Полный текст (122 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه، وبعد:
فقد سعدت بالاطِّلاع على هذه الأرجوزة المباركة (القوافي النَّديَّة في السِّيرة النَّبويَّة) على صاحبها أفضل الصَّلاة والسَّلام، للأستاذ الشَّاعر الأديب محمَّد جودة فيَّاض، فألفيتها أرجوزة نافعة في نظم السِّيرة النَّبويَّة المباركة، حيث قام المؤلِّف - أكرمه اللَّه - بالغوص في أعماق السِّيرة، واستخراج دررها، و نظم عقودها، بأسلوبٍ بديعٍ سهل، وقسَّمها إلى أحداث، ووضع لكلِّ حدثٍ عنوانًا، ثم تناول الحديث عنه في أبيات من بحر الرَّجز، بقوافٍ متنوِّعة، في كل باب، ولم يفته أن يختم بالحديث عن شمائل الرَّسول ﷺ ، وقد رجع إلى مصادر متنوِّعة، يستقي منها مادة النَّظم، وقد أثبتها في آخر الكتاب.
وبهذا يكون المؤلِّف - أثابه اللَّه - قد جمع بين العلم والأدب في تناول السِّيرة العطرة، ومعلوم أنَّ النَّظم أيسر في الحفظ من النَّثر، ولهذا كثر نظم المتون في سائر الفنون، وأقبل طلبة العلم على هذه المنظومات، لعظم نفعها وسهولة حفظها.
أسأل اللَّه أن يبارك في المؤلِّف وأن ينفع بهذا الكتاب المبارك قرَّاء السِّيرة النَّبويَّة العطرة، وصلِّ اللَّهمَّ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلِّم.
ا. د / سيف رجب قزامل
أستاذ الفقه المقارن
والعميد السَّابق لكلية الشَّريعة والقانون بطنطا
جامعة الأزهر
стр. 2
تمهيد
في تحفة فنيِّة شعرية، نَظَم الشَّاعر محمد جودة فيَّاض السِّيرة النَّبويَّة العطرة، على صاحبها أفضل الصَّلاة والسَّلام، بأحداثها الدَّسمة، موجزًا إيَّاها بطريقة سلسة فريدة، تمتع الرُّوح وتجلي النَّفس، ماخرًا بقاربه عباب بحر الرَّجز، ليصل إلى القارئ ميسِّرًا عليه حفظ وفهم السِّيرة العطرة بلا تعقيد في اللَّفظ أو تكلّف في الوزن، مستمدًّا أحداثها من أمَّهات المصادر الثِّقات. وهو إذ يخوض تجربته الشِّعريَّة مستندًا إلى موهبته ودراسته، ظلَّ عاكفًا على مؤلَّفه اثنتي عشرة سنة ما بين ناظم ومنقِّح، إلى أن وصل إلى مرحلة التَّدقيق والتَّحقيق فغيَّر الكثير من الأبيات حتَّى استطاع الوصول إلى تلكم الدُّرر من الشِّعر الفصيح، وبالتَّالي إلى هذه الصورة الَّتِي خرج عليها الكتاب.
واللَّهُ من وراء القصد ...
عمر عبدالرَّحمن آدم
стр. 3
المقدمة
الحمدُ لله ربِّ العَالمين حَمْدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سُلْطَانِهِ، والصَّلاة والسَّلام على أفضل الرُّسل وخاتم النَّبيِّين سيِّدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ وَدَعَا بِدَعْوَتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
(القَوَافِي النَّدِيَّةُ فِي السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ) هذا هو عنوان كتابي، الَّذي اخترته بعناية ليكون مُعَبِّرًا عن المضمون والجَوْهَر، وَنَظَمْتُ الشِّعْرَ سَابحًا في بحر الرَّجز؛ ليسهل على الناس حفظ سيرة المختار وتفهُّم كامل معانيها وأحداثها، وتعرَّضْت لأدق التفاصيل للحفاظ على السِّيرة بكل ما فيها من عظاتٍ وعِبَر، فتكون منارًا للسَّالكين وهدًى للضَّالِّين وأمنًا للخائفين، يَتَغَنَّى بها الكون بِأَسْرِهِ، ويَتَرَنَّمُ بها الحجر والشَّجر والطَّير في جوِّ السَّماء والحِيتان في جوف البحار فهي غذاء الرُّوح وبهجة النُّفُوس.
عن أُبَيّ بن كَعْب قال: قال رسول الله ( ﷺ ): (إِنَّ مِنَ الشِّعر حِكْمَةً) (١) وقال عمر بن الخطاب (رضى الله عنه): (نِعْمَ مَا تَعَلَّمَتْهُ العَرَبُ الْأبْيَاتُ مِنَ الشِّعْرِ يُقَدِّمُهَا الرَّجُلُ أمَامَ حَاجَتِهِ).
وكان ابن عبَّاس يقول: إِذَا قَرَأْتُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ الله فَلَمْ تَعْرِفُوهُ فاطْلُبُوهُ فِي أَشْعَارِ العَرَبِ فإنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ العَرَبِ. وكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ القُرآنِ أَنْشَدَ فِيهِ شِعْرًا. الحواشي
(١) قال الألباني فِي «السِّلسلة الصَّحيحة» ٦/ ٨٣٨، أخرجه البخاري فِي «صحيحه» (٧/ ١٠٧) وفي «الأدب المفرد» (١٢٤ و ١٢٥) وأبو داود (٢/ ٣١٥) والدَّارمي (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) وابن ماجه (٢/ ٤١٠) والطيالسي (ص ٧٦ رقم ٥٥٦) وأحمد (٣/ ٤٥٦ و ٥/ ١٢٥).стр. 4
وكان الشِّعر في الجاهليَّة عند العرب ديوان علمهم ومُنْتَهَى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون (١) .
ومن كل ما سبق أَخُصُّ الطَّيِّبَ مِنَ الشِّعْرِ حتَّى لا نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فنأخذ من الشِّعر كل ما يدعو إلى الفضائل والبعد عن الرَّذائل؛ حتَّى نحقق تقوى الله ، ونرجو بذلك المغفرة والرِّضوان.
الشِّعر: هو الكلام البليغ، المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء مُتَّفِقَةٍ في الوزن والرَّوِيِّ، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة (٢) .
وقد أخذ الخليل والأخفش تلميذه ما حَظِيَ بالاستحسان وغطَّى ما عداه من الأوزان. والتزمت الحفاظ على الوزن والقافية؛ لأنَّهما اللَّذان يضبطان الموسيقى الظَّاهرة في الشِّعر، وسميت القافية بهذا الاسم لأنَّها تقفو إثر كل بيت وهي حِلْيَة موسيقية تزين الكلام.
والقوافي عند الخليل ما بين آخر حرف إلى أول حرف ساكن يليه مع المتحرك الَّذِي قبل الساكن «وَقَافِيَةٌ بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالضِّرْسِ».
واستخدمت الألف رِدْفًا، والرِّدْفُ هو حرف مد يأتي قبل الرَّوِيّ وحروف المد هي (الألف، الواو، الياء) ومثال على ذلك:
بَدْرُ الْهُدَى قَدْ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ ... كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي الْعَلْيَاءِ
وأما الرَّوِيُّ من الرِّوَاءِ وهو الحبل الَّذِي يضم شيئًا إلى شيء، فالرَّوِيُّ يشد أجزاء البيت ويوصل بعضها ببعض أو يربط أبيات القصيدة بعضها ببعض ربطًا شكليًا متمثِّلاً الحواشي
(١) انظر كتاب طبقات فُحُول الشُّعَرَاء لابن سَلَّام الْجُمَحِيّ ص ١ - ٣٤(٢) انظر كتاب فِي علم القافية د/أمين علي السيد (ص ٥٠ - ٨٥)стр. 5
في الموسيقى الظَّاهرة، وهو الحرف الَّذِي يختاره الشَّاعر من الحروف الصَّالحة فيبني عليه قصيدته ويلتزمه في جميع أبياتها، وإليه تنسب القصيدة، فيقال قصيدة همزيّة إن كانت الهمزة هي الرَّوِيّ كهمزيّة شوقي، أو لاميَّة إن كانت اللَّام هي الرَّوِيّ كلاميَّة العرب للشَّنْفَرَى.
أمَّا الْوَصْلُ فهو (الحرف الَّذِي يلي الرَّوِيّ مباشرة، وقد يكون ناتجًا من حركة إشباع الرَّوِيّ كالواو من الضمة والياء من الكسرة والألف من الفتحة أو الهاء). والوصل عندي هو حرف الياء الناتج من إشباع حرف الرَّوِيّ المكسور دائمًا.
والسِّيرة النَّبويَّة لها وضع خاص بما فيها من وقائع وأحداث وشخصيات لا بد من ذكرها في مكانها كما هي دون تغيير؛ حتَّى تكون حُجَّةً لنا لا علينا إرضاءً للّه ورسوله.
وللسُّنَّة النَّبويَّة أهمية عظيمة في قلوب المسلمين، فإذا كان القرآن الكريم هو أصل الشَّريعة ومصدرها الأول فإن السُّنَّة النَّبويَّة الكريمة هي المصدر الثاني من مصادر التَّشريع، وكلام النَّبِيِّ ( ﷺ ) هو وحيٌ من الله، حيث يقول سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) ﴾ [النجم: ١ - ٤].
والله سبحانه قد أَنْزَلَ القرآن تبيانًا لكل شيء يحتاج إليه النَّاس من أمر الشَّريعة وهدًى من الضَّلالة ورحمةً وبشرى بالجنَّة للمسلمين الموحِّدين، فقد قال الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) ﴾ [النحل: ٨٩]. والسُّنَّة النَّبويَّة جاءت مُبَيِّنَةً ومُفَسِّرَةً للقرآن الكريم.
وطاعة النَّبيِّ ( ﷺ ) من طاعة الله، حيث قال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) ﴾ [النساء: ٨٠].
أسأل اللَّهَ سُبْحَانَهُ أنْ يُحْيِيَنَا على السُّنَّةِ وأنْ يُمِيتَنَا عليها وأنْ يَحْمِيَنَا مِنَ البِدَعِ إنَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وأسْألُ اللهَ أنْ يَجْمَعَنَا مع نَبِيِّنَا ( ﷺ ) في مُسْتَقَرِّ رحمته في جَنَّةٍ عَرْضُهَا
стр. 6
السَّماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين وتحقيق ذلك بطاعة الله ورسوله، قال الله سُبْحَانَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
ولن نَضِلَّ أَبَدًا مَا دُمْنَا نُحْيِي سُنَّةَ نَبِيِّنَا ( ﷺ ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( ﷺ ): «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِى وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».أخرجه الحاكم (١/ ١٧٢، رقم ٣١٩). وأخرجه أيضًا: الدَّارقطني (٤/ ٢٤٥).
