو الْبَالِغ نصِيبه فَإِنَّمَا تنفذ قسمته من غير خصم إِذا سلم نصيب الْغَائِب وَالصَّبِيّ حَتَّى لَو هلك مَا بَقِي قبل أَن يصل إِلَى الْغَائِب أَو إِلَى الصَّبِي كَانَ الْهَلَاك عَلَيْهِمَا
ضَمَان الْمَأْمُور والدلال وَمَا يتَّصل بذلك رجل دفع إِلَى آخر غُلَاما مُقَيّدا بالسلسلة وَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلَى بَيْتك مَعَ هَذِه السلسلة فهذب بِهِ بِدُونِ السلسلة فأبق العَبْد لَا يضمن لِأَنَّهُ أمره بشيئين وَقد أَتَى بِأَحَدِهِمَا وَلَو بعث انسانا إِلَى مَاشِيَة غَيره فَأخذ الْمَبْعُوث دَابَّة الْبَاعِث وركبها فَهَلَكت إِن كَانَ بَين الْآمِر والمبعوث انبساط فِي مثل ذَلِك فَلَا ضَمَان وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِن
رجل أعْطى رجلا قوسا فمده فانكسر إِن أمره بِالْمدِّ لَا يضمن لِأَنَّهُ فعله بأَمْره وَإِن لم يَأْمُرهُ بذلك ضمن لِأَنَّهُ فعله بِغَيْر أمره
وَفِي واقعات الناطفي رجل قَالَ لآخر بِعْت مِنْك دمي بفلس أَو بِأَلف فَقبله الآخر وَقَتله فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْقصاص وَلَو قَالَ اقتلني فَقتله لَا قصاص عَلَيْهِ وَتجب الدِّيَة فِي مَاله لِأَنَّهُ إِطْلَاق فَأفَاد شُبْهَة
وروى عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ
وَقَالَ ركن الاسلام أَبُو الْفضل الْكرْمَانِي رَحمَه الله تَعَالَى لَا تجب الدِّيَة فِي اصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى بِخِلَاف مَا لَو قَالَ اقْطَعْ يَدي أَو رجْلي أَو اقْتُل عَبدِي فَفعل لَا شَيْء عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع لِأَن الْأَطْرَاف لَا يسْلك بهَا مَسْلَك الْأَمْوَال فصح الْأَمر
قَالَ الْعِمَادِيّ وَقد وَقعت ببخارى وَاقعَة وَهِي رجل قَالَ لآخر إرم السهْم الي حَتَّى آخذه فَرمى إِلَيْهِ بأَمْره فَأصَاب عينه فَذَهَبت قَالَ الامام فَخر الدّين قاضيخان رَحمَه الله تَعَالَى لَا يضمن وَهَكَذَا أفتى بعض الْمَشَايِخ وقاسوا ذَلِك على مَسْأَلَة الْقطع بِأَن قَالَ اقْطَعْ يَدي أَو رجْلي وَقد مرت
وَفِي التَّجْرِيد رجل دفع إِلَى دلال ثوبا ليَبِيعهُ فَدفعهُ الدَّلال إِلَى رجل على سوم الشِّرَاء بِإِذن الدَّافِع ثمَّ نَسيَه لَا يضمن لِأَنَّهُ إِذا أذن صَاحب الثَّوْب بِالدفع للسوم لم يكن الدّفع تَعَديا
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيّ رجل دفع ثوبا إِلَى دلال ليَبِيعهُ فعرضه الدَّلال على صَاحب دكان وَتَركه عِنْده فهرب صَاحب الدّكان وَذهب بِهِ لَا ضَمَان على الدَّلال وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن هَذَا أَمر لَا بُد مِنْهُ فِي البيع
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان الدَّلال إِذا دفع الثَّوْب إِلَى من استلمه لينْظر فِيهِ ثمَّ يَشْتَرِيهِ فَأَخذه الرجل وَذهب وَلم يظفر بِهِ الدَّلال قَالُوا لَا يضمن الدَّلال لِأَنَّهُ مَأْذُون فِي هَذَا الدّفع ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدِي أَنه إِنَّمَا لم يضمن إِذا دفع الثَّوْب إِلَيْهِ وَلم يُفَارِقهُ أما إِذا فَارقه ضمن كَمَا لَو أودعهُ الدَّلال عِنْد صَاحب الدّكان فهرب بالمتاع يضمن الدَّلال وَلَيْسَ للْمُودع أَن يودع
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا دفع الْمَبِيع إِلَى رجل ليعرضه على من أحب فهرب ذَلِك
стр. 70