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا الْعَمَلَ واجْعَلْهُ خَالِصًا لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ
محمد جودة فيَّاض
стр. 7
أحوال العرب قبل الإسلام
أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِأَنْوَارِ الْهُدَى ... فَالْمُصْطَفَى قَدْ هَلَّ بِالْخَيْرَاتِ
الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى آلَائِهِ ... يُنْعِمُ بِالْأَرْزَاقِ وَالْأَقْوَاتِ
يُنَزِّلُ الْغَيْثَ بِفَيْضِ رَحْمَةٍ ... وَيُنْبِتُ الزُّرُوعَ وَالْجَنَّاتِ
وَمُبْدِئُ الْخَلْقِ لَهُ تَمْجِيدُنَا ... سُبْحَانَهُ المُحْيِي مِنَ الْمَمَاتِ
قَدْ بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا هَادِيًا ... يَدْعُو إِلَى مَكَارِمِ الصِّفَاتِ
يُغَرِّدُ الطَّيْرُ بِحُسْنِ وَصْفِهِ ... شَمْسِ الْأَصِيلِ فِي سَمَا الرَّبْوَاتِ
وَالْكَوْنُ يَشْدُو بِجَمَالِ حُسْنِهِ ... تَرَنُّمًا بِأَجْمَلِ الْأَصْوَاتِ
بِهِ هَدَى اللهُ ضَلَالَ فِرْقَةٍ ... تَخَبَّطُوا فِي اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ
قَدْ أَكَلُوا الرِّبَا بِكُلِّ جُرْأَةٍ ... طَغَوْا بِوَأْدِ أَنْضَرِ الْبَنَاتِ
فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ رِجْسٌ آثِمٌ ... وَلَذَّةُ النُّفُوسِ فِي الطَّاعَاتِ
الْحَرْبُ خَاضُوهَا بِلَا هَوَادَةٍ ... هُمْ دَفَعُوا لَهَا بِعَادِيَاتِ
وَالْمَرْءُ يُفْنِي مَالَهُ تَكَرُّمًا ... مُفْتَخِرًا بِذَاكَ فِي السَّادَاتِ
قَدْ يَذْبَحُ النَّاقَةَ فِي بَشَاشَةٍ ... لِعَابِرِ السَّبِيلِ فِي الضَّيْعَاتِ
ظَلَّ الْوَفَاءُ عِنْدَهُمْ مُقَدَّسًا ... وَإِنْ بَدَا فِيهِ هَلَاكُ الذَّاتِ
فَإِنَّمَا حَاجِبُ (١) وَابْنُ عَادِيَا (٢) ... رَمْزَا وَفَاءٍ بَلْ وَتَضْحِيَات الحواشي
(١) قصة حَاجِب بن زُرَارَةَ التَّمِيمِي هي أنَّه استأذن كِسْرَى فِي إنزال قَوْمِهِ على حدود كِسْرَى لجَدْبٍ أصَابَهُم، فخاف كِسْرَى منهم الغَارَةَ والفَسَادَ، فَأَبَى إِلَّا بِالضَّمان، فرهنه حاجبُ قَوْسَه، وَوَفَّى بوعده حَتَّى تُوفِّيَ، وانتهى الجَدْبُ ورجع القَوْمُ إلى ديارهم، وذهب عطاردُ بن حاجب إلى كِسْرَى يسترد قوسَ أبيه فَرَدَّها عليه لوفاء أبيه.(٢) أما السَّمَوْأَلُ بن عَادِيَا؛ فيقال كان امرؤ القيس أودعَ عنده دُروعًا وأراد الحارثُ بن أبي شِمْرٍ الغَسَّانِيّ أنْ يأخذها منه فَأَبَى وتَحَصَّنَ بقصره فِي تيماء وكان أحدُ أبناء السَّموأل خارج القصر فأخذه الحارثُ وهدَّدَه بِقَتْلِهِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الدُّروعَ، فَأَبَى فَقَتَل الحَارِثُ ابْنَهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ.стр. 8
صور من المجتمع الجاهلي
الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ ذَاتُ عِزَّةٍ ... بَيْنَ الرِّجَالِ تَجْمَعُ السَّادَاتِ
إِنَّ النِّكَاحَ عِنْدَهُمْ مُقَنَّعٌ ... أَخُصُّ مِنْهُ طَيِّبَ الزِّيجَاتِ
وَعِنْدَهُمْ سِفَاحُ بَغْيٍ فَاحِشٍ (١) ... قَدْ أَبْدَلُوا النِّسَاءَ وَالزَّوْجَاتِ
فَلَيْسَ لِلزَّوْجَاتِ حَدٌّ مُطْلَقٌ ... انْغَمَسُوا فِي شَهْوَةِ اللَّذَّاتِ
وَزَوْجَةُ الْأَبِ كَإِرْثٍ خَالِصٍ ... فَبِئْسَ قَوْمُ الْعَارِ فِي الضَّيْعَاتِ
وَلِلْبَغَايَا عَلَمٌ وَرَايَةٌ ... فَإِنَّمَا عُرِفْنَ بِالرَّايَاتِ
لَمْ يَكُنِ الْعِنَبُ كَرْمًا أَبَدًا ... وَلَيْسَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْبَنَاتِ
وَيُجْمَعُ الْأُخْتَانِ فِي تَفَحُّشٍ ... قَدِ ارْتَضَوْا هُمْ بِالْمُحَرَّمَاتِ
أَمَّا التِّجَارَةُ فَكَانَتْ مَطْمَعًا ... وَمَا رَضُوا بِقِسْمَةِ الْأَقْوَاتِ
فَحَسْبُهُمْ قَدْ عَرَفُوا صِنَاعَةً (٢) ... كَصُنْعِ أَثْوَابٍ مُرَصَّعَاتِ
وَالْجَهْلُ ضَارِبٌ لِكُلِّ فِطْنَةٍ ... فَإِنَّهُمْ عُدُّوا مِنَ الْأَمْوَاتِ
أَيَبْعَثُ اللهُ رَسُولَ رَحْمَةٍ؟ ... لِيُرْشِدَ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرَاتِ
فَإِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... يُجِيرُنَا وَيَقْبَلُ الطَّاعَات الحواشي
(١) انظر سنن أبي داوود، كتاب النِّكاح باب وجوه النِّكاح الَّتِي كان يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّة، وأضَافَ إلى مَا ذكر نكاح الاسْتِبْضَاعِ، فكان يقول الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أرسلي إلى فلان فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، ولَا يَمَسُّهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلَهَا مِنَ الَّذي تَسْتَبِضِعُ مِنْهُ.(٢) معظم الصِّنَاعَات الَّتِي كانت مَوْجُودَة لَدَى الْعَرَبِ هِيَ الحِيَاكَةُ والدِّبَاغَةُ وبخاصة فِي أهل اليمن والحِيرة ومشارف الشَّامِ، وكان فِي داخل الجزيرة شيءٌ مِنَ الزِّرَاعَةِ والحَرْث، وَيُحِبُّونَ اقْتِنَاءَ الأنْعَامِ، وكَانَتْ نِسَاءُ الْعَرَبِ كَافَّةً يَشْتَغِلْنَ بِالغَزْلِ، لكن كَانَتِ الأمْتِعَةُ عُرْضَةً للحُرُوبِ، وكَانَ الفَقْرُ والجُوعُ عَامًّا فِي المُجْتَمَع.стр. 9
موقع العرب وأقوامهم
الْعَرْبُ الْكِرَامُ أَهْلُ رِفْعَةٍ (١) ... قَدْ شُرِّفُوا بِكَعْبَةِ الْأَنْوَارِ
بَائِدَةٌ (٢) عَارِبَةٌ أَقْوَامٌ (٣) ... مَا بَالُ مُسْتَعْرِبَةِ (٤) الْقِفَارِ
الْبَائِدُونَ أُهْلِكُوا بِبَغْيِهِمْ ... بَلْ وثَمُودُ عِبْرَةُ الْفُجَّارِ
عَارِبُ هُمْ مَنْبَعُ كُلِّ حِكْمَةٍ ... فَهُمْ شُمُوسُ الْعَرَبِ الْجِسَارِ
طَيِّئُ وَالْأَزْدُ كِبَارُ سَادَةٍ ... فَإِنَّهُمْ قَبَائِلُ الْأَطْهَارِ
أَلَا وَمُسْتَعْرِبَةٌ هُمْ فَخْرُنَا ... فَدُونَهُمْ مَحَامِدُ الْأَشْعَارِ
وَقَدِمَ الْخَلِيلُ فِي بَهَائِهِ (٥) ... لِمِصْرَ أرْضِ الْمَجْدِ وَالْفَخَارِ
وَزَوْجُهُ سَارَةُ ذَاتُ عِفَّةٍ ... قَدْ سَلِمَتْ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَّار الحواشي
(١) انظر محاضرات تاريخ الأمم الإسلاميَّة للخضري ١/ ١١ - ١٣. وقلب جزيرة العرب ٢٣١ - ٢٣٥.(٢) العرب البَائِدة (الَّذين انقرضوا).(٣) العرب العَارِبة (المنحدرة من صلب يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان) «العرب القحطانيون».(٤) العرب المُسْتَعْرِبَة (المنحدرة من صلب إسماعيل ﵇ «العرب العَدْنَانِيَّة»).(٥) ولد خليل الرَّحْمَنِ (إبراهيم ﵇ فى مدينة (أور) بالعراق وهاجر إلى حاران أو حرَّان ثُمَّ فلسطين ثُمَّ مصر وكانت معه سَارَةُ زَوْجَتُهُ فَتَعَرَّضَ لَهَا جَبَّارُ مِصْرَ فنجَّاها اللهُ مِنْهُ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ خَوْفًا مِنْ عَذَابِ الله.стр. 10
إبراهيم وولده إسماعيل ﵉
قَدْ وَضَعَتْ هَاجَرُ طِفْلاً مُشْرِقًا ... مُبَارَكًا مِنْ خِيْرَةِ الْأَبْنَاءِ
وَضَجِرَتْ سَارَةُ مِنْهَا غِيْرَةً ... مَا أَجْمَلَ الصَّبْرَ عَلَى النِّسَاءِ!
فَأَخَذَ الرَّضِيعَ بَلْ وَأُمَّهُ ... إِلَى مَكَانٍ فِي نَوَى الْعَرَاءِ
وَلَيْسَ إِلَّا بَعْضُ تَمْرٍ زَادُهُمْ ... رُحْمَاكَ رَبِّي سَامِعَ الدُّعَاءِ (١)
كَفَاكِ يَا هَاجَرُ مِنْ مَشَقَّةٍ ... قَدْ أُرْسِلَ الْأَمِيْنُ بِالسَّرَّاءِ
هَبَطَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ خَالِقٍ ... فَانْفَجَرَتْ زَمْزَمُ بِالصَّفَاءِ
فَيَا بَنِي جُرْهُمِ حَمْدًا طَيِّبًا ... قَدْ أَذِنَتْ هَاجَرُ بِالْبَقَاءِ
أَيَذْبَحُ الْخَلِيلُ حَقًّا ابْنَهُ؟ ... قَدِ اسْتَجَابَ دُونَمَا إِبْطَاءِ
رُؤَى النَّبِيِّينَ كَأَمْرٍ مُلْزِمٍ ... لَا بُدَّ أَنْ يُذْبَحَ لِلْإِيفَاءِ
يَمَّمَهُ لِلْأَرْضِ فِي تَبَتُّلٍ ... فَأُنْزِلَ الْفِدَاءُ مِنْ عَلْيَاء الحواشي
(١) قَدِمَ الخليلُ بهاجر وولدها الرَّضيع إلى الحِجَاز بوادٍ غير ذِي زَرْعٍ بِمَقْرُبَةٍ مِنَ البيتِ الحَرامِ ووضع عِنْدَهُمَا جِرَابَ تَمْرٍ وسقاءَ ماء.стр. 11
رفع القواعد من البيت
قَوَاعِدُ الْبَيْتِ بَدَتْ جَلِيَّةً ... فَارْتَفَعَ الْخَلِيلُ بِالْبُنْيَانِ
قَدْ أَذِنَ اللهُ بِحَجِّ بَيْتِهِ ... تَمْحُو الذُّنُوبَ دَعْوَةُ الرَّحْمَنِ
فَأَرِنَا اللَّهُمَّ كُلَّ مَنْسَكٍ ... وَاقْسِمْ لَنَا مِنْ نِعْمَةِ الْغُفْرَانِ
وَاجْعَلْ كِلَيْنَا مُسْلِمًا مُوَحِّدًا ... يَا خَالِقَ النُّجُومِ فِي الْأَكْوَانِ
وَابْعَثْ إِلَى الْخَلْقِ رَسُولَ رَحْمَةٍ ... يَتْلُو عَلَيْهِمْ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ
عَدْنَانُ قَدْ بَدَا ضِيَاءُ نَجْمِهِ (١) ... فَإِنَّهُ أُعْجُوبَةُ الزَّمَانِ
أَمَّا كِنَانَةُ عَلَتْ مَكَانَةً ... وَخُلِّدَتْ قُرَيْشُ فِي الْأَذْهَان الحواشي
(١) عَدْنَانُ هو الجدُّ العشرون فِي سلسلة النَّسَبِ النَّبَوِيِّ وينتهي نسبه إلى قيدار بن إسماعيل ﵇. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، أَخْبَرَنَا الأوْزَاعِيُّ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ( ﷺ ): إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. رواه مسلم فِي كتاب الفضائل باب فضل نسب النَّبِيِّ ( ﷺ ) ٤ - ١٧٨٢ وصححه التِّرمذي وابن حِبَّان.стр. 12
الحكم والإمارة في العرب
الْعَرَبُ الْكِرَامُ سَادَ حُكْمَهُمْ ... زِعَامَةُ الْمُلُوكِ فِي الْبُلْدَانِ
وَإِنَّمَا لِسَبَإٍ حَضَارَةٌ ... قَدْ عُرِفُوا بِنَهْضَةِ الْعُمْرَانِ (١)
بِمَنْهَلِ الْعِلْمِ بَنَوْا سُدُودَهُمْ ... فَنَعِمُوا بِالرَّوْضِ وَالْجِنَانِ
كُلُوا مِنَ الرِّزْقِ عَظِيمَ نِعْمَةٍ ... لَا شُكْرَ يُوفِي نِعْمَةَ الْمَنَّانِ
وَأَعْرَضُوا فَغَرِقَتْ جِنَانُهُمْ ... وَدُمِّرَتْ شَوَامِخُ الْبُنْيَانِ
أَضْحَى نَعِيمُهُمْ شَقَاءً مُضْنِيًا ... قَدْ حُرِمُوا مِنْ عِيشَةِ الْإِحْسَانِ
فَإِنَّمَا خَمْطٌ وَأَثْلٌ دَاحِضٌ ... قَدْ شَرِبُوا مِنْ مَوْرِدِ الْهَوَانِ
نَعَمْ وَفِي أَسْفَارِهِمْ مَشَقَّةٌ ... فَمُزِّقُوا فِي أَشْعُبِ الْوِدْيَانِ
فَهَلْ لَنَا مِنْ عِظَةٍ وَعِبْرَةٍ ... بِتِلْكُمُ السُّنَنِ فِي الْأَزْمَان الحواشي
(١) عُرِفَتْ دَوْلَتُهُمْ فِي هذه الفترة بالدَّوْلَةِ المَعِينِيَّة (ظهرت فِي الجوف، وهو السَّهل الواقع بين نجران وحضرموت بَنَوْا سد مأرب الَّذي له شأنٌ كبير فِي تاريخ اليمن). انظر اليمن عبر التَّاريخ ص ٧٧ - ٨٣ وتاريخ العرب قبل الإسلام ص ١٠١ - ١١٣.стр. 13
أصحاب الأخدود
قَدْ أَغْرَقَ التَّارِيخُ فِي أَبْحُرِهِ ... كُلَّ الْجَبَابِرَةِ والْأَشْرَارِ
فَذُو نُوَاسٍ قَدْ طَغَى تَجَبُّرًا (١) ... عَلَى النَّصَارَى وَبِلَا إِنْذَارِ
وَشَقَّ مِنْ فُجُورِهِ أُخْدُودًا ... سَعَّرَهُ بِحِمَمٍ مِنْ نَارِ
قِعِي بِلَا خَوْفٍ نَعَمْ أُمَّاهُ ... قَدْ نَطَقَ الرَّضِيعُ بِاقْتِدَارِ (٢)
إِنَّ النَّعِيمَ فِي رِحَابِ جَنَّةٍ ... بِرَوْضِهَا مَنَازِلُ الْأَبْرَارِ
أَرْيَاطُ قَدْ غَزَا بِجَيْشٍ قَاهِرٍ (٣) ... الْيَمَنَ الْمَصُونَ فِي الْأَخْبَارِ
يَا حَسْرَةً فَقَدْ غَدَا فَرِيسَةً ... أَبْرَهَةُ الْغَدَّارُ فِي انْتِظَارِ
اغْتَالَهُ بَلِ اسْتَبَاحَ مُلْكَهُ ... ثُمَّ بَنَى الْقُلَّيْسَ فِي اغْتِرَارِ
أَلَا وَقَدْ خَابَ وَكُلُّ جُنْدِهِ ... هَمُّوا بِهَدْمِ كَعْبَةِ الْأَنْوَارِ
وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ حَلَّقَتْ ... تَرْمِي بِأَحْجَارٍ عَلَى الْكُفَّارِ
قَدْ أُهْلِكُوا فَهُمْ لَنَا مَوْعِظَةٌ ... فَالْمَوْتُ لِلطُّغَاةِ وَالْفُجَّارِ
فَإِنَّ فِي الْكَوْنِ عَظِيمَ سُنَّةٍ ... تِلْكُمْ عِظَاتٌ يَا أُولِي الْأَبْصَار الحواشي
(١) ذُو نُوَاس (هو يُوسف بن ذِي نُوَاس، هجم على النَّصَارَى مِنْ أهْلِ نَجْرَان ودعاهم إلى اليهوديَّة فلمَّا أَبَوْا خَدَّ لهم الأخاديد وأحرقهم بالنَّار ولم يفرق بين الرِّجال والنِّساء والأطفال الصِّغار والشُّيوخ الكبار، وقع ذلك فِي أكتوبر ٥٢٣ م). (انظر اليمن عبرالتَّاريخ ص ١٥٧ - ١٦١).(٢) في صحيح مسلم من حديث صهيب فِي قصة أصحاب الأخدود جاءت امرأةٌ ومعها صَبِيٌّ لها فتقاعست أنْ تقع فيه، فقال لها الغُلَامُ: (يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ).(٣) غزا أرْيَاطُ اليمنَ بتحريضٍ مِنْ أباطرة الرُّومَانِ وظَلَّ حَاكِمًا حَتَّى قَتَلَهُ أَبْرَهَةُ بن الصَبَّاحِ الأشْرَم أَحَدُ قُوَّادِ جَيْشِهِ وَنَصَّبَ نَفْسَهُ حَاكِمًا.стр. 14
الملك بالحِيرَة
يَا قَوْمَنَا إِسْكَنْدَرُ الْمَجْدِ أَتَى (١) ... وَقَدْ غَدَا تَرْنِيمَةَ الْأَمْصَارِ
حَتَّى بَدَا فِي الْعَالَمِينَ نَجْمُهُ ... فَإِنَّهُ مَنَارَةُ الْفَخَارِ
وَأَرْدَشِيرُ قَدْ تَسَامَى مُلْكُهُ (٢) ... فَامْتَدَّ لِلْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ
أَمَّا جَذِيمَةُ فَذُو مَكَانَةٍ ... عَهِدْتُهُ يَحْكُمُ فِي اقْتِدَارِ
خَلَفَهُ عَمْرٌو فَطَابَ حُكْمُهُ (٣) ... ثُمَّ أَتَى الْمُنْذِرُ فِي الْأَخْبَارِ (٤)
وَإِنَّمَا هَانِئُ ذُو مُرُوءَةٍ (٥) ... فَإِنَّهُ مِنْ سَادَةِ الْأَخْيَارِ
كَانَتْ بِذِي قَارَ نَعَمْ مَلْحَمَةٌ ... فَدُونَهَا مَفَاخِرُ الْأَشْعَار الحواشي
(١) كانت الفرس تحكم بلاد العراق وما جاورها منذ أنْ جمع شملهم قوروش الكبير حتى جاء الإسكندر المقدوني ٣٢٦ ق. م فهزم ملكهم وبدَّدَهم.(٢) أَرْدَشير بن بَابك، مؤسس الدَّوْلَةِ السَّاسَانِيَّة ٢٢٦ م جمع شمل الفُرْسِ واستولى على العرب المقيمين على تخوم ملكه ودانت له الحِيرةُ والأنبارُ، وفي عهد أردشير كانت ولاية جَذِيمَة بن مَالِك المُلَقَّب بـ (الوضَّاح) على الحِيرَة ومن بادية العراق والجزيرة مِنْ ربِيعَة ومُضَر.(٣) بعد موت جَذِيمَة وَلِيَ الْحِيرَةَ والأنبارَ عَمْرُو بن عَدِيّ بن نصر اللَّخميّ (٢٦٨ - ٢٨٨ م).(٤) المُنْذِرُ بن ماء السَّماء (٥١٢ - ٥٥٤ م) وهو أبو النُّعْمَان بن المُنْذِرِ.(٥) هَانِئُ بن مَسْعُود سيِّد آل شَيْبَان رفض تسليم ما عنده من أمانات لإِيَاس بن قَبِيصَة والي الحِيرة، كان قد أوْدَعَهَا إيَّاه النُّعْمَانُ، بل آذن كِسْرَى بالْحَرْبِ وانتصر بَنُو شَيْبَانَ على الفُرْسِ فِي معركة "ذِي قَار" وهو أوَّلُ انتصارٍ للْعَرَبِ عَلَى الْعَجَم.стр. 15
إمارة الحجاز
تَالله عَدْنَانُ عَلَا فِي قَوْمِهِ (١) ... وَاسْتَنْفَرَ النُّجُومَ فِي الْعَلْيَاءِ
وَضَاقَتِ الْأَرْضُ بِمَا قَدْ رَحُبَتْ ... جُرْهُمُ كَالْجَرَادِ فِي الْأَنْحَاءِ
وَقَدْ بَكَى عَمْرٌو بِحُزْنٍ وَأَسَى (٢) ... مِنَ الرَّحِيلِ دُونَمَا الْإِبْقَاءِ
وَإِنَّمَا مُضَرُ زَادَتْ شَرَفًا ... بِسَبْقِهَا لِلدَّفْعِ (٣) وَالْإِنْسَاءِ (٤)
قُصَيُّ قَدْ أَضْحَى لَهُ مَكَانَةٌ (٥) ... تُنِيرُ فِي مَنَاكِبِ الْجَوْزَاءِ
هَاشِمُ (٦) قَدْ آلَتْ لَهُ سِقَايَةٌ (٧) ... فَإِنَّهُ مَنَارَةُ الْعَطَاء الحواشي
(١) عَدْنَانُ هو جد العرب العَدْنَانِيَّة (ذكر ذلك ابن اسحاق وابن السائب الكلبي وينسب إليه النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ( ﷺ ) وهو جَدُّه العشرون.(٢) عَمْرُو بن الحَارِث بن مُضَاض الجُرْهُمِي خرج بِغَزَالَيِ الْكعبةِ والحَجَرِ الأسْوَدِ وَدَفَنَهُمَا فِي بئر زمزم.(٣) الدَّفْعُ: الدَّفع بالنَّاسِ من عَرَفَةَ إلى المُزْدَلفة والإجازة بهم يوم النَّفر من مِنَى، وكان يلي ذلك بنو الغَوْث بن مُرَّة من بطون إليَاس بن مُضَر.(٤) الإنْسَاء: إنْسَاءُ الأشْهُرِ الْحُرُمِ وكان ذلك لبني فُقَيْم بن عديّ من بني كِنَانَة. وأمَّا الإفَاضَةُ: من جمع غَدَاةِ يَوْمِ النَّحْرِ إلى مِنَى كان ذلك فِي بني عَدْوَان.(٥) قُصَيُّ بن كِلَابِ بن مُرَّة وهو الجدُّ الرَّابع للنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ( ﷺ ) استولى على أمر مَكَّةَ والبَيْتِ سنة ٤٤٠ م وبذلك صَارَتْ لَهُ السِّيَادَةُ ومِنْ بعده لقُرَيْش.(٦) هَاشِمُ بن عبد مَنَاف وهو (الجدُّ الثَّاني لرَسُولِ الله ( ﷺ ) وإليه ينسب الهاشميون وقد آلت لهاشم السِّقاية والرِّفَادَة).(٧) السِّقَايَةُ: سِقَايَةُ الحَاجِّ يملؤون للحُجَّاجِ حِيَاضًا مِنَ المَاءِ يُحَلُّونَهَا بِالتَّمْرِ والزَّبِيب. انظر ابن هشام ١/ ١٢٩ - ١٣٢.стр. 16