الرجل بِالْمَبِيعِ أَو هلك فِي يَده أجَاب نجم الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يضمن الْوَكِيل وَالصَّحِيح أَنه يضمن وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ إِن كَانَ الَّذِي دفع إِلَيْهِ ثِقَة أَمينا لَا يضمن
الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا قَالَ بِعته من رجل لَا أعرفهُ وسلمته وَلم أقدر عَلَيْهِ أفتى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يضمن الْوَكِيل
قَالَ وَمَسْأَلَة القمقمة بِخِلَاف هَذَا الْجَواب وَهِي إِذا دفع قمقمة إِلَى آخر وَقَالَ لَهُ ادفعها إِلَى من يصلحها وَلَا يعلم إِلَى من دفع إِلَيْهِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ كَمَا لَو وضع الْوَدِيعَة فِي دَاره ونسيها وَقد هَلَكت لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَفِي الْعدة رجل غَابَ وَأمره تِلْمِيذه أَن يَبِيع السّلْعَة وَيسلم ثمنهَا إِلَى فلَان فَبَاعَ التلميذ السّلْعَة وَأمْسك الثّمن حَتَّى هلك لَا يضمن لِأَن الْوَكِيل لَا يلْزمه إتْمَام مَا تبرع بِهِ
نوع فِي بَيَان مَا يصدق فِيهِ الْمُودع وَمَا لَا يصدق إِذا ادّعى الْمُودع أَنه دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي للضَّرُورَة كوقوع الْحَرِيق وَنَحْوه لَا يصدق الا بِبَيِّنَة عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَذكر فِي الْعدة إِن علم أَنه وَقع الْحَرِيق فِي بَيته قبل وَإِلَّا فَلَا
وَذكر القَاضِي ابو الْيُسْر رَحمَه الله تَعَالَى إِذا قَالَ الْمُودع أودعتها عِنْد أَجْنَبِي ثمَّ ردهَا عَليّ فَهَلَكت عِنْدِي وَالْمُودع يكذبهُ فِي ذَلِك فَالْقَوْل قَول الْمُودع وَيضمن الْمُودع لِأَنَّهُ أقرّ بِوُجُوب الضَّمَان عَلَيْهِ ثمَّ ادّعى الْإِبْرَاء فَلَا يصدق الا بِبَيِّنَة يقيمها على مَا ادّعى وَحِينَئِذٍ لَا يضمن لِأَنَّهُ اثْبتْ بِالْبَيِّنَةِ ارْتِفَاع سَبَب وجوب الضَّمَان وَكَذَلِكَ لَو قَالَ بعثتها اليك على يَد أَجْنَبِي وَالْمُودع يُنكر ذَلِك فَالْقَوْل قَول الْمُودع وَكَذَلِكَ إِذا دَفعهَا إِلَى رَسُول الْمُودع فَأنْكر الْمُودع الرسَالَة ضمن الْمُودع وَالْقَوْل قَول الْمُودع وَلم يرجع الْمُودع على الرَّسُول إِن صدقه أَنه رَسُول الْمُودع وَلم يضمن لَهُ ضَمَان الدَّرك إِلَّا أَن يكون الْمَدْفُوع قَائِما فَيرجع وَلَو قَالَ رَددتهَا اليك على يَدي أَو على يَد من فِي عيالي وَكذبه الْمُودع فَالْقَوْل قَول الْمُودع مَعَ يَمِينه لِأَن حَاصله الِاخْتِلَاف فِي وجوب الضَّمَان وَهُوَ يُنكر فَيكون القَوْل قَوْله وَلَو أقرّ الْمُودع أَنه استعملها ثمَّ ردهَا إِلَى مَكَانهَا فَهَلَكت لَا يصدق فِي الرَّد الا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ أقرّ بِوُجُوب الضَّمَان ثمَّ ادّعى الْبَرَاءَة فَلَا يصدق الا بِبَيِّنَة فَالْحَاصِل أَن الْمُودع إِذا خَالف فِي الْوَدِيعَة ثمَّ عَاد إِلَى الْوِفَاق إِنَّمَا يبرأ عَن الضَّمَان إِذا صدقه الْمَالِك فِي الْعود وَإِن كذبه لَا يبرأ إِلَّا أَن يُقيم الْبَيِّنَة على الْعود إِلَى الْوِفَاق
وَفِي الْمُنْتَقى إِذا قَالَ الْمُودع ضَاعَت الْوَدِيعَة مُنْذُ عشرَة أَيَّام واقام الْمُودع بَيِّنَة أَنَّهَا كَانَت عِنْده مُنْذُ يَوْمَيْنِ فَقَالَ الْمُودع وَجدتهَا فَضَاعَت يقبل هَذَا مِنْهُ وَلَا يضمن وَلَو قَالَ أَولا لَيست عِنْدِي ثمَّ قَالَ وَجدتهَا فَضَاعَت يضمن