ديانات العرب
أَهْلُ الْحِجَازِ شُرِّفُوا بِمَجْدِهِمْ ... غَنَّتْ بِهِ الْحِسَانُ فِي الْبُلْدَانِ
وَهُمْ عَلَى دِينِ الْخَلِيلِ مِلَّةً ... وَابْنُ لُحَيٍّ جَاءَ بِالْأَوْثَانِ (١)
تَبِعَهُ الْقَوْمُ بِلَا تَعَقُّلٍ ... فَبِئْسَ مَنْ يَنْقَادُ لِلشَّيْطَانِ
هُبَلُ عَدُّوهُ إِلَهًا شَافِعًا ... صُورَتُهُ كَهَيْئَةِ الْإِنْسَانِ
مِنْ ذَهَبٍ قَدْ صُنِعَتْ يَمِينُهُ ... فَإِنَّهُ أُعْجُوبَةُ الْخِذْلَانِ
أَمَّا خُزَاعَةُ لَهُمْ إَلَهُهُمْ ... هُوَ مَنَاةُ صَنَمُ الطُّغْيَانِ
وَخُصَّ لِلْعُزَّى مَكَانُ مَعْبَدٍ ... بِبَطْنِ وَادِي نَخْلَةِ الْهَوَانِ
عَمْرٌو نَعَمْ أَرْشَدَهُ رَئِيُّهُ (٢) ... فَأَخْرَجَ الْأَصْنَامَ بِاطْمِئْنَانِ
عَبَدَهَا النَّاسُ بِلَا تَفَقُّهٍ ... قَدْ حُرِمُوا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ
أَمَّا بَنُو كَلْبٍ فَأَهْلُ غَفْلَةٍ ... قَدِ ارْتَضَوْا بِالْبُهُتِ وَالْبُطْلَانِ
فَإِنَّ وُدًّا صَنَمٌ مِنْ حَجَرٍ ... فَأَيْنَ نُورُ الْحَقِّ وَالتِّبْيَانِ
هُذَيْلُ قَدَّسَتْ سُوَاعًا بِئْسَهُمْ ... لَنْ يَنْعَمُوا بِنِعْمَةِ الرِّضْوَانِ
يَغُوثُ قَدْ عَبَدَهُ أَقْوَامٌ ... بَنُو غُطَيْفٍ سَادَةُ الْعِصْيَانِ
هَمْدَانُ مَاجَتْ فِي بِحَارِ ظُلْمَةٍ ... أَعْلَتْ يَعُوقَ فِي سَمَا الْبُهْتَان الحواشي
(١) سَافَرَ عَمْرُو بن لُحَيٍّ إلى الشَّامِ فأتَى بِهُبَلَ وجَعَلَهُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ ودَعَا أهْلَ مَكَّةَ إِلَى الشِّرْكِ فَأَجَابُوه. انظر كتاب الأصنام لابن الكلبيّ ص ٢٨.(٢) عَمْرُو بن لُحَيٍّ الخُزَاعِيّ كانَ لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ فأخْبَرَهُ أنَّ أصْنَامَ قومِ نُوحٍ وُدًّا وسُوَاعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرَا مَدْفُونَةٌ بِجَدَّة فأتاها واسْتَثَارَها وأوْرَدَها إلى تُهَامَةَ فلما جاء الحَجُّ دَفَعَهَا إلى القَبَائِلِ فَأَخَذُوهَا إلى أَوْطَانِهِم.стр. 17
يَا قَوْمَ حِمْيَرٍ عَبَدْتُم نَسْرًا ... فَهَلْ نَسِيتُمْ بَارِئَ الْأَكْوَانِ؟
أَتَعْكُفُونَ لِلْهَوَى تَعَبُّدًا؟ ... فَقَدْ حُرِمْتُم نِعْمَةَ الْغُفْرَانِ
نَحَرْتُمُ النُّذُورَ فِي جَهَالَةٍ ... فَالْجَهْلُ ضَارِبٌ بِلَا حُسْبَانِ
بَلْ وَمِنَ الْحَرْثِ جَعَلْتُمْ جُزْءًا ... فَأَطْعِمُوهُ تِلْكُمُ الْأَوْثَانِ
وَلَمْ نَجِدْ سَائِبَةً نَاجِيَةً (١) ... فَذَلِكُمْ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
أَمَّا الْبَحِيرَةُ فَأَضْحَتْ نَذْرًا (٢) ... أَمَا سَئِمْتُم عِيشَةَ الْخُسْرَانِ
نَذَرْتُمُ الحَامِيَ فِي سَفَاهَةٍ (٣) ... مَعَ الْوَصِيلَةِ فِدَا الْقُرْبَانِ (٤)
وَمِنْكُمُ الصَّابِئُ بَلْ وَمُشْرِكٌ ... فُجُوْرُهُ كَالْمَاجِنِ السَّكْرَانِ
بَلْ وَمَجُوسِيٌّ هَوَتْهُ نَارُهُ ... عَبَدَهَا بِالْقَلْبِ وَالْوِجْدَانِ (٥)
أَشْرَقَ فِي الدُّجَى رَسُولُ رَحْمَةٍ ... يَهْدِي إِلَى شَرِيعَةِ الْإِحْسَانِ
يُنِيرُ لِلْخَلْقِ دُرُوبَ ظُلْمَةٍ ... يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَن الحواشي
(١) السَّائِبَةُ: كانوا يسيبونها لِأَصْنَامِهِم وهي النَّاقَةُ إذا تابعت بين عشر إنَاثٍ ليس بينهن ذَكَر.(٢) البَحِيرَةُ: النَّاقةُ الَّتِى تُشَقُّ أُذُنُهَا كانوا إذا ولدت النَّاقَةُ خَمْسَةَ أبطن بَحَرُوا أُذُنَهَا.(٣) الحَامِي: الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ الَّذِي قد حُمِيَ ظَهْرُهُ مِنْ أنْ يُرْكَبَ بتتابع أولادٍ تكون مِنْ صُلْبِه، وكانت العَرَبُ إذا أنتجت مِنْ صلب الفحلِ عشرة أبطن قالوا حمي ظهره فلا يحمل عليه شيءٌ ولا يُمْنَعُ مِنْ مَاءٍ ولا مَرْعَى.(٤) الوَصِيْلَةُ: الأنْثَى مِنَ الْغَنَمِ إِذَا ولدت أُنْثَى مَعَ الذَّكَرِ قالوا أوصلت أخَاهَا فلم يذبحوه، وقال أهْلُ اللُّغَةِ: كانت الشَّاةُ إذا ولدت أُنْثَى فهي لهم وإذا ولدت ذَكَرًا ذبحوه لآلهتهم.(٥) كانت هذه الدِّيَانَاتُ هى دِيَانَاتُ الْعَرَبِ حين جاء الإسْلَامُ، وقد أصاب هذه الدِّيانات البَوَارُ والانْحِلالُ، فالمُشْرِكُونَ الَّذِين كَانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم على دين إبراهيمَ ﵇ كانوا بعيدين عن أوامر وشريعةِ نبيِّ الله إبراهيمَ وما أتت به مِنْ مَكَارِمِ الأخْلَاقِ واليَهُودِيَّةُ انقلبت رِيَاءً وتَحَكُّمًا وصار رؤساؤها أرْبَابًا مِنْ دون الله يَتَحَكَّمُونَ فِي النَّاسِ هَمُّهُمُ الْمَالُ والرِئَاسَةُ وإنْ ضَاعَ الدِّينُ.
-
والنَّصرانيَّةُ عَادَتْ وثنيَّة عَسِرَة الفَهْمِ وأَوْجَدتْ خَلْطًا بين الله والإنْسَان، وذلك خَلْطٌ عَجِيبٌ يتنافى مَعَ الفِطْرَةِ الَّتِى فَطَرَاللهُ النَّاسَ عليها.
-
وأمَّا سَائِرُ أدْيَانِ الْعَرَبِ فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين، فقد تشابهت قُلُوبُهُمْ وتواردتْ عَقَائِدُهُمْ وتوافقتْ تَقَالِيدُهُمْ.стр. 18
مولد النُّور
الْحَمْدُ لِلَّهِ اصْطَفَى حَبِيبَهُ ... خَيْرَ الْوَرَى إشْرَاقَةَ الضِّيَاءِ
تُضِيءُ فِي سَمَا الْوُجُودِ شَمْسُهُ ... لِيَزْهُوَ الْجَمَالُ فِي الْأَحْيَاءِ
سَاوَةُ قَدْ غَاضَتْ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ... خَجِلَةً مِنْ نُورِهِ الْوَضَّاءِ
كِسْرَى أَتَى بِالْحَقِّ خَيْرُ مُرْسَلٍ ... سُحْقًا لِنَارِ الشِّرْكِ وَالْبِغَاءِ
بَدْرُ الْهُدَى قَدْ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ ... كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي الْعَلْيَاءِ
حَلِيمَةُ السَّعْدِ عَلَتْ مَكَانَةً ... قَدْ أَرْضَعَتْ مَنَارَةَ السَّمَاءِ
وَتَحْلِبُ اللَّبَنَ فِي حَفَاوَةٍ ... وَقَوْمُهَا جَوْعَى بِلَا اسْتِثْنَاءِ
جِبْرِيلُ شَقَّ صَدْرَهُ تَطَهُّرًا (١) ... فِدَاكَ نَفْسِي مَوْرِدَ الصَّفَاءِ
إِنَّ الْحَبِيبَ طَاهِرٌ مُبَارَكٌ ... أَكْرِمْ بِذِي السَّرِيرَةِ الْعَصْمَاءِ
الْحُسْنُ بَعْضٌ مِنْ جَمَالِ وَصْفِهِ ... وَالْوَجْهُ كَالْقَمَرِ فِي الْبَهَاءِ (٢)
وَيَغْمُرُ السَّائِلَ بَحْرُ جُودِهِ ... فَالْخَيْرُ قَدْ فَاضَ مِنَ السَّخَاءِ
نُسْقَى عَلَى الْحَوْضِ غَدًا مِنْ يَدِهِ ... زِدْنَا اشْتِيَاقًا لِلرُّبَا الشَّمَّاءِ
أَنَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي زُمْرَتِهِ؟ ... وَنَسْبِقُ النَّاسَ إِلَى السَّعْدَاءِ
فَالْحُورُ فِي الْخِيَامِ زِدْنَ نَضْرَةً ... أَجْمِلْ بِهَا نَضَارَةُ الْهَنَاءِ!
وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْرَ مَنْزِلٍ ... قَدْ زَيَّنَتْهُ أَجْمَلُ النِّسَاءِ
اجْعَلْ وُجُوهَنَا غَدًا نَاضِرَةً ... ذَاكَ وَرَبِّي مُنْتَهَى الرَّجَاء الحواشي
(١) انظر الرَّحيق المختوم ص ٦٣ وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإسراء ١/ ١٤٧ ص ٢٦١.(٢) حدَّثنا أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ أبُو عَبْدِ الله حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدَّثَنا إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ يَقُولُ: (كَانَ رسُولُ الله ( ﷺ ) أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا لَيْسَ بالطَّوِيلِ البائِنِ وَلَا بالقَصِيرِ) أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِيِّ ( ﷺ ) عَن أبي كريب. - عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، صِفِي لِي رَسُولَ الله ( ﷺ ): «قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً». رواه الدَّارمي / مشكاة المصابيح ٢/ ٥١٧.стр. 19
حرب الفِجَار
الْحَرْبُ فِي طَيَّاتِهَا تَهْلُكَةٌ ... وَبِئْسَهَا فِي الْأَشْهُرِ الْحَرَامِ
قَدْ قَتَلَ الْبَرَّاضُ فِي تَفَاخُرٍ (١) ... ثَلَاثَةً مِنْ زُمْرَةِ الْكِرَامِ
دَعَا إِلَى الصُّلْحِ رِجَالُ حِكْمَةٍ ... مَا أَقْبَحَ الْفُجْرَ مَعَ الْخِصَامِ!
فَدِيَةٌ تَفْصِلُ فِي خُصُومَةٍ ... وَأُذْعِنَ الْجَمِيعُ لِلْحُكَّامِ
كَمْ أَظْهَرَ الْحَبِيبُ مِنْ شَجَاعَةٍ! ... قَدْ عَجِبُوا مِنَ الْفَتَى الْهُمَامِ
أَعَدَّ لِلْأَعْمَامِ نَبْلاً فَرِحًا (٢) ... مَا خَافَ مِنْ مَوْتٍ وَلَا حُسَام
حلف الفُضُولِ
حِلْفُ الْفُضُولِ كَانَ فِي عَشِيرَةٍ ... هُمْ قِبْلَةُ الْعَدْلِ مِنَ الشُّجْعَانِ
فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُمْ قَدْ جُمِّعُوا (٣) ... لِنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ فِي الْبُلْدَانِ
أَيَا زُبَيْدِيُّ وَجَدْتَ مُنْصِفًا (٤) ... أَتَأْخُذُ الْمَالَ بِلَا نُقْصَانِ
رَعَى النَّبِيُّ نَفْسُهُ أَغْنَامًا ... أَطْلَقَهَا الْحَبِيبُ فِي الْوِدْيَان الحواشي
(١) البرَّاضُ بن قَيْسِ بن رَافِعِ الكِنَانِي اغْتَالَ ثَلاثَةً مِنْ رِجَالِ قَيْسِ عَيْلَان فوقعت الحَرْبُ بين قريش ومعهم كِنَانَة ضد قَيْسِ عَيْلَان وكَانَ البرَّاضُ مِنْ كِنَانَة وكان قائد قريش وكِنَانَة هو (حَرْبُ بن أُمَيَّة).(٢) انظر ابن هشام ١/ ١٨٤ - ١٨٧، شَارَكَ النَّبِيُّ ( ﷺ ) فِي حَرْبِ الفِجَار وكَانَ يَعُدُّ النَّبْلَ لِلأعْمَامِ.(٣) جُمِّعُوا فِي دار عبد الله بن جُدْعَان.(٤) انظر الطَّبقات لابن سعد والتفصيل أنَّ العَاصَ بن وائل السَّهمي اشترى بضاعةً مِنْ رَجُلٍ مِنْ زُبَيْد وَحَبَسَهُ حَقَّهُ فاستعدى عليه الأحْلَافَ حَتَّى عَقَدُوا حِلْفَ الفُضُولِ فَرُدَّ لِلزُّبَيْدِيِّ حَقُّه.стр. 20
زواج النَّبيّ ( ﷺ ) «من خديجة»
خَدِيجَةُ الطُّهْرِ رَأَتْ مُحَمَّدًا ... وَالْحُسْنُ بَعْضٌ مِنْ سَنَا نَبِينَا
اسْتَوْدَعَتْهُ مَالَهَا مَحَبَّةً ... فَقَدْ رَأَتْهُ صَادِقًا أَمِينَا
وَكَانَ مَيْسَرَةُ خَيْرَ خَادِمٍ ... بِأَعْذَبِ الْخِصَالِ قَدْ رُوِينَا
وَأَنْجَبَتْ لَهُ البَنِينَ سَادَةً ... بِأَنْعُمِ الْكَرِيمِ قَدْ رَضِينَا
بغُصْنِهَا أَرْبَعُ زَهْرَاوَاتٍ ... قَدِ اسْتَقَيْنَ عِزَّةً وَدِينَا (١)
مَاتَ الْبَنُونَ كُلُّهُمْ فِي صِغَرٍ ... فَالصَّبْرُ زَادُنَا إِنِ ابْتُلِينَا (٢) الحواشي
(١) ولَدَتْ القَاسِمَ وزَيْنَبَ ورُقيَّةَ وفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ وعَبْدَ الله المُلَقَّب بِالطَّاهِرِ وأمَّ كُلْثُوم.(٢) أدرك البناتُ الإسْلَامَ وَمِتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ( ﷺ ) سِوَى فَاطِمَةَ عَاشَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ أَبِيهَا ثُمَّ مَاتَتْ - انظر ابن هشام ١/ ١٨٩ وفتح الباري ٧/ ١٠٥ وتلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧.стр. 21
بناء الكعبة وقصة التَّحكيم
يَا أَسَفًا قَدْ جَاءَ سَيْلٌ عَرِمٌ ... أَضَرَّ بِالْكَعْبَةِ فِي الْأَنْبَاءِ
يَأْتِي الْوَلِيدُ حَامِلاً بِمِعْوَلٍ (١) ... وَمُسْرِعًا فِي الْهَدْمِ بِاجْتِرَاءِ
فَإِنَّمَا لِكُلِّ قَوْمٍ جُزْءٌ ... بَاقُومُ قَدْ أَسْرَعَ فِي الْبِنَاءِ
وَأَبْعَدُوا مَا كَانَ مِنْ مُحَرَّمٍ (٢) ... حُبًّا لِتِلْكَ الْكَعْبَةِ الْغَرَّاءِ
مَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ فِي مَكَانِهِ ... تَنَازَعَ السَّادَةُ فِي الْأَنْحَاءِ
فَحَكَّمُوا مَنْ يَأْتِهِمْ مُسْتَشْرِفًا ... فَكَانَ نَبْعَ الْعَدْلِ وَالصَّفَاءِ
فَهَلْ تَرَى مَاذَا الْحَبِيبُ فَاعِلٌ؟ ... قَدْ مَسَكَ الْجَمِيعُ بِالرِّدَاءِ (٣)
وَعَصَمَ اللهُ لَنَا نَبِيَّنَا ... طَهَّرَهُ مِنْ بَطَرِ الْأَهْوَاءِ
مَا شَرِبَ الْخَمْرَ بِيَوْمٍ أَبَدًا ... فَهُوَ ذُو الْبَدِيهَةِ الْعَصْمَاءِ
قَدْ حُفِظَ الْحَبِيبُ مِنْ غِوَايَةٍ ... جُمِّلَ بِالْحِكْمَةِ والنَّقَاءِ
أَرَادَ أَنْ يَسْمُرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ (٤) ... لَكِنَّهُ نَجَا مِنَ الْإغْوَاء الحواشي
(١) الوَلِيدُ بن المُغِيرَة.(٢) أبعدوا كُلَّ مَالِ رِبَا وكُلَّ مَهْرِ بَغِيّ فلم يُدْخِلُوا شَيْئًا مِنْ هذه الأموال فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ.(٣) وَضَعَ النَّبِيُّ ( ﷺ ) الحَجَرَ الأسْوَدَ على رِدَاءٍ وأَمْسَكَتْ كلُّ قبيلةٍ بطرف مِنْ أطراف الرِّدَاءِ ووضعوه جَمِيعًا فِي مكانه، وتَوَّلَى البِنَاءَ رَجُلٌ رُومِيٌّ اسْمُهُ (بَاقُوم) وكَانَ بَنَّاءً.(٤) أرَادَ أنْ يَسْمُرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَضُرِبَ على أُذُنِهِ نَوْمٌ. انظر ابن هشام ١/ ١٢٨ وتاريخ الطَّبري ٢/ ١٦١.стр. 22
حياة النَّبِيِّ ( ﷺ ) والرِّسَالة والدَّعوة
يَا جَبَلَ النُّورِ كَفَاكَ عِزَّةً ... فَإِنَّ فِيكَ خُلْوَةَ الطَّاعَاتِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مِنَّتِهِ ... وَمَنْ لَهُ الشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَاتِ
نَلُوذُ بِالرَّحْمَنِ فِي ضَرَاعَةٍ ... فَإِنَّهُ الْغَافِرُ لِلزَّلَّاتِ
جِبْرِيلُ قَدْ أَتَى النَّبِيَّ مُشْرِقًا ... مَا أَجْملَ الْحِلْمَ مَعَ الثَّبَاتِ!
وَغَطَّهُ الْمُرْسَلُ تِلْوَ مَرَّةٍ ... مَا قَرَأَ الْمَحْمُودُ فِي الصِّفَاتِ
فَغَطَّهُ مِنْ بَعْدِهَا ثَالِثَةً ... أَرْسَلَهُ لِيَتْلُوَ الْآيَاتِ
وَهَدَّأَتْهُ زَوْجُهُ مِنْ فَزَعٍ ... فِدَاكَ نَفْسِي نَضْرَةَ الْجَنَّاتِ
تَصِلُ كُلَّ رَحِمٍ مَحَبَّةً ... كَالنَّجْمِ يَبْدُو فِي سَمَا الرَّوْضَاتِ
وَرَقَةُ الْعِلْمِ يُقِرُّ مُوقِنًا (١) ... بِأَنَّهَا بشَائِرُ الْخَيْرَاتِ
مُحَمَّدٌ أَنْتَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ... فَاصْبِرْ عَلَى الْأَذَى مِنَ السَّادَاتِ
أَنْذِرْ نَبِيَّنَا نَعَمْ عَشِيرَةً ... فَقَدْ مَضَتْ نَسَائِمُ الرَّاحَاتِ
بِدَايَةُ الْوَحْيِّ رُؤَى صَادِقَةٌ ... مَا أَجْمَلَ الرُّؤَى الْمُبَشِّرَاتِ!
وَنَفْثُ جِبْرِيلَ نَعَمْ فِي رَوْعِهِ ... أوْ يَتَمَثَّلُ كَرِيمُ الذَّاتِ
صَلْصَلَةُ الْجَرَسِ تَسْقِي قَلْبَهُ ... بَصَائِرَ الْحِكْمَةِ والْعِظَاتِ
وَأَنْ يَرَى الْأَمِينَ فِي صُورَتِهِ ... كَالْقَمَرِ السَّاطِعِ فِي الرَّبْوَاتِ (٢)
بلْ كَلَّمَ الْجَلِيلَ فِي مِعْرَاجِهِ (٣) ... أَكْرَمَهُ مُقَسِّمُ الْأَقْوَات الحواشي
(١) وَرَقَةُ بِن نَوْفَل بن أسد بن عبد العُزَّى وهو ابنُ عمِّ السَّيدة خَدِيجَة وكان رَجُلاً نَصْرَانِيًّا، وقَالَ وَرَقَةُ للنَّبِيِّ ( ﷺ ): هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى. وَقَالَ: لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ( ﷺ ): أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ لمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.(٢) انظر أقسام الوحي ومراتبه الرَّحيق المختوم ص ٧٨ - ٧٩.(٣) كلام الله بلا واسطة كما كلَّم مُوسَى بن عمران، وكما ثَبَتَ هذا الأمر لموسى ﵇ ثبت لنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( ﷺ ) (وهو فِي حديث الإسراء).стр. 23
الدَّعوة جِهَارًا
نَادَى الْحَبِيبُ فِي جِهَارٍ قَوْمَهُ ... تَصْحَبُهُ مَعِيَّةُ الرَّحْمَنِ
يَا قَوْمَنَا إِنِّي لَكُمْ بِنَاصِحٍ ... نَعَمْ؛ أَجِيبُونِي بَنِي الْإِنْسَانِ
مَا أَخْوَفَ الْحِسَابَ فِي يَوْمِ غَدٍ! ... هَيَّا احْذَرُوا قَوْمِي مِنَ الْخُسْرَانِ
وَصَعِدَ الصَّفَا حَبِيبِي مُنْذِرًا (١) ... يَصْدَحُ فِي بَسَالَةِ الشُّجْعَانِ
سُبْحَانَ مَنْ يَمْلِكُ كُلَّ أَمْرِنَا ... هَيَّا انْزَعُوا وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ
فَإِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... خَالِقُنَا وَمُبْدِعُ الْأَكْوَانِ
قَالَ أَبُو لَهَبِ: تَبًّا سَاخِرًا ... أَتَجْمَعُ الْقَوْمَ لِذَاكَ الشَّانِ
قَالُوا مُحَمَّدٌ بِحَقٍّ كَاهِنٌ ... كَلَّا؛ فَمَا هُوَ مِنَ الْكُهَّانِ
بَلْ إِنَّهُ مُرْشِدُنَا لِخَالِقٍ ... فَلَا بِمَجْنُونٍ وَلَا خَوَّانِ
وَمَا نَرَاهُ شَاعِرًا فِي قَوْلِهِ ... كَفَاهُ لَا يَهِيمُ فِي الْوِدْيَانِ
يَا وَيْحَكُمْ لَيْسَ النَّبِيُّ سَاحِرًا ... فَبِئْسَ كُلُّ سَاحِرٍ فَتَّانِ
مَا ضَيْرُكُمْ نَشْأَتُهُ فِي يُتْمٍ ... خُلِّدَ ذِكْرُهُ بِلَا نِسْيَانِ
حَسْبُكَ يَا نَضْرُ كَفَاكَ فِرْيَةً (٢) ... فَلَنْ تَصُدَّنَا عَنِ الْقُرْآنِ
تَحْكِي أَسَاطِيرًا بِلَا هَوَادَةٍ ... مِنْ سَالِفِ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَان الحواشي
(١) صَعِدَ النَّبِيُّ ( ﷺ ) يَوْمًا على الصَّفا ثمَّ هتف «يا صُبَاحَاه» وهي كلمة إنْذَار، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إليه، فلمَّا اجْتَمَعُوا قال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أَنَّ خَيْلاً بالوادي بسَفْحِ هذا الجبل تريد أنْ تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيّ؟» قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك كَذِبًا مَا جَرَّبْنَا عليْك إلَّا صِدْقًا.
قال: «فَإِنِّي نذيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديد وإنَّما مَثَلِي ومَثَلُكُم كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فانْطلقَ يرْبَأُ بِأَهْلِهِ فخشِيَ أنْ يَسْبِقُوه فجعل يُنادِي: يَا صُبَاحَاه». فلمَّا أتَمَّ الإنْذَارَ قال له عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ (تَبًّا لك ألهذا جمعتنا؟).(٢) النَّضْرُ بن الحَارِث كَانَ يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ سَمَاعِ القُرْآنِ ويَحْكِي أسَاطِيرَ رُسْتُمَ وإِسْفَنْدِيَار.