الْعقار هَل يضمن بالجحود أَو لَا وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ إِذا جحد الْوَدِيعَة فِي الْعقار لَا يضمن عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَمن الْمَشَايِخ من قَالَ الْعقار يضمن بالجحود بِلَا خلاف وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي فِي ضَمَان الْعقار بالجحود عِنْد ابي حنيفَة ﵀ رِوَايَتَانِ
نوع فِي ضَمَان الْمُسْتَعِير ذكر فِي الذَّخِيرَة رجل اسْتعَار دَابَّة أَو اسْتَأْجرهَا ليشيع جَنَازَة فركبها
стр. 71
ثمَّ نزل وَدفعهَا إِلَى إِنْسَان ليُصَلِّي صَلَاة الْجِنَازَة فسرقت لَا ضَمَان على الْمُسْتَعِير وَلَا على الْمُسْتَأْجر فَصَارَ الْحِفْظ فِي هَذَا الْوَقْت مُسْتَثْنى
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين لَو كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحرَاء وَنزل عَن الدَّابَّة وأمسكها فانفلتت مِنْهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل على أَن الْمُعْتَبر أَن لَا يغيبها عَن بَصَره
وَذكر فِي فَتَاوَى الفضلى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا اسْتعَار دَابَّة فَحَضَرت الصَّلَاة فَدَفعهَا إِلَى غَيره ليمسكها فَضَاعَت قَالَ إِن كَانَ شَرط فِي الْعَارِية ركُوب نَفسه فَهُوَ ضَامِن وَإِلَّا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَو سلم الدَّابَّة إِلَى رجل ليسلمها إِلَى مَالِكهَا فَضَاعَت ضمن وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا إِذا كَانَ شَرط أَن يحمل أَو يركب بِنَفسِهِ أما إِذا أطلق وَلم يبين فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْعَارِية تودع
وَفِي الْعدة لَو اسْتعَار فرسا حَامِلا ليرْكبَهَا إِلَى مَوضِع كَذَا فركبها وَأَرْدَفَ مَعَه آخر فَأسْقطت جَنِينا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْجَنِين وَلَكِن إِذا نقصت الْأُم بِسَبَب ذَلِك فَعَلَيهِ نصف النُّقْصَان لِأَن النُّقْصَان حصل بركوبه وركوب غَيره وركوبه مَأْذُون فِيهِ فَلم يَصح سَببا للضَّمَان وركوب غَيره لَيْسَ بمأذون فِيهِ فأوجبنا عَلَيْهِ نصف الضَّمَان لهَذَا وَهَذَا إِذا كَانَ الْفرس بِحَال يُمكن أَن يركبه اثْنَان فَأَما إِذا كَانَ لَا يُمكن فَهُوَ اتلاف فَيضمن الْمُسْتَعِير جَمِيع النُّقْصَان وَلَو اسْتعَار دَابَّة وَفِي بَطنهَا ولد فزلقت من غير صنعه وأسقطت الْوَلَد لَا يضمن الْمُسْتَعِير وَلَو نخعها باللجام أَو فَقَأَ عينهَا يضمن
وَفِي خُلَاصَة الْمُفْتِي رجل اسْتعَار دَابَّة فَقَالَ مَالِكهَا أعطكيها غَدا ثمَّ جَاءَ الْمُسْتَعِير فِي الْغَد وَأَخذهَا بِغَيْر اذن مَالِكهَا واستعملها وردهَا فَمَاتَتْ لَا يضمن
وَفِي الذَّخِيرَة الْمُسْتَعِير إِذا قضى حَاجته من الدَّابَّة ثمَّ ردهَا على يَد بعض من فِي عِيَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن عطبت هَذَا هُوَ الْعرف فِيمَا بَين النَّاس بِخِلَاف الْوَدِيعَة وَلَو ردهَا على يَد بعض عبد صَاحب الدَّابَّة وَهُوَ عبد يقوم عَلَيْهَا لَا يضمن وَكَذَلِكَ إِذا ردهَا على يَد عبد لَا تقوم عَلَيْهَا يبرأ أَيْضا فِي الصَّحِيح وَكَذَلِكَ لَو لم يجد صَاحب الدَّابَّة وَلَا خادمه فربطها على معلفها فِي دَار صَاحبهَا لَا يضمن
وَفِي الْوَدِيعَة إِذا ردهَا على يَد عبد صَاحب الْوَدِيعَة وضاعت من يَده يضمن الْمُودع سَوَاء كَانَ العَبْد مِمَّن يقوم عَلَيْهَا أَو لَا يقوم وَهُوَ الصَّحِيح
وَفِي الْعدة إِذا كَانَت الْعَارِية عقد جَوْهَر أَو شَيْئا نفيسا فَدفع ذَلِك إِلَى عبد الْمُعير أَو إِلَى أجيره يضمن وَالْمُسْتَأْجر فِي رد الْمُسْتَأْجر كالمستعير وَالْمُرْتَهن بِمَنْزِلَة الْمُودع
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين امْرَأَة استعارت ملاءة ووضعتها دَاخل الْبَيْت وَالْبَاب مَفْتُوح فَصَعدت السَّطْح فَهَلَكت الملاءة قيل تضمن وَقيل لَا تضمن وَلَو استعارت سَرَاوِيل لتلبسه فلبسته وَهِي تمشي فزلقت رجلهَا فتخرق السَّرَاوِيل لَا ضَمَان عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا صنع لَهَا فِيهِ
وَفِي فَتَاوَى الديناري إِذا نقصت الْعين المستعارة فِي حَالَة الِاسْتِعْمَال لَا يجب الضَّمَان بِسَبَب النُّقْصَان إِذا استعملها اسْتِعْمَالا معهودا
رجل دخل منزل انسان باذنه وَأخذ إِنَاء لينْظر إِلَيْهِ فَوَقع وانكسر لَا يضمن وَإِن أَخذه بِغَيْر اذنه بِخِلَاف مَا إِذا دخل فِي السُّوق الَّذِي يُبَاع فِيهِ الْإِنَاء فَأخذ إِنَاء بِغَيْر اذن مَالِكه فَسقط وانكسر يضمن
стр. 72
رجل ساوم قدحا ليشتريه من صَاحبه فَقَالَ أَرِنِي قدحك هَذَا فَدفعهُ إِلَيْهِ لينْظر فِيهِ فَوَقع مِنْهُ على الأقداح فانكسر الْقدح وأقداح أخر لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْقدح الَّذِي ساومه وَيضمن الأقداح
وَفِي النَّوَازِل لَو اسْتعْمل قصاع الْحمام فَسَقَطت قَصْعَة من يَده وانكسرت أَو أَخذ كوز فقاع ليشْرب فَسقط أَو أَخذ قدحا فَوَقع من يَده لَا يضمن لِأَنَّهُ عَارِية
وَفِي تَجْرِيد أبي الْفضل رَحمَه الله تَعَالَى إِذا اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي الْأَيَّام أَو فِي الْمَكَان أَو فِيمَا يحمل على الدَّابَّة الْعَارِية فَالْقَوْل قَول رب الدَّابَّة مَعَ يَمِينه
ضَمَان الْمُرْتَهن الْمُرْتَهن إِذا ركب الدَّابَّة الْمَرْهُونَة ليردها على الْمَالِك فَهَلَكت فِي الطَّرِيق لَا يضمن إِن سلمت من ركُوبه وَلَكِن لَا يصدق الا بِبَيِّنَة على سلامتها وَلَو رهن عبدا فأبق سقط الرَّهْن فَإِن وجده صَار رهنا وَيسْقط من الدّين بِحِسَاب ذَلِك إِن كَانَ أول إباق وَإِن كَانَ أبق قبل ذَلِك فَلَا ينقص من الدّين شَيْء وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي فصل الرَّهْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ضَمَان الْمُسْتَأْجر ذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن فِي كل مَوضِع فِي الْإِعَارَة يضمن فِي الاجارة وَلَا يجب الْأجر وَفِي كل مَوضِع لَا يضمن فِي الاعارة لَا يضمن فِي الاجارة وَيجب الْأجر انْتهى
وَفِي الْعدة الْحمار الْمُسْتَأْجر إِذا عمي أَو عجز عَن الْمَشْي فَبَاعَهُ الْمُسْتَأْجر وَأخذ ثمنه وَهلك فِي الطَّرِيق إِن كَانَ فِي مَوضِع لَا يصل إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْمُرهُ بِبيعِهِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْحمار وَلَا فِي ثمنه وَإِن كَانَ فِي مَوضِع يقدر على ذَلِك أَو يَسْتَطِيع إِمْسَاكه أَو رده أعمى فَهُوَ ضَامِن لقيمته
رجل اسْتَأْجر حمارا فَحمل عَلَيْهِ وَله حمَار آخر حمل عَلَيْهِ أَيْضا فَلَمَّا سارا بعض الطَّرِيق سقط حِمَاره واشتغل بِهِ فَذهب الْحمار الْمُسْتَأْجر وَهلك هَل يضمن قيل إِن كَانَ بِحَالَة لَو اتبع الْحمار الْمُسْتَأْجر يهْلك حِمَاره أَو مَتَاعه لَا يضمن وَإِلَّا فَيضمن
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر اسْتَأْجر حِمَارَيْنِ فاشتغل بِحمْل أَحدهمَا فَضَاعَ الآخر إِن غَابَ عَن بَصَره فَهُوَ ضَامِن قلت فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يضمن فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي مرت إِن غَابَ الْحمار عَن بَصَره ثمَّ هلك