انظر ابن هشام ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.стр. 24
مُصْعَبُ ذُو بَصِيرَةٍ وَحِكْمَةٍ ... سَفِيرُنَا فِي الْعِلْمِ وَالتِّبْيَانِ
صُهَيْبُ قَدْ عُذِّبَ فِي ضَرَاوَةٍ (١) ... فَآثَرَ الْحَقَّ عَلَى الْبُطْلَانِ
بِلَالُ قَدْ آذَوْهُ فِي تَجَبُّرٍ (٢) ... تَحَمَّلَ الصَّبْرَ عَلَى الطُّغْيَانِ
سُمَيَّةُ الطُّهْرِ لَهَا مَنْزِلَةٌ (٣) ... غَدًا بِدَارِ الْخُلْدِ وَالرِّضْوَان الحواشي
(١) انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٢٤٨ صهيب بن سِنَانَ الرُّومِيّ.(٢) بلال بن رباح اشتراه أبو بكر بخمس أو بسبع أوَاقٍ من الفِضَّةِ وأعتقه. انظر ابن هشام ١/ ٣١٧ - ٣١٨ وتلقيح فهوم أهل الأثر ص ٦١.(٣) سُمَيَّةُ بنت خُيَّاط- (وقيل خُبَّاط-) أمُّ عمَّار بن يَاسِر أوَّلُ شَهِيدَةٍ فِي الإسْلَام.стр. 25
وفد قريش إلى أبي طالب
قَدْ أَقْبَلَتْ قُرَيْشُ ذَاتَ مَرَّةٍ ... أَخُصُّهُمْ أَكَابِرَ السَّادَاتِ
مَا أَجْمَلَ الْمُخْتَارَ كَانَ صَابِرًا! ... وَصَامِدًا فِي غَايَةِ الثَّبَاتِ
لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ يَمِينِي صِدْقًا ... ثُمَّ أَتَوْا بِقَمَرِ الرَّبْوَاتِ
لَنْ أَتْرُكَ الْأَمْرَ فَإنِّي مُرْسَلٌ ... وَإِنْ بَدَا فِيهِ هَلَاكُ الذَّاتِ
وَلَنْ يَكُونَ ابْنُ زِيَادٍ مُغْنِيًا (١) ... إِنَّ النَّبِيَّ مَنْبَعُ الْخَيْرَاتِ
فَإِنَّهُ صَفِيُّنَا ذُو رِفْعَةٍ ... عَدُوُّهُ الْأَبْتَرُ فِي شَتَاتِ (٢)
وَخَصْمُهُ اللَّدُودُ تَبَّتْ يَدُهُ (٣) ... يَسْقِي جُذُورَ الشَّرِّ وَالْفَاقَاتِ
أَرْوَى أَتَحْمِلِينَ شَوْكًا جَارِحًا (٤) ... قَدِ اكْتَسَيْتِ الذُّلَّ فِي الْآيَاتِ
فَإِنَّمَا قَدْ أُغْشِيَتْ بَصِيرَةٌ ... تَعِيشُ فِي الْفُجُورِ وَالزَّلَّاتِ
أَرَاكَ فِرْعَوْنُ بِلَا رَوِيَّةٍ (٥) ... تَمْنَعُ نَاسِكًا مِنَ الطَّاعَاتِ
تُصْلَى غَدًا بِالنَّارِ فِي سَعِيرِهَا ... سُحْقًا لِأهْلِ الشِّرْكِ وَالْفِتْنَات الحواشي
(١) عِمَارَةُ بن زِيَاد.(٢) انظر تفسير ابن كثير سورة الكوثر ٤/ ٥٩٥.(٣) أَبُو لَهَبِ عَمُّ النَّبِيِّ ( ﷺ ).(٤) أمُّ جميل (أرْوَى بنت حرب بن أُمَيَّة).(٥) فِرْعَوْنُ الأُمَّةِ (عَمْرُو بن هِشَام) أبُو جَهْل.стр. 26
دار الأرقم والهجرة إلى الحبشة
اجْتَمَعَ الْقَوْمُ بِدَارِ رِفْعَةٍ ... فَأَرْقَمُ الْخَيْرِ مِنَ الشُّجْعَانِ (١)
وَهَاجَرَ الْبَعْضُ بِلَا تَرَدُّدٍ ... هُمْ آثَرُوا الرَّحِيلَ لِلْأَمَانِ
وَسَجَدَتْ قُرَيْشُ ذَاتَ مَرَّةٍ (٢) ... قَدْ سَمِعُوا الْآيَاتِ بِاطْمِئْنَانِ
فَرَجَعَ النَّاسُ بِكُلِّ شَوْقِهِمْ ... مَا وَجَدُوا مَعَالِمَ الرِّضْوَانِ
وَإِنَّمَا الْبَغْيُ بِلَا هَوَادَةٍ ... فَعَوْدَةٌ لِأَصْدَقِ الْخِلَّانِ
كَفَاكَ يَا عَمْرُو دَهَاءَ حِيلَةٍ (٣) ... فَالْمَكْرُ مِنْ غِوَايَةِ الشَّيْطانِ
جَعْفَرُ ذُو فَصَاحَةٍ وَحِكْمَةٍ (٤) ... وَيُسْكِنُ الْكَلَامَ فِي الْوِجْدَانِ
يَا قَوْمُ كُنَّا فِي ضَلَالٍ مُفْرِطٍ ... نَأْتِي بِقَوْلِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ
وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فِي جَهَالَةٍ ... نَسْجُدُ لِلْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ
مَا نُحْسِنُ الْجِوَارَ فِي عَشِيرَةٍ ... نَرْضَى بِعَيْشِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ
بَلْ نَقْطَعُ الْأَرْحَامَ فِي تَجَاهُلٍ ... نَسْبِقُ بِالْفُجُورِ وَالطُّغْيَانِ
وَمَا رَحِمْنَا ضُعَفَاءَ قَوْمِنَا ... وَإِنَّمَا نَفْخَرُ بِالْعُدْوَان الحواشي
(١) الأرْقَمُ بن أبي الأرْقَمِ المَخْزُومِي.(٢) سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ لَمَّا سَمِعُوا خَوَاتِيمَ سُورَةِ النَّجْمِ وروى البخاري قصة السُّجُودِ مختصَرة عن ابن مَسْعُود وابن عبَّاس فِي بَابِ سَجْدَةِ النَّجْمِ وباب سجود المسلمين والمشركين ١/ ١٤٦.(٣) أَرْسَلَتْ قُرَيْشُ عَمْرَو بن العَاصِ وعبد الله بن رَبِيعة وأرسلوا معهما الهدايا إلى النَّجَاشي لطرد المسلمين من الحبشة.(٤) جَعْفَرُ بن أبي طالب.стр. 27
فَبَعْثَ اللهُ إِلَيْنَا هَادِيًا ... يَدْعُو إِلَى فَضَائِلِ الْإِيمَانِ
وَنُخْرِجُ الزَّكَاةَ فِي تَطَهُّرٍ ... نَرْجُو رِضَاهُ خَالِقِ الْأَكْوَانِ
بَلِ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا تَعَبُّدٌ ... وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِصْيَانِ
وَقَدْ لَقِينَا الْبَطْشَ مِنْ أَقْوَامِنَا ... فِي كُلِّ وَقْتٍ وَبِلَا حُسْبَانِ
وَمَا وَجَدْنَا غَيْرَ ظُلْمٍ مُحْدِقٍ ... فَقَدْ طَغَوْا بِأَعْظَمِ اسْتِهْجَانِ
وَإِنَّنَا جِئْنَاكَ نَبْغِي عَدْلاً ... يَا قِبْلَةً لِلْعَدْلِ والْإِحْسَانِ
ثُمَّ تَلَا جَعْفَرُ مِنْ قُرْآنِنَا ... وَأَظْهَرَ الْحُجَّةَ فِي امْتِنَانِ
وَقَدْ بَكَى الرُّهْبَانُ مِنْ خُشُوعِهِمْ ... يَا عَجَبًا لِرَوْعَةِ الْقُرْآنِ
مَا لَكَ يَا عَمْرُو سِوَى إِذْعَانٍ ... فَالحَقُ عِنْدَ الْقَوْمِ بِالتِّبْيَانِ (١)
هُمْ خِيْرَةُ النَّاسِ بِلَا مُنَازِعٍ ... بَلْ إِنَّهُمْ مَفَاخِرُ الْأَزْمَان الحواشي
(١) انظر الرَّحيق المختوم (الهجرة الثَّانية إلى الحبشة) ص ١٠٠،٩٩.стр. 28
عتيبة بن أبي لهب
أَيَا عُتَيْبَةُ كَفَى سُخْرِيَةً (١) ... أَمَا عَرَفْتَ نِعْمَةَ الْإِحْسَانِ
آذَيْتَ خَيْرَ الْخَلْقِ فِي تَجَبُّرٍ ... لَا بَلْ تَمَادَيْتَ بِلَا رُجْحَانِ
فَلَنْ تَرَى سِوَى هَلَاكٍ مُفْجِعٍ (٢) ... فَبِئْسَ عُقْبَى الذُّلِّ وَالْخُسْرَان
محاولة القضاء على رسول الله ( ﷺ -)
قُرَيْشُ قَدْ آذَتْ نَعَمْ مُحَمَّدًا ... وَغَمَزُوا الْحَبِيبَ بِالْأَقْوَالِ
فَقَالَ جِئْتُكُمْ بِذَبْحٍ مُهْلِكٍ ... قَالُوا فَمَا أَنْتَ مِنَ الْجُهَّالِ
عُقْبَةُ قَدْ هَمَّ بِسُوءٍ مُفْجِعٍ (٣) ... فَإِنَّهُ مِنْ مُجْرِمِي الْفِعَالِ
فَدَافَعَ الصِّدِّيقُ عَنْ حَبِيبِهِ ... فَنِعْمَ عَزْمُ خِيرَةِ الْأَبْطَالِ
أَتَقْتُلُونَ المُجْتَبَى يَا وَيْحَكُمْ ... وَهُوَ يَدْعُوكُمْ لِذِي الْجَلَالِ
شَجَّ الشَّقِيُّ رَأْسَ خَيْرِ شَافِعٍ ... فِدَاكَ نَفْسِي سَيِّدَ الرِّجَالِ
حَمْزَةُ قَدْ أَتَى كَرِيحٍ عَاصِفٍ ... فَشَجَّ رَأْسَ الشِّرْكِ وَالضَّلَال الحواشي
(١) عُتَيْبَةُ بن أبي لَهَب(٢) أَكَلَهُ أسَدٌ بالشَّام(٣) حاول عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطِ قتل النَّبِيِّ ( ﷺ ) خَنْقًا. وشَجَّ أبُو جَهْلٍ رَأْسَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ( ﷺ ). انظر ابن هشام ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.стр. 29
إسلام عمر بن الخطاب ﵁ -
أَجَابَ رَبِّي لِلنَّبِيِّ دَعْوَةً ... قَدِ اهْتَدَى عُمَرُ لِلصَّوَابِ
فَسَمِعَ الْقُرْآنَ ذَاتَ مَرَّةٍ ... وَلَا يَزَالُ الْقَلْبُ فِي ارْتِيَابِ
بَلْ أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ آثِمَةٌ ... نَرَاهُ قَدْ أَسْرَعَ كَالْعُقَابِ
أَتَقْتُلُ النَّبِيَّ خَيْرَ مُرْسَلٍ ... حَلَمْتَ يَا عُمَرُ بِالسَّرَابِ
قَصَدَ أُخْتَهُ بِكُلِّ جُرْأَةٍ (١) ... لَكِنَّهُ اسْتَمَعَ لِلْخَبَّابِ (٢)
فَشَرَحَ اللهُ لَهُ سَرِيرَةً (٣) ... ثُمَّ غَدَا مِنْ خِيْرَةِ الْأَحْبَاب الحواشي
(١) فَاطِمَةُ بنت الخَطَّاب أُخْتُ عمر.(٢) الخَبَّابُ بِن الأرَتِّ.(٣) عن ابن عبَّاس «﵄» أنَّ رَسُولَ الله ﵌ قال: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، ورواه أحمد والتِّرمذي وابن سعد وغيرهم عن ابن عمر «﵄» عن النَّبِيِّ ﵌ بلفظ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ»، وقد استجاب اللهُ الدُّعاء، فكان أحَبُّهُمَا إلى الله عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ «﵁». رواه التِّرمذيстр. 30
ممثل قريش بين يدي رسول الله ( ﷺ -)
عُتْبَةُ قَدْ أَتَى النَّبِيَّ مُرْسَلاً (١) ... سِلَاحُهُ فَصَاحَةُ اللِّسَانِ
فَإِنْ تُرِدْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالاً ... نَأْتِكَ بِالْمَالِ فِي امْتِنَانِ
وَإِنْ تُرِدْ مَكَانَةً تَشْرِيفًا ... تَسُدْ عَلَيْنَا فِي سَمَا الْبُلْدَانِ
أَمَّا؛ فَإِنْ كَانَ رَئِيُّ جِنَّةٍ ... فَالطِّبُّ عِلْمُنَا مِنَ الْأَزْمَانِ
ثُمَّ تَلَا الْحَبِيبُ مِنْ آيَاتٍ ... أَجْمِلْ بِقَوْلِ الْفَصْلِ فِي الْقُرْآنِ!