رجل اسْتَأْجر حمارا ليذْهب بِهِ إِلَى مَوضِع مَعْلُوم فَأخْبر أَن فِي الطَّرِيق لصوصا فَلم يلْتَفت إِلَى ذَلِك فَأَخذه اللُّصُوص وذهبوا بالحمار إِن كَانَ النَّاس يسلكون ذَلِك الطَّرِيق مَعَ هَذَا الْخَبَر بدوابهم وَأَمْوَالهمْ فَلَا ضَمَان وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِن
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان اسْتَأْجر دَابَّة أَو عبدا فَإِن مُؤنَة الرَّد بعد الْفَرَاغ على صَاحب العَبْد وَالدَّابَّة وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَرْهُون تكون على الرَّاهِن وَمؤنَة رد الْوَدِيعَة تكون على صَاحبهَا وَمؤنَة رد الْمُسْتَعَار تكون على الْمُسْتَعِير وَمؤنَة رد الْمَغْصُوب تكون على الْغَاصِب وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَبِيع بيعا فَاسِدا بعد الْفَسْخ على الْقَابِض
اسْتَأْجر مكاريا أَو حمالا يحمل لَهُ طَعَاما فِي طَرِيق كَذَا فَأخذ طَرِيقا آخر يسلكه النَّاس فَهَلَك الْمَتَاع لَا يضمن قَالُوا هَذَا إِذا كَانَ الطريقان متقاربين أما إِذا كَانَ بَينهمَا تفَاوت فَاحش فِي الطول وَالْقصر والسهولة والصعوبة فَيضمن
وَذكر فِي الْعدة بقار لأهل قَرْيَة وَلَهُم مرعى ملتف بالاشجار لَا يُمكنهُ النّظر إِلَى كل بقرة فَضَاعَت بقرة
стр. 73
لَا يضمن وَلَو مرت بقرة على قنطرة فَدخلت رجلهَا فِي ثقب القنطرة فَانْكَسَرت أَو دخلت فِي مَاء عميق والبقار لَا يعلم فَلم يسقها ضمن إِذا أمكنه سوقها
وَفِي الذَّخِيرَة أهل مَوضِع جرت الْعَادة بَينهم أَن البقار إِذا دخل السَّرْح فِي السكَك أرسل كل بقرة فِي سكَّة صَاحبهَا فَفعل الرَّاعِي كَذَلِك فَضَاعَت بقرة أَو شَاة قبل أَن تصل إِلَى صَاحبهَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْرُوف كالمشروط
ضَمَان الحارس رجل اُسْتُؤْجِرَ لحفظ خَان فَسرق من الخان شَيْء لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يحفظ الْأَبْوَاب فَقَط أما الْأَمْوَال فَهِيَ فِي يَد أَرْبَابهَا فِي الْبيُوت
وروى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد القَاضِي فِي حارس يحرس الحوانيت فِي السُّوق فَنقبَ حَانُوت وسرق مِنْهُ أَنه ضَامِن لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَجِير الْمُشْتَرك لِأَن لكل وَاحِد حانوتا على حِدة فَصَارَ بِمَنْزِلَة من يرْعَى غنما لكل انسان شَاة وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر والفقيه أَبُو بكر رحمهمَا الله تَعَالَى الحارس أجِير خَاص فَلَا يضمن إِذا نقب الْحَانُوت لِأَن الْأَمْوَال مَحْفُوظَة فِي الْبيُوت وَفِي يَد ملاكها وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَاخْتَارَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر أَنه يضمن مَا كَانَ خَارج السُّوق وَلَا يضمن مَا كَانَ دَاخل السُّوق
وَذكر فِي التَّجْرِيد الدَّلال والنخاس أجِير مُشْتَرك حَتَّى لَو ضَاعَ شَيْء من يدهما من غير صنعهما فَلَا ضَمَان عَلَيْهِمَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
ضَمَان الْحمال وَلَو اسْتَأْجر حمالا يحمل لَهُ دن خل فعثر وانكسر يضمن لِأَنَّهُ تولد من عمله وَهَذَا إِذا انْكَسَرَ فِي وسط الطَّرِيق أما إِذا سقط من رَأسه أَو زلقت رجله بعد مَا انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط ثمَّ انْكَسَرَ الدن فَلهُ الْأجر وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حِين انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط لم يبْق الْحمل مَضْمُونا عَلَيْهِ
وَفِي الْمُنْتَقى وَلَو اسْتَأْجر حمالا ليحمل لَهُ زقا من سمن فَحَمله صَاحبه والحمال ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق الزق لَا يضمن الْحمال لِأَنَّهُ لم يسلم إِلَيْهِ السّمن فَإِن السّمن فِي يَد صَاحبه بعد وَلَا ضَمَان على الْحمال بِدُونِ التَّسْلِيم
وَذكر فِي النَّوَازِل ابْن سَمَّاعَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو حمله ثمَّ وَضعه فِي بعض الطَّرِيق ثمَّ أَرَادَ رَفعه فاستعان بِرَبّ الزق فرفعاه ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق فالحمال ضَامِن لِأَنَّهُ صَار فِي ضَمَانه حِين حمله وَلم يبرأ مِنْهُ بعد لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ إِلَى صَاحبه
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا سرق الْمَتَاع من رَأس الْحمال وَرب الْمَتَاع مَعَه لَا يضمن وَإِن لم يكن صَاحبه مَعَه لَا يضمن أَيْضا عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى خلافًا لَهما وَإِذا انْقَطع حَبل الْحمال وَسقط الْحمل ضمن الْحمال بالِاتِّفَاقِ
ضَمَان المكاري ذكر فِي الذَّخِيرَة لَو عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة من سوق المكاري فَسقط الْحمل وَفَسَد الْمَتَاع وَصَاحب الْمَتَاع رَاكب على الدَّابَّة لَا يضمن الْأَجِير بِخِلَاف مَا إِذا عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة وَسقط الْمَتَاع وَهلك وَصَاحب الْمَتَاع يسير مَعَه خلف الدَّابَّة فَإِن الْأَجِير يضمن لِأَن الْهَلَاك حصل من جِنَايَة يَده وَمحل الْعَمَل مُسلم إِلَيْهِ
وَفِي فَتَاوَى أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى مكار حمل كرابيس إِنْسَان فَاسْتَقْبلهُ اللُّصُوص فَطرح الكرابيس
стр. 74
وَذهب بالحمار قَالَ إِن كَانَ يعلم أَنه لَو لم يطْرَح الكرابيس اخذوا الكرابيس وَالْحمار جَمِيعًا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتْرك الْحِفْظ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ
ضَمَان النساج وَفِي فَتَاوَى الفضلى رَحمَه الله تَعَالَى إِذا دفع إِلَى نساج غزلا لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه فَسرق من بَيت الآخر إِن كَانَ أجِير الأول فَلَا ضَمَان على وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن لم يكن أجِير الأول وَكَانَ أَجْنَبِيّا ضمن بِلَا خلاف وَلَا يضمن الآخر عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا رحمهمَا الله تَعَالَى يضمن وَهُوَ نَظِير الْمُودع إِذا دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي بِغَيْر اذن مَالِكهَا فعندهما صَاحب الْوَدِيعَة يضمن أَيهمَا شَاءَ وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الأول وَلَيْسَ لَهُ أَن يضمن الثَّانِي
قَالَ صَاحب الذَّخِيرَة وعَلى قِيَاس مَا ذكره الْقَدُورِيّ أَن كل صانع اشْترط عَلَيْهِ الْعَمَل بِنَفسِهِ لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَعْمل غَيره وَإِنَّمَا لَا يضمن إِذا كَانَ الآخر أجِير الأول فِيمَا إِذا كَانَ أطلق لَهُ الْعَمَل أما إِذا شَرط عَلَيْهِ النسج بِنَفسِهِ يضمن بِالدفع إِلَى الآخر وَإِن كَانَ أجيره