كَلَّا فَمَا هَذَا بِنَظْمِ شَاعِرٍ ... وَمَا أَظَنُّهُ مِنَ الْكُهَّانِ
أَعْلَاهُ وَالله بِحَقٍّ مُثْمِرٌ ... وَمُحْكَمٌ يَعْلُو بِلَا حُسْبَانِ
وَأَسْفَلُ الْكَلَامِ مِنْهُ مُغْدِقٌ ... وَيُثْلِجُ الْقُلُوبَ بِالتِّبْيَانِ
وَمَا وَجَدْنَا السِّحْرَ فِي كَلَامِهِ ... بَلْ إِنَّهُ مَنَارَةُ الْأَكْوَانِ
مُحَمَّدٌ بِرَبِّهِ مُسْتَعْصِمٌ ... لَا يَبْتَغِي سِوَى رِضَا الْمَنَّانِ
فَإِنْ تَرُدُّوا أَمْرَهُ سَفَاهَةً ... فَإِنَّكُمْ تَرْضَوْنَ بِالْخُسْرَان الحواشي
(١) عُتْبَةُ بن رَبِيعَة.стр. 31
رؤساء قريش يُفاوضون رسول الله ( ﷺ -)
سَلْ رَبَّكَ الْعَزِيزَ فِي عَلْيَائِهِ ... أَنْ يَبْسُطَ الرِّزْقَ مِنَ الْأَقْوَاتِ
أَوْ أَنْ يُفَجِّرَ لَنَا يَنْبُوعًا ... وَيَبْعَثَ الْعِظَامَ وَالرُّفَاتِ
وَأَنْ يُنْزِّلَ عَلَيْنَا مَلَكًا ... وَأَنْ نَرَى الْقُصُورَ وَالْجَنَّاتِ
أَوْ يُسْقِطَ الكِسَفَ مِنْ سَمَائِنَا ... فَذَاكَ مِنْ ذَرَائِعِ الثَّبَاتِ
فَمَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ شَاهِدٌ ... وَمُرْسَلٌ أَدْعُو إِلَى الْخَيْرَاتِ
نَعْبُدُ رَبَّكَ الْقَدِيرَ بُرْهَةً ... وَاسْجُدْ لِآلِهَتِنَا وَاللَّاتِ (١)
بَلْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... مُجِيرُنَا يَعْفُو عَنِ الزَّلَّاتِ
وفِتْيَةُ الْكَهْفِ تُرَى مَا أَمْرُهُمْ ... وَرَجُلٌ خُلِّدَ فِي السَّادَاتِ (٢)
وَالرُّوْحُ مَنْ يَمْلِكُ سِرَّ أَمْرِهَا ... سُبْحَانَهُ الْمُحْيِي مِنَ الْمَمَات الحواشي
(١) أخرج ابن جرير وغيره أنَّ قُرَيْشًا قالوا لرَسُولِ الله ( ﷺ ) تَعْبُدُ آلهتنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلهك سَنَةً؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزُّمَر ٦٤].
انظر الدُّر المنثور ٦/ ٦٩٢. وتفسير ابن جرير الطبري، سورة الكافرون.(٢) سَأَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ كَانُوا فِي الدَّهْرِ الأول ما كَانَ أَمْرُهُم فإنَّ لهم حَدِيثًا عَجَبًا، وعَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغ مَشَارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبَهَا ما كَانَ نَبَؤُهُ؟ وَسَأَلُوهُ عن الرُّوحِ مَا هِيَ؟ انظر ابن هشام ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.стр. 32
المقاطعة العامة
صَبْرًا نَبِيَّنَا عَلَى قَطِيعَةٍ (١) ... فَبِئْسَهَا صَحِيفَةُ الطُّغْيَانِ
إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ طَغَوْا تَجَبُّرًا ... وَذَاكَ مِنْ غِوَايَةِ الشَّيْطَانِ
وَقَدْ تَضَاعَ الْقَوْمُ مِنْ إِقْلَالٍ ... هُمْ شُعْلَةٌ لِلصَّبْرِ فِي الْأَزْمَانِ
فَأَكَلُوا الْجُلُودَ فِي تَصَبُّرٍ ... لِوَطْأَةِ الْجُوعِ مَعَ الْحِرْمَانِ
نَادَى أَبُو طَالِبِ فِي حَفَاوَةٍ ... سُحْقًا لِكُلِّ ظَالِمٍ فَتَّانِ
قَدْ مَزَّقَ اللهُ لَكُمْ صَحِيفَةً ... نَبَّأَنِي خَيْرُ بَنِي الْإِنْسَان
عام الحزن
مَاتَ أَبُو طَالِبِ غَيْرَ مُسْلِمٍ ... فَإِنَّمَا الْهُدَى مِنَ الرَّحْمَنِ
بُشْرَى خَدِيجَةُ بِطِيبِ مَسْكَنٍ ... مِنْ قَصَبٍ فِي جَنَّةِ الرِّضْوَانِ
لَنْ تَجِدِي فِيهِ سِوَى مَكْرُمَةٍ ... فَقَدْ حَظَيْتِ بِرِضَا الْمَنَّانِ
سَوْدَةُ أَضْحَتْ زَوْجَةً لِلمُصْطَفَى (٢) ... طُوبَى لِأُمَّهَاتِنَا الْحِسَان الحواشي
(١) القطيعة ثلاثة أعوام فِي شِعْبِ أبي طَالِب وقطعوا عنهم المِيرَةَ والمَادَّة. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ( ﷺ ) دَعَا على من كتب الصَّحِيفَةَ، وهو فِي الأصَحِّ (بَغِيضُ بن عامر بن هاشم)، فَشُلَّتْ يَدُهُ.(٢) أمُّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةُ بنت زَمْعَة كانت ممن أسلموا قديمًا، وهاجرت الهجرة الثَّانية إلى الحبشة، ومات زَوْجُهَا السَّكْرَانُ بن عمرو بأرض الحبشة، وبعد رجوعها تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ( ﷺ ) وهي أوَّلُ زَوْجَةٍ بعد السَّيِّدة خَدِيجَة ﵂.стр. 33
دعوة الإسلام خارج مكَّة
بَنُو ثَقِيفٍ كَذَّبُوا نَبِيَّنَا (١) ... مُحَمَّدًا خَيْرَ بَنِي الْإِنْسَانِ
فَهُمْ غِلَاظٌ وَذَوُو تَجَبُّرٍ ... قَدْ تَرَكُوهُ فِي يَدِ الصِّبْيَانِ
نَاجَى الْحَبِيبُ رَبَّهُ مُبْتَهِلاً ... فَمَنْ يُجِيرُهُ مِنَ الْعُدْوَانِ
كُلُّ الَّذِي سِوَاكَ رَبِّي بَاطِلٌ ... أَمَّا النَّعِيمُ فِي رِضَا الْمَنَّانِ
عَدَّاسُ أَضْحَى مُسْلِمًا مُوَحِّدًا ... قَدِ ارْتَضَى مَثُوبَةَ الرِّضْوَانِ (٢)
رَأَى النَّبِيُّ غَيْمَةً مُقْبِلَةً ... بَلْ مَلَكًا يَجُودُ بِالْإِحْسَانِ
مُرْنِي بِمَا تَشَاءُ خَيْرَ مُرْسَلٍ ... فَآثَرَ الصَّفْحَ مَعَ الْغُفْرَانِ
مَا أَعْجَبَ الْجِنَّ إِذَا تَدَبَّرُوا ... رَوَائِعَ الْآيَاتِ وَالتِّبْيَانِ
فَرَجَعُوا لِلْقَوْمِ فِي تَشَوُّقٍ ... بِأَنْ يُجِيبُوا دَاعِيَ الرَّحْمَنِ
لِيَكْتُبَ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً ... غَدًا تُنَجِّيهِمْ مِنَ النِّيرَانِ
أَجَرْتَ يَا مُطْعِمُ مِصْبَاحَ الْهُدَى (٣) ... مُحَمَّدًا مَنَارَةَ الْأَكْوَان الحواشي
(١) عَمَدَ النَّبِيُّ ( ﷺ ) إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف هم «عبد يا ليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عُمَيْر الثَّقَفِيّ»، فدعاهم إلى الله ونُصْرَةِ الإسلام فَأَبَوْا دَعْوَتَه.(٢) كان مع النَّبِيِّ زَيْدُ بن حَارِثَة، وكان يَقِيه بنفسه حَتَّى أصابه شجٌّ فِي رأسه، ولجأ النَّبِيُّ إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وقدّم عَدَّاسُ له قُطْفَ عِنَبٍ، وحينما وضعه بين يَدَيِ الرَّسُول قال: باسْمِ الله، فانكبَّ عَدَّاسُ عَلَى رَسُولِ الله ( ﷺ ) يُقَبِّلُ رأسَه ويَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ.(٣) المُطْعِمُ بن عَدِيّ.стр. 34
عرض الإسلام على القبائل والأفراد
إنَّ بَنِي كَلْبٍ طَغَوْا تَجَبُّرًا ... هُمْ تَبِعُوا وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ
وَقَوْمُ عَامِرٍ بِلَا تَعَقُّلٍ (١) ... قَدِ ارْتَضَوْا بِالذُّلِّ وَالْخُسْرَانِ
سُوَيْدُ أَنْتَ شَاعِرٌ مُكَرَّمٌ (٢) ... حَمْدًا أَجَبْتَ دَعْوَةَ الْقُرْآنِ
وَجَدْتَ فِي التِّبْيَانِ نُورًا مُشْرِقًا ... يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ
إِيَاسُ قَدْ مَاتَ نَعَمْ مُوَحِّدًا (٣) ... سَبَقَنَا لِرَوْضَةِ الْجِنَانِ
أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَذُو شَجَاعَةٍ (٤) ... قَدِ احْتَسَى مُرُوءَةَ الْأَزْمَانِ
جَهَرَ بِالتَّوْحِيدِ فِي بَسَالَةٍ ... مُجَابِهًا جَحَافِلَ الطُّغْيَان الحواشي
(١) عَامِرُ بن صَعْصَعَة.(٢) سُوَيْدُ بن الصَّامِت كان شَاعِرًا لَبِيبًا من سكان يَثْرِبَ وقد جاء إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فدعاه الرَّسُولُ ( ﷺ ) إلى الإسلام فأسلم.(٣) ... (إيَاسُ بن مُعَاذ) انظر ابن هشام ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.(٤) ... أبو ذرٍّ الغِفَاري.стр. 35
طُفَيْلُ بن عمرو الدَّوْسيّ
طُفَيْلُ ذُو مَكَانَةٍ وَشَاعِرٌ ... قَدْ مَلَكَ الْقُلُوبَ بِالتِّبْيَانِ
قَالُوا لَهُ لَا تَتَّبِعْ مُحَمَّدًا ... ذَاكَ الَّذِي يَهْذِي بِلَا رُجْحَانِ
فَوَضْعَ الطُّفَيْلُ بَعْضَ كُرْسُفٍ ... لَكِنَّهُ ارْتَوَى مِنَ الْقُرْآنِ
وَكَتَبَ اللهُ لَهُ هِدَايَةً ... يَا عَجَبًا لِقُدْرَةِ الرَّحْمَنِ
جُعِلَ فِي الْوَجْهِ ضِيَاءٌ نَيِّرٌ ... فَالْحَقُّ فِي النُّورِ مَعَ الْإِيمَانِ
وَانْتَقَلَ النُّورُ إِلَى سِيَاطِهِ ... سُبْحَانَ رَبِّي خَالِقِ الْأَكْوَانِ! (١)
ضِمَادُ قَدْ أَتَى النَّبِيَّ مُسْلِمًا (٢) ... مُوَحِّدًا مِنْ أَنْبَلِ الشُّجْعَانِ
وَبِالْيَمَامَةِ غَدَا أُسْطُورَةً ... قَدْ فَازَ بِالتَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ
أَشْرَقَ مِنْ يَثْرِبَ نُورُ سِتَّةٍ ... فَإِنَّهُمْ مَصَابِحُ الْأَزْمَان الحواشي
(١) انظر ابن هشام ١/ ٣٨٢ - ٣٨٥.(٢) ضِمَادُ الأزْدِي من أزد شَنُوءة مِنَ اليمن.стр. 36
الإسراء والمعراج
أُسْرِيَ بِالْحَبِيبِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ... مِنَ الْحَرَامِ بُقْعَةِ الرِّضْوَانِ
بِرِفْقَةِ الْأَمِينِ فِي مَسَرَّةٍ ... لِرَوْضَةِ الْأَقْصَى مِنَ الْجِنَانِ
فَأَوْثَقَ الْبُرَاقَ فِي إشْرَاقَةٍ ... وَعَرَجَ الْمُخْتَارُ لِلرَّحْمَنِ
آدَمُ كَانَ جَالِسًا مُشَوَّقًا (١) ... لِرُؤْيَةِ الْحَبِيبِ فِي امْتِنَانِ
إِنْ تَصْعَدِ الرُّوْحُ بِنُورِ طَاعَةٍ ... تَنَلْ مِنَ الرِّضَا مَعَ الْغُفْرَانِ
لَكِنَّهَا إِنْ صَعِدَتْ خَبِيثَةً ... فَلَيْسَ إِلَّا حَسْرَةُ الْخُسْرَانِ
يَحْيَى وَعِيسَى لَهُمَا مَكَانَةٌ ... مَا أَجْمَلَ الْمِسْكَ مَعَ الرَّيْحَانِ!