إِذا قَالَ صَاحب الثَّوْب للنساج اذْهَبْ بِالثَّوْبِ إِلَى مَنْزِلك حَتَّى إِذا رَجعْنَا من الْجُمُعَة سرت إِلَى منزلي فأوفى لَك أجرك فاختلس الثَّوْب من يَد الحائك فِي التَّوَجُّه قَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَلْخِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ الحائك دفع الثَّوْب إِلَى صَاحبه أَو مكنه من الْأَخْذ ثمَّ دَفعه صَاحبه إِلَى الحائك ليوفي لَهُ الْأجر يكون الثَّوْب رهنا فَإِذا هلك هلك بِالْأَجْرِ وَإِن كَانَ صَاحب الثَّوْب دفع الثَّوْب إِلَيْهِ على وَجه الْوَدِيعَة لَا يضمن الحائك وَتَكون أجرته على صَاحب الثَّوْب وَلَو صنعه الحائك بِالْأَجْرِ قبل الدّفع اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَإِن اصطلحا على شَيْء كَانَ حسنا كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي الْعِمَادِيّ للحائك والقصار والصباغ وَلكُل صانع لعمله أثر فِي الْعين احتباس مَا استؤجروا على الْعَمَل فِيهِ حَتَّى يَأْخُذُوا الْأُجْرَة وَلَو هلك فِي يَده بعد الْحَبْس لَا يضمن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أجر لَهُ بِهَلَاك الْمَعْقُود عَلَيْهِ قبل التَّسْلِيم
حائك عمل بِالْأَجْرِ فَتعلق الْآجر بِهِ ليأخذه وابى الحائك أَن يدْفع حَتَّى يَأْخُذ الْأُجْرَة فتخرق من مد صَاحبه لَا ضَمَان على الحائك وَإِن تخرق من مدهما فعلى الحائك نصف الضَّمَان
إِذا خَالف الحائك فِي النسج بِأَن أمره أَن ينسج لَهُ ثوبا سبعا فِي أَربع أَو سِتا فِي أَربع أَو أمره أَن ينسجه رَقِيقا فنسجه ثخينا أَو على الْعَكْس فَفِي الْفُصُول كلهَا صَاحب الْغَزل بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ترك الثَّوْب على النساج وَضَمنَهُ غزلا مثل غزله وَإِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب وَأَعْطَاهُ الاجر الْمُسَمّى لَا يُزَاد فِي الزِّيَادَة وَلَا ينقص فِي النُّقْصَان لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فِي الزِّيَادَة وَفِي النُّقْصَان نُقْصَان الْعَمَل
وَذكر صَاحب الذَّخِيرَة هَذِه الْمَسْأَلَة هَكَذَا ثمَّ قَالَ اخْتلف الْمَشَايِخ هَل يُعْطِيهِ الْمُسَمّى أَو أجر الْمثل قَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ مَا سمى وَقَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ مَا سمى إِذا أَخذ الثَّوْب ورضى بِالْعَيْبِ وَإِن أَخذ الثَّوْب وَلم يرض بِالْعَيْبِ يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ الْمُسَمّى
ضَمَان الْخياط رجل قَالَ للخياط انْظُر إِلَى هَذَا الثَّوْب فَإِن كفاني قَمِيصًا فاقطعه بدرهم وخطه فَقَالَ الْخياط نعم وقطعه ثمَّ قَالَ بعد مَا قطعه إِنَّه لَا يَكْفِيك ضمن الْخياط قيمَة الثَّوْب لِأَنَّهُ إِنَّمَا أذن لَهُ بِالْقطعِ بِشَرْط الْكِفَايَة وَلَو قَالَ للخياط انْظُر أيكفيني قَمِيصًا فَقَالَ الْخياط نعم يَكْفِيك فَقَالَ صَاحب
стр. 75
الثَّوْب اقطعه فَقَطعه فَإِذا هُوَ لَا يَكْفِيهِ لَا يضمن الْخياط شَيْئا لِأَنَّهُ أذن بِالْقطعِ مُطلقًا وَإِن قَالَ الْخياط نعم فَقَالَ صَاحب الثَّوْب فاقطعه وَقَالَ اقطعه إِذن فَقَطعه كَانَ ضَامِنا إِذا كَانَ لَا يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ علق ذَلِك الاذن بِالشّرطِ
وَفِي الذَّخِيرَة رجل دفع إِلَى خياط كرباسا ليخيط لَهُ قَمِيصًا فخاطه لَهُ قَمِيصًا فَاسِدا وَعلم صَاحب الثَّوْب بِالْفَسَادِ ولبسه لَيْسَ لَهُ أَن يضمنهُ لِأَن اللّبْس يكون رضَا بالإفساد قَالَ وَيعلم من هَذِه الْمَسْأَلَة كثير من الْمسَائِل
وَفِي الْمُنْتَقى إِذا دفع إِلَى خياط ثوبا وَقَالَ اقطعه حَتَّى يُصِيب الْقدَم أَو اجْعَل كمه خَمْسَة أشبار وَعرضه كَذَا فجَاء بِهِ نَاقِصا قَالَ إِذا كَانَ قدر أصْبع وَنَحْوه فَلَيْسَ بِشَيْء وَإِن كَانَ أَكثر مِنْهُ فَلهُ أَن يضمنهُ
ضَمَان الْقصار الْقصار إِذا لبس ثوب القصارة ثمَّ نَزعه فَضَاعَ بعده لَا يضمن وَفِي الْعُيُون وَلَو دفع إِلَى قصار ثوبا ليقصره لَهُ بدانق فَجعل الْقصار بدقه فاستعان بِرَبّ الثَّوْب على دقه فدقه فتخرق الثَّوْب قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا لم يعلم من أَيهمَا تخرق فَالضَّمَان على الْقصار لِأَنَّهُ قي يَده وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الْقصار نصف الْقيمَة وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى أَنه يجب كل الضَّمَان على الْقصار حَتَّى يعلم أَنه تخرق من دق صَاحبه وعَلى قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن لَا يضمن الْقصار أصلا مالم يعلم أَنه تخرق من دقه بِنَاء على أَن يَد الْأَجِير الْمُشْتَرك يَد أَمَانَة عِنْده يَد ضَمَان عِنْدهمَا وَإِذا لم يتخرق الثَّوْب هَل يسْقط من الْأجر مِقْدَار مَا يَخُصُّهُ من عمل الْمَالِك ذكر فِي الْمُحِيط عَن شمس الْأَئِمَّة أَن الْأَجِير إِن اسْتَعَانَ بالمستأجر لم ينْقل فعل الْمُسْتَأْجر إِلَى الْأَجِير حَتَّى يسْتَوْجب الْأجر وَكَذَلِكَ لَو جَاءَ صَاحب الثَّوْب وخاط بعض الثَّوْب فِي يَد الْخياط أَو نسج بعض ثَوْبه فِي يَد النساج فَإِنَّهُ يسْقط من الأحر بِحِصَّتِهِ لِأَن الْإِعَانَة لَا تجْرِي فِي الاجارة بِخِلَاف الْمُضَاربَة فَإِن الْإِعَانَة تجْرِي فِيهَا
وَفِي الذَّخِيرَة لَو جفف الْقصار الثَّوْب فمرت بِهِ حمولة فتخرق لَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن الْهَلَاك لم يكن من فعله وَعَمله وَعِنْدَهُمَا يضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ
تلميذ الْقصار أَو أجيره الْخَاص إِذا أوقد نَارا بِأَمْر الْأُسْتَاذ أَو السراج فَوَقَعت شرارة على ثوب القصارة فَلَا ضَمَان على الْأَجِير وَإِنَّمَا الضَّمَان على أستاذه وَإِن لم يكن من ثِيَاب القصارة ضمن الْأَجِير
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا أَدخل الْقصار سِرَاجًا فِي حانوته فَاحْتَرَقَ بِهِ ثوب غَيره بِغَيْر فعله ضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا لَا يضمن فِي الْحَرِيق الْغَالِب الَّذِي لَا يُمكن إطفاؤه وَهَذَا قَوْلهمَا فَأَما عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يضمن مَا هلك بِغَيْر صنعه
استفتيت أَئِمَّة بُخَارى عَن الْقصار إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم من الْعَمَل فَلم يفرغ وَهلك فِي الْغَد هَل يضمن أم لَا أجابوا نعم يضمن وَلَو اخْتلفَا فِي الشَّرْط وَعَدَمه فَيَنْبَغِي أَن يكون القَوْل للقصار لِأَنَّهُ مُنكر للشّرط ثمَّ إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم أَو نَحوه من الْعَمَل وَلم يفرغ فِيهِ وقصره بعد ايام هَل تجب الْأُجْرَة قَالَ صَاحب الْفُصُول كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى وَيَنْبَغِي أَن لَا تجب الْأُجْرَة لِأَنَّهُ لم يبْق عقد الاجارة بِدَلِيل وجوب الضَّمَان على تَقْدِير الْهَلَاك اه
ضَمَان الصّباغ رجل دفع إِلَى صباغ إبْريسَمًا ليصبغه بِكَذَا ثمَّ قَالَ للصباغ لَا تصبغ إبريسمي ورده
следующие страницы →