يُوسُفُ فِي الدُّجَى كَبَدْرٍ سَاطِعٍ ... مَا بَالُكُمْ بِالنِّسْوَةِ الْحِسَانِ؟
إدْرِيسُ وَالله عَلَا مَنْزِلَةً ... فَحُبُّهُ فِي الْقَلْبِ وَالْوِجْدَانِ
هَارُونُ مِنْ فَرْطِ جَمَالِ شَيْبِهِ ... كَأَنَّهُ فَنَارَةُ الْأَزْمَانِ
مُوسَى الْكَلِيمُ قَدْ بَدَتْ أَنْوَارُهُ ... مَا أَجْمَلَ الْقُوَّةَ فِي الْإِيمَانِ!
إِنَّ الْخَلِيلَ زَادَ فِي ابْتِهَالِهِ ... لِأَنْ يَرَى خَيْرَ بَنِي الْإِنْسَانِ
وَبَيْتُنَا الْمَعْمُورُ بَيْتُ عِزَّةٍ ... بَلْ إِنَّهُ مَنَارَةُ الْأَكْوَانِ
يَدْخُلُهُ سَبْعُونَ أَلْفًا زُمَرًا ... تَعَبُّدًا لِلْخَالِقِ الْمَنَّان الحواشي
(١) فِي السَّماء الأولى رأى آدَمَ أبا البشر فسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ به، وفي الثَّانية أبناء الخالة يَحْيَى وعِيسَى أقَرَّا بنُبُوَّتِه، وفي الثَّالثة رأى يُوسُفَ، وفي الرَّابعة إدْريس، وفي الخامسة هارون بن عِمْرَان، وفي السَّادسة مُوسَى الكليم، وفي السَّابعة لقي الخَلِيلَ إبْرَاهِيم، عليهم جميعًا أفْضَل السَّلام، ثمَّ رُفِعَ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى. ذكر ابن كثير فِي البداية والنِّهاية أنَّ إِيشَاعَ (أُمَّ يَحْيَى) هي أخْتُ مَرْيَم ١/ ٤٣٨، والرَّأي الآخر ما ذكره ابن اسحاق وابن جرير، جامع البيان ٣/ ٢٣٤ أنَّ إِيشَاعَ هي أخْتُ أمِّ مَرْيَمَ (حَنَّة) فتكون إيشاع خالة مريم ﵍.стр. 37
أَجْمِلْ بِنُورِ سِدْرَةٍ عَظِيمَةٍ (١) ... مَا أَبْدَعَ الْقِلَالَ فِي الْأَغْصَانِ!
غَشِيَهَا الْفَرَاشُ فِي تَنَاغُمٍ ... فَازْدَهَرَتْ بِأَجْمَلِ الْأَلْوَانِ
جَنَّتُنَا مِلَاطُهَا مِنْ مِسْكٍ ... قَدْ جَمَعَتْ مَمَالِكَ الْإحْسَانِ
حَصْبَاؤُهَا الْيَاقُوتُ دُرٌّ مُبْهِجٌ ... مَرْبَعُنَا يَا زُمْرَةَ الْقُرْآنِ
قَدْ فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ قُرْبَةً ... جَامِعَةً شَعَائِرَ الْأَدْيَانِ
مَالِكُ خَازِنٌ لِنَارٍ سُعِّرَتْ ... رُحْمَاكَ رَبَّنَا مِنَ النِّيرَانِ
رِضْوَانُ لِلْجَنَّةِ خَيْرُ حَارِسٍ ... يُنْبِئُ بِالْخُلْدِ بِلَا حِرْمَانِ
اخْتَرْ حَبِيبِي لَبَنًا تَكَرُّمًا ... فَغَيْرُهُ غِوَايَةُ الشَّيْطَانِ
لِآكِلِي مَالِ الْيَتِيمِ جَمْرَةٌ ... مَقَرُّهَا الْبُطُونُ بِاسْتِهْجَانِ
تَخْرُجُ بَعْدَ ذَاكَ مِنْ أَدْبَارِهِمْ ... فَبِئْسَ كُلُّ ظَالِمٍ خَوَّانِ
بُطُونُ آكِلِي الرِّبَا تَفَجَّرَتْ (٢) ... فَإِنَّهَا كَمَرْتَعِ الظِّبْيَانِ
وَيَأْكُلُ الزُّنَاةُ لَحْمًا نَتِنًا ... فَبِئْسَ قَوْمُ الذُّلِّ وَالْخِذْلَانِ
عُلِّقَ مِنْ ثَدْيٍ نِسَاءُ فِتْنَةٍ ... قَدْ غَرِقُوا فِي وَابِلِ الْعِصْيَانِ
وَيَخْرُجُ الثَّوْرُ بِلَا رَوِيَّةٍ ... فَلْنَحْذَرِ الْأَقْوَالَ بِالْبُهْتَانِ
وَشَاهَدَ الْمُخْتَارُ قَوْمَ نَعْمَةٍ ... هُمْ يَحْصُدُونَ الزَّرْعَ فِي الْبُسْتَانِ
نَادَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ غَانِيَةٌ ... فَلَمْ يُجِبْ مَكَائِدَ الْهَوَانِ
قَدْ وَصَفَ الْأَقْصَى بِعَوْنِ خَالِقٍ ... وَأَثْلَجَ الصُّدُورَ فِي الْأَبْدَانِ
فَإِنَّ فِي الْإِسْرَاءِ خَيْرَ عِبْرَةٍ ... وَقَدْ طَوَتْ صَحَائِفَ الْأَحْزَان الحواشي
(١) سِدْرَةُ المُنْتَهَى نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ وأوراقُها كآذان الفِيَلَةِ غَشِيَهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ونُورٍ وأَلْوَان.(٢) يطؤهم آلُ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا بِعَرضِهِمْ على النَّار.стр. 38
بيعة العقبة الأولى
قَدْ بَايَعَ النَّبِيَّ خَيْرُ فِرْقَةٍ ... فَإِنَّهُمْ مِنْ خِيْرَةِ الرِّجَالِ
بِالْبُعْدِ عَنْ فُحْشٍ وَكُلِّ مُنْكَرٍ ... وَالشِّرْكِ وَالزُّورِ مِنَ الْأَقْوَالِ
سَرِقَةُ الْمَالِ قَبِيحُ فَعْلَةٍ ... فِي الدِّينِ لَا نَبْغِي سِوَى الْحَلَالِ
وَالذَّوْدُ عَنْ نَبِيِّنَا فَرِيضَةٌ ... فَيُفْتَدَى بِالنَّفْسِ بَلْ والْآلِ
وَمُصْعَبُ الْخَيْرِ نَرَاهُ شَمْعَةً (١) ... تُنِيرُ فِي غَيَاهِبِ الضَّلَالِ
أُسَيْدُ قَدْ آمَنَ فِي حَفَاوَةٍ (٢) ... قَدْ خَشَعَ الْقَلْبُ مِنَ الْإِجْلَالِ
وَسَعْدُ قَدْ أَتَى بِوَجْهٍ مُشْرِقٍ (٣) ... فَالْحَمْدُ لِلْمُنْعِمِ ذِي الْجَلَال الحواشي
(١) نزل مُصْعبُ بن عُمَيْر على أسْعَد بن زُرَارَةَ وأَخَذَا يَبُثَّانِ الإسلامَ فِي أهْلِ يَثْرِبَ، وكان مُصْعَبُ يُعْرَفُ بالمُقْرِئ.(٢) أُسَيْد بن حُضَيْر.(٣) سَعْدُ بن مُعَاذ، انظر قصة إسلامهما فِي ابن هشام ١/ ٤٣٥ - ٤٣٨.стр. 39
بيعة العقبة الثانية
قَدْ بَايَعَ الْأَنْصَارُ خَيْرَ مُرْسَلٍ ... هُمْ جَمَعُوا مَحَامِدَ الْإِحْسَانِ
بِطَاعَةِ الْمُخْتَارِ فِي بَسَالَةٍ ... وَيُنْفِقُونَ الْمَالَ لِلرِّضْوَانِ
وَخَشْيَةُ الله مَنَارُ دَرْبِهِمْ ... مَا أَجْمَلَ التَّقْوَى مَعَ الْإِيمَانِ!
إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي تَعَبُّدٍ ... فَازُوا وَرَبِّي بِرِضَا الْمَنَّانِ
مَا صَافَحَ النَّبِيُّ أَيَّ امْرَأَةٍ ... حُفِظَ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ
قُرَيْشُ فَاقَتْ مِنْ سُبَاتٍ غَاشِمٍ ... فَبِئْسَ قَوْمُ الشَّرِّ وَالْبُهْتَانِ
وَالْمُؤْمِنُونَ ثَبَتُوا فِي صَمْتِهِمْ ... قَدْ أُمِرَ الْجَمِيعُ بِالْكِتْمَانِ
فَاسْتَيْقَنَتْ قُرَيْشُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ ... وَأَتْبَعُوهُمْ أَمْهَرَ الْفُرْسَانِ
فَأَدْرَكُوا سَعْدًا بِخَيْلِ جُنْدِهِمْ (١) ... لَكِنَّهُ مِنْ أَنْبَلِ الشُّجْعَانِ
وَجَدَ مِنْ قُرَيْشَ مَنْ يُجِيرُهُ (٢) ... عُوفِيَ مِنْ بَرَاثِنِ الطُّغْيَان الحواشي
(١) سَعْد بن عُبَادة وكان معه المُنْذِرُ بن عمرو فأعجز المنذر القوم وقَبَضُوا على سَعْد بن عُبَادة.(٢) جاء المُطْعِمُ بن عَدِيّ والحَارِثُ بن حَرْبِ بن أُمَيَّةَ فَخَلَّصَاهُ مِنْ أيديهم، إذ كان سَعْدُ يُجِيرُ لهما قوافلهما. انظر زاد المعاد ٢/ ٥١، ٥٢، وابن هشام ١/ ٤٤٨ - ٤٥٠.стр. 40
طلائع الهجرة
أَمَا تَرَى الْهِجْرَةَ فَيْضَ رَحْمَةٍ ... رِفْقًا بِنَا يَا زُمْرَةَ الْأَحْرَارِ
بِأَدْمُعٍ هَاجَرَ خَيْرُ صَحْبِنَا (١) ... وَتَرَكَ الزَّوْجَةَ فِي الدِّيَارِ
فَتَبِعَتْهُ بَعْدَ شِقِّ أَنْفُسٍ ... قَدْ لَحِقَتْ بِمَوْطِنِ الْأَخْيَارِ
صُهَيْبُ قَدْ تَرَكَ كُلَّ مَالِهِ ... وَ آثَرَ الْبُعْدَ عَنِ الْفُجَّارِ
عُمَرُ قَدْ خَرَجَ فِي شَجَاعَةٍ ... فَدُونَهُ مَفَاخِرُ الْأَشْعَارِ
تَمَهَّلَ الصِّدِّيقُ فِي هِجْرَتِهِ ... فَقَدْ أَرَادَ صُحْبَةَ الْمُخْتَارِ
اجْتَمَعَ الْكُفَّارُ فِي تَغَيُّظٍ ... فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْأَشْرَارِ
مُحَمَّدٌ قَدْ سَاءَنَا بِأَمْرِهِ ... نَرَى خُرُوجَهُ بِلَا انْتِظَارِ
نَحْبِسُهُ فَلَا يَرَى أَتْبَاعَهُ ... وَالْقَتْلُ حَتْمًا سَيِّدُ الْقَرَارِ
تَيَقَّنَ الْحَبِيبُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ ... فَمَا سِوَى الْهِجْرَةِ فِي الْأَقْدَارِ
خَذِّلْ عَلِيُّ قَوْمَ شِرْكٍ دَاحِضٍ ... فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْأَطْهَارِ
قَامَ أَبُو جَهْلٍ خَطِيبًا سَاخِرًا ... مُرْتَدِيًا عَبَاءَةَ اغْتِرَارِ
فَإِنْ تُطِيعُوا قَوْمَنَا مُحَمَّدًا ... نَسُدْ بِذَلِكُمْ عَلَى الْعِشَارِ
وَإِنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْثًا عَاقِبًا ... وَمَنْ عَصَى يُصْلَى غَدًا بِالنَّار الحواشي
(١) لمَّا أراد أبو سَلَمَةَ الهِجْرَة اجتمع له أصْهَارُه وأخذوا منه زَوْجَتَهُ فغضب آلُ أبي سَلَمَة فقالوا لن نَتْرُكَ ابننا معها وتَجَاذَبُوا الغُلامَ بينهم فخلعوا يدَه وذهبوا به، وانطلق أبو سَلَمَةَ وحده إلى المدينة وكانت أمُّ سَلَمَةَ تَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ تبكي حَتَّى تُمْسِي، فَرَقَّ لها أَحَدُ ذويها وخَاطَبَ القَوْمَ، فقالوا لها الْحَقِي بِزَوْجِك.следующие страницы